← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 23018

الكتاب لسيبويه

سيبويه

Полный текст (1 982 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا يجوز أن تُقَدَّمَ عبدَ الله وتؤخَّرَ ما ولا تزيلَ شيئاً عن موضعه، ولا تقول فيه ما يُحْسِنُ، ولا شيئاً مما يكون في الأفعال سوى هذا. وبناؤه أبدا من فَعَلَ وَفَعِلَ وفَعُلَ وأَفْعَلَ، هذا؛ لأنهم لم يريدوا أن يتَصرَّف، فجعلوا له مثالاً واحدا يَجرى عليه، فشُبَّهَ هذا بما ليس من الفعل نحو لاتَ وما. وإن كان من حَسُنَ وكَرُمَ وأَعْطَى، كما قالوا أَجْدَلٌ فجعلوه اسماً وإن كان من الجَدْل وأْجرى مُجْرَى أَفْكلٍ. ونظير جعلِهم ما وحدها اسماً قولُ العرب: إنَّى ممّا أنْ أصنعَ، أي من الأمر أن أَصنعَ، فجُعل ما وحدهَا اسماً. ومثلُ ذلك غَسَلْتُه غَسْلاً نِعِمَّا، أى نِعْمَ الغسلُ. وتقول: ما كان أحسنَ زيداً، فتَذْكر كان لتدلّ أَنه فيما مضى. هذا باب الفاعلَيْنِ والمفعولَيْن اللذين كلُّ واحد منهما يَفْعَلُ بفاعله مثل الذى يَفْعَلُ به وما كان نحو ذلك وهو قولك: ضربتُ وضَربَنَى زيدٌ، وضربَنى وضربتُ زيداً، تَحمل الاسمَ على الفعل الذى يَليه. فالعاملُ في اللفظ أحدُ الفعلينِ، وأمّا في المعنى

стр. 72

فقد يُعْلم أنَّ الأوّل قد وقع إلاّ أنّه لا يُعْمَلُ في اسمٍ واحدٍ نصبٌ ورفعٌ. وإنّما كان الذى يليه أوْلَى لقُربِ جِواره وأنه لا ينقُضُ معنىً، وأنّ المخاطَبَ قد عَرَفَ أنَّ الأوّلَ قد وقع بزَيْدٍ، كما كان خَشَّنْتُ بصدرِه وصدرِ زيدٍ، وجهَ الكلاِم، حيث كان الجرُّ في الأول وكانتِ الباءُ أقربَ إلى الاسم من الفعل ولا تَنقض معنّى، سَوَّوْا بيْنهما في الجرّ كما يَسْتَوِيان في النصب. ومما يقوَّى تركَ نحوِ هذا لعلم المخاطَب، قولُه : " والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " فلم يُعْمِل الآخِرَ فيما عمل فيه الأوّلُ استغناءً عنه ومثلُ ذلك: ونَخْلَعُ ونَتْرُكُ من يَفْجُرك. وجاء في الشعر من الاستغناء أشدُّ من هذا، وذلك قول قيسِ بن الخَطيم:

стр. 73

نَحْنُ بِما عِنْدنا وأنتَ بِما ... عِنْدَكَ راضٍ والرأي مختلف وقال ضابيء البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رَحْلُهُ ... فإِنّى وقَيّاراً بها لَغَرِيبُ وقال ابن أَحمرَ: رَمانى بأمرٍ كنتُ منه ووالِدِى ... بَرِيئاً ومن أَجْلِ الطوِىَّ رَمانِى

стр. 74

فوَضع في موضع الخبر لفظَ الواحد لأنّه قد عَلِم أنَّ المخاطَبَ سيَستدلّ به على أن الآخَرِين في هذه الصفة. والأولُ أجودُ لأنّه لم يَضَعْ واحداً في موضع جمعٍ، ولا جمعاً في موضع واحدٍ. ومثله قولُ الفرزدق: إنَّى ضَمِنْتُ لمنْ أَتانِى ما جَنَى ... وأَبَى فكانَ وكنتُ غيرَ غَدُورِ تركَ أن يكون للأول خبرٌ حين استغنى بالآخِر لعِلم المخاطَب أنَّ الأوّلَ قد دخل في ذلك. ولو تَحْمِل الكلامَ على الآخِرِ لقلتَ: ضربتُ وضربوني قومَك، وإنّما كلامُهم: ضربتُ وضربَنى قومُك. وإذا قلت ضربَنىِ، لم يكنَ سبيلٌ للأوّلَ، لأنّك لا تقول ضربَنى وأنت تَجعْلُ المُضْمَر جميعاً، ولو أعملتَ الأوّلَ لقلتَ مررتُ ومرَّ بي بزيدٍ. وإنَّما قُبح هذا أَنَّهم قد جعلوا الأقربَ أولى إذا لم يَنْقُضْ معنًى. قال الشاعر، وهو الفرزدق:

стр. 75

ولكِنّ نِصفاً لو سبَبَْتُ وسبَنَّى ... بَنُو عَبْدِ شَمْسِ من مَنافٍ وهاشم وقال طُفيلٌ الغنوىّ: وكمْتاً مُدَمّاةً كأنّ مُتونَها ... جَرَى فوقَها واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ وقال رجل من باهلةَ: ولَقَدْ أَرَى تَغْنَى به سَيْفانَة ... تُصْبِى الحَلِيمَ ومثلُها أَصْبَاهُ فالفعلُ الأوّل في كل هذا مُعْمَلٌ في المعنى وغيرُ مُعْمَلِ في اللفظ، والآخِرُ مُعْمَلٌ في اللفظ والمعنى.

стр. 76

فإِن قلتَ: ضربتُ وضربوني قومَك نصبتَ، إلا في قول من قال: أَكَلُونى البراغيثُ، أو تَحملُه على البَدَل فتجعله بدلاً من المضمَر، كأنّك قلت: ضربتُ وضربنى ناسٌ بنو فلان. وعلى هذا الحدَّ تقول: ضربتُ وضربنى عبدَ الله، تُضْمِرُ فى ضربَنْى كما أضمرتَ فى ضربونى. فإن قلت: ضربَنى وضربَتُهم قومُك رفعتَ لأنَّك شغلتَ الآخِر فأضمرتَ فيه، كأنّك قلت ضربَنْى قومُك وضربتهم على التقديم والتأخير، إلاّ أن تَجعل ههنا البدل كما جعلته فى الرفَع. فإن فعلت ذلك لم يكن بدٌّ من ضربونى لأنّك تضْمِرُ فيه الجمعَ. قال عُمَرُ بنُ أبى ربيعةَ: إذا هى لم تَسْتَكْ بِعُودِ أراكَةٍ ... تُنُخَّلَ، فاسْتَاكتْ به، عُودُ إسْحِلِ لأنه أضمرَ فى آخر الكلام. وقال المرار الأسدي: فرد على الفُؤاد هَوًى عَميداً ... وسُوئلَ لو يُبينُ لنا سؤالاَ وقد نَغْنَى بها ونرى عُصوراً ... بها يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدالاَ

стр. 77

حدّثنا به أبو الخَطَّاب عن شاعرِه. وإذا قلت: ضربونى وضربتُهم قومَك جعلتَ القومَ بدلا من هُمْ؛ لأنَّ الفعل لا بد له من فاعلٍ، والفاعلُ ههنا جماعةٌ وضميرُ الجماعة الواوُ. وكذلك تقول: ضربوني وضربتُ قومَك، إذا أَعْمَلْتَ الآخِر فلا بدَّ فى الأّوّل من ضمير الفاعلِ لئلاَّ يَخْلُوَ من فاعلٍ. وإنَّما قلت: ضربتُ وضربَنى قومُك فلم تَجعل في الأوّل الهاءَ والميمَ، لأنّ الفعل قد يكون بغير مفعول ولا يكون الفعلُ بغير فاعل. وقال امرؤ القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفانِى ولم أطْلُبْ قليلٌ مِنَ المَالِ فإنَّما رفعَ لأنَّه لم يَجعل القليلَ مطلوباً، وإنَّما كانَ المطلوبُ عندهَ المُلْكَ وجعل القليل كافياً، ولو لم يرد ونصبَ فَسَدَ المعنى. وقد يجوز ضربتُ وضربَنى زيدا؛ لأنَّ بعضَهم قد يقول: متى رأيتَ أو قلتَ زيداً منطلقاً، والوجهُ متى رأيتَ أو قلتَ زيدٌ منطلقٌ. ومثلُ ذلك فى الجوازِ ضربَنى وضربتُ قومُك، والوجهُ أن تقولَ: ضربونى وضربتُ قومَك، فتحملَه على الآخِر. فإن قلت: ضربَنى وضربتُ قومَك

стр. 78

فجائز وهو قبيحٌ، أَنْ تَجعل اللفظ كالواحد كما تقول: هو أَحسنُ الفِتيانِ وأجملُه وأَكرمُ بَنِيه وأَنبَلُه. ولا بد من هذا، لأنّه لا يَخلو الفعلُ من مضمَرٍ أو مظهَرٍ مرفوعٍ من الأسماء، كأنّك قلت إذا مثّلتَه: ضربَنى مَن ثَمَّ وضربتُ قومَك. وتركُ ذلك أجود وأحسن، للتبيان الذي يجيء بعده، فأُضمر مَنْ لذلك. قال الأخفش: فهذا رديء في القياس يَدخل فيه أنْ تقول: أَصحابُك جلس، تضمر شيئاً يكون في اللفظ واحداً. فقولهم: هو أَظْرَفُ الفِتيانِ وأجملُه لا يُقاس عليه، ألا ترى أنَّك لو قلت وأنت تريد الجماعةَ: هذا غلامُ القومِ وصاحبهُ لم يَحسن. هذا باب ما يكون فيه الاسمُ مبنياً على الفعل قُدَّمَ أو أُخَّرَ وما يكون فيه الفعلُ مبنيّا على الاسم فإذا بنيتَ الاسمَ عليه قلتَ: ضربتُ زيدا، وهو الحدُّ، لأنّك تريد أن تُعْمِلَه وتَحملَ عليه الاسمَ، كما كان الحدُّ ضَربَ زيدٌ عمراً، حيث كان زيدٌ أوّلَ ما تشغَل به الفعل. وكذلك هذا إذا كان يَعْمَلُ فيه. وإن قدمتَ الاسمَ فهو عربيٌ جيّد كما كان ذلك عربيّا جيّدا، وذلك قولك: زيداً ضربتُ، والاهتمام

стр. 79

والعناية هنا فى التقديم والتأخير سَواءٌ، مثلُه في ضرب زيد عمراً وضرب عمراً وزيد. فإذا بنيتَ الفعلَ على الاسم قلتَ: زيدٌ ضربته، فلزمته الهاء. وإنما تريد بقولك مبنى عليه الفعل أنّه فى موضع منطلقٍ إذا قلتَ: عبدُ الله منطلقٌ، فهو فى موضع هذا الذى بُنى على الأول وارتَفع به، فإنّما قلت عبدُ الله فنسبته له ثمّ بنيتَ عليه الفعلَ ورفعتهَ بالابتداء. ومثلُ ذلك قولُه جلّ ثناؤه: " وأما ثمود فهديناهم " وإنما حَسُنَ أن يُبْنَى الفعلُ على الاسم حيث كان مُعْمَلاً فى المُضْمَرِ وشَغَلْتَه به، ولولا ذلك لم يحسن؛ لأنك لم تشغله بشيء. وإن شئت قلت: زيداً ضربتُه، وإنَّما نصبهُ على إضمار فعلٍ هذا يفَّسره، كأنّك قلتَ: ضربتُ زيدأً ضربتُه، إلاّ أنّهم لا يُظهِرون هذا الفعلَ هنا للاستغناءِ بتفسيره. فالاسمُ ها هنا مبني على هذا المضمَرِ. ومثلُ ترك إظهار الفعل ها هنا تركُ الإظهار فى الموضع الذى تَقَدَّمَ فيه الإضمارُ، وستراه إن شاء الله.

стр. 80

وقد قرأ بعضُهم: " وأما ثمود فهديناهم ". وأنشدوا هذا البيتَ على وجهينِ: على النصب والرفع، قال بِشْرُ بنُ أبى خَازِمٍ: فأمّا تميمٌ تميمُ بنُ مُرٍّ ... فأَلفاهُم القومُ رَوْبَى نِيامَا ومنه قول ذى الرمّة: إذا ابْنُ أبي مُوسَى بِلالٌ بَلَغْتِهِ ... فقامَ بَفأسٍ بينَ وِصْلَيْكِ جازر فالنصب عربيٌ كثيرٌ والرفْعُ أَجودُ، لأنّه إذا أراد الإِعمال فأقرب

стр. 81

إلى ذلك أن يَقولَ: ضربتُ زيدا وزيداً ضربتُ، ولا يُعمِل الفعلَ في مضمَر، ولا يَتناولَ به هذا المتناوَلَ البعيدَ. وكلُّ هذا من كلامهم. ومثل هذا: زيدا أُعطيتُ وأُعطيت زيدا وزيدٌ أُعطيتُه؛ لأن أُعطيتُ بمنزلة ضُربتُ. وقد بُيّن المفعولُ الذى هو بمنزلة الفاعل فى أول الكتاب. فإن قلت: زيدٌ مررتُ به فهو من النصب أَبْعَدُ من ذلك، لأنَّ المضمَر قد خَرَجَ من الفعل وأُضيفَ الفعلُ إليه بالباء، ولم يوصَلْ إليه الفعلُ فى اللفظ، فصار كقولك: زيدٌ لقيتُ أخاه. وإن شئت قلتَ: زيداً مررتُ به تريد أن تُفَسَّرَ به مضمَرا، كأنّك قلت إذا مثّلتَ ذلك: جعلتُ زيدا على طريقى مررتُ به، ولكنَّك لا تُظهر هذا الأوّلَ لما ذكرتُ لك. وإذا قلت: زيدٌ لقيتُ أخاه فهو كذلك، وإن شئتَ نصبتَ، لأنّه إذا وقع على شيء من سببه فكأنّه قد وقع به. والدليلُ على ذلك أنّ الرجل يقول أهَنْتَ زيداً بِإهانتك أخاه وأكرمتَه بإِكرامك أخاه. وهذا النحوُ فى الكلام كثيرٌ، يقول الرجلُ إنْما أعطيتُ زيداً، وإنما يريد لمكان زيد أَعطيتُ فلانا. وإذا نصبتَ زيداً لقيتُ أخاه، فكأنّه قال: لا بست زيدا لَقِيتُ أخاه. وهذا تمثيلٌ ولا يُتكلَّم به، فجرى هذا على ما جرى عليه قولك أَكرمتُ زيدا، وإِنَّما وصلت الأُثرةُ إلى غيره.

стр. 82

والرفع فى هذا أحسنُ وأجود، لأنّ أقربَ إلى ذلك أن تقول: مررتُ بزيد ولقيتُ أخا عمرو. ومثلُ هذا فى البناء على الفعل وبناء الفعل عليه أَيُّهم وذلك قولهم: أَيَّهم تَر يأتِك، وأَيُّهم تَرَهُ يأْتِك. والنصبُ على ما ذكرتُ لك، لأنه كأنه قال: أيَّهم تَرَ تَرَهُ يأتِك، فهو مثلُ زيدٍ فى هذا الباب. وقد يفارِقهُ فى أشياءَ كثيرةٍ ستُبَيّنُ إن شاء الله. هذا باب ما يَجْرِى ممّا يكون ظرفاً هذا المجرَى وذلك قولك يومُ الجُمعة أَلقاك فيه، وأقلُّ يومٍ لا أَلقاك فيه، وأَقلُّ يومٍ لا أصومُ فيه، وخَطيئُة يومٍ لا أَصيدُ فيه، ومكانُكم قمتُ فيه. فصارت هذه الأَحرفُ تَرتفع بالابتداء كارتفاع عبِد الله، وصار ما بعدها مبنيَّا عليها كبناء الفعل على الاسم الأوّل، فكأنّك قلتَ: يومُ الجمعةُ مبارَكٌ ومكانُكم حسنٌ، وصار الفعُل فى موضع هذا. وإنَّما صار هذا كهذا حين صار فى الآخِرِ إضمارُ اليوم والمكانِ، فخرج مِنْ أنْ يكونَ ظرفا كما يخُرجُ إِذا قلتَ: يومُ الجمعةِ مبارَكٌ، فإِذا قلت: يومُ الجمعة صُمتْهُ فصُمتهُ فى موضع مباركٍ حيثُ كان المُضْمَرُ هو الأوَّلَ كما كان المبارَكُ هو الأوّلَ.

стр. 83

ويدَخل النصبُ فيه كما دخل فى الاسم الأوّل، ويجوز فى ذلك يومَ الجمعةِ آتيك فيه وأَصومُ فيه، كما جاز فى قولك: عبدَ الله مررتُ به كأنه قال: أَلقاك يومَ الجمعةِ، فنصبَه لأنّه ظرفٌ ثم فسَّر فقال أَلقاكَ فيه. وإن شاء نصبه على الفعل نفسِه كما أَعمل فيه الفعلَ الذى لا يتعدى إلى مفعول، كل ذلك عربي جيّد. أوْ نَصبهَ لأنّه ظرفٌ لفعلٍ أَضْمَرَه، وكأنّه قال: يومَ الجمعةِ أَلقاك. والنصبُ فى: يومَ الجمعة صُمْته ويومَ الجمعة سِرْتُه، مثلُه فى قولِك: عبدَ الله ضربتُه، إِلاّ أنّه إِن شاء نصبَهَ بأنّه ظرفٌ، وإِن شاء أَعمَلَ فيه الفعلَ كما أَعملَهُ فى عبد الله، لأنّه يكونُ ظرفاً وغيرَ ظرفٍ. ولا يحسُنُ فى الكلام أن يَجْعَلَ الفعلَ مبنيَّا على الاسم ولا يَذْكُرَ علامةَ إِضمارِ الأوّل حتى يَخرج من لفظِ الإِعمال فى الأوّل ومن حالِ بناء الاسم عليه ويَشْغَلَه بغير الأوّل حتى يمتنِعَ من أن يكونَ يَعْمَلُ فيه، ولكنّه قد يجوز فى الشعر، وهو ضعيفٌ فى الكلام. قال الشاعر، وهو أبو النجم العِجْلىّ: قد أَصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعى ... علّى ذَنْباً كلُّه لم أَصْنَعِ فهذا ضعيفٌ، وهو بمنزلته فى غير الشَّعر؛ لأنّ النصب لا يسكر البيتَ ولا يُخِلُّ به تركُ إِظهار الهاء. وكأنه قال: كلُّه غيرُ مصنوع. وقال امرُؤُ القيس:

стр. 84

فأَقْبَلتُ زَحْفاً علَى الرُّكْبَتَيْنِ ... فثَوْبٌ لبست وثَوْبٌ أَجُرّْ وقال النَّمِرُ بن تَوْلَبٍ: فَيْومٌ عَلينا ويوم لنا ... ويومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرّْ سمعناه من العرب ينشدونه. يريدون: نُساءُ فيه ونُسَرّْ فيه. وزعموا أنّ بعض العرب يقول: شهرٌ ثَرى، وشهرٌ تَرى، وشهرٌ مرْعَى. يُريد: تَرى فيه. وقال: ثَلاثُ كلّهُنّ قَتلتُ عَمْدا ... فاَخْزَى الله رابعة تَعُودُ فهذا ضعيفٌ، والوجهُ الأكثرُ الأعرفُ النصبُ، وإنَّما شبّهوه بقولهم:

стр. 85

الذى رأيتُ فلانٌ، حيث لم يَذكروا الهاء. وهو فى هذا أحسن، لأن رأيتُ تمامُ الاسم، به يتم، وليس بخبرٍ ولا صفةٍ، فكَرهوا طولَه حيث كان بمنزلة اسمٍ واحدٍ، كما كرِهوا طولَ اشْهِيبابٍ فقالوا: اشْهِباب. وهو فى الوصف أمثلُ منه فى الخبر وهو على ذلك ضعيفٌ، ليس كحُسنْه بالهاء، لأنّه فى موضع ما هو من الاسم وما يَجْرِى عليه، وليس بمنقطعٍ منه خبرا مبنيًّا عليه ولا مبتدأً، فضارَعَ ما يكون من تَمامِ الاسم وإن لم يكن تماماً له ولا منه فى البناء. وذلك قولُك: هذا رجلٌ ضربتهُ، والناسُ رجلانِ: رجلٌ أكرمته ورجلٌ أهنتهُ، كأنّه قال: هذا رجلٌ مضروبٌ، والناسُ رجلانِ: رجلٌ مُكْرَمٌ ورجلٌ مْهان. فإن حذفتَ الهاء جاز وكان أَقْوَى ممّا يكون خبراً. وممّا جاء فى الشعر من ذلك قولُ جرير: أَبَحْتَ حمَى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح

стр. 86

يريد الهاء. وقال الشاعر، الحرث بن كَلَدَةَ: فما أَدْرِى أَغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ ... وطُولُ العَهْدِ أَمْ مالٌ أَصَابُوا يريد: أصابوه، ولا سبيلَ إلى النصب وإن تركَتَ الهاء لأنَّه وصفٌ، كما لم يكن النصبُ فيما أَتممتَ به الاسم، يعنى الصلةَ. فمن ثمَّ كان أقوى مما يكون فى موضع المبنىّ على المبتدإ، لأنه لا يُنْصَبُ به. وإنّما مَنَعَهم أن يَنْصِبُوا بالفعل الاسمَ إذا كان صفةً له أن الصفة تمامُ الاسم، ألا ترى أنّ قولَك مررتُ بزيدٍ الأَحمرِ كقولك مررتُ بزيد، وذلك أنكّ لو احتجتَ إلى أن تَنعت فقلتَ: مررتُ بزيد وأنت تريد الأحمرَ وهو لا يُعْرَفُ حتّى تقول الأَحمر، لم يكن تَمَّ الاسمُ، فهو يَجرِى منعوتا مَجْرى مررت بزيد إذا كان يُعْرَف وحدَه، فصار الأَحمر كأنّه من صلته. باب ما يُختار فيه إعمالُ الفعل مما يكون فى المبتدإ مبنياً عليه الفعلُ وذلك قولك: رأيتُ زيدا وعمراً كلَّمتهُ ورأيتُ عبد الله وزيداً مررتُ به، ولقيتُ قيسا وبكراً أخذْتُ أباه، ولقيتُ خالدا وزيدا اشتريتُ له ثوبا. وإنَّما اختيرَ النصبُ ههنا لأنّ الاسم الأوّلَ مبنىٌّ على الفعل، فكان بناءُ الآخِرِ على الفعل أحسنَ عندهم إذ كان يُبْنَى على الفعل وليس قبله اسمٌ مبنىٌّ على الفعل، لَيجرىَ الآخِرُ على ما جَرَى عليه الذي يليه قبله، إذ كان

стр. 87

لا ينقض المعنى لو بنيتهَ على الفعل. وهذا أولى أن يُحمَلَ عليه ما قَرُبَ جِوارهُ منه، إذ كانوا يقولون: ضربونى وضربتُ قومَك، لأنّه يليه، فكان أن يكونَ الكلامُ على وجهٍ واحدٍ - إذا كان لا يمتَنِعُ الآِخرُ من أن يكونَ مبنياً على ما بُنى عليه الأولُ - أقربَ فى المأْخَذ. ومثلُ ذلك قوله : " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ". وقوله : " وَعَاداً وَثَمُوداً وَأَصْحَابَ الرَّسَّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً. وكُلاَّ ضَرَبْنَا لهُ اْلأَمثَالَ ". ومثلُه: " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ". وهذا فى القرآن كثير. ومثل ذلك: كنتُ أخاك وزيدا كنتُ له أخاً، لأنّ كنتُ أخاك بمنزلة ضربتُ أخاك. وتقول: لستُ أخاك وزيدا أعنتُك عليه، لأنها فعلّ وتَصَرَّفُ فى معناها كتصرُّف كانَ. وقال الشاعر، وهو الربيعُ بن ضَبُعٍ الفَزارِىُّ: أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السّلاحَ ولا ... أَملك رَأْسَ البعَيرِ إن نَفَرَا

стр. 88

والذّئْبَ أَخْشاه إن مررتُ به ... وَحْدِى وأَخْشَى الرياح والمطرا وقد يبتد أفيحمل على مثل ما يُحْمَلُ عليه وليس قبله منصوبَّ، وهو عربى جيدَّ. وذلك قولك: لَقيتُ زيدا وعمروٌ كلَّمته، كأنَّك قلت: لقيتُ زيدا وعمروٌ أفضلُ منه. فهذا لا يكون فيه إلا الرفع، لأنك لم تذكر فعلا. فإذا جاز أن يكون فى المبتدإ بهذه المنزلة جاز أن يكون بين الكلامين. وأقربُ منه إلى الرفع: عبد الله لقيت وعمرو لقيت أخاه، وخالدا رأيت وزيدٌ كلَّمت أباه. هو ها هنا إلى الرفع أقربُ، كما كان فى الابتداء من النصب أَبعدَ. وأما قوله : " يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم "، فإنما وجهوه على أنه يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ فى هذه الحال، كأنه قال: إذ طائفةٌ فى هذه الحال، فإنَّما جَعَلَه وقتاً ولم يُرِدْ أن يجعلها واوَ عطفٍ، وإنما هى واوُ الابتداء. ومما يُختار فيه النصب لنصب الأوّل قوله: ما لقيتُ زيداً ولكن عمرا مررتُ به، وما رأيتُ زيدا بل خالدا لقيتُ اباه، تُجرِيه على قولك: لقيت زيداً وعمرا لم أَلْقَهُ، يَكون الآخِرُ فى أنه يُدْخِلُه فى الفعل بمنزلة هذا حيث

стр. 89

لم يُدخِله، لأن بل ولكن لا تَعملانِ شيئاً وتشركانِ الآِخرَ مع الأوّل، لأنّهما كالواو وثُمَّ والفاء، فأَجرهما مُجراهنّ فيما كان النصبُ فيه الوجهَ وفيما جاز فيه الرفعُ. هذا باب يُحْمَلُ فيه الاسمُ على اسمٍ بُنِىَ عليه الفعلُ مَرَّةً ويُحْمَلُ مَرَّةً أُخْرَى على اسمٍ مبنيّ على الفعل أىَّ ذلك فعلتَ جاز. فإِن حمَلتَه على الاسم الذى بُنى عليه الفعلُ كان بمنزلته إذا بنيتَ عليه الفعل مبتدأ، يجوز فيه ما يجوز فيه، إذا قلتَ: زيدٌ لقيتهُ، وإن حَملته على الذى بُنَى على الفعل اختيرَ فيه النصبُ كما اختير فيما قبله، وجاز فيه ما جاز فى الذى قبله. وذلك قولك: عمرو ولقيته وزيد كلمته، إن حملت الكلام على الأول. وإن حملته على الآخر قلت: عمرو لقيته وزيداً كلمته. ومثل ذلك قولك: زيد لقيت أباه وعمرا مررت به، إن حملته على الأب. وإن حملته على الأول رفعت. والدليلُ على أنّ الرفع والنصب جائز كلاهما، أنَّك تقول: زيدٌ لقيتُ أباه وعمراً، إن أردت أنَّك لقيتَ عمراً والأبَ. وإن زعمتَ أنّك لقيتَ أبا عمرو ولم تَلْقَهُ رفعتَ. ومثل ذلك: زيدٌ لقيتهُ وعمروٌ، إنْ شئت رفعتَ وإنْ شئتَ قلت: زيدٌ لقيتهُ وعمراً. وتقول أيضاً: زيد ألقاه وعمراً وعمر. فهذا يُقَوَّى أنكّ بالخيار فى الوجهَيْنِ.

стр. 90

وتقول: زيد ضربني وعمرو مررت به، إن حملتَه على زيد فهو مرفوعٌ لأنّه مبتدأ والفعلُ مبنىٌّ عليه، وإن حملتَه على المنصوب قلت زيدٌ ضربَنى وعمراً مررت به لأن هذا الإضمار بمنزلة الهاء فى ضربته. فإِن قلت: ضربنى زيدٌ وعمراً مررت به، فالوجهُ النصبُ لأنّ زيدا ليس مبنياَّ عليه الفعل مبتدأ، وإنما هو ههنا بمنزلة التاء فى ضربتُه، وذكرتَ المفعولَ الذى يجوز فيه النصب فى الابتداء، فحملتَه على مثل ما حملت ما قبله وكان الوجهَ، إذ كان ذلك يكون فيه فى الابتداء. وإذا قلتَ: مررتُ يزيد وعمراً مررتُ به، نصبتَ وكان الوجهَ، لأنّك بدأت بالفعل ولم تَبتدئ اسما تَبنيه عليه، ولكنّك قلت: فعلتُ ثم بنيتَ عليه المفعول وإن كان الفعلُ لا يَصِلُ إليه إلاَّ بحرف الإِضافة، فكأَنّك قلت: مررتُ زيدا. ولولا أنّه كذلك ما كان وجهُ الكلام زيدا مررتَ به، وقمتُ وعمراً مررتُ به. ونحوُ ذلك قولك: خَشّنْتُ بصدره فالصدرُ فى موضع نصب وقد عملت الباء. و " كَفَى باِلله شَهِيداً بَيْنِى وبَيْنَكُمْ " إنّما هى كفى اللهُ، ولكنَّك لمّا أَدخلتَ الباءَ عَمِلَتْ، والموضُع موضعُ نصب وفى معنى النصب. وهذا قولُ الخليل ﵀.

стр. 91

وإذا قلت: عبدُ الله مررتُ به أَجريتَ الاسم بعدَه مُجراه بَعْدَ: زيدٌ لقيتهُ، لأنّ مررتُ بعبدِ الله يُجرى مُجْرَى لقيتُ عبدَ الله. وتقول: هذا ضاربٌ عبدَ الله وزيداً يَمُرُّ به إن حملتَه على المنصوب، فإِن حملته على المبتدإ وهو هذا رفعتَ. فإِن أَلقيتَ النونَ وأنت تُريدُ معناها فهو بتلك المنزلة، وذلك قولك: هذا ضاربُ زيدٍ غداً وعمراً سيَضْرِبهُ. ولولا أنّه كذلك لما قلتَ: أَزيداً أنت ضاربُه وما زيدا أنا ضاربهُ. فهذا نحُو مررتُ بزيد، لأنًَّ معناه منَّوناً وغيرَ منوَّن سواءٌ، كما أنَّك إذا قلت: مررتُ بزيد فكأَنّك قلت: مررتُ زيدا. وتقول: ضربتُ زيدا وعمراً أنا ضَاربُه، يُختارُ هذا كما يُختارُ فى الاستفهام. وممّا يُختار فيه النصبُ قولُ الرجل: مَنْ رأَيتَ وأَيَّهم رأيتَ، فتقول: زيدا رأيتُه، تُنْزِله منزلة قولك: كلّمتُ عمرا وزيداً لقيتُه. ألا ترى أن الرَّجُلَ يقول: مَنْْ رأيتَ فتقولُ: زيداً على كلامه فيَصيرُ هذا بمنزلة قولك رأيتُ زيدا وعمرا، يجرى على الفعل كما يجرى الآخِر على الأوّل بالواو. ومثل ذلك قولك: أرأيتَ زيدا، فتقولُ لا ولكنْ عمراً مررتُ به. ألاَ ترى أنّه لو قال لا ولكن عمراً، لَجَرى على أرأيتَ. فإِن قال: من رأيتَه وأيُّهم رأيتَه فأجَبْْتَه قلتَ زيدٌ رأيتُه، إلاّ فى قول من قال زيدا رأيتُه فى الابتداء، لأنّ هذا كقولك: أيُّهم منطلقٌ ومَنْ رسولٌ؟ فيقول فلانٌ. وإن قال: أعبدَ اللهِ مررتَ به أمْ زيداً قلت: زيداً مررتُ به، كما فعلتَ ذلك فى الأوّل. فإِن قلت لا بل زيداً فانْصِبْ أيضاً كما تقول زيداً إذا قال من رأيت؟ لأنّ مررتُ به تفسيرهُ لقيتُه ونحوُها.

стр. 92

فإِنّما تَحْمِل الاسمَ على ما يَحْمِلُ السائلُ، كأنّهم قالوا: أيَّهم أَتَيْتَ؟ فقلتَ زيداً. ولو قلت: مررتُ بعمروٍ وزيدا لكانَ عربيا، فكيف هذا؟ لأنّه فعِلٌ والمجرورُ فى موضع مفعولٍ منصوبٍ، ومعناه أتيتُ ونحوُها، تحمل الاسمُ إذا كان العاملُ الأوّلُ فعلا وكان المجرورُ فى موضع المنصوب على فعلٍ لا ينقض المعنى. كما قال جرير: جِئْنِى بِمثلِ بنى بَدْرٍ لقومهم ... أو مثل أسرة منظورة بن سَيَّارِ ومثله قول العجّاج: يَذْهَبْنَ فى نَجْدٍ وغَوْراً غائراَ كأنه قال: ويَسلكن غورا غائرا، لأنّ معنى يَذْهَبْنَ فيه يسلكُن. ولا يجوز أن تُضْمِرَ فعلاً لا يَصلُ إلاّ بحرف جرّ، لأنّ حرف الجرّ لا يُضْمَرُ، وسترى بيان ذلك. ولو جاز ذلك لقلت زيدٍ تريد مُرَّ بزيد.

стр. 93

ومثل هذا وحوراً عيناً في قراءة أُبَىَّ بن كعبِ. فإِنْ قلتَ: لقيتُ زيدا وأَماَّ عمروٌ فقد مررتُ به، ولقيتُ زيدا وإذا عبدُ الله يَضربهُ عمروٌ فالرفعُ، إلاّ فى قول من قال: زيداً رأيتهُ وزيدا مررتُ به، لأنَّ أَمَّا وإذا يُقطَعُ بهما الكلامُ، وهما من حروف الابتداء يَصرفانِ الكلامَ إلى الابتداء إلاّ أن يَدْخُلَ عليهما ما يَنْصِب، ولا يُحْمَلُ بواحدٍ منهما آخِرٌ على أوّلَ كما يُحْمَل بثُمَّ والفاءِ، ألا ترى أنهّم قرءُوا: " وأما ثمود فهديناهم " وقبله نصبٌ، وذلك لأنها تَصرِفُ الكلامَ إلى الابتداءِ، إلاّ أن يُوقَع بعدَها فعلٌ، نحو أمّا زيداً فضربتُ. ولو قلت: إنَّ زيداً فيها أو إنّ فيها زيدا وعمروٌ أَدخلتُه أو دخلتُ به، رفعتهَ إلاَّ فى قول من قال: زيداً أدخلته وزيداً دخلت به، لأنّ إنّ ليس بفعل وإنّما هو مشبَّهٌ به. ألا ترى أنّه لا يُضْمَرُ فيه فاعلٌ ولا يؤّخَّرُ فيه الاسمُ، وإنّما هو بمنزلة الفعل كما أن عشرين درهما وثلاثين رجلا بمنزلة ضارِبينَ عبدَ الله وليس بفعل ولا فاعل.

стр. 94

وكذلك ما أحسنَ عبدَ الله وزيدٌ قد رأيناه، فإِنما أجريتهَ - يُعنَى أحسن - فى الموضع مُجرَى الفعل في عمِله، وليس كالفعل ولم يجيء على أمثلته ولا على إضمارِه، ولا تقديمهِ ولا تأخيره ولا تصرُّفِه، وإنّما هو بمنزلة لَدُنْ غُدْوَةً وكمْ رَجُلاً، فقد عَمِلاَ عَمَلَ الفعل وليسا بفعل ولا فاعلٍ. ومما يُختَار فيه النصبُ لنصبِ الأوّل ويكون الحرفُ الذى بين الأول والآخر بمنزلة الواو والفاءِ وثُمَّ قولك: لقيتُ القومَ كلَّهم حتَّى عبدَ الله لقيتُه، وضربتُ القوم حتّى زيداً ضربت أباه، وأتيت القوم أجمعين حتى زيدا مررت به، ومررت بالقوم حتى زيداً مررتُ به. فحتّى تَجْرِى مَجْرى الواو وثُمّ، وليست بمنزلة أمّا لأنّها إنَّما تكون على الكلام الذى قبلها ولا تُبْتَدَأُ وتقول: رأيتُ القومَ حتّى عبدَ الله، وتسكتُ، فإِنّما معناه أنّك قد رأيت عبدَ الله مع القوم كما كان رأيتُ القومَ وعبدَ الله على ذلك. وكذلك ضربتُ القومَ حتّى زيداً أنا ضاربُه. وتقول: هذا ضاربُ القومِ حتّى زيدا يَضربه، إذا أردتَ معنى التنوين، فهى كالواو إلاّ أنّك تَجرّ بها إذا كانت غايةً والمجرورُ مفعولٌ كما أنَّك إذا قلت هذا ضاربُ زيدٍ غداً تجر بكفّ التنوين. وهو مفعولٌ بمنزلته منصوباً منوّنا ما قبله. ولو قلت: هَلَك القومُ حتّى زيداً أَهلكتهُ، أخْتِير النصبُ، ليُبنَى على الفعل كما بُنى ما قبله مرفوعا كان أو منصوبا، كما فُعِل ذلك بعد ما بُنى على الفعل وهو مجرور.

стр. 95

فإن قلت: إنما هو لنصب اللفظ، فلا تنصبْ بعد مررتْ بزيد وانصِبْ بعد إنَّ فيها زيدا. وإن كان الأوّل لأنّه فى معنى الحديث مفعولٌ، فلا ترفَعْ بعد عبِد الله إذا قلت عبدُ الله ضربتُه إذا كان بعده: وزيداً مررت به. وقد يحسُنُ الجرُّ فى هذا كلَّه، وهو عربىّ. وذلك قولك لقيت القوم حتى عبد الله لقيته، فإِنَّما جاء بلقيتهُ توكيداً بعد أنْ جعله غايةً، كما تقول مررتُ بزيدٍ وعبدِ الله مررتُ به. قال الشاعر وهو ابن مروان النحوى: أُلْقَى الصَّحِيفةَ كَىْ يُخَفَّفَ رَحْلَهُ ... والزَّادَ حتّى نَعْلِهِ، أَلقَاهَا والرفعُ جائزٌ كما جاز فى الواو وثّم، وذلك قولُك لقيتُ القومَ حتى عبد الله لقيته، كأنك لقيتُ القومَ حتّى زيدٌ مَلْقِىٌّ، وسَرّحتُ القومَ حتّى زيدٌ مسرَّحٌ، وهذا لا يكون فيه إلا الرفع، لأنك لم تذكر فعلا، فإذا كان فى الابتداء زيدٌ لقيتُه بمنزلة زيدٌ منطلق جاز ههنا الرفع.

стр. 96

بابُ ما يخُتارُ فيه النصبُ وليس قبلَه منصوبٌ بُنىَ على الفعل، وهو بابُ الاستفهام وذلك أنّ من الحُروفِ حُروفاً لا يُذْكَرُ بعدها إلاّ الفعلُ ولا يكون الذى يَليها غيره، مظهراً أو مضمراً. فما لا يليه الفعلُ إلاّ مظهراً: قَدْ، وسَوْفَ، ولَمَّا، ونحوُهنَّ. فإِن اضطُرّ شاعرٌ فقَدّم الاسمَ وقد أوقع الفعل على شيء من سببه لم يكن حدُّ الإِعراب إلاَّ النَّصبَ، وذلك نحوُ لم زَيدا أَضرِبْهُ، " إذا اضطُرّ شاعرٌ فقدَّم لم يكن إلاّ النصبُ في زيد ليس غير، ولو كان فى شعرٍ "، لأنّه يُضمِرُ الفعلَ إذا كان ليس ممّا يليه الاسمُ، كما فعلوا ذلك فى مواضع ستراها إن شاء الله. وأمّا ما يجوز فيه الفعلُ مضمرا ومظهرا، مقدّما ومؤخَّرا، ولا يستقيم أن يُبْتَدَأ بعده الأسماء، فهَلاَّ ولوْلا ولَوْمَا وأَلاّ، لو قلت: هَلاَّ زيداً ضربتَ ولولا زيداً ضربتَ وألاّ زيداً قتلتَ جاز. ولو قلتَ: ألاّ زيدا وهلا زيدا على إضمار الفعل ولا تذكُره جاز. وإنّما جاز ذلك لأنَّ فيه معنى التحضيض والأمر، فجاز فيه ما يجوز فى ذلك. ولو قلتَ: سَوْفَ زيدا أضربُ لم يحسُنْ، أو قد زيدا لقيتُ لم يحسُنْ، لأنّها إنما وُضِعَتْ للأفعال، إلاّ أنّه جاز فى تلك الأحرف التأْخيرُ والإضمارُ، لما

стр. 97

فابتدءوا بعدها الأسماء والأصلُ غيرُ ذلك، ألا ترى أنّهم يقولون: هَلْ زيدٌ منطلقٌ، وهل زيدٌ فى الدار، " وكيف زيدٌ آخِذٌ ". فإِن قلت: هل زيداً رأيتَ وهل زيدٌ ذهب قَبُحَ ولم يجُزْ إلاّ فى الشعر، لأنّه لمّا اجتمع الاسمٌ والفعلُ حملوه على الأصل فإِن اضطُرَّ شاعرٌ فقدّم الاسمَ نصبَ كما كنتَ فاعلاً ذلك بقَدْ ونحوِها. وهو فى هذه أحسنُ، لأنّهُ يبتدأُ بعدها الأسماءُ. وإنَّما فعلوا ذلك بالاستفهام لأنه كالأمر فى أَنّه غيّرْ واجبٍ، وأنه يريد " به " من المخاطّبِ أمراً لم يَسْْتقِرَّ عند السائل. ألا ترى أن جوابه جزم فلهذا اختير النصبُ وكَرِهُوا تقديمَ الاسم، لأنّها حروفٌ ضارَعَتْ بما بعدها ما بعد حروف الجزاء، وجوابُها كجوابه وقد يَصير معنى حديثها إليه. وهى غيرُ واجبهٍ كالجزاء، فقَبُحَ تقديمُ الاسم " لهذا ". ألا ترى أنّك إذا قلت: أَيْنَ عبدُ الله آتهِ، فكأَنكّ قلتَ: حيثُما يَكُنُ آتِه. وأمّا الألفُ فتقديمُ الاسم فيها قبل الفعل جائزٌ كما جاز ذلك فى هَلاّ، " وذلك " لأنّها حرفُ الاستفهام الذى لا يزول " عنه " إلى غيره، وليس للاستفهام فى الأصل غيُره. وإنّما تركوا الألفُ فى مَنْ، ومتَى، وهَلْ، وهنحوهن حيث أمنوا الالتباس، ألا ترى أنك تدخلهاعلى مَنْ إذا تمَّتْ بصلتها، كقول الله : " أَفَمَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَاتِى آمِناً يَوْمَ الْقِيَامِة ". وتقول:

стр. 98

أَمْ هَلْ، فإِنّما هى بمنزلة قد، ولكنّهم تركوا الألفَ استغناء، إذ كان هذا " الكلامُ " لا يقَعُ إلاّ فى الاستفهام. وسوف تراه إن شاء الله متبيّنا أيضاً. فهى ههنا بمنزلة إن فى باب الجزاء، فجاز تقديمُ الاسمِ فيها، كما جاز فى قولك: إنِ شاء اللهُ أَمْكَنَنى من فلانٍ فعلتُ " كذا وكذا ". ويُختار فيها النصبُ، لأنّك تُضْمِرُ الفعلَ فيها، لأنّ الفعَل أولَى إذا اجتمع هو والاسمُ. وكذلك كنت فاعلاً فى إن، لأنّها إنّما هى للفِعْلِ. وسترى بيان ذلك إن شاء الله. فالألفُ إذا كان معها فعلٌ، بمنزلة لولا وهلاّ، إلاّ أنَّك إن شئت رفعتَ فيها، وهو فى الألِف أمثلُ منه فى متى ونحوها، لأنه ق صار فيها مع أنك تبتدي بعدها الأسماء أنّك تُقَدَّمُ الاسمَ قبل الفعل، والرفُع فيها على الجواز. ولا يجوز ذلك فى هَلاّ ولولا، لأنّه لا يُبتدأُ بعدهما الأسماءُ. وليس جوازُ الرفع فى الألف مثلَ جواز الرفع فى ضربتُ زيدا وعمراً كلمتهُ، لأنه ليس هاهنا حرف هو بالفعل أولى، وإنما اختير هذا على الجواز، وليكونَ معنىً واحداً،

стр. 99

فهذا أقوى. والذى يُشْبِههُ من حروف الاستفهام الألف. " واعلم أ، حروف الاستفهام كلَّها يقبح أن يصيرّ بعدها الاسمُ إذا كان الفعل بعد الاسم: لو قلت: هل زيدٌ قام وأينَ زيدٌ ضربتَه، لم يجز إلاَّ فى الشعر، فإذا جاء فى الشعر نصبتَه، إلاَّ الألفَ فإِنه يجوز فيها الرفع والنصب، لأن الألف قد يُبتدأ بعدها الاسمُ. فإِن جئت فى سائر حروف الاستفهام باسم وبعد ذلك الاسمِ اسمٌ من فِعْلٍ نحُو ضارب، جاز فى الكلام، ولا يجوز فيه النصب إلاّ فى الشعر، لو قلت: هل زيدٌ أنا ضاربُه لكان جيَّدا فى الكلام، لأن ضارباً اسمٌ وإن كان فى معنى الفعل. ويجوز النصب فى الشعر ". هذا باب ما ينصب فى الألف تقول: أَعبدَ الله ضربتَه، وأزيداً مررتَ به، وأعمرا قتلتَ أخاه، وأعمراً اشتريتَ له ثوبا. ففى كلّ هذا قد أضمرتَ بين الألف والاسم فعلا هذا تفسيرُه، كما فعلتَ ذلك فيما نصبتَه فى هذه الأحرف فى غير الاستفهام. قال جرير:

стр. 100

أَثَعْلَبةَ الفَوارِسَ أم رِيَاحاً ... عدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشَابَا فإِذا أوقعتَ عليه " الفعلَ " أو على شيء من سببه نصبتهَ، وتفسيرُه ههنا هو التفسيرُ الذى فُسَّرَ فى الابتداء: أنّك تُضمِر فِعلاً هذا تفسيرهُ. إلاَّ أنّ النصب هو الذى يُختار ههنا، وهو حدُّ الكلام. وأمّا الانتصابُ ثَمَّ وها هنا فمن وجهٍ واحدٍ. ومثلُ ذلك أَعبدَ الله كنتَ مِثلَه، لأنَّ كنتَ فعلٌ والِمثلُ مضافٌ إليه وهو منصوبٌ. ومثلُه أزيداً لستَ مثلَه، لأنّه فعلٌ، فصار بمنزلة قولك أزيداً لقيتَ أخاه. وهو قول الخليل. ومثلُ ذلك: ما أَدْرِى أَزيداً مررتُ به أم عمراً، وما أُبالِى أعبدَ الله لقيتُ أخاه أم عمراً، لأنه حرفُ الاستفهام، وهى تلك الألفُ التى فى قولك أزيداً لقيتَه أم عمرا. وتقول: أعبدُ الله ضَرَبَ أخوه زيداً، لا يكون إلاّ الرفعُ، لأنَّ الذى من سبب عبِد الله " مرفوعٌ " فاعِل، والذى ليس من سببه مفعولٌ، فيرَتفع إذا ارتَفع الذى من سببه، كما ينتَصب إذا انتصَب، ويكون المضمرُ ما يَرْفَعُ كما

стр. 101

أضمرتَ فى الأوّل ما يَنْصِب، فإِنما جُعِلَ هذا المظهر بينا ما هو مثلُه. فإِن جعلتَ زيدا الفاعِلَ قلت: أعبدَ الله ضربَ أخاه زيدٌ. وتقول: أَعبدُ الله ضرب أخوه غلامَه إذا جعلت الغلامَ فى موضع زيد حين قلت أعبدُ الله ضرب أخوه زيدا، فيصيرُ هذا تفسيرا لشيء رَفَعَ عبدَ الله لأنّه يكون مُوقِعا الفعلَ بما يكون من سببه كما يوقِعُه بما ليس من سببه، كأنّه قال فى التمثيل وإن كان لا يُتكلَّمُ به: أَعبدُ الله أَهانَ غلامَه أو عاقبَ غلامَه، أو صار فى هذه الحال " عند السائل وإن لم يكن " ثُم فسَّر. وإن جعلتَ الغلامَ فى موضع زيدٍ حين رفعتَ زيداً نصبتَ فقلت: أعبدَ الله ضَرَبَ أخاه غلامُه، كأنه جعله تفسيراً لفعلٍ غلامُهُ أوقعَهُ عليه، لأنّه قد يوُقع الفعلَ عليه ما هو من سببه كما يوقِعُه هو على ما هو من سببه، وذلك قولك: أعبدُ الله ضربَ أباه، وأعبدَ الله ضَرَبَهُ أبوه، فجرى مجرى أعبدُ الله هو ضرب زيداً، وأعبد ضَرَبه زيدٌ، كأنه فى التمثيل تفسيرٌ لقوله: أعبدَ الله أهانَ أباهُ غلامُه، وأعبدَ الله ضربَ أخاه غلامُه. ولا عليك أقدّمتَ الأخَ أمْ أخَّرتَه، أمْ قدّمت الغلام أمْ أخَّرته، أيهما ما جعلتَه كزيدٍ مفعولا فالأوّل رفعٌ. وإن جعلتَه كزيد فاعِلا فالأوّلُ نصبٌ. وتقول: آلسَّوْطَ ضُرِبَ به زيدٌ، وهو كقولك: آلسّْوطَ ضُربتَ به. وكذلك آلخِوانَ أُكِلَ اللحمُ عليه، و " كذلك " أزيداً سُمّيتَ به أو سُمَّى به

стр. 102

عمروٌ، لأنّ هذا فى موضع نصب، وإنّما تعتَبره أنك لو قلت: آلّسّوْطَ ضُربْتَ فكان هذا كلاماً، أو آلِخوانَ أُكِلْتَ، لم يكن إلاَّ نصبا، " كما أنك لو قلت: أزيداً مررتَ فكان كلاماً لم يكن إلاَّ نصبا ". فمن ثُّمَّ جُعِل هذا الفعلُ الذى لا يَظهر تفسيُره تفسيرَ ما يَنْصِب. فاعتَبِرْ ما أشْكَلَ عليك من هذا بذا. فإِن قلت: أزيدٌ ذهب به أو أزيد انطلِقَ به، لم يكن إلاّ رفعاً، لأنك لو لم تقل " به " فكان كلاماً لم يكن إلا رفعا، كما قلت: أزيد ذهب أخوه، لأنك لو قلت: أزيد ذهب لم يكن إلا رفعا. وتقول: أزيداً ضَربتَ أخاه، لأنكَ لو ألقيت الأخَ قلت: أزيداً ضربتَ. فاعتبِرْ هذا بهذا، ثم اجعَلْ كلَّ واحدٍ جئتَ به تفسيرَ " ما هو " مثلُه. واليومُ والظروفُ بمنزلة زيدٍ وعبدِ الله، إذا لم يكنَّ ظروفا، وذلك " قولك ": أَيَوْمَ الجُمُعَةِ يَنطلِقُ فيه عبدُ الله، كقولك: أعمراً تكلَّمَ فيه عبدُ الله، وأيومُ الجمعة يُنْطَلَقُ فيه، كقولك: أزيدٌ يُذْهَبُ به. وتقول: أَأَنت عبدُ الله ضربتَه، تُجْرِيه هاهنا مُجرى أنا زيدٌ ضربتُه، لأنّ الذى يَلِى حرفَ الاستفهام أَنْتَ ثمّ ابتدأتَ هذا وليس قبله حرف استفهام ولا شيء هو بالفعل وتقديمِه أَوْلى. إلاّ أنك إن شئت نصبته كما تنصب زيداً ضربتُه، فهو عربىٌّ جَيّدٌ، وأمرهُ " ها " هنا على قولك: زيدٌ ضربتهُ. فإِن قلت: أَكُلَّ يوم زيدا تَضرِبُه فهو نصبٌ، كقولك: أزيداً تضربه

стр. 103

كلَّ يوم، لأنَّ الظرف لا يَفصلِ فى قولك: ما اليومَ زيدٌ ذاهباً، وإنّ اليومَ عمراً منطلق، فلا يحجز هاهنا كما لا يحَجُزُ ثَمَّةََ. وتقول: أعبدُ الله أخوه تَضربه، كما تقول: أَأَنت زيدٌ ضربتَه، لأن الاسم هاهنا بمنزلة مبتدأ ليس قبله شيء. وإن نصبته على قولك: زيدا تضربه قلت: أزيداً أخاه تضربُه، لأنك نصبت الذى من سببه بفعل هذا تفسيره. ومن " قال: زيدا ضربته " قال: أزيداً أخاه تضربه، فإِنما نصب زيداً لأنَّ ألف الاستفهام وقعت عليه، والذى من سببه منصوبٌ. وقد يجوز الرفع فى أعبدُ الله مررتَ به، على ما ذكرت لك، وأعبدُ الله ضربتَ أخاه. " وأما قولك: أزيدا مررتبه فبمنزلة قولك: أزيدا ضربتَهُ ". والرفع فى هذا أقوى منه فى أعبدُ الله ضربتَه، وهو أيضاً قد يجوز إذا جاز هذا كما كان " ذلك فيما " قبله من الابتداء، وما جاء بعدَ ما بُنى على الفعل. وذلك أنه ابتدأَ عبدَ الله وجعل الفعلَ فى موضع

стр. 104

المبنىّ عليه، فكأَنه قال: أعبدُ الله أخوك. فمن زعم أنّه إذا قال: أزيداً مررت به إنما ينصبه بهذا الفعل فهو ينبغى له أن يَجَّره، لأنّه لا يَصل إلا بحرف إضافة. وإذا أعملتِ العربُ شيئاً مضمراً لم يَخرج عن عمله مظهراً فى الجر والنصب والرفع؛ تقول: وبلدٍ، تريد: ورُبَّ بلدٍ. وتقول: زيدا تريد: عليك زيدا. وتقول: الهلالُ، تريد: هذا الهلال، فكلُّه يَعمل عملَه مظهرا. ومما يقبح بعده ابتداءُ الأسماء ويكون الاسم بعده إذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصباً فى القياس: إذَا، وحَيْثُ. تقول: إذا عب الله تلَقْاه فأكرمه،

стр. 105

وحيث زيدا تجدهُ فأَكرمْه؛ لأنّهما يكونانِ فى معنى حروف المجازاة. ويقبح إن ابتدأت الاسم بعدهما إذا كان بعده الفعل. لو قلت: اجلسْ حيث زيدٌ جَلَسَ وإذا زيدٌ يجلسُ كان أقبحَ من قولك: إذا جلس زيدٌ وإذا يجلسُ، وحيث " يجلسُ، وحيث " جلس. والرفع بعدهما جائز، لأنك قد تبتدئ الأسماء بعدهما فتقول: اجلسْ حيث عبد الله جالسٌ، واجلس إذا عبد الله جلس. ولإذا مواضع آخر يحسن ابتداءُ الاسم بعدها فيه. تقول: نظرت فإذا زيد يضربه عمرو، لأنك لو قلت: نظرتُ فإِذا زيدٌ يذهبُ، لَحُسنَ. وأَمَّا إِذْ فيَحسن ابتداء الاسم بعدها. تقول: جئت إذ عبد الله قائم، و " جئت " إذ عبدُ الله يقوم، إلاّ أنها فى فَعَلَ قبيحة، نحو قولك: جئت إذ عبدُ الله قام. ولكنّ " إذْ " إنما يقع فى الكلام الواجب، فاجتمع فيها هذا وأنك تبتدئ الاسمَ بعدها، فحسن الرفعُ. ومما ينتصب أوّلُه لأن آخِره ملتبِس بالأول، قوله: أزيدا ضربتَ عمراً وأخاه، وازيداً ضربت رجلاً يحبه، وأزيدا ضربتَ جاريتينِ يحبّهما، فإنما نصبت الأوّل لأنّ الآخِرَ ملتبِس به، إذ كانت صفتُه ملتبسة به. وإذا أردت أن تَعْلَم التباسه به فأَدخلْه فى الباب الذى تقدَم فيه الصفَة، فما حسنُ تقديمُ صفته فهو ملتبس بالأول، وما لا يحسن فليس ملتبسا به. ألا ترى أنكَّ تقول: مررت برجل منطلقةٍ جاريتان يحبّهما، ومررت برجل منطلقٍ زيدٌ وأخوه؛ لأنَّك لما أشركت

стр. 106

بينهما فى الفعل صار زيدٌ ملتبسا بالأخ فالتَبس برجل، ولو قلت: أزيدا ضربتَ عمرا وضربت أخاه لم يكن كلاما، لأنَّ عمرا ليس فيه من سبب الأول شيء ولا ملتبسا به. ألا ترى أنّك لو قلت: مررت برجل قائم عمرو وقائم أخوه لم يجز، لأنَّ أحدهما ملتبس بالأول والآخَر ليس ملتبسا. هذا باب ما جَرَى فى الاستفهام .. من أَسماءِ الفاعلينَ والمفعولينَ مَجرَى الفعل كما يَجرى فى غيره مَجرى الفعل وذلك قولك: أزيداً أنت ضاربُه، وأزيدا أنت ضاربٌ له، وأعمراَ أنت مُكرِمٌ أخاه، وأزيدا أنت نازلٌ عليه. كأَنّك قلت: أنت ضاربٌ، وأنت مُكْرِمٌ، وأنت نازل، كما كان ذلك فى الفعل، لأنّه يَجرى مَجراه ويَعْمَلُ فى المعرفة كلَّها والنكرةِ، مقدَّما ومؤخَّرا، ومظْهَرا ومضْمرا.

стр. 107

وكذلك: آلدّارَ أنت نازلٌ فيها. وتقول: أعمراً أنت واجدٌ عليه، وأخالداً أنت عالم به، وأزيدا أنت راغبٌ فيه، لأنك لو ألقيت عليه وبه وفيه مما ها هنا لتعتبِرَ، لم يكن ليكون إلاّ مما ينتصب، كأَنّه قال: أعبدَ الله أنت ترغَبُ فيه، وأعبدَ الله أنت تعلَمُ به، وأعبدَ الله أنت تجِدُ عليه، فإِنما استفهمتَه عن علمه به ورغْبَتِه فيه فى حال مسألتك. ولو قال: آلدَّارُ أنت نازلٌ فيها، فجَعَل نازلاً اسماً رفَع، كأنّه قال: آلدارُ أنت رجل فيها. ولو قال: ازيدٌ أنت ضاربةُ فجعله بمنزلة قولك: " أزيداً " أنت أخوه جاز. ومثل ذلك فى النصب: أزيدا أنت محبوسٌ عليه، وأزيداً أنت مُكابَرٌ عليه. وإن لم يرد به الفعلَ وأراد به وجهَ الاسم رَفَع. وكذلك جميعُ هذا، فمفعولٌ مثلُ يُفعَلُ، وفاعِلُ مثلُ يَفعَلُ. وممّا يُجرىَ مجرى فاعلٍ من أسماء الفاعلين فَواعِلُ، أَجْروَه مُجرى فاعِلَةٍ حيث كانوا جمعوه وكسَّروه عليه، كما فعلوا ذلك بفاعلينَ وفاعِلاتٍ. فمن ذلك قولهم: هنّ حَواجٌّ بيتَ الله. وقال أبو كبير الهذلي: مما حَمَلنَ به وهنّ عَواقِدٌ ... حُبُكَ النَّطاقِ فعاشَ غير مهبل

стр. 108

وقال العجّاج: أَوَالِفاً مَكّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِى وقد جعل بعضهم فعالاً بمنزلة فواعل، فقالوا: قُطّانٌ مكّةَ، وسُكّانٌ البلدَ الحرامَ، لأنه جمعٌ كفواعِلَ. وأجروا اسمَ الفاعل، إذا أرادوا أن يبالِغوا فى الأمر، مُجراه إذا كان على بناء فاعلٍ، لأنّه يريد به ما أراد بفاعل من إيقاع الفعل، إلاّ أنّه يريد أن يُحدَّثَ عن المبالغة. فمَا هو الأصلُ الذى عليه أكثُر هذا المعنى: فَعولٌ، وفعّال ومفعال، وفَعِلٌ. وقد جاء: فَعيلٌ كَرحيمٍ وعَليم وقَدير وسَميع وبَصير، يجوز فيهنّ ما جاز فى فاعِلٍ من التقديم والتأخير، والإِضمار والإظهار. لو قلت: هذا ضروب رؤوس الرجال وسوقَ الإِبل، على: وضروبٌ سوقَ الإِبل جاز، كما تقول: " هذا " ضارِبُ زيدٍ وعمرا، تُضمِر وضاربٌ عمرا. ومما جاز فيه مقدَّما ومؤخَّرا على نحو ما جاء فى فاعِلٍ، قول ذى الرُّمّة: هَجُومٌ عليها نَفسَه غيرَ أَنّه ... متى يُرْمَ فى عينَيه بالشَّبْحِ يَنْهَضِ

стр. 109

وقال أبو ذُؤيْبٍ الهذلىُّ: قَلَى دِينَه وأهتاجَ للشَّوْقِ إنّها ... عَلَى الشَّوقِ إخْوانَ العَزاءِ هَيوجُ وقال القلاُخُ: أَخا الحَرْبِ لَبّاساً إليها جِلالَها ... وليس بولاّجِ الخَوالفِ أَعْقَلاَ وسمعنا من يقول: " أمّا العَسَلَ فأنا شَرّابٌ ". وقال: بكيتُ أخا اللأواء يحمد يومه ... كريم، رؤوس الدَّارِعينَ ضَروبُ وقال أبو طالب بن عبد المطّلب: ضَروبٌ بنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها ... إذا عَدِموُا زاداً فإنّكَ عاقِرُ

стр. 110

وقد جاء فى فَعِل وليس فى كثَرة ذلك، قال، وهو عمرو بن أحمر: أو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضَادةَ سَمْحَجٍ ... بسَرَاته نَدَبٌ لها وكلوم وقل: " إنّه لَمِنحارٌ بوَائكَها ". وفَعِلٌ أقلُّ من فَعيلٍ بكثير. وأجروه حين بنوه للجمع كما أُجرىَ فى الواحد ليكونَ كفَواعِلَ حين أُجرىَ مثل فاعلٍ، من ذلك قول طرفة:
следующие страницы →