← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 23018

الكتاب لسيبويه

سيبويه

Полный текст (1 982 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وتُدفَنَ منه الصالحاتُ وإن يُسيءُ ... يكنْ ما أساء النار في رأس كبكبا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل إذا كان جواباً لأمرٍ أو نهي أو استفهامٍ أو تمنِّ أو عرض فأما ما انجزم بالأمر فقولك: ائتني آتك. وأما ما انجزم بالنهي فقولك: لا تفعل يكن خيراً لك. وأما ما انجزم بالاستفهام فقولك: ألا تأتيني أحدثِّك؟ وأين تكون أزرك؟ وأما ما انجزم بالتمني فقولك: ألا ماءَ أشربه، وليته عندنا يحدَّثنا. وأمَّا ما انجزم بالعرض فقولك: ألا تنزل تصب خيراً. وإنَّما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب إن تأتني، بإن تأتني، لأنَّهم

стр. 947

جعلوه معلَّقاً بالأوّل عير مستغنٍ عنه إذا أرادوا الجزاء، كما أنَّ إن تأتني عير مستغنية عن آتك. وزعم الخليل: أنَّ هذه الأوائل كلَّها فيها معنى إن، فلذلك انجزم الجواب؛ لأنه إذا قال ائتني آتك فإن معنى كلامه إن يكن منك إتيانٌ آتك، وإذا قال: أين بيتك أزرك، فكأنه قال إن أعلم مكان بيتك أزرك؛ لأن قوله أين بيتك يريد به: أعلمني. وإذا قال ليته عندنا يحدثنا، فإن معنى هذا الكلام إن يكن عندنا يحدَّثنا، وهو يريد ههنا إذا تمنَّى ما أراد في الأمر. وإذا قال لو نزلت فكأنَّه قال انزل. ومما جاء من هذا الباب في القرآن وغيره قوله : " هل أدلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابِ أليم. تؤمنون بالَّله ورسوله وتجاهدون في سبيل الَّله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون " فلمَّا انقضت الآية قال: " يغفر لكم ". ومن ذلك أيضاً: أتينا أمس نعطيك اليوم، أي إن كنت أتيتنا أمس

стр. 948

أعطيناك اليوم. هذا معناه فإن كنت تريد أن تقررِّه بأنه قد فعل فإنَّ الجزاء لا يكون، لأنَّ الجزاء إنَّما يكون في غير الواجب. ومما جاء أيضاً منجزماً بالاستفهام قوله، وهو رجل من بني تغلب، جابر ابن حنى: أَلا تَنْتَهِي عنَّا مُلوكٌ وتَتقِي ... مَحارِمَنَا لا يَبؤِ الدَّم بالدَّم وقال الراجز: متى أَنامُ لا يُؤَرِّقْنْي الكَرِي ... ليلاً ولا أسمع أجراس المطى كأنّه قال: إ، يكن منِّى نومٌ في غير هذه الحال لا يؤرقني الكرىُّ، كأنَّه لم يعَّد نومه في هذه الحال نوماً. وقد سمعنا من العرب من يشمُّه الرَّفع، كأنه يقول: متى أنام غير مؤرق. وتقول: ائتني آتك، فتجزم على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على أن

стр. 949

لا تجعله معلقاً بالأوَّل، ولكنَّك تبتدئه وتجعل الأول مستغنياً عنه، كأنَّه يقول: ائتني أنا آتيك. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الأخطل: وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف أمريءٍ يَمْضِي لمِقْدارِ وقال الأنصاري: يا مالِ والحقُّ عنده فقِفُوا ... تَؤتَوْنَ فيه الوفاءَ مُعْترَفَا كأنه قال: إنكم تؤتون فيه الوفاء معترفاً. وقال معروف:

стр. 950

كونوا كَمن واسَى أخاه بنفسه ... نعيشُ جميعاً أو نموتُ كلانَا كأنه قال: كونوا هكذا إنا نعيش جميعاً أو نموت كلانا إن كان هذا أمرنا. وزعم الخليل: أنَّه يجوز أن يكون نعيش محمولا على كونوا، كأنه قال: كونوا نعيش جميعاً أو نموت كلانا. وتقول: لا تدن منه يكن خيراً لك. فإن قلت: لا تدن من الأسديا كلك فهو قبيح إن جزمت، وليس وجه كلام الناس؛ لأنَّك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سبباً لأكله. وإن رفعت فالكلام حسنٌ، كأنك قلت: لا تدن منه فإنَّه يأكلك. وإن أدخلت الفاء فهو حسنٌ، وذلك قولك: لا تدن منه فيأكلك. وليس كلُّ موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء. ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحثنا، والجزاء ههنا محال. وإنما قبح الجزم في هذا لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء.

стр. 951

وسمعنا عربياً موثوقاً بعربيته يقول: لا تذهب به تغلب عليه؛ فهذا كقوله: لا تدن من الأسد يأكلك. وتقول: ذره يقل ذاك، وذره يقول ذاك فالرفع من وجهين: فأحدهما الابتداء، والآخر على قولك: ذره قائلاً ذاك؛ فتجعل يقول في موضع قائل. فمثل الجزم قوله : " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل " ومثل الرفع قوله تعالى جدٌّه: " ذرهم في خوضهم يلعبون ". وتقول: ائتني تمشي، أي ائتني ماشياً، وإن شاء جزمه على أنه إن أتاه مشي فيما يستقبل فيما يستقبل. وإن شاء رفعه على الابتداء. وقال : " فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ". فالرفع على وجهين: على الابتداء، وعلى قوله: اضربه غير خائفٍ ولا خاشٍ. وتقول: قم يدعوك؛ لأنك لم ترد أن تجعله دعاء بعد قيامه ويكون القيام سبباً له، ولكنَّك أردت: قم إنه يدعوك. وإن أردت ذلك المعنى جزمت. وأما قول الأخطل

стр. 952

كرُّوا إلى حرَّيتكم تعمرونهما ... كما تكرُّ إلى أوطانها البَقَرُ فعلى قوله: كرُّوا عامرين. وإن شئت رفعت على الابتداء. وتقول: مره يحفرها، وقل له يقل ذاك. وقال الَّله : " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممَّا رزقناهم ". ولو قلت مره يحفرها على الابتداء كان جيَّداً. وقد جاء رفعه على شىء هو قليلٌ في الكلام، على مره أن يحفرها، فإذا لم يذكروا أن، جعلوا المعنى بمنزلته في عسينا نفعل. وهو في الكلام قليلٌ، لا يكادون يتكلمون به، فإذا تكلموا به فالفعل كأنه في موضع اسم منصوب، كأنه قال: عسى زيدٌ قائلا، ثم وضع يقول في موضعه. وقد جاء في الشعر، قال طرفة بن العبد: ألا أبهذا الزاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... وأَنْ أَشْهَدَ الَّلذات هل أنت مخلدي

стр. 953

وسألته عن قوله : " قل أفغير الَّله تأمروني أعبد أيُّها الجاهلون " فقال: تأمرونِّي كقولك: هو يقول ذاك بلغني، فبلغني لغوٌ فكذلك تأمرونِّي، كأنه قال: فيما تأمرونِّي، كأنه. قال فيما بلغني. وإن شئت كان بمنزلة: ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي لأن فيها معنى الأمر والنهي فمن تلك الحروف: حسبك، وكفيك، وشرعك، وأشباهها. تقول: حسبك ينم الناس. ومثل ذلك: " اتقي الَّله امرؤ وفعل خيراً يثب عليه " لأن فيه معنى ليتَّق الَّله امرؤ وليفعل خيراً. وكذلك ما أشبه هذا. وسألت الخليل عن قوله : " فأصَّدق وأكن من الصالحين " فقال: هذا كقول زهير: بَدا ليَ أنّي لستُ مُدْرِكَ ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

стр. 954

فإنَّما جروا هذا، لأنَّ الأول قد يدخله الباء، فجاءوا بالثاني وكأنَّهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله قد يكون جزماً ولا فاء فيه تكلموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا توهموا هذا. وأما قول عمرو بن عمار الطائي: فقلتُ له صوِّب ولا تجهدنَّه ... فيُدْنِك من أُخْرَى القطاةِ فتَزْلَقِ فهذا على النهي كما قال: لا تمددها فتشققها، كأنَّه قال: لا تجهدنه ولا يدنينك من أخرى القطاة ولا تزلقن. ومثله من النهي: لا يرينَّك ههنا، ولا أرينَّك ههنا. وسألته عن آتي الأمير لا يقطع الِّصَّ، فقال: الجزاء ها هنا خطأ، لا يكون الجزاء أبداً حتى يكون الكلام الأول غير واجب، إلا أن يضطرَّ شاعرٌ. ولا نعلم هذا جاء في شعر البتَّة. وسألته عن قوله: أما أنت منطلقاً انطلق معك، فرفع. وهو قول أبي عمرو، وحدثنا به يونس. وذلك لأنه لا يجازي بأن كأنه قال: لأن صرت منطلقاً أنطلق معك.

стр. 955

وسألته عن قوله: ما تدوم لي أدوم لك، فقال: ليس في هذا جزاء، من قبل أن الفعل صلةٌ لما؛ فصار بمنزلة الذي، وهو بصلته كالمصدر، ويقع على الحين كأنه قال: أدوم لك دوامك لي. فما، ودمت، بمنزلة الدَّوام. ويدلك على أنَّ الجزاء لا يكون ها هنا أنك لا تستطيع أن تستفهم بما تدوم على هذا الحد. ومثل ذلك: كلَّما تأتيني آتيك، فالإتيان صلة لما، كأنه قال: كلَّ إتيانك آتيك، وكلَّما تأتيني يقع أيضاً على الحين كما كان ما تأتيني يقع على الحين. ولا يستفهم بما تدوم. وسألته عن قوله: الذي يأتيني فله درهمان، لم جاز دخول الفاء ها هنا والَّذي يأتيني بمنزلة عبد اللَّه، وأنت لا يجوز لك أن تقول عبد الَّله فله درهما؟ فقال: إنَّما يحسن في الَّذي لأنه جعل الآخر جواباً للأوَّل، وجعل الأول به يجب له الدرهمان، فدخلت الفاء ها هنا، كما دخلت في الجزاء إذا قال: إن يأتني فله درهمان. وإن شاء قال: الذي يأتيني له درهمان، كما تقول: عبد الَّله له درهمان غير أنَّه إنما أدخل الفاء لتكون العطّية مع وقوع الإتيان، فإذا أدخل الفاء فإنما يجعل الإتيان سبب ذلك. فهذا جزاء وإن لم يجزم، لأنَّه صلة.

стр. 956

ومثل ذلك قولهم: كل رجل يأتينا فله درهمان. ولو قال: كل رجل فله درهمان كان محالاً، لأنه لم يجيْ بفعل ولا بعمل يكون له جوابٌ. ومثل ذلك: " الذَّين ينفقون أموالهم بالَّليل والنَّهار سرَّاّ وعلانية فلهم أجرهم عند ربِّهم " وقال تعالى جدُّه: " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " ومثل ذلك: " إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمَّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنَّم ولهم عذاب الحريق. وسألت الخليل عن قوله جلَّ ذكره: " حتَّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها " أين جوابها؟ وعن قوله جل وعلا: " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب "، " ولو يرى إذ وقفوا على النَّار " فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم، لعلم المخبر لأيِّ شيءٍ وضع هذا الكلام. وزعم أنَّه قد وجد في أشعار العرب ربَّ لا جواب لها. من ذلك قول الشماخ:

стр. 957

ودوّيّةٍ قفرٍ تمشِّى نَعامُها ... كمَشْي النَّصارى في خفافِ الأَرنْدَجِ وهذه القصيدة التي فيها هذا البيت لم يجيء فيها جوابٌ لربَّ؛ لعلم المخاطب أنه يريد قطعتها، وما فيه هذا المعنى: باب الأفعال في القسم اعلم أنَّ القسم توكيدٌ لكلامك. فإذا حلفت على فعلٍ غير منفي لم يقع لزمته اللامُ. ولزمت اللام النونُ الخفيفة أو الثقيلة في آخر الكلمة. وذلك قولك: والَّله لأفعلنَّ. وزعم الخليل: أن النون تلزم اللام كلزوم اللام في قولك: إن كان لصالحاً، فإن بمنزلة اللام، واللام بمنزلة النون في آخر الكلمة. واعلم أن من الأفعال أشياء فيها معنى اليمين، يجري الفعل بعدها مجراه بعد قولك واللَّه، وذلك قولك: أقسم لأفعلنَّ، وأشهد لأفعلنَّ، وأقسمت باللَّه عليك لتفعلنَّ.

стр. 958

وإن كان الفعل قد وقع وحلفت عليه لم تزد على اللام؛ وذلك قولك: والَّله لفعلت. وسمعنا من العرب من يقول: والَّله لكذبت، وواللَّه لكذب. فالنون لا تدخل على فعلٍ قد وقع، إنَّما تدخل على غير الواجب. وإذا حلفت على فعلٍ منفيٍّ لم تغيِّره عن حاله التي كان عليها قبل أن تحلف، وذلك قولك: والَّله لا أفعل. وقد يجوز لك وهو من كلام العرب أن تحذف لا وأنت تريد معناها، وذلك قولك: والَّله أفعل ذلك أبداً، تريد: والَّله لا أفعل ذلك أبداً. وقل: فحالِفْ فلا والَّله تَهْبِطُ تَلْعةً ... من الأَرضِ إلا أنتَ للذل عارِفُ وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلاَّ فعلت ولما فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما أقسمت ها هنا كقولك: والَّله؟ فقال: وجه الكلام

стр. 959

لتفعلنَّ، هاهنا ولكنهم إنما أجازوا هذا لأنهم شبهوه بنشدتك الله، إذ كان فيه معنى الطلب. وسألته عن قوله إذا جاءت مبتدأةً ليس قبلها ما يحلف به؟ فقال: إنما جاءت على نيَّة اليمين وإن لم يتكلَّم بالمحلوف به. واعلم أنَّك إذا أخبرت عن غيرك أنَّه أكَّد على نفسه أو على غيره فالفعل يجري مجراه حيث حلفت أنت؛ وذلك قولك: أقسم ليفعلنَّ، واستحلفه ليفعلن، وحلف ليفعلنَّ ذلك، وأخذ عليه لا يفعل ذلك أبداً. وذاك أنَّه أعطاه من نفسه في هذا الموضع مثل ما أعطيت أنت من نفسك حين حلفت، كأنَّك قلت حين قلت أقسم ليفعلَّن قال واللَّه ليفعلنَّ، وحين قلت استحلفه ليفعلنَّ قال له واللَّه ليفعلنَّ. ومثل ذلك قوله تعالى جدُّه: " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاَّ الَّله ". وسألته: لِمَ لَم يجز والَّله تفعل يريدون بها معنى ستفعل؟ فقال: من قبل أنَّهم وضعوا تفعل ها هنا محذوفة منها لا، وإنما تجيء في معنى لا أفعل، فكرهوا أن تلتبس إحداهما بالأخرى. فقلت: فلم ألزمت

стр. 960

النون آخر الكلمة؟ فقال: لكي لا يشبه قوله إنه ليفعل، لأن الرجل إذا قال هذا فإنما يخبر بفعلٍ واقعٍ فيه الفاعل، كما ألزموا اللام: إن كان ليقول، مخافة أن يلتبس بما كان يقول ذاك، لأن إن تكون بمنزلة ما. وسألته عن قوله : " وإذ أخذ الَّله ميثاق النَّبييِّن لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكم رسول مصدِّق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنَّه " فقال: ما ههنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على إن حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، واللام التي في ما كهذه التي في إن، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا. ومثل هذه هذه اللام الأولى أن إذا قلت: والَّله أن لو فعلت لفعلت. وقال: فأُقْسِمُ أن لوِ التَقينْا وأنْتُمُ ... لكان لكمْ يومٌ من الشرِّ مُظْلِمُ فأن في لو بمنزلة اللام في ما، فأوقعت ها هنا لامين: لامٌ للأول ولامٌ للجواب، ولام الجواب هي التي يعتمد عليها القسم، فكذلك الامان في قوله : " لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكم رسول مصدَّق لما

стр. 961

معكم لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه " لامٌ للأول وأخرى للجواب. ومثل ذلك " لمن تبعك منهم لأملأنَّ " إنما دخلت اللام على نية اليمين. والَّله أعلم. وسألته عن قوله : " ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون " فقال: هي في معنى ليفعلنَّ، كأنه قال ليظلَّن، كما تقول: والَّله لا فعلت ذاك أبداً، تريد معنى لا أفعل. وقالوا: لئن زرته ما يقبل منك، وقال: لئن فعلت ما فعل، يريد معنى ما هو فاعلٌ وما يفعل، كما كان لظلُّوا مثل ليظلن، وكما جاءت: " سواءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " على قوله: أم صمتٌّم فكذلك جاز هذا على ما هو فاعلٌ. قال : " ولئن أتيت الذين أوتوا

стр. 962

الكتاب بكلِّ آيةٍ مَّا تبعوا قبلتك " أي ما هم تابعين. وقال: سبحانه: " ولئن زالتا إن أمسكهما من أحدٍ من بعده " أي ما يمسكهما من أحدٍ. وأما قوله : " وإنَّ كلاً لما ليوفِّينهم ربُّك أعمالهم " فإن إن حرف توكيد، فلها لامٌ كلام اليمين، لذلك أدخلوها كما أدخلوها في: " إن كلُّ نفسٍ لما عليها حافظ "، ودخلت اللام التي في الفعل على اليمين، كأنَّه قال: إن زيداً لما واللَّه ليفعلنَّ. وقد يستقيم في الكلام إن زيداً ليضرب وليذهب، ولم يقع ضربٌ. والأكثر على ألسنتهم كما خبَّرتك في اليمين، فمن ثمَّ ألزموا النون في اليمين، لئلا يلتبس بما هو واقعٌ. قال الَّله : " إنَّما جعل السَّبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربَّك ليحكم بينهم يوم القيامة ". وقال لبيد:

стр. 963

ولقد علمتُ لَتَأْتِيَن منيَّتي ... إنَّ المَنايا لا تَطِيشُ سِهامُهَا كأنَّه قال: والَّله لتأتين، كما قال: قد علمت لعبد الله خيرٌ منك، وقال: أظنُّ لتسبقنني، وأظنُّ ليقومنَّ، لأنه بمنزلة علمت. وقال : " ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه "؛ لأنه موضع ابتداء. ألا ترى أنك لو قلت: بدا لهم أيُّهم أفضل، لحسن كحسنه في علمت، كأنك قلت: ظهر لهم أهذا أفضل أم هذا. هذا باب الحروف التي لا تقدِّم فيها الأسماء الفعل فمن تلك الحروف العوامل في الأفعال الناصبة. ألا ترى أنك لا تقول: جئتك كي زيدٌ يقول ذاك، ولا خفت أن زيدٌ يقول ذاك. فلا يجوز أن تفصل بين الفعل والعامل فيه بالاسم، كما لا يجوز أن تفصل بين الاسم وبين إن وأخواتها بفعلٍ.

стр. 964

ومما لا تقدَّم فيه الأسماء الفعل الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك: لم، ولما، ولا التي تجزم الفعل في النهيولا التي تجزم في الأمر. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيدٌ يأتك، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين الفعل بشيء، كما لم يجز أن تفصل بين الحروف التي تجر وبين الأسماء بالأفعال، لأن الجزم نظير الجر. ولا تجوز أن تفصل بينها وبين الفعل بحشوٍ، كما لا تجوز لك أن تفصل بين الجار والمجرور بحشوٍ، إلا في شعر. ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب، كراهة أن تشبَّه بما يعمل في الأسماء. ألا ترى أنه لا يجوز أن تفصل بين الفعل وبين ما ينصبه بحشوٍ، كراهية أن يشبهوه بما يعمل في الاسم؛ لأن الاسم ليس كالفعل، وكذلك ما يعمل فيه ليس كما يعمل في الفعل. ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الاسم وقلة هذا. فهذه الأشياء فيما يجزم أردأ وأقبح منها في نظيرها من الأسماء، وذلك أنك لو قلت: جئتك كي بك يؤخذ زيدٌ لم يجز، وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر؛ لقلة ما يعمل في الأفعال، وكثرة ما ينسى في الأسماء.

стр. 965

واعلم أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال، وذلك لأنهم شبهوها بما يجزم مما ذكرنا، إلا أن حروف الجزاء قد جاز فيها ذلك في الشعر لأن حروف الجزاء يدخلها فعل ويفعل، ويكون فيها الاستفهام فترفع فيها الأسماء، وتكون بمنزلة الذي، فلما كانت تصرَّف هذا التصُّرف وتفارق الجزم ضارعت ما يجبرُّ من الأسماء التي إن شئت استعملتها غير مضافة نحو: ضارب عبد الَّله، لأنك إن شئت نونت ونصبت، وإن شئت لم تجاوز الاسم العامل في الآخر، يعني ضاربٍ، فلذلك لم تكن مثل لم ولا في النهي واللام في الأمر؛ لأنهن لا يفارقن الجزم. ويجوز الفرق في الكلام في إن إذا لم تجزم في اللفظ، نحو قوله: عاوِدْ هَراةَ وإنْ معمورُها خَرِبَا فإن جزمت ففي الشعر، لأنه يشبَّه بلم، وإنما جاز في الفصل ولم يشبه لم لأن لم لا يقع بعدها فعل، وإنما جاز هذا في إن لأنها أصل الجزاء

стр. 966

ولا تفارقه، فجاز هذا كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرُّ. وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيه ضعفٌ في الكلام، لأنَّها ليست كإن، فلو جاز في إن وقد جزمت كان أقوى إذ جاز فيها فعل. وممَّا جاء في الشعر مجزوماً في غير إن قول عدىَّ بن زيد: فَمتى واغلٌ ينبهم يحيّو ... هـ هو وَتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقِي وقال كعب بن جعيل: صَعْدَةٌ نَابِتَةٌ فِي حَائِرٍ ... أَيْنَمَا الريحُ تميَّلها تَمِلْ ولو كان فعل كان أقوى إذ كان ذلك جائزاً في إن في الكلام. واعلم أن قولهم في الشعر: إن زيد يأتك يكن كذا، إنما ارتفع على فعلٍ

стр. 967

هذا تفسيره، كما كان ذلك في قولك: إن زيداً رأيته يكن ذلك؛ لأنه لا تبتدأ بعدها الأسماء ثم يبنى عليها. فإن قلت: إن تأتني زيدٌ يقل ذاك، جاز على قول من قال: زيداً ضربته، وهذا موضع ابتداء ألا ترى أنك لو جئت بالفاء فقلت: إن تأتني فأنا خيرٌ لك، كان حسناً. وإن لم يحمله على ذلك رفع وجاز في الشعر كقوله: اللهُ يَشكرُها ومثل الأوّل قول هشام المرّى: فَمن نحن نُؤْمِنْه يَبِتْ وهْوَ آمِن ... ومَنْ لا نُجِرْهُ يُمْسِ منّا مفزّعَا هذا باب الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعل ولا تغير الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون قبله شيء منها فمن تلك الحروف قد، لا يفصل بينها وبين الفعل بغيره، وهو جوابٌ لقوله أفعل كما كانت ما فعل جواباً لهل فعل؟ إذا أخبرت أنه لم يقع. ولما

стр. 968

يفعل وقد فعل، إنَّما هما لقومٍ ينتظرون شيئاً. فمن ثم أشبهت قد لما، في أنَّها لا يفصل بينها وبين الفعل. ومن تلك الحروف أيضاً سوف يفعل؛ لأنها بمنزلة السين التي في قولك سيفعل. وإنما تدخل هذه السين على الأفعال، وإنَّما هي إثباتٌ لقوله لن يفعل، فأشبهتها في أن لا يفصل بينها وبين الفعل. ومن تلك الحروف: ربما وقلما وأشباههما، جعلوا ربَّ مع ما بمنزلة كلمة واحدة، وهيئوها ليذكر بعدها الفعل، لأنهم لم يكن لهم سبيلٌ إلى " ربَّ يقول "، ولا إلى " قلَّ يقول "، فألحقوهما ما وأخلصوهما للفعل. ومثل ذلك: هلا ولولا وألاَّ، ألزموهن لا وجعلوا كلَّ واحدة مع لا بمنزلة حرف واحد، وأخلصوهن للفعل حيث دخل فيهن معنى التحضيض. وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال: صددن فأطولت الصدودِ وقلَّما ... وِصالٌ على طُول الصدود يَدْومُ واعلم أنه إذا اجتمع بعد حروف الاستفهام نحو هل وكيف ومن اسمٌ وفعلٌ، كان الفعل بأن يلي حرف الاستفهام أولى؛ لأنها عندهم في الأصل من الحروف التي يذكر بعدها الفعل. وقد بيِّن حالهنَّ فيما مضى.

стр. 969

هذا باب الحروف التي يجوز أن يليها بعدها الأسماء ويجوز أن يليها بعدها الأفعال وهي لكن، وإنما، وكأنما، وإذ، ونحو ذلك، لأنَّها حروفٌ لا تعمل شيئاً، فتركت الأسماء بعدها على حالها كأنَّه لم يذكر قبلها شيءٌ، فلم يجاوز ذا بها إذ كانت لا تغيَّر ما دخلت عليه، فيجعلوا الاسم أولى بها من الفعل. وسألت الخليل عن قول العرب: انتظرني كما آتيك، وارقبني كما ألحقك، فزعم أن ما والكاف جعلتا بمنزلة حرف واحد، وصيِّرت للفعل كما صيِّرت للفعل ربَّما، والمعنى لعلِّى آتيك؛ فمن ثم لم ينصبوا به الفعل، كما لم ينصبوا بربما. قال رؤبة: لا تَشْتُمِ الناسَ كما لا تُشْتَمُ وقال أبو النجم: قلتُ لِشَيْبانَ ادْنُ مِن لقائهْ ... كما تغدِّى النَاسَ مِن شِوائِه

стр. 970

هذا باب نفي الفعل إذا قال: فعل فإنَّ نفيه لم يفعل. وإذا قال: قد فعل فإن نفيه لمَّا يفعل. وإذا قال: لقد فعل فإنَّ نفيه ما فعل. لأنه كأنَّه قال: والَّله لقد فعل فقال: والله ما فعل. وإذا قال هو يفعل، أي هو في حال فعل، فإنَّ نفيه ما يفعل. وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعاً فنفيه لا يفعل. وإذا قال لفعلنَّ فنفيه لا يفعل، كأنه قال: والَّله ليفعلنَّ فقلت والَّله لا يفعل. وإذا قال: سوف يفعل فإنَّ نفيه لن يفعل باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء يضاف إليها أسماء الدهر. وذلك قولك: هذا يوم يقوم زيدٌ، وآتيك يوم يقول ذاك. وقال الَّله : " هذا يوم لا ينطقون " وهذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ". وجاز هذا في الأزمنة واطرد فيها كما جاز للفعل أن يكون صفةً؛ وتوسَّعوا بذلك في الدهر لكثرته في كلامهم، فلم يخرجوا الفعل من هذا كما لم يخرجوا الأسماء من ألف الوصل نحو ابنٍ، وإنما أصله للفعل وتصريفه. ومما يضاف إلى الفعل أيضاً قولك: ما رأيته منذ كان عندي. ومذ جاءني ومنه أيضاً " آية ".

стр. 971

قال الأعشى: بآيةِ تُقْدمون الخيلَ شُعْثاً ... كأنّ على سَنابِكِها مُدامَا وقال يزيد بن عمرو بن الصعق: ألا مَن مبلغٌ عنِّي تميماً ... بآيةِ ما تحبُّون الطعامَا فما لغوٌ. ومما يضاف إلى الفعل قوله: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون، المعنى: لا أفعل بسلامتك، وذو مضافة إلى الفعل كإضافة ما قبله، كأنَّه قال: لا أفعل بذي سلامتك. فذو ههنا الأمر الذي بسلّمك وصاحب سلامتك.

стр. 972

ولا يضاف إلى الفعل غير هذا كما أن لدن لا تنصب إلاَّ في غدوة. واطَّردت الأفعال في آية اطّرد الأسماء في أتقول إذا قلت: أتقول زيداً منطلقاً، شبّهت بتطنّ. وسألته عن قوله في الأزمنة كان ذاك زمن زيدٌ أمير؟ فقال: لمَّا كانت في معنى إذ أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعضٍ، كما يدخلون إذ على ما قد عمل بعضه في بعض ولا يغيرونه، فشبَّهوا هذا بذلك. ولا يجوز هذا في الأزمنة حتَّى تكون بمنزلة إذ. فإن قلت: يكون هذا يوم زيدٌ أميرٌ، كان خطأ. حدثنا بذلك يونس عن العرب؛ لأنَّك لا تقول: يكون هذا إذا زيدٌ أميرٌ. جملة هذا الباب أنَّ الزمان إذا كان ماضياً أضيف إلى الفعل، وإلى الابتداء والخبر؛ لأنَّه في معنى إذ، فأضيف إلى ما يضاف إليه إذ. وإذا كان لما لم يقع لم يضف إلاَّ إلى الأفعال؛ لأنه في معنى إذا، وإذا هذه لا تضاف ألاَّ إلى الأفعال. هذا باب إنَّ وأنَّ أما أنَّ فهي اسم وما عملت فيه صلةٌ لها، كما أن الفعل صلة لأن الخفيفة وتكون أن اسماً. ألا ترى أنك تقول: قد عرفت أنك منطلقٌ، فأنك

стр. 973

في موضع اسم منصوبٌ كأنك قلت: قد عرفت ذاك. وتقول: بلغني أنك منطلقٌ، فأنَّك في موضع اسم مرفوع، كأنك قلت: بلغني ذاك. فأن الأسماء التي تعمل فيها صلةٌ لها، كما أن أنِ الأفعال التي تعمل فيها صلةٌ لها. ونظير ذلك في أنه وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد لا في غير ذلك، قولك: رأيت الضارب أباه زيدٌ، فالمفعول فيه لم يغيَّره عن أنه اسمٌ واحد، بمنزلة الرجل والفتى. فهذا في هذا الموضع شبيهٌ بأن، إذ كانت مع ما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، فهذا ليعلم أنَّ الشيء يكون كأنه من الحرف الأول وقد عمل فيه. وأما إنَّ فإنَّما هي بمنزلة الفعل لا يعمل فيها ما يعمل في أنَّ، كما لا يعمل في الفعل ما يعمل في الأسماء، ولا تكون إن إلا مبتدأة، وذلك قولك: إن زيداً منطلقٌ، وإنك ذاهب. هذا باب من أبواب أن تقول: ظننت أنَّه منطلقٌ، فظننت عاملة، كأنّك قلت: ظننت ذاك. وكذلك وددت ذاك. وتقول: لولا أنَّه منطلقٌ لفعلت، فأنَّ مبنيَّة على لولا كما تبنى عليها الأسماء.

стр. 974

وتقول: لو أنه ذاهبٌ لكان خيراً له، فأنَّ مبنيَّة على لو كما كانت مبنيَّة على لولا، كأنك قلت: لو ذاك، ثم جعلت أنَّ وما بعدها في موضعه فهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على لو غير أن، كما كان تسلم في قولك بذي تسلم في موضع اسم، ولكنَّهم لا يستعملون الاسم لأنّهم مما مستغنون بالشيء عن الشيء حتَّى يكون المستغنى عنه مسقطاً. وقال الَّله : " قل لو أنتم تملكون جزائن رحمة ربِّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ". وقال: لو بغيرِ الماء حَلِقي شَرِقٌ

стр. 975

وسألته عن قول العرب: ما رأيته مذ أنَّ الَّله خلقني؟ فقال: أنَّ في موضع اسمٍ، كأنه قال: مذ ذاك. وتقول: أما إنَّه ذاهبٌ، وأما أنه منطلقٌ، وإذا قال: أما إنه منطلقٌ، فسألت الخليل عن ذلك فقال: إذا قال: أما أنه منطلقٌ، فإنه يجعله كقولك: حقاً أنه منطلقٌ، وإذا قال: أما إنه منطلقٌ، فإنه بمنزلة قوله: ألا، كأنَّك قلت: ألا إنَّه ذاهبٌ. وتقول: قد عرفت أنه ذاهبٌ ثم أنه معجل، ولأن الآخر شريك الأول في عرفت. وتقول قد عرفت أنه ذاهبٌ ثم إني أخبرك أنه معجل، لأنك ابتدأت إني ولم تعجل الكلام على عرفت. أما والَّله ذاهب أنه ذاهبٌ، كأنك قلت: قد علمت والَّله أنه ذاهبٌ. وإذا قلت: أما والَّله إنه ذاهبٌ: كأنك قلت: ألا إنه والَّله ذاهبٌ. وتقول: رأيته شاباً وإنه يفخر يومئذٍ، كأنك قلت: رأيته شاباً وهذه حاله. تقول هذا بتداء ولم يجعل الكلام على رأيت. وإن شئت حملت الكلام على الفعل ففتحت. قال ساعدة بن جؤيَّة:

стр. 976

رأتهْ على شَيْبِ القَذالِ وأنْها ... تُوَاقِعُ بَعْلاً مَّرة وتئيمُ وزعم أبو الخطَّاب: أنَّه سمع هذا البيت من أهله هكذا. وسألته عن قوله : " وما يشعركم إنَّها إذا جاءت لا يؤمنون "، ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذا في ذا الموضع، إنما قال: وما يشعركم، ثم ابتدأ فأوجب فقال: إنَّها إذا جاءت لا يؤمنون. ولو قال: وما يشعركم أنَّها إذا جاءت لا يؤمنون، كان ذلك عذراً لهم. وأهل المدينة يقولون " أنها ". فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السُّوق أنك تشتري لنا شيئاً، أي لعلَّك، فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وتقول: إنَّ لك هذا علي وأنَّك لا تؤذي، كأنك قلت: وإن لك أنَّك لا تؤذي. وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على إنَّ لك. وقد قرئ هذا الحرف على وجهين، قال بعضهم: " وأنك لا تظمأ فيها ". وقال بعضهم: " وأنّك ".

стр. 977

واعلم أنه ليسس يحسن لأنَّ أن تلي إنَّ ولا أن كما قبح ابتداؤك الثقيلة المفتوحة وحسن ابتداؤك الخفيفة؛ لأن الخفيفة لا تزول عن الأسماء، والثقيلة تزول فتبدأه. ومعناها مكسورة ومفتوحة سواء. واعلم أنه ليس يحسن أن تلي إن أنَّ ولا أنَّ إن. ألا ترى أنك لا تقول إن أنك ذاهبٌ في الكتاب، ولا تقول قد عرفت أ، إنِّك منطلقٌ في الكتاب. وإنما قبح هذا ههنا كما قبح في الابتداء، ألا ترى أنه يقبح أن تقول أن تقول أنك منطلقٌ بلغني أو عرفت، لأنَّ الكلام بعد أن وإن غير مستغنٍ كما أن المبتدأ غير مستغن. وإنما كرهوا ابتداء أن لئَّلا يشبِّهوها بالأسماء التي تعمل فيها إنَّ، ولئلا يشِّبهوها بأن الخفيفة، لأنَّ أن والفعل بمنزلة مصدر فعله الذي ينصبه، والمصادر تعمل فيها إن وأنَّ. ويقول الرجل للرجل: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لم أنه ظريفٌ، كأنه قال: قلت لمه قلت لأن ذاك كذلك. وتقول إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم: أي إني تجد إذا ابتدأت كما تبتدىء أي أنا نجدٌ. وإن شئت قلت أي أنِّى نجدٌ، كأنك قلت: أي لأني نجدٌ.

стр. 978

هذا باب آخر من أبواب أنَّ تقول: ذلك وأن لك عندي ما أحببت، وقال الَّله : " ذلكم وأن الَّله موهن كيد الكافرين " وقال: " ذلكم فذوقوه وأنَّ للكافرين عذاب النار "؛ وذلك لأنها شركت ذلك فيما حمل عليه، كأنه قال: الأمر ذلك وأن الَّله. ولو جاءت مبتدأةً لجازت، يدلك على ذلك قوله : " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثمَّ بغي عليه لينصرنه الَّله. فمن ليس محمولاً على ما حمل عليه ذلك فكذلك يجوز أن يكون إن منقطعةً من ذلك قال الأحوص: عَوّدتُ قومي إذا ما لضيَّف نبَّهي ... عَقْرَ العِشارِ على عُسْرِي وإيساري إنَّي إذا خَفِيَتْ نارٌ لمرملةٍ ... أُلْفَي بأَرْفعِ تلٍّ رافعاً ناري

стр. 979

ذاك وإنَّي على جاري لذو حدبٍ ... أَحْنو عليه بما يُحْنَى على الجارِ فهذا لا يكون إلا مستأنفاً غير محمول على ما حمل عليه ذاك. فهذا أيضاً يقوي ابتداء إن في الأول. هذا باب آخر من أبواب أن تقول: جئتك أنك تريد المعروف، إنَّما أراد: جئتك لأنك تريد المعروف، ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت: وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكريمِ أّدِخاره ... وأُعْرِضُ عن ذَنْب الَّلئيم تكرُّمَا أي: لادخاره. وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربُّكم فاتقون "، فقال: إنَّما هو على حذف

стр. 980

اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربُّكم فاتقون. وقال: ونظيرها: " لإيلاف قريشٍ " لأنه إنما هو: لذلك " فليعبدوا ". فإن حذفت اللام من أن فهو نصبٌ، كما أنَّك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصباً. هذا قول الخليل. ولو قرؤها: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " كان جيداً، وقد قرىء. ولو قلت: جئتك إنَّك تحب المعروف، مبتدأ كان جيداً. وقال : " فدعا ربه أنِّي مغلوبٌ فانتصر ". وقال: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أنَّي لكم نذير مبين "، إنما أراد بأنِّي مغلوبٌ، وبأنيِّ لكم نذيرٌ مبين، ولكنه حذف الباء. وقال أيضاً: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الَّله أحدا " بمنزلة: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة "، والمعنى: ولأن هذه أمتكم فاتقون، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الَّله أحداً. وأما المفِّسرون فقالوا: على أوحي، كما كان " وأنه لما قام عبد الله يدعوه " على أوحي. ولو قرئت: وإن المساجد لله كان حسناً.

стр. 981

واعلم أن هذا البيت ينشد على وجهين على إرادة اللام، وعلى الابتداء. قال الفرزدق. منعتٌ تميماً منك أنِّى أنا ابنُها ... وشاعرُها المعروفُ عند المَواسِمِ وسمعنا من العرب من يقول: إنِّي أنا ابنها. وتقول: لبيك إن الحمد والنعمة لك، وإن شئت قلت أن. ولو قال إنسان: إن " أنَّ في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرفٌ كثر استعماله في كلامهم، فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا رب في قولهم: وبلدٍ تَحْسَبُه مَكْسُوحاً لكان قولاً قوياً. وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك والأول قول الخليل. ويقوي ذلك قوله: " وأن المساجد لله "؛ لأنهم لا يقدِّمون أنّ

стр. 982

ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها. إلا أنه يحتجُّ الخليل بأن المعنى معنى اللام. فإذا كان الفعل أو غيره موصلاً إليه باللام جاز تقديمه وتأخيره، لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى، فاحتملوا هذا المعنى كما قال: حسبك ينم الناس؛ إذ كان فيه معنى الأمر. وسترى مثله، ومنه ما قد مضى. هذا باب إنَّما وأنَّما اعلم أنَّ كلِّ موضع تقع فيه أنَّ تقع فيه أنَّما، وما ابتدىء بعدها صلةُ لها كما أنّ الذي ابتدىْ بعد الذي صلة له. ولا تكون هي عاملةً فيما بعدها كما لا يكون الذي عاملاً فيما بعده. فمن ذلك قوله : " قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحدٌ ". وقال الشاعر، ابن الإطنابة: أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذِرَ النُّذور عليَّا أنَّما تقتل النِّيام ولا تقت ... ل يقظان ذا سلاحٍ كميَّا

стр. 983

فإنما وقعت أنما ههنا لأنك لو قلت: أن إلهكم إلهٌ واحدٌ، وأنك تقتل النيام كان حسناً. وإن شئت قلت: إنَّما تقتل النيام، على الابتداء. زعم ذلك الخليل. فأما إنَّما فلا تكون اسماً، وإنما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغى، مثل: أشهد لزيد خير منك، لأنَّها تعمل فيما بعدها ولا تكون إلاَّ مبتدأة بمنزلة إذا، لا تعمل في شيء. واعلم أن الموضع الذي لا يجوز فيه أنَّ لا تكون فيه إنَّما إلاَّ مبتدأة وذلك قولك: وجدتك إنما أنت صاحب كل خنىً لم يجز ذلك، لأنَّك إذا قلت أرى أنه منطلقٌ فإنما وقع الرأي على شيء لا يكون الكاف التي في وجدتك ونحوها من الأسماء

стр. 984

فمن ثم لم يجز لأنك لو قلت وجدتك أنك صاحب كل خنى رأيتك أنك منطلقٌ، فإنما أدخلت إنَّما على كلامٍ مبتدإ؛ كأنك قلت: وجدتك أنت صاحب كلِّ خىً، ثم أدخلت إنما على هذا الكلام، فصار كقولك: إنَّما أنت صاحب كل خنىً، لأنَّك أدخلتها على كلام قد عمل بعضه في بعض. ولم تضع إنَّما في موضع ذاك إذا قلت وجدتك ذاك، لأن ذاك هو الأول، وأنَّما وأنَّ إنما يصيِّران الكلام شأناً وحديثاً، فلا يكون الخبر ولا الحديث الرجل ولا زيداً، ولا أشباه ذلك من الأسماء. وقال كثيَّر. أراني ولا كُفْرَانَ لَّله إنَّما ... أواخي مِن الأقوامِ كلَّ بخيلٍ لأنه لو قال: " أنَّى " ههنا كان غير جائز لما ذكرنا، فإنَّما ههنا بمنزلتها في قولك: زيدٌ إنما يواخي كلَّ بخيل. وهو كلام مبتدأ، وإنَّما فى موضع خبره، كما أنك إذا قلت: كان زيدٌ أبوه منطلقٌ. فهو مبتدأ وهو في موضع خبره. وتقول: وجدت خبره أنَّما يجالس أهل الخبث؛ لأنك تقول: أرى أمره أنَّه يجالس أهل الخبث، فحسنت أنَّه ها هنا لأنّ الآخر هو الأوّل.

стр. 985

بابٌ تكون فيه أنَّ بدلا من شيءٍ هو الأول وذلك قولك: بلغتني قصَّتك أنك فاعلٌ، وقد بلغني الحديثُ أنَّهم منطلقون، وكذلك القصة وما أشبهها. هذا بابٌ تكون فيه أنَّ بدلا من شيءٍ ليس بالآخر من ذلك: " وإذ يعدكم الَّله إحدى الطائفتين أنَّها لكم "، فأنَّ مبدلة من إحدى الطَّائفتين، موضوعةٌ في مكانها، كأنك قلت: وإذ يعدكم الَّله إن، ّ إحدى الطائفتين لكم، كما أنَّك إذا قلت: رأيت متاعك بعضه فوق بعض، فقد أبدلت الآخر من الأول، وكأنَّك قلت: رأيت بعض متاعك فوق بعض، كما جاء الأول على معنى وإذ يعدكم الَّله أن إحدى الطائفتين لكم. ومن ذلك قوله : " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنَّهم إليهم لا يرجعون ". فالمعنى والَّله أعلم: ألم يروا أنَّ القرون الذين أهلكناهم إليهم لا يرجعون. ومما جاء مبدلاً من هذا الباب: " أيعدكم أنَّكم إذا متُّم وكنتم ترابا وعظاما أنَّكم مخرجون "، فكأنه على: أيعدكم أنَّكم مخرجون
следующие страницы →