← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 23018

الكتاب لسيبويه

سيبويه

Полный текст (1 982 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

واعلم أن هذا البيت ينشد على وجهين على إرادة اللام، وعلى الابتداء. قال الفرزدق. منعتٌ تميماً منك أنِّى أنا ابنُها ... وشاعرُها المعروفُ عند المَواسِمِ وسمعنا من العرب من يقول: إنِّي أنا ابنها. وتقول: لبيك إن الحمد والنعمة لك، وإن شئت قلت أن. ولو قال إنسان: إن " أنَّ في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرفٌ كثر استعماله في كلامهم، فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا رب في قولهم: وبلدٍ تَحْسَبُه مَكْسُوحاً لكان قولاً قوياً. وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك والأول قول الخليل. ويقوي ذلك قوله: " وأن المساجد لله "؛ لأنهم لا يقدِّمون أنّ

стр. 982

ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها. إلا أنه يحتجُّ الخليل بأن المعنى معنى اللام. فإذا كان الفعل أو غيره موصلاً إليه باللام جاز تقديمه وتأخيره، لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى، فاحتملوا هذا المعنى كما قال: حسبك ينم الناس؛ إذ كان فيه معنى الأمر. وسترى مثله، ومنه ما قد مضى. هذا باب إنَّما وأنَّما اعلم أنَّ كلِّ موضع تقع فيه أنَّ تقع فيه أنَّما، وما ابتدىء بعدها صلةُ لها كما أنّ الذي ابتدىْ بعد الذي صلة له. ولا تكون هي عاملةً فيما بعدها كما لا يكون الذي عاملاً فيما بعده. فمن ذلك قوله : " قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحدٌ ". وقال الشاعر، ابن الإطنابة: أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذِرَ النُّذور عليَّا أنَّما تقتل النِّيام ولا تقت ... ل يقظان ذا سلاحٍ كميَّا

стр. 983

فإنما وقعت أنما ههنا لأنك لو قلت: أن إلهكم إلهٌ واحدٌ، وأنك تقتل النيام كان حسناً. وإن شئت قلت: إنَّما تقتل النيام، على الابتداء. زعم ذلك الخليل. فأما إنَّما فلا تكون اسماً، وإنما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغى، مثل: أشهد لزيد خير منك، لأنَّها تعمل فيما بعدها ولا تكون إلاَّ مبتدأة بمنزلة إذا، لا تعمل في شيء. واعلم أن الموضع الذي لا يجوز فيه أنَّ لا تكون فيه إنَّما إلاَّ مبتدأة وذلك قولك: وجدتك إنما أنت صاحب كل خنىً لم يجز ذلك، لأنَّك إذا قلت أرى أنه منطلقٌ فإنما وقع الرأي على شيء لا يكون الكاف التي في وجدتك ونحوها من الأسماء

стр. 984

فمن ثم لم يجز لأنك لو قلت وجدتك أنك صاحب كل خنى رأيتك أنك منطلقٌ، فإنما أدخلت إنَّما على كلامٍ مبتدإ؛ كأنك قلت: وجدتك أنت صاحب كلِّ خىً، ثم أدخلت إنما على هذا الكلام، فصار كقولك: إنَّما أنت صاحب كل خنىً، لأنَّك أدخلتها على كلام قد عمل بعضه في بعض. ولم تضع إنَّما في موضع ذاك إذا قلت وجدتك ذاك، لأن ذاك هو الأول، وأنَّما وأنَّ إنما يصيِّران الكلام شأناً وحديثاً، فلا يكون الخبر ولا الحديث الرجل ولا زيداً، ولا أشباه ذلك من الأسماء. وقال كثيَّر. أراني ولا كُفْرَانَ لَّله إنَّما ... أواخي مِن الأقوامِ كلَّ بخيلٍ لأنه لو قال: " أنَّى " ههنا كان غير جائز لما ذكرنا، فإنَّما ههنا بمنزلتها في قولك: زيدٌ إنما يواخي كلَّ بخيل. وهو كلام مبتدأ، وإنَّما فى موضع خبره، كما أنك إذا قلت: كان زيدٌ أبوه منطلقٌ. فهو مبتدأ وهو في موضع خبره. وتقول: وجدت خبره أنَّما يجالس أهل الخبث؛ لأنك تقول: أرى أمره أنَّه يجالس أهل الخبث، فحسنت أنَّه ها هنا لأنّ الآخر هو الأوّل.

стр. 985

بابٌ تكون فيه أنَّ بدلا من شيءٍ هو الأول وذلك قولك: بلغتني قصَّتك أنك فاعلٌ، وقد بلغني الحديثُ أنَّهم منطلقون، وكذلك القصة وما أشبهها. هذا بابٌ تكون فيه أنَّ بدلا من شيءٍ ليس بالآخر من ذلك: " وإذ يعدكم الَّله إحدى الطائفتين أنَّها لكم "، فأنَّ مبدلة من إحدى الطَّائفتين، موضوعةٌ في مكانها، كأنك قلت: وإذ يعدكم الَّله إن، ّ إحدى الطائفتين لكم، كما أنَّك إذا قلت: رأيت متاعك بعضه فوق بعض، فقد أبدلت الآخر من الأول، وكأنَّك قلت: رأيت بعض متاعك فوق بعض، كما جاء الأول على معنى وإذ يعدكم الَّله أن إحدى الطائفتين لكم. ومن ذلك قوله : " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنَّهم إليهم لا يرجعون ". فالمعنى والَّله أعلم: ألم يروا أنَّ القرون الذين أهلكناهم إليهم لا يرجعون. ومما جاء مبدلاً من هذا الباب: " أيعدكم أنَّكم إذا متُّم وكنتم ترابا وعظاما أنَّكم مخرجون "، فكأنه على: أيعدكم أنَّكم مخرجون

стр. 986

إذا متم، وذلك أريد بها، ولكنه إنما قدمت أنَّ الأولى ليعلم بعد أي شيءٍ الإخراج. ومثل ذلك قولهم: زعم أنه إذا أتاك أنَّه سيفعل، وقد علمت أنه إذا فعل أنّه سيمضي. ولا يستقيم أن تبتدىء إنَّ ها هنا كما تبتدىء الأسماء أو الفعل، إذا قلت: قد علمت زيداً أبوه خيرٌ منك، وقد رأيت زيداً يقول أبوه ذاك، لأن إنَّ لا تبتدأ في كل موضع، وهذا من تلك المواضع. وزعم الخليل: أ، ّ مثل ذلك قوله ﵎: " ألم يعلموا أنَّه من يحادد اللَّه ورسوله فأن له نار جهنم ". ولو قال: " فإن " كانت عربيه جيدة. وسمعناهم يقولون في قول ابن مقبلٍ:

стр. 987

وعِلْمِي بأسْدامِ المِياهِ فلم تَزَلْ ... قَلائصُ تَخْدِى في طريقٍ طَلائحُ وأنَّى إذا ملَّت رِكابي مُناخَها ... فإنِّي على حظَّي من الأمر جامحُ وإن جاء في الشعر قد علمت أنك إذا فعلت إنَّك سوف تغتبط به، تريد معنى الفاء جاز. والوجه والحد ما قلت لك أول مرةٍ. وبلغنا أن الأعرج قرأ: " أنَّه من عمل منكم سوأ بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفورٌ رحيم ". ونظيره ذا البيت الذي أنشدتك. هذا باب من أبواب أن تكون أن فيه مبنية على ما قبلها وذلك قولك: أحقاً أنَّك ذاهبٌ، وآلحقَّ أنَّك ذاهبٌ، وكذلك

стр. 988

إن أخبرت فقلت: حقا " ً أنَّك ذاهبٌ. والحق أنك ذاهبٌ وكذلك أأكبر ظنَّك أنك ذاهبٌ، وأجهد رأيك أنَّك ذاهبٌ. وكذلك هما في الخبر. وسألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقاً إنَّك ذاهبٌ على القلب، كأنَّك قلت: إنَّك ذاهبٌ حقاً، وإنَّك ذاهب الحقَّ، وأنَّك منطلقٌ حقاً؟ فقال: ليس هذا من مواضع إنَّ؛ لأن إنَّ لا يبتدأ بها في كل موضع. ولو جاز هذا لجاز يوم الجمعة، إنك ذاهبٌ، تريد إنك ذاهبٌ يوم الجمعة ولقلت أيضاً لا محالة إنك ذاهبٌ، تريد إنك لا محالة ذاهبٌ، فلما لم يجز ذلك حملوه على: أفي حق أنَّك ذاهبٌ، وعلى: أفي أكبر ظنَّك أنَّك ذاهبٌ، وصارت أنَّ مبنيةً عليه، كما يبنى الرحيل على غدٍ إذا قلت: غداً الرحيل. والدليل على ذلك إنشاد العرب هذا البيت كما أخبرتك. زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر: أَحَقَّا بنيِ أبناءِ سَلْمَى بنِ جندلٍ ... تهدُّدكم إيَّاي وَسْطَ المجالس

стр. 989

فزعم الخليل: أنَّ التهدّدها هنا بمنزلة الرحيل بعد غدٍ، وأنَّ أن بمنزلته، وموضعه كموضعه. ونظير: أحقاً أنَّك ذاهبٌ من أشعار العرب قول العبدي: أحَقَّا أنَّ جيرتَنا استَقّلوا ... فنيَّتنا ونيَّتهم فَريِقُ قال: فريق، كما تقول للجماعة: هم صديق. وقال الَّله تعالى جدَّه: " عن اليمين وعن الشَّمال قعيد ". وقال عمر بن أبي ربيعة: أألحقَّ أنْ دارُ الرَّباب تبَاعدتْ ... أوِ أنبتَّ حَبْلٌ أنَّ قلبكَ طائر

стр. 990

وقال النابغة الجعدي أَلا أبلغْ بني خلفٍ رسولاً ... أَحقّاً أنّ أَخْطَلَكم هَجانِي فكلُّ هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا. والرفع في جميع ذا حيّد قوي، وذلك أنَّك إن شئت قلت: أحقُّ أنَّك ذاهبٌ، وأأكبر ظنَّك أنك ذاهبٌ، تجعل الآخر هو الأول. وأما قولهم: لا محالة أنَّك ذاهبٌ، فإنما حملوا أن على أنَّ فيه إضمار من، على قوله: لا محالة من أنَّك ذاهبٌ كما تقول لا بد أنك ذاهبٌ كأنك قلت لا بد من أنك ذاهبٌ حين لم يجز أن يحملوا الكلام على القلب. وسألته عن قولهم: أما حقاً فإنك ذاهبٌ، فقال: هذا جيد، وهذا الموضع من مواضع إنَّ. ألا ترى أنَّك تقول: أما يوم الجمعة فإنَّك ذاهبٌ وأما فيها فإنَّك داخلٌ. فإنما جاز هذا في أماَّ لأنَّ فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شيء فإنَّك ذاهبٌ.

стр. 991

وأما قوله : " لا جرم أنَّ لهم النار " فأنَّ جرم عملت فيها لأنَّها فعلٌ، ومعناها: لقد حقَّ أن لهم النار. ولقد استحق أن لهم النار وقول المفسَّرين: معناها: حقاً أنَّ لهم النار، يدلُّك أنَّها بمنزلة هذا الفعل إذا مثَّلت، فجرم بعد عملت في أنَّ عملها في قول الفزاري: ولقد طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمتْ فزارةَ بعدها أنْ يَغْضَبُوا أي: أحقت فزارة. وزعم الخليل: أنَّ لا جرم إنَّما تكون جواباً لما قبلها من الكلام، يقول الرجل كان كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنَّهم سيندمون أو أنَّه سيكون كذا وكذا.

стр. 992

وتقول: أمّا جهذ رأيي فأنَّك ذاهبٌ؛ لأنَّك لم تصطَّرَّ إلى أن تجعله ظرفاً كما اضطررت في الأول. وهذا من مواضع إنَّ، لأنَّك تقول: أما في رأيي فإنَّك ذاهب، أي فأنت ذاهب، وإن شئت قلت فأنَّك. وهو ضعيف؛ لأنَّك إذا قلت: أما جهد رأيي فإنك عالمٌ لم تضطر إلى أن تجعل الجهد ظرفاً للقصة، لأنَّ ابتداء إنَّ يحسن ها هنا. وتقول: أما في الدار فإنك قائمُ، لا يجوز فيه إلاَّ إنَّ، تجعل الكلام قصةً وحديثاً، ولم ترد أن تخبر أن في الدار حديثه، ولكنَّك أردت أن تقول: أما في الدار فأنت قائمٌ فمن ثم لم يعمل في أي شيء أردت أن تقول. أما في الدار فحديثك وخبرك قلت: أما في الدار فأنك منطلقٌ، أي هذه القصَّة. ويقول الرجل: ما اليوم؟ فتقول: اليوم أنَّك مرتحلٌ، كأنَّه قال: في اليوم رحلتك. وعلى هذا الحد تقول: أما اليوم فأنَّك مرتحلٌ. وأما قولهم: أما بعد فإنّ الَّله قال في كتابة، فإنه منزلة قولك: أما اليوم فإنَّك، ولا تكون بعد أبداً مبنياً عليها إذا لم تكن مضافةً ولا مبنية على شيء، إنَّما تكون لغوا. وسألته عن شدَّ ما أنَّك ذاهٌب، وعزَّ ما أنَّك ذاهبٌ، فقال: هذا بمنزلة حقاً أنك ذاهٌب، كما تقول: أما أنك ذاهبٌ، بمنزلة حقاً أنَّك ذاهبٌ. ولو بمنزلة لولا، ولا تبتدأ بعدها الأسماء سوى أنَّ، نحو لو أنك ذاهبٌ. ولولا تبتدأ

стр. 993

بعدها الأسماء، ولو بمنزلة لولا، وإن لم يجز فيها ما يجوز فيما يشبهها. تقول: لو أنه ذهب لفعلت. وقال : " لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربيّ ". وإن شئت جعلت شدَّما وعزَّما كنعم ما، كأنك قلت: نعم العمل أنك تقول الحقَّ. وسألته عن قوله: كما أنه لا يعلم ذلك فتجاوز الَّله عنه، وهذا حقُّ كما أنّك ها هنا، فزعم أن العاملة في أنَّ الكاف وما لغو، إلا أن ما لا تحذف من ها هنا كراهية أن يجيء لفظها مثل لفظ كأنَّ، كما ألزموا النون لأفعلنَّ، واللام قولهم إن كان ليفعل، كراهية أن يلتبس اللفظان. ويدلّلك على أن الكاف هي العاملة قولهم: هذا حقُّ مثل ما أنّك ها هنا. وبعض العرب يرفع فيما حدَّثنا يونس، وزعم أنه يقول أيضاً: " إنَّه لحقُّ مثل ما أنَّكم تنطقون "، فلولا أنَّ ما لغوٌ لم يرتفع مثل، وإن نصبت مثل فما أيضاً لغوٌ، لأنَّك تقول: مثل أنك ها هنا. وإن جاءت ما مسقطةً من الكاف في الشعر جاز، كما قال النابغة الجعدي:

стр. 994

قرومٍ تَسامَى عند بابٍ دفِاعُهُ ... كَأنْ يُؤْخّذُ المرء الكريم فيقتلا فما لا تحذف ها هنا كما لا تحذف في الكلام من أنَّ، ولكنه جاز في الشعر، كما حذفت ماالتي في إما كقوله: وإن من خريف فلن يعدما

стр. 995

هذا بابٌ من أبواب إنَّ تقول: قال عمرو إن زيداًُ خيرٌ منك، وذلك لأنك أردت أن تحكي قوله، ولا يجوز أن تعمل قال في إنَّ كما لا يجوز لك أن تعملها في زيد وأشباهه إذا قلت: قال زيدٌ عمروٌ خير الناس، فأنَّ لا تعمل فيها قال كما لا تعمل قال فيما تعمل فيه أنَّ؛ لأن أنَّ تجعل الكلام شأنا، وأنت لا تقول قال الشأن متفاقماً، كما تقول: زعم الشأن متفاقماً. فهذه الأشياء بعد قال حكايةٌ. ومثل ذلك: " وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " وقال أيضا: " قال الَّله إني منزَّلها عليكم ". وكذلك جميع ما جاء من ذا في القرآن. وسألت يونس عن قوله: متى تقول أنه منطلقٌ؟ فقال: إذا لم ترد الحكاية وجعلت تقول مثل تظنُّ، قلت: متى تقول أنَّك ذاهبٌ. وإن أردت الحكاية قلت: متى تقول إنك ذاهبٌ. كما أنَّه يجوز لك أن تحكي فتقول: متى تقول زيدٌ منطلقٌ، وتقول: قال عمروٌ إنه منطلقٌ. فإن جعلت الهاء عمراً أو غيره فلا تعمل قال، كما لا تعمل إذا قلت قال عمروٌ هو منطلقٌ. فقال: لم تعمل ها هنا شيئاً وإن كانت الهاء هي القائل،

стр. 996

كما لا تعمل شيئاً إذا قلت قال وأظهرت هو. فقال لا تغّيَّر الكلام عن حاله قبل أن تكون فيه قال، فيما ذكرناه. وكان عيسى يقرأ هذا الحرف: " فدعا ربَّه أني مغلوبٌ فانتصر أراد أن يحكي، كما قال : " والذَّين اتَّخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم " كأنه قال والَّله أعلم: قالوا ما نعبدهم. ويزعمون أنَّها في قراءة ابن مسعود كذا. ومثل ذلك كثيرٌ في القرآن. وتقول: أول ما أقول أني أحمد الَّله، كأنك قلت: أول ما أقول الحمد لَّله، وأنَّ في موضعه. وإن أردت الحكاية قلت: أول ما أقول إني أحمد الله. هذا بابٌ آخر من أبواب إن وذلك قولك: قد قاله القوم حتى إنَّ زيدا يقوله، وانطلق القوم حتى إن زيداً لمنطلق. فحتَّى ها هنا معلَّقة لا تعمل شيئاً في إنَّّ، كما لا تعمل إذا قلت: حتى زيدٌ ذاهبٌ، فهذا موضع ابتداء وحتَّى بمنزلة إذا. ولو أردت أن تقول حتّى أن تقول حتى أن في ذا الموضع كنت محيلا، لأنَّ أنَّ وصلتها بمنزلة

стр. 997

الانطلاق، ولو قلت: انطلق القوم حتى الانطلاق أو حتى الخبر كان محالا لأنَّ أنَّ تصيَّر الكلام خبراً، فلما لم يجز ذا حمل على الابتداء. وكذلك إذا قلت: مررت فإذا إنه يقول أنَّ زيدا خير منك. وسمعت رجلا من العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به: وكنتُ أَرْىَ زيداً كما قيل سَيْدّاً ... إذا إنّه عبدُ القَفَا والَّلهازم فحال إذا هاهنا كما لهل إذا قلت: إذا هو عبد القفا واللازم وإنما جاءت إن ها هنا لأنَّك هذا المعنى أردت، كما أردت في حتَّى معنى حتى هو منطلقٌ. ولو قلت: مررت فإذا أنه عبدٌ، تريد مررت به فإذا أمره العبوديّة واللؤم، كأنَّك قلت: مررت فإذا العبودية واللؤم، ثم وضعت أنَّ في هذا الموضع جاز. وتقول: قد عرفت أمورك حتَّى أنك أحمق، كأنك قلت عرفت أمورك حتى حمقك، ثم وضعت أنَّ في هذا الموضع. هذا قول الخليل.

стр. 998

وسألته هل يجوز: كما أنك ههنا على حد قوله: كما أنت هاهنا، فقال: لا؛ لأن إنَّ لا يبتدأ بها في كل موضع، ألا ترى أنك لا تقول: يوم الجمعة إنك ذاهبٌ، ولا كيف إنك صانعٌ. فكما بتلك المنزلة. هذا بابٌ آخر من أبواب إنِّ تقول: ما قدم علينا أميرٌ إِّلا إنه مكرمٌ لي؛ لأنَّه ليس ههنا شيءٌ يعمل في إنَّ. ولا يجوز أن تكون عليه أنَّ، وإنَّما تريد أن تقول: ما قدم علينا أميرٌ إَّلا هو مكرمٌ لي، فكما لا تعمل في ذا لا تعمل في إنّ. ودخول اللام ههنا يدلّك على أنه موضع ابتداء. وقال سبحانه: " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إَّلا إنَّهم ليأكلون الطَّعام ". ومثل ذلك قول كثير: ما أعْطَياني ولا سأَلتُهما ... إلاّ وإنِّي لَحاجزِيِ كَرَمِي

стр. 999

وكذلك لو قال: إَّلا وإنِّي حاجزي كرمي. وتقول: ما غضبت عليك إلا أنك فاسقٌ، كأنك قلت: إلا لأنَّك فاسقٌ. وأما قوله : " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إَّلا أنهم كفروا بالله "، فإنما حمله على منعهم. وتقول إذا أردت معنى اليمين: أعطيته ما إنَّ شرَّه خيرٌ من جيِّد ما معك، وهؤلاء الذين إَّن أجنبهم لأشجع من شجعائكم. وقال الله : " وآتيناه من الكنوز ما إَّن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوَّة؛ فإن صلةٌ لما، كأنك قلت: ما والله إن شرَّه خير من جيد ما معك. هذا باب آخر من أبواب إَّن تقول: أشهد إنه لمنطلقٌ، فأشهد بمنزلة قوله: والله إنه لذاهب. وإَّن غير عاملة فيها أشهد، لأن هذه اللام لا تلحق أبداً إلا في الابتداء. ألا ترى أنك تقول: أشهد لعبد الله خيرٌ من زيد، كأنك قلت: والله لعبد الله خيرٌ من زيد، فصارت إنَّ مبتدأة حين ذكرت اللام هنا، كما كان عبد الله مبتدأ حين أدخلت فيه اللام. فإذا ذكرت اللام ههنا لم تكن إلا مكسورةً، كما أن

стр. 1000

عبد الله لا يجوز هنا إَّلا مبتدأ. ولو جاز أن تقول: أشهد أنك لذاهبٌ، لقلت أشهد بلذاك. فهذه اللام لا تكون إلاَّ في الابتداء، وتكون أشهد بمنزلة والله. ونظير ذلك قول الله : " والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون " وقال : " فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين "؛ لأن هذا توكيدُ كأنه قال: يحلف بالله إنه لمن الصادقين. .وقال الخليل: أشهد بأنك لذاهبُ غير جائز، من قبل أنَّ حروف الجر لا تعَّلق. وقال: أقول أشهد إنه لذاهبٌ وإنه لمنطلقٌ، أتبع آخره أوله. وإن قلت: أشهد أنه ذاهبُ، وإنه لمنطلقُ،. لم يجز إلاَّ الكسر في الثاني، لأن اللام لا تدخل أبداً على أنَّ، وأن محمولةُ على ما قبلها ولا تكون إلا مبتدأة باللام. ومن ذلك أيضاً قولك: قد علمت إنه لخيرٌ منك. فإنَّ ههنا مبتدأةُ وعلمت ههنا بمنزلتها في قولك: لقد علمت أيهم أفضل، معلقةَّ في الموضعين جميعا.

стр. 1001

وهذه اللام تصرف إنَّ إلى لابتداء، كما تصرف عبد الله إلى الابتداء إذا قلت قد علمت لعبد الله خيرُ منك، فعبد الله هنا بمنزلة إنَّ في أنه يصرف إلى الابتداء. ولو قلت: قد علمت أنه لخيرُ منك، لقلت: قد علمت لزيداً خيراً منك، ورأيت لعبد الله هو الكريم، فهذه اللام لا تكون مع أنَّ ولا عبد الله إلاَّ وهما مبتدءان. ونظير ذلك قوله : " ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاقٍ "، فهو ههنا مبتدأ. ونظير إنَّ مكسورةً إذا لحقتها اللام قوله تعالى: " ولقد علمت الجنةَّ إنَّهم لمحضرون " وقال أيضاً: " هل ندلكم على رجلٍ ينبئِّكم إذا مزقتم كلَّ ممزَّقٍ إنَّكم لفي خلق جديد "، فإنكم ههنا بمنزلة أيهم إذا قلت: ينبئهم أيهم أفضل. وقال الخليل مثله: إنَّ الله يعلم ما تدعون من دونه من شيءٍ فما ههنا بمنزلة أيهم، ويعلم معلقة.

стр. 1002

قال الشاعر: ألم تر إنّيِ وابنَ أَسْوَدَ ليلةً ... لَنَسْرِي إلى نارينِ يَعلْو سَناهُمَا سمعناه ممن ينشده من العرب. وسألت الخليل عن قوله: أحقاً إنَّك لذاهبٌ، فقال: لا يجوز، كما لا يجوز: يوم الجمعة إنه لذاهبٌ. وزعم الخليل ويونس أنه لا تلحق هذه اللام مع كل فعل. ألا ترى أنك لا تقول: وعدتك إنك لخارجٌ، إنما يجوز هذا في العلم والظن ونحوه، كما يبتدأ بعدهن أيهم. فإن لم تذكر اللام قلت: قد علمت أنه منطلقٌ، لا تبتدئه وتحمله على الفعل، لأنه لم يجيء ما يضطرك إلى الابتداء، وإنما ابتدأت إنَّ حين كان غير جائز أن تحمله على الفعل، فإذا حسن أن تحمله على الفعل لم تخطَّ الفعل إلى غيره. ونظير ذلك قوله: إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌّ، حملته على الفعل حين لم يجز أن تبتدىء بعد إن الأسماء، وكما قال: أما أنت منطلقاً

стр. 1003

انطلقت معك، حين لم يجز إن تبتدىء الكلام بعد أمَّا، فاضطررت في هذا الموضع إلى أن تحمل الكلام على الفعل. فإذا قلت: إن زيداً منطلقٌ لم يكن في إنَّ إلا الكسر لأنَّك لم تضطر إلى شيء. ولذلك تقول: أشهد أنك ذاهبٌ، إذا لم تذكر اللام. وهذا نظير هذا. وهذه كلمةٌ تكلم بها العرب في حال اليمين، وليس كلُّ العرب تتكلم بها، تقول: لهنَّك لرجل صدق، فهي إنَّ ولكنهم أبدلوا الهاء مكان الألف كقوله: هرقت، ولحقت هذه اللام إنَّ كما لحقت ما حين قلت: إن زيدا لما لينطلقنَّ، فلحقت إنَّ اللام في اليمين كما لحقت ما فاللام الأولى في لهنك لام اليمين، والثانية لام إنَّ. وفي لما لينطلقنَّ اللام الأولى لإن، والثانية لليمين. والدليل على ذلك النون التي معها كما أنَّ اللام الثانية في قولك: إن زيدا لما ليفعلنَّ لام اليمن، وقد يجوز في الشعر: أشهد إن زيدا ذاهبٌ، يشبهها بقوله: واّلله إنه ذاهبٌ؛ لأن معناها معنى اليمين، كما أنه

стр. 1004

لو قال: أشهد أنت ذاهبٌ ولم يذكر اللام إلاَّ ابتداء، وهو قبيح ضعيف إلا باللام. ومثل ذلك في الضعف: علمت إنَّ زيدا ذاهبٌ، كما أنَّه ضعيف: قد علمت عمروٌ خيرٌ منك، ولكنَّه على إرادة اللام، كما قال : " قد أفلح من زكَّاها "، وهو على اليمين. وكان في هذا حسناً حين طال الكلام. وسألت الخليل عن كأنَّ، فزعم أنهَّا إنَّ، لحقتها الكاف للتشبيه، ولكنهَّا صارت مع إنَّ بمنزلة كلمة واحدة، وهي نحو كأيٍّ رجلاً، ونحو له كذا وكذا درهماً. وأما قول العرب في الجواب إنَّه، فهو بمنزلة أجل. وإذا وصلت قلت إنَّ يا فتى، وهي التي بمنزلة أجل. قال الشاعر: بكر العواذل في الصَّبو ... ح يلمنني وألومهنهَّ ويلقن شيبٌ قد علا ... ك وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنَّه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هذا باب أن وإن فإن مفتوحةً تكون على وجوه:

стр. 1005

فأحدها أن تكون فيه أن وما تعمل فيه من الأفعال بمنزلة مصادرها، والآخر: أن تكون فيه بمنزلة أي. ووجهٌ آخر تكون فيه لغواً. ووجهٌ آخر هي فيه مخففةَ من الثقيلة. فأما الوجه الذي تكون فيه لغواً فنحو قولك: لمَّا أن جاءوا ذهبت، وأما والله أن لو فعلت لأكرمتك. وأما إن فتكون للمجازاة، وتكون أن يبتدأ ما بعدها في معنى اليمين، وفي اليمين، كما قال الله : " إن كل نفسٍ لما عليها حافظٌ " " وإن كل لما جميع لدينا محضرون ". وحدثني من لا أتهم، عن رجل من أهل المدينة موثوق به، أنه سمع عربياً يتكلم بمثل قولك: إن زيدٌ لذاهبٌ، وهي التي في قوله جل ذكره: " وإن كانوا ليقولون. لو أنَّ عندنا ذكرا من الأوَّلين " وهذه إنَّ محذوفةٌ. وتكون في معنى ما. قال الله : " إن الكافرون إلاَّ في غرورٍ "، أي: ما الكافرون إلا في غرور.

стр. 1006

وتصرف الكلام إلى الابتداء، كما صرفتها ما إلى الابتداء في قولك: إنمَّا، وذلك قولك: ما إن زيدٌ ذاهبٌ. وقال فروة بن مسيك: وما إنْ طِبُّنا جبنٌ ولكنْ ... منَايانا ودَوْلةٌ آخريِنَا هذا بابٌ من أبواب أن التي تكون والفعل بمنزلة مصدر تقول: أن تأتيني خيرٌ لك، كأنك قلت: الإتيان خيرٌ لك. ومثل ذلك قوله ﵎: " وأن تصوموا خيرٌ لكم "، يعني الصوم خيرٌ لكم. وقال الشاعر، عبد الرحمن بن حسان: إنّي رأيتُ من المكارمِ حَسْبَكم ... أنْ تَلْبَسوا حرَّ الثياب وتشبعوا

стр. 1007

كأنه قال: رأيت حسبكم لبس الثياب. واعلم أن اللام ونحوها من حروف الجر قد تحذف من أن كما حذفت من أنَّ، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: فعلت ذاك حذر الشرِّ، أي لحذر الشر. ويكون مجروراً على التفسير الآخر. ومثل ذلك قولك: إنما انقطع إليك أن تكرمه، أي: لأن تكرمه. ومثل ذلك قولك: لا تفعل كذا وكذا أن يصيبك أمر تكرهه، كأنه قال: لأن يصيبك أو من أجل أن يصيبك. وقال : " أن تضلَّ إحداهما "، وقال تعالى: " أأن كان ذا مالٍ وبنين " كأنه قال: ألأن كان ذا مال وبنين. وقال الأعشى: أأنْ رأت رجلا أَعْشَى أضربَّه ... ريبُ المنونِ ودهرٌ مفسدٌ خَبِلُ فأن هاهنا حالها في حذف حرف الجر كحال أنَّ، وتفسيرها كتفسيرها، وهي مع صلتها بمنزلة المصدر.

стр. 1008

ومن ذلك أيضاً قوله: ائتني بعد أن يقع الأمر، وأتاني بعد أن وقع الأمر، كأنَّه قال: بعد وقوع الأمر. ومن ذلك قوله: أما أن أسير إلى الشأم فما أكرهه، وأمّا أن أقيم فإن فيه أجراً، كأنه قال: أما السيرورة فما أكرهها، وأما الإقامة فلي فيها أجرٌ. وتقول: لا يلبث أن يأتيك، أي لا يلبث عن إتيانك. وقال تعالى: " فما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا "، فأن محمولة على كان، كأنَّه قال: فما كان جواب قومه إلا قول كذا وكذا. وإن شئت رفعت الجواب فكانت أن منصوبةً. وتقول: ما منعك أن تأتينا، أراد من إتياننا. فهذا على حذف حرف الجر. وفيه ما يجيء محمولاً على ما يرفع وينصب من الأفعال، تقول: قد خفت أن تفعل، وسمعت عربياً يقول: أنعم أن تشدَّه، أي بالغ في أن يكون ذلك هذا المعنى، وأن محمولة على أنعم. وقال جل ذكره: " بئسما اشتروا به أنفسهم "، ثم قال: أن يكفروا على التفسير، كأنه قيل له ما هو؟ فقال: هو أن يكفروا.

стр. 1009

وتقول: إني مما أن أفعل ذاك، كأنه قال: إني من الأمر أو من الشأن أن أفعل ذاك، فوقعت ما هذا الموقع، كما تقول العرب: بئسما له، يريدون بئس الشيء ماله. وتقول: ائتني بعد ما تقول ذاك القول، كأنك قلت: ائتني بعد قولك ذاك القول، كما أنك إذا قلت بعد أن تقول فإنما تريد ذاك، ولو كانت بعد مع ما بمنزلة كلمةٍ واحدة لم تقل: ائتني من بعد ما تقول ذاك القول، ولكانت الدال على حالٍ واحدة. وإن شئت قلت: إني مما أفعل، فتكون ما مع من بمنزلة كلمة واحدة نحو ربمَّا. قال أبو حيّة النميّري: وإنّا لممَّا نَضربُ الكَبْشَ ضَربةً ... على رأسه تُلقِي اللسانَ من الفَمِ وتقول إذا أضفت إلى الأسماء: إنه أهل أن يفعل، ومخافة أن يفعل، وإن شئت قلت: إنه أهلٌ أن يفعل، ومخافةً أن يفعل، كأنك قلت: إنه أهلٌ لأن يفعل، ومخافةً لأن يفعل. وهذه الإضافة كإضافتهم بعض الأشياء إلى أن. قال:

стр. 1010

تَظَلُّ الشمسُ كاسِفةً عليه ... كآبةَ أنّها فَقَدتْ عَقيلا وتقول: أنت أهلٌ أن تفعل، أهلٌ عاملة في أن، كأنك قلت: أنت مستحقٌ أن تفعل. وسمعنا فصحاء العرب يقولون: لحق أنه ذاهبٌ، فيضيفون، كأنه قال: ليقين أنه ذاهبٌ، أي ليقين ذاك أمرك. وليست في كلام كل العرب. وتقول: إنه خليقٌ لأن يفعل، وإنه خليقٌ أن يفعل، على الحذف. وتقول: عسيت أن تفعل، فأن هاهنا بمنزلتها في قولك: قاربت أن تفعل، أي: قاربت ذاك، وبمنزلة: دنوت أن تفعل. واخلو لقت السماء أن تمطر، أي: لأن تمطر. وعسيت بمنزلة اخلولقت السماء.

стр. 1011

ولا يستعملون المصدر هنا كما لم يستعملوا الاسم الذي الفعل في موضعه كقولك: اذهب بذي تسلم، ولا يقولون: عسيت الفعل، ولا عسيت للفعل. وتقول: عسى أن يفعل، وعسى أن يفعلوا، وعسى أن يفعلا وعسى محمولة عليها أن، كما تقول: دنا أن يفعلوا، وكما قالوا: اخلولقت السماء أن تمطر، وكلَّ ذلك تكلَّم به عامة العرب. وكينونة عسى للواحد والجميع والمؤنثَّ تدلك على ذلك. ومن العرب من يقول: عسى وعسيا وعسوا، وعست وعستا وعسين. فمن قال ذلك كانت أن فيهن بمنزلتها في أنَّها منصوبة. واعلم أنَّهم لم يستعملوا عسى فعلك، استغنوا بأن تفعل عن ذلك، كما استغنى أكثر العرب بعسى عن أن يقولوا: عسيا وعسوا، وبلو أنه ذاهبٌ عن لو ذهابه. ومع هذا أنَّهم لم يستعملوا المصدر في هذا الباب، كما لم يستعملوا الاسم الذي في موضعه يفعل في عسى وكاد، فترك هذا لأنَّ من كلامهم الاستغناء بالشيء عن الشيء. واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها بكاد يفعل، فيفعل حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قوله: عسى الغوير أبؤساً. فهذا مثل من أمثال العرب أجروا فيه عسى محرى كان. قال هدبة:

стр. 1012

عَسَى الكَرْبُ الذي أمسيَتُ فيه ... يكَونُ وراءه فرجٌ قريب وقال: عسى اّلله يغنى بلاد ابن قادرٍ ... بمنهمرٍ جون الرَّباب سكوب وقال: فأمّا كيَّسٌ فنَجا ولكنْ ... عَسَى يَغْتَرُّ بي حمقٌ لَئيمُ وأما كاد فإنَّهم لا يذكرون فيها أن، وكذلك كرب يفعل، ومعناهما واحد. يقولون: كرب يفعل، وكاد يفعل ولا يذكرون الأسماء في موضع هذه الأفعال لما ذكرت لك في الكراسة التي تليها.

стр. 1013

ومثله: جعل يقول، لا تذكر الاسم ههنا. ومثله أخذ يقول، فالفعل ههنا بمنزلة الفعل في كان إذا قلت: كان يقول، وهو في موضع اسم منصوب بمنزلته ثمَّ، وهو ثمَّ خبرٌ كما أنه ههنا خبر، إلاَّ أنَّك لا تستعمل الاسم، فأخلصوا هذه الحروف للأفعال كما خلصت حروف الاستفهام للأفعال نحو: هلاَّ وألاَّ. وقد جاء في الشعر كاد أن يفعل، شبهوه بعسى. قال رؤبة: قد كادَ مِن طُولِ البِلىَ أنْ يَمْصَحَا والمحص مثله. وقد يجوز في الشعر أيضاً لعلِّى أن أفعل، بمنزلة عسيت أن أفعل. وتقول: يوشك أن تجيء، وأن محمولة على يوشك. وتقول: توشك أن تجيء، فأن في موضع نصب، كأنك قلت: قاربت أن تفعل. وقد يجوز يوشك يجيء، بمنزلة عسى يجيء، وقال أمية بن أبي الصَّلت:

стр. 1014

يوشِكُ مَن فرَّ من مَنيّتِه ... في بعض غِرّاتِه يُوافِقُهَا وهذه الحروف التي هي لتقريب الأمور شبيهةٌ بعضها ببعض، ولها نحوٌ ليس لغيرها من الأفعال. وسألته عن معنى قوله: أريد لأن أفعل، إنَّما يريد أن يقول إرادتي لهذا، كما قال : " وأمرت لأن أكون أوَّل المسلمين " إنما هو أمرت لهذا. وسألت الخليل عن قول الفرزدق: أَتَغَضبُ إنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حزَّتا ... جِهاراً ولم تَغْضَبِ لقَتْلِ ابن خازِمِ فقال: لأنه قبيح أن تفصل بين أن والفعل، كما قبح أن تفصل بين كي

стр. 1015

والفعل، فلما قبح ذلك ولم يجز حمل على إن، لأنَّه قد تقدم فيها الأسماء قبل الأفعال. باب ما تكون فيه أن بمنزلة أي وذلك قوله : " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا " زعم الخليل أنه بمنزلة أي، لأنك إذا قلت: انطلق بنو فلان أن امشوا، فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي، ومثل ذلك: ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله. وهذا تفسير الخليل. ومثل هذا في القرآن كثير. وأما قوله: كتبت إليه أن افعل، وأمرته أن قم، فيكون على وجهين: على أن تكون أن التي تنصب الأفعال ووصلتها بحرف الأمر والنهي، كما تصل الذي بتفعل إذا خاطبت حين تقول أنت الذي تفعل، فوصلت أن بقم لأنه في موضع أمر كما وصلت الذي بتقول وأشباهها إذا خاطبت. والدليل على أنها تكون أن التي تنصب، أنَّك تدخل الباء فتقول: أوعزت إليه بأن افعل، فلو كانت أي لم تدخلها الباء كما تدخلها الباء كما تدخل في الأسماء. والوجه الآخر: أن تكون بمنزلة أي، كما كانت بمنزلة أي في الأول.

стр. 1016

وأما قوله : " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين "، وآخر قولهم أن لا إله إلا الله، فعلى قوله أنه الحمد لله، ولا إله إلا الله. ولا تكون أن التي تنصب الفعل؛ لأن تلك لا يبتدأ بعدها الأسماء. ولا تكون أي، لأن أي إنما تجيء بعد كلام مستغنٍ ولا تكون في موضع المبنيِّ على المبتدإ. ومثل ذلك: وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدَّقت الرؤيا كأنه قال جل وعز: ناديناه أنَّك قد صدقت الرؤيا يا إبراهيم. وقال الخليل: تكون أيضاً على أي. وإذا قلت: أرسل إليه أن ما أنت وذا؟ فهي على أي، وإن أدخلت الباء على أنَّك وأنَّه، فكأنه يقول: أرسل إليه بأنَّك ما أنت وذا، جاز ويدلك على ذلك: أنَّ العرب قد تكلم به في ذا الموضع مثقلاً. ومن قال: والخامسة أن غضب الله عليها، فكأنه قال: أنَّه غضب الله عليها، لا تخِّففها في الكلام أبداً وبعدها الأسماء إلاَّ وأنت تريد

стр. 1017

الثقيلة مضمراً فيها الاسم، فلو لم يريدوا ذلك لنصبوا كما ينصبون في الشعِّر إذا اضطروا بكأن إذا خففوا، يريدون معنى كأنَّ، ولم يريدوا الإضمار، وذلك قوله: كأنْ وَريدَيْه رِشاءُ خُلْبِ وهذه الكاف إنَّما هي مضافة إلى أن، فلمَّا اضطررت إلى التخفيف فلم تضمر لم يغيِّر ذلك أن تنصب بها، كما أنَّك قد تحذف من الفعل فلا يتغير عن عمله، ومثل ذلك قول الأعشى: في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالكٌ كلُّ مَن يَحْفَى ويَنْتَعِلُ كأنه قال: أنَّه هالك: ٌ

стр. 1018

ومثل ذلك: أول ما أقول أن بسم الله، كأنه قال: أول ما أقول أنَّه بسم الله. وإن شئت رفعت في قول الشاعر: كأَنْ وَريداه رِشاءُ خُلْبِ على مثل الإضمار الذي في قوله: إنَّه من يأتها تعطه، أو يكون هذا المضمر هو الذي ذكر، كما قال: كأنْ ظبيةٌ تَعُطو إلى وارِقِ السَّلم ولو أنَّهم إذ حذفوا جعلوه بمنزلة إنما كما جعلوا إن بمنزلة لكن لكان وجهاً قوياً. وأما قوله: أن بسم الله، فإنما يكون على الإضمار، لأنك لم تذكر مبتدأ أو مبنياً عليه. والدليل على أنهم إنما يخففون على إضمار الهاء، أنك تستقبح: قد عرفت أن يقول ذاك، حتى تقول أن لا، أو تدخل سوف أو السين أو قد. ولو كانت بمنزلة حروف الابتداء لذكرت الفعل مرفوعاً بعدها كما تذكره بعد هذه الحروف، كما تقول: إنما تقول ولكن تقول باب آخر تكون أن فيه مخففة وذلك قولك: قد علمت أن لا يقول ذاك، وقد تيقنت أن لا تفعل ذاك، كأنه قال: أنَّه لا يقول وأنَّك لا تفعل.

стр. 1019

ونظير ذلك قوله : " علم أن سيكون منكم مرضى " وقوله: " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً "، وقال أيضاً: " لئلاَّ يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء ". وزعموا أنَّها في مصحف أبيّ ٍ: أنَّهم لا يقدرون. وليست أن التي تنصب الأفعال تقع في هذا الموضع، لأن ذا موضع يقين وإيجابٍ. وتقول: كتبت إليه أن لا تقل ذاك، وكتبت غليه أن لا يقول ذاك وكتبت إليه أن لا تقول ذاك. فأما الجزم فعلى الأمر. وأما النصب فعلى قولك لئلاَّ يقول ذاك. وأما الرفع فعلى قولك: لأنك لا تقول ذاك أو بأنَّك لا تقول ذاك، تحبره بأن ذا قد وقع من أمره. فأما ظننت وحسبت وخلت ورأيت، فانَّ أن تكون فيها على وجهين: على أنها تكون أن التي تنصب الفعل، وتكون أنَّ الثقيلة. فإذا رفعت قلت: قد حسبت أن لا يقول ذاك، وأرى أن سيفعل ذاك. ولا تدخل هذه السين في الفعل ههنا حتى تكون أنه. وقال : " وحسبوا أن لا تكون فتنةٌ "، كأنك قلت: قد حسبت أنَّه لا يقول ذاك. وإنما حسنت أنَّه ههنا لأنك قد أثبتَّ هذا في ظِّنك كما أثبتَّه في علمك، وأنَّك أدخلته في ظنك على أنه ثابتٌ الآن كما كان في العلم، ولولا ذلك لم يحسن

стр. 1020

أنَّك ههنا ولا أنَّه، فجرى الظن ههنا مجرى اليقين لأنَّه نفيه. وإن شئت نصبت فجعلتهن بمنزلة خشيت وخفت، فتقول: ظننت أن لا تفعل ذاك. ونظير ذلك: تظن أن يفعل بها فاقرةٌ و: إن ظنَّا أن يقيما حدود الله. فلا إذا دخلت ههنا لم تغير الكلام عن حاله وإنما منع خشيت أن تكون بمنزلة خلت وظننت وعلمت إذا أردت الرفع أنك لا تريد أن تخبر أنك تخشى شيئاً قد ثبت عندك ولكنه كقولك: أرجو، وأطمع، وعسى. فأنت لا توجب إذا ذكرت شيئاً من هذه الحروف، ولذلك ضعف أرجو أنَّك تفعل، وأطمع أنَّك فاعلٌ. ولو قال رجلٌ: أخشى أن لا تفعل، يريد أن يخبر أنه يخشى أمراً قد استقرّ عنده كائن، جاز. وليس وجه الكلام. واعلم أنَّه ضعيفٌ في الكلام أن تقول: قد علمت أن تفعل ذاك ولا قد علمت أن فعل ذاك حتَّى تقول: سيفعل أو قد فعل، أو تنفي فتدخل لا؛ وذلك لأنَّهم جعلوا ذلك عوضاً مما حذفوا من أنَّه، فكرهوا أن يدعوا السين أو قد إذ قدروا على أن تكون عوضاً، ولا تنقص ما يريدون لو لم يدخلوا قد ولا السين. وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيراٍ، فإنَّهم إنما أجازوه لأنه دعاءٌ، ولا يصلون إلى قد ههنا ولا إلى السين. وكذلك لو قلت: أما أن يغفر الله
следующие страницы →