← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 23018

الكتاب لسيبويه

سيبويه

Полный текст (1 982 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

سمعناهما ممن يرويهما عن العرب. والمعنى إما. ومما جاء من الجزاء بأني قول لبيد: فأَصبحتَ أنّي تأتها تلتبس بها ... كلا مر كبيها تحت رِجْلك شاجِرُ وفي أين قوله، وهو ابن همام السلولي: أيْن تَضربْ بنا الُعداةُ تجدْنا ... نَصْرِفُ العِيسَ نَحْوَها للتَّلاقِي وإنما منع حيث أن يجازي بها أنك تقول: حيث تكون أكون، فتكون وصلٌ لها، كأنك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون. ويبين هذا أنها في الخبر بمنزلة إنما وكأنما وإذا، أنه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبد الله قائمٌ زيدٌ، وأكون حيث زيدٌ قائمٌ. فحيث كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا من

стр. 912

حروف الجزاء. فإذا ضممت إليها ما صارت بمنزلة إن وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجئ بما، وصارت بمنزلة إما. وأما قول النحويين: يجازى بكلّ شئ يستفهم به، فلا يستقيم، من قبل أنك تجازي بإن وبحيثما وإذ ما ولا يستقيم بهن الاستفهام، ولكن القول فيه كالقول في الاستفهام. ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلةً. فالوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلةٍ لما قبله كما أنه في حروف الاستفهام ليس صلةً لما قبله، وإذا قلت: حيثما تكن أكن، فليس بصلةٍ لما قبله، كما أنك إذا قلت أين تكون وأنت تستفهم فليس الفعل بصلةٍ لما قبله، فهذا في الجزاء ليس بصلةٍ لما قبله، كما أن ذلك في الاستفهام ليس بوصلٍ لما قبله. وتقول: من يضربك في الاستفهام، وفي الجزاء: من يضربك أضربه، فالفعل فيهما غير صلة. وسألت الخليل عن مهما فقال: هي ما أدخلت معها ما لغواً، بمنزلتها مع متى إذا قلت متى ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع إن إذا قلت إن ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع أين كما قال : " أينما تكونوا يدرككم

стр. 913

الموت " وبمنزلتها مع أيٍ إذا قلت: " أياماً تدعوا فله الأسماء الحسنى "، ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظاً واحداً فيقولوا: ماما، فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى. وقد يجوز أن يكون مه كإذ ضم إليها ما. وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع. فقال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها على أي حالٍ تكن أكن. وسألته عن إذا، ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في إذا بمنزلته في إذ، إذا قلت: أتذكر إذ تقول، فإذا فيما تستقبل بمنزلة إذ فيما مضى. ويبيّن هذا أنّ إذا تجئ وقتاً معلوماً؛ ألا ترى أنك لو قلت: أتيك إذا احمر البسر كان حسناً، ولو قلت: آتيك إن احمر البسر، كان قبيحاً. فإن أبداً مبهمة، وكذلك حروف الجزاء. وإذا توصل بالفعل، فالفعل في إذا بمنزلته في حين كأنك قلت: الحين الذي تأتيني فيه آتيك فيه. وقال ذو الرمة: تُصْغِي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانحةً ... حتّى إذا ما استوى في غَرْزِها تَثِبُ.

стр. 914

وقال الآخر، ويقال وضعه النحويون: إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد وقد جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها بإن، حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بدّلها من جواب. وقال قيس بن الخطيم الأنصاري: إذا قَصُرَتْ أَسْيافُنا كان وَصْلُها ... خُطانَا إلى أَعْدائنا فنُضارِبِ وقال الفرزدق:

стр. 915

تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يرفَعُ لي ... ناراً إذا خَمَدَتْ نِيرانُهمْ تَقِدِ وقال بعض السلوليين: إذا لم تَزل في كلِّ دارٍ عرفتَها ... لها واكفٌ مِن دَمْعِ عينِك يَسْجُمِ فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكن الجيد قول كعب بن زهير: وإذا ما تشاءُ تَبعثُ منها ... مَغْرِبَ الشمسِ ناشِطاً مَذْعوراً واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال وينجزم الجواب بما قبله.

стр. 916

وزعم الخليل أنك إذا قلت: إن تأتني آتك، فآتك انجزمت بإن تأتني، كما تنجزم إذا كانت جوابا للأمر حين قلت: ائتني آتك. وزعم الخليل أن إن هي أم حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟ فقال: من قبل أنى أرى حروف الجزاء قد يتصرفن فيكن استفهاما ومنها ما يفارقه ما فلا يكون فيه الجزاء، وهذه على حالٍ واحدة أبدا لا تفارق المجازاة. واعلم أنه لا يكون جواب الجزاء إلا بفعل أو بالفاء فأما الجواب بالفعل فنحو قولك: إن تأتني آتك، وإن تضرب أضرب، ونحو ذلك. وأما الجواب بالفاء فقولك: إن تأتني فأنا صاحبك. ولا يكون الجواب في هذا الموضع بالواو ولا بثم. ألا ترى أن الرجل يقول افعل كذا وكذا فتقول: فإذن يكون كذا وكذا. ويقول: لم أغث أمس، فتقول: فقد أتاك الغوث اليوم. ولو أدخلت الواو وثم في هذا الموضع تريد الجواب لم يجز. وسألت الخليل عن قوله جل وعز: " وإن تصبهم سيئةٌ بما قدمت

стр. 917

أيديهم إذا هم يقنطون " فقال: هذا كلام معلقٌ بالكلام الأول كما كانت الفاء معلقةً بالكلام الأول وهذا ها هنا في موضع قنطلوا كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل. قال: ونظير ذلك قوله: " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " بمنزلة أم صمتم. ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنّها لا تجئ مبتدأة كما أنّ الفاء لا تجئ مبتدأةً. وزعم الخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيحٌ، ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا؛ فهذا قد استغنى عن الفاء كما استغنت الفاء عن غيرها، فصارت إذا هاهنا جوابا كما صارت الفاء جوابا. وسألته عن قوله: إن تأتني أنا كريمٌ، فقال: لا يكون هذا إلا أن يضطر شاعرٌ، من قبل أنّ أنا كريم يكون كلا ما مبتدأ، والفاء وإذا لا يكونان إلا معلقتين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جواباً حيث لم يشبه الفاء. وقد قاله الشاعر مضطراً، يشبهه بما يتكلم به من الفعل. قال حسان بن ثابت:

стр. 918

مَن يَفعلِ الحَسَناتِ الله يَشْكُرُها ... والشرُّ بالشرّ عند الله مثلان وقال الأسدي: بَنِي ثُعَلٍ لا تَنْكَعُوا العَنْزَ شِربْهَا ... بني ثُعَلٍ مَن يَنكَعِ العَنْزَ ظالمُ وزعم أنه لا يحسن في الكلام إن تأتني لأفعلن، من قبل أنّ لأفعلنّ تجئ مبتدأةً. ألا ترى أن الرجل يقول لأفعلن كذا وكذا. فلو قلت:

стр. 919

إن أتيتني لأكرمنك، وإن لم تأتني لأغمنك، جاز لأنه في معنى لئن أتيتني لأكرمنك ولئن لم تأتني لأغمنك، ولا بد من هذه اللام مضمرةً أو مظهرةً لأنها لليمين، كأنك قلت: والله لئن أتيتني لأكرمنك. فإن قلت: لئن تفعل لأفعلن قبح، لأن لأفعلن على أول الكلام، وقبح في الكلام أن تعمل إن أو شئ من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمه في اللفظ ثم لا يكون لها جواب ينجزم بما قبله. ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني، ولا تقول آتيك إن تأتني، إلا في شعر، لأنك أخرت إن وما عملت فيه ولم تجعل لإن جوابا ينجزم بما قبله. فهكذا جرى هذا في كلامهم. ألا ترى أنه قال : " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " وقال : " وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين " لما كانت إن العاملة لم يحسن إلا أن يكون لها جوابٌ ينجزم بما قبله. فهذا الذي يشاكلها في كلامهم إذا عملت. وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي آتيك إن أتيتني. قال زهير: وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ

стр. 920

ولا يحسن إن تأتني آتيك، من قبل أن إن هي العاملة. وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي: يا أَقْرَعُ بنَ حابسٍ يا أَقْرَعُ ... إنَّك إن يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ أي إنك تصرع إن يصرع أخوك. ومثل ذلك قوله: هذا سُراقةُ للقُرْآن يَدْرُسُهُ ... والمرءُ عند الرُّشا إن يلقها ذيب

стр. 921

أي والمرء ذئب إن يلق الرشا. قال الأصمعيّ: هو قديم، أنشدينه أبو عمرو. وقال ذو الرمة: وأنِّي متى أُشْرِفْ على الجانِب الذي ... به أنتِ من بين الجَوانبِ ناظرُ أي ناظرٌ متى أشرف. فجاز هذا في الشعر، وشبهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزماً؛ لأن المعنى واحد، كما شبّه الله يشكرها وظالم بإذا هم يقنطون، جعله بمنزلة يظلم ويشكرها الله، كما كان هذا بمنزلة قنطوا، وكما قالوا في اضطرارٍ: إن تأتني أنا صاحبك، يريد معنى الفاء، فشبهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه. وقد يقال: إن أتيتني آتك وإن لم تأتني أجزك، لأن هذا في موضع الفعل المجزوم، وكأنه قال: إن تفعل أفعل. ومثل ذلك قوله : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها "، فكان فعل. وقال الفرزدق:

стр. 922

دَسَّتْ رسولاً بأنًّ القوم إنْ قَدَروا ... عليكَ يَشْفُوا صُدوراً ذاتَ تَوْغيرِ وقال الأسود بن يعفر: ألا هَلْ لهذا الدَّهرِ مِن مُتَعَلَّلِ ... عن النّاس مَهْمَا شاءَ بالناس يَفْعَلِ وقال: إن تأتني فأكرمك، أي فأنا أكرمك، فلا بد من رفع فأكرمك إذا سكت عليه، لأنه جواب، وإنما ارتفع لأنه مبني على مبتدأ. ومثل ذلك قوله " ومن عاد فينتقم الله منه " ومثله: " ومن كفر فأمتعه قليلا " ومثله: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ". باب الأسماء التي يجازي بها وتكون بمنزلة الذي وتلك الأسماء: من، وما، وأيهم. فإذا جعلتها بمنزلة الذي، قلت: ما تقول أقول، فيصير تقول صلةً لما حتى تكمل اسماً، فكأنك قلت: الذي تقول أقول. وكذلك: من يأتني آتيه وأيها تشاء أعطيك. وقال الفرزدق:

стр. 923

ومَنْ يَميلُ أَمالَ السَّيفُ ذِرْوَتَه ... حيثُ التقَى من حفا في رأسِه الشَّعَرُ وتقول: آتي من يأتيني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيها تشاء. هذا وجه الكلام وأحسنه، وذلك أنه قبيح أن تؤخر حرف الجزاء إذا جزم ما بعده فلما قبح ذلك حملوه على الذي، ولو جزموه هاهنا لحسن أن تقول: آتيك إن تأتني. فإذا قلت: آتي من أتاني، فأنت بالخيار، إن شئت كانت أتاني صلةً وإن شئت كانت بمنزلتها في إن. وقد يجوز في الشعر: آتي من يأتني، وقال الهذلي: فقلتُ تَحَمَّلْ فوق طَوْقِك إنَّها ... مُطَبَّعةٌ مَن يأتِها لا يضيرها

стр. 924

هكذا أنشدناه يونس، كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، كما كان: وإني متى أشرف ناظر، على القلب، ولو أريد به حذف الفاء جاز فجعلت كإن. وإن قلت: أقول مهما تقل، وأكون حيثما تكن، وأكون أين تكن، وآتيك متى تأتني، وتلتبس بها أنى تأتها، لم يجز إلا في الشعر، وكان جزماً. وإنما كان من قبل أنهم لم يجعلوا هذه الحروف بمنزلة ما يكون محتاجاً إلى الصلة حتى يكمل اسماً. ألا ترى أنه لا تقول مهما تصنع قبيحٌ، ولا في الكتاب مهما تقول، إذا أراد أن يجعل القول وصلا. فهذه الحروف بمنزلة إن لا يكون الفعل صلةً لها. فعلى هذا فأجر ذا الباب. باب ما تكون فيه الأسماء التي يجازي بها بمنزلة الذي وذلك قولك: إن من يأتيني آتيه، وكان من يأتيني آتيه، وليس من يأتيني آتيه. وإنما أذهبت الجزاء من هاهنا لأنك أعملت كان وإن، ولم يسغ

стр. 925

لك أن تدع كان وأشباهه معلقةً لا تعملها في شئ فلما أعملتهن ذهب الجزاء ولم يكن من مواضعه. ألا ترى أنك لو جئت بإن ومتى، تريد إن إن وإن متى، كان محالا. فهذا دليلٌ على أن الجزاء لا ينبغي له أن يكون هاهنا بمن وما وأيٍ. فإن شغلت هذه الحروف بشيء جازيت. فمن ذلك قولك: إنه من يأتنا نأته، وقال جل وعز: " إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا "، وكنت من يأتني آته. وتقول: كان من يأته يعطه، وليس من يأته يحببه، إذا أضمرت الاسم في كان أو في ليس، لأنه حينئذ بمنزلة لست وكنت. فإن لم تضمر فالكلام على ما وصفنا. وقد جاء في الشعر إن من يأتني آته. قال الأعشى: إنَّ مَن لامَ في بني بنت حسّا ... ن ألُمهْ وأَعْصِه في الخُطوبِ

стр. 926

وقال أمية بن أبي الصلت: ولكنَّ مَن لا يلق أمراً ينوبه ... بعدّته يَنْزِلْ به وَهْوَ أَعْزَلُ فزعم الخليل أنه إنما جازى حيث أضمر الهاء، وأراد إنه ولكنه، كما قال الراعي: فلو أنَّ حُقَّ اليومَ منكمْ إقامةٌ ... وإن كان سَرْحٌ قد مضى فتَسَرَّعَا أراد: فلو أنه حق اليوم. ولو لم يرد الهاء كان الكلام محالا. وتقول: قد علمت أن من يأتني آته، من قبل أن أن هاهنا فيها إضمار الهاء، ولا تجئ مخففةٌ هاهنا إلا على ذلك، كما قال، وهو عدي بن زيد:

стр. 927

أُكاشِرُه وأَعْلَمُ أَنْ كِلانا ... على ما ساءَ صاحبَه حَريصُ ولا يجوز أن تنوي في كان وأشباه كان علامة إضمار المخاطب ولا تذكرها. لو قلت: ليس من يأتك تعطه، تريد لست، لم يجز. ولو جاز ذلك لقلت كان من يأتك تعطه، تريد به كنت. وقال الشاعر، الأعشى: في فِتْيةٍ كسُيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يَحْفَى ويَنْتَعِلُ فهذا يريد معنى الهاء. ولا تخفف أن إلا عليه، كما قال: قد علمت أن لا يقول ذاك، أي أنه لا يقول. وقال : " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً ". وليس هذا بقويٍ في الكلام كقوة أن لا يقول، لأن لا عوض من ذهاب العلامة. ألا ترى أنّهم لا يكادون يتكلّمون به بغد الهاء، فيقولون: قد علمت أن عبد الله منطلق. باب يذهب فيه الجزاء من الأسماء كما ذهب في إن وكان وأشباههما . غير أن إن وكان عوامل فيما بعدهن،

стр. 928

والحروف في هذا الباب لا يحدثن فيما بعدهن من الأسماء شيئاً كما أحدثت إن وكان وأشباههما، لأنها من الحروف التي تدخل على المبتدإ والمبنيّ عليه فلا تغيّر الكلام عن حاله، وسأبين لك كيف ذهب الجزاء فيهن إن شاء الله. فمن ذلك قولك: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وما من يأتينا نأتيه، وأما من يأتينا فنحن نأتيه. وإنما كرهوا الجزاء هاهنا لأنه ليس من مواضعه. ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، كما لم يجز أن تقول: إن إن تأتنا نأتك، فلما ضارع هذا الباب باب إن وكان كرهوا الجزاء فيه. وقد يجوز في الشعر أن يجازي بعد هذه الحروف، فتقول: أتذكر إذ من يأتنا نأته. فإنما أجازوه لأن إذ وهذه الحروف لا تغير ما دخلت عليه عن حاله قبل أن تجئ بها، فقالوا: ندخلها على من يأتنا نأته ولا تغير الكلام، كأنا قلنا من يأتنا نأته، كما أنا إذا قلنا إذ عبد الله منطلقٌ فكأنا قلنا: عبد الله منطلقٌ؛ لأن إذ لم تحدث شيئاً لم يكن قبل أن تذكرها. وقال لبيد: على حينَ مَن تَلْبَثْ عليه ذَنوبُهُ ... يَرِثْ شِرْبُهُ إذ في المقام تَدابُرُ

стр. 929

ولو اضطر شاعرٌ فقال: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، جاز له كما جاز في من. وتقول: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته، فنحن فصلت بين إذ ومن، كما فصل الاسم في كان بين كان ومن. وتقول: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه. وإن شئت جزمت لأن الإضمار يحسن هاهنا. ألا ترى أنك تقول: مررت به فإذا أجمل الناس، ومررت به فإذا أيما رجلٍ. فإذا أردت الإضمار فكأنك قلت: فإذا هو من يأته يعطه. فإذا لم تضمر وجعلت إذا هي لمن، فهي بمنزلة إذ لا يجوز فيها الجزم. وتقول: لا من يأتك تعطه، ولا من يعطك تأته، من قبل أن لا ليست كإذ وأشباهها، وذلك لأنها لغو بمنزلة ما في قوله : " فبما رحمة من الله لنت لهم "، فما بعده كشيء ليس قبله لا. ألا تراها تدخل على المجرور فلا تغيره عن حاله، تقول: مررت برجلٍ لا قائمٍ ولا قاعدٍ. وتدخل

стр. 930

على النصب فلا تغيره عن حاله، تقول: لا مرحباً ولا أهلاً، فلا تغير الشيء عن حاله التي كان عليها قبل أن تنفيه، ولا تنفيه مغيراً عن حاله، يعني في الإعراب التي كان عليها، فصار ما بعدها معها بمنزلة حرف واحد ليست فيه لا، وإذ وأشباهها لا يقعن هذه المواقع ولا يكون الكلام بعدهن إلا مبتدأ. وقال ابن مقبل: وقِدْرٍ ككَفِّ القِرْدِ لا مُسْتعيرُها ... يُعارُ ولا مَنْ يَأْتِها يَتَدَسَّمِ ووقوع إن بعد لا يقوي الجزاء فيما بعد لا. وذلك قول الرجل: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن قعدنا عندك عرضت علينا؛ ولا لغوٌ في كلامهم. ألا ترى أنك تقول: خفت أن لا تقول ذاك وتجري مجرى خفت أن تقول. وتقول: إن لا يقل أقل، فلا لغوٌ، وإذ وأشباهها ليست هكذا، إنما يصرفن الكلام أبداً إلى الابتداء. وتقول: ما أنا ببخيلٍ ولكن إن تأتني أعطك، جاز هذا وحسن لأنّك

стр. 931

قد تضمرها هنا كما تضمر في إذا. ألا ترى أنك تقول: ما رأيتك عاقلا ولكن أحمق. وإن لم تضمر تركت الجزاء كما فعلت ذلك في إذا. قال طرفة: ولستُ بحَلاَّلِ التِلاعِ مخَافةً ... ولكنْ متى يَسْتَرْفِد القومُ أَرْفِدِ كأنه قال: أنا. ولا يجوز في متى أن يكون الفعل وصلاً لها كما جاز في من والذي. وسمعناهم ينشدون قول العجير السلولي: وما ذاك أنْ كانَ ابنَ عَمِيّ ولا أخي ... ولكنْ متى ما أَملِكِ الضرَّ أنْفَعُ والقوافي مرفوعةٌ كأنه قال: ولكن أنفع متى ما أملك الضر، ويكون

стр. 932

أملك على متى في موضع جزاء، وما لغوٌ، ولم يجد سبيلا إلى أن يكون بمنزلة من فتوصل، ولكنها كمهما. وأما قوله : " وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين " فإنما هو كقولك: أمّا غداً فلك ذاك. وحسنت إن كان لأنه لم يجزم بها، كما حسنت في قوله: أنت ظالم إن فعلت. بابٌ إذا ألزمت فيه الأسماء التي تجازي بها حروف الجر لم تغيرها عن الجزاء وذلك قولك: على أي دابةٍ أحمل أركبه، وبمن تؤخذ أو خذ به. هذا قول يونس والخليل جميعا. فحروف الجر لم تغيرها عن حال الجزاء، كما لم تغيرها عن حال الاستفهام. ألا ترى أنك تقول: بمن تمر، وعلى أيها أركب؟ فلو غيرتها عن الجزاء غيرتها عن الاستفهام. وقال ابن همام السلولي:

стр. 933

لمَّا تمكَّنَ دُنْياهُم أطاعهمُ ... في أَيِّ نَحْوٍ يُميلوا دِينَه يَمِل وذاك لأن الفعل إنما يصل إلى الاسم بالباء ونحوها، فالفعل مع الباء بمنزلة فعلٍ ليس قبله حرف جرٍ ولا بعده، فصار الفعل الذي يصل بإضافة كالفعل الذي لا يصل بإضافة؛ لأن الفعل يصل بالجر إلى الاسم كما يصل غيره ناصباً أو رافعاً. فالجر هاهنا نظير النصب والرفع في غيره. فإن قلت: بمن تمر به أمر، وعلى أيهم تنزل عليه أنزل، وبما تأتيني به آتيك، رفعت لأن الفعل إنما أوصلته إلى الهاء بالباء الثانية والباء الأولى للفعل الآخر، فتغير عن حال الجزاء كما تغير عن حال الاستفهام، فصارت بمنزلة الذي؛ لأنك أدخلت الباء للفعل حين أوصلت الفعل الذي يلي الاسم بالباء الثانية إلى الهاء، فصارت الأولى ككان وإن - يقول: لا يجازي بما بعدها - وعملت الباء فيما بعدها عمل كان وإن فيما بعدهما.

стр. 934

وقد يجوز أن تقول: بمن تمرر أمره، وعلى من تنزل أنزل، إذا أردت معنى عليه وبه؛ وليس بحد الكلام، وفيه ضعفٌ. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو بعض الأعراب: إنّ الكريم وأبيك يَعْتَمِلْ ... إنْ لم يَجِدْ يوماً على مَنْ يَتَّكِل

стр. 935

يريد: يتكل عليه، ولكنه حذف. وهذا قول الخليل. وتقول: غلام من تضرب أضربه؛ لأنَّ ما يضاف إلى من بمنزلة من. ألا ترى أنك تقول: أبوأيهم رأيته، كما تقول: أيهم رأيته. وتقول: بغلام من تؤخذ أو خذ به، كأنك قلت: بمن تؤخذ أؤخذ به. وحسن الاستفهام ها هنا يقوِّي الجزاء، تقول: غلام من تضرب، وبغلام من مررت. ألا ترى أن كينونة الفعل غير وصلٍ ثابتةٌ. وتقول: بمن تمرر أمرر به، وبمن تؤخذ أوخذ به. فحدُّ الكلام أن تثبت الباء في الآخر لأنه فعلٌ لا يصل إلا بحرف الإضافة. يدلك على ذلك أنك لو قلت: من تضرب أنزل لم يجز حتى تقول عليه، إلا في شعر. فإن قلت: بمن تمرر أمرر أو بمن تؤخذ أوخذ، فهو أمثل وليس بحد الكلام. وإنما كان في هذا أمثل لأنه قد ذكر الباء في الفعل الأول، فعلم أنّ الآخر مثله لأنه ذلك الفعل. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ باب الجزاء إذا أدخلت فيه ألف الاستفهام وذلك قولك: أإن تأتني آتك. ولا تكتفي بمن لأنها حرف جزاء، ومتى مثلها؛ فمن ثم أدخل عليه الألف، تقول: أمتى تشتمني أشتمك وأمن يفعل ذاك أزره؛ وذلك لأنك أدخلت الألف على كلام قد عملَ بعضه في بعض فلم يغيَّره، وإنما الألف بمنزلة الواو والفاء ولا ونحو ذلك، لا تغيَّر الكلام عن حاله، وليست كإذ وهل وأشباههما. ألا ترى أنها تدخل على المجرور والمنصوب والمرفوع فتدعه على حاله ولا تغيره عن لفظ المستفهم. ألا ترى

стр. 936

أنه يقول: مررت بزيدٍ فتقول: أزيد إن شئت قلت أزيدنيه، وكذلك تقول في النصب والرفع؛ وإن شئت أدخلتها على كلام المخبر ولم تحذف منه شيئاً، وذلك إذا قال: مررت بزيدٍ قلت: أمررت بزيدٍ. ولا يجوز ذلك في هل وأخواتها. ولو قلت: هل مررت بزيدٍ كنت مستأنفاً. ألا ترى أنَّ الألف لغوٌ. فإن قيل: فإن الألف لا بدَّ لها من أن تكون معتمدةً على شىء فإنَّ هذا الكلام معتمدٌ لها، كما تكون صلةً للذي إذا قلت: الذي إن تأته يأتك زيدٌ. فهذا كلُّه وصلٌ. فإن قال: الذي إن تأته يأتيك زيدٌ، وأجعل يأيتكَ صلةَ الَّذي لم يجد بدَّاً من أن يقول: أنا إن تأتني آتيك؛ لأنَّ أنا لا يكون كلاماً حتى يبنى عليه وأمَّا يونس فيقول: أإن تأتني آتيك. وهذا قبيحٌ يكره في الجزاء وإن كان في الاستفهام. وقال : " أفإن متَّ فهم الخالدون. " ولو كان ليس موضعَ جزاء قبح فيه إن، كما يقبح أن، تقول: أتذكر إذ إن تأتني آتيك. فلو قلت: إن أتيتني آتيك على القلب كان حسناً.

стр. 937

؟ باب الجزاء إذا كان القسم في أوَّله وذلك قولك: والَّله إن أتيتني لا أفعل، لا يكون إلا معتمدةً عليه اليمين. ألا ترى أنَّك لو قلت: والله إن تأتني آتك لم يجز ولو قلت والَّله من يأتني آته كان محالاً، واليمين لا تكون لغواً كلا والألف؛ لأن اليمين لآخر الكلام وما بينهما لا يمنع الآخر أن يكون على اليمين وإذا قلت أإن تأتني آتك فكأنك لم تذكر الألف واليمين ليست هكذا في كلامهم. ألا ترى أنك تقول: زيدٌ منطلقٌ، فلو أدخلت اليمن غيَّرت الكلام. وتقول: أنا والَّله إن تأتني لا آتك؛ لأن هذا الكلام مبنيٌ على أنا ألا ترى أنه حسنٌ أن تقول: أتا والله إن تأتني آتك فالقسم ها هنا لغوٌ. فإذا بدأت بالقسم لم يجز إلا أن يكون عليه. ألا ترى أنك تقول: لئن أتيتني لا أفعل ذاك، لأنها لام قسمٍ. ولا يحسن في الكلام لئن تأتني لا أفعل؛ لأنَّ الآخر لا يكون جزماً. وتقول: والَّله إن أتيتني آتيك، وهو معنى لا آتيك، وهو معنى لا آتيك. فإن أردت أن الإتيان يكون فهو غير جائز، وإن نفيت الإتيان وأردت معنى لا آتيك فهو مستقيم. وأمَّا قول الفرزدق:

стр. 938

وأنتم لهذا الناسِ كالقِبْلة التي ... بها أن يضلَّ الناس يُهْدَى ضَلالُهَا فلا يكون الآخر إلا رفعاً، لأنَّ أن لا يجازى بها وإنما هي مع الفعل اسمٌ فكأنه قال: لأن يضلَّ الناس يهدى. وهكذا أنشده الفرزدق. باب ما يرتفع بين الجزمين وينجزم بينهما فأمَّا ما يرتفع بينهما فقولك: إن تأتني تسألني أعطك، وإن تأتني تمش أمش معك. وذلك لأنك أردت أن تقول إن تأتني سائلاً يكن ذلك، وإن تأتني ماشياً فعلت. وقال زهير: ومَن لا يَزَلْ يَسْتحْمِلُ النَّاس نفسَه ... ولا يُغْنِها يوماً مِن الدهر يُسْأَمِ إنما أراد: من لا يزل مستحملاً يكن من أمره ذاك. ولو رفع يغنها جاز وكان حسناً، كأنَّه قال: من لا يزل لا يغني نفسه.

стр. 939

ومما جاء أيضاً مرتفعاً قول الحطيئة: مَتى تأتِه تَعْشو إلى ضَوْءِ نارِه ... تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ وسألت الخليل عن قوله: متى تأتنا بلمم بنا في دِيارنا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأَجَّجَا قال: تلمم بدلٌ من الفعل الأول. ونظيره في الأسماء: مررت برجلٍ عبد الَّله، فأراد أن يفسر الإتيان بالإلمام كما فسَّر الاسم الأوَّل بالاسم الآخر. ومثل ذلك أيضاً قوله، أنشدنيهما الأصمعي عن أبي عمرو لبعض بني أسد:

стр. 940

إن يَبْخَلوا أو يَجْبُنوا ... أو يَغْدِروا لا يحفلوا يغدوا عليك مرجَّلين كأنهم لم يفعلو فقوله يغدوا: بدلٌ من لا يحفلوا، وغدوهم مرجَّلين يفسِّر أنَّهم لم يحفلوا. وسألته: هل يكون إن تأتنا تسألنا نعطك؟ فقال: هذا يجوز على غير أن يكون مثل الأول، لأنَّ الأول الفعل الآخر تفسيرٌ له، وهو هو، والسُّوال لا يكون الإتيان، ولكنَّه يجوز على الغلط والنَّسيان ثم يتدارك كلامه. ونظير ذلك في الأسماء: مررت برجلٍ حمارٍ، كأنه نسي ثم تدارك كلامه. وسألته عن قوله جلَّ وعزَّ: " ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة " فقال: هذا كالأول؛ لأن مضاعفة العذاب هو لقيٌّ الآثام. ومثل ذلك من الكلام: إن تأتنا بحسن إليك نعطك ونحميك، تفسر الإحسان بشيء هو هو، وتجعل الآخر بدلاً من الأول. فإن قلت: إن تأتني آتك أقل ذاك، كان غير جائز؛ لأنَّ القول ليس بالإتيان إلا أن تجيزه على ما جاز عليه تسألنا وأمَّا ما ينجزم بين المجزومين فقولك: إن تأتني ثمَّ تسألني أعطك، وإن

стр. 941

تأتني فتسألني أعطك، وإن تأتنيي وتسألني أعطك. وذلك لأنَّ هذه الحروف يشركن الآخر فيما دخل فيه الأول. وكذلك أو وما أشبههنَّ. ولا يجوز في ذا الفعل الرفع. وإنَّما كان الرفع في قوله متى تأته تعشو، لأنَّه في موضع عاش، كأنه قال: متى تأته عاشياً. ولو قلت متى تأته وعاشياً كان محالا. فإنَّما أمرهن أن يشركن بين الأول والآخر. وسألت الخليل عن قوله: إن تأتني فتحدثني أحدثك، وإن تأتني وتحدثني أحدِّثك، فقال: هذا يجوز، والجزم الوجه. ووجه نصبه على أنه حمل الآخر على الاسم، كأنه أراد إن يكن إتيانٌ فحديث أحدِّثك، فلمَّا قبح أن يرد الفعل على الاسم نوى أن، لأن الفعل معها اسمٌ. وإنما كان الجزم الوجه لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراد من الحديث، فلما كان ذلك كان أن يحمل على الذي عمل فيما يليه أولى؛ وكرهوا أن يتخطَّوا به من بابه إلى آخر إذا كان يريد شيئاً واحداً. وسألته عن قول ابن زهير:

стр. 942

ومَن لا يقدِّم رِجْلَه مُطْمَئِنَّة ... فيُثْبِتَها في مُسْتَوَى الأرضِ يَزْلَقِ فقال: النصب في هذا جيِّد، لأنه أرادها هنا من المعنى ما أراد في قوله: لا تأتينا إلا لم تحدِّثنا، فكأنه قال: من لا يقدَّم إلا لم يثبت زلق. ولا يكون أبداً إذا قلت: إن تأتني فأحدثك الفعل الآخر الا رفعا، وإنَّما منعه أن يكون مثل ما انتصب بين المجزومين أنّ هذا منقطع من الأوّل؛ شريكٌ له وإذا قلت إن يكن إتيانٌ فحديثٌ أحدثك، فالحديث متصل بالأول؛ ألا ترى أنَّك إذا قلت: إن يكن إتيانٌ فحديثٌ ثم سكتَّ وجعلته جواباً لم يشرك الأول، وكان مرتفعاً بالابتداء. وتقول: إن تأتني لآتك فأُحدثك. هذا الوجه، وإن شئت ابتدأتَ. وكذلك الواو وثمَّ، وإن شئت نصبت بالواو والفاء كما نصبت ما كان بين المجزومين. واعلم أن ثمَّ لا ينصب بها كما ينصب بالواو والفاء، ولم يجعلوها مما يضمر بعده أن، وليس يدخلها من المعاني ما يدخل في الفاء، وليس معناها معنى الواو، ولكنها تشرك ويبتدأ بها. واعلم أن ثمَّ إذا أدخلته على الفعل الذي بين المجزومين لم يكن إلَّا جزماً، لأَّنه ليس مما ينصب. وليس يحسن الابتداء لأنَّ ما قبله لم ينقطع. وكذلك الفاء والواو وأو إذا لم ترد بهن النصب، فإذا انقضى الكلام ثم

стр. 943

جئت بثمَّ، فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت. وكذلك الواو والفاء. قال الَّله تعالى: " وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثمَّ لا ينصرون " وقال ﵎: " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم " إِّلا أنَّه قد يجوز النصب بالفاء والواو. وبلغنا أنَّ بعضهم قرأ: " يحاسبكم به الَّله فيغفر لمن يشاء ويعذِّب من يشاء " والَّله على كل شيء قدير " وتقول: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك، وإن تأتني فأنا لآتيك وأحسن إليك. وقال : " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم ". والرفع ههنا وجه الكلام، وهو الجيِّد؛ لأنَّ الكلام الذي بعد الفاء جرى مجراه في غير الجزاء فجرى الفعل هنا كما كان يجري في غير الجزاء. وقد بلغنا أنَّ بعض القرَّاء قرأ: " من يضلل الَّله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون "؛ وذلك لأنَّه حمل الفعل على موضع الكلام؛ لأنَّ

стр. 944

هذا الكلام في موضع يكون جواباً؛ لأن أصل الجزاء الفعل، وفيه تعمل حروف الجزاء؛ ولكنَّهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره. ؟ ومثل الجزم ههنا النصب في قوله: فلسْنا بالجبالِ ولا الحديدَا حمل الآخر على موضع الكلام وموضعه موضع نصبٍ، كما كان موضع ذاك موضع جزمِ. وتقول: إن تأتني فلن أوذيك وأستقبلك بالجميل، فالرفع ههنا الوجه إذا لم يكن محمولاً على لن كما قال الرفع الوجه في قوله فهو خير لك وأكرمك ومثل ذلك إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك فالرفع الوجه إذا لم تحمله على لم كما كان ذلك في لن. وأحسن ذلك أن تقول: إن تأتني لا آتك، كما أن أحسن الكلام أن تقول: إن أتيتني لم آتك. وذلك أن لم أفعل نفي فعل وهو مجزوم بلم، ولا أفعل نفي أفعل وهو مجزوم بالجزاء. فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل وهو مجزوم بالجزاء. فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل لأنه نظيره من الفعل. وإذا قال إن فعلت فأحسن

стр. 945

الكلام أن تقول: فعلت، لأنَّه مثله. فكما ضعف فعلت مع أفعل، وأفعل مع فعلت، قبح لم أفعل مع يفعل، لأن لم أفعل نفي فعلت. وقبح لا أفعل مع فعل لأنها نفي أفعل. واعلم أنَّ النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني لآتك وأعطيك ضعيف، وهو نحومن قوله: وَأَلحقُ بالحجاز فأسترِيحَا فهذا يجوز وليس بحد الكلام ولا وجهه، إلَّا أنَّه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأول فعلٌ، فلمَّا ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، وإن كان معناه كمعنى ما قبله إذا قال وأعطيك. وإنَّما هو في المعنى كقوله أفعل إن شاء الَّله، يوجب بالاستثناء. قال الأعشى فيما جاز من النصب: ومَن يَغترِبْ عن قومه لا يزل يرى ... مصرع مظلومٍ مَجَرّاً ومَسْحَبا

стр. 946

وتُدفَنَ منه الصالحاتُ وإن يُسيءُ ... يكنْ ما أساء النار في رأس كبكبا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل إذا كان جواباً لأمرٍ أو نهي أو استفهامٍ أو تمنِّ أو عرض فأما ما انجزم بالأمر فقولك: ائتني آتك. وأما ما انجزم بالنهي فقولك: لا تفعل يكن خيراً لك. وأما ما انجزم بالاستفهام فقولك: ألا تأتيني أحدثِّك؟ وأين تكون أزرك؟ وأما ما انجزم بالتمني فقولك: ألا ماءَ أشربه، وليته عندنا يحدَّثنا. وأمَّا ما انجزم بالعرض فقولك: ألا تنزل تصب خيراً. وإنَّما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب إن تأتني، بإن تأتني، لأنَّهم

стр. 947

جعلوه معلَّقاً بالأوّل عير مستغنٍ عنه إذا أرادوا الجزاء، كما أنَّ إن تأتني عير مستغنية عن آتك. وزعم الخليل: أنَّ هذه الأوائل كلَّها فيها معنى إن، فلذلك انجزم الجواب؛ لأنه إذا قال ائتني آتك فإن معنى كلامه إن يكن منك إتيانٌ آتك، وإذا قال: أين بيتك أزرك، فكأنه قال إن أعلم مكان بيتك أزرك؛ لأن قوله أين بيتك يريد به: أعلمني. وإذا قال ليته عندنا يحدثنا، فإن معنى هذا الكلام إن يكن عندنا يحدَّثنا، وهو يريد ههنا إذا تمنَّى ما أراد في الأمر. وإذا قال لو نزلت فكأنَّه قال انزل. ومما جاء من هذا الباب في القرآن وغيره قوله : " هل أدلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابِ أليم. تؤمنون بالَّله ورسوله وتجاهدون في سبيل الَّله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون " فلمَّا انقضت الآية قال: " يغفر لكم ". ومن ذلك أيضاً: أتينا أمس نعطيك اليوم، أي إن كنت أتيتنا أمس

стр. 948

أعطيناك اليوم. هذا معناه فإن كنت تريد أن تقررِّه بأنه قد فعل فإنَّ الجزاء لا يكون، لأنَّ الجزاء إنَّما يكون في غير الواجب. ومما جاء أيضاً منجزماً بالاستفهام قوله، وهو رجل من بني تغلب، جابر ابن حنى: أَلا تَنْتَهِي عنَّا مُلوكٌ وتَتقِي ... مَحارِمَنَا لا يَبؤِ الدَّم بالدَّم وقال الراجز: متى أَنامُ لا يُؤَرِّقْنْي الكَرِي ... ليلاً ولا أسمع أجراس المطى كأنّه قال: إ، يكن منِّى نومٌ في غير هذه الحال لا يؤرقني الكرىُّ، كأنَّه لم يعَّد نومه في هذه الحال نوماً. وقد سمعنا من العرب من يشمُّه الرَّفع، كأنه يقول: متى أنام غير مؤرق. وتقول: ائتني آتك، فتجزم على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على أن

стр. 949

لا تجعله معلقاً بالأوَّل، ولكنَّك تبتدئه وتجعل الأول مستغنياً عنه، كأنَّه يقول: ائتني أنا آتيك. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الأخطل: وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف أمريءٍ يَمْضِي لمِقْدارِ وقال الأنصاري: يا مالِ والحقُّ عنده فقِفُوا ... تَؤتَوْنَ فيه الوفاءَ مُعْترَفَا كأنه قال: إنكم تؤتون فيه الوفاء معترفاً. وقال معروف:

стр. 950

كونوا كَمن واسَى أخاه بنفسه ... نعيشُ جميعاً أو نموتُ كلانَا كأنه قال: كونوا هكذا إنا نعيش جميعاً أو نموت كلانا إن كان هذا أمرنا. وزعم الخليل: أنَّه يجوز أن يكون نعيش محمولا على كونوا، كأنه قال: كونوا نعيش جميعاً أو نموت كلانا. وتقول: لا تدن منه يكن خيراً لك. فإن قلت: لا تدن من الأسديا كلك فهو قبيح إن جزمت، وليس وجه كلام الناس؛ لأنَّك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سبباً لأكله. وإن رفعت فالكلام حسنٌ، كأنك قلت: لا تدن منه فإنَّه يأكلك. وإن أدخلت الفاء فهو حسنٌ، وذلك قولك: لا تدن منه فيأكلك. وليس كلُّ موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء. ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحثنا، والجزاء ههنا محال. وإنما قبح الجزم في هذا لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء.
следующие страницы →