← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 23023

تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي

الفخر الزيلعي

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَفِي الْكَافِي قِيلَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِبْرَاءِ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَقَالُوا فِيمَنْ قَالَ لَمْ أَدْفَعْ، ثُمَّ قَالَ دَفَعْتُ إلَيْهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلتَّنَاقُضِ إلَّا إذَا ادَّعَى إقْرَارَ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ. ﵀ (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ بَاعَهُ أَمَتَهُ فَقَالَ لَمْ أَبِعْهَا مِنْك قَطُّ فَبَرْهَنَ عَلَى الشِّرَاءِ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَبَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهُ بَرِئَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ تُقْبَلْ) أَيْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا عَلَيْهِ فَأَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بِأَنْ لَمْ يَبِعْهَا هُوَ وَإِنَّمَا بَاعَهَا مِنْهُ وَكِيلُهُ وَأَبْرَأَهُ عَنْ الْعَيْبِ فَيَكُونُ صَادِقًا بِذَلِكَ وَنَظِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْ شَخْصٍ وَهُوَ يُنْكِرُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ وَأَقَامَ الْمُنْكِرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ الْمَبِيعَ عَلَيْهِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّأْوِيلِ أَوْ يَقُولُ أَخَذَهُ مِنِّي بِبَيِّنَةٍ كَاذِبَةٍ، ثُمَّ اسْتَقَلْتُهُ مِنْهُ فَأَقَالَنِي. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَرَاءَةِ تَغْيِيرٌ لِلْعَقْدِ مِنْ اقْتِضَاءِ وَصْفِ السَّلَامَةِ إلَى غَيْرِهِ فَيَقْتَضِي وُجُودَ الْعَقْدِ إذْ الصِّفَةُ بِدُونِ الْمَوْصُوفِ لَا تُتَصَوَّرُ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَيَكُونُ مُنَاقِضًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ قَدْ يَقْضِي عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ ﵀ (وَ يَبْطُلُ الصَّكُّ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ) أَيْ يَبْطُلُ صَكُّ الشِّرَاءِ وَالْإِقْرَارِ إذَا كَتَبَ فِي آخِرِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يَبْطُلَ الشِّرَاءُ وَالْإِقْرَارُ بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُبْطِلٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَوْ كَتَبَ فِي آخَرِ الصَّكِّ فَمَنْ قَامَ بِهَذَا الْحَقِّ فَهُوَ وَكِيلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ كَتَبَ فَمَا أَدْرَكَ فُلَانًا مِنْ دَرَكٍ فَعَلَى فُلَانٍ خَلَاصُهُ بَطَلَ الصَّكُّ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَبْطُلَ الْإِقْرَارُ وَالشِّرَاءُ، وَقَالَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيه وَهُوَ الْأَخِيرُ فَيَبْطُلُ بِهِ ضَمَانُ الدَّرَكِ وَالتَّوْكِيلِ وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْجُمَلِ الِاسْتِقْلَالُ وَالصَّكُّ يُكْتَبُ لِلِاسْتِيثَاقِ، فَلَوْ انْصَرَفَ إلَى الْكُلِّ كَانَ مُبْطِلًا لَهُ فَيَكُونُ ضِدَّ مَا قَصَدُوهُ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيه ضَرُورَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ كِتَابًا إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ أَوْ وُكَلَائِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى مَا يَلِيه حَتَّى لَا يَبْطُلَ الْكِتَابُ كُلُّهُ فَكَذَا هَذَا وَلَهُ أَنَّ الْكُلَّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِحُكْمِ الْعَطْفِ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْكَلِمَاتِ الْمَعْطُوفِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مِثْلُ قَوْلِهِ عَبْدُهُ حُرٌّ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَعَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَا ذَكَرَاهُ مِنْ الْعَادَةِ إنَّمَا جَرَى بِأَنْ يَتْرُكَ فُرْجَةً أَوْ يَكْتُبَ بِخَطٍّ عَلَى حِدَةٍ، فَلَوْ فَعَلَ هُنَا ذَلِكَ انْصَرَفَ إلَى مَا يَلِيه، وَلَا يَبْطُلُ الشِّرَاءُ، وَلَا الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّ الْفُرْجَةَ كَالسُّكُوتِ حَالَ النُّطْقِ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يُكْتَبُ فِي كَتْبِ الرِّسَالَةِ لِلتَّبَرُّكِ عَادَةً لَا لِلْإِبْطَالِ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ مَا يَلِيه أَيْضًا، وَفِي الصَّكِّ يَبْطُلُ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَهُمْ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الصَّكِّ مَنْ قَامَ بِهَذَا الْحَقِّ فَهُوَ وَلِيُّ مَا فِيهِ أَيْ وَكِيلٌ بِالْخُصُومَةِ بِإِثْبَاتِ مَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْكِتَابَةِ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ رِضَا الْخَصْمِ بِالتَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهَذَا لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْمَجْهُولِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَكِنْ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ الْخَصْمِ، فَإِذَا رَضِيَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ وَالْإِسْقَاطُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا إذْ لَا يُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ، ثُمَّ يُوَكِّلُ مَنْ شَاءَ وَقِيلَ لَا يُفِيدُ عَلَى قَوْلِهِ أَيْضًا وَإِنَّمَا يُفِيدُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَّا لَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُ الْمَجْهُولِ لَا يُفِيدُ الرِّضَا بِهِ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَجُوزُ فَيُفِيدُ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ ذِمِّيٌّ فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ)، وَقَالَ زُفَرُ الْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ حَادِثٌ وَالْأَصْلُ فِي الْحَوَادِثِ أَنْ تُضَافَ إلَى أَقْرَبِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَفِي الْكَافِي قِيلَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِبْرَاءِ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ) أَيْ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ يَتَحَقَّقُ بِلَا مَعْرِفَةٍ اهـ كَافِي. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ بَاعَهُ أَمَتَهُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ الْخَصَّافُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي آخَرِ أَدَبِ الْقَاضِي وَأَثْبَتَ فِيهَا الْخِلَافَ فَقَالَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ عَلَى الْبَرَاءَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُقْبَلُ. اهـ. . [يُبْطِل الصك بإن شَاءَ اللَّه] (قَوْلُهُ وَقَالَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيه) وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ كَذَا ذَكَرَ فِي الشَّامِلِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ قِسْمِ الْمَبْسُوطِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ) أَيْ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ عَبْدُهُ حُرٌّ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَعَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يُبْطِلُ الْكُلَّ، فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ وَلَا يَلْزَمُ نَذْرُ كَمَالٌ (قَوْلُهُ فَهُوَ وَلِيُّ مَا فِيهِ) يَعْنِي مَنْ أَخْرَجَهُ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ، ثُمَّ كَتَبَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِهَذِهِ الْكِتَابَةِ. اهـ. كَمَالٌ. وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ، وَقَدْ أَوْرَدَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْتُبْ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَبْطُلْ شَيْءٌ وَيَلْزَمُهُ صِحَّةُ الْوَكَالَةِ لِلْمَجْهُولِ بِالْخُصُومَةِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ قَامَ بِهَذَا الذِّكْرِ فَهُوَ وَلِيُّ مَا فِيهِ وَتَوْكِيلُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ أُجِيبَ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ كِتَابَتِهِ إثْبَاتُ رِضَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَوْكِيلِ مَنْ يُوَكِّلُهُ الْمُدَّعِي، فَلَا يَمْتَنِعُ الْمَدْيُونُ عَنْ سَمَاعِ خُصُومَةِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ عِنْدَهُ وَدُفِعَ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ بِهَذَا يَثْبُتُ الرِّضَا بِتَوْكِيلِ وَكِيلٍ مَجْهُولٍ وَالرِّضَا بِتَوْكِيلِ مَجْهُولٍ بَاطِلٌ، فَلَا يُفِيدُ عَلَى قَوْلِهِ أَيْضًا وَقِيلَ بَلْ فَائِدَتُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى. [مَاتَ ذمي فَقَالَتْ زَوْجَته أسلمت] (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ مَاتَ ذِمِّيٌّ إلَخْ) تَرْجَمَ هُنَا فِي الْهِدَايَةِ بِفَصْلٍ فِي الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ آخِرُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا فَكَانَ ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ مُنَاسِبًا اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ) قَالَ الْكَمَالُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ لَا تُصَدَّقُ الْوَرَثَةُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ لَهُ يَكُونُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا حَلِفَ عَلَيْهِمْ إلَّا إنْ ادَّعَتْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ كُفْرَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهَا أَنْ تُحَلِّفَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ اهـ

стр. 1157

أَوْقَاتِهِ وَأَقْرَبُ أَوْقَاتِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتُضَافُ إلَيْهِ قُلْنَا سَبَبُ الْحِرْمَانِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ فَيَثْبُتُ فِيمَا مَضَى تَحْكِيمًا لِلْحَالِ كَمَا فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ وَهَذَا الظَّاهِرُ نَعْتَبِرُهُ لِلدَّفْعِ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ يَعْتَبِرُهُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ، وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَتَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَتْ أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ أَيْضًا، وَلَا يُحَكَّمُ الْحَالُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَمَقْصُودُهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا الْوَرَثَةُ فَمُرَادُهُمْ الدَّفْعُ وَيَشْهَدُ لَهُمْ ظَاهِرُ الْحُدُوثِ أَيْضًا فَحَاصِلُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَهِيَ تَدَّعِي بِهِ الِاسْتِحْقَاقَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ وَهُمْ يَدَّعُونَ بِهِ الدَّفْعَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ النَّقْضِ مِنْهَا مَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٍ فَقَالَ رَجُلٌ فَقَأْتَ عَيْنَهُ وَهُوَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي فَقَأْته وَهُوَ فِي مِلْكِي كَانَ الْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي فَيَأْخُذُ أَرْشَهُ مِنْهُ فَاسْتُحِقَّ بِالظَّاهِرِ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ وَأَرْشُهُ لِغَيْرِهِ فَلِهَذَا اسْتَحَقَّهُ هُوَ لَا بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ، وَمِنْهَا مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ وَحُكِّمَ الْحَالُ فَكَانَ جَارِيًا فِي الْحَالِ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِهَذَا الظَّاهِرِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا لَا يُسْتَحَقُّ بِالظَّاهِرِ إذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ مَوْجُودًا بِيَقِينٍ فَيُسْتَحَقُّ بِهِ فَهُنَا سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ، وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى السَّبَبُ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْحَالِ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا أَبَانَهَا فِي الْمَرَضِ وَصَارَ فَارًّا فَتَرِثُ، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ أَبَانَهَا فِي الصِّحَّةِ، فَلَا تَرِثُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا فَتَرِثُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا تَرِثُ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ الْمَانِعَ وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي الصِّحَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَالَ الْمُودِعُ هَذَا ابْنُ مُودِعِي لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ دُفِعَ الْمَالُ إلَيْهِ) يَعْنِي إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَلَهُ مَالٌ عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةً فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الْمَالِ إلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِلْكُ الْوَارِثِ خِلَافَةً عَنْ الْمَيِّتِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُوَرِّثِ وَهُوَ حَيٌّ أَصَالَةً بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُودِعِ بِالْقَبْضِ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُودَعِ فِي الْعَيْنِ بِإِزَالَتِهَا عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ الْمَدِينِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ وَكِيلُ الطَّالِبِ بِقَبْضِ دَيْنِهِ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِخَالِصِ حَقِّهِ إذْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْوَكِيلِ فِي الْوَدِيعَةِ قَالَ عَلَاءُ الدِّينِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي نَقْضِ مَا أَوْجَبَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الْمُودَعِ وَالْحِفْظُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ بِالدَّفْعِ مُتَعَدِّيًا وَلِهَذَا يَضْمَنُ إذَا جَاءَ الْمُودَعُ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ، وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَى الْوَكِيلِ حَتَّى ضَاعَتْ عِنْدَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ قِيلَ لَا يَضْمَنُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ لِأَنَّهُ فِي زَعْمِهِ وَكِيلٌ وَالْمَنْعُ مِنْ وَكِيلِهِ كَالْمَنْعِ مِنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِي اللُّقَطَةِ إذَا أَقَرَّ الْمُلْتَقِطُ أَنَّهَا لِفُلَانٍ هَلْ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ وَصِيُّ الْمَيِّتِ فَصَدَّقَهُ مُودِعُ الْمَيِّتِ أَوْ غَاصِبُهُ أَوْ وَصِيُّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ قَالَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ قُلْنَا سَبَبُ الْحِرْمَانِ ثَابِتٌ) أَيْ سَبَبُ حِرْمَانِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ إسْلَامُهَا مِنْ مِيرَاثِ زَوْجِهَا الذِّمِّيِّ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ وَتُحَكَّمُ الْحَالُ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلٍ آخَرَ وَاجِبٍ، وَالْحَالُ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ اهـ (قَوْلُهُ فَيَثْبُتُ فِيمَا مَضَى تَحْكِيمًا لِلْحَالِ كَمَا فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ، وَهَذَا الظَّاهِرُ) هُوَ اسْتِصْحَابٌ أَعْنِي اسْتِصْحَابَ الْمَاضِي لِلْحَالِ نَعْتَبِرُهُ لِلدَّفْعِ وَمَا ذَكَرَهُ اسْتِصْحَابٌ عَكْسُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ يَكُونُ مِنْ الْمَاضِي لِلْحَالِ وَمِنْ الْحَالِ إلَى الْمَاضِي، وَلَكِنَّهُ اعْتَبَرَهُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَلَيْسَ حُكْمُ الِاسْتِصْحَابِ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِجَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ مَا إذَا اخْتَلَفَ مَالِكُهَا مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا طَالَبَهُ بِمُدَّةٍ فَقَالَ كَانَ الْمَاءُ مُنْقَطِعًا حُكْمُ جَرَيَانِهِ فِي الْحَالِ، فَإِذَا كَانَ مُنْقَطِعًا فِي الْحَالِ فَيُعْطَفُ عَلَى الْمَاضِي لِرَفْعِ أُجْرَةِ اسْتِحْقَاقِ الْمَاضِي فَكَذَا هَذَا وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِصْحَابِ أَحْسَنُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالظَّاهِرِ، فَإِنْ مَا يَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ كَثِيرًا مَا يَكُونُ ظَاهِرًا كَأَخْبَارِ الْآحَادِ قَدْ تُثْبِتُ مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقًا. اهـ. كَمَالٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ كَمَا فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ اخْتَلَفَا فِي وُجُوبِ الْأَجْرِ بَعْدَ الْمُدَّةِ فَالْمُسْتَأْجِرُ يَقُولُ الْمَاءُ مُنْقَطِعٌ، فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ وَقَالَ الْآجِرُ جَارٍ فَيَجِبُ الْأَجْرُ فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي الْحَالِ جَارِيًا كَانَ الْقَوْلُ لِلْآجِرِ، وَلَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا كَانَ الْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَهَذَا حُكْمٌ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي حَقِّ مَا مَضَى بِخِلَافِ الْمَفْقُودِ فَإِنَّ هُنَاكَ حُكْمًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ الْمَاضِي فِي حَقِّ الْحَالِ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالِاسْتِصْحَابِ تَارَةً يَكُونُ فِي الْحَالِ لِلْمَاضِي وَتَارَةً مِنْ الْمَاضِي إلَى الْحَالِ اهـ كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْوَرَثَةُ فَمُرَادُهُمْ الدَّفْعُ) أَيْ وَالِاسْتِصْحَابُ يَكْفِي لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ مَا فِي الْمَاضِي مِنْ كُفْرِهَا إلَى مَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْمَسْأَلَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ اُعْتُبِرَ فِيهِمَا لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ اهـ كَمَالٌ. (قَوْلُهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) أَيْ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقِيَامِ حَقِّ الْمُودَعِ وَمِلْكِهِ فِي الْوَدِيعَةِ الْآنَ إذْ هُوَ حَيٌّ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى مَالِ الْغَيْرِ، وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ فَإِنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمِلْكِهِ لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ مِلْكِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ فِيهِ لِلْحَالِ وَفِي فَصْلِ الشِّرَاءِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُودَعِ لَكِنْ لَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَعْنِي الْمَالِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ مِلْكِهِ بِإِقْرَارِهِ فَصَارَ كَالْإِقْرَارِ بِالْوَكَالَةِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ إذْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا) وَالْمِثْلُ مِلْكُ الْمُقِرِّ. اهـ. كَمَالٌ وَقَوْلُهُ بِأَمْثَالِهَا أَيْ لَا بِأَعْيَانِهَا فَكَانَ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَصَحَّ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْوَكِيلِ فِي الْوَدِيعَةِ) يَعْنِي لَوْ دَفَعَ إلَى الَّذِي اعْتَرَفَ لَهُ بِالْوَكَالَةِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَى الْوَكِيلِ حَتَّى ضَاعَتْ) قِيلَ يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْ وَكِيلِ الْمُودِعِ فِي زَعْمِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَنَعَهَا مِنْ نَفْسِ الْمُودِعِ وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ. اهـ. كَمَالٌ

стр. 1158

- ﵀ (وَإِنْ قَالَ لِآخَرَ هَذَا ابْنُهُ أَيْضًا، وَكَذَّبَهُ الْأَوَّلُ قَضَى لِلْأَوَّلِ) يَعْنِي قَالَ مُودَعُ الْمَيِّتِ لِرَجُلٍ آخَرَ بَعْدَ مَا أَقَرَّ لِلْأَوَّلِ هَذَا أَيْضًا ابْنُهُ، وَكَذَّبَهُ الِابْنُ الْأَوَّلُ قُضِيَ بِالْمَالِ لِلِابْنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ قَدْ صَحَّ وَانْقَطَعَ يَدُهُ عَنْ الْمَالِ فَيَكُونُ هَذَا إقْرَارًا عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا يَصِحُّ كَمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ ابْنًا مَعْرُوفًا بِخِلَافِ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قُبِلَ لِعَدَمِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْمُودِعُ هُنَا لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي كَمَا قُلْنَا فِي مُودِعِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ إذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِمَا فِي يَدِهِ لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِلْقَاضِي عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ قُلْنَا هُنَا أَيْضًا يَضْمَنُ نَصِيبَهُ إذَا دَفَعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. قَالَ ﵀ (مِيرَاثٌ قُسِّمَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ لَا يُكْفَلُ مِنْهُمْ، وَلَا مِنْ وَارِثٍ) وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ وَهُوَ ظُلْمٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَأْخُذُ الْكَفِيلُ مِنْهُمْ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ وَالْإِرْثُ بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ تَقُلْ الشُّهُودُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ، وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ يَأْخُذُ كَفِيلًا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ قَالُوا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَفِيلٌ بِالِاتِّفَاقِ وَتَفْصِيلُ مَا يُقْسَمُ مِنْ التَّرِكَةِ بِقَوْلِهِمْ وَمَا لَا يُقْسَمُ وَمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ وَمَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَمَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا أَنَّ الْقَاضِيَ نَاظِرٌ لِلْغَيْبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ أَوْ غَرِيمٌ غَائِبٌ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً فَيُحْتَاطُ بِالْكَفَالَةِ كَمَا إذَا دَفَعَ اللُّقَطَةَ أَوْ الْآبِقَ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ أَعْطَى امْرَأَةَ الْغَائِبِ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ ثَابِتٌ قَطْعًا أَوْ ظَاهِرًا، فَلَا يُؤَخَّرُ لِأَجْلِ الْمَوْهُومِ إلَى أَنْ يُعْطِيَ الْكَفِيلُ كَمَا إذَا ثَبَتَ الشِّرَاءُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ أَوْ أَثْبَتَ الدَّيْنَ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى بِيعَ فِي دَيْنِهِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِمَا ظَهَرَ عِنْدَهُ لَا بِطَلَبِ مَا لَمْ يَظْهَرْ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ أَرَأَيْت أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ كَفِيلًا كَانَ يَمْنَعُ حَقَّهُ وَلِأَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ مَجْهُولٌ فَصَارَ كَمَا إذَا كَفَلَ لِأَحَدِ الْغُرَمَاءِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ ثَابِتٌ وَهُوَ مَعْلُومٌ وَالْآبِقُ وَاللُّقَطَةُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَصَحِّ إنْ كَانَ الدَّفْعُ إلَيْهِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَ بَيِّنَتَهُ حَرُمَ تَأْخِيرُ حَقِّهِ، وَلَا كَذَلِكَ الدَّفْعُ بِذِكْرِ الْعَلَامَةِ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلِهَذَا جَازَ مَنْعُهُ فَكَذَا تَأْخِيرُهُ لِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ مُسْتَحَقٌّ فِيهِ، وَلَا يُقَالُ إنَّ الْقَاضِيَ يَتَلَوَّمُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمْ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ ظُلْمًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي مَنْعُ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ إلَى مَعْنًى آخَرَ بَعْدَ ظُهُورِهِ يَقِينًا شَرْعًا لِأَجَلٍ مُوهَمٍ غَيْرَ ثَابِتٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَهْمَ مَوْجُودٌ، وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا آخَرَ، وَلَوْ كَانَ لِأَجْلِ الْوَهْمِ تَكْفِيلٌ لَوَجَبَ التَّكْفِيلُ فِيهِ بِخِلَافِ التَّلَوُّمِ فَإِنَّهُ فِي التَّلَوُّمِ يَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ بِطَلَبِ عِلْمٍ زَائِدٍ بِانْتِفَاءِ الشَّرِيكِ الْمُسْتَحِقِّ مَعَهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَمِثْلُهُ جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَطْلُبُ مِنْ الشُّهُودِ أَنْ يَقُولُوا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَهُوَ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ لَا تَجُوزُ، وَلَكِنَّهُ يُزَادُ بِهِ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ فَكَذَا التَّلَوُّمُ، وَقَدْرُ مُدَّتِهِ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَقَدَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ بِالْحَوْلِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ ظُلْمٌ أَيْ مَيْلٌ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَعَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ بَرِئَ عَنْ الِاعْتِزَالِ لَا كَمَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ بِسَبَبِ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِيُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ قُلْنَا مَعْنَاهُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ بِالِاجْتِهَادِ إذْ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ عَمَلِهِ حَتَّى يُحْكَمَ بِصِحَّتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ وَإِنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ الَّذِي هُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كَأَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ. قَالَ ﵀ (وَلَوْ ادَّعَى دَارًا إرْثًا لِنَفْسِهِ وَلِأَخٍ لَهُ غَائِبٍ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ أَخْذَ نِصْفَ الْمُدَّعَى فَقَطْ) يَعْنِي أَخَذَ النِّصْفَ الَّذِي هُوَ نَصِيبُ الْحَاضِرِ وَتَرَكَ نَصِيبَ الْغَائِبِ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ، وَلَا يَسْتَوْثِقُ مِنْ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ كَمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ ابْنًا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَهَلْ يَضْمَنُ لِلِابْنِ الثَّانِي قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّهُ لَا يَغْرَمُ الْمُودِعُ لِلِابْنِ الثَّانِي شَيْئًا بِإِقْرَارِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَمْ يَثْبُتْ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ التَّلَفُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ ثُبُوتِ الْبُنُوَّةِ ثُبُوتُ الْإِرْثِ، فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْبُنُوَّةِ إقْرَارًا بِالْمَالِ وَفِي الدِّرَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا يَضْمَنُ الْمُودِعُ نِصْفَ مَا أَدَّى لِلِابْنِ الثَّانِي الَّذِي أَقَرَّ لَهُ إذَا دَفَعَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدُ فِي قَوْلٍ وَفِي قَوْلٍ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لِلثَّانِي صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ) كَأَنَّهُ عَنَى بِهِ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ بِالْكُوفَةِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ لَا يَأْخُذُ الْكَفِيلُ) أَيْ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِمْ حَتَّى يَكْفُلُوا اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ قُلْنَا مَعْنَاهُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ بِالِاجْتِهَادِ) أَيْ حَتَّى يُثَابَ عَلَيْهِ وَإِنْ وَقَعَ اجْتِهَادُهُ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ تَلَاعَنَا ثَلَاثًا فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. جَعَلَ قَضَاءَهُ صَوَابًا مَعَ فَتْوَاهُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي التَّقْوِيمِ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ ادَّعَى دَارًا إرْثًا إلَخْ) هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَصُورَتُهَا فِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي دَارٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ فُلَانٍ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا قَالَ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِنِصْفِهَا وَيَتْرُكُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي يَدِ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ وَلَا يَسْتَوْثِقُ مِنْهُ بِكَفِيلٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إذَا جَحَدَهَا أَخَذَهَا مِنْهُ وَجَعَلَهَا فِي يَدَيْ أَمِينٍ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَحَدَهَا تَرَكَ النِّصْفَ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ الْآخَرُ. إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ فِي الْمُخْتَلَفِ قِيلَ إنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الْقَضَاءُ لِلْغَائِبِ؟ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ لَا خِلَافَ فِي الْقَضَاءِ، وَلَكِنْ فِي تَرْكِ نَصِيبِهِ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُخْتَلَفِ. اهـ. غَايَةٌ

стр. 1159

ذِي الْيَدِ بِكَفِيلٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا إنْ كَانَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ جَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ وَجُعِلَ فِي يَدِ أَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ تُرِكَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْجَاحِدَ خَائِنٌ، فَلَا يُتْرَكُ فِي يَدِهِ إذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْجُحُودِ ثَانِيًا، وَالْقَاضِي نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْغَيْبِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ فِي يَدِهِ مِنْ النَّظَرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُوجَدُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَلَا كُلُّ قَاضٍ يَعْدِلُ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ مِنْهُ وَوَضْعُهَا فِي يَدِ عَدْلٍ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الشَّيْءَ لَهُ وَهُوَ فِي يَدِهِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُقِرًّا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي تَرْكِهِ فِي يَدِهِ مُتَعَيِّنٌ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْحَاضِرَ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ الْغَائِبِ فِي اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِوَدَائِعِ النَّاسِ، وَلَا لِغَيْرِهَا حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنْ أَيْدِي مَنْ هِيَ عِنْدَهُ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ عَرَفَ الْقَاضِي مِلْكًا لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ رَآهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ مَا لَمْ يَحْضُرْ خَصْمُهُ فَكَذَا هَذَا. وَهَذَا لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقَعَ لِلْمَيِّتِ مَقْصُودًا وَلِهَذَا قُضِيَ عَلَى ذِي الْيَدِ بِكُلِّ الدَّارِ بِحُضُورِ الْبَعْضِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَتُقْضَى بِهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ فِيهِ وَصَايَاهُ، وَصَاحِبُ الْيَدِ مُخْتَارُ الْمَيِّتِ أَوْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَلَا يَنْقُضُ يَدَهُ كَمَا إذَا كَانَ مُقِرًّا، وَجُحُودُهُ قَدْ ارْتَفَعَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُضِرُّ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْجُحُودَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْحَادِثَةِ مَعْلُومَةً لَهُ وَلِلْقَاضِي وَمُسَجَّلَةً فِي خَرِيطَةِ الْقَاضِي، وَلَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ الْقَاضِي فَيَعُودَ إلَى الْإِنْكَارِ لِأَنَّا نَقُولُ مَوْتُ الْقَاضِي أَوْ الشُّهُودِ الَّذِينَ عَايَنُوا الْقَضَاءَ أَوْ الَّذِينَ شَهِدُوا بِأَصْلِ الْحَقِّ أَوْ نِسْيَانُهُمْ مِنْ أَنْدَرِ مَا يَكُونُ، فَلَا يُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْمَنْقُولِ فَقَدْ قِيلَ لَا يُتْرَكُ النِّصْفُ الَّذِي هُوَ لِلْغَائِبِ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ يُنْزَعُ مِنْهُ وَيُدْفَعُ إلَى عَدْلٍ يَحْفَظُهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْحِفْظِ بِخِلَافِ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ مُحْصَنٌ بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ بَيْعَ الْمَنْقُولِ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْحِفْظِ عَلَيْهِ كَمَا لِلْأَبِ ذَلِكَ، وَكَذَا حُكْمُ وَصِيِّ الْأُمِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ عَلَى الصَّغِيرِ فِيمَا وَرِثَهُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ حِفْظَهُ عَلَى الصَّغِيرِ دُونَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَوَصِيُّهُمْ قَائِمٌ مَقَامَهُمْ فَيَمْلِكُ مَا يَمْلِكُونَهُ وَقِيلَ الْمَنْقُولُ أَيْضًا عَنْ الْخِلَافِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ أَظْهَرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أُخِذَ وَدُفِعَ إلَى أَمِينِ الْقَاضِي كَانَ أَمَانَةً فَكَانَ التَّرْكُ أَبْعَدَ مِنْ التَّوَى وَإِنَّمَا لَا يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِيهَا إنْشَاءَ خُصُومَةٍ وَالْقَاضِي نُصِبَ لِقَطْعِهَا لَا لِإِنْشَائِهَا. وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا الْقَضَاءِ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فَيُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يَكُونُ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ عَنْهُ، وَكَذَا يَقُومُ الْوَاحِدُ مَقَامَهُ فِيمَا عَلَيْهِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا فَيَقُومُ مَقَامَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ نَفْسِ الِاسْتِيفَاءِ فَإِنَّهُ عَامِلٌ فِيهِ لِنَفْسِهِ لَا عَنْ الْمَيِّتِ، فَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا لَهُمْ أَيْضًا لِعَدَمِ التَّوْكِيلِ مِنْهُمْ وَلِعَدَمِ قِيَامِهِمْ فِيهِ مَقَامَ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ فَإِنَّهُ نَائِبٌ فِيهِ عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا لَهُ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ نَائِبًا لَهُمْ أَيْضًا فِي ضَمِنِهِ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ إنَّمَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي فِي يَدِ الْوَارِثِ الْحَاضِرِ، وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ فِي يَدِهِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْعَيْنِ لَا تَتَوَجَّهُ إلَّا عَلَى ذِي الْيَدِ، فَلَا يَكُونُ خَصْمًا عَنْهُمْ إلَّا فِي قَدْرِ مَا فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا حَيْثُ يَنْتَصِبُ فِيهِ بَعْضُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْكُلِّ مُطْلَقًا. قَالَ ﵀ (وَمَنْ قَالَ مَالِي أَوْ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ فَهُوَ عَلَى مَالِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَالْوَصِيَّةِ فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُلِّ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ ﵀ لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُطْلَقُ الْمَالِ فِي بَابِ الصَّدَقَاتِ بِإِيجَابِ اللَّهِ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْبَعْضِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى؛ ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَكَذَا مَا يُوجِبُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَالْإِرْثُ يَجْرِي فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ فَكَذَا هِيَ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَلْتَزِمُ الصَّدَقَةَ مِنْ فُضُولِ مَالِهِ وَهُوَ مَالُ الزَّكَاةِ حَالَ حَيَاتِهِ وَجَمِيعُ الْمَالِ حَالَ وَفَاتِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ جِنْسُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَهِيَ السَّوَائِمُ وَالنَّقْدَانِ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ سَوَاءٌ بَلَغَتْ نِصَابًا أَوْ لَمْ تَبْلُغْ قَدْرَ النِّصَابِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُقِرًّا) أَيْ لِأَنَّهُ أَمِينُ الْمَيِّتِ، فَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ مِنْهُ تُوضَعُ فِي يَدِ أَمِينٍ آخَرَ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ أَمِينًا لَا يَحْتَاجُ إلَى أَمِينٍ آخَرَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْمَنْقُولِ إلَخْ) قَالَ الزَّاهِدُ الْعَتَّابِيُّ، وَلَوْ كَانَ عُرُوضًا يُؤْخَذُ مِنْ يَدِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْعُرُوضَ يُمْكِنُ تَعْيِيبُهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ) أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّ الْمَنْقُولَ يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ دُونَ الْعَقَارِ، وَالْبَيْعُ أَبْلَغُ فِي حِفْظِهِ مِنْ تَرْكِهِ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْقَاضِي نُصِّبَ لِقَطْعِهَا لَا لِإِنْشَائِهَا) وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ كَفِيلًا وَلَا يَسْمَحُ بِإِعْطَائِهِ وَالْأَخُ الْحَاضِرُ يُطَالِبُ بِهِ فَتَثُورُ الْخُصُومَةُ اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا الْقَضَاءِ) أَيْ وَيُسَلَّمُ النِّصْفُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَضَاءِ الْكَائِنِ فِي غَيْبَتِهِ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ نَفْسِ الِاسْتِيفَاءِ) أَيْ اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ. اهـ. . [قَالَ مالي وَمَا أملك فِي الْمَسَاكِين صَدَقَة] (قَوْلُهُ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ أَخَذَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا الثَّلَاثَةُ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَالْوَصِيَّةِ فَيَلْزَمُهُ التَّصْدِيقُ بِالْكُلِّ) أَيْ بِكُلِّ مَالٍ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الزَّكَاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. اهـ. (قَوْلُهُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ) أَيْ وَالْبَتِّيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ لِعُمُومِ اسْمِ الْمَالِ كَالْوَصِيَّةِ وَقَالَ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي لُبَابَةَ حِينَ قَالَ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي يَجْزِيك الثُّلُثُ» اهـ كَمَالٌ. (قَوْلُهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنْ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ إطْعَامٌ يَنْصَرِفُ إلَى طَعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ اسْتِدْلَالًا بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَذَا هُنَا اهـ كَاكِيٌّ

стр. 1160

وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ جِنْسُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَا قَدْرُهَا، وَلَا شَرَائِطُهَا وَتَدْخُلُ فِيهِ الْأَرَاضِي الْعُشْرِيَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّهَا سَبَبُ الصَّدَقَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصَارِفُ الزَّكَاةِ فَكَانَتْ جِهَةُ الصَّدَقَةِ فِيهَا رَاجِحَةً وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا تَدْخُلُ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْمُؤْنَةِ وَلِهَذَا تَجِبُ فِي أَرْضِ الصَّبِيِّ وَالْمُكَاتَبِ، وَفِي أَرْضٍ لَا مَالِكَ لَهَا كَالْأَوْقَافِ فَكَانَتْ جِهَةُ الْمُؤْنَةِ رَاجِحَةً عِنْدَهُ. وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ قَالَ ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ مَعَهُ، وَلَا تَدْخُلُ الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ لِأَنَّهَا تَمَحَّضَتْ مُؤْنَةً، وَلَا يَدْخُلُ الرَّقِيقُ لِلْخِدْمَةِ، وَلَا الْعَقَارُ وَأَثَاثُ الْمَنَازِلِ وَثِيَابُ الْبِذْلَةِ وَسِلَاحُ الِاسْتِعْمَالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ لِمَا ذَكَرْنَا وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ مَا أَمْلِكُ أَوْ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي قَوْلِهِ مَالِي صَدَقَةٌ أَوْ جَمِيعُ مَالِي صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَعَمُّ مِنْ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمِلْكَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَالِ وَعَلَى غَيْرِهِ يُقَالُ مِلْكُ النِّكَاحِ وَمِلْكُ الْقِصَاصِ وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَالُ لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَإِذَا كَانَ لَفْظُ الْمِلْكِ أَعَمَّ تَنَاوَلَ جَمِيعَ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ مِمَّا يُتَصَدَّقُ بِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا، فَيَكُونُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي أَحَدِهِمَا وَارِدًا فِي الْأُخَرِ فَيَكُونُ فِيهِ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ كَمَا فِي الْمَالِ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ عَادَةً يَلْتَزِمُ التَّصَدُّقَ بِالْفَاضِلِ عَلَى الْحَاجَةِ فَيَنْصَرِفُ فِيهَا إلَى جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَى مَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِيجَابِ يُمْسِكُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ قُوتِهِ، فَإِذَا أَصَابَ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ تَصَدَّقَ بِمِثْلِ مَا أَمْسَكَ لِأَنَّ حَاجَتَهُ مُقَدَّمَةٌ، وَلَوْ لَمْ يُمْسِكْ قَدْرَ حَاجَتِهِ لَتَكَفَّفَ النَّاسَ مِنْ سَاعَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا عِنْدَهُ، ثُمَّ يَتَكَفَّفُ مِنْ سَاعَتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْمَبْسُوطِ قَدْرَ مَا يُمْسِكُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعِيَالِ وَبِاخْتِلَافِ مَا يَتَجَدَّدُ لَهُ مِنْ التَّحْصِيلِ فَبَعْضُ أَهْلِ الْحِرَفِ يَحْصُلُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ وَبَعْضُهُمْ كُلَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ وَبَعْضُهُمْ أَقَلُّ، وَكَذَا أَهْلُ التِّجَارَةِ وَأَهْلُ الزَّرْعِ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَأَهْلُ الْغَلَّةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَادَةً وَهُمْ الَّذِينَ لَهُمْ دُورٌ وَحَوَانِيتُ وَخَانَاتٌ يُؤَجِّرُونَهَا فَيُمْسِكُ أَهْلُ كُلِّ صَنْعَةٍ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَاصِلُهُ. قَالَ ﵀ (وَمَنْ أُوصِيَ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوَصِيَّةِ فَهُوَ وَصِيٌّ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ) حَتَّى لَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَصِيَّةِ جَازَ الْبَيْعُ، وَلَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ مَالَ الْمُوَكِّلِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، ثُمَّ عَلِمَ لَمْ يَجُزْ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْوَصِيَّةِ أَيْضًا حَتَّى يَعْلَمَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَابَهُ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَالْآخَرَ بَعْدَ الْمَمَاتِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ خِلَافَةٌ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بَعْدَ انْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْمُوصِي، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ كَتَصَرُّفِ الْوَارِثِ وَكَثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ وَالْوِلَايَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا الصَّغِيرِ لَوْ مَاتَ وَبَاعَ الْجَدَّ مَالَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِمَوْتِهِ جَازَ فَكَذَا هَذَا أَمَّا الْوَكَالَةُ فَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَلَيْسَ بِاسْتِخْلَافٍ لِبَقَاءِ وِلَايَةِ الْمُوَكِّلِ، فَلَا يَصِحُّ بِلَا عِلْمِ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ كَإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ بِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَادِرٌ فَيَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَفُوتُهُ النَّظَرُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِهِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَالْإِذْنِ بِالتِّجَارَةِ لِلْعَبْدِ وَالصَّغِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ، فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْمَأْذُونِ لَهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْعِلْمِ. قَالَ ﵀ (وَمَنْ أُعْلِمَ بِالْوَكَالَةِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَأَعْلَمَهُ وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ كَانَ وَكِيلًا وَجَازَ تَصَرُّفُهُ سَوَاءٌ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلٌ أَوْ غَيْرُ عَدْلٍ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ جِنْسُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَا قَدْرُهَا) وَلِذَا قَالُوا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَالِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ قَضَى بِهِ دَيْنَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدَهُ إلَى أَنْ يُوَفِّيَ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَرَاضِي الْعُشْرِيَّةُ) قَالَ الْكَمَالُ وَهَلْ تَدْخُلُ الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ فَيَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الصَّدَقَةِ غَالِبَةٌ فِي الْعُشْرِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْمُؤْنَةِ غَالِبَةٌ عِنْدَهُ. اهـ. . (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ) حَتَّى لَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَصِيَّةِ جَازَ الْبَيْعُ وَهَذِهِ رِوَايَةُ الزِّيَادَاتِ وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ الْمَأْذُونِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْوِصَايَةِ وَفَرْقُهُمَا أَنَّ الْوَصَايَا خِلَافَةٌ كَالْإِرْثِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ كَالْإِرْثِ فَتَثْبُتُ بِلَا عِلْمٍ، وَالْوَكَالَةُ إنَابَةٌ فَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ كَمَا فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ لِلْوَكَالَةِ أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْوِصَايَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إثْبَاتُ الْوِلَايَةِ أَلَا تَرَى إلَى مَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ عِنْدَ رَجُلٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ انْطَلِقْ وَاشْتَرِ عَبْدِي مِنْ فُلَانٍ لِنَفْسِك فَذَهَبَ فَاشْتَرَاهُ وَلَمْ يَكُنْ رَبُّ الْعَبْدِ وَكَّلَ الْبَائِعَ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَجُوزُ وَيَكُونُ أَمَرَ الْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ وَكَالَةً لِلْبَائِعِ بِالْبَيْعِ قَالَ هَكَذَا ذَكَرَ هُنَا، ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ وَبَعْضُ رِوَايَةِ الْمَأْذُونِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إذْنًا مَا لَمْ يُعْلِمْهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَذْكُورَ فِي بَابِ مَا لَا تَجُوزُ فِيهِ الْوَكَالَةُ مِنْ شَرْحِ الْكَافِي اهـ قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ قَالَ وَقَدْ مَرَّ تَمَامُ الْبَيَانِ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ اهـ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي بَابِ مَا تَقَعُ بِهِ الْوَكَالَةُ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَكِيلَ هَلْ يَصِيرُ وَكِيلًا قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْوَصِيُّ يَصِيرُ وَصِيًّا بِدُونِ الْعِلْمِ اهـ. (قَوْلُهُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ كَتَصَرُّفِ الْوَارِثِ) يَعْنِي لَوْ بَاعَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ جَازَ بَيْعُهُ. اهـ. بَدَائِعُ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ أَعْلَمَ بِالْوَكَالَةِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِخَبَرِ

стр. 1161

وَلَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِطْلَاقُ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَلَا الْإِسْلَامُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا التَّمْيِيزُ قَالَ ﵀ (وَلَا يَثْبُتُ عَزْلُهُ إلَّا بِعَدْلٍ أَوْ مَسْتُورَيْنِ كَالْإِخْبَارِ لِلسَّيِّدِ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ وَالشَّفِيعِ وَالْبِكْرِ وَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ) يَعْنِي لَا يَثْبُتُ عَزْلُهُ عَنْ الْوَكَالَةِ إلَّا بِخَبَرِ عَدْلٍ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ غَيْرِ عَدْلٍ إلَخْ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُخْبِرِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَّا التَّمْيِيزُ لِأَنَّهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَصَارَ كَالْإِخْبَارِ بِالتَّوْكِيلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلْزَامًا مِنْ وَجْهٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ. بَيَانُ الْإِلْزَامِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ التَّصَرُّفِ، وَكَذَا الشَّفِيعُ يَلْزَمُهُ سُقُوطُ الشُّفْعَةِ عَلَى تَقْدِيرِ سُكُوتِهِ وَعَلَيَّ تَقْدِيرِ الطَّلَبِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَكَذَا الْبِكْرُ عَلَى تَقْدِيرِ السُّكُوتِ يَلْزَمُهَا النِّكَاحُ وَعَلَى تَقْدِيرِ الرَّدِّ لَا يَلْزَمُهَا، وَكَذَا السَّيِّدُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْعِتْقِ وَغَيْرُهُ يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ التَّصَرُّفِ لَا يَلْزَمُهُ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الْمُنَازَعَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَفِيمَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ، وَلَا الْعَدَالَةُ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْفَاسِقِ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ بِخَبَرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَلَا فَلْيُبَلِّغْ» الْحَدِيثَ، وَفِي الرَّسُولِ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ كَالْبِكْرِ إذَا أَخْبَرَهَا رَسُولُ الْوَلِيِّ بِالتَّزْوِيجِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ وَبَلَّغَهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبَلِّغْهُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ نَهْيَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِنَوَاهِي الشَّرْعِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ النَّهْيُ فِي الشَّرْعِ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَى الْمُكَلَّفِ حَتَّى لَا يَحْرُمَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَكَذَا نَهْيُ الْعَبْدِ وَهَذَا فِي الْعَزْلِ الْقَصْدِيِّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ حُكْمِيًّا فَيَثْبُتُ وَيَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ مَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ مُطْبِقًا. قَالَ ﵀ (وَلَوْ بَاعَ الْقَاضِي أَوْ أَمِينُهُ عَبْدًا لِلْغُرَمَاءِ وَأَخَذَ الْمَالَ فَضَاعَ وَاسْتَحَقَّ الْعَبْدَ لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ ضَاعَ ثَمَنُ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَهُوَ الْقَاضِي أَوْ أَمِينُهُ لَمْ يَضْمَنْ الْقَاضِي، وَلَا أَمِينُهُ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ أَمِينَ الْقَاضِي قَائِمٌ مَقَامَ الْقَاضِي وَالْقَاضِي قَائِمٌ مَقَامَ الْخَلِيفَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لَتَقَاعَدُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ كَيْ لَا يَلْزَمَهُمْ الضَّمَانُ وَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا لَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ وَضَاعَ فِي يَدِهِ وَهَلَكَ الْعَبْدُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي لَا يَضْمَنُ الْقَاضِي، وَلَا أَمِينُهُ الثَّمَنَ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ ﵀ (وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغُرَمَاءِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ وَاقِعٌ لَهُمْ فَيَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَعَذُّرِ جَعْلِهَا عَلَى الْعَاقِدِ كَمَا يَجْعَلُ الْعُهْدَةَ عَلَى الْمُوَكِّلِ إذَا تَعَذَّرَ جَعْلُهَا عَلَى الْوَكِيلِ بِأَنْ كَانَ الْوَكِيلُ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ لَهُ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَمَرَ الْقَاضِي الْوَصِيَّ بِبَيْعِهِ فَاسْتُحِقَّ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَضَاعَ الْمَالُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَصِيِّ) لِأَنَّ الْوَصِيَّ هُوَ الْعَاقِدُ نِيَابَةً عَنْ الْمَيِّتِ فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَيْهِ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى إلَيْهِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إذَا نَصَّبَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا نَصَّبَهُ لِيَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ الْمَيِّتِ لَا لِيَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ الْقَاضِي فَصَارَ كَمَنْ أَوْصَى إلَيْهِ الْمَيِّتُ قَالَ ﵀ (وَهُوَ عَلَى الْغُرَمَاءِ) أَيْ رَجَعَ الْوَصِيُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُمْ وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا وَلَحِقَهُ بِسَبَبِهِ ضَمَانٌ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ يَقَعُ لَهُ الْعَمَلُ، وَلَوْ ظَهَرَ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ ذَلِكَ مَالٌ رَجَعَ الْغَرِيمُ فِيهِ بِدِينِهِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ فَيَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ لِلْمُوصِي أَوْ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْقَاضِيَ أَوْ أَمِينَهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى ذَلِكَ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ وَقِيلَ لَا يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْوَصِيِّ كَقَبْضِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْوَارِثُ إذَا بِيعَ لَهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] الْوَاحِدِ أَصْلًا لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ عَقْدًا كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَلِأَنَّهُ تَسْلِيطٌ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ اهـ فَتْحٌ (وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ) فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ فَكَانَ كَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهَا عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ فَقَدْ «كَانَ ﷺ يَقْبَلُهَا مِنْ الْعَبْدِ وَالتَّقِيِّ وَيَشْتَرِي مِنْ الْكَافِرِ». اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يَثْبُتُ عَزْلُهُ إلَّا بِعَدْلٍ أَوْ مَسْتُورَيْنِ) قَالَ الْكَمَالُ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُخْبِرَ بِالْعَزْلِ لَوْ كَانَ فَاسِقًا وَصَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا التَّمْيِيزَ) لِأَنَّهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسُ الْقَضَاءِ فَيُعْتَبَرُ خَبَرُ الْوَاحِدِ عَدْلًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَصَارَ كَالْإِخْبَارِ بِالتَّوْكِيلِ إلَخْ)، ثُمَّ إثْبَاتُ الْوَكَالَةِ يَصِحُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً صَبِيًّا كَانَ أَوْ بَالِغًا، وَكَذَلِكَ الْعَزْلُ عِنْدَهُمَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْعَزْلُ عِنْدَهُ إلَّا بِخَبَرِ الِاثْنَيْنِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ. قَالُوا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَوْلَى الْعَبْدِ الْجَانِي إذَا أَخْبَرَ بِالْجِنَايَةِ فَبَاعَ أَوْ أَعْتَقَ هَلْ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَكَذَا الشَّفِيعُ إذَا سَكَتَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَ بِالْبَيْعِ، وَكَذَا الْبِكْرُ إذَا سَكَتَتْ بَعْدَ مَا أَخْبَرَتْ بِإِنْكَاحِ الْوَلِيِّ، وَكَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ فَأَخْبَرَ بِالشَّرَائِعِ، وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ أَخْبَرَنَا بِالْحَجْرِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَيَبْطُلُ حَقُّ الشَّفِيعِ بِالسُّكُوتِ وَيَكُونُ السُّكُوتُ رِضًا مِنْ الْبِكْرِ وَيَلْزَمُ الشَّرَائِعُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمَ وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ وَالْعَدَالَةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَعْتَبِرَانِ الِانْتِهَاءَ بِالِابْتِدَاءِ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ فَيَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ لِلْوَصِيِّ أَوْ لِلْمُشْتَرِي) قَالَ الْكَمَالُ فَلَوْ ظَهَرَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ يَرْجِعُ الْغَرِيمُ فِيهِ بِدَيْنِهِ بِلَا شَكٍّ.

стр. 1162

كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ كَانَ الْعَاقِدُ عَامِلًا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ إنْ كَانَ هُوَ وَصِيَّ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي أَوْ أَمِينُهُ هُوَ الْعَاقِدَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي لِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَالَ قَاضٍ عَدْلٌ عَالِمٌ قَضَيْتُ عَلَى هَذَا بِالرَّجْمِ أَوْ بِالْقَطْعِ أَوْ بِالضَّرْبِ فَافْعَلْهُ مَا وَسِعَك فِعْلُهُ) قَيَّدَهُ هُنَا بِكَوْنِهِ عَدْلًا عَالِمًا، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِنَّمَا يَسَعُهُ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ وَاجِبَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَفِي تَصْدِيقِهِ طَاعَةٌ وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فِي الْحَالِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ لِخُلُوِّهِ عَنْ التُّهْمَةِ وَلِأَنَّهُ لَا يُوَلَّى فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إلَّا قَاضٍ وَاحِدٌ فِي الْأَعْصَارِ كُلِّهَا، وَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَحْدَهُ لَوُلِّيَ فِي مَكَان قَاضِيَانِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ ثُمَّ رَجَعَ مُحَمَّدٌ ﵀ عَنْ هَذَا فَقَالَ لَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُعَايِنَ الْحُجَّةَ أَوْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ مَعَ الْقَاضِي عَدْلٌ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُنَا ﵏ لِفَسَادِ أَكْثَرِ قُضَاةِ زَمَانِنَا، وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ ولِأَنَّ قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ رُتْبَةُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَغَيْرُهُمْ غَيْرُ مَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ إلَّا فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لِضَرُورَةِ إحْيَاءِ الْحُقُوقِ وَلِأَنَّ الْخِيَانَةَ فِي مِثْلِهِ قَلَّمَا تَقَعُ، وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ ﵀ إنْ كَانَ عَدْلًا عَالِمًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِانْعِدَامِ تُهْمَةِ الْخِيَانَةِ وَاحْتِمَالِ الْخَطَأِ لِأَنَّهُ لِعَدَالَتِهِ يُؤْمَنُ مِنْ الْمَيْلِ بِالرِّشْوَةِ وَلِفِقْهِهِ يُؤْمَنُ مِنْ الْغَلَطِ ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا يَسْتَفْسِرُ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَظُنُّ غَيْرَ الدَّلِيلِ دَلِيلًا فَإِنْ أَحْسَنَ بِأَنْ ذَكَرَ شَرَائِطَهُ مِثْلَ أَنْ يَحْكُمَ بِحَدِّ الزِّنَا مَثَلًا بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ فَيَأْتِي بِشَرَائِطِهِ عِنْدَ التَّفْسِيرِ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ تَمْنَعُهُ عَنْ الْكَذِبِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ بِأَنْ أَخَلَّ فِي شَرَائِطِهِ مِنْ نِصَابِ الشَّهَادَةِ أَوْ التَّكْرَارِ فِي الْإِقْرَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُعَايِنَ الْحُجَّةَ وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ أَوْ الْخِيَانَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَبَأِ الْفَاسِقِ ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ، فَلَا يَمِينَ عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى الْخَصْمِ وَالْقَاضِي لَيْسَ بِخَصْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَمِينٌ، وَلَوْ صَارَ خَصْمًا لَمَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ. قَالَ (وَإِنْ قَالَ قَاضٍ عُزِلَ لِرَجُلٍ أَخَذْتُ مِنْكَ أَلْفًا وَدَفَعْتُهُ إلَى زَيْدٍ قَضَيْتُ بِهِ عَلَيْك فَقَالَ الرَّجُلُ أَخَذْتَهُ ظُلْمًا فَالْقَوْلُ لِلْقَاضِي) وَكَذَا لَوْ قَالَ قَضَيْتُ بِقَطْعِ يَدِك فِي حَقٍّ إذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ يَدَهُ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ مَالُهُ مُقِرًّا أَنَّهُ فَعَلَهُ وَهُوَ قَاضٍ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ لَمَّا أَقَرَّ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي حَالِ قَضَائِهِ صَارَ مُعْتَرِفًا بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ لِلْقَاضِي؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي عَلَى سَبِيلِ الْقَضَاءِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ بِحَالٍ فَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي فِي ذَلِكَ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَالِ قَضَائِهِ بِتَصَادُقِهِمَا، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْقَاضِي لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ أَقَرَّ الْآخِذُ وَالْقَاطِعُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْقَاضِي لَمْ يَضْمَنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي حُجَّةٌ وَدَفْعُهُ صَحِيحٌ فَصَارَ إقْرَارُهُ بِهِ كَفِعْلِهِ مُعَايِنًا. وَلَوْ زَعَمَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ وَالْمَأْخُوذُ مَالُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا يَوْمئِذٍ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّقْلِيدِ أَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ كَانَ الْقَوْلُ لِلْقَاضِي أَيْضًا لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ طَلَّقْتُ أَوْ أَعْتَقْتُ وَأَنَا مَجْنُونٌ وَالْجُنُونُ كَانَ مَعْهُودًا مِنْهُ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إذَا زَعَمَ الْمُدَّعِي أَنَّ الْقَاضِيَ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَزْلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعِي لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ حَادِثٌ فَيُضَافُ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ وَمَنْ ادَّعَى تَارِيخًا سَابِقًا لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَتَى وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ فِي الْإِسْنَادِ يُحَكَّمُ الْحَالُ كَمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ وَهُوَ لَوْ فَعَلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْإِسْنَادِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ إلَّا بِحُجَّةٍ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ ثَبَتَ الْإِسْنَادُ بِتَصَادُقِهِمَا. وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ عَلِيٍّ الْبَزْدَوِيِّ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ، وَنَظِيرُهُ إذَا قَالَ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ قَطَعْتُ يَدَك وَأَنَا عَبْدٌ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ قَطَعْتَهَا وَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَبْدِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدٍ قَدْ أَعْتَقَهُ أَخَذْتُ مِنْك غَلَّةَ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَأَنْتَ عَبْدٌ، وَقَالَ الْمُعْتَقُ أَخَذْتَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَوْلَى، وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا قَالَ بِعْتُ وَسَلَّمْتُ قَبْلَ الْعَزْلِ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ بَعْدَ الْعَزْلِ كَانَ الْقَوْلُ لِلْوَكِيلِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُسْتَهْلَكًا، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ فِيهِ فَيَصِيرُ مُدَّعِيًا، وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَلَّةِ لَا يُصَدَّقُ فِي الْغَلَّةِ الْقَائِمَةِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ وَبِالْإِضَافَةِ يُدَّعَى عَلَيْهِ التَّمْلِيكُ، وَلَوْ أَقَرَّ الْقَاطِعُ وَالْآخِذُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْقَاضِي يَضْمَنَانِ لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِسَبَبِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي قَالَ الْمُصَنِّفُ قَالُوا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَرْجِعُ بِالْمِائَةِ الَّتِي غَرِمَهَا أَيْضًا يُرِيدُ بِالْمِائَةِ مَا ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي وَفَرْضُهُ مِائَةٌ لِأَنَّهُ لَحِقَهُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الْمَيِّتِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ أَعْنِي جَوَازَ أَنْ يُقَالَ، وَأَمَّا الْوَاقِعُ مِنْ الْقَوْلِ بِالرُّجُوعِ بِمَا ضَمِنَ فَفِيهِ خِلَافٌ قِيلَ نَعَمْ وَقَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ السُّرْخَكَتِيُّ لَا يَأْخُذُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ إنَّمَا ضَمِنَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى غَيْرِهِ وَفِي الْكَاكِيِّ الْأَصَحُّ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ قَضَى ذَلِكَ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّصْحِيحِ كَمَا سَمِعْت اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي أَوْ أَمِينُهُ هُوَ الْعَاقِدَ رَجَعَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَارِثِ إذَا كَانَ أَهْلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا نَصَّبَ الْقَاضِي عَنْهُ مَنْ يَقْضِي دَيْنَهُ اهـ كَيْ. (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا يُسْتَفْسَرُ) أَيْ عَنْ قَضَائِهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا فَشَمِلَ صُورَتَيْنِ وَالْأَقْسَامُ عَلَى هَذَا أَرْبَعَةٌ: عَدْلٌ عَالِمٌ لَا يُسْتَفْسَرُ. عَدْلٌ جَاهِلٌ يُسْتَفْسَرُ. فَاسِقٌ عَالِمٌ. فَاسِقٌ جَاهِلٌ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا إلَّا إنْ عَايَنَ الْحُجَّةَ اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَرَّ الْآخِذُ وَالْقَاطِعُ فِي هَذَا الْفَصْلِ) أَرَادَ بِهَذَا الْفَصْلِ مَا إذَا زَعَمَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَوْ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ أَنَّ الْأَخْذَ أَوْ الْقَطْعَ وَقَعَ قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ. اهـ. غَايَةٌ

стр. 1163

الضَّمَانِ وَقَوْلُ الْقَاضِي مَقْبُولٌ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ لَا فِي إبْطَالِ سَبَبِ الضَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِعْلُهُ فِي قَضَائِهِ بِالتَّصَادُقِ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ وُجِدَ الْإِسْنَادُ مِنْهُمَا أَيْضًا إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَضْمَنَا أَيْضًا كَالْقَاضِي قُلْنَا إنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِسَبَبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ لَكِنَّ إقْرَارَ كُلِّ مُقِرٍّ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي حَقِّهِمَا حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ وَالظَّاهِرُ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّ الْقَاضِي كَذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لَكِنْ لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الضَّمَانَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ حَذَرَ الضَّمَانِ بَعْدَ الْعَزْلِ فَتُرِكَ لِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ الْآخِذِ قَائِمًا، وَقَدْ أَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْقَاضِي وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْمَالُ صُدِّقَ الْقَاضِي فِي أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي قَضَائِهِ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ قَضَائِهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الْيَدَ كَانَ لَهُ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى تَمَلُّكِهِ إلَّا بِحُجَّةٍ وَقَوْلُ الْمَعْزُولِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيهِ وَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْغَلَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَمِنْ نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا لَوْ قَالَ الْوَصِيُّ بَعْدَ مَا بَلَغَ الْيَتِيمُ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ وَأَنْكَرَ الْيَتِيمُ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ لِمَا أَنَّهُ أُسْنِدَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ وَأَوْرَدَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا قَطَعْتُ يَدَكِ وَأَنْتِ أَمَتِي فَقَالَتْ هِيَ قَطَعْتَهَا وَأَنَا حُرَّةٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، وَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مَعَ أَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلضَّمَانِ بِإِسْنَادِهِ الْفِعْلَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ فَأَجَابَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَوْلَى أَقَرَّ بِأَخْذِ مَالِهَا، ثُمَّ ادَّعَى التَّمَلُّكَ لِنَفْسِهِ فَيُصَدَّقُ فِي إقْرَارِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ التَّمَلُّكَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الرَّجُلُ أَكَلْتُ طَعَامَك بِإِذْنِك فَأَنْكَرَ الْإِذْنَ يَضْمَنُ الْمُقِرُّ وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُخَلِّصٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَمِنْ نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا لَوْ قَالَ الْوَصِيُّ إلَخْ) قَالَ قَاضِي خَانْ ﵀ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي فَصْلٍ فِي تَصَرُّفَاتِ الْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَطَلَبَ مَالَهُ مِنْ الْوَصِيِّ فَقَالَ الْوَصِيُّ ضَاعَ مِنِّي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَإِنْ قَالَ أَنْفَقْت مَالَك عَلَيْك يُصَدَّقُ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ فَقَالَ الْوَصِيُّ مَاتَ أَبُوهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَالَ الْيَتِيمُ مَاتَ أَبِي مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا هَذِهِ وَالثَّانِيَةُ إذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّ الْمَيِّتَ تَرَكَ رَقِيقًا فَأَنْفَقْت عَلَيْهِمْ إلَى وَقْتِ كَذَا، ثُمَّ مَاتَ وَكَذَّبَهُ الِابْنُ قَالَ مُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْعَبِيدِ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّ غُلَامًا لِلْمُوصِي أَبَقَ فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ فَأَعْطَيْتُ جُعْلَهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَالِابْنُ يُنْكِرُ الْإِبَاقَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْوَصِيُّ بِبَيِّنَةٍ عَلَى مَا ادَّعَى وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُ رَجُلًا لِيَرُدَّهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُصَدَّقًا وَالْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا قَالَ الْوَصِيُّ أَدَّيْتُ خَرَاجَ أَرْضِك عَشْرَ سِنِينَ مُنْذُ مَاتَ أَبُوك وَقَالَ الْيَتِيمُ إنَّمَا مَاتَ أَبِي مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الِابْنِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا، وَهُوَ يُنْكِرُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ يَدَّعِي عَلَيْهِ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَالِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَإِنْ قَالَ الْوَصِيُّ فَرَضَ الْقَاضِي لِأَخِيك الزَّمِنِ نَفَقَةً فِي مَالِك، كُلَّ شَهْرٍ كَذَا فَأَدَّيْتَ إلَيْهِ لِكُلِّ شَهْرٍ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَذَّبَهُ الِابْنُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ عِنْدَ الْكُلِّ وَيَكُونُ ضَامِنًا. اهـ. [كِتَابُ الشَّهَادَةِ] (كِتَابُ الشَّهَادَةِ) قَالَ الْكَمَالُ الشَّهَادَةُ لُغَةً إخْبَارٌ قَاطِعٌ وَفِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ إخْبَارُ صِدْقٍ بِإِثْبَاتِ حَقٍّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الزُّورِ فَلَيْسَتْ شَهَادَةً وَقَوْلُ الْقَائِلِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَشْهَدُ بِرُؤْيَةِ كَذَا لِبَعْضِ الْعُرْفِيَّاتِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ذَكَرَ الشَّهَادَاتِ بَعْدَ كِتَابِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْتَاجُ فِي حُكْمِهِ إلَى الشَّاهِدِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ حُكْمِهِ وَقَالَ الْكَمَالُ: يَتَبَادَرُ أَنَّ تَقْدِيمَهَا عَلَى الْقَضَاءِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا إذَا كَانَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِهَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَضَاءُ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ الشَّهَادَةِ قَدَّمَهُ تَقْدِمَةً لِلْمَقْصُودِ عَلَى الْوَسِيلَةِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ وَمَعْنَاهَا الْحُضُورُ قَالَ ﵇ «الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ» أَيْ حَضَرَهَا وَالشَّاهِدُ أَيْضًا يَحْضُرُ الْقَاضِيَ وَمَجْلِسَ الْوَاقِعَةِ وَفِي الشَّرْعِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَهِيَ أَيْ الشَّهَادَةُ إخْبَارٌ بِحَقٍّ لِشَخْصٍ عَلَى غَيْرِهِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا بِالتَّحْقِيقِ وَعَنْ عِيَانٍ أَيْ عَنْ مُعَايَنَةٍ لِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» ثُمَّ أَكَّدَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ بِقَوْلِهِ لَا عَنْ تَخْمِينٍ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالْحَدْسِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ مَصْدَرُ خَمَّنَ بِالتَّشْدِيدِ وَمَادَّتُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَمِيمٌ وَنُونٌ وَالتَّخْمِينُ وَالْحَدْسُ فِي الْإِخْبَارِ لَا يُفِيدُ التَّحْقِيقَ وَالتَّيَقُّنَ فَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ وَأَكَّدَ مَعْنَى الْعِيَانِ بِقَوْلِهِ وَلَا عَنْ حِسْبَانٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ مِنْ حَسِبْته كَذَا أَحْسَبُهُ بِالْفَتْحِ مَحْسَبَةً وَمُحْسِبَةً وَحِسْبَانًا أَيْ ظَنَنْته وَيُقَالُ أَحْسِبُهُ بِالْكَسْرِ شَاذٌّ وَأَمَّا حُسْبَانٌ بِالضَّمِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ حَسَبَ يَحْسُبُ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ إذَا عَدَّ وَجَعَلَ الشَّارِحُ هَذَا مَعْنًى لُغَوِيًّا لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ قَالَ وَهِيَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْبَارٍ بِصِدْقٍ مَشْرُوطٍ فِيهِ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ الْحُضُورُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا مَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيُّ وَقَوْلُهُ إخْبَارٌ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ هُوَ إخْبَارٌ بِصِدْقٍ

стр. 1164

(كِتَابُ الشَّهَادَةِ) قَالَ ﵀ (هِيَ إخْبَارٌ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ لَا عَنْ تَخْمِينٍ وَحِسْبَانٍ) هَذَا فِي اللُّغَةِ فَلِهَذَا قَالُوا: إنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ الَّتِي تُبْنَى عَلَى الْمُعَايَنَةِ وَسُمِّيَ الْأَدَاءُ شَهَادَةً إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ، وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الشُّهُودِ بِمَعْنَى الْحُضُورِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَمَجْلِسَ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْبَارٍ بِصِدْقٍ مَشْرُوطٍ فِيهِ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ وَلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ فَشَرْطُهَا الْعَقْدُ الْكَامِلُ وَالضَّبْطُ وَالْوِلَايَةُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَرُكْنُهَا لَفْظُ أَشْهَدُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ دُونَ الْقَسَمِ وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْحُكْمِ عَلَى الْقَاضِي بِمَا تَقْتَضِيهِ الشَّهَادَةُ وَالْقِيَاسُ يَأْبَى أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ حُجَّةً مُلْزَمَةً؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ قَالَ ﵀ (وَتَلْزَمُ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي) أَيْ يَلْزَمُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ وَلَا يَسَعُ كِتْمَانُهَا إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَهَذَا وَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَنْ الْإِبَاءِ وَعَنْ الْكِتْمَانِ لَكِنْ النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ يَكُونُ أَمْرًا بِضِدِّهِ إذَا كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاشْتِغَالِ بِهِ فَكَانَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ فَرْضًا قَطْعًا كَفَرِيضَةِ الِانْتِهَاءِ عَنْ الْكِتْمَانِ فَصَارَ كَالْأَمْرِ بِهِ بَلْ آكَدُ وَلِهَذَا أُسْنِدَ الْإِثْمُ إلَى الْآلَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الْفِعْلُ وَهِيَ الْقَلْبُ؛ لِأَنَّ إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى مَحَلِّهِ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ إلَى كُلِّهِ، وَقَوْلُهُمْ: أَبْصَرْتُهُ بِعَيْنِي آكَدُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَبْصَرْته، وَإِسْنَادُهُ إلَى أَشْرَفِ الْجَوَارِحِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ الْجَرَائِمِ بَعْدَ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ إنَّمَا يَأْثَمُ إذَا عُلِمَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَأَدَّى غَيْرُهُ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَقُبِلَتْ فَقَالُوا لَا يَأْثَمُ وَإِنْ أَدَّى غَيْرُهُ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ يَأْثَمْ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ إذَا كَانَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ يُؤَدِّي إلَى تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ هَذَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ الشَّاهِدِ قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَغْدُوَ إلَى الْقَاضِي لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَيَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ قَالُوا: لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَرْكُوبِ فَأَرْكَبَهُ الْمُدَّعِي مِنْ عِنْدِهِ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِكْرَامِ لِلشُّهُودِ وَقَدْ قَالَ ﵊ «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ»، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ وَأَرْكَبَهُ الْمُدَّعِي مِنْ عِنْدِهِ قَالُوا لَا تُقْبَلُ قَالَ ﵀ (وَسَتْرُهَا فِي الْحُدُودِ أَحَبُّ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لِلَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِك لَكَانَ خَيْرًا لَك» وَهَذَا الْحَدِيثُ وَلَفْظُ الْمُخْتَصَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ وَشَرْطُ الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِهِ كَمَا عُرِفَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَرُكْنُهَا لَفْظُ أَشْهَدُ) وَفِي قَوْلِ الْقَائِلِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَشْهَدُ بِرُؤْيَةِ كَذَا لِبَعْضِ الْعُرْفِيَّاتِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَنَظِيرُهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيُلْزَمُ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي) قَالَ الْكَمَالُ وَسَبَبُ وُجُوبِهَا طَلَبُ ذِي الْحَقِّ أَوْ خَوْفُ فَوْتِ حَقِّهِ فَإِنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ وَخَافَ فَوْتَ الْحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ بِلَا طَلَبٍ، وَشَرْطُهَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْوِلَايَةُ فَخَرَجَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّ الدِّينَ أَصْلُ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَرُكْنُهَا اللَّفْظُ الْخَاصُّ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْإِخْبَارِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ وَقَالَ الْكَمَالُ: وَسَبَبِيَّةُ الطَّلَبِ تَثْبُتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَسَبَبِيَّةُ خَوْفِ الْفَوْتِ بِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ سَبَبِيَّةَ الطَّلَبِ إنَّمَا ثَبَتَتْ كَيْ لَا يَفُوتَ الْحَقُّ اهـ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدَّى غَيْرُهُ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ يَأْثَمْ) قَالَ الْكَمَالُ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ فِيمَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي إنْ عَلِمَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُهُ نَرْجُو أَنْ يَسْعَهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ وَفِي الْعُيُونِ إنْ كَانَ فِي الصَّكِّ جَمَاعَةٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ دُونَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ كَانَ لَكِنْ قَبُولُهَا مَعَ شَهَادَتِهِ أَسْرَعُ وَجَبَ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إذَا دُعِيَ فَأَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ ظَاهِرٍ ثُمَّ أَدَّى لَا تُقْبَلُ لِتَمَكُّنِ التُّهْمَةِ فِيهِ إذْ يُمْكِنُ أَنَّ تَأْخِيرَهُ بِعُذْرٍ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ لِاسْتِجْلَابِ الْأُجْرَةِ. اهـ. وَالْوَجْهُ أَنْ يُقْبَلَ وَيُحْمَلَ عَلَى الْعُذْرِ مِنْ نِسْيَانٍ ثُمَّ تَذَكُّرٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا فِي الْمُجْتَبَى عَنْ الْفَضْلِ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَأَدَائِهَا وَإِلَّا لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ وَعَلَى هَذَا الْكَاتِبِ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ فِيمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَكَذَا مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَفِي قَوْلٍ يَجُوزُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ فِي الْعُقُودِ إلَّا فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَجِبُ وَفِي الرَّجْعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ قَالُوا لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِذَلِكَ) قَالَ الْكَمَالُ قَالُوا: يَلْزَمُ إذَا كَانَ مَجْلِسُ الْقَاضِي قَرِيبًا، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَعَنْ نَصْرٍ إنْ كَانَ بِحَالٍ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ شَيْخًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ فَأَرْكَبَهُ الطَّالِبُ لَا بَأْسَ بِهِ وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ فِيمَنْ أَخْرَجَ الشُّهُودَ إلَى ضَيْعَةٍ فَاسْتَأْجَرَ لَهُمْ حَمِيرًا فَرَكِبُوهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا الْعَادَةُ وَهِيَ إكْرَامٌ لِلشُّهُودِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَفَصَلَ فِي النَّوَازِلِ بَيْنَ كَوْنِ الشَّاهِدِ شَيْخًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ وَلَا يَجِدُ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ دَابَّةً فَيُقْبَلُ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ وَلَوْ وَضَعَ لِلشُّهُودِ طَعَامًا فَأَكَلُوا إنْ كَانَ مُهَيَّأً مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ يُقْبَلُ، وَإِنْ صَنَعَهُ لِأَجْلِهِمْ لَا يُقْبَلُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يُقْبَلُ فِيهِمَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقْبَلُ فِيهِمَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِلْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بِإِطْعَامِ مَنْ حَلَّ مَحَلَّ الْإِنْسَانِ مِمَّنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ شَاهِدًا أَوْ لَا وَيُؤْنِسُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْإِهْدَاءَ إذَا كَانَ بِلَا شَرْطٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ يَجُوزُ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْأَدَاءَ فُرِضَ بِخِلَافِ الذَّهَابِ إلَى الْأَمِيرِ اهـ

стр. 1165

مُخَيَّرٌ بَيْنَ السَّتْرِ وَالْإِظْهَارِ وَلَكِنَّ السَّتْرَ أَفْضَلُ لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ تَلْقِينِ الْمُقِرِّ لِلدَّرْءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ السَّتْرَ أَفْضَلُ، وَإِنْ شَاءَ أَظْهَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِسْبَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الْفَسَادِ أَوْ تَقْلِيلَهُ فَكَانَ حَسَنًا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] الْآيَةَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ فِيهِمْ الْفَاحِشَةُ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَذَلِكَ صِفَةُ الْكَافِرِ فَلِذَلِكَ وُعِدُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّاهِدِ ارْتِفَاعُ الْفَاحِشَةِ مِنْ الْعِبَادِ لَا إشَاعَتُهَا وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] فَلِهَذَا حَسُنَ وَالْأَوَّلُ وَهُوَ السَّتْرُ أَحْسَنُ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حُقُوقُ الْعِبَادِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَيْ إذَا دَعَاهُمْ الْمُدَّعِي إذْ الْحُدُودُ لَيْسَ لَهَا مُدَّعٍ يَدَّعِيهَا وَلِأَنَّ الْحُدُودَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ كَرَمِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ، وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ شَحِيحٌ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُ الْحَقَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ قَالَ ﵀ (وَيَقُولُ فِي السَّرِقَةِ أَخَذَ لَا سَرَقَ)؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمَالِ وَاجِبٌ إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعِي، وَالسَّتْرُ فِي الْحَدِّ أَفْضَلُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَأَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةِ الْحَقَّيْنِ بِقَوْلِهِ أَخَذَ؛ لِأَنَّهُ يُحْيِي بِهِ حَقَّ الْمُدَّعِي وَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ مَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ سَقَطَ الضَّمَانُ إذْ لَا يَجْتَمِعَانِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْمُدَّعِي بِقَوْلِهِ سَرَقَ فَيَتَوَقَّاهُ مُرَاعَاةً لِحَقِّهِ إذْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَفِيهِ صِيَانَةُ يَدِ السَّارِقِ وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى إقَامَتِهِ قَالَ ﵀ (وَشُرِطَ لِلزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك» وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةٌ لِلْمُذَكَّرِ دُونَ الْمُؤَنَّثِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورِ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ السَّتْرَ عَلَى عِبَادِهِ وَأَوْعَدَ بِالْعَذَابِ مَنْ أَحَبَّ إشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَا تَلَوْنَا وَفِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ مَعَ وَصْفِ الذُّكُورَةِ تَحْقِيقُ مَعْنَى السَّتْرِ إذْ وُقُوفُ الْأَرْبَعِ عَلَى هَذِهِ الْفَاحِشَةِ قَلَّمَا يَتَحَقَّقُ وَأَوْجَبَ عَلَى مَنْ نُسِبَ إلَى هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الْحَدَّ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، وَاللِّعَانَ إنْ كَانَ زَوْجًا كُلُّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ مَعْنَى السَّتْرِ وَيَمْنَعُ مِنْ الْإِظْهَارِ وَلَا يُقَالُ لَيْسَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ إلَّا بَيَانُ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهَذَا الْعَدَدِ وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِأَقَلَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَذْكُورِ وَلَكِنْ لَا يُوجِبُهُ أَيْضًا فَمَنْ ادَّعَى جَوَازَ مَا دُونَهُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ كَمَا أَنَّ النَّافِيَ لِلْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَائِهِ لَا يَنْفِيهِ إلَّا لِعَدَمِ دَلِيلٍ يَقْتَضِيهِ إذْ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَقَدْ وُجِدَ الدَّلِيلُ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا أَنَّ الشُّهُودَ عَلَى الزِّنَا إذَا نَقَصَ عَدَدُهُمْ عَنْ الْأَرْبَعَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ لِكَوْنِهِمْ قَذَفَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَدَّ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى مُغِيرَةَ بِالزِّنَا وَلَوْ كَانَ الزِّنَا يَثْبُتُ بِمَا دُونَهُ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ بَلْ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْمَنْسُوبِ إلَى الزِّنَا وَلَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْحُقُوقِ لِعَدَمِ التَّسَاوِي وَلِوُجُودِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ وَشَرْطُ الْقِيَاسِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْفَرْعِ نَصٌّ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ قَالَ ﵀ (وَلِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ رَجُلَانِ) لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيهَا شُبْهَةُ الْبَدَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَجُلٍ فَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كَمَا لَا يَجُوزُ فِيهَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِيهَا شُبْهَةُ الْبَدَلِيَّةِ لَا حَقِيقَتُهَا؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ غَالِبًا وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ تُقْبَلُ مَعَ وُجُودِ الشُّهُودِ مِنْ الرِّجَالِ وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالُوا: إنْ لَمْ يَشْهَدَا حَالَ كَوْنِهِمَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَلَوْلَا هَذَا التَّأْوِيلُ لَمَا اعْتَبَرَ شَهَادَتَهُنَّ مَعَ وُجُودِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ ﵇) أَيْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ سَتَرَهُ اللَّهُ وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ وَلِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ سَتَرَ إلَخْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ، وَإِنْ شَاءَ أَظْهَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِسْبَةً أَيْضًا) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالشَّهَادَةُ فِي الْحُدُودِ يُخَيَّرُ فِيهَا الشَّاهِدُ فِي السَّتْرِ وَالْإِظْهَارِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ إقَامَةِ الْحَدِّ وَالتَّوَقِّي عَنْ الْهَتْكِ وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ اهـ قَالَ الْكَاكِيُّ وَالْحِسْبَةُ مَا يُنْتَظَرُ بِهِ الْأَجْرُ فِي الْآخِرَةِ وَفِي الصِّحَاحِ احْتَسَبَ بِكَذَا أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْمُ الْحِسْبَةُ بِالْكَسْرِ وَهِيَ الْأَجْرُ وَالْجَمْعُ الْحِسَبُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ وَهُوَ السَّتْرُ أَحْسَنُ لِمَا بَيَّنَّا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، فَإِنْ قُلْت كَيْفَ كَانَ السَّتْرُ أَفْضَلَ مَعَ تَنْصِيصِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] قُلْت الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمُدَايَنَةِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا فِي الْحُدُودِ بِدَلَالَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا آنِفًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَأَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةِ الْحَقَّيْنِ بِقَوْلِهِ أَخَذَ) أَيْ فَإِنَّ الْأَخْذَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ غَصْبًا أَوْ عَلَى ادِّعَاءِ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُودَعًا عِنْدَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الشَّهَادَةَ بِالْأَخْذِ مُطْلَقًا ثُبُوتُ الْحَدِّ بِهَا. اهـ. كَمَالٌ [شُرُوط الشُّهُود فِي الزِّنَا] (قَوْلُهُ وَشَرْطُ الْقِيَاسِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الزِّنَا أَعْظَمُ الْجَرَائِمِ وَلِهَذَا شُرِعَ فِيهِ الرَّجْمُ فَلَا يُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ اهـ مِنْ خَطِّهِ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ رَجُلَانِ) وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ) وَتَخْصِيصُ الْخَلِيفَتَيْنِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ كَانَ مُعْظَمُ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ

стр. 1166

الرِّجَالِ، وَشَهَادَتُهُنَّ مُعْتَبَرَةٌ مَعَهُمْ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ أَيْضًا حَتَّى إذَا شَهِدَ رِجَالٌ وَنِسْوَةٌ بِشَيْءٍ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْكُلِّ حَيْثُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْكُلِّ عِنْدَ الرُّجُوعِ قَالَ ﵀ (وَلِلْوِلَادَةِ، وَالْبَكَارَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رَجُلٌ امْرَأَةٌ) يَعْنِي يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرُ إلَيْهِ»، وَالْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ، وَاللَّامِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعْهُودٌ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ فَيَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ يَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الشَّهَادَةِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِ ثِنْتَانِ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ شَيْئَانِ الْعَدَدُ، وَالذُّكُورَةُ وَتَعَذَّرَ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا فَبَقِيَ الْآخَرُ وَهُوَ الْعَدَدُ عَلَى حَالِهِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ اشْتِرَاطُ صِفَةِ الذُّكُورَةِ لِيَخِفَّ النَّظَرُ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ أَخَفُّ فَكَذَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْوَاحِدِ أَخَفُّ. وَالْأَحْوَطُ الِاثْنَانِ أَوْ الْأَكْثَرُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا سَائِرُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالْعَقْلِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْعَدَالَةِ وَحُكْمُ شَهَادَتِهِنَّ فِي الْوِلَادَةِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالْعُيُوبُ قَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْبُيُوعِ، وَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ لَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْإِرْثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَتُقْبَلُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَشَهَادَتِهَا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَرِوَايَتِهَا الْإِخْبَارَ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ عَلَامَةُ حَيَاتِهِ وَلَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ حَضَرَهُ وَلَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ عَادَةً فَصَارَ كَشَهَادَتِهِنَّ عَلَى نَفْسِ الْوِلَادَةِ وَيُقْبَلُ فِي الْوِلَادَةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ كَانَ الرَّجُلُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا قَالَ تَعَمَّدْت النَّظَرَ قَالَ بَعْضُهُمْ تُقْبَلُ كَمَا فِي الزِّنَا قَالَ ﵀ (وَلِغَيْرِهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَيْ يُشْتَرَطُ لِغَيْرِ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ وَمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوِصَايَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا كَالْأَجَلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ لِنُقْصَانِ الْعَقْلِ وَاخْتِلَالِ الضَّبْطِ وَقُصُورِ الْوِلَايَةِ فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ وَحْدَهُنَّ، وَإِنْ كَثُرْنَ وَلَا مَعَ الرِّجَالِ فِي الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا قُبِلَتْ فِي الْأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا لِلضَّرُورَةِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَقِلَّةِ خَطَرِهَا وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُ الْمَالِ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا ﵄ أَجَازَا شَهَادَةَ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي النِّكَاحِ، وَالْفُرْقَةِ وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ أَصْلِيَّةٌ لَا ضَرُورِيَّةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْقَبُولُ لِوُجُودِ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الْوِلَايَةُ وَهِيَ تُبْنَى عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَالْإِرْثِ وَلِوُجُودِ أَهْلِيَّةِ الْقَبُولِ وَهِيَ تُبْنَى عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ بِالْكَذِبِ، وَالْغَلَطِ فَالْكَذِبُ يَنْتَفِي بِالْعَدَالَةِ، وَالْغَلَطُ يَنْتَفِي بِإِتْقَانِ الْمُعَايَنَةِ، وَالضَّبْطِ، وَالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ بِالْأَوَّلِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلشَّاهِدِ وَبِالثَّانِي يَحْصُلُ بِهِ الْبَقَاءُ، وَالدَّوَامُ، وَبِالثَّالِثِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْقَاضِي وَلِهَذَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهَا فِي الْإِخْبَارِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ مُطْلَقًا كَالرِّجَالِ وَلَكِنْ جَاءَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ كَيْ لَا يَكْثُرَ خُرُوجُهُنَّ وَنُقْصَانُ الضَّبْطِ بِزِيَادَةِ النِّسْيَانِ انْجَبَرَ بِضَمِّ أُخْرَى إلَيْهَا فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الشُّبْهَةُ وَهَذِهِ الْحُقُوقُ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ كَالْمَالِ بَلْ فَوْقَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْلِ وَكَذَا الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ، وَالْمَالُ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ وَأَيُّ شُبْهَةٍ أَقْوَى مِنْ الْهَزْلِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. قَالَ ﵀ (وَلِلْكُلِّ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ، وَالْعَدَالَةِ) أَيْ يُشْتَرَطُ لِجَمِيعِ مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ عَلَى مَا بَيَّنَّا لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ، وَالْعَدَالَةِ لِكَيْ تُقْبَلَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] فِي زَمَانِهِمَا وَبَعْدَهُمَا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا إلَّا الِاتِّبَاعُ. اهـ. فَتْحٌ [مَا يَشْتَرِط للشهادة فِي ثُبُوت الْوِلَادَة والبكارة وَعُيُوب النِّسَاء] (قَوْلُهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِ ثِنْتَانِ مِنْ النِّسَاءِ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَحُكْمُ شَهَادَتِهِنَّ فِي الْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ) قَالَ الْكَمَالُ وَأَمَّا حُكْمُ الْبَكَارَةِ، فَإِنْ شَهِدْنَ أَنَّهَا بِكْرٌ يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً فَإِذَا مَضَتْ فَقَالَ وَصَلْت إلَيْهَا وَأَنْكَرَتْ تُرَى النِّسَاءَ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ تُخَيَّرُ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ فُرِّقَ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا فُرِّقَ بِقَوْلِهِنَّ؛ لِأَنَّهَا تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ وَهِيَ مُوَافَقَةُ الْأَصْلِ إذْ الْبَكَارَةُ أَصْلٌ وَلَوْ لَمْ تَتَأَيَّدْ شَهَادَتُهُنَّ بِمُؤَيِّدٍ اُعْتُبِرَتْ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ لَا فِي إلْزَامِ الْخَصْمِ وَكَذَا فِي رَدِّ الْمَبِيعِ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي هِيَ ثَيِّبٌ يُرِيهَا النِّسَاءَ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ لَزِمَتْ الْمُشْتَرِيَ لِتَأَيُّدِ شَهَادَتِهِنَّ بِمُؤَيِّدٍ هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنْ قُلْنَ: ثَيِّبٌ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَسْخِ قَوِيٌّ وَشَهَادَتَهُنَّ ضَعِيفَةٌ وَلَمْ تَتَأَيَّدْ بِمُؤَيِّدٍ لَكِنْ يَثْبُتُ حَقُّ الْخُصُومَةِ وَيَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَائِعِ لَقَدْ سَلَّمَتْهَا بِحُكْمِ الْبَيْعِ وَهِيَ بِكْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا حَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْتهَا وَهِيَ بِكْرٌ، فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَزِمَتْ الْمُشْتَرِيَ اهـ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ: وَأَمَّا فِي حَقِّ الْإِرْثِ فَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ صَوْتُهُ مَسْمُوعٌ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ فَكَانَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَهُمَا يَقُولَانِ صَوْتُهُ يَقَعُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَعِنْدَهَا لَا تُحْضِرُ الرِّجَالَ فَصَارَ كَشَهَادَتِهِنَّ عَلَى نَفْسِ الْوِلَادَةِ وَبِقَوْلِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ أَرْجَحُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَتُقْبَلُ فِي الْوِلَادَةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْضًا) فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ شَهِدَ بِالْوِلَادَةِ رَجُلٌ بِأَنْ قَالَ: فَاجَأْتهَا فَاتَّفَقَ نَظَرِي إلَيْهَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ عَدْلًا وَلَوْ قَالَ تَعَمَّدْت النَّظَرَ لَا يُقْبَلُ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنْ قَالَ تَعَمَّدْت النَّظَرَ أَيْضًا تُقْبَلُ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اهـ كَيْ وَفَتْحٌ

стр. 1167

حَتَّى لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ نَاطِقَةٌ بِالِاسْتِشْهَادِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهَا غَيْرُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْيَمِينِ مُلَاحَظًا فِيهَا وَامْتِنَاعُهُ عَنْ الْكَذِبِ بِهَذَا اللَّفْظِ أَشَدُّ إذْ لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَوَامِرِ حَيْثُ لَا يُرَاعَى فِيهِ اللَّفْظُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْأَمْرُ بَلْ يَتَأَتَّى بِكُلِّ لَفْظٍ يُعْطِي ذَلِكَ الْمَعْنَى كَالتَّكْبِيرِ، وَالْأَيْمَانِ حَتَّى صَحَّ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ يَجُوزُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ وَلِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ إلْزَامَ الْحَاكِمِ الْحُكْمَ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُرَاعَى جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَالْعِرَاقِيُّونَ لَا يَشْتَرِطُونَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَيَجْعَلُونَهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَمَجْلِسِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْعَدَالَةُ هِيَ الْمُعَيِّنَةُ لِلصِّدْقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وَالْعَدْلُ هُوَ الْمَرَضِيُّ وَلِأَنَّ مَنْ يُبَاشِرُ غَيْرَ الْكَذِبِ مِنْ الْمَعَاصِي قَدْ يُبَاشِرُ الْكَذِبَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ تَتَرَجَّحُ جِهَةُ الصِّدْقِ وَهِيَ الِانْزِجَارُ عَمَّا يُعْتَقَدُ حُرْمَتُهُ، وَالْحُجَّةُ هُوَ الْخَبَرُ الصِّدْقُ وَلَا يَلْزَمُ حُجَّةٌ دُونَهَا وَهِيَ شَرْطُ لُزُومِ الْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ لَا شَرْطُ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ إذْ الْفَاسِقُ أَهْلٌ لِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَالسَّلْطَنَةِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ فِسْقَهُ أَوْجَبَ التَّوَقُّفَ فِي خَبَرِهِ لِتُهْمَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] أَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، وَالتَّثَبُّتِ لَا بِالرَّدِّ حَتَّى إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الشَّهَادَةِ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا كَانَ وَجِيهًا فِي النَّاسِ ذَا مُرُوءَةٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لِوَجَاهَتِهِ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِئْجَارِهِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلِمُرُوءَتِهِ يَمْتَنِعُ عَنْ الْكَذِبِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إكْرَامًا لَهُ قَالَ ﵊ «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي الْحُقُوقَ بِهِمْ» وَفِي حَقِّ الْفَاسِقِ أَمَرْنَا بِخِلَافِهِ قَالَ ﵊ «إذَا لَقِيت الْفَاسِقَ فَالْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ» وَمَنْ يَكُونُ مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ فَلَا مُرُوءَةَ لَهُ شَرْعًا فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ حَتْمًا عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ ﵀ (وَيَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ سِرًّا) وَعَلَانِيَةً فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْتَصِرُ عَلَى ظَاهِرِ عَدَالَةِ الْمُسْلِمِ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ الشَّاهِدِ حَتَّى يَطْعَنَ الْخَصْمُ فِيهِ، فَإِنْ طَعَنَ فِيهِ سَأَلَ عَنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا إلَّا فِي الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَطْعَنْ فِيهِ الْخَصْمُ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ» وَمِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَشْهَدُ لَهُ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الِانْزِجَارُ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ وَدِينَهُ يَمْنَعَانِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْقَبِيحِ فَاكْتَفَى بِالظَّاهِرِ لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ اسْتِحْقَاقٍ كَالشَّفِيعِ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِظَاهِرِ يَدِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُنَازِعٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى الْقَطْعِ لِخَفَائِهَا وَلَوْ زَكَّى فَالْمُزَكِّي يُخْبِرُ عَنْ عَدَالَتِهِ مُتَمَسِّكًا بِظَاهِرِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ أَقْصَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَالَتِهِ انْزِجَارُهُ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ وَاجْتِهَادُهُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَهِيَ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ السُّؤَالِ إلَّا إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْعَنُهُ كَاذِبًا ظَاهِرًا فَتَقَابَلَ الظَّاهِرَانِ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالِاسْتِقْصَاءِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُمَا يُدْرَآنِ بِالشُّبْهَةِ وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِمَا فَيُسْتَقْصَى فِيهِمَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ طَعْنِ خَصْمٍ رَجَاءَ أَنْ يَسْقُطَا وَلَهُمَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَنْبَنِي عَلَى الْحُجَّةِ وَلَا تَقَعُ الْحُجَّةُ إلَّا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْعَدَالَةُ قَبْلَ السُّؤَالِ ثَابِتَةٌ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ لَا تُقْبَلُ إلَخْ) وَثَالِثٌ وَهُوَ التَّفْسِيرُ حَتَّى لَوْ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ أَوْ مِثْلَ شَهَادَتِهِ لَا تُقْبَلُ وَكَذَا مِثْلُ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ عِنْدَ الْخَصَّافِ لِلِاحْتِمَالِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ هِيَ الْمُعِينَةُ لِلصِّدْقِ)، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ إخْبَارٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ عَلَى السَّوَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الْمَفْهُومِ فَبِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ صِدْقًا حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: إذْ الْفَاسِقُ أَهْلٌ لِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالسَّلْطَنَةِ) قَالَ الْكَمَالُ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ يَنْفُذُ عِنْدَنَا وَيَكُونُ الْقَاضِي عَاصِيًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا كَانَ وَجِيهًا فِي النَّاسِ إلَخْ) كَمُبَاشِرِي السُّلْطَانِ وَالْمَكَسَةِ وَغَيْرِهِمْ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ مُكْفَهِرٌّ) أَيْ شَدِيدُ الْعُبُوسَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِهِمَا اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ) أَيْ وَيُسْتَقْصَى دَرْءُ الْحَدِّ لِقَوْلِهِ ﵊ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ». اهـ. (قَوْلُهُ فَاكْتَفَى بِالظَّاهِرِ لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ إلَخْ) وَلِأَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنْ الشُّهُودِ بَلْ اكْتَفَوْا عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَنْهُمْ ابْنُ شُبْرُمَةَ فَدَلَّ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ عَدَالَةِ الْإِسْلَامِ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: كَالشَّفِيعِ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إلَخْ) أَمَّا لَوْ جَحَدَ الْمُشْتَرِي مِلْكِيَّتَهُ لِلدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا الشَّفِيعُ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْعَنُهُ كَاذِبًا ظَاهِرًا فَتَقَابَلَ الظَّاهِرَانِ) أَيْ وَهُمَا كَوْنُ الشَّاهِدِ الْمُسْلِمِ لَا يَكْذِبُ ظَاهِرًا فَكَذَلِكَ الْخَصْمُ مُسْلِمٌ لَا يَكْذِبُ فِي طَعْنِهِ ظَاهِرًا فَوَجَبَ السُّؤَالُ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الظَّاهِرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَهَذَا كَمُدَّعِي الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ حَيْثُ لَا يُلْزِمُهُ الْقَاضِي إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى مِلْكِ الدَّارِ فَإِذَا طَعَنَ الْخَصْمُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يُعْتَبَرُ لِلْإِلْزَامِ اهـ

стр. 1168

بِالظَّاهِرِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فَوَجَبَ التَّعَرُّفُ عَنْهَا صِيَانَةً لِقَضَائِهِ عَنْ الْبُطْلَانِ وَإِسْنَادِ الْحُكْمِ إلَى الْبُرْهَانِ وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَهُمْ نَاسٌ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ وَيَشْهَدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ»، وَالْآيَةُ الَّتِي تَلَوْنَا، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَا يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ وَهُمَا كَانَا فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ بَعْدَمَا تَغَيَّرَ أَحْوَالُ النَّاسِ وَظَهَرَتْ الْخِيَانَاتُ، وَالْكَذِبُ فَأَفْتَى كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا شَاهَدَ فِي زَمَانِهِ، وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي هَذَا الْعَصْرِ أَكْثَرُ ثُمَّ التَّعْدِيلُ فِي السِّرِّ أَنْ يَبْعَثَ الْمَسْتُورَةَ وَهِيَ الرُّقْعَةُ إلَى الْمُعَدِّلِ فِيهَا اسْمُ الشَّاهِدِ وَنَسَبُهُ وَحِلْيَتُهُ وَمَسْجِدُهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ وَمُحَلَّتُهُ وَسُوقُهُ إنْ كَانَ سُوقِيًّا فَيَسْأَلُ عَنْ جِيرَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، فَإِذَا عَرَفَهُمْ فَمَنْ عَرَفَهُ بِالْعَدَالَةِ يَكْتُبُ تَحْتَ اسْمِهِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي أَنَّهُ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ وَمَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ يَسْكُتُ وَلَا يَكْتُبُ احْتِرَازًا عَنْ الْهَتْكِ وَيَقُولُ اللَّهُ أَعْلَمُ. إلَّا إذَا عَدَّلَهُ غَيْرُهُ وَخَافَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُصَرِّحُ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ يَكْتُبُ تَحْتَ اسْمِهِ أَنَّهُ مَسْتُورٌ وَيَرُدُّ الْمُعَدِّلُ الْمَسْتُورَةَ سِرًّا كَيْ لَا يَظْهَرَ فَيُؤْذَى وَلَا بُدَّ فِي التَّعْدِيلِ فِي الْعَلَانِيَةِ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُعَدِّلِ، وَالشَّاهِدِ لِتَنْتَفِيَ شُبْهَةُ تَعْدِيلِ غَيْرِهِ عَنْ الْقَاضِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي قَبِيلَتِهِ مَنْ يُوَافِقُهُ فِي الِاسْمِ وَقَدْ كَانَتْ الْعَلَانِيَةُ وَحْدَهَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّوْكَةَ كَانَتْ لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الشَّرِّ وَيُكْتَفَى بِالسِّرِّ فِي زَمَانِنَا لِمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ، وَالْمَحْدُودَ فِي قَذْفٍ إذَا تَابَ يَكُونُ عَدْلًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ؛ لِأَنَّ مَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَانِنَا كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الْحُرِّيَّةَ، وَالْإِسْلَامَ وَلِهَذَا لَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ حُرِّيَّةِ الشَّاهِدِ وَإِسْلَامِهِ مَا لَمْ يُنَازِعْهُ الْخَصْمُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ أَنَّ النَّاسَ أَحْرَارٌ إلَّا فِي الشَّهَادَةِ، وَالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَالْعَقْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الْحُرِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَلْ يَسْأَلُ عَنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ بِالرِّقِّ، فَإِنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرٍ لَهُ أَنَّ النَّاسَ أَحْرَارٌ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَوَاضِعَ الشَّهَادَةُ، وَالْحُدُودُ، وَالْقِصَاصُ، وَالْعَقْلُ. فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الْحُرِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إنَّ الشَّاهِدَ عَبْدٌ أَوْ قَالَ الْقَاذِفُ: الْمَقْذُوفُ عَبْدٌ أَوْ قَالَ الشَّاجُّ: الْمَشْجُوجُ عَبْدٌ أَوْ قَالَتْ الْعَاقِلَةُ: الْقَاتِلُ عَبْدٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ وَلَا الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَا الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ حُرٌّ وَهِيَ نَظِيرُ الْعَدَالَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ فِيهِمْ بِكَوْنِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ فِيهِمْ، فَإِذَا طَعَنَ الْخَصْمُ سَأَلَ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ ﵀ (وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ لَا يَصِحُّ) ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا حُجَّةٌ وَبُرْهَانٌ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي زَمَانِ أَبِي حَنِيفَةَ الصَّلَاحُ بِخِلَافِ زَمَانِهِمَا وَمَا قِيلَ إنَّهُ أَفْتَى فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالصَّلَاحِ مِنْهُ ﷺ حَيْثُ قَالَ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» وَهُمَا أَفْتَيَا بِالْقَرْنِ الرَّابِعِ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ تُوُفِّيَ فِي عَامِ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَكَيْفَ أَفْتَى فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَقَوْلُهُ «خَيْرُ الْقُرُونِ» إلَخْ إثْبَاتُ الْخَيْرِيَّةِ بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّفَاوُتِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَانِ الْمُتَأَخِّرِ غَلَبَةُ الْفِسْقِ وَالظَّاهِرُ الَّذِي يَثْبُتُ بِالْغَالِبِ أَقْوَى مِنْ الظَّاهِرِ الَّذِي يَثْبُتُ بِظَاهِرِ حَالِ الْإِسْلَامِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّا مَا قَطَعْنَا بِغَلَبَةِ الْفِسْقِ وَقَدْ قَطَعْنَا بِأَنَّ مَنْ الْتَزَمَ الْإِسْلَامَ لَمْ يَجْتَنِبْ مَحَارِمَهُ وَلَمْ يَبْقَ مُجَرَّدُ الْتِزَامِ الْإِسْلَامِ مَظِنَّةً لِلْعَدَالَةِ فَكَانَ الظَّاهِرُ الثَّابِتُ بِالْغَالِبِ إلَى مُعَارِضٍ اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَهِيَ الرُّقْعَةُ إلَى الْمُعَدِّلِ) وَسُمِّيَتْ بِهَا لِسَتْرِهَا عَنْ نَظَرِ الْعَوَامّ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ فِي التَّعْدِيلِ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَصُورَةُ تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَجْمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ الْمُعَدِّلِ وَالشَّاهِدِ فَيَقُولَ الْمُعَدِّلُ لِلشَّاهِدِ الَّذِي عَدَّلَهُ هَذَا الَّذِي عَدَّلْته اهـ. (فَرْعٌ) إذَا شَهِدَ فَعُدِّلَ ثُمَّ شَهِدَ لَا يُسْتَعْدَلُ إلَّا إذَا طَالَتْ فَوَقَّتَ مُحَمَّدٌ شَهْرًا وَأَبُو يُوسُفَ سَنَةً ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَذَا قَالَ الْكَمَالُ ﵀ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَسَيَأْتِي هَذَا الْفَرْعُ اهـ (فَرْعٌ) لَوْ تَابَ الْفَاسِقُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ تَمْضِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَنَةٌ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا فَشَهِدَ بِالزُّورِ ثُمَّ تَابَ فَشَهِدَ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ مُدَّةٍ. اهـ. كَمَالٌ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الشَّهَادَةِ الْفَاسِقُ إذَا تَابَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمَانٌ تَظْهَرُ فِيهِ التَّوْبَةُ ثُمَّ بَعْضُهُمْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسَنَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَالْمُعَدِّلُ وَمَنْ اُتُّهِمَ بِالْفِسْقِ لَا تَبْطُلُ عَدَالَتُهُ وَالْمُعَدِّلُ إذَا قَالَ لِشَاهِدٍ هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْفِسْقِ لَا تَبْطُلُ عَدَالَتُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي قَبِيلَتِهِ مَنْ يُوَافِقُهُ فِي الِاسْمِ) أَيْ وَالنِّسْبَةِ وَالصِّفَةِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ هَذَا هُوَ الَّذِي عَدَّلْته قَطْعًا لِلشَّرِكَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَيُكْتَفَى بِالسِّرِّ فِي زَمَانِنَا لِمَا ذَكَرْنَا) أَوَّلُ مَنْ سُئِلَ فِي السِّرِّ الْقَاضِي شُرَيْحٌ فَقِيلَ لَهُ أَحْدَثْت يَا أَبَا أُمَيَّةَ فَقَالَ أَحْدَثْتُمْ فَأَحْدَثْنَا. اهـ. كِفَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّهُودَ يُقَابِلُونَ الْمُزَكِّيَ إذَا جَرَّحَهُمْ بِالْأَذَى وَتَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ الْعَدَاوَةُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ) وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ الشَّاهِدُ عَدْلًا وَلَا يَكُونُ الشَّاهِدُ عَدْلًا وَلَا يَكُونُ حُرًّا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ بِلَا طَعْنٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْخَصْمِ يَعْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا قَالَ فِي شُهُودِ الْمُدَّعِي هُمْ عُدُولٌ فَلَا تَقَعُ بِهِ التَّزْكِيَةُ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الْخَصْمَ كَاذِبٌ فِي إنْكَارِهِ مُبْطِلٌ فِي إصْرَارِهِ فَلَا يَصْلُحُ

стр. 1169

هَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَعْنِي تَعْدِيلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشُّهُودَ لَا يَصِحُّ وَمُرَادُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى السُّؤَالَ عَنْ الشُّهُودِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى السُّؤَالَ عَنْ الشُّهُودِ، وَنَظِيرُهُ الْمُزَارَعَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَرَاهَا وَمَعَ هَذَا فَرَّعَ عَلَيْهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ تَعْدِيلُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ زَعْمِ الْمُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ظَالِمٌ كَاذِبٌ فِي الْجُحُودِ فَتَزْكِيَةُ الْكَاذِبِ الْفَاسِقِ لَا تَصِحُّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ تَزْكِيَتَهُ تَجُوزُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ بِأَنْ كَانَ عَدْلًا لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ آخَرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ الْوَاحِدِ وَأَبُو يُوسُفَ يُجَوِّزُهُ عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ قَرِيبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا إذَا قَالَ: هُمْ عُدُولٌ لَكِنَّهُمْ أَخْطَئُوا أَوْ نَسُوا أَمَّا إذَا قَالَ: صَدَقُوا أَوْ هُمْ عُدُولٌ صَدَّقَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ الْحَقُّ لِإِقْرَارِهِ بِهِ وَلَوْ قَالَ: هُمْ عُدُولٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ عُدُولًا يُتَوَهَّمُ مِنْهُمْ النِّسْيَانُ، وَالْخَطَأُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَدْلًا أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ صَوَابًا قَالَ ﵀ (وَالْوَاحِدُ يَكْفِي لِلتَّزْكِيَةِ، وَالرِّسَالَةِ، وَالتَّرْجَمَةِ)؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا الْعَدَالَةُ حَتَّى يَجُوزَ تَزْكِيَةُ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْأَعْمَى، وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ؛ لِأَنَّ خَبَرَ هَؤُلَاءِ مَقْبُولٌ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ رِوَايَتَهُمْ فِي الْإِخْبَارِ مَقْبُولَةٌ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يُشْتَرَطُ فِي التَّزْكِيَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْعَدَدِ وَوَصْفِ الذُّكُورَةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الزِّنَا أَرْبَعَةٌ ذُكُورٌ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ رَجُلَانِ وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْحُقُوقِ يَجُوزُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَفِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ رَتَّبَهَا عَلَى مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ تَبْتَنِي عَلَى ظُهُورِ الْعَدَالَةِ وَهُوَ بِالتَّزْكِيَةِ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْإِخْبَارِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَلَا مَجْلِسُ الْحُكْمِ وَجَازَ تَزْكِيَةُ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَتَزْكِيَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ وَتَزْكِيَةِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ وَبِالْعَكْسِ وَاشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ الصِّدْقِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ بِالْعَدَالَةِ لَا بِالْعَدَدِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ حَتَّى قَالُوا فِيهَا لَا يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ مَا لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ لِلنَّصِّ فَبَقِيَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] مُعَدِّلًا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الْمُزَكِّي شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: هَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) أَيْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنْ يَسْأَلَ الْقَاضِيَ عَنْ الشُّهُودِ فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ حَيْثُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ثَمَّةَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إلَّا إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ وَمَعَ هَذَا إذَا سَأَلَ عَنْهُمْ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ لَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ حَتَّى يَسْأَلَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ تَعْدِيلَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ عَلَى الْكَمَالِ بَلْ هُوَ تَعْدِيلٌ مِنْ وَجْهٍ وَجَرْحٍ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا قَالَ الْخَصْمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ إلَى هُنَا لَفْظُ أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَغَيْرُهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهَذَا إذَا قَالَ هُمْ عُدُولٌ لَكِنَّهُمْ أَخْطَئُوا أَوْ نَسُوا أَمَّا إذَا قَالَ هُمْ عُدُولٌ صُدِّقُوا فِي شَهَادَتِهِمْ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ فَيُقْضَى عَلَيْهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ هُمْ عُدُولٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ شَهِدُوا عَلَيْك بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنْ قَالَ بِحَقٍّ فَهُوَ إقْرَارٌ، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ. اهـ. كَاكِيٌّ (فَرْعٌ) وَلَوْ جَرَّحَ الشُّهُودَ وَاحِدٌ وَعَدَّلَهُمْ اثْنَانِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ ثَبَتَتْ بِحُجَّةٍ رَاجِحَةٍ وَلَوْ جَرَّحَهُمْ اثْنَانِ وَعَدَّلَهُمْ ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ وَالْمُثَنَّى فِي الشَّهَادَةِ سَوَاءٌ فَاسْتَوَى الْمُعَدِّلُ وَالْجَارِحُ فَرُجِّحَ الْجَرْحُ؛ لِأَنَّ الْمُعَدِّلَ وَقَفَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ وَالْجَارِحَ وَقَفَ عَلَى الْبَاطِنِ وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُعَدِّلُ فَالْجَارِحَانِ يُثْبِتَانِ شَيْئًا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُعَدِّلُونَ وَالشَّهَادَةُ لِلْإِثْبَاتِ اهـ مِنْ الْوَاقِعَاتِ لِحُسَامِ الدِّينِ الْبُخَارِيِّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي لِلتَّزْكِيَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالتَّرْجَمَةِ) قَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى وَالتُّرْجُمَانُ إذَا كَانَ أَعْمَى فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ. اهـ. غَايَةٌ وَقَالَ الْكَمَالُ فِي بَابِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى وَيُقْبَلُ أَيْ الْأَعْمَى فِي التَّرْجَمَةِ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِالسَّمَاعِ وَقَدْ كَتَبْت عِبَارَتَهُ بِكَمَالِهَا هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَجُوزَ تَزْكِيَةُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ) قَالَ الْكَمَالُ وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالْمَحْدُودُ إذَا كَانُوا عُدُولًا وَلَا يَجُوزُ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ إلَّا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إلَّا لَفْظُ الشَّهَادَةِ فَقَطْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُشْتَرَطُ فِي التَّزْكِيَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَمَّا ظَهَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارُ التَّزْكِيَةِ بِالشَّهَادَةِ فِي حَقِّ الْعَدَدِ قَالَ الْمَشَايِخُ فَيَجِبُ عِنْدَهُ اشْتِرَاطُ أَرْبَعَةٍ مِنْ الْمُزَكِّينَ فِي شُهُودِ الزِّنَا اهـ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ لِحُسَامِ الدِّينِ رَجُلٌ صَحِبَ رَجُلًا فِي حَضَرِهِ وَسَفَرِهِ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحَ وَالْخَيْرَ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُزَكِّيَهُ مَا لَمْ يَصْحَبْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ سَنَةً وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَسَعُهُ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنْ عَرَفَهُ بِالْعَدَالَةِ عَدَّلَهُ، وَإِنْ عَرَفَهُ ثُمَّ تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ بِتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ وَحَدُّ التَّطَاوُلِ سَنَةٌ أَوْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ) أَيْ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْحُرِّيَّةُ وَالْعَدَالَةُ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَجَازَ تَزْكِيَةُ إلَخْ) أَيْ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَتَعْدِيلُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ وَالِابْنِ لِلْأَبِ فِي السِّرِّ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِتَعْدِيلِ السِّرِّ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ اهـ وَقَالَ الشَّارِحُ ﵀ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ اهـ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ شَرَطَ الْخَصَّافُ أَنْ

стр. 1170

مَا وَرَاءَهَا عَلَى الْأَصْلِ وَفِي الْمُحِيطِ أَجَازَ تَزْكِيَةَ الصَّبِيِّ وَقَالُوا: تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ وَعَدَدُ الشَّهَادَةِ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْحَدِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمُرَادُ بِالرِّسَالَةِ، وَالتَّرْجَمَةِ رَسُولُ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكِّي، وَالْمُتَرْجِمِ عَنْ الشُّهُودِ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَالْمَعْنَى مَا بَيَّنَّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالْأَحْوَطُ فِي الْكُلِّ اثْنَانِ. وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ فِي الْمُسَاءَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ مَنْ هُوَ أَخْبَرُ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ اخْتِلَاطًا بِالنَّاسِ مَعَ عَدَالَتِهِ عَارِفًا بِمَا يَكُونُ جَرْحًا وَمَا لَا يَكُونُ جَرْحًا غَيْرَ طَمَّاعٍ وَلَا فَقِيرٍ كَيْ لَا يُخْدَعَ بِالْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جِيرَانِهِ وَلَا أَهْلِ سُوقِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ سَأَلَ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِيهِمْ ثِقَةً اعْتَبَرَ فِيهِمْ تَوَاتُرَ الْإِخْبَارِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ، وَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا جَمِيعُ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَالْبَصَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ سِوَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِيهَا أَظْهَرُ، فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَ أَوْ رَأَى فِي مِثْلِ الْبَيْعِ، وَالْإِقْرَارِ وَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَالْغَصْبِ، وَالْقَتْلِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي كُلِّ مَا يَتِمُّ بِنَفْسِهِ إذَا عَايَنَ السَّبَبَ كَالْبَيْعِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذْ ادَّعَى إلَيْهِ لِمَا تَلَوْنَا وَرَوَيْنَا وَهَذَا لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا هُوَ الْمُوجِبُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ الشَّرْطُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» وَيَقُولُ أَشْهَدُ بِأَنَّهُ بَاعَ أَوْ أَقَرَّ؛ لِأَنَّهُ عَايَنَ السَّبَبَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِهِ كَمَا عَايَنَ وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِالْعَقْدِ فَظَاهِرٌ، وَإِذَا كَانَ بِالتَّعَاطِي فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَقَدْ وُجِدَ وَقِيلَ لَا يَشْهَدُونَ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ يَشْهَدُونَ عَلَى الْأَخْذِ، وَالْإِعْطَاءِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حُكْمِيٌّ وَلَيْسَ بِبَيْعٍ حَقِيقِيٍّ وَلَا يَقُولُ أَشْهَدَنِي إلَّا إذَا أَشْهَدَهُ كَيْ لَا يَكُونَ كَاذِبًا وَكَذَا فِي الْإِقْرَارِ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ بِكَذَا لِفُلَانٍ وَلَا يَقُولُ أَشْهَدَنِي لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ سَمِعَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] يَكُونَ الْمُزَكِّي فِي الْعَلَانِيَةِ غَيْرَ الْمُزَكِّي فِي السِّرِّ أَمَّا عِنْدَنَا فَاَلَّذِي يُزَكِّيهِمْ فِي السِّرِّ يُزَكِّيهِمْ فِي الْعَلَانِيَةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَقَالُوا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ وَعَدَدُ الشَّهَادَةِ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْحَدِّ بِالْإِجْمَاعِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي الْمُزَكِّي فِي الْحُدُودِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا فِي الْقِصَاصِ ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَلِفِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي بَابِ مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ فِي الْمُخْتَلِفِ وَالْحَصْرِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ بَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي الْمُزَكِّي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا اهـ وَقَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ الْمَحْكِيِّ فِيهِ الْإِجْمَاعُ كَمَا ذُكِرَ عَنْ الْمُخْتَلِفِ إنَّمَا هُوَ الذُّكُورَةُ، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَمُخْتَلِفُ الرِّوَايَةِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ نَفْسُهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالرِّسَالَةِ وَالتَّرْجَمَةِ رَسُولُ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكِّي) الظَّاهِرُ أَيْ الْمُزَكِّي يَنْظُرُ فِي الْأَكْمَلِ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا كَانَ رَسُولُ الْقَاضِي الَّذِي يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ وَاحِدًا جَازَ وَالِاثْنَانِ أَفْضَلُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ إلَّا اثْنَانِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَرَادُوا بِالرَّسُولِ الْمُزَكِّيَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُتَرْجِمُ عَنْ الشَّاهِدِ وَرَسُولُ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكِّي وَرَسُولُ الْمُزَكِّي إلَى الْقَاضِي يُخْبِرُهُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ اهـ وَقَالَ الْكَمَالُ وَالْمُرَادُ مِنْ رَسُولِ الْقَاضِي الْمُزَكِّي وَهُوَ الْمَسْئُولُ مِنْهُ عَنْ الشُّهُودِ فَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْلَهُ الَّذِي يُسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ فِي التَّزْكِيَةِ وَكَذَا فِي الرِّسَالَةِ إلَيْهِ وَالرِّسَالَةِ مِنْهُ إلَى الْقَاضِي وَكَذَا فِي التَّرْجَمَةِ عَنْ الشَّاهِدِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا جَمِيعُ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ) قَالَ الْكَمَالُ فَهَذَا الْخِلَافُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ فَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ فَيُشْتَرَطُ الْعَدَدُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِي مَسَائِلِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الْخِلَافُ فِي عَدَدِ الْمُزَكِّي فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ وَأَمَّا فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ فَشُرِطَ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ قَالَ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِي التَّرْجَمَةِ شَرْطٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ وَمَا يَتَحَمَّلُهُ عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ أَيْ يَكُونُ هُوَ تَمَامَ السَّبَبِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ قَوْلًا كَانَ مِثْلَ الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ وَحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ فِعْلًا كَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ، فَإِذَا سَمِعَ الشَّاهِدُ الْقَوْلَ كَأَنْ سَمِعَ قَاضِيًا يُشْهِدُ جَمَاعَةً عَلَى حُكْمِهِ أَوْ رَأَى الْفِعْلَ كَالْقَتْلِ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ فَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ بَاعَ أَشْهَدُ أَنَّهُ قَضَى فَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُعَاطَاةً فَفِي الذَّخِيرَةِ يَشْهَدُونَ عَلَى الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَقِيلَ يَشْهَدُونَ بِالْبَيْعِ كَالْقَوْلِ ثُمَّ قَالَ الْكَمَالُ وَمِنْهُ مَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِذَا سَمِعَ شَاهِدًا يَشْهَدُ بِشَيْءٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ إلَّا أَنْ يُشْهِدَهُ ذَلِكَ الشَّاهِدُ عَلَى شَهَادَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالنَّقْلِ إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِنَابَةِ وَالتَّحْمِيلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الشَّرْطُ) أَيْ الْعِلْمُ الْمُوجِبُ هُوَ رُكْنُ الْمُسَوِّغِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِمُسَوِّغِ الْأَدَاءِ سِوَاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] بَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْعِلْمِ وَقَدْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ وَالسَّمَاعِ فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ) فَأَمَرَ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْعِلْمِ يَقِينًا فَعَنْ هَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ لَا تَشْهَدْ عَلَيَّ بِمَا تَسْمَعُهُ مِنِّي ثُمَّ قَالَ بِحَضْرَتِهِ لِرَجُلٍ بَقِيَ لَك عَلَيَّ كَذَا أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَفِي الْخُلَاصَةِ اشْتَرَى عَبْدًا وَادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ عَيْبًا بِهِ فَلَمْ يُثْبِتْهُ فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَيْهِ هَذَا الْعَيْبَ فَأَنْكَرَ فَاَلَّذِينَ سَمِعُوا مِنْهُ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى الْعَيْبِ فِي الْحَالِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يَقُولُ أَشْهَدَنِي إلَّا إذَا أَشْهَدَهُ كَيْ لَا يَكُونَ كَاذِبًا)

стр. 1171

لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إذْ النَّغْمَةُ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ إلَّا إذَا كَانَ فِي الدَّاخِلِ وَحْدَهُ وَعَلِمَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْمِلْكِ وَلَيْسَ لَهُ مِلْكٌ غَيْرُهُ فَسَمِعَ إقْرَارَ الدَّاخِلِ وَلَا يَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا فُسِّرَ لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ؛ لِأَنَّ النَّغْمَةَ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ الشَّهَادَةِ الْقَبُولُ عِنْدَ التَّفْسِيرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّسَامُعِ تَجُوزُ فِي أَشْيَاءَ ثُمَّ عِنْدَ التَّفْسِيرِ لَا تُقْبَلُ وَقَالُوا: إذَا سَمِعَ صَوْتَ امْرَأَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا إذَا كَانَ يَرَى شَخْصَهَا وَقْتَ الْإِقْرَارِ. قَالَ ﵀ (وَلَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا بِنَفْسِهِ وَلَا تَصِيرُ حُجَّةً إلَّا بِالنَّقْلِ إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْأُصُولِ فَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَهُ حُجَّةً إلَّا بِأَمْرِهِ فَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ إلَّا بِالتَّحْمِيلِ، وَكَذَا إذَا سَمِعَهُ يُشْهِدُ غَيْرَهُ عَلَى شَهَادَتِهِ لَا يَسَعُ السَّامِعَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ، وَإِنَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ سَمِعَ شَخْصًا يُوَكِّلُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِلسَّامِعِ أَنْ يَتَصَرَّفَ مَا لَمْ يُوَكِّلْهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِهِ قَالَ ﵀ (وَلَا يَعْمَلُ شَاهِدٌ وَقَاضٍ وَرَاوٍ بِالْخَطِّ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوا) أَيْ لَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ إذَا رَأَى خَطَّهُ أَنْ يَشْهَدَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ الشَّهَادَةَ وَلَا لِلْقَاضِي إذَا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ مَكْتُوبًا شَهَادَةُ شُهُودٍ وَلَا يَحْفَظُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِذَلِكَ أَوْ قَضِيَّةٍ قَضَاهَا أَنْ يَحْكُمَ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ وَلَا أَنْ يُمْضِيَ تِلْكَ الْقَضِيَّةَ وَلَا لِلرَّاوِي إذَا وَجَدَ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى فُلَانٍ وَنَحْوِهِ أَنْ يَرْوِيَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ الشَّهَادَةَ أَوْ الْقَضِيَّةَ أَوْ الرِّوَايَةَ وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَوَجْهُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ» شُرِطَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَلَا يُتَصَوَّرُ الْعِلْمُ بِدُونِ تَذَكُّرِ الْوَاقِعَةِ وَلِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مُزَوَّرٌ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْكِتَابِ أَنْ يَتَذَكَّرَ إذَا نَظَرَ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَفْدِ لِلْقَلْبِ التَّذَكُّرُ صَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْمَلَ بِالْكِتَابِ إنْ تَيَقَّنَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ الْوَاقِعَةَ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَجُوزُ لِلرَّاوِي أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ وَكَذَا لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّهَادَةِ وَأَنْ يُمْضِيَ الْقَضَاءَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِرُؤْيَةِ خَطِّهِ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِ كُلِّ حَادِثَةٍ وَلِهَذَا يَكْتُبُ كُلَّ حَادِثَةٍ فَلَوْ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا يَجِدُهُ فِي قِمْطَرِهِ لَتَعَطَّلَ أَحْوَالُ النَّاسِ وَلِأَنَّ سِجِلَّهُ فِي قِمْطَرِهِ وَهُوَ فِي يَدِهِ تَحْتَ خَتْمِهِ فَيُؤْمَنُ مِنْ التَّبْدِيلِ، وَالتَّزْوِيرِ وَكِتَابَةُ الرُّوَاةِ تَكُونُ فِي أَيْدِيهِمْ فَيُؤْمَنُ التَّزْوِيرُ أَيْضًا بِخِلَافِ كِتَابَةِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْكَاذِبِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا فُسِّرَ لَهُ) أَيْ بِأَنْ قَالَ: إنِّي أَشْهَدُ بِالسَّمَاعِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالُوا إذَا سَمِعَ إلَخْ) رَجُلَانِ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِ امْرَأَةٍ لِرَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَشَهِدَا أَنَّ رَجُلَيْنِ سِوَاهُمَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ أَشْهَدَاهُمَا أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا أُجِيزُ ذَلِكَ وَذَكَرَ فِي الْعُيُونِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَ الشَّاهِدِ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إذَا سَمِعُوا صَوْتَ امْرَأَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَوْ رَأَوْا شَخْصَهَا وَشَهِدَ عِنْدَهُمْ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى إقْرَارِهَا، وَإِنْ لَمْ يَرَوْا وَجْهَهَا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَرَوْا شَخْصَهَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى إقْرَارِهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَذَكَرَ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى أَنَّ ابْنًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ دَخَلَ عَلَى أَبِي سُلَيْمِ بْنِ الْجُوزَجَانِيِّ فَسَأَلَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا فُلَانَةُ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ يَقُولَانِ يَجُوزُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. قَاضِي خَانْ ﵀ (قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا إذَا كَانَ يَرَى شَخْصَهَا وَقْتَ الْإِقْرَارِ) شُرِطَ فِي شَهَادَةِ النَّوَازِلِ رُؤْيَةُ شَخْصِهَا دُونَ وَجْهِهَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ) قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ قَالَ أَشْهَدَنِي فُلَانٌ عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى يَقُولَ اشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَأَصْلُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ تَحْمِيلٌ وَتَوْكِيلٌ فَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَحْمِيلٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا يَسَعُ السَّامِعَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ) وَهُوَ بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا أَشْهَدَ عَلَى قَضِيَّةٍ وَسَمِعَ بِذَلِكَ آخَرُونَ وَسِعَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَاشِيَةِ بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا أَشْهَدَ إلَخْ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَاكِيُّ ﵀ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَمِعَ قَاضِيًا يُشْهِدُ قَوْمًا عَلَى قَضَائِهِ كَانَ لِلسَّامِعِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى قَضَائِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ وَمَنْ عَايَنَ حُجَّةً حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهَا كَمَا لَوْ عَايَنَ الْإِقْرَارَ وَالْبَيْعَ أَمَّا الشَّهَادَةُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي غَيْرُ مُلْزِمَةٍ كَذَا قَالَهُ قَاضِي خَانْ وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ اهـ. (قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ إذَا رَأَى خَطَّهُ أَنْ يَشْهَدَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ الشَّهَادَةَ) أَيْ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَجَزَمَ أَنَّهُ خَطُّهُ لَا يَشْهَدُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَزْمَ لَيْسَ بِجَزْمٍ بَلْ تَخَيُّلُ الْجَزْمِ؛ لِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا هُوَ وَلَا فِي شَرْحِهِ لِلْأَقْطَعِ وَكَذَا الْخَصَّافُ ذَكَرَهَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْمَلَ بِالْكِتَابِ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّكُّ مُسْتَوْدَعًا لَمْ تَتَدَاوَلُهُ الْأَيْدِي وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ صَاحِبِهِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَتَبَ اسْمَهُ وَوَضَعَ خَاتَمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ اهـ

стр. 1172

الصَّكَّ يَكُونُ فِي يَدِ الْخُصُومِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ التَّبْدِيلِ وَلَوْ نَسِيَ الْقَاضِي قَضَاءَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِجِلٌّ فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا فَعَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُعْتَمَدُ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ قَوْمٌ يَثِقُ بِهِمْ أَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ وَعَلَى هَذَا لَوْ سَمِعَ حَدِيثًا مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ نَسِيَ رَاوِي الْأَصْلِ فَسَمِعَهُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَعْتَمِدُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ ذَلِكَ فِي الْكُلِّ وَلَوْ تَذَكَّرَ مَجْلِسَ الشَّهَادَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ قَالَ ﵀ (وَلَا يَشْهَدُ بِمَا لَمْ يُعَايِنْهُ إلَّا فِي النَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالنِّكَاحِ، وَالدُّخُولِ وَوِلَايَةِ الْقَاضِي وَأَصْلِ الْوَقْفِ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا إذَا أَخْبَرَهُ بِهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ)، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِعِلْمٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْعِلْمُ إلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ، وَالْعِيَانِ أَوْ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَالِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ النِّكَاحِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالتَّسَامُعِ، وَالْحُكْمُ يَجِبُ بِمَا تَجِبُ بِهِ الشَّهَادَةُ وَلِهَذَا لَوْ فُسِّرَ لِلْقَاضِي لَا يَقْبَلُهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَخْتَصُّ بِمُعَايَنَةِ أَسْبَابِهَا خَوَاصٌّ مِنْ النَّاسِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ تَبْقَى عَلَى انْقِضَاءِ الْقُرُونِ وَانْقِرَاضِ الْأَعْصَارِ فَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ فِيهَا بِالتَّسَامُعِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ وَتَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ وَلِأَنَّ الْأَسْبَابَ يَقْتَرِنُ بِهَا مَا تَشْتَهِرُ بِهِ، فَإِنَّ النَّسَبَ يَشْتَهِرُ بِالتَّهْنِئَةِ وَنِسْبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى الْآخَرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبَاتِ، وَالْمُنَادَاةِ، وَالْمَوْتِ بِالتَّعْزِيَةِ وَقِسْمَةِ التَّرِكَاتِ وَانْدِرَاسِ الْآثَارِ، وَالنِّكَاحِ بِالشُّهُودِ، وَالْوَلَائِمِ، وَالدُّخُولِ بِتَعَلُّقِ أَحْكَامٍ مَشْهُورَةٍ مِنْ الْمَهْرِ، وَالنَّسَبِ، وَالْعِدَّةِ وَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ، وَالْقَضَاءِ بِقِرَاءَةِ الْمَنْشُورِ وَاخْتِلَافِ الْخُصُومِ إلَيْهِ وَازْدِحَامِهِمْ عَلَيْهِ فَنُزِّلَتْ الشُّهْرَةُ فِيهَا مَنْزِلَةَ الْعِيَانِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُشَاهَدَةُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالْإِجَارَةِ وَأَمْثَالِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِمُشَاهَدَةِ أَسْبَابِهَا الْخَوَاصُّ مِنْ النَّاسِ بَلْ يَحْضُرُهُ الْخَاصُّ، وَالْعَامُّ. وَبِهِ جَرَتْ الْعَادَةُ وَلِأَنَّ النَّاسَ قَاطِبَةً مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالشُّهْرَةِ أَلَا تَرَى أَنَّا نَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ وَدَخَلَ بِهَا وَشُرَيْحًا كَانَ قَاضِيًا وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَزَوَّجَ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَوْ تَعَلَّقَتْ بِحَقِيقَةِ عِلْمِ النَّسَبِ أَدَّى إلَى عَدَمِ الشَّهَادَةِ بِهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ سَبَبَ النَّسَبِ الْعُلُوقُ وَلَا عِلْمَ لِلْبَشَرِ فِيهِ وَسَبَبُ الْقَضَاءِ التَّوْلِيَةُ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا الْوَزِيرُ وَأَمْثَالُهُ وَكَذَا الدُّخُولُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الزَّوْجَانِ فَاكْتَفَى فِي الْكُلِّ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ ثُمَّ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَذِهِ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِإِخْبَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَإِذَا رَأَى امْرَأَةً يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَيَنْبَسِطَانِ انْبِسَاطَ الْأَزْوَاجِ وَسَمِعَ مِنْ النَّاسِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ عَقْدَ النِّكَاحِ وَكَذَا إذَا رَأَى شَخْصًا جَالِسًا مَجْلِسَ الْحُكْمِ يَفْصِلُ الْخُصُومَاتِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ قَاضٍ قَالُوا وَفِي الْإِخْبَارِ يُشْتَرَطُ أَنْ يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَهُوَ عُدُولٌ لِيَحْصُلَ لَهُ نَوْعُ عِلْمٍ أَوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ وَقِيلَ فِي الْمَوْتِ يُكْتَفَى بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ عَدْلٍ أَوْ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا وَاحِدٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِخْبَارِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ فَكَذَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ. وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَوْتَ إلَّا شَخْصٌ وَاحِدٌ وَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَجُلًا عَدْلًا ثُمَّ يَشْهَدَانِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ حَضَرَ دَفْنَهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَلَوْ نَسِيَ الْقَاضِي قَضَاءَهُ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَوْ نَسِيَ الْقَاضِي قَضَاءَهُ وَلَا سِجِلَّ لَهُ فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّك قَضَيْت بِكَذَا لِهَذَا عَلَى فُلَانٍ، فَإِنْ تَذَكَّرَ أَمْضَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَقْضِي بِذَلِكَ وَقِيلَ وَأَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْتَمَدُ وَيَقْضِي بِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ تَذَكَّرَ مَجْلِسَ الشَّهَادَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ) بِالِاتِّفَاقِ وَقِيلَ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَا يَشْهَدُ بِمَا لَمْ يُعَايِنْهُ) أَيْ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُعَايَنَةِ بِالْعَيْنِ أَوْ السَّمَاعِ اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا إذَا أَخْبَرَهُ بِهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ) مِنْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ وَذَلِكَ بِالْعِلْمِ وَلَمْ يَحْصُلْ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وَاسْمُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي آخِرِ بَابِ الْأَوْلِيَاءِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ اهـ وَقَوْلُهُ بِنْتُ عَلِيٍّ أَيْ مِنْ فَاطِمَةَ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي الْمَوْتِ يَكْتَفِي بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ عَدْلٍ أَوْ وَاحِدَةٍ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ فِي نِكَاحِ فَتَاوَاهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَوْتَ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ لَا يَكْتَفِي فِيهِ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْكَمَالُ وَقِيلَ فِي الْمَوْتِ يَكْتَفِي بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ عَدْلٍ أَوْ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ فَقَوْلُهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْأَتْقَانِيُّ مِنْ التَّصْحِيحِ اهـ وَقَوْلُهُ: يَكْتَفِي بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ عَدْلٍ أَوْ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يُشَاهِدُ غَيْرُ الْوَاحِدِ إذْ الْإِنْسَانُ يَهَابُهُ وَيَكْرَهُهُ فَيَكُونُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ بَعْضُ الْحَرَجِ وَلَا كَذَلِكَ النَّسَبُ وَالنِّكَاحُ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِخْبَارِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ) قَالَ الْكَمَالُ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْإِخْبَارِ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ وَفِي الْمَوْتِ إذَا قُلْنَا يَكْفِي الْوَاحِدُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَوْتَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ فَإِذَا رَآهُ وَاحِدٌ عَدْلٌ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِذَلِكَ وَهُوَ عَدْلٌ أَخْبَرَ غَيْرَهُ ثُمَّ يَشْهَدَانِ بِمَوْتِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الْمُخْبِرُ أَنَّهُ شَهِدَ مَوْتَهُ أَوْ جِنَازَتَهُ وَدَفْنَهُ حَتَّى يَشْهَدَ الْآخَرُ مَعَهُ وَكَذَا لَوْ جَاءَ خَبَرُ مَوْتِ رَجُلٍ وَصَنَعَ أَهْلُهُ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى لَمْ يَسَعْ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِهِ إلَّا إنْ شَهِدَ مَوْتَهُ أَوْ سَمِعَ مِمَّنْ شَهِدَ بِذَلِكَ اهـ

стр. 1173

فَهُوَ مُعَايَنَةٌ وَقَوْلُهُ وَأَصْلُ الْوَقْفِ يُحْتَرَزُ بِهِ مِنْ شَرَائِطِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ هُوَ الَّذِي يُشْتَهَرُ دُونَ شَرَائِطِهِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا بِالتَّسَامُعِ وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ ﵀ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْجِهَةِ بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ أَوْ الْفَقِيرِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَذْكُرُوا فِي شَهَادَتِهِمْ الْجِهَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ثُمَّ قَصْرُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَنْفِي اعْتِبَارَ التَّسَامُعِ فِي الْوَلَاءِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْوَلَاءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ» وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَلَاءِ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالنَّسَبِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ بِالتَّسَامُعِ لَتَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْعِتْقَ يَنْبَنِي عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُعَايَنَةِ فَكَذَا مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْعِتْقِ لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِيهِ أَيْضًا ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَسِّرَ أَنَّهُ يَشْهَدَ بِالتَّسَامُعِ فَلَوْ فَسَّرَ لَا يَقْبَلُهُ كَمُعَايَنَةِ شَيْءٍ فِي يَدِ إنْسَانٍ يُطْلَقُ لَهُ الشَّهَادَةُ، وَإِذَا فُسِّرَ لَا تُقْبَلُ قَالَ ﵀ (وَمَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ سِوَى الرَّقِيقِ لَك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ)؛ لِأَنَّ الْيَدَ بِلَا مُنَازِعٍ أَقْصَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمِلْكِ إذْ لَا دَلِيلَ بِمَعْرِفَةِ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ سِوَى الْيَدِ بِلَا مُنَازِعٍ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُعَايِنَ أَسْبَابَ الْمِلْكِ مِنْ الشِّرَاءِ وَغَيْرِهِ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْمُمَلَّكَ ثَبَتَ مِلْكُهُ بِالْيَدِ بِلَا مُنَازِعٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا صَحَّ التَّمْلِيكُ مِنْهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَثَبَتَ بِهَذَا أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمِلْكِ سِوَى الْيَدِ فَكَانَ مُعْتَمَدُ الشَّاهِدِ الْيَدَ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَمَنْعُهُ الشَّهَادَةَ بِالْيَدِ يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِهَا إذْ لَا دَلِيلَ لِلشَّاهِدِ سِوَى الْيَدِ، وَبَابُهَا مَفْتُوحٌ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فَمَا يُؤَدِّي إلَى انْتِفَائِهَا فَهُوَ الْمُنْتَفِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ نَوْعُ عِلْمٍ أَوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِلَا عِلْمٍ لَا تَجُوزُ لِمَا تَلَوْنَا وَرَوَيْنَا وَلِهَذَا قِيلَ لَوْ رَأَى دُرَّةً ثَمِينَةً فِي يَدِ كَنَّاسٍ أَوْ كِتَابًا فِي يَدِ جَاهِلٍ وَلَيْسَ فِي آبَائِهِ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ قَالُوا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ ﵀ بِقَوْلِهِ وَسِعَك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ دَلِيلُ الْمِلْكِ الْيَدُ مَعَ التَّصَرُّفِ وَبِهِ قَالَ الْخَصَّافُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُتَنَوِّعَةٌ إلَى مِلْكٍ الْوَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَإِجَارَةٍ وَرَهْنٍ فَلَا يَمْتَازُ إلَّا بِالتَّصَرُّفِ قُلْنَا التَّصَرُّفُ أَيْضًا مُتَنَوِّعٌ إلَى وَكَالَةٍ وَأَصَالَةٍ. وَشَرَطَ النَّسَفِيُّ التَّصَرُّفَ مَعَ الْيَدِ وَأَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّهَادَةِ الْإِحَاطَةُ، وَالتَّيَقُّنُ لِمَا بَيَّنَّا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ مُتَعَذِّرٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ غَايَةُ مَا يُمْكِنُ وَهُوَ الْيَدُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ حَقِيقَةً، وَإِنْ رَآهُ يَشْتَرِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْلِكُهُ فَيَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْيَدِ تَيْسِيرًا إذْ الْأَصْلُ أَنْ تَكُونَ الْأَمْلَاكُ فِي يَدِ مُلَّاكِهَا، وَكَيْنُونَتُهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ عَارِضٌ فَرَجَّحْنَا بِالْأَصْلِ وَلِهَذَا يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالْيَدِ قَضَاءَ تَرْكٍ ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يُعَايِنَ الْمَالِكَ، وَالْمِلْكَ بِأَنْ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ وَأَصْلُ الْوَقْفِ) قَبُولُ شَهَادَةِ التَّسَامُعِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: يُحْتَرَزُ بِهِ مِنْ شَرَائِطِهِ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَيْسَ مَعْنَى الشُّرُوطِ أَنْ يُبَيِّنُوا الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ بَلْ أَنْ يَقُولَ يُبْدَأُ مِنْ غَلَّتِهَا بِكَذَا لِكَذَا وَالْبَاقِي كَذَا وَكَذَا وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا وَقْفٌ عَلَى كَذَا وَلَمْ يُبَيِّنُوا الْوَاقِفَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ وَنُصَّ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ظَهِيرِ الدِّينِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ قَدِيمًا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَاقِفِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ سِوَى الرَّقِيقِ لَك أَنْ تَشْهَدَ إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي فَصْلٍ فِي الشَّاهِدِ يَشْهَدُ بَعْدَمَا أَخْبَرَ بِزَوَالِ الْحَقِّ وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا رَأَيْت فِي يَدِ رَجُلٍ مَتَاعًا أَوْ دَارًا وَوَقَعَ فِي قَلْبِك أَنَّهُ لَهُ ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَسِعَك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِك حِينَ رَأَيْته أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ لَمْ يَسَعْ أَنْ تَشْهَدَ لَهُ بِرُؤْيَتِك إيَّاهُ فِي يَدِهِ، وَإِنْ رَأَيْته فِي يَدِهِ فَوَقَعَ فِي قَلْبِك أَنَّهُ لَهُ ثُمَّ رَأَيْته فِي يَدِ غَيْرِهِ فَأَرَدْت أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ فَشَهِدَ عِنْدَك شَاهِدَا عَدْلٍ أَنَّهُ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيَوْمَ كَانَ هُوَ أَوْدَعَهُ لِلْأَوَّلِ بِحَضْرَتِهِمَا لَمْ يَسَعْك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ شَهِدَ بِهِ عَدْلٌ وَاحِدٌ وَسِعَك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ قَالَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَوَّلِ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ بِهِ عَدْلٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا يَزُولُ مَا كَانَ فِي قَلْبِك أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَمْتَنِعَ عَنْ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِك أَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ صَادِقٌ فَإِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِك ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إذَا رَأَى شَيْئًا فِي يَدِ إنْسَانٍ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّهُ لَهُ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا رَأَى مَتَاعًا أَوْ دَارًا فِي يَدِ إنْسَانٍ ثُمَّ رَآهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّصَرُّفَ مَعَ الْيَدِ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُحْتَمَلَةٌ وَكَذَا التَّصَرُّفُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ مَا لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى: وَإِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي دَارًا وَشَهِدَ شُهُودُهُ أَنَّ فُلَانًا وَهَبَهَا لَهُ وَقَبَضَهَا أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى أَنْ يَقُولَا بَاعَ وَهُوَ يَمْلِكُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ بِقَبْضِ الْمُدَّعِي الدَّارَ مِنْ الْوَاهِبِ وَالْبَائِعِ شَهَادَةٌ مِنْهُمْ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ فِي يَدِ الْوَاهِبِ وَالْبَائِعِ فِيمَا مَضَى وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ فُلَانًا وَهَبَ الدَّارَ مِنْ الْمُدَّعِي وَالدَّارُ كَانَتْ فِي يَدِهِ يَوْمَ الْهِبَةِ أَوْ بَاعَ وَالدَّارُ كَانَتْ فِي يَدِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَيُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْمِلْكِ لِلْوَاهِبِ وَالْبَائِعِ نَصًّا فَقَدْ شَهِدُوا لَهُ بِالْمِلْكِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْيَدِ عِنْدَ سَبَبِ الْمِلْكِ جُعِلَ دَلَالَةً عَلَى الْمِلْكِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِهَا وَلِهَذَا قَالُوا مَنْ رَأَى عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ وَلَوْ رَآهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لِهَذَا اهـ

стр. 1174

عَرَفَ الْمَالِكَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَوَجْهِهِ وَعَرَفَ الْمِلْكَ بِحُدُودِهِ وَرَآهُ فِي يَدِهِ بِلَا مُنَازَعَةِ أَحَدٍ ثُمَّ رَآهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ بَعْدُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِلْأَوَّلِ بِالْمِلْكِ إذَا ادَّعَاهُ بِنَاءً عَلَى يَدِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يُعَايِنَ الْمِلْكَ دُونَ الْمَالِكِ بِأَنْ عَايَنَ مِلْكًا بِحُدُودِهِ يُنْسَبُ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْهُ بِوَجْهِهِ وَنَسَبِهِ ثُمَّ جَاءَ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ الْمِلْكُ وَادَّعَى أَنَّ الْمَحْدُودَ مِلْكُهُ عَلَى شَخْصٍ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ فَصَارَ الْمَالِكُ مَعْلُومًا بِالتَّسَامُعِ، وَالْمِلْكُ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِثْلَ هَذَا لَضَاعَ حُقُوقُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ الْمَحْجُوبَ وَمَنْ لَا يُبْرِزْ أَصْلًا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرَاهُ مُتَصَرِّفًا فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا إثْبَاتُ الْمِلْكِ بِالتَّسَامُعِ، وَإِنَّمَا هُوَ إثْبَاتُ النَّسَبِ بِالتَّسَامُعِ وَفِي ضِمْنِهِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ بِهِ وَهُوَ لَا يَمْتَنِعُ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إثْبَاتُهُ قَصْدًا. وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يُعَايِنَ الْمِلْكَ وَلَا الْمَالِكَ وَلَكِنْ سَمِعَ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ضَيْعَةٌ فِي قَرْيَةِ كَذَا حُدُودُهَا كَذَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ تِلْكَ الضَّيْعَةَ وَلَمْ يُعَايِنْ يَدَهُ عَلَيْهَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَالرَّابِعُ أَنْ يُعَايِنَ الْمَالِكَ دُونَ الْمِلْكِ بِأَنْ عَرَفَ الرَّجُلَ مَعْرِفَةً تَامَّةً وَسَمِعَ أَنَّ لَهُ فِي قَرْيَةِ كَذَا ضَيْعَةً وَهُوَ لَا يَعْرِفُ تِلْكَ الضَّيْعَةَ بِعَيْنِهَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِالْمَحْدُودِ وَهُوَ شَرْطٌ لِلشَّهَادَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَوْلُهُ سِوَى الرَّقِيقِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي الرَّقِيقِ إذَا رَآهُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ لِلرَّقِيقِ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى إذَا ادَّعَى أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَلَا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ يَدٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى يُعْتَبَرَ لِإِطْلَاقِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ التَّصَرُّفُ وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ لِإِطْلَاقِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ أَيْضًا يُسْتَخْدَمُ طَائِعًا كَالْعَبْدِ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْمِلْكِ وَفِي الْكَافِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي الرَّقِيقِ أَيْضًا وَفِي الْهِدَايَةِ جَعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ مُطْلَقًا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى رَقِيقًا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَذُو الْيَدِ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ كَانَ الْقَوْلُ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ بِالْمِلْكِ وَهُوَ قِيَامُ يَدِهِ عَلَيْهِ هَذَا إذَا كَانَ الرَّقِيقُ مُمَيِّزًا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَعْرِفْ بِالرِّقِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّقِّ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ إذَا رَآهُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ أَوْ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ يَكُونُ فِي يَدِ غَيْرِهِ إذْ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَصَارَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالتَّسَامُعِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْيَدِ لَا تُقْبَلُ) أَيْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ أَوْ فَسَّرَ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ بِرُؤْيَتِهِ فِي يَدِهِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِرُؤْيَتِهِ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ التَّسَامُعَ أَوْ الرُّؤْيَةَ فِي الْيَدِ مُجَوِّزٌ لِلشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، وَالْقَاضِي يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْمِلْكِ بِالشَّهَادَةِ إذَا كَانَتْ عَنْ عِيَانٍ وَمُشَاهَدَةٍ أَوْ إطْلَاقٍ لِاحْتِمَالِ الْمُشَاهَدَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَتْ عَنْ تَسَامُعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ فِي يَدِهِ فَلَا يَزِيدُهُ عِلْمًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِسَمَاعِ نَفْسِهِ وَلَوْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُ وَلَا بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ فِي يَدِ إنْسَانٍ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ بِسَمَاعِ غَيْرِهِ أَوْ بِرُؤْيَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِمَا تَجِبُ بِهِ الشَّهَادَةُ وَفِيمَا لَا تَجِبُ لَا يَجِبُ فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ الشَّهَادَةُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا لِلضَّرُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَبَقِيَ الْقَضَاءُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ قَالَ ﵀: (وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ حَضَرَ دَفْنَ فُلَانٍ أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ فَهُوَ مُعَايَنَةٌ حَتَّى لَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي قُبِلَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ إلَّا بِمَا عَلِمَ فَوَجَبَ قَبُولُهَا لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ) قَالَ ﵀ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى) وَقَالَ زُفَرُ ﵀ قُبِلَ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ التَّسَامُعُ وَهُوَ رِوَايَةٌ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِلْأَوَّلِ بِالْمِلْكِ إذَا ادَّعَاهُ بِنَاءً عَلَى يَدِهِ) وَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلْكِ الْمَمْلُوكُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ تَمْنَعُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ فَكَذَا فِي الْمَشْهُودِ لَهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إلَخْ)؛ لِأَنَّهُ مُجَازِفٌ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ فُسِّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالتَّسَامُعِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْيَدِ لَا تُقْبَلُ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ شَهِدُوا بِالْمِلْكِ وَقَالُوا شَهِدْنَا؛ لِأَنَّا رَأَيْنَاهُ فِي يَدِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ. اهـ. [بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ] (بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ) لَمَّا ذَكَرَ مَا تُسْمَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ وَمَا لَا تُسْمَعُ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ تُسْمَعُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ وَمَنْ لَا تُسْمَعُ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ كَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ وَأَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَالَّ شُرُوطٌ وَالشَّرْطُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ وَالْأَصْلُ أَنَّ التُّهْمَةَ تُبْطِلُ الشَّهَادَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا شَهَادَةَ لِمُتَّهَمٍ» وَالتُّهْمَةُ تَثْبُتُ مَرَّةً بِعَدَمِ الْعَدَالَةِ وَمَرَّةً بِعَدَمِ التَّمْيِيزِ مَعَ قِيَامِ الْعَدَالَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَمِيَ قَبْلَ التَّحَمُّلِ أَوْ بَعْدَهُ فِيمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِالتَّسَامُعِ أَوْ لَا تَجُوزُ. اهـ. فَتْحٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ اعْلَمْ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَعْمَى لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَ بَصِيرًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ أَعْمَى عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ أَعْمَى فِي الْحَالَيْنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا كَانَ بَصِيرًا عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَعْمَى عِنْدَ الشَّهَادَةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى كَذَا ذُكِرَ الْخِلَافُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْحَصْرِ وَكَذَا ذُكِرَ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَفِي الْأَسْرَارِ وَلَكِنْ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ وَذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُدُورِيُّ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ بَلْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَرَى وَلَكِنْ قَالَ فِي الْكِتَابِ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيبِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ إذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَهُوَ بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُقْبَلُ إلَى هُنَا

стр. 1175

عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْبَصِيرَ فِي السَّمَاعِ إذْ لَا خَلَلَ فِي سَمْعِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجُوزُ إذَا كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْمُعَايَنَةِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَالْأَدَاءُ يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ وَلِسَانُهُ صَحِيحٌ فَصِيحٌ، وَالتَّعْرِيفُ يَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا خَلَلَ فِي حِفْظِهِ وَلَمْ يَفُتْ فِي حَقِّهِ إلَّا الْإِشَارَةُ وَذِكْرُ الِاسْمِ يَقُومُ مَقَامَهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ مَالِكٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا كَالْبَصِيرِ وَلَنَا أَنَّ الْأَدَاءَ يَفْتَقِرُ إلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالنَّغْمَةِ فَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلْقِينُ مِنْ الْخَصْمِ إذْ النَّغْمَةُ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ وَرُبَّمَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِي الِاسْمِ، وَالنَّسَبِ فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا بِحَبْسِ الشُّهُودِ، وَالنِّسْبَةِ لِتَعْرِيفِ الْغَائِبِ دُونَ الْحَاضِرِ فَصَارَ كَالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ بِخِلَافِ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ مَعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَفِيهِ ضَرُورَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ وَبَقَاءِ النَّسْلِ وَلِأَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَيُعْتَمَدُ عَلَى خَبَرِ الْمَرْأَةِ وَكَذَا إذَا عَمِيَ بَعْدَ الْأَدَاءِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْأَهْلِيَّةِ شَرْطٌ وَقْتَ الْقَضَاءِ لِتَصِيرَ حُجَّةً فَصَارَ كَمَا إذَا خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ أَوْ ارْتَدَّ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتُوا أَوْ غَابُوا؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ تَنْتَهِي بِالْمَوْتِ وَبِالْغَيْبَةِ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا قَالَ ﵀ (، وَالْمَمْلُوكِ، وَالصَّبِيِّ)؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إلْزَامِ الْغَيْرِ وَلَيْسَ مَعْنَى الْوِلَايَةِ سِوَى هَذَا، وَالْأَصْلُ وِلَايَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا الْوِلَايَةُ عَلَى الْغَيْرِ قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يَتَحَمَّلَا فِي الرِّقِّ، وَالصِّغَرِ وَأَدَّيَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَالْبُلُوغِ)؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِلتَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَالسَّمَاعِ وَيَبْقَى إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ بِالضَّبْطِ وَهُمَا لَا يُنَافِيَانِ ذَلِكَ وَعِنْدَ الْأَدَاءِ هُمَا أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ قَالَ ﵀ (، وَالْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ، وَإِنْ تَابَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، وَالِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ جُمْلَةً بَعْضُهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى بَعْضٍ يَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَعَبْدُهُ حُرٌّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ فَهُوَ مُنْصَرِفٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّ هَذَا افْتِرَاءٌ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ لَا يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ بَلْ إذَا أَسْلَمَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَهَذَا أَوْلَى. وَلِأَنَّهُ لَوْ تَابَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا جَائِزَ أَنْ تَكُونَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ هِيَ الْمُوجِبَةَ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْغَيْرِ بِهِ وَهُوَ مُطَهِّرٌ أَيْضًا فَلَا يَصْلُحُ مَنَاطًا لِرَدِّ الشَّهَادَةِ فَتَعَيَّنَ الرَّدُّ لِفِسْقِهِ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] لَفْظُ التَّقْرِيبِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ جَوَازَ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فِي النَّسَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى نَظَرٍ وَمُعَايَنَةٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي الْأَسْرَارِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ كَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ اهـ. (فَرْعٌ لَطِيفٌ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي مَا نَصُّهُ وَلَوْ شَهِدَ ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَلَمْ يُنَفِّذْ الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ حَتَّى أَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَالشَّهَادَةُ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تَصِيرُ حُجَّةً عِنْدَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا وَعِنْدَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا الشَّاهِدُ كَافِرٌ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ فَلَا تَصِيرُ حُجَّةً، وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَالْحُكْمُ مَاضٍ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِالْحُقُوقِ كُلِّهَا إلَّا الْحُدُودَ؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ فِي بَابِ الْحُدُودِ مِنْ الْقَضَاءِ فَصَارَ الْإِسْلَامُ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ كَالْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَكَذَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَا يُنَفِّذُ الْقَاضِي اسْتِحْسَانًا لِمَا قُلْنَا وَقَدْ ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ بَعْدَ هَذَا فَوَائِدَ جَمَّةً فَلْتُنْظَرْ ثَمَّةَ اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: نَصْرَانِيَّانِ شَهِدَا عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِقَطْعِ يَدٍ أَوْ قِصَاصٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْعُقُوبَاتِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا عَمِيَ بَعْدَ الْأَدَاءِ قُبِلَ الْحُكْمُ بِهَا؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْأَهْلِيَّةِ شَرْطٌ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا عَمِيَ أَوْ خَرِسَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قُبِلَ الْحُكْمُ بِهَا لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ الْخِلَافَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَذَكَرَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَسْرَارِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا يُمْنَعُ الْحُكْمُ بِهَا كَمَا لَوْ مَاتَ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ غَابَا أَوْ جُنَّا أَوْ عَمِيَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَاكِيُّ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ أَنَا أُخْبِرُ أَوْ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ لَا يُقْبَلُ وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ لَا تَتَحَقَّقُ مِنْ الْأَخْرَسِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ حِينَئِذٍ كَتَرْجَمَةِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ بِلِسَانٍ آخَرَ وَقُلْنَا فِي إشَارَتِهِ تُهْمَةٌ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا بِحَبْسِ الشُّهُودِ كَمَا فِي الْأَعْمَى. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالْمَمْلُوكِ وَالصَّبِيِّ) قَالَ فِي الشَّامِلِ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ شَهِدَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ عَلَى مُسْلِمٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ ثُمَّ شَهِدُوا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ وَالْفَاسِقُ لَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ شَهَادَةٌ فَيَكُونُ فِيهِ نَقْضُ قَضَاءٍ قَدْ أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ كَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ لَا تُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ كَذَلِكَ وَلَوْ شَهِدَ لِمَوْلَاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَدْ تَحَمَّلَهَا حَالَ الرِّقِّ جَازَ لِمَا عُرِفَ إلَى هُنَا لَفْظُ الشَّامِلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَ الذِّمِّيِّ شَهَادَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ فَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ وَشَهِدَ عَلَى الْمُسْلِمِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ لِأَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ فَيُرَاعَى وَقْتَ الْأَدَاءِ إذَا وُجِدَ اهـ

стр. 1176

وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ شَهَادَتَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ فَمَنْ قَالَ هُوَ مُؤَقَّتٌ إلَى وُجُودِ التَّوْبَةِ يَكُونُ رَدًّا لِمَا اقْتَضَاهُ النَّصُّ فَيَكُونُ مَرْدُودًا، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْجَرَائِمِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْمُخَالِفَ لِلنَّصِّ لَا يَصِحُّ وَلِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ حَدٌّ فَكَذَا هَذَا فَصَارَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ إذْ الْعَطْفُ لِلِاشْتِرَاكِ وَتَغَايُرُهُمَا بِالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: اجْلِسْ وَلَا تَتَكَلَّمْ فَكَانَ الْكُلُّ جَزَاءَ جَرِيمَتِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا حُدُودٌ وَلِهَذَا أَمَرَ الْأَئِمَّةُ بِهِ وَقَوْلُهُ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] لَيْسَ بِحَدٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ وَصْفٍ قَامَ بِالذَّاتِ فَلَا يَصْلُحُ حَدًّا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَقَعُ بِفِعْلِ الْأَئِمَّةِ لَا بِوَصْفٍ قَائِمٍ بِالذَّاتِ فَلَا يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ، وَلَوْ انْصَرَفَ لَبَطَلَ الْحَدُّ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] وَاوُ نَظْمٍ لَا وَاوُ عَطْفٍ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ فَيَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى مَا يَلِيهِ ضَرُورَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ جَزَاءً لِجَرِيمَتِهِ، وَالْجَلْدُ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ يَصْلُحَانِ جَزَاءً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤْلِمٌ زَاجِرٌ عَنْ ارْتِكَابِ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ فَصَارَ رَدُّ الشَّهَادَةِ قَطْعًا لِلْآلَةِ الْجَانِيَةِ مَعْنًى وَهِيَ اللِّسَانُ كَقَطْعِ الْيَدِ حَقِيقَةً فِي السَّرِقَةِ فَصَارَ الرَّدُّ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَالْحَدُّ لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ لَا يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ فِيهِ لِلْعَطْفِ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّهَا جُمَلٌ إنْشَائِيَّةٌ فَيَتَوَقَّفُ كُلُّهَا عَلَى آخِرِهَا حَتَّى إذَا وُجِدَ الْمُغَيِّرُ فِي الْأَخِيرِ تَغَيَّرَ الْكُلُّ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ مُمْتَنِعٌ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْفَرْعِ نَصٌّ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ وَهُنَا نَصٌّ عَلَى التَّأْبِيدِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ رَدُّ شَهَادَتِهِ لِفِسْقِهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ هُوَ التَّوَقُّفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] لَا الرَّدُّ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الرَّدُّ لِأَجْلِ فِسْقِهِ لَلَزِمَ عَطْفُ الْعِلَّةِ عَلَى حُكْمِهَا وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ لِأَجْلِ أَنَّهُ حَدٌّ لَا لِلْفِسْقِ وَلِهَذَا لَوْ أَقَامَ أَرْبَعَةً بَعْدَمَا حُدَّ عَلَى أَنَّهُ زَنَى تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا يُحَدُّ فَكَذَا لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يُحَدَّ الْكَافِرُ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ)، فَإِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ اسْتَفَادَهَا بَعْدَ الْحَدِّ بِالْإِسْلَامِ فَلَمْ يَلْحَقْهَا رَدٌّ؛ لِأَنَّ الَّتِي رُدَّتْ غَيْرُ هَذِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْدُودَةَ لَا تُقْبَلُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَهَذِهِ تُقْبَلُ فَبِرَدِّ الْأُولَى لَا تَرْتَدُّ الثَّانِيَةُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا حُدَّ ثُمَّ أُعْتِقَ حَيْثُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى أَحَدٍ وَقْتَ الْجَلْدِ فَلَمْ يَتِمَّ الرَّدُّ إلَّا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ فِي حَقِّهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ قَبُولُهَا مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ أَنَّهُ زَنَى عَلَى مَا مَرَّ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّدَّ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِّ فَفِي الْكَافِرِ تَمَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَفِي الْعَبْدِ لَمْ يَتِمَّ إلَّا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَلَوْ ضُرِبَ الذِّمِّيُّ فِي حَدِّ الْقَذْفِ سَوْطًا فَأَسْلَمَ ثُمَّ ضُرِبَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَالْمَوْجُودُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِحَدٍّ بَلْ هُوَ بَعْضُهُ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا ضُرِبَ السَّوْطَ الْأَخِيرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِعِلَّةٍ ذَاتِ أَجْزَاءٍ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْجُزْءِ الْأَخِيرِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَعَنْهُ أَنَّهُ إذَا ضُرِبَ الْأَكْثَرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. وَفِي الْمَبْسُوطِ لَا تَسْقُطُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ مَا لَمْ يُضْرَبَ تَمَامَ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ مُسْقِطَةٌ لِلشَّهَادَةِ، وَالْحَدُّ لَا يَتَجَزَّأُ فَمَا دُونَهُ لَا يَكُونُ حَدًّا بَلْ يَكُونُ تَعْزِيرًا وَهُوَ لَا يُسْقِطُ الشَّهَادَةَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا تَسْقُطُ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا ضُرِبَ سَوْطًا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ وَهِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ إسْلَامِ الذِّمِّيِّ فِي حَالَةِ الْحَدِّ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ ﵀ (وَالْوَلَدِ لِأَبَوَيْهِ وَجَدَّيْهِ وَعَكْسِهِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ، وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَلَا الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ وَلَا الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ» وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ مُتَّصِلَةٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ بَعْضِهِمْ الزَّكَاةَ إلَى بَعْضٍ فَتَكُونُ شَهَادَةً لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا تُقْبَلُ وَلَا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: لِأَجْلِ أَنَّهُ حُدَّ إلَخْ) شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِنَايَاتِ سِوَى الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ تُقْبَلُ إذَا تَابَ فُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ إذَا تَابَ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ وَالْفَرْقُ أَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ لِهَؤُلَاءِ كَانَ لِأَجْلِ الْفِسْقِ وَبِالتَّوْبَةِ يَرْتَفِعُ الْفِسْقُ أَمَّا شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إنَّمَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَأَصْلُ الْحَدِّ لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ فَكَذَا مَا هُوَ مِنْ تَمَامِهِ. اهـ. وَلْوَالِجِيٌّ فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: بَعْدَ التَّوْبَةِ) زَائِدٌ مُفْسِدٌ كَذَا بِخَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ ﵀ وَقَدْ شَطَبَ فِي نُسْخَتِهِ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَقَدْ شَاهَدْته ثَانِيًا فِي خَطِّ الشَّارِحِ ﵀ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ مَا نَصُّهُ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا أَقَامَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهُودِ عَلَى صِدْقِهِ بَعْدَ الْحَدِّ عَلَيْهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ اهـ وَهُوَ كَمَا تَرَى يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ قَارِئُ الْهِدَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إلَّا أَنْ يُحَدَّ الْكَافِرُ فِي قَذْفٍ) اعْلَمْ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا حُدَّ فِي قَذْفٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ثُمَّ إذَا أَسْلَمَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَعَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ جَمِيعًا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ) قَالَ قَاضِي خَانْ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ إذَا شَهِدَ الْأَجِيرُ لِأُسْتَاذِهِ بِشَيْءٍ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَذَكَرَ فِي الدِّيَاتِ: أَجِيرُ الْقَاتِلِ إذَا شَهِدَ عَلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ بِالْعَفْوِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ لِأُسْتَاذِهِ مَرْدُودَةٌ وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالُوا: إنْ كَانَ الْأَجِيرُ مُشْتَرِكًا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَمَا ذُكِرَ فِي الدِّيَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ أَجِيرٌ وَاحِدٌ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً أَوْ مُيَاوَمَةً لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأُسْتَاذِهِ لَا فِي تِجَارَتِهِ وَلَا فِي شَيْءٍ آخَرَ وَمَا ذُكِرَ فِي الْكَفَالَةِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا كَذَا ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ وَالْإِمَامُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ أَجِيرَ الْوَحْدِ

стр. 1177

فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي مَالِهِ كَيْفَمَا كَانَ، وَالْمُرَادُ بِالْأَجِيرِ فِي الْحَدِيثِ التِّلْمِيذُ الْخَاصُّ الَّذِي يَعُدُّ ضَرَرَ أُسْتَاذِهِ ضَرَرَ نَفْسِهِ وَنَفْعَهُ نَفْعَ نَفْسِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «لَا شَهَادَةَ لِلْقَانِعِ بِأَهْلِ الْبَيْتِ» وَأَصْلُ الْقُنُوعِ السُّؤَالُ، وَالْمُرَادُ مَنْ يَكُونُ تَبَعًا لِلْقَوْمِ كَالْخَادِمِ، وَالْأَجِيرِ، وَالتَّابِعِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّائِلِ يَطْلُبُ مَعَاشَهُ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْ الْقُنُوعِ لَا مِنْ الْقَنَاعَةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَجِيرُ مُشَاهَرَةً؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ فَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى مَنَافِعِهِ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يَكُونُ كَأَنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِأَجْرٍ وَمَالِكٌ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي قَرَابَةِ الْوِلَادِ هُوَ يَعْتَبِرُهَا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُخَالِفُنَا فِي الزَّوْجَيْنِ فَيَقُولُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا، وَالزَّوْجِيَّةُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّنَافُرِ، وَالْعَدَاوَةِ وَقَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلْمَيْلِ، وَالْإِيثَارِ فَصَارَتْ نَظِيرَ الْأُخُوَّةِ وَلِهَذَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، وَالْحَبْسُ بِالدَّيْنِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَنْفَعَةِ الثَّابِتَةِ ضِمْنًا كَمَا فِي الْغَرِيمِ إذَا شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ الْمُفْلِسِ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمَا مُتَّصِلَةٌ وَلِهَذَا يُعَدُّ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا بِغِنَى صَاحِبِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الزَّوْجَيْنِ فَفِي الْوِلَادِ أَوْلَى وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شَهِدَ لِعَلِيٍّ مَعَ قَنْبَرٍ عِنْدَ شُرَيْحٍ بِدِرْعٍ لَهُ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِعَلِيٍّ ائْتِ بِشَاهِدٍ آخَرَ فَقَالَ مَكَانَ الْحَسَنِ أَوْ مَكَانَ قَنْبَرٍ فَقَالَ لَا بَلْ مَكَانَ الْحَسَنِ فَقَالَ أَمَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ هُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ سَمِعْت لَكِنْ ائْتِ بِشَاهِدٍ آخَرَ الْقِصَّةَ إلَى آخِرِهَا وَفِيهَا أَنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ وَزَادَهُ فِي الرَّزْقَةِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ شَهَادَةً لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَشَهَادَةُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ قَالَ ﵀ (وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا)؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَعْضِ وَشَهَادَةُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، فَإِذَا بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ بَطَلَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تَتَجَزَّأُ، وَلَوْ شَهِدَ لَهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا تُقْبَلُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ هَذَا فِي حَقِّ الشَّرِيكَيْنِ شَرِكَةَ عِنَانٍ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا وَهَذَا سَهْوٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الشَّرِكَةِ إلَّا الدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعَقَارُ وَلَا الْعُرُوض وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ وُهِبَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ غَيْرُ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ لَا تَبْطُلُ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ قَالَ ﵀ (وَالْمُخَنَّثِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ الَّذِي فِي كَلَامِهِ لِينٌ وَتَكَسُّرٌ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ وَفِي عُرْفِ النَّاسِ هُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ الرَّدِيءَ مِنْ الْأَفْعَالِ وَيُلَيِّنُ كَلَامَهُ عَمْدًا كُلُّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُؤَنِّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمُذَكِّرَاتِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَإِذَا كَانَ يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ لِزَمَانِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ كَانَ مُتَّهَمًا فِيمَا شَهِدَ أَمَّا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ الَّذِي عُقِدَتْ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِشَهَادَةٍ أَجْرًا انْتَفَتْ التُّهْمَةُ عَنْ شَهَادَتِهِ وَلِهَذَا جَازَتْ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ عِنْدَ شَرْطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَجِيرُ مُشَاهَرَةً؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ) قَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِأُسْتَاذِهِ أَرَادَ بِهِ التِّلْمِيذَ الْخَاصَّ وَالتِّلْمِيذُ الْخَاصُّ الَّذِي يَأْكُلُ مَعَهُ وَفِي عِيَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ أُجْرَةٌ مَعْلُومَةٌ أَمَّا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا شَهِدَ لِلْمُسْتَأْجِرِ تُقْبَلُ، وَأَمَّا الْأَجِيرُ الْوَاحِدُ وَهُوَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُيَاوَمَةً أَوْ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ لَا تُقْبَلُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْخُلَاصَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَجِيرِ الْوَاحِدِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِنْ آخَرَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَلَوْ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ كَانَتْ شَهَادَةً بِالْأَجْرِ فَلَا تَجُوزُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنَافِعِهِ وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْأَجْرِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ: فَيَصِيرُ كَالْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الشَّهَادَةِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي كِتَابِ الْعُيُونِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ يَوْمًا وَاحِدًا لَمْ يَكْتُبْ الْمُحَشِّي. (قَوْلُهُ وَمَالِكٌ ﵀ يُخَالِفُنَا) قَالَ الْكَاكِيُّ مَا وَجَدْته فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ اهـ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا؛ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِي مَالِهِ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا فِيهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لَهَا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ اهـ قَالَهُ الْكَاكِيُّ اهـ وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَنْفَعَةِ الثَّانِيَةِ ضِمْنًا كَمَا فِي الْغَرِيمِ إذَا شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ الْمُفْلِسِ) قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَيَجُوزُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدْيُونِهِ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَالْجَامِعِ وَلَوْ شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَالٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِ الْمَدْيُونِ فِي حَيَاتِهِ وَيَتَعَلَّقُ بَعْدَ وَفَاتِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ قَنْبَرٌ) قَنْبَرٌ عَتِيقٌ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ وَأَمَّا جَدُّ سِيبَوَيْهِ فَبِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ فَسِيبَوَيْهِ هُوَ عَمُّ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَنْبَرٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: قَالَ أَمَا سَمِعْت) أَيْ قَالَ عَلِيٌّ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَكَانَ مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ ﵁ قَبُولُ شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ الرَّزْقَةِ) قَالَ الصَّاغَانِيُّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالرَّزْقَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَالْجَمْعُ الرَّزَقَاتُ وَهِيَ أَطْمَاعُ الْجُنْدِ وَارْتَزَقَ الْجُنْدُ أَيْ أَخَذُوا أَرْزَاقَهُمْ اهـ قَوْلُهُ وَهِيَ أَطْمَاعُ الْجُنْدِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِي بَابِ الْعَيْنِ وَالطَّمَعُ رِزْقُ الْجُنْدِ وَيُقَالُ أَمَرَ لَهُمْ الْأَمِيرُ بِأَطْمَاعِهِمْ أَيْ بِأَرْزَاقِهِمْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْحُدُودِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ فِي الشَّامِلِ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِيمَا خَلَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، وَغَيْرُ الْمُفَاوِضِ أَيْضًا فِي تِجَارَتِهِ اهـ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ النِّهَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعَقَارُ وَلَا الْعُرُوض) قُلْت: قَدْ قَالَ فِيهَا هُوَ مُشْتَرَكٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُرُوضٌ وَعَقَارٌ اُشْتُرِيَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ اهـ كَذَا نَقَلْته مِنْ خَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ اهـ

стр. 1178

مِنْ النِّسَاءِ»، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي كَلَامِهِ لِينٌ وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ خِلْقَةً وَلَمْ يُشْتَهَرْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ فَهُوَ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ قَالَ ﵀ (وَالنَّائِحَةِ، وَالْمُغَنِّيَةِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ الصَّوْتَيْنِ الْأَحْمَقَيْنِ الْمُغَنِّيَةِ، وَالنَّائِحَةِ» أَطْلَقَهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهَا تُغَنِّي لِلنَّاسِ وَقَيَّدَهُ بِهِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ رَفْعِ الصَّوْتِ حَرَامٌ فِي حَقِّهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ قَالُوا الْمُرَادُ بِالنَّائِحَةِ هِيَ الَّتِي تَنُوحُ فِي مُصِيبَةِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَرْتَكِبُ الْمَحْظُورَاتِ لِأَجْلِ الطَّمَعِ فِي الْمَالِ وَتَجْعَلُهُ مَكْسَبَةً أَمَّا الَّتِي تَنُوحُ فِي مُصِيبَتِهَا فَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهَا قَالَ ﵀ (، وَالْعَدُوِّ إنْ كَانَتْ عَدَاوَتُهُ دُنْيَوِيَّةً)؛ لِأَنَّ الْمُعَادَاةَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا حَرَامٌ فَمَنْ ارْتَكَبَهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْعَدَاوَةُ دِينِيَّةً فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ التَّدَيُّنِ فَتَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ دِينِهِ وَعَدَالَتِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَاةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً بِأَنْ رَأَى فِيهِ مُنْكَرًا شَرْعًا وَلَمْ يَنْتَهِ بِنَهْيِهِ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ لَك هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ قَائِمَةٌ بَيْنَهُمَا فَلَوْ كَانَتْ مَانِعَةً لَمَا قُبِلَتْ قَالَ ﵀ (وَمُدْمِنُ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ) أَيْ مُدَاوِمٌ شُرْبَ الْخَمْرِ لِأَجْلِ اللَّهْوِ؛ لِأَنَّ شُرْبَهَا كَبِيرَةٌ وَفِي الْكَافِي قَالَ إنَّمَا شُرِطَ الْإِدْمَانُ لِيَكُونَ ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنْهُ، فَإِنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ سِرًّا وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، وَإِنْ شَرِبَهَا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ إذَا كَانَ يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ يَخْرُجُ سَكْرَانَ فَيَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ، فَإِنَّهُ لَا مُرُوءَةَ لِمِثْلِهِ وَلَا يَحْتَرِزُ عَنْ الْكَذِبِ عَادَةً وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ إطْلَاقُ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ فِي حَقِّ الْمَشْرُوبِ لِيَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ الْخَمْرِ، وَالسُّكْرِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّ الْإِدْمَانَ شُرِطَ فِي الْخَمْرِ أَيْضًا فِي حَقِّ سُقُوطِ الْعَدَالَةِ. وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُدْمِنِ الْخَمْرِ وَلَا مُدْمِنِ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُدْمِنِ الْخَمْرِ ثُمَّ قَالَ شُرِطَ الْإِدْمَانُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْإِدْمَانَ فِي الشُّرْبِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْإِدْمَانَ فِي النِّيَّةِ يَعْنِي يَشْرَبُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَشْرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا وَجَدَهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُدْمِنِ السُّكْرِ وَأَرَادَ بِهِ السُّكْرَ بِسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ سِوَى الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ السُّكْرُ فَشُرِطَ الْإِدْمَانُ عَلَى السُّكْرِ، وَالْمُحَرَّمُ فِي الْخَمْرِ نَفْسُ الشُّرْبِ فَشُرِطَ الْإِدْمَانُ عَلَى الشُّرْبِ وَكَذَلِكَ مَنْ يَجْلِسُ مَجَالِسَ الْفُجُورِ، وَالشُّرْبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ؛ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِهِمْ وَلَمْ يَحْتَرِزْ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْتَرِزُ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ قَالَ ﵀ (وَمَنْ يَلْعَبُ بِالطُّنْبُورِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّهْوِ وَيُقَالُ بِالطُّيُورِ وَهُوَ أَيْضًا مِثْلُهُ وَيُورِثُ الْغَفْلَةَ أَيْضًا وَقَدْ قَالَ ﵊ «مَا أَنَا مِنْ دَدٍ وَلَا الدَّدُ مِنِّي» وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ أَنْ يَصْعَدَ إلَى السُّطُوحِ لِيُطَيِّرَ طَيْرَهُ فَيَنْظُرَ إلَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالنَّائِحَةِ) لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي خَطِّ الشَّارِحِ ﵀ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي نُسَخِ الْمَتْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ الصَّوْتَيْنِ الْأَحْمَقَيْنِ الْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ») وَصَفَ الصَّوْتَ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ. اعْلَمْ أَنَّ التَّغَنِّيَ لِلَّهْوِ أَوْ لِجَمْعِ الْمَالِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَالنَّوْحُ كَذَلِكَ خُصُوصًا إذَا كَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مِنْهَا حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَمْ يُرِدْ بِالنَّائِحَةِ الَّتِي تَنُوحُ فِي مُصِيبَتِهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الَّتِي تَنُوحُ فِي مُصِيبَةِ غَيْرِهَا اتَّخَذَتْ ذَلِكَ مَكْسَبَةً. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْعَدُوِّ إنْ كَانَتْ عَدَاوَتُهُ دُنْيَوِيَّةً) قَالَ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَلَا شَهَادَةُ الْعَدُوِّ إنْ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بِسَبَبِ الدُّنْيَا وَتُقْبَلُ إنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الدِّينِ (إلَخْ) وَالْعَدُوُّ مَنْ يَفْرَحُ بِحُزْنِهِ وَيَحْزَنُ بِفَرَحِهِ وَقِيلَ: يُعْرَفُ بِالْعُرْفِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَيَشْهَدُ لِعَدُوِّهِ وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَيَحْكُمُ لِعَدُوِّهِ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ وَأَسْبَابَ الشَّهَادَةِ خَافِيَةٌ فَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ اهـ. (فَرْعٌ) وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُجَازِفِ فِي كَلَامِهِ وَحُكِيَ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ رَبِيعٍ وَزِيرَ الْخَلِيفَةِ شَهِدَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ فَشَكَاهُ إلَى الْخَلِيفَةِ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ إنَّ وَزِيرِي رَجُلُ دِينٍ لَا يَشْهَدُ بِالزُّورِ فَلِمَ رَدَدْت شَهَادَتَهُ قَالَ؛ لِأَنِّي سَمِعْته يَوْمًا قَالَ لِلْخَلِيفَةِ أَنَا عَبْدُك، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُبَالِ فِي مَجْلِسِك بِالْكَذِبِ فَلَا يُبَالِي فِي مَجْلِسِي أَيْضًا فَعَذَرَهُ الْخَلِيفَةُ اهـ كَاكِيٌّ سَتَأْتِي هَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْعُمَّالِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَنَقَلَ النَّاصِحِيُّ فِي تَهْذِيبِ أَدَبِ الْقَاضِي عَنْ الْخَصَّافِ فَقَالَ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَاللُّصُوصِ وَأَصْحَابِ الْفُجُورِ بِالنِّسَاءِ وَمَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وَمَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَمَنْ يَسْكَرُ مِنْ النَّبِيذِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فُسَّاقٌ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْخَصَّافُ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ الْإِدْمَانَ كَمَا تَرَى وَوَجْهُهُ أَنَّ نَفْسَ شُرْبِ الْخَمْرِ يُوجِبُ الْحَدَّ فَيُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ وَشَرَطَ شَهَادَاتِ الْإِدْمَانِ فَقَالَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُدْمِنِ الْخَمْرِ وَمُدْمِنِ السُّكْرِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ فِي السِّرِّ لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ قَالَ صَاحِبُ الْأَجْنَاسِ وَهَذَا شَرْطٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَامَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ تَائِبٌ نَادِمٌ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْأَقْطَعُ ﵀ فَأَمَّا مَنْ أَدْمَنَ الشُّرْبَ عَلَى غَيْرِ لَهْوٍ وَلَمْ يَسْكَرْ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ تَحْلِيلَهُ فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْفِسْقَ وَلَا بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ اهـ. وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَالَ الْخَبَّازِيُّ فِي حَوَاشِي الْهِدَايَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ شَارِبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى إبْطَالِ شَهَادَتِهِ إلَى شُرْبِهَا عَلَى اللَّهْوِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِيَتَنَاوَلَ) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ لِسِيَاقِ جَمِيعِ الْأَشْرِبَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ مَنْ يَجْلِسُ مَجَالِسَ الْفُجُورِ إلَخْ) وَقَالَ النَّاصِحِيُّ أَيْضًا وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَجْلِسُ مَجَالِسَ الْفُجُورِ وَالْمَجَانَةِ عَلَى الشُّرْبِ، وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ؛ لِأَنَّ اخْتِلَاطَهُ بِهِمْ وَتَرْكَهُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ يُوجِبُ سُقُوطَ عَدَالَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسُ الْجُلُوسِ فِسْقًا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَا أَنَا مِنْ دَدٍ وَلَا الدَّدُ مِنِّي») الدَّدُ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ

стр. 1179

عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَهُوَ فِسْقٌ، وَلَوْ كَانَ يَقْتَنِي الْحَمَامَ فِي بَيْتِهِ لِيَسْتَأْنِسَ بِهِ لَا لِيُطَيِّرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْحَمَامِ فِي الْبُيُوتِ مُبَاحٌ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ بُرُوجًا لِلْحَمَامِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إلَّا إذَا كَانَتْ تَجُرُّ حَمَامَاتٍ أُخَرَ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ فَتُفْرِخُ فِي وَكْرِهَا فَيَأْكُلُ وَيَبِيعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ وَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُ بِذَلِكَ قَالَ ﵀ (أَوْ يُغَنِّي لِلنَّاسِ)؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ عَلَى لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَلَا يَخْلُو عَادَةً مَنْ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ بِالْمُجَازَفَةِ، وَالْكَذِبِ وَقَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ يُغَنِّي لِلنَّاسِ أَيْ يُسْمِعُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ حَتَّى يُزِيلَ الْوَحْشَةَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُسْقِطُ عَدَالَتَهُ فِي الصَّحِيحِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ دَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ يُغَنِّي، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ مِنْ زُهَّادِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَإِنْ أَنْشَدَ شِعْرًا فِيهِ وَعْظٌ وَحِكْمَةٌ فَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً أَوْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ امْرَأَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً وَهِيَ حَيَّةٌ يُكْرَهُ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَجَازَ الْغِنَاءَ فِي الْعُرْسِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِضَرْبِ الدُّفِّ فِيهِ إعْلَانًا لِلنِّكَاحِ، وَقَدْ قَالَ ﵊ «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَلَوْ بِالدُّفِّ» وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ إذَا كَانَ يَتَغَنَّى لِيَسْتَفِيدَ بِهِ نَظْمَ الْقَوَافِي وَيَصِيرَ بِهِ فَصِيحَ اللِّسَانِ لَا بَأْسَ بِهِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ كَرِهَهُ مُطْلَقًا وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَبَاحَهُ مُطْلَقًا وَنَحْنُ بَيَّنَّا الصَّحِيحَ مِنْ الْأَقَاوِيلِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ قَالَ ﵀ (أَوْ يَرْتَكِبُ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمَنْ يَرْتَكِبُهَا لَا يُبَالِي بِالْكَذِبِ وَكُلُّ مَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَبِيرَةِ فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ هِيَ السَّبْعُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهِيَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَبَهْتُ الْمُؤْمِنِ، وَالزِّنَا وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهَا أَكْلَ الرِّبَا وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا ثَبَتَ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَهِيَ كَبِيرَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْ قَتْلٌ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَقِيلَ كُلُّ مَا أَصَرَّ عَلَيْهِ الْمَرْءُ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَمَا اسْتَغْفَرَ عَنْهُ فَهُوَ صَغِيرَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُّ مَا كَانَ عَمْدًا فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَالْأَوْجَهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ أَنَّ الْكَبِيرَةَ، وَالصَّغِيرَةَ اسْمَانِ إضَافِيَّانِ لَا يُعَرَّفَانِ بِذَاتِهِمَا، وَإِنَّمَا يُعَرَّفَانِ بِالْإِضَافَةِ فَكُلُّ ذَنْبٍ إذَا نَسَبْته إلَى مَا دُونَهُ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَإِذَا نَسَبْته إلَى مَا فَوْقَهُ فَهُوَ صَغِيرَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ أَوْعَدَ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الزُّورِ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ فَمَنْ يَرْتَكِبُ مِثْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ يَرْتَكِبُهُ فَصَلُحَ دَلِيلًا عَلَى ارْتِكَابِهِ الْكَذِبَ؛ لِأَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ارْتَكَبَ نَظِيرَهُ عَادَةً وَقِيلَ: إذَا ارْتَكَبَ مَا يَكُونُ شَنِيعًا عَادَةً فَلَيْسَ بِعَدْلٍ وَقِيلَ مَا كَانَ حَرَامً الِعَيْنِهِ فَكَبِيرَةٌ وَإِلَّا فَصَغِيرَةٌ وَقِيلَ مَا سُمِّيَ فِي الشَّرْعِ فَاحِشَةً فَكَبِيرَةٌ قَالَ ﵀ (أَوْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ)؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ وَقَالَ ﵊ «لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ، وَالْمَنْظُورَ» وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ رَجُلًا فِي الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إزَارٍ فَقَالَ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ خَافُوا إلَهَكُمْ وَلَا تَدْخُلُوا الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ مِئْزَرٍ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مَنْ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ بِالسَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُرُوءَةِ قَالَ ﵀ (أَوْ يَأْكُلُ الرِّبَا)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَشُرِطَ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِهِ وَذَلِكَ بِالْإِدْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ رِبًا بِخِلَافِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِدْمَانُ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ مُمْكِنٌ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ وَفِي الرِّبَا يَدْخُلُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِدْمَانُ قَالَ ﵀ (أَوْ يُقَامِرُ بِالنَّرْدِ، وَالشِّطْرَنْجِ أَوْ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ بِسَبَبِهِمَا)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ فِسْقٌ وَكَذَا إذَا كَانَ يُكْثِرُ عَلَيْهِ الْحَلِفَ كَاذِبًا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَهِيَ مَحْذُوفَةُ اللَّامِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ مُتَمَّمَةً دَدَى كَنَدَى، وَدَدَنُ كَبَدَنِ وَلَا يَخْلُو الْمَحْذُوفُ أَنْ يَكُونَ يَاءً كَقَوْلِهِمْ يَدٌ فِي يَدِي أَوْ نُونًا كَقَوْلِهِمْ لَدٌ فِي لَدُنْ وَمَعْنَى تَنْكِيرِ الدَّدِ الشِّيَاعُ وَالِاسْتِغْرَاقُ وَأَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ أَيْ مَا أَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَتَعْرِيفُهُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعْهُودًا بِالذِّكْرِ كَأَنَّهُ قَالَ وَلَا ذَلِكَ النَّوْعُ مِنِّي، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَلَا هُوَ مِنِّي؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ آكَدُ وَأَبْلَغُ. اهـ. ابْنُ الْأَثِيرِ ﵀. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ يَقْتَنِي الْحَمَامَ فِي بَيْتِهِ إلَخْ) أَوْ لِحَمْلِ الْكُتُبِ كَمَا فِي دِيَارِ مِصْرَ وَالشَّامِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ دَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ يُغَنِّي) وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ حَسَنَ الصَّوْتِ. اهـ. الْإِصَابَةُ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ إلَخْ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَقِيلَ أَصَحُّ مَا فِيهِ مَا نُقِلَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ مَا كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ اللَّهِ وَالدِّينِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَكَذَا الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ كَذَا الذَّخِيرَةُ وَالْمُحِيطُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَخْ) قَالَ قَاضِي خَانْ وَلَا شَهَادَةُ مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ إذَا لَمْ يُعْرَفْ رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ) أَيْ وَمُرْتَكِبُ الْحَرَامِ فَاسِقٌ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الشَّرْحِ مِنْ غَيْرِ مِئْزَرٍ) الَّذِي سَمِعْته مِنْ شَيْخِي الْعَلَّامَةِ الْغَزِّيِّ ﵀ إلَّا بِمِئْزَرٍ اهـ. (قَوْلُهُ وَشَرَطَ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِهِ)؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِهِ فَطَرِيقُهُ التُّهْمَةُ وَعَدَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ فَلَا تَبْطُلُ بِتُهْمَةِ مَعْصِيَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ. اهـ. غَايَةٌ (فَرْعٌ) قَالَ النَّاصِحِيُّ فِي تَهْذِيبِ أَدَبِ الْقَاضِي حُكِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ شَيْخًا لَوْ صَارَعَ الْأَحْدَاثَ فِي الْجَامِعِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا سُخْفٌ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِفِسْقِهِ لِذَلِكَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀ (فَرْعٌ) وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ وَالْمُشَعْوِذِ وَالرَّقَّاصِ وَالْمَسْخَرَةِ بِلَا خِلَافٍ. اهـ. مِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ

стр. 1180

؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَالُوا فِي النَّرْدِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ اللَّعِبِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْقِمَارِ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ اللَّعِبِ فِيهِ فِسْقٌ وَقَالَ ﵊ «مَلْعُونٌ مَنْ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ» وَمَنْ يَكُونُ مَلْعُونًا كَيْفَ يَكُونُ عَدْلًا بِخِلَافِ الشِّطْرَنْجِ؛ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ أَحَدُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا قَالَ ﵀ (أَوْ يَبُولُ أَوْ يَأْكُلْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ) يَعْنِي الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَهُمْ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ، وَالْعُلَمَاءُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى قُصُورِ عَقْلِهِ وَقِلَّةِ مُرُوءَتِهِ وَمَنْ لَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ مِثْلِهَا لَا يَمْتَنِعُ عَنْ الْكَذِبِ عَادَةً بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يُخْفِي السَّبَّ، وَكَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَأْكُلُ فِي السُّوقِ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحِرَفِ لِكَثْرَةِ الْأَيْمَانِ الْفَاجِرَةِ مِنْهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَلَا تُقْبَلُ مِمَّنْ يُكْثِرُ شَتْمَ أَهْلِهِ وَلَا مِمَّنْ يَشْتُمُ النَّاسَ قَالَ ﵀ (وَتُقْبَلُ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَأَبَوَيْهِ رَضَاعًا وَأُمِّ امْرَأَتِهِ وَبِنْتِهَا وَزَوْجِ بِنْتِهِ وَامْرَأَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ)؛ لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ بَيْنَهُمْ مُتَمَيِّزَةٌ، وَالْأَيْدِي مُتَحَيِّزَةٌ وَلَا سَطْوَةَ لِبَعْضِهِمْ فِي مَالِ الْبَعْضِ فَلَا تَتَحَقَّقُ التُّهْمَةُ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ لِقَرَابَتِهِ وِلَادًا أَوْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ ﵀ (وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقَةٌ إذْ الْفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ أَغْلَظُ مِنْ الْفِسْقِ مِنْ حَيْثُ التَّعَاطِي وَلَا شَهَادَةَ لِلْفَاسِقِ وَلَنَا أَنَّ الْفَاسِقَ إنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ، وَالْفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ مَا أَوْقَعَهُ فِيهِ إلَّا تَدَيُّنُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَكْفُرُ بِالذَّنْبِ وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ مَنْزِلَتَهُ بَيْنَ الْإِيمَانِ، وَالْكُفْرِ فَيَكُونُ هُوَ أَقْوَى اجْتِنَابًا عَنْ الْكَذِبِ حَذَرًا عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ الدِّينِ وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَدْلٌ لَا يَتَعَاطَى الْكَذِبَ فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْهَوَى وَهَوَاهُ عَنْ تَأْوِيلٍ وَتَدَيُّنٍ فَلَا تَبْطُلُ عَدَالَتُهُ بِهِ كَمَنْ يَسْتَبِيحُ الْمُثَلَّثَ أَوْ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ فَقَالَ أَرَأَيْت أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَاعَدُوا مُعَاوِيَةَ عَلَى مُخَالَفَةِ عَلِيٍّ ﵁، وَلَوْ شَهِدُوا بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ أَكَانَ يَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ، وَمُخَالَفَةُ عَلِيٍّ بَعْدَ عُثْمَانَ بِدْعَةٌ وَهَوَاءٌ فَكَيْفَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ تَأْوِيلٌ وَتَدَيُّنٌ لَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ وَشَرَطَ فِي الذَّخِيرَةِ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ أَنْ يَكُونَ هَوًى لَا يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّ أُصُولَ أَهْلِ الْهَوَى سِتَّةٌ الْجَبْرُ، وَالْقَدَرُ، وَالرَّفْضُ، وَالْخُرُوجُ، وَالتَّشْبِيهُ، وَالتَّعْطِيلُ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ يَصِيرُ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِرْقَةً، وَالْخَطَّابِيَّةُ قَوْمٌ مِنْ الرَّوَافِضِ يُنْسَبُونَ إلَى أَبِي الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبٍ الْأَجْدَعِ يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَشْهَدُوا لِلْمُدَّعِي إذَا حَلَفَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُحِقٌّ وَيَقُولُونَ الْمُسْلِمُ لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا فَبِاعْتِقَادِهِمْ هَذَا تَمَكَّنَتْ شُبْهَةٌ فِي شَهَادَتِهِمْ فَلَعَلَّهُ أَقْدَمَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَقِيلَ: إنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا عَلَى غَيْرِهِ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بَقِيَّةُ شِيعَتِهِ وَذَكَرَ الْأَقْطَعُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يُنْسَبُونَ إلَى أَبِي الْخَطَّابِ رَجُلٌ كَانَ بِالْكُوفَةِ قَتَلَهُ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَصَلَبَهُ بِالْكَنَائِسِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ الْإِلَهُ الْأَكْبَرُ وَجَعْفَرًا الصَّادِقَ الْإِلَهُ الْأَصْغَرُ قَالَ ﵀ (وَالذِّمِّيُّ عَلَى مِثْلِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَمَالِكٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى ذِمِّيٍّ مِثْلِهِ وَلَا عَلَى الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقَةٌ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِسْقَهُمْ فِي آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَغْلَظُ مِنْ الْفِسْقِ تَعَاطِيًا فَكَانَ أَوْلَى بِرَدِّ شَهَادَتِهِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَقَالَ ﵊ «وَمَلْعُونٌ مَنْ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ») وَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ أَحَدُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ هَذِهِ وَلَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ وَحَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَلَمْ يُقَامِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَحْلِفْ بِالْكَذِبِ، فَإِنَّهُ لَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُرْمَةِ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَإِبَاحَتِهِ عِنْدَ انْعِدَامِ هَذِهِ الْمَعَانِي فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يَحِلُّ كَذَا نَقَلَ مَذْهَبَهُمَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي فِي بَابِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ وَلِأَنَّ النَّاسَ لَا يَعُدُّونَهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَلَا يَسْتَخِفُّونَ صَاحِبَهُ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ يَبُولُ أَوْ يَأْكُلُ عَلَى الطَّرِيقِ) أَيْ بِمَرْأَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُرُوءَةِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ وَكَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَأْكُلُ إلَخْ) وَاَلَّذِي وَجَدْته بِخَطِّ شَيْخِنَا مَكْتُوبًا بَعْدَ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ إلَخْ) قَالَ الْكَاكِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ مُرُوءَةٌ وَكُلُّ فِعْلٍ فِيهِ تَرْكُ الْمُرُوءَةِ يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَتِهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ حَتَّى لَوْ مَشَى فِي السُّوقِ أَوْ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ بِسَرَاوِيلَ وَاحِدٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَكَذَا مَنْ يَمُدُّ رِجْلَيْهِ عِنْدَ النَّاسِ أَوْ يَكْشِفُ رَأْسَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا عَادَةَ فِيهِ مِمَّا يَجْتَنِبُهُ أَهْلُ الْمُرُوآتِ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتُقْبَلُ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ إلَخْ) وَذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَيُعْمَلُ بِعُمُومِهِ إلَّا مَا وَرَدَ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَرَادَ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَصْحَابَ الْبِدَعِ كَالْخَارِجِيِّ وَالرَّافِضِيِّ الْجَبْرِيِّ وَالْقَدَرِيِّ وَالْمُشَبِّهِ وَالْمُعَطِّلِ وَيُسَمَّى أَهْلُ الْبِدَعِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ لِمَيْلِهِمْ إلَى مَحْبُوبِ أَنْفُسِهِمْ بِلَا دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ فَالْهَوَى مَحْبُوبُ النَّفْسِ مِنْ هَوَى الشَّيْءَ إذَا أَحَبَّهُ وَقَدْ مَرَّ فِي التَّبْيِينِ فِي بَابِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ اهـ (قَوْلُهُ: بِالْكَنَائِسِ) كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ هَذَا الشَّرْحِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْكَمَالُ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْأَتْقَانِيِّ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْأَقْطَعِ وَصَلْبِهِ بِالْكُنَاسَةِ اهـ. قَالَ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ لِيَاقُوتِ الْكُنَاسَةُ بِالضَّمِّ مَحَلَّةٌ بِالْكُوفَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ يَاقُوتُ الْكَنَائِسَ وَقَدْ وَقَفْت عَلَى نُسْخَةٍ مِنْ شَرْحِ الْأَقْطَعِ مُعْتَمَدَةً بِخَطِّ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ الْغَزِّيِّ ﵀ وَنَصُّهَا فَهُمْ يَعْنِي الْخَطَّابِيَّةِ قَوْمٌ يُنْسَبُونَ إلَى أَبِي الْخَطَّابِ رَجُلٌ كَانَ بِالْكُوفَةِ قَتَلَهُ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَصَلَبَهُ بِالْكُنَاسَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالذِّمِّيُّ عَلَى مِثْلِهِ) اتَّفَقَتْ مِلَّتُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَتْ. اهـ. (قَوْلُهُ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِسْقَهُمْ فِي آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ)

стр. 1181

قَالَ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وَالْكَافِرُ غَيْرُ مَرَضِيٌّ وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّقِيقِ تُرَدُّ لِمَا أَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ بِهِ حَقِيقَةُ الْكُفْرِ وَلِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِ يُؤَدِّي إلَى إلْزَامِ الْحَاكِمِ الْقَضَاءَ بِشَهَادَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُسْلِمَ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ يَتَضَرَّرُ بِهِ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَنِبُونَ الْكَذِبَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الْآيَاتِ عِنَادًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ حَقٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فَكَانَ ذَلِكَ كَذِبًا مِنْهُمْ، وَالْكَذَّابُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا كَالْمُرْتَدِّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَكَذَا عَلَى الْكَافِرِ كَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ شَخْصٍ وَشَخْصٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إنْ اتَّفَقَتْ مِلَّتُهُمْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ لَا تُقْبَلُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا شَهَادَةَ لِأَهْلِ مِلَّةٍ عَلَى أَهْلِ مِلَّةٍ أُخْرَى إلَّا الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهِمْ» وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ بِشَهَادَةِ يَهُودَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا» وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ ﵊ «أَجَازَ شَهَادَةَ النَّصَارَى بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ السَّلَفِ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ وَفِي وَصِيَّةِ الْكَافِرِ أَوْلَى ثُمَّ انْتِسَاخُهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لِأَجْلِ أَنَّ وِلَايَتَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ انْتَسَخَتْ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِسَاخِهِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ لِبَقَاءِ وِلَايَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وَالْمُرَادُ بِهِ الْوِلَايَةُ دُونَ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فَإِذَا بَقِيَتْ وِلَايَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بَقِيَتْ الشَّهَادَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ وِلَايَةٍ لِمَا فِيهَا مِنْ إلْزَامِ الْغَيْرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ فِي حَقِّهِمْ وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَقَدْ عَمِلَ بِهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، فَإِنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمْضَى شَهَادَةَ الْكَافِرَيْنِ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِجُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ: فَإِنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَيْضًا، وَالْفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ لَا يَمْنَعُ الْقَبُولَ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ مَحْظُورِ دِينِهِ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَالْكَذِبُ مَحْظُورٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَالرِّضَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ فِي حَقِّ الْمُعَامَلَاتِ بِصِفَةِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَخَرَجَتْ الْآيَةُ مَخْرَجَ الْوَصْفِ لَهُمْ بِالْأَمَانَةِ، وَالْأَمَانَةُ مَرْضِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَافِرُ مَرَضِيًّا لِكُفْرِهِ وَلَمَّا كَانَ مُؤْتَمَنًا فِي الْمُعَامَلَاتِ كَانَ مُؤْتَمَنًا فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى أَحَدٍ كَالصَّبِيِّ، وَالشَّهَادَةُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، وَالْكَافِرُ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ عَلَى جِنْسِهِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ أَيْضًا عَلَى جِنْسِهِ، وَالْقَاضِي لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِقَوْلِ الْكَافِرِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ بِالتَّقْلِيدِ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ، وَالْقَضَاءُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ النَّظَرُ لِلْغُيَّبِ، وَالصِّغَارِ مِنْهُمْ وَمِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ بِأَيِّ سَبَبٍ وَجَبَ لَهُمْ الْحَقُّ وَامْتِنَاعُهُمْ عَنْ الْكَذِبِ مُشَاهَدٌ، وَالْعِنَادُ. وَالْجُحُودُ الَّذِي حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَعَ عِلْمِهِمْ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ فِي عَصْرِنَا مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحَقِّ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ الْكُفْرَ حَقًّا لِجَهْلِهِ بِهِ، وَلَوْ عَلِمَ لَأَسْلَمَ وَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَيْضًا مَنْ لَا يَعْلَمُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] وَقَوْلُهُمْ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ شَخْصٍ وَشَخْصٍ قُلْنَا: إنَّمَا اخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ لِمَا ذَكَرْنَا وَمِثْلُ هَذَا غَيْرُ مُنْكَرٍ شَرْعًا أَلَا تَرَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى عَدُوِّهِ لَا تُقْبَلُ وَعَلَى غَيْرِهِ تُقْبَلُ وَكَذَا شَهَادَتُهُ لِقَرَابَتِهِ وِلَادًا لَا تُقْبَلُ وَلِغَيْرِهِمْ تُقْبَلُ فَلَا يَبْعُدُ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ لِلتُّهْمَةِ فَكَذَا هَذَا، وَالْمُرْتَدُّ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى أَحَدٍ كَالْعَبْدِ، وَالصَّبِيِّ وَمِلَلُ الْكُفْرِ كُلِّهِ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] مِنْهَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ النُّورِ ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَتْ لَا تُقْبَلُ) كَشَهَادَةِ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَعَكْسِهِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ» إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلَنَا مَا حَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ائْتُونِي بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ يَشْهَدُونَ» فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَوَّزَ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِمْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرْتَدُّ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ)؛ لِأَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

стр. 1182

؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ لَيْسَ فِي قَهْرِ بَعْضٍ فَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ قَالَ ﵀ (وَالْحَرْبِيُّ عَلَى مِثْلِهِ لَا عَلَى الذِّمِّيِّ)؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْحَرْبِيِّ، وَالذِّمِّيُّ أَعْلَى حَالًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَجَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَالْحَرْبِيُّ مِثْلُ الْحَرْبِيِّ فَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا إذَا كَانَا مِنْ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالْإِفْرِنْجِ، وَالْحَبَشِ لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا لَا يَتَوَارَثَانِ، وَالدَّارُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ، وَالْمِلْكِ لِانْقِطَاعِ النُّصْرَةِ بَيْنَهُمَا وَاسْتِبَاحَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَمَ الْآخَرِ وَمَالَهُ قَالَ ﵀ (وَمَنْ أَلَمَّ بِصَغِيرَةٍ إنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عَصَى مَعْصِيَةً صَغِيرَةً بِشَرْطِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْكَبَائِرَ، وَاللَّمَمُ الصَّغِيرَةُ وَأَلَمَّ إذَا أَذْنَبَ مَا دُونَ الْفَوَاحِشِ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا وَكَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَغْلَبَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الْكَبَائِرِ، وَالصَّغَائِرِ فَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الِاسْتِقَامَةُ يُقَالُ طَرِيقٌ عَدْلٌ لِلْجَادَّةِ، وَالِاسْتِقَامَةِ بِالْإِسْلَامِ وَاعْتِدَالِ الْعَقْلِ وَيُعَارِضُ الْعَقْلَ هَوًى يُضِلُّهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ وَلَيْسَ لِكَمَالِ الِاسْتِقَامَةِ حَدٌّ يُدْرَكُ مَدَاهُ وَيُكْتَفَى لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْحَرْبِيُّ عَلَى مِثْلِهِ لَا عَلَى الذِّمِّيِّ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ عَلَى الذِّمِّيِّ قَالَ الْكَمَالُ أَرَادَ بِهِ الْمُسْتَأْمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ دَخَلَ بِلَا أَمَانٍ قَهْرًا اُسْتُرِقَّ وَلَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى أَحَدٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالذِّمِّيُّ أَعْلَى حَالًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا) وَقَدْ قَبِلَ خُلْفَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْجِزْيَةُ حَتَّى كَانَ لَهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ عِنْدَنَا لَا بِالْمُسْتَأْمِنِ اهـ كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ: وَالْحَرْبِيُّ مِثْلُ الْحَرْبِيِّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الدَّارِ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فَلَا لِارْتِفَاعِ الْوِلَايَةِ وَالْعِصْمَةِ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي التَّوَارُثُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَيْثُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَإِنْ كَانَ هَذَا رُومِيًّا وَذَاكَ تُرْكِيًّا؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَبِلُوا الْجِزْيَةَ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دِيَارِنَا وَكَانَتْ دَارُهُمْ مُتَّحِدَةً حُكْمًا قَالَ النَّاصِحِيُّ فِي تَهْذِيبِ أَدَبِ الْقَاضِي، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّا لَوْ قَضَيْنَا لَقَضَيْنَا الْآنَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَإِذَا عَرَضَ مَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَمْ يَقْضِ بِهِ كَمَا لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي كَذَا هَذَا، وَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَالْقَضَاءُ مَاضٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَمَّتْ بِالْقَضَاءِ فَطَرَيَانُ مَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ لَا يُبْطِلُ الْقَضَاءَ كَمَا لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ الْقَضَاءِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَإِنِّي أَدْرَأُ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ فَإِذَا عَرَضَ مَانِعٌ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَلَمَّ إذَا أَذْنَبَ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَلَمَّ أَيْ أَتَى اللَّمَمَ وَهُوَ دُونَ الْكَبِيرَةِ مِنْ الذُّنُوبِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ الدِّيوَانِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا وَكَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَغْلَبَ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا كَانَتْ الْحَسَنَاتُ أَغْلَبَ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَالرَّجُلُ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ أَلَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَالَ الْكَمَالُ هَذَا هُوَ مَعْنَى الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي حَدِّ الْعَدَالَةِ وَهُوَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ وَفِيهِ قُصُورٌ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَمْرِ الْمُرُوءَةِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْمَعَاصِي وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هُوَ قَوْلُهُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِكَبِيرَةٍ وَلَا يُصِرُّ عَلَى صَغِيرَةٍ وَيَكُونُ سَتْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ هَتْكِهِ وَصَوَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ وَمُرُوءَتُهُ ظَاهِرَةً وَيَسْتَعْمِلُ الصِّدْقَ وَيَجْتَنِبُ الْكَذِبَ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً هَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ حِينَ سَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَزِيرُ الْمُعْتَضِدِ عَنْ الْعَدَالَةِ فَقَالَ لَهُ أَحْسَنُ مَا نُقِلَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ الْقَاضِي ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ وَكَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: وَمُرُوءَتُهُ ظَاهِرَةٌ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَأَمَّا الْإِلْمَامُ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تَنْقَدِحُ بِهِ الْعَدَالَةُ يُرِيدُ الصَّغِيرَةَ، وَلَفْظُ الْإِلْمَامِ وَأَلَمَّ اُشْتُهِرَ فِي الصَّغِيرَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي خِرَاشٍ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْقُتَبِيُّ عَنْهُ بِسَنَدِهِ وَنَسَبَهُ الْخَطَّابِيُّ إلَى أُمَيَّةَ وَنِسْبَةُ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ إيَّاهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ غَلَطٌ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ أَفْرَادٍ نُصَّ عَلَيْهَا، مِنْهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ بَعْدَ كَوْنِ الْإِمَامِ لَا طَعْنَ عَلَيْهِ فِي دِينٍ وَلَا حَالٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا فِي تَرْكِهَا كَأَنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْإِمَامُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ بِالتَّرْكِ وَكَذَا بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَالْحَلْوَانِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ مَنْ أَكَلَ فَوْقَ الشِّبَعِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ التَّقَوِّي عَلَى صَوْمِ الْغَدِ أَوْ مُؤَانَسَةِ الضَّيْفِ وَكَذَا مَنْ خَرَجَ لِرُؤْيَةِ السُّلْطَانِ أَوْ الْأَمِيرِ عِنْدَ قُدُومِهِ وَرَدَّ شَهَادَةَ شَيْخٍ صَالِحٍ لِمُحَاسَبَتِهِ ابْنَهُ فِي النَّفَقَةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ كَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُ تَضْيِيقًا وَمُشَاحَّةً يَشْهَدُ بِالْبُخْلِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ رُكُوبَ الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ التَّفَرُّجِ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَكَذَا التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ وَقُرَى فَارِسَ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطِرٌ بِدِينِهِ وَنَفْسِهِ لِنَيْلِ الْمَالِ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكْذِبَ لِأَجْلِ الْمَالِ وَتُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ إذَا كَانَ مُوسِرًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَكَذَا مَنْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِ بَاطِلٍ وَكَذَا عَلَى فِعْلِ بَاطِلٍ مِثْلُ مَنْ يَأْخُذُ سُوقَ النَّخَّاسِينَ مُقَاطَعَةً وَأَشْهَدَ عَلَى وَثِيقَتِهَا شُهُودًا قَالَ الْمَشَايِخُ إنْ شَهِدُوا حَلَّ بِهِمْ الطَّعْنُ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى بَاطِلٍ فَكَيْفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عِنْدَ مُبَاشِرِي السُّلْطَانِ عَلَى ضَمَانِ الْجِهَاتِ وَالْإِجَارَاتِ الْمُضَارَّةِ عَلَى الْمَحْبُوسِينَ عِنْدَهُمْ وَاَلَّذِينَ فِي تَرْسِيمِهِمْ اهـ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ

стр. 1183

بِأَدْنَاهُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ وَأَدْنَاهُ رُجْحَانُ جِهَةِ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ عَلَى الْهَوَى، وَالشَّهْوَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ أَصَرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَصَارَ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ لِظُهُورِ رُجْحَانِ جِهَةِ الْهَوَى عَلَى الْعَقْلِ. وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْعَدْلَ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونُ مُجْتَنَبًا عَنْ الْكَبَائِرِ وَلَا يَكُونُ مُصِرًّا عَلَى الصَّغَائِرِ وَيَكُونُ صَلَاحُهُ أَكْثَرَ مِنْ فَسَادِهِ وَصَوَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ تَكُونُ كَبِيرَةً بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَلَا يُوثَقُ بِكَلَامِ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْخَطَأُ، وَالْفَسَادُ فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاجْتِنَابِ عَنْ الْكَذِبِ، وَالْإِلْمَامُ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ إذْ لَا يُوجَدْ مِنْ الْبَشَرِ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ، - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَيُؤَدِّي اشْتِرَاطُ الْعِصْمَةِ إلَى سَدِّ بَابِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ عُدُولًا وَقَوْلُهُ ﵊ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ» قَالَ ﵀ (، وَالْأَقْلَفُ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْخِتَانِ وَلِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ هَذَا إذَا تَرَكَهُ لِعُذْرٍ بِهِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ خَوْفِ هَلَاكٍ، وَإِنْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَدْلًا مَعَ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَرَكَهُ اسْتِخْفَافًا بِالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدِّرْ أَبُو حَنِيفَةَ لِلْخِتَانِ وَقْتًا مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَقَادِيرِ السَّمَاعُ وَلَيْسَ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَدْخَلٌ. وَقَدَّرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَقْتُهُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ إلَى عَشْرِ سِنِينَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْيَوْمُ السَّابِعُ مِنْ وِلَادَتِهِ أَوْ بَعْدَ السَّابِعِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مُحْتَمِلًا وَلَا يَهْلَكُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ ﵄ خُتِنَا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ أَوْ بَعْدَ السَّابِعِ وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ عِنْدَنَا دُونَ النِّسَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ فَرْضٌ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْخِتَانُ لِلرِّجَالِ سُنَّةٌ وَلِلنِّسَاءِ مَكْرُمَةٌ» قَالَ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ كَانَ النِّسَاءُ يَخْتَتِنَّ فِي زَمَنِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَكْرُمَةً؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ الذِّلَّةُ عِنْدَ الْمُوَاقَعَةِ قَالَ ﵀ (وَالْخَصِيُّ وَوَلَدُ الزِّنَا، وَالْخُنْثَى) لِتَحَقُّقِ الْعَدَالَةِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْعُضْوِ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوْ جِنَايَةُ أَبَوَيْهِ لَا يُوجِبُ قَدَحًا فِي الْعَدَالَةِ وَقَبِلَ عُمَرَ ﵁ شَهَادَةَ عَلْقَمَةَ الْخَصِيِّ، وَالْخُنْثَى إمَّا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَشَهَادَةُ الْجِنْسَيْنِ مَقْبُولَةٌ ثُمَّ هُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْكِلًا فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فَيُجْعَلُ امْرَأَةً فِي حَقِّ الشَّهَادَةِ احْتِيَاطًا حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ رَجُلٍ مَا لَمْ يُضَمَّ إلَيْهِ امْرَأَةٌ وَلَا مَعَ النِّسَاءِ بِلَا رَجُلٍ مَعَهُنَّ قَالَ ﵀ (وَالْعُمَّالُ) الْمُرَادُ بِهِ عُمَّالُ السَّلَاطِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْحُقُوقَ الْوَاجِبَةَ كَالْخَرَاجِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالصَّدَقَاتِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَقِيلَ هُمْ الْأُمَرَاءُ وَقِيلَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِأَيْدِيهِمْ وَيُؤْجِرُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَيَّامًا كَانُوا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَمَلِ لَيْسَ بِفِسْقٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ كُبَرَاؤُهُمْ كَانُوا عُمَّالًا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عِبَادَةٌ وَلَهُ الْأَجْرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانُوا أَعْوَانًا عَلَى الظُّلْمِ وَقِيلَ إذَا كَانَ الْعَامِلُ وَجِيهًا فِي النَّاسِ ذَا مُرُوءَةٍ لَا يُجَازِفُ فِي كَلَامِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّهُ لِمَهَابَتِهِ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِئْجَارِهِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْكَاذِبَةِ وَلِوَجَاهَتِهِ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْكَذِبِ حِفْظًا لِلْمُرُوءَةِ. وَرُوِيَ أَنَّ فُضَيْلٍ بْنَ رَبِيعٍ وَزِير الْخَلِيفَةِ شَهِدَ عِنْد أَبِي يُوسُف ﵀ فِي حَادِثَةٍ فَرَدَّ شَهَادَته فَشَكَاهُ إلَى الْخَلِيفَة فَقَالَ الْخَلِيفَة أَيُّهَا الْقَاضِي: إنَّ وَزِيرِي رَجُلُ دِينٍ لَا يَشْهَدُ بِالزُّورِ فَلِمَ رَدَدْت شَهَادَتَهُ فَقَالَ؛ لِأَنِّي سَمِعْته يَوْمًا قَالَ لِلْخَلِيفَةِ: أَنَا عَبْدُك، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُبَالِي بِالْكَذِبِ فِي مَجْلِسِك فَلَا يُبَالِي بِالْكَذِبِ فِي مَجْلِسِي أَيْضًا فَعَذَرَهُ الْخَلِيفَةُ فِيهِ وَفِي الْكَافِي هَذَا كَانَ فِي زَمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاحُ وَفِي زَمَانِنَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعُمَّالِ لِغَلَبَةِ ظُلْمِهِمْ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْبَزْدَوِيِّ أَنَّ مِنْ قَامَ بِتَوْزِيعِ هَذِهِ النَّوَائِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْقِسْطِ، وَالْعَدَالَةِ كَانَ مَأْجُورًا، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ جِهَةٍ بَاطِلَةٍ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالْأَقْلَفِ إلَخْ) وَمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُقْبَلُ صَلَاتُهُ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمَجُوسَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ. اهـ. كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ: الذِّلَّةُ) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ الذَّالَّةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالْخَصِيِّ وَوَلَدِ الزِّنَا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ رَأَيْت فِي كِتَابِ التَّفْرِيعِ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا إلَّا فِي الزِّنَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْحُدُودِ، فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ فِيهِ هَذَا لَفْظُ كِتَابِ التَّفْرِيعِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ مِثْلَهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا كَانَ وَلَدُ الزِّنَا عَدْلًا وَالْعَدْلُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا مَعَ النِّسَاءِ بِلَا رَجُلٍ مَعَهُنَّ) وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَفِي شَهَادَتِهِنَّ شُبْهَةُ الْبَدَلِيَّةِ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ انْتَهَى أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْعُمَّالِ) ذَكَرَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ أَرَادَ بِهِ عَامِلَ السُّلْطَانِ الَّذِي يُعَيِّنُهُ عَلَى أَخْذِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ شَرْعًا أَمَّا الَّذِي يُعَيِّنُهُ عَلَى أَخْذِ الْحَرَامِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ انْتَهَى وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَذَكَرَ فِي الْوَاقِعَاتِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ بِعَلَامَةِ السِّينِ: الْعُمَّالُ لِلسُّلْطَانِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْعُشْرَ وَالصَّدَقَاتِ وَغَيْرَهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا أُمَنَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حُمِلُوا عَلَى ذَلِكَ لِأَمَانَتِهِمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَحْتَرِزُونَ مِنْ الْكَذِبِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلِوَجَاهَتِهِ لَا يَقْدُمُ عَلَى الْكَذِبِ حِفْظًا لِلْمُرُوءَةِ) فَأَمَّا إذَا كَانَ سَاقِطَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ النَّاسِ أَوْ مُجَازِفًا فِي كَلَامِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. اهـ. كَافِي

стр. 1184

ثُمَّ قَالَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ مَنْ قَامَ بِالتَّوْزِيعِ، وَلَوْ كَانَ مُجَازِفًا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعُمَّالِ أَهْلَ الْحَرْفِ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ وَبَائِعُ الْكَفَنِ قَالُوا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَنَّى كَثْرَةَ الْمَوْتِ بِالطَّاعُونِ وَغَيْرِهِ وَفِي النِّهَايَةِ شَهَادَةُ الْبَخِيلِ لَا تُقْبَلُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَنْ يَبْخَلُ بِالْوَاجِبَاتِ كَالزَّكَاةِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَالْأَقَارِبِ قَالَ ﵀ (وَالْمُعْتَقُ لِلْمُعْتِقِ) أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُعْتَقِ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ وَكَذَا بِالْعَكْسِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَنْبَرًا، وَالْحَسَنَ شَهِدَا لِعَلِيٍّ عِنْدَ شُرَيْحٍ فَقَبِلَ شَهَادَةَ قَنْبَرٍ وَهُوَ كَانَ عَتِيقَ عَلِيٍّ ﵃ أَجْمَعِينَ - قَالَ ﵀ (وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَيْهِ، وَالْوَصِيُّ يَدَّعِي جَازَ، وَإِنْ أَنْكَرَ لَا كَمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دُيُونِهِ وَادَّعَى الْوَكِيلُ أَوْ أَنْكَرَ) يَعْنِي إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ فَادَّعَيَا أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، وَالرَّجُلُ يَدَّعِي الْوَصِيَّةَ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ أَنْكَرَ الرَّجُلُ الْوَصِيَّةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا كَمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا أَنَّ أَبَاهُمَا الْغَائِبَ قَدْ وَكَّلَ هَذَا الرَّجُلَ بِقَبْضِ دُيُونِهِ سَوَاءٌ ادَّعَى الرَّجُلُ الْوَكَالَةَ أَوْ أَنْكَرَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْوَصِيَّةُ أَيْضًا، وَإِنْ ادَّعَى وَكَذَا إذَا شَهِدَ الْمُوصِي إلَيْهِمَا أَوْ لَهُمَا أَوْ الْغَرِيمَانِ لَهُمَا عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عَلَيْهِمَا لَهُ دَيْنٌ أَنَّهُ أَوْصَى إلَى هَذَا الرَّجُلِ تَجُوزُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ؛ لِأَنَّهَا تَجُرُّ مَنْفَعَةً إلَى الشَّاهِدِ بِإِقَامَةِ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ أَوْ مَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ أَوْ مَنْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ أَوْ مَنْ يُعِينُهُ بِالْقِيَامِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالشَّهَادَةُ الَّتِي تَجُرُّ مَنْفَعَةً لَا تُقْبَلُ فَصَارَ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْوَكَالَةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ نَصْبِ الْوَصِيِّ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ طَالِبًا وَكَانَ الْمَوْتُ مَعْرُوفًا فَيَكْفِي الْقَاضِيَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مُؤْنَةَ التَّعْيِينِ وَزَكَّيَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا إذْ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا كَانَ يُتَأَمَّلُ فِيمَنْ يُعَيِّنُ وَفِيمَنْ يَصْلُحُ فَيُعَيِّنُ مَنْ تَثْبُتُ صَلَاحِيَّتُهُ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ وَنَظِيرُهَا الْقُرْعَةُ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ لَوْلَا الْقُرْعَةُ وَمَعَ هَذَا جَازَ اسْتِعْمَالُهَا تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ وَنَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْ الْقَاضِي وَلَا يُقَالُ: إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَصِيَّانِ لَا يَحْتَاجُ الْقَاضِي إلَى وَصِيٍّ ثَالِثٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ مَا قُلْتُمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إذَا أَقَرَّ الْوَصِيَّانِ أَنَّ مَعَهُمَا ثَالِثًا كَانَ لَهُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِمَا ثَالِثًا لِعَجْزِهِمَا عَنْ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمَيِّتِ بِإِقْرَارِهِمَا أَنَّ مَعَهُمَا ثَالِثًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ جَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَ أَحَدٍ عَلَى قَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَوْتُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَمْلِكُ الْقَاضِي نَصْبَ الْوَصِيِّ إلَّا بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ فَتَصِيرُ الشَّهَادَةُ مُوجَبَةً عَلَى الْقَاضِي فَتَبْطُلُ لِمَعْنَى التُّهْمَةِ وَهُوَ جَرُّ الْمَنْفَعَةِ إلَى الشَّاهِدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَكَالَةِ وَهِيَ مَا إذَا أَقَامَ شَخْصَانِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُمَا الْغَائِبَ وَكَّلَ فُلَانًا بِقَبْضِ حُقُوقِهِ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ. وَإِنْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ نَصْبَ الْوَكِيلِ عَنْ الْغَائِبِ فَلَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمَا وَهِيَ غَيْرُ مُوجَبَةٍ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ فَبَطَلَتْ وَفِي الْكَافِي فِي الْغَرِيمَيْنِ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْتُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِثُبُوتِ وِلَايَةِ الْقَبْضِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ فَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ وَثَبَتَ مَوْتُ رَبِّ الدَّيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا فِي حَقِّهِمَا وَقِيلَ مَعْنَى الْقَبُولِ أَنْ يَأْمُرَهُمَا الْقَاضِي بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمَا إلَيْهِ لَا أَنْ يَبْرَآ عَنْ الدَّيْنِ بِهَذَا الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ مِنْهُمَا حَقٌّ عَلَيْهِمَا فَيُقْبَلُ فِي حَقِّهِ، وَالْبَرَاءَةُ حَقٌّ لَهُمَا فَلَا تُقْبَلُ فِي حَقِّهِمَا قَالَ ﵀: (وَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ عَلَى جَرْحٍ) أَيْ عَلَى جَرْحٍ مُجَرَّدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَضَمَّنَ إيجَابَ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ الْمُجَرَّدَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ يُرْفَعُ فِسْقُهُ بِالتَّوْبَةِ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَابَ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِلْزَامُ وَلِأَنَّ فِيهِ هَتْكَ السَّتْرِ وَإِشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهُوَ حَرَامٌ وَلِلضَّرُورَةِ جَائِزٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ مَنْ قَامَ بِالتَّوْزِيعِ وَلَوْ كَانَ مُجَازِفًا) إلَى هُنَا كَلَامُ الشَّارِحِ وَبَعْدَ هَذَا كَتَبْت مُلْحَقًا وَهُوَ فِي كَلَامِهِ مِنْ الْعُمَّالِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ هَذَا الْمُلْحَقُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَلَا يَصِحُّ الْكَلَامُ إلَّا بِهِ. (قَوْلُهُ وَبَائِعِ الْكَفَنِ قَالُوا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي قَالُوا شَهَادَةُ بَائِعِ الْأَكْفَانِ لَا تَجُوزُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إنَّمَا لَا تَجُوزُ إذَا تَرَصَّدَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَالطَّاعُونَ أَمَّا إذَا كَانَ يَبِيعُ الثِّيَابَ هَكَذَا وَيُشْتَرَى مِنْهُ الْكَفَنُ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا) قَالَ الْكَمَالُ صُورَتُهَا رَجُلٌ ادَّعَى أَنَّهُ وَصِيُّ فُلَانٍ الْمَيِّتِ فَشَهِدَ بِذَلِكَ اثْنَانِ مُوصًى لَهُمَا بِمَالٍ أَوْ وَارِثَانِ كَذَلِكَ أَوْ غَرِيمَانِ لَهُمَا عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّانِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ تَتَضَمَّنُ جَلْبَ نَفْعٍ لِلشَّاهِدِ أَمَّا الْوَارِثَانِ لِقَصْدِهِمَا نَصْبَ مَنْ يَتَصَرَّفُ لَهُمَا وَيُرِيحُهُمَا وَيَقُومُ بِإِحْيَاءِ حُقُوقِهِمَا وَالْغَرِيمَانِ الدَّائِنَانِ وَالْمُوصَى لَهُمَا لِوُجُودِ مَنْ يَسْتَوْفِيَانِ مِنْهُ وَالْمَدْيُونَانِ لِوُجُودِ مَنْ يَبْرَآنِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَالْوَصِيَّانِ مَنْ يُعَيِّنُهُمَا فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ وَالْمُطَالَبَةِ وَكُلُّ شَهَادَةٍ جَرَّتْ نَفْعًا لَا تُقْبَلُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا شَهِدَ الْمُوصَى إلَيْهِمَا) يُقَالُ أَوْصَى إلَيْهِ أَيْ جَعَلَهُ وَصِيًّا وَأَوْصَى لَهُ بِكَذَا أَيْ جَعَلَهُ مُوصَى لَهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: تَجُوزُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ اسْتِحْسَانًا) وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَوْتُ ظَاهِرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ إلَّا الْغَرِيمَيْنِ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا تُقْبَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْتُ مَعْرُوفًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَصِحُّ مَا قُلْتُمْ) قُلْت: إنَّهُمَا شَهِدَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَى هَذَا الرَّجُلِ الثَّالِثِ فَقَدْ أَقَرَّا أَنْ لَا حَقَّ لَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا ثَالِثٌ فَلَوْ رَدَّ شَهَادَتَهُمَا لَاحْتَاجَ إلَى نَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ حَتَّى يَتَصَرَّفَ مَعَهُمَا فَلَا يَكُونُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ فَائِدَةٌ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: جَائِزٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُ) قَالَ لَهُ يَا فَاسِقُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ فِسْقَهُ بِالْبَيِّنَةِ لِيَدْفَعَ التَّعْزِيرَ عَنْ نَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ

стр. 1185

وَلَا يُقَالُ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَهُوَ مَنْعُ الظَّالِمِ عَنْ الظُّلْمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِقَوْلِهِ ﵊ «اُنْصُرْ أَخَاك الظَّالِمَ أَوْ الْمَظْلُومَ»؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا ضَرُورَةَ إلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِخْبَارِ لِلْقَاضِي سِرًّا حَتَّى يَرُدَّ شَهَادَتَهُمَا فَأَمْكَنَ الِامْتِنَاعُ عَنْ الظُّلْمِ بِذَلِكَ. أَمَّا إذَا كَانَ الْجَرْحُ غَيْرَ مُجَرَّدٍ بِأَنْ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِمَا زَنَوْا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ أَوْ سَرَقُوا أَوْ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ حَقِّ الْعَبْدِ كَقَوْلِهِمَا أَخَذُوا الْمَالَ أَوْ قَتَلُوا النَّفْسَ عَمْدًا فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ضَرُورَةَ إحْيَاءِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَتْكٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمَا إيجَابُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْحَدُّ أَوْ إيجَابُ حَقِّ الْعَبْدِ وَهُوَ ضَمَانٌ يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ وَفِي ضِمْنِهِ يَثْبُتُ الْجَرْحُ وَكَذَا إذَا قَالَ صَالَحْت الشُّهُودَ بِكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا الْبَاطِلِ وَقَدْ شَهِدُوا عَلَيَّ بِهِ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَطَلَبَ اسْتِرْدَادَ الْمَالِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَكَذَا إذَا قَالَ أَعْطَاهُمْ الْمُدَّعِي مِنْ مَالِي الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ حَتَّى يَشْهَدُوا لَهُ بِالزُّورِ وَطَلَبَ اسْتِرْدَادَهُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ صَحِيحَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إيجَابِ رَدِّ الْمَالِ عَلَى الشُّهُودِ وَهُوَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ حَتَّى لَوْ قَالَ صَالَحْتهمْ بِكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا عَلَيَّ وَلَمْ أَدْفَعْ إلَيْهِمْ الْمَالَ أَوْ قَالَ: اسْتَأْجَرَهُمْ الْمُدَّعِي بِكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ إذْ الْمُدَّعِي مُجَرَّدُ جَرْحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ قَبْلَهُ حَقًّا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِهِ وَدَعْوَى الِاسْتِئْجَارِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَكِنَّهُ يَدَّعِيهَا لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إلْزَامِ غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ فَكَانَ جَرْحًا مُجَرَّدًا، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَعْنَى وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الشُّهُودَ أَوْ عَلَى إقْرَارِ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْضُرُوا الْمَجْلِسَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْحَقُّ. وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي قَذْفٍ؛ لِأَنَّ فِي الْعَبِيدِ إثْبَاتَ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الرِّقُّ وَفِي غَيْرِهِ لَيْسَ فِيهِ إشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَإِنَّمَا حُكُوا بِإِظْهَارِ فَاحِشَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزُّورِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ أُجَرَاءُ فِي أَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُبْطِلٌ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ. وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشُّهُودَ زُنَاةٌ أَوْ شَرَبَةُ خَمْرٍ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ زَنَوْا أَوْ وَصَفُوا الزِّنَا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ أَوْ سَرَقُوا مِنِّي كَذَا وَلَمْ يَتَقَادَمْ الْعَهْدُ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَقَادِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَقَادِمًا لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ إثْبَاتِ الْحَقِّ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِحَدٍّ مُتَقَادِمٍ مَرْدُودَةٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ مَقْبُولَةٌ تَأْوِيلُهُ إذَا أَقَامَهَا عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ أَوْ عَلَى التَّزْكِيَةِ وَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ الشُّهُودَ زُنَاةٌ أَوْ شَرَبَةُ خَمْرٍ لَمْ تُقْبَلْ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ زَنَوْا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ أَوْ سَرَقُوا تُقْبَلُ يُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَقَادِمًا وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ زُنَاةٌ أَوْ زَنَوْا إلَخْ قَالَ ﵀ (وَمَنْ شَهِدَ وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى قَالَ أَوْهَمْتُ بَعْضَ شَهَادَتِي تُقْبَلُ لَوْ عَدْلًا) قَوْلُهُ أَوْهَمْتُ أَيْ أَخْطَأْت بِذِكْرِ زِيَادَةٍ كَانَتْ بَاطِلَةً أَوْ بِنِسْيَانِ بَعْضِ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيَّ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يُبْتَلَى بِالْغَلَطِ لِمَهَابَةِ مَجْلِسِ الْقَاضِي فَوَضَحَ الْعُذْرُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَدَارَكَهُ فِي أَوَانِهِ وَهُوَ عَدْلٌ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَمَا قَامَ عَنْ الْمَجْلِسِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ غَرَّهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِالرِّشْوَةِ ثُمَّ قِيلَ يَقْضِي بِجَمِيعِ مَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا حَتَّى لَوْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ غَلِطْت فِي خَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ أَوَّلًا صَارَ حَقًّا لِلْمُدَّعِي وَوَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ، وَقِيلَ يُقْضَى بِمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَحُدُوثِهِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ هَذَا إذَا كَانَ مَوْضِعَ شُبْهَةٍ كَمَا بَيَّنَّا أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ شُبْهَةٍ فَلَا بَأْسَ بِإِعَادَةِ الْكَلَامِ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِ لَفْظَ الشَّهَادَةِ أَوْ اسْمَ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ يَتْرُكَ الْإِشَارَةَ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَإِنْ قَامَ عَنْ الْمَجْلِسِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مَأْمُونًا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ قَوْلَهُ يُقْبَلُ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ فِي الْكُلِّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ أَوْهَمْت فِي الزِّيَادَةِ أَوْ فِي النُّقْصَانِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ الْغَلَطُ فِي ذِكْرِ بَعْضِ حُدُودِ الْعَقَارِ أَوْ فِي بَعْضِ النَّسَبِ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُبْتَلَى بِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَذِكْرُهُ ذَلِكَ لِلْقَاضِي دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَاحْتِيَاطِهِ فِي الْأُمُورِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ الْجَرْحِ وَالْفِسْقِ لَا تُقْبَلُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ يَا زَانِي ثُمَّ أَثْبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْحَدِّ. اهـ. قُنْيَةٌ فِي الْحُدُودِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ حَتَّى قَالَ أَوْهَمْت) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَوَهِمَ فِي الْحِسَابِ غَلِطَ مِنْ بَابِ لَبِسَ وَأَوْهَمَ فِيهِ مِثْلُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ، فَإِنْ قَالَ: أَوْهَمْت أَوْ أَخْطَأَتْ أَوْ نَسِيت وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ الشَّاهِدَانِ أَوْهَمْنَا إنَّمَا السَّارِقُ هَذَا وَيُرْوَى وَهِمْنَا وَأَوْهَمَ فِي الْحِسَابِ مِائَةً أَيْ أَسْقَطَ وَأَوْهَمَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةً وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى وَأَوْهَمَ فِي صَلَاتِهِ فَقِيلَ لَهُ كَأَنَّك أَوْهَمْت فِي صَلَاتِك» اهـ

стр. 1186

(بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ) قَالَ ﵀ (الشَّهَادَةُ إنْ وَافَقَتْ الدَّعْوَى قُبِلَتْ وَإِلَّا لَا)؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حَقِّ الْعَبْدِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا نُصِّبَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَفَصْلُهُ يَفْتَقِرُ إلَى سَبْقِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَعْدَ الدَّعْوَى أَمَّا الشَّهَادَةُ أَوْ الْيَمِينُ وَقَدْ وُجِدَ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى فِيمَا إذَا وَافَقَتْ الشَّهَادَةُ الدَّعْوَى فَأَمْكَنَ الْفَصْلُ بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا إذَا خَالَفَتْهَا فَلَمْ يُمْكِنْ الْقَضَاءُ بِهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لِأَجْلِ تَصْدِيقِ الدَّعْوَى، فَإِذَا خَالَفَتْهَا فَقَدْ كَذَّبَتْهَا، وَالدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ لَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا فَانْعَدَمَ الشَّرْطُ وَهُوَ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى فَلَا يُحْكَمُ بِهَا بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ خَصْمًا فِي إثْبَاتِهِ فَصَارَ كَأَنَّ الدَّعْوَى مَوْجُودَةٌ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا كَانَ طَالِبًا لَهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا إقَامَتُهَا وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا بِالدَّعْوَى إذْ لَا يَعْرِفُ الْقَاضِي حُقُوقَهُمْ وَلَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى اسْتِيفَائِهَا قَالَ ﵀ (ادَّعَى دَارًا إرْثًا أَوْ شِرَاءً فَشَهِدَا بِمِلْكٍ مُطْلَقٍ لَغَتْ) أَيْ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِأَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى مِلْكًا حَادِثًا وَهُمَا شَهِدَا بِمِلْكٍ قَدِيمٍ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُطْلَقِ يَثْبُتُ مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْمُدَّعِي بِزَوَائِدِهِ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْمِلْكِ الْحَادِثِ وَتَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيهِ فَصَارَا غَيْرَيْنِ، وَالتَّوْفِيقُ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ قَدِيمًا وَلَا الْقَدِيمُ حَادِثًا فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ قَالَ ﵀ (وَبِعَكْسِهِ لَا) أَيْ بِعَكْسِ مَا مَضَى وَهُوَ مَا إذَا ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدَا بِمِلْكٍ بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ لَا تَكُونُ لَغْوًا بَلْ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ قَالَ ﵀ (وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى)؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِحُجَّةٍ وَهِيَ شَهَادَةُ الْمُثَنَّى فَمَا لَمْ يَتَّفِقَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ لَا تَثْبُتُ الْحُجَّةُ مُطْلَقًا، وَالْمُوَافَقَةُ الْمُطْلَقَةُ بِاللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا الِاتِّفَاقُ فِي الْمَعْنَى هُوَ الْمُعْتَبَرُ لَا غَيْرُ، وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ فِي اللَّفْظِ تَطَابُقُ اللَّفْظَيْنِ عَلَى إعَادَةِ الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْوَضْعِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] [ بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ] ِ) الِاخْتِلَافُ فِي الشَّهَادَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ بَلْ الْأَصْلُ الِاتِّفَاقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا يَتَفَرَّعُ عَنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ذَلِكَ وَالشَّهَادَةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَتَفَرَّعُ إمَّا عَنْ رُؤْيَةٍ كَمَا فِي الْغَصْبِ وَالْقَتْلِ أَوْ سَمَاعٍ بِإِقْرَارٍ وَغَيْرِهِ وَالشَّاهِدَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي إدْرَاكِ ذَلِكَ فَيَسْتَوِيَانِ فِيمَا يُؤَدِّيَانِ فَلِذَا أَخَّرَهُ عَمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ خِلَافٌ اهـ كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ الشَّهَادَةُ إنْ وَافَقَتْ الدَّعْوَى قُبِلَتْ) بِأَنْ كَانَتْ فِي أَلْفٍ قَرْضٍ وَشَهِدَا بِأَلْفٍ قَرْضٍ اهـ ع (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُوَافِقْ الشَّهَادَةُ الدَّعْوَى بِأَنْ كَانَتْ فِي أَلْفٍ قَرْضٍ وَشَهِدَا بِأَلْفٍ ثَمَنِ مَتَاعٍ اهـ ع (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حَقِّ الْعَبْدِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ وَهُوَ الدَّعْوَى، وَقَدْ وُجِدَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يُوَافِقُهَا أَيْ يُوَافِقُ الشَّهَادَةَ فَوُجِدَ شَرْطُ قَبُولِهَا فَتُقْبَلُ وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا، فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تُوَافِقْهَا صَارَتْ الدَّعْوَى لِشَيْءٍ آخَرَ وَشَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى وَاعْلَمْ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُوَافَقَةِ الْمُطَابَقَةَ بَلْ إمَّا الْمُطَابَقَةُ أَوْ كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَكْثَرَ فَمِنْ الْأَقَلِّ مَا لَوْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِسَبَبِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرِ كَذَا فَشَهِدُوا أَنَّهَا مَنْكُوحَتُهُ بِلَا زِيَادَةٍ تُقْبَلُ وَيَقْضِي بِمَهْرِ الْمِثْلِ إنْ كَانَ قَدْرَ مَا سَمَّاهُ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ لَا يَقْضِي بِالزِّيَادَةِ كَذَا فِي غَيْرِ نُسْخَةٍ مِنْ الْخُلَاصَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ وَمِنْهُ إذَا ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا أَوْ بِالنِّتَاجِ فَشَهِدُوا فِي الْأَوَّلِ بِالْمِلْكِ بِسَبَبٍ وَفِي الثَّانِي بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ قُبِلَتَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِسَبَبٍ أَقَلُّ مِنْ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْأَوَّلِيَّةَ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَالنِّتَاجَ عَلَى الْيَقِينِ وَفِي قَلْبِهِ وَهُوَ دَعْوَى الْمُطْلَقِ فَشَهِدُوا بِالنِّتَاجِ لَا تُقْبَلُ وَمِنْ الْأَكْثَرِ مَا لَوْ ادَّعَى الْمِلْكَ بِسَبَبٍ فَشَهِدُوا بِالْمُطْلَقِ لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ الْإِرْثَ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْإِرْثِ كَدَعْوَى الْمُطْلَقِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَيَّدَهُ فِي الْأَقْضِيَةِ بِمَا إذَا نَسَبَهُ إلَى مَعْرُوفٍ سَمَّاهُ وَنَسَبَهُ، أَمَّا لَوْ جَهِلَهُ فَقَالَ اشْتَرَيْته أَوْ قَالَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ زَيْدٍ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَشَهِدُوا بِالْمُطْلَقِ قُبِلَتْ فَهِيَ خِلَافِيَّةٌ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْقَبُولِ رَشِيدُ الدِّينِ وَهُنَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى مِلْكٍ بِسَبَبٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمُطْلَقِ لَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالْأَصَحُّ لَا يَحِلُّ لَهُ قُلْت كَيْفَ وَفِيهِ أَيْضًا إبْطَالُ حَقِّهِ، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِيمَا لَوْ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: فَإِذَا خَالَفَتْهَا فَقَدْ كَذَّبَتْهَا) أَيْ كَذَّبَتْ الشَّهَادَةُ الدَّعْوَى اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ فَنُسِبَ الْكَذِبُ إلَى الدَّعْوَى لَا إلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشُّهُودِ الْعَدَالَةُ دُونَ الْمُدَّعِي إذْ هِيَ شَرْطٌ فِيهِمْ دُونَهُ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ ﵀ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ) قَالَ الْكَمَالُ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ الِاشْتِرَاطُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ احْتِرَازًا عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ دَعْوَى مُدَّعٍ خَاصٍّ غَيْرِ الشَّاهِدِ لَيْسَ شَرْطًا لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَالَى وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ الْقِيَامُ فِي إثْبَاتِهِ وَذَلِكَ الشَّاهِدُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَكَانَ قَائِمًا فِي الْخُصُومَةِ مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَشَاهِدٌ مِنْ جِهَةِ تَحَمُّلِ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهَا إلَى خَصْمٍ آخَرَ. اهـ. . (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ ادَّعَى دَارًا إرْثًا أَوْ شِرَاءً فَشَهِدَا بِمِلْكٍ مُطْلَقٍ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبٍ اهـ ع (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ فِي اللَّفْظِ تَطَابُقُ اللَّفْظَيْنِ عَلَى إعَادَةِ الْمَعْنَى) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِعَيْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ أَوْ بِمُرَادِفِهِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْهِبَةِ وَالْآخَرُ بِالْعَطِيَّةِ قُبِلَتْ اهـ كَمَالٌ وَقَوْلُهُ إعَادَةٌ هُوَ بِالْعَيْنِ فِي خَطِّ الشَّارِحِ وَكَذَا هُوَ فِي الدِّرَايَةِ وَفِي الْكَافِي إفَادَةٌ بِالْفَاءِ اهـ

стр. 1187

لَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ حَتَّى لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَشَهِدَ شَاهِدٌ بِدِرْهَمٍ وَآخَرُ بِدِرْهَمَيْنِ وَآخَرُ بِثَلَاثَةٍ وَآخَرُ بِأَرْبَعَةٍ وَآخَرُ بِخَمْسَةٍ لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ لَفْظًا وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي بِأَرْبَعَةٍ. وَكَذَا إنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَلْفَيْنِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمِائَةُ، وَالْمِائَتَانِ، وَالطَّلْقَةُ، وَالطَّلْقَتَانِ أَوْ الثَّلَاثُ لَهُمَا أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْأَقَلِّ وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ فَيَثْبُتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْحُجَّةِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا لِعَدَمِهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ ادَّعَى الْأَكْثَرَ وَشَهِدَا بِالْأَقَلِّ تُقْبَلُ، وَلَوْ كَانَ اخْتِلَافًا لَمَا قُبِلَتْ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَبُولِ أَنْ تُوَافِقَ الْبَيِّنَةُ الدَّعْوَى فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَلْفَ، وَالْخَمْسَمِائَة بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْأَقَلَّ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ كَذَّبَ مَنْ يَشْهَدُ بِالزِّيَادَةِ وَبِشَهَادَةِ الْفَرْدِ لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ اخْتِلَافَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ غَيْرُ لَفْظِ الِاثْنَيْنِ وَلَفْظَ الْأَلْفِ غَيْرُ لَفْظِ الْأَلْفَيْنِ وَلِهَذَا لَا يُرَادُ بِأَحَدِهِمَا الْآخَرُ وَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْ اللَّفْظَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا وَاحِدٌ وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْأَلْفَ مَوْجُودٌ فِي الْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَعَمْ مَوْجُودٌ فِيهِ إذَا ثَبَتَ الْأَلْفَانِ ثَبَتَ الْأَلْفُ ضِمْنًا، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُتَضَمِّنُ لَا يَثْبُتُ الْمُتَضَمَّنُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: لَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ) فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ فَلَمْ يَقْضِ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَلْفَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَدَّعِي أَلْفًا لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ شَاهِدَ الْأَلْفَيْنِ إلَّا إنْ وَفَّقَ فَقَالَ كَانَ لِي عَلَيْهِ أَلْفَانِ فَقَضَانِي أَلْفًا أَوْ أَبْرَأْتُهُ مِنْ أَلْفٍ وَالشَّاهِدُ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ يُقْضَى لَهُ بِالْأَلْفِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمِائَةُ وَالْمِائَتَانِ وَالطَّلْقَةُ وَالطَّلْقَتَانِ أَوْ الثَّلَاثُ) لَا يُقْضَى بِطَلَاقٍ أَصْلًا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى بِالْأَقَلِّ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَهَذَا فِي دَعْوَى الدَّيْنِ، أَمَّا فِي دَعْوَى الْعَيْنِ بِأَنْ كَانَ فِي كِيسٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْكِيسِ لَهُ وَهُوَ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَالْآخَرُ أَنَّ نِصْفَ مَا فِيهِ لَهُ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمِقْدَارِ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ذَكَرَهُ الْخَبَّازِيُّ وَبِقَوْلِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يَسْتَحِقُّ الزَّائِدَ بِالْحَلِفِ عَلَيْهِ اهـ. (قَوْلُهُ: فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَلْفَ وَالْخَمْسَمِائَةِ) أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِطَلْقَةٍ وَالْآخَرُ بِتَطْلِيقَةٍ وَنِصْفٍ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْأَقَلَّ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ) أَيْ اتِّفَاقًا. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا) هَذَا الْفَرْعُ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ ﵀ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ وَذَكَرَ الْحُكْمَ فِيهِ كَمَا هُنَا فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَرَاجِعْهُ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ: فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ مَا لَوْ ادَّعَى أَلْفَيْنِ فَشَهِدَا بِأَلْفٍ تُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالدَّعْوَى وَهِيَ شَرْطٌ وَعَلَى قَوْلِ الْكُلِّ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَالْآخَرُ: أَنْتِ بَرِّيَّةٌ لَا يُقْضَى بِبَيْنُونَةٍ أَصْلًا مَعَ إفَادَتِهِمَا مَعًا الْبَيْنُونَةَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ اخْتِلَافَ اللَّفْظِ وَحْدَهُ غَيْرُ ضَائِرٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْهِبَةِ وَالْآخَرُ بِالْعَطِيَّةِ تُقْبَلُ أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الِاتِّفَاقَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، وَإِنْ اُشْتُرِطَ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى وِزَانِ اتِّفَاقِهِ بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْغَصْبَ أَوْ الْقَتْلَ فَشَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ تُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْغَصْبِ وَالْآخَرُ عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ لَا تُقْبَلُ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ حَصَلَتْ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَدَّعِي أَلْفَيْنِ كَانَ مُدَّعِيًا الْأَلْفَ. وَقَدْ شَهِدَ بِهِ اثْنَانِ صَرِيحًا فَيُقْبَلُ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمَا بِالْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ لَمْ يَنُصَّ شَاهِدُ الْأَلْفَيْنِ عَلَى الْأَلْفِ إلَّا مِنْ حَيْثُ هِيَ أَلْفَانِ وَلَمْ تَثْبُتْ الْأَلْفَانِ، وَأَمَّا عَنْ الثَّانِي فَنَمْنَعُ التَّرَادُفَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى خَلِيَّةٍ لَيْسَ مَعْنَى بَرِيَّةٍ لُغَةً، وَالْوُقُوعُ لَيْسَ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى اللُّغَةِ وَلِذَا قُلْنَا: إنَّ الْكِنَايَاتِ عَوَامِلُ بِحَقَائِقِهَا فَهُمَا لَفْظَانِ مُتَبَايِنَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ غَيْرَ أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ يَلْزَمُهُمَا لَازِمٌ وَاحِدٌ هُوَ وُقُوعُ الْبَيْنُونَةِ وَالْمُتَبَايِنَانِ قَدْ تَشْتَرِكُ فِي لَازِمٍ وَاحِدٍ فَاخْتِلَافُهُمَا ثَابِتٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَلَمَّا اخْتَلَفَ الْمَعْنَى مِنْهُمَا كَانَ دَلِيلَ اخْتِلَالِ تَحَمُّلِهِمَا، فَإِنَّ هَذَا يَقُولُ مَا وَقَعَتْ الْبَيْنُونَةُ إلَّا بِوَصْفِهَا بِخَلِيَّةٍ وَالْآخَرُ لَمْ تَقَعْ إلَّا بِوَصْفِهَا بِبَرِيَّةٍ وَإِلَّا فَلَمْ تَقَعْ الْبَيْنُونَةُ اهـ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ: وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوْقَافِ الْخَصَّافِ مَا يُخَالِفُ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ذَكَرَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا بَلْ أَشَارَ إلَى أَنَّهَا اتِّفَاقِيَّةٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ جَعَلَهَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً أَبَدًا عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ ثُلُثَ غَلَّتِهَا وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لِزَيْدٍ نِصْفَهُ قَالَ أَجْعَلُ لِزَيْدٍ ثُلُثَ غَلَّتِهَا الَّذِي أَجْمَعَا عَلَيْهِ وَالْبَاقِيَ لِلْمَسَاكِينِ وَكَذَا إذَا سَمَّى أَحَدُهُمَا مَالًا لِزَيْدٍ مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَةِ وَالْآخَرُ أَقَلَّ مِنْهُ أَحْكُمُ لِزَيْدٍ بِمَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ يُعْطَى لِزَيْدٍ مِنْ غَلَّةِ هَذَا الْوَقْفِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَا يَسَعُهُ وَيَسَعُ عِيَالَهُ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ الْآخَرُ: يُعْطَى أَلْفًا قَالَ أُقَدِّرُ نَفَقَتَهُ وَعِيَالِهِ فِي الْعَامِ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ حَكَمْت لَهُ بِالْأَلْفِ أَوْ الْأَلْفُ أَكْثَرُ أَعْطَيْته نَفَقَتَهُ وَالْبَاقِيَ لِلْمَسَاكِينِ هَذَا بَعْدَ أَنْ أَدْخَلَ الْكِسْوَةَ فِي النَّفَقَةِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ قُلْت: فَلِمَ أَجَزْت هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَقَدْ اخْتَلَفَا فِي لَفْظِهِمَا قَالَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْوَاقِفُ أَنَّ لِزَيْدٍ بَعْضَ هَذِهِ الْغَلَّةِ فَاجْعَلْ لَهُ الْأَقَلَّ اهـ فَإِيرَادُ هَذَا السُّؤَالِ هُوَ الَّذِي ذَكَرْت أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهَا اتِّفَاقِيَّةٌ، فَإِنَّ إيرَادَهُ لَيْسَ إلَّا بِاعْتِبَارِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ: وَقَدْ اخْتَلَفَ لَفْظُهُمَا صَرِيحٌ فِيهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ اهـ وَحَاصِلُهُ أَنَّا عَلِمْنَا اسْتِحْقَاقَهُ وَتَرَدَّدْنَا بَيْنَ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ فَيَثْبُتُ الْمُتَيَقَّنُ اهـ

стр. 1188

قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ بَرِيَّةٌ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَإِنْ اتَّفَقَ اللَّفْظَانِ فِي الْمَعْنَى لِعَدَمِ ثُبُوتِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ اتِّفَاقَ الشَّاهِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى شَرْطُ الْقَبُولِ بِخِلَافِ الدَّعْوَى، وَالْبَيِّنَةِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ اتِّفَاقُهُمَا فِي اللَّفْظِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ ادَّعَى الْغَصْبَ أَوْ الْقَتْلَ فَشَهِدَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ تُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْغَصْبِ أَوْ الْقَتْلِ، وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لَا تُقْبَلُ وَبِخِلَافِ الْأَلْفِ، وَالْخَمْسِمِائَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ اتَّفَقَا عَلَى الْأَلْفِ لَفْظًا وَمَعْنًى وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْعَطْفِ، وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَنَظِيرُهُ الطَّلْقَةُ، وَالطَّلْقَةُ وَنِصْفٌ، وَالْمِائَةُ، وَالْمِائَةُ، وَالْخَمْسُونَ بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ كَالْأَلْفَيْنِ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ، وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ الْمُدَّعِي الْأَكْثَرَ فَشَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ بِالْأَكْثَرِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ الْمُدَّعِي بِالزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يُوَفِّقَ فَيَقُولَ أَصْلُ حَقِّي كَانَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنِّي اسْتَوْفَيْت الزَّائِدَ أَوْ أَبْرَأْته عَنْهُ فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ فِي الْأَقَلِّ لِظُهُورِ التَّوْفِيقِ وَفِي النِّهَايَةِ إنْ كَانَتْ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَذَلِكَ نَحْوُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْهِبَةِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْعَطِيَّةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الشَّهَادَةِ بَلْ الْمَقْصُودُ مَا تَضَمَّنَهُ اللَّفْظُ وَهُوَ مَا صَارَ اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَيْهِ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْمُوَافَقَةُ فِي ذَلِكَ لَا تَضُرُّ الْمُخَالَفَةُ فِيمَا سِوَاهَا هَكَذَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَكَذَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالنِّكَاحِ، وَالْآخَرُ بِالتَّزْوِيجِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا قَالَ ﵀ (فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الِاتِّفَاقُ فِي اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا فِي الْمَعْنَى لَا غَيْرُ وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاَلَّذِي يُبْطِلُ مَذْهَبَهُمَا أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ شَهِدَا بِتَطْلِيقَةٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعُوا كَانَ ضَمَانُ نِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى شَاهِدَيْ الثَّلَاثِ دُونَ شَاهِدَيْ الْوَاحِدَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَا إنَّ الْوَاحِدَةَ تُوجَدُ فِي الثَّلَاثِ لَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا وَلَا يَلْزَمُ مَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً حَيْثُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ الثَّلَاثِ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَهَا أَنْ تُوقِعَ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا وَلَا يَلْزَمُ مَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَلْفًا حَيْثُ تَقَعُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يُوقِعَ أَيَّ عَدَدٍ شَاءَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُنَفَّذُ إلَّا بِقَدْرِ الْمَحَلِّ قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي ذَلِكَ قُبِلَتْ عَلَى الْأَلْفِ) يَعْنِي فِيمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا بِأَلْفٍ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَلْفَ وَخَمْسَمِائَةٍ لِاتِّفَاقِهِمَا بِالْأَلْفِ وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَدَّعِي الْأَلْفَ فَقَطْ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ كَذَّبَ مَنْ شَهِدَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا ادَّعَى دَيْنًا، وَأَمَّا إذَا ادَّعَى الْعَقْدَ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ بَعْدُ. قَالَ ﵀ (: وَلَوْ شَهِدَا بِأَلْفٍ وَقَالَ أَحَدُهُمَا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ إلَخْ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا أَنْتِ بَرِيَّةٌ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي لَفْظَةِ الْإِيقَاعِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدًا اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: بَرِيَّةٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْبَرَاءَةِ الْفَرَاغُ عَقِيبَ الشُّغْلِ، وَمَعْنَى الْخُلُوِّ الْفَرَاغُ الْمُطْلَقُ، فَإِذَا اخْتَلَفَا لَفْظًا وَمَعْنًى لَا يَثْبُتُ الْمَشْهُودُ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ وَهُوَ الْحُرْمَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ (قَوْلُهُ، وَإِنْ اتَّفَقَ اللَّفْظَانِ فِي الْمَعْنَى) أَيْ وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ اهـ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي الِاتِّفَاقِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالدَّعْوَى فَوَجْهُ الِاتِّفَاقِ هُوَ الِاتِّفَاقُ فِي الْمَعْنَى لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَقُولُ: أَدَّعِي كَذَا وَالشَّاهِدُ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِكَذَا وَلَا اتِّفَاقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْرِفْ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالدَّعْوَى فَالشَّهَادَةُ لَمْ تَبْطُلُ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ بَطَلَتْ قَالَ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي الْفُصُولِ وَذَكَرَ فِي بَابِ اخْتِلَافِ الشَّهَادَاتِ مِنْ شَهَادَاتِ الْجَامِعِ وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَيْ الشَّاهِدَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُطَابِقَةً لِلْأُخْرَى فِي اللَّفْظِ وَإِلَّا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَعْنَى أَمَّا الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالدَّعْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي الْمَعْنَى خَاصَّةً وَلَا عِبْرَةَ لِلَّفْظِ. اهـ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُوَفِّقَ) أَيْ وَمَا لَمْ يُوَفِّقْ صَرِيحًا لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ وَلَا يَكْفِي احْتِمَالُ التَّوْفِيقِ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَا كَانَ إلَّا الْأَلْفُ؛ لِأَنَّهُ إكْذَابٌ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْفِيقَ فَلَا يَقْضِي بِشَيْءٍ. اهـ. كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ) عَلَى الْأَلْفِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَلْفَيْنِ اهـ (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يُبْطِلُ مَذْهَبَهُمَا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ الَّذِي يُبْطِلُ مَذْهَبَهُمَا وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (قَوْلُهُ: لَوْ شَهِدَا بِتَطْلِيقَةٍ) يَعْنِي قَبْلَ الدُّخُولِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: حَيْثُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ)؛ لِأَنَّ التَّفْوِيضَ تَمْلِيكٌ فَقَدْ مَلَّكَهَا الثَّلَاثَ بِالتَّفْوِيضِ إلَيْهَا فِيهَا وَالْمَالِكُ يُوجِدُ مِنْ مَمْلُوكِهِ مَا شَاءَ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ شَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي ذَلِكَ قُبِلَتْ عَلَى الْأَلْفِ) بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ وَعِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى الْأَلْفِ لَفْظًا وَمَعْنًى وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِالشَّهَادَةِ بِجُمْلَةٍ أُخْرَى مَنْصُوصٌ عَلَى خُصُوصِ كَمِّيَّتِهَا لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْأَلْفِ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ وَهُوَ يَدَّعِيهِمَا. اهـ. كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ: فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ بَعْدُ) فِي قَوْلِهِ وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدَ فُلَانٍ إلَخْ اهـ

стр. 1189

قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ تُقْبَلُ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُسْمَعْ أَنَّهُ قَضَاهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ مَعَهُ آخَرُ)؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِ الْأَلْفِ فَتُقْبَلُ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِقَضَاءِ النِّصْفِ فَلَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ كَمَالِ النِّصَابِ وَلَا يَكُونُ بِقَوْلِهِ قَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ مُنَاقِضًا لِشَهَادَتِهِ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ طَرِيقُهُ الْمُقَاصَّةُ مَعْنَاهُ أَنَّ الدَّائِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا قَبَضَ فَلَا يُنَافِي بَقَاءَ دَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ كَاذِبًا وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمُدَّعِيَ كَذَّبَ شَاهِدَهُ بِالْقَضَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ كَمَا إذَا شَهِدَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمْ يُكَذِّبْهُ فِيمَا شَهِدَ لَهُ، وَإِنَّمَا كَذَّبَهُ فِيمَا شَهِدَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ كَمَا إذَا شَهِدَ لَهُ اثْنَانِ بِحَقٍّ ثُمَّ شَهِدَا عَلَيْهِ بِحَقٍّ لِإِنْسَانٍ آخَرَ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا لَهُ لَا تَبْطُلُ، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّكْذِيبَ فِيهِ فِيمَا شَهِدَ لَهُ فَيَكُونُ قَادِحًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَقْضِي بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ مَضْمُونَ شَهَادَةِ شَاهِدِ الْقَضَاءِ أَنْ لَا دَيْنَ إلَّا خَمْسُمِائَةٍ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ فِي اعْتِبَارِ الْمَعْنَى كَمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ لَكِنَّهُ خَالَفَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِخُمْسِ الْمِائَةِ ابْتِدَاءً بَلْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى وُجُوبِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي ثُمَّ انْفَرَدَ الْآخَرُ بِالْقَضَاءِ فَلَا يُسْمَعُ قَالَ ﵀ (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْهَدَ حَتَّى يُقِرَّ الْمُدَّعِي بِمَا قَبَضَ) يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشْهَدَ بِالْأَلْفِ كُلِّهَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ حَتَّى يُقِرَّ الْمُدَّعِي أَنَّهُ قَبَضَ خَمْسَمِائَةٍ كَيْ لَا يَصِيرَ مُعِينًا عَلَى الظُّلْمِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ شَهِدَا بِقَرْضِ أَلْفٍ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَرْضِ) لِتَمَامِ الْحُجَّةِ فِي الْقَرْضِ وَعَدَمِهَا فِي الْقَضَاءِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهَا الْقَاضِي وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ، وَلَوْ قَضَى لَكَانَ قَضَاءً بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ كَذَّبَ شَاهِدَ الْقَضَاءِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَ بِقَضَاءِ كُلِّ الدَّيْنِ فِي هَذِهِ وَفِي الْأُولَى بِقَضَاءِ الْبَعْضِ، وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْأُولَى، وَإِذَا اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعِتْقِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالرَّهْنِ، وَالدَّيْنِ، وَالْقَرْضِ، وَالْبَرَاءَةِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالْقَذْفِ تُقْبَلُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْجِنَايَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالنِّكَاحِ لَا تُقْبَلُ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ إنْ كَانَ قَوْلًا كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِيهِ فِي الْمَكَانِ أَوْ الزَّمَانِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ مِمَّا يُعَادُ وَيُكَرَّرُ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ فِعْلًا كَالْغَصْبِ أَوْ قَوْلًا لَكِنْ الْفِعْلُ فِيهِ شَرْطُ صِحَّتِهِ كَالنِّكَاحِ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ وَحُضُورُ الشَّاهِدَيْنِ فِعْلٌ وَهُوَ شَرْطٌ فَاخْتِلَافُهُمَا فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ يَمْنَعُ الْقَبُولَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان غَيْرُ الْفِعْلِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان آخَرَ فَاخْتَلَفَ الْمَشْهُودُ بِهِ ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا اخْتَلَفَ شَاهِدَا الْقَذْفِ فِي زَمَانِهِ أَوْ مَكَانِهِ لَا تُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ كَانَ إنْشَاءً فَهُمَا غَيْرَانِ وَلَيْسَ عَلَى كُلِّ قَذْفٍ شَاهِدَانِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا إنْشَاءً، وَالْآخَرُ إخْبَارًا فَهُمَا لَا يَتَّفِقَانِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ) وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا يَعْنِي قَوْلَهُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ يَعْنِي فَبَعْدَ ثُبُوتِ الْأَلْفِ بِاتِّفَاقِهِمَا شَهِدَ وَاحِدٌ بِسُقُوطِ خَمْسِمِائَةٍ فَلَا تُقْبَلُ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا بِأَلْفٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهُ قَضَاهُ إيَّاهَا بَعْدَ قَرْضِهِ، فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْكُلِّ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ شَاهِدِ الْقَضَاءِ وَذَكَرُوا قَوْلَ زُفَرَ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ إكْذَابٌ مِنْ الْمُدَّعِي فَهُوَ كَمَا لَوْ فَسَّقَهُ، وَجْهُ الظَّاهِرِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا إلَخْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِكْذَابِ التَّفْسِيقُ لِجَوَازِ كَوْنِهِ تَغْلِيطًا لَهُ. اهـ. كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ ثُمَّ انْفَرَدَ الْآخَرُ بِالْقَضَاءِ فَلَا تُسْمَعُ) قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا عَلِمَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْقَضَاءِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ قَدْ قَضَاهُ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ ادَّعَى بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى دَعْوَاهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ادَّعَى بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ قَالَ الْقُدُورِيُّ وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ أَيْ بِقَضَاءِ الْخَمْسِمِائَةِ أَنْ لَا يَشْهَدَ حَتَّى يَعْتَرِفَ الْمُدَّعِي بِقَبْضِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ فَإِمَّا بِالْأَلْفِ ثُمَّ يَقُولُ قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ وَعَلِمْت أَنَّهُ يَقْضِي فِيهَا بِأَلْفٍ فَيَضِيعُ حَقُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِمَّا بِخَمْسِمِائَةٍ فَيَثْبُتُ اخْتِلَافُهُمَا إنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَفِيهِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ أَصْلًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَضِيعُ حَقُّ الْمُدَّعِي فَالْوَجْهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ الَّذِي عَرَفَ الْقَضَاءَ حَتَّى يَعْتَرِفَ الْمُدَّعِي بِالْقَدْرِ الَّذِي سَقَطَ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ لَا يَنْبَغِي لَا يَحِلُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ أَبِي اللَّيْثِ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ قَوْمٍ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ كَذَا فَبَعْدَ مُدَّةٍ جَاءَ رَجُلَانِ أَوْ أَكْثَرُ إلَى الْقَوْمِ فَقَالُوا: لَا تَشْهَدُوا عَلَى فُلَانٍ بِذَلِكَ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ قَضَاهُ كُلَّهُ الشُّهُودُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا امْتَنَعُوا مِنْ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ شَاءُوا أَخْبَرُوا الْحَاكِمَ بِشَهَادَةِ الَّذِينَ أَخْبَرُوهُمْ بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُونَ عُدُولًا لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالْمَالِ هَذَا قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَدَّعُوا الشَّهَادَةَ وَكَذَا إذَا حَضَرُوا بَيْعَ رَجُلٍ أَوْ نِكَاحَهُ أَوْ قَتْلَهُ فَلَمَّا أَرَادُوا الشَّهَادَةَ شَهِدَ عِنْدَهُمْ بِطَلَاقِ الزَّوْجِ ثَلَاثًا أَوْ قَالَ عَايَنَّا امْرَأَةً أَرْضَعَتْهُمَا أَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ إنْ كَانَ وَاحِدًا شَهِدُوا أَوْ اثْنَيْنِ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا وَكَذَا لَوْ رَأَى عَيْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لَهُ فَأَخْبَرَهُ عَدْلَانِ أَنَّ الْمِلْكَ لِلثَّانِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لِلْأَوَّلِ وَلَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ ذِي الْيَدِ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا عَلِمَ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِهِمَا اهـ

стр. 1190

؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ أَنْ يَقُولَ: زَنَيْت أَوْ أَنْتَ زَانٍ، وَالْإِخْبَارَ أَنْ يَقُولَ: قَذَفْتُك بِالزِّنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَمِعَ الْإِنْشَاءَ، وَالْآخَرُ سَمِعَ الْإِقْرَارَ بِهِ وَيَثْبُتُ عِنْدَهُ قَذْفُهُ فَهُمَا شَاهِدَانِ بِهِ. قَالَ ﵀: (وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ زَيْدًا يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ وَآخَرَانِ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِصْرَ رُدَّتَا) يَعْنِي طَائِفَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ اجْتَمَعَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَشَهِدَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ تُرَدُّ الطَّائِفَتَانِ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ بِيَقِينٍ وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ الْأُخْرَى وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْ بَابِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَرَكَاتٌ انْقَرَضَ لِكَوْنِهِ عَرْضًا لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَالثَّانِيَ حَرَكَاتٌ أُخَرُ غَيْرُ الْأَوَّلِ يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الثَّانِي إخْبَارًا عَنْ الْأَوَّلِ حَتَّى يَصِيرَ تَكْرَارَ الْأَوَّلِ وَإِعَادَتَهُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ لَا يُتَصَوَّرُ فَكَانَا غَيْرَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِخِلَافِ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ يُحْكَى بِالْقَوْلِ فَيَكُونُ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ حُكْمًا وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ أَوْ الْآلَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الْقَتْلُ لَا تُقْبَلُ لِمَا بَيَّنَّا قَالَ ﵀: (فَإِنْ قَضَى بِإِحْدَاهُمَا أَوَّلًا بَطَلَتْ الْأُخْرَى) يَعْنِي لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِشَهَادَةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى ثُمَّ شَهِدَتْ الْأُخْرَى لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَرَجَّحَتْ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا فَلَا يُنْتَقَضُ بِالثَّانِيَةِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِأَنَّهُ قَتَلَ بِمَكَّةَ صَارَ ذَلِكَ حُكْمًا بِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فِي غَيْرِهَا إذْ قَتْلُ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ كَانَ مَعَ رَجُلٍ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ فَتَحَرَّى وَصَلَّى فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى طَهَارَةِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اتَّصَلَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَلَا يُنْتَقَضُ بِوُقُوعِ التَّحَرِّي فِي الْآخَرِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ شَهِدَا بِسَرِقَةِ بَقَرَةٍ وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا قُطِعَ بِخِلَافِ الذُّكُورَةِ، وَالْأُنُوثَةِ، وَالْغَصْبِ) يَعْنِي لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى سَرِقَةِ بَقَرَةٍ وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِ الْبَقَرَةِ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا سَرَقَ بَقَرَةً بَيْضَاءَ وَقَالَ الْآخَرُ بَقَرَةً سَوْدَاءَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَتُقْطَعُ يَدُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا سَرَقَ ذَكَرًا، وَالْآخَرُ قَالَ أُنْثَى أَوْ اخْتَلَفَا فِي لَوْنِ الْبَقَرَةِ فِي الْغَصْبِ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِيهِمَا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي السَّرِقَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَقَرَةَ الْبَيْضَاءَ غَيْرُ السَّوْدَاءِ فَكَانَا سَرِقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَلَمْ يَتِمَّ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ نِصَابُ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ وَصَارَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الذُّكُورَةِ، وَالْأُنُوثَةِ وَكَاخْتِلَافِهِمَا فِي اللَّوْنِ فِي الْغَصْبِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْغَصْبِ ضَمَانٌ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالثَّابِتُ بِالسَّرِقَةِ حَدٌّ يَسْقُطُ بِهَا فَصَارَ نَظِيرَ اخْتِلَافِهِمَا فِي قِيمَتِهَا وَلَهُ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِيمَا لَمْ يُكَلَّفَا نَقْلَهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يُضَافُ إلَى إثْبَاتِ الْوَصْفِ فَصَارَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي ثِيَابِ السَّارِقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ سَكَتَا عَنْ بَيَانِ اللَّوْنِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا بِخِلَافِ بَيَانِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا تَبْلُغُ نِصَابًا وَلِأَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَكُونُ فِي اللَّيَالِي غَالِبًا وَيَكُونُ التَّحَمُّلُ فِيهَا مِنْ بَعِيدٍ فَيَتَشَابَهُ عَلَيْهِمَا اللَّوْنَانِ أَوْ يَجْتَمِعَانِ فِي بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ كَانَ أَحَدُ جَانِبَيْهَا أَبْيَضَ، وَالْجَانِبُ الْآخَرُ أَسْوَدَ فَيَشْهَدُ كُلٌّ بِمَا رَأَى أَوْ بِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ بِخِلَافِ وَصْفِ الذُّكُورَةِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ زَيْدًا يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ وَآخَرَانِ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِصْرَ) لَفْظَةُ يَوْمِ النَّحْرِ لَيْسَتْ فِي خَطِّ الشَّارِحِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي نُسَخِ الْمَتْنِ اهـ. (قَوْلُهُ: تُرَدُّ الطَّائِفَتَانِ) فَلَا يُقْتَلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ شَهِدَتْ الْأُخْرَى لَا تُقْبَلُ) وَحِينَئِذٍ فَيُقْتَلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَرَجَّحَتْ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا)، فَإِنَّهُ حِينَ قَضَى بِالْأُولَى وَلَا مُعَارِضَ لَهَا إذْ ذَاكَ يَنْفُذُ شَرْعًا فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي ثَبَتَ شَرْعًا بِحُدُوثِ مُعَارِضٍ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى طَهَارَةِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ) وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِتَحَرِّيهِ الْأَوَّلِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ هُوَ الصِّحَّةُ بَعْدَ الْوُجُوبِ فِيهِ فَلَا يُؤَثِّرُ التَّحَرِّيَ الثَّانِيَ فِي رَفْعِهِ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَوْ شَهِدَا بِسَرِقَةِ بَقَرَةٍ إلَخْ) هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَصُورَتُهَا فِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ سَرَقَ بَقَرَةً وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا قَالَ أُجِيزُ الشَّهَادَةَ وَأَقْطَعُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا نُجِيزُ الشَّهَادَةَ وَلَا نَقْطَعُهُ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ بَقَرَةً وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْرًا فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ ﵀. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا قُطِعَ) قَالَ الْكَمَالُ صُورَتُهَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ لَهُ بَقَرَةً وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا لَوْنًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَشَهِدَ وَاحِدٌ بِسَرِقَتِهِ حَمْرَاءَ وَالْآخَرُ سَوْدَاءَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْبَلُ وَيُقْطَعُ وَقَالَا هُمَا وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ لَا يُقْطَعُ وَلَوْ أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ عَيَّنَ لَوْنًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا سَوْدَاءُ لَا يُقْطَعُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ لَوْ ادَّعَى سَرِقَةَ ثَوْبٍ مُطْلَقًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا هَرَوِيٌّ وَالْآخَرُ مَرْوِيٌّ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لَمْ تُقْبَلْ إجْمَاعًا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ بِقَلِيلِ تَأَمُّلٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَاخْتِلَافِهِمَا فِي اللَّوْنِ فِي الْغَصْبِ)، فَإِنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى غَصْبِ بَقَرَةٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا سَوْدَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ وَالْآخَرُ بَيْضَاءُ لَمْ تُقْبَلْ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ قَبُولُهَا إثْبَاتَ حَدٍّ فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ فِيمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَدَّ أَعْسَرُ إثْبَاتًا، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا مَا زِيدَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَلَيْسَ مِمَّا فِيهِ الْكَلَامُ مِنْ السَّرِقَةِ بَلْ يَخُصُّ الزِّنَا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ وَصْفِ الذُّكُورَةِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَبِخِلَافِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا أَوْ تَشَابُهَهُمَا لَا يَكُونُ فِي حَيَوَانٍ وَاحِدٍ عَادَةً وَلِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يُكَلَّفَانِ بَيَانَ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِمَا فَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِيهِمَا

стр. 1191

وَالْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَذَا الْوُقُوفُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ يَكُونُ بِالْقُرْبِ فَلَا يَشْتَبِهُ فَيَكُونَانِ سَرِقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَلَمْ يَتِمَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ وَبِخِلَافِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِيهِ بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ يَقَعُ بِالنَّهَارِ وَهُوَ يَقْرُبُ مِنْهُ غَالِبًا فَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْحَالُ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ عَلَى تَحْقِيقٍ وَتَأَمُّلٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ فِي التَّوْفِيقِ احْتِيَالٌ لِإِيجَابِ الْحَدِّ وَهُوَ يَحْتَالُ لِدَرْئِهِ لَا لِإِيجَابِهِ قُلْنَا الْقَطْعُ لَا يُضَافُ إلَى إثْبَاتِ الْوَصْفِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُكَلَّفَا نَقْلَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَمَا يُوجِبُ الدَّرْءَ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْمُوجِبِ لَا فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ عَلَى هَذَا تَكُونُ الْبَقَرَةُ الْمَسْرُوقَةُ بَلْقَاءَ، وَالْمَشْهُودُ بِسَرِقَتِهَا إمَّا بَيْضَاءُ أَوْ سَوْدَاءُ وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا: إنَّهَا بَلْقَاءُ فَتَكُونُ غَيْرَهَا ضَرُورَةً قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَعْرِفُ اللَّوْنَيْنِ أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ اللَّوْنِ فَسَمَّاهَا بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ مَوَاضِعِهَا وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي بَقَرَةً مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِوَصْفٍ وَأَمَّا إذَا ادَّعَى سَرِقَةَ بَقَرَةٍ سَوْدَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ كَذَّبَ أَحَدَهُمَا وَقِيلَ هَذَا فِي لَوْنَيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ كَالسَّوَادِ، وَالْحُمْرَةِ، وَأَمَّا فِي لَوْنَيْنِ غَيْرِ مُتَشَابِهَيْنِ كَالسَّوَادِ، وَالْبَيَاضِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْكُلَّ عَلَى الْخِلَافِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَوْبٍ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا هَرَوِيٌّ وَقَالَ الْآخَرُ مَرْوِيٌّ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ لَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ قَالَ ﵀ (وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدَ فُلَانٍ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ آخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ السَّبَبِ وَهُوَ الْعَقْدُ فَالْبَيْعُ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَاخْتَلَفَ الْمَشْهُودُ بِهِ لِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ فَلَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْبَائِعَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى أَقَلَّ الْمَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمَا لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ السَّبَبِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ هُوَ الْمَقْصُودَ حَقِيقَةً فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ، وَالسَّبَبُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ لَكِنْ مَقْصُودُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ فَكَانَ فِي إثْبَاتِهِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ إذْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ إلَّا بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ وَذَكَرَ عَلَاءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ بِأَلْفٍ ثُمَّ يَصِيرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ يَزِيدَهُ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةٍ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى شِرَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ بَطَلَتْ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ الْوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ يَصِيرُ بِمِائَةِ دِينَارٍ قَالَ ﵀ (وَكَذَا الْكِتَابَةُ، وَالْخُلْعُ) أَيْ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ فِيهِمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ السَّبَبِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْعَبْدَ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي السَّبَبَ لِيَحْصُلَ لَهُ مَقْصُودُهُ وَهُوَ الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ فَصَارَ نَظِيرَ الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَكَانَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] فِي نَفْسِ الشَّهَادَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ) أَيْ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ مَسَائِلَ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالنِّكَاحُ وَالرَّهْنُ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا وَيُنْكِرَ الْآخَرَ أَوْ يَدَّعِيَ الْآخَرَ وَيُنْكِرَ هَذَا اهـ وَقَدْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ فِي الْكَنْزِ مِنْهَا أَرْبَعَةً: الْبَيْعُ وَالْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ وَالنِّكَاحُ وَذَكَرَ الشَّارِحُ ﵀ الْأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلْوَضْعِ أَنْ يَذْكُرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ فِي دَعْوَى الْمَالِ وَهَذِهِ فِي دَعْوَى الْعَقْدِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ إلَخْ قَالَ الْكَمَالُ صُورَتُهَا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَيُنْكِرُ الْبَائِعُ الْبَيْعَ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِأَلْفٍ وَشَاهِدًا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قَالَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ هَذَا بَاطِلٌ إلَى آخِرِ مَا هُنَاكَ فَقَدْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ قَضَى بِالْأَلْفِ بِالِاتِّفَاقِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَهُنَا لَا يُقْبَلُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ بَيَانُهُ هُوَ أَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا ادَّعَى دَيْنًا فَقَطْ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا دَعْوَى الْعَقْدِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ فِي الْجَامِعِ فَيُنْكِرُ الْبَائِعُ الْبَيْعَ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ الدَّيْنَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ الْبَيْعَ فَالْبَيْعُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مِنْ أَرْكَانِهِ وَالْمُرَكَّبُ الَّذِي بَعْضُ أَجْزَائِهِ مِقْدَارٌ خَاصٌّ غَيْرُ مِثْلِهِ بِمِقْدَارٍ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَتِمَّ عَلَى أَحَدِهِمَا نِصَابُ شَهَادَةٍ فَلَا يَثْبُتُ الْبَيْعُ أَصْلًا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْبَائِعَ) بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ فَأَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ كَذَلِكَ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى أَقَلَّ الْمَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمَا) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي هُوَ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِي اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا) أَيْ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَالتَّكْذِيبِ مِنْ الْمُدَّعِي. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ عَلَاءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ) قَالَ الْكَمَالُ وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ السَّيِّدِ الْإِمَامِ الشَّهِيدِ السَّمَرْقَنْدِيِّ تُقْبَلُ إلَخْ. اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يَصِيرُ بِمِائَةِ دِينَارٍ) قَالَ الْكَمَالُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّارِحِينَ فِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ. اهـ. (قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ)؛ لِأَنَّ دَعْوَى السَّيِّدِ لِمَالٍ عَلَى عَبْدِهِ لَا يَصِحُّ إذْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ دَعْوَى الْكِتَابَةِ فَيَنْصَرِفُ إنْكَارُ الْعَبْدِ إلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَّا بِهِ

стр. 1192

الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ السَّبَبِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ عِنْدَ أَدَاءِ الْمَالِ فَيَصِيرُ مُقَابَلًا بِالْعِتْقِ فَقِيلَ الْأَدَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ فَكَانَ مَقْصُودُهُ إثْبَاتَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى لَا تُفِيدُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِالتَّعْجِيزِ، وَالْمُرَادُ بِالْخُلْعِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ لِلْخُلْعِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا إثْبَاتُ السَّبَبِ دُونَ الْمَالِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ فَصَارَ نَظِيرَ الْبَيْعِ بِخِلَافِ دَعْوَى الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ الْمَالُ دُونَ السَّبَبِ فَيَثْبُتُ قَدْرُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِقْرَارِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الدَّيْنِ فَيَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ لِتَمَامِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ فِيهِ وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْعَبْدَ أَوْ الْقَاتِلَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْعَبْدِ، وَالْقَاتِلِ الْعَقْدُ دُونَ الْمَالِ فَلَا يَثْبُتُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى أَوْ الْوَلِيَّ يَثْبُتُ الْعَفْوُ، وَالْعِتْقُ بِإِقْرَارِهِمَا فَيَكُونُ دَعْوَى الدَّيْنِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْخُلْعِ وَفِي الرَّهْنِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُرْتَهِنَ فَهُوَ كَدَعْوَى الدَّيْنِ يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الرَّاهِنَ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ الرَّهْنَ إذْ الرَّهْنُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ فَلَا فَائِدَةَ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقٍّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُهَا عَلَى حَقٍّ لَهُ وَصُورَةُ دَعْوَى الرَّهْنِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ رَهَنَهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ فَيَطْلُبُ الِاسْتِرْدَادَ مِنْهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا وَفِي الْإِجَارَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ فَهِيَ نَظِيرُ الْبَيْعِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَهِيَ كَالدَّيْنِ يُثْبِتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْأَقَلَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ الْمُدَّعِي وَكَذَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الدَّيْنِ. قَالَ ﵀ (فَأَمَّا النِّكَاحُ فَيَصِحُّ بِأَلْفٍ) يَعْنِي بِأَقَلَّ الْمَالَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سَوَاءٌ كَانَ الدَّعْوَى مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْمَرْأَةِ وَسَوَاءٌ ادَّعَى الْأَقَلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ إلَّا لِإِثْبَاتِهَا. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْعِتْقِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ ذِكْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّمَانِيَةِ مَسْأَلَةُ الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ الْخُلْعُ وَالْعَتَاقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَرْأَةَ فِي الْخُلْعِ وَالْعَبْدُ فِي الْعِتْقِ وَالْقَاتِلُ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُمَا الْخَلَاصَ وَهُوَ مَقْصُودُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَهُوَ الزَّوْجُ وَالْمَوْلَى وَوَلِيُّ الْقَتِيلِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَكْثَرَ الْمَالَيْنِ فَشَهِدَ بِهِ شَاهِدٌ وَالْآخَرُ بِالْأَقَلِّ إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ بِعَطْفٍ مِثْلُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قُضِيَ بِالْأَقَلِّ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ كَالْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ الْعَفْوُ وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ بِاعْتِرَافِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَمْ تَبْقَ الدَّعْوَى إلَّا فِي الدَّيْنِ اهـ. وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: فَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى فِي الطَّلَاقِ أَوْ فِي الْخُلْعِ عَلَى مَالٍ أَوْ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ أَوْ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ، أَوْ الْمَوْلَى أَوْ وَلِيَّ الْقِصَاصِ فَهَذَا دَعْوَى الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هِيَ الْمَرْأَةَ أَوْ الْقَاتِلَ أَوْ الْعَبْدَ فَهَذَا دَعْوَى عَقْدٍ لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي الرَّهْنِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُرْتَهِنَ إلَخْ)، فَإِنْ قِيلَ: الرَّهْنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَكَانَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي قَدْرِ الْمَالِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِيهِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مَتَى شَاءَ بِخِلَافِ الرَّاهِنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لِدَعْوَى الدَّيْنِ فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ إذْ الرَّهْنُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالدَّيْنِ فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي ثُبُوتِ الدَّيْنِ فَيَثْبُتُ الرَّهْنُ بِأَلْفٍ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلدَّيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ مَثَلًا هَكَذَا أُطَالِبُهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لِي عَلَيْهِ عَلَى رَهْنٍ لَهُ عِنْدِي فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إلَّا الْمَالَ، وَذِكْرُ الرَّهْنِ زِيَادَةٌ إذْ لَا يَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِ ثُبُوتِ دَيْنِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ دَيْنِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ هَكَذَا أُطَالِبُهُ بِإِعَادَةِ رَهْنِ كَذَا وَكَذَا كَانَ رَهْنُهُ عِنْدِي عَلَى كَذَا ثُمَّ غَصَبَهُ أَوْ سَرَقَهُ مَثَلًا فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا دَعْوَى الْعَقْدِ فَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي أَنَّهُ رَهَنَهُ بِأَلْفٍ أَوْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً يُوجِبُ أَنْ لَا يَقْضِيَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَخْتَلِفُ بِهِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الرَّاهِنَ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ) أَيْ بِشَيْءٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى وَلَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الرَّاهِنَ لَا حَظَّ لَهُ فِي الرَّهْنِ أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَا دَامَ الدَّيْنُ قَائِمًا فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى فَلَمْ تَصِحَّ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْإِجَارَةِ إنْ كَانَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَالسَّابِعَةُ الْإِجَارَةُ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ فَهُوَ كَالْبَيْعِ بِأَنْ ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْآجِرُ أَنَّهُ آجَرَهُ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَشَهِدَ وَاحِدٌ كَذَلِكَ وَآخَرُ بِأَلْفٍ لَا تَثْبُتُ الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ إذْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لَا يُسْتَحَقُّ بَدَلٌ فَكَانَ الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ الْعَقْدِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبَدَلِ فَلَا تَثْبُتُ الْإِجَارَةُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّهَا اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ أَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ بَعْدَ أَنْ تَسَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُؤَجِّرَ فَهِيَ دَعْوَى الْمَالِ، فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ يَدَّعِي الْأَكْثَرَ يَقْضِي بِأَلْفٍ إذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بَعْدَ الْمُدَّةِ إلَّا الْأَجْرُ، وَإِنْ شَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِيهِمَا لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا بِأَلْفٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُسْتَأْجِرَ فَهُوَ دَعْوَى الْعَقْدِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِمَالِ الْإِجَارَةِ فَيَقْضِي عَلَيْهِ بِمَا اعْتَرَفَ بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ اخْتِلَافُهُمَا فِيهِ وَلَا يَثْبُتُ الْعَقْدُ لِلِاخْتِلَافِ اهـ

стр. 1193

وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ وَلَا يُقْضَى بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ إثْبَاتُ السَّبَبِ، وَالنِّكَاحُ بِأَلْفٍ غَيْرُ النِّكَاحِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَتَبْطُلُ الشَّهَادَةُ كَمَا فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِيَ أَوْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ لِامْتِنَاعِ ثُبُوتِ النِّكَاحِ بِإِقْرَارِ أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَالْخُلْعِ، وَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ حَيْثُ يَكُونُ دَعْوَى الدَّيْنِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ، وَالْمَوْلَى، وَالْوَلِيَّ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَالْعِتْقُ فَيَبْقَى دَعْوَى الْمَالِ الْمُجَرَّدِ عَنْ السَّبَبِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي النِّكَاحِ كَمَا تَصِحُّ عِنْدَ الْعَقْدِ تَصِحُّ بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا ثُمَّ سَمَّى لَهَا مَهْرًا صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَلِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى قِيَامِهِ وَقِيَامُهُ تَارَةً يَكُونُ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ وَتَارَةً يَكُونُ حَالَةَ الْبَقَاءِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ اخْتِلَافِ التَّسْمِيَتَيْنِ اخْتِلَافُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وُجِدَتْ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ. وَالْبَيِّنَةُ عَلَى التَّسْمِيَةِ فِي حَالٍ يَسْتَحِيلُ الْعَقْدُ لَا تَكُونُ بَيِّنَةً عَلَى الْعَقْدِ بَلْ عَلَى التَّسْمِيَةِ الْمُجَرَّدَةِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَالَ حَالَ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَيَثْبُتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَمْ تَقُمْ إلَّا عَلَى الْمَالِ حَالَ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَيَثْبُتُ بِهَا التَّسْمِيَةُ وَبَقَاءُ النِّكَاحِ لَا غَيْرُ وَلِأَنَّ الْمَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحِلُّ، وَالِازْدِوَاجُ، وَالْمِلْكُ وَمِنْ حُكْمِ التَّبَعِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ الْأَصْلَ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِنَفْيِهِ وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِهِ فَكَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ فَبَقِيَ الْعَقْدُ سَالِمًا عَنْ الِاخْتِلَافِ فَلَزِمَ وَمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَهُوَ الْمَالُ يَقْضِي بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا كَمَا فِي الدَّيْنِ وَقِيلَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ يَجْعَلُ أَبُو حَنِيفَةَ مَقْصُودَهَا الْمَالَ فَيُخْرِجُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهُمَا يَجْعَلَانِ مَقْصُودَهَا الْعَقْدَ لِمَا بَيَّنَّا لَهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ فَمَقْصُودُهُ الْعَقْدُ لَا الْمَالُ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْعَقْدِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ وَيَسْتَوِي فِيهِ دَعْوَى أَقَلِّ الْمَالَيْنِ وَأَكْثَرِهِمَا فِي الصَّحِيحِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْعَقْدُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي التَّبَعِ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ لَكِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ الْمَالِ فَيَجِبُ الْأَقَلُّ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ بِدَعْوَى الْأَقَلِّ تَكْذِيبًا لِلشَّاهِدِ لِجَوَازِ أَنَّ الْأَقَلَّ هُوَ الْمُسَمَّى ثُمَّ صَارَ أَكْثَرَ بِالزِّيَادَةِ قَالَ ﵀ (وَمِلْكُ الْمُوَرِّثِ لَمْ يَقْضِ لِوَارِثِهِ بِلَا جَرٍّ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِمِلْكِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ يَدِ مُسْتَعِيرِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ شَيْءٌ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُوَرِّثِ بِأَنْ ادَّعَى الْوَارِثُ عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيهِ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ لِأَبِيهِ لَا يُقْضَى لَهُ حَتَّى يَجُرَّ الْمِيرَاثَ فَيَقُولَا مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ أَوْ يَقُولَا كَانَتْ لِأَبِيهِ يَوْمَ مَوْتِهِ أَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَرَّ شَرْطٌ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ وَلَكِنْ إذَا ثَبَتَ مِلْكُهُ أَوْ يَدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَ جَرًّا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مِلْكَهُ أَوْ أَنَّ الِانْتِقَالَ إلَى الْوَارِثِ فَيَثْبُتُ الِانْتِقَالُ ضَرُورَةً فَيَكُونُ إثْبَاتًا لِلِانْتِقَالِ وَكَذَا إذَا أَثْبَتَ يَدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ إنْ كَانَتْ يَدَ مِلْكٍ فَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْأَيْدِيَ فِي الْأَمَانَاتِ عِنْدَ الْمَوْتِ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكٍ بِوَاسِطَةِ الضَّمَانِ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا لِتَرْكِهِ الْحِفْظَ، وَالْمَضْمُونُ يَمْلِكُهُ الضَّامِنُ عَلَى مَا عُرِفَ فَيَكُونُ إثْبَاتُ الْيَدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إثْبَاتًا لِلْمِلْكِ، وَإِثْبَاتُ يَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْمُودِعِ، وَالْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالْمُرْتَهِنِ، وَالْغَاصِبِ وَغَيْرِهِمْ إثْبَاتٌ لِيَدِهِ فَيُغْنِي إثْبَاتُ الْمِلْكِ وَقْتَ الْمَوْتِ عَنْ ذِكْرِ الْجَرِّ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ الْجَرُّ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ إذَا أَثْبَتَ الْوَارِثُ أَنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ لِلْمُوَرِّثِ يَكْفِي؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَيِّتِ قَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ الشُّهُودِ كَانَتْ لَهُ وَمِلْكُ الْوَارِثِ خِلَافُهُ عَنْهُ وَلِهَذَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِهِ وَيَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُوَرِّثُ فَيَكُونُ مِلْكُ الْوَارِثِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَلَا يَقْضِي بِشَيْءٍ) أَيْ لَا يَقْضِي بِالنِّكَاحِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعٌ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَا تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَيَمْلِكُ النِّكَاحَ مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ، وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ مِلْكُ الْبُضْعَ فَيَقْضِي بِذَلِكَ وَلَا يَنْظُرُ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي النَّفْعِ وَهُوَ الْمَالُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَهُوَ الْمَالُ يَقْضِي بِالْأَقَلِّ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ بِالضَّرُورَةِ الْقَضَاءُ بِالنِّكَاحِ بِأَلْفٍ، فَإِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ بِالْأَقَلِّ بِلَا تَفْصِيلٍ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الدَّيْنِ) بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ ثَمَّةَ أَصْلٌ كَالْمَبِيعِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الثَّمَنِ فَكَانَ ذَلِكَ دَعْوَى الْعَقْدِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ فَمَقْصُودُهُ الْعَقْدُ) إذْ الزَّوْجُ لَا يَدَّعِي عَلَيْهَا مَالًا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمِلْكُ الْمُوَرِّثِ إلَخْ) تَرْجَمَ لَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِفَصْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِرْثِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لَمَّا ذَكَرَ الشَّهَادَةَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْحَيَاةِ شَرَعَ فِي الشَّهَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَالِ الْمَمَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَتْلُو الْحَيَاةَ فَنَاسَبَ وَضْعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ عَقِيبَ ذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لَمْ يَقْضِ لِوَارِثِهِ بِلَا جَرٍّ) أَيْ مِنْ الشُّهُودِ بِأَنْ يَجُرَّا الْمِيرَاثَ فَيَقُولَا مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِمِلْكِهِ) مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فَتَعَيَّنَ الْبِرُّ لِلِادِّخَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِشِرَاءِ طَعَامٍ مَخْرُومٍ مِنْ نُسْخَةِ الشَّارِحِ ﵀ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ يَدِهِ أَوْ يَدِ مُسْتَعِيرِهِ) كَذَا هُنَا وَاَلَّذِي شَرَحَ عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ ﵀ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِمِلْكِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ يَدِ مُودِعِهِ أَوْ يَدِ مُسْتَعِيرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَثْبَتَ يَدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ)؛ لِأَنَّ الْيَدَ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ إلَى يَدِ غَصْبٍ وَأَمَانَةٍ وَمِلْكٍ، فَإِنَّهَا عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ تَصِيرُ يَدَ مِلْكٍ لِمَا عُرِفَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْغَاصِبِ وَالْمُودِعِ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا يَصِيرُ الْمَغْصُوبُ الْوَدِيعَةُ مِلْكَهُ لِصَيْرُورَتِهِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ شَرْعًا وَلَا يَجْتَمِعُ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكِ مَالِكِ الْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَيَصِيرُ مَغْرُورًا) أَيْ فِيمَا

стр. 1194

عَيْنَ مِلْكِ الْمُوَرِّثِ مُسْتَمِرًّا إلَى هَذَا الْوَقْتِ لَا مِلْكًا آخَرَ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْحَيِّ إذَا أَثْبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ يُحْكَمُ لَهُ بِهَا وَلَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَكَمَا إذَا ادَّعَى فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ غَيْرِ ذِي الْيَدِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ أَنَّهَا مِلْكُ الْبَائِعِ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ يَكْتَفِي بِذَلِكَ وَيَقْضِي لَهُ بِهَا وَلَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهَا كَانَتْ لِلْبَائِعِ وَقْتَ الْبَيْعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فَهُوَ بَاقٍ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُ لِاسْتِغْنَاءِ الْبَقَاءِ عَنْ دَلِيلٍ وَلَهُمَا أَنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ مُتَجَدِّدٌ ثَبَتَ لَهُ بَعْدُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامٌ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِي حَقِّ الْمُوَرِّثِ مِنْ اسْتِبْرَاءِ الْجَارِيَةِ وَحِلِّ وَطْئِهَا لَوْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَى الْمُوَرِّثِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَكَذَا يَحِلُّ لِلْوَارِثِ الْغَنِيِّ أَكْلُ صَدَقَةٍ وَرِثَهَا مِنْ الْفَقِيرِ، وَلَوْلَا تَجَدُّدُ الْمِلْكِ لَمَا حَلَّ لَهُ، فَإِذَا كَانَ مُتَجَدِّدًا فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ النَّقْلِ إلَيْهِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَرِّ لَا بِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ إلَى الْمَوْتِ يَثْبُتُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَا لِإِثْبَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ وَحَاجَتِنَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَالِكِيَّةَ الْوَارِثِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ فَكَانَ مُتَجَدِّدًا ضَرُورَةً فَلَا يَثْبُتُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّفِيعَ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِظَاهِرِ يَدِهِ فِي الدَّارِ الْمَشْفُوعِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ يَدْفَعُ دَعْوَى غَيْرِهِ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَثْبَتَ الْحَيُّ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ حَيْثُ يُحْكَمُ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّا اعْتَبَرْنَا فِيهِ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ لِبَقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ حُجَّةٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ حَيْثُ لَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا وَقْتَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مُضَافٌ إلَى الشِّرَاءِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ لَا إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ بِبَقَاءِ مِلْكِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِلْمِلْكِ حَتَّى لَا يَتَحَقَّقَ بِدُونِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ ثَابِتًا بِالشِّرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ فَثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ مُضَافٌ إلَى كَوْنِ الْمَالِ مِلْكَ الْمُوَرِّثِ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا إلَى الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِسَبَبٍ مَوْضُوعٍ لِلْمِلْكِ بَلْ مَوْضُوعٌ لِإِبْطَالِهِ فَكَمْ مِنْ مَوْتٍ لَيْسَ فِيهِ إيجَابُ الْمِلْكِ لِأَحَدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ بِأَنْ قَالَ: إنْ مَاتَ سَيِّدُك فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ كَانَ سَبَبَ الْمِلْكِ لَصَحَّ كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ. قَالَ ﵀ (، وَلَوْ شَهِدَا بِيَدِ حَيٍّ مُنْذُ شَهْرٍ رُدَّتْ) أَيْ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ كَانَتْ فِي يَدِ فُلَانٍ مُنْذُ شَهْرٍ وَهُوَ حَيٌّ رُدَّتْ الشَّهَادَةُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مَقْصُودَةٌ كَالْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ كَمَا إذَا شَهِدَ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمِلْكَ مَتَى ثَبَتَ يَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُ فَكَذَا الْيَدُ وَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَا بِالْأَخْذِ مِنْ الْمُدَّعِي أَوْ بِالْإِقْرَارِ مِنْهُ بِالْيَدِ لَهُ وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَامَتْ بِمَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُنْقَضِيَةٌ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ إلَى مِلْكٍ وَأَمَانَةٍ وَضَمَانٍ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ وَبِخِلَافِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَيْضًا وَحُكْمُهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ وُجُوبُ الرَّدِّ لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذْت حَتَّى تَرُدَّ» وَكَذَا الْإِقْرَارُ بِالْيَدِ مَعْلُومٌ عَلَى مَا يَجِيءُ وَلِأَنَّ يَدَ صَاحِبِ الْيَدِ مُعَايَنٌ وَيَدُ الْمُدَّعِي مَشْهُودٌ بِهِ فَلَا يُعَارِضُ الْمُتَحَقِّقُ؛ لِأَنَّ الْعِيَانَ يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَالشَّهَادَةَ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَكَانَ أَكْثَرَ إثْبَاتًا قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي دَفَعَ إلَى الْمُدَّعِي) أَيْ لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَدِ لِلْمُدَّعِي أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْيَدِ لِلْمُدَّعِي مُنْذُ أَشْهُرٍ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَعْلُومٌ فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ وَجَهَالَةُ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ صَحَّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) قَالَ ﵀ (تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ) أَيْ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] كَانَ الْمُوَرِّثُ مَغْرُورًا فِيهِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ: أَوْ بِالْعَكْسِ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةَ الْمَيِّتِ أَوْ مَوْطُوءَةَ وَارِثِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحُرِّ) أَيْ الصُّورِيِّ أَوْ الْمَعْنَوِيِّ. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا إلَى الْمَوْتِ) أَيْ لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَى الْمَوْتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَوْ شَهِدَا بِيَدِ حَيٍّ إلَخْ) قَيَّدَ بِالْحَيِّ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا شَهِدَ الْمَيِّتُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ تُقْبَلُ اتِّفَاقًا. اهـ. عَيْنِيٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا آنِفًا اهـ (قَوْلُهُ: رُدَّتْ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْيَدَ مُنْقَضِيَةٌ) أَيْ زَائِلَةٌ فِي الْحَالِ وَلَيْسَتْ بِقَائِمَةٍ حَتَّى تُحْمَلَ عَلَى الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ) فَلَمْ يَجِبْ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الرَّدُّ مِنْ وَجْهٍ لَا يَجِبُ مِنْ وَجْهَيْنِ فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي دُفِعَ إلَى الْمُدَّعِي) قَالَ الْكَمَالُ يَعْنِي لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّارِ الَّتِي فِي يَدِهِ هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُدَّعِي دُفِعَتْ لِلْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ مُتَنَوِّعَةً؛ لِأَنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ جَهَالَةٌ فِي الْمُقَرِّ بِهِ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بَلْ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ صَحَّ وَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ الْمُدَّعِي تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ الْإِقْرَارُ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا الْجَهَالَةُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَضَاءِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا جَازَتْ وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ. اهـ. [بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ] (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ إلَخْ إذْ الْأَصْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرْعِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ لَا تُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَحَدُّ الزِّنَا

стр. 1195

الشَّهَادَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلَيْنِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَجَبَتْ عَلَى شَاهِدِ الْأَصْلِ وَلَيْسَتْ بِحَقٍّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْخُصُومَةُ فِيهَا، وَالْإِجْبَارُ عَلَيْهَا، وَالنِّيَابَةُ لَا تَجْرِي فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةُ احْتِمَالٍ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِيهَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْأُصُولِ وَفِي الْفُرُوعِ وَفِيهِ شُبْهَةٌ مِنْ حَيْثُ الْبَدَلِيَّةُ وَلِهَذَا لَا يُصَارُ إلَى الْفُرُوعِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأُصُولِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَيْهَا إذْ شَاهِدُ الْأَصْلِ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بُعْدِ مَسَافَةٍ فَلَوْ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَدَّى إلَى إتْوَاءِ الْحُقُوقِ وَلِهَذَا جَوَّزْنَا الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ الْفُرُوعِ وَعَلَى شَهَادَةِ فُرُوعِ الْفُرُوعِ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فَصَارَ كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي قَوْلُهُ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ احْتِرَازٌ عَنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالشُّبْهَةِ وَفِيهَا شُبْهَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَثْبُتَانِ بِهَا كَمَا لَا يَثْبُتَانِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ شُبْهَةِ الْبَدَلِيَّةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ حَقِيقَةُ الْبَدَلِيَّةِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ الْحُقُوقِ وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْوَقْفِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجُوزُ فِيهِ إحْيَاءً لَهُ وَصَوْنًا عَنْ انْدِرَاسِهِ وَقَوْلُهُ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَعْنِي إنْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ رَجُلَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ قَضِيَّةٌ مِنْ الْقَضَايَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ النِّصَابِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِيَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَغَايُرُ الْفُرُوعِ حَتَّى لَوْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا عَلَى شَهَادَتِهِ رَجُلَيْنِ وَأَشْهَدَهُمَا الْآخَرُ بِعَيْنِهِمَا جَازَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلَانِ غَيْرُ اللَّذَيْنِ أَشْهَدَهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ قَائِمَانِ مَقَامَ أَصْلٍ وَاحِدٍ فَلَا يَتِمُّ حُجَّةٌ لِلْقَضَاءِ بِهِمَا كَالْمَرْأَتَيْنِ لَمَّا قَامَتَا مَقَامَ رَجُلٍ لَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلِأَنَّ الْفَرْعَ لَمَّا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ صَارَ شَاهِدًا أَوَ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى تِلْكَ الشَّهَادَةِ غَيْرَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ لَمَّا كَانَ شَاهِدًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشْهِدَهُ صَاحِبُهُ عَلَى شَهَادَتِهِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عَلَى شَهَادَةِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَصْلِ مُعَبِّرٌ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ رَسُولِهِ فِي إيصَالِ شَهَادَتِهِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَكَأَنَّهُ حَضَرَ وَشَهِدَ بِنَفْسِهِ وَاعْتُبِرَ هَذَا بِرِوَايَةِ الْإِخْبَارِ، فَإِنَّ رِوَايَةَ الْوَاحِدِ عَنْ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ وَلِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلَيْنِ حَقٌّ مِنْ جُمْلَةِ الْحُقُوقِ، وَالْحَقُّ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلْقَاضِي الْقَضَاءَ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّصَابِ، فَإِذَا تَمَّ وَشَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا جَازَ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْآخَرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى قَضِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ امْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ لَمْ يَتِمَّ بِهِمَا وَشَطْرُ الْعِلَّةِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ وَبِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْأَصْلِ يَعْلَمُ الْحَادِثَةَ يَقِينًا فَلَا يَسْتَفِيدُ بِإِشْهَادِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ شَيْئًا وَلِأَنَّ مَعْنَى الْأَصَالَةِ يَقْتَضِي مُشَاهَدَةَ الْحَقِّ وَمَعْنَى الْفَرْعِيَّةِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمُشَاهَدَةِ فَيَتَنَافَيَانِ فَلَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ الْفَرْعَ بَدَلٌ عَنْ الْأَصْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ بَدَلًا وَأَصْلًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلِأَنَّ شَاهِدَ الْأَصْلِ يُثْبِتُ نِصْفَ الْحَقِّ، وَالْفَرْعَانِ نِصْفَهُ. وَلَوْ جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ لَأَثْبَتَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْحَقِّ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَالسَّرِقَةُ وَالْقِصَاصُ وَالْقَذْفُ وَحَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْأَجْنَاسِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي نَوَادِرِ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ يَجُوزُ فِي التَّعْزِيرِ الْعَفْوُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ اهـ أَتْقَانِيٌّ ﵀ (قَوْلُهُ: وَجَبَتْ عَلَى شَاهِدِ الْأَصْلِ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ احْتِمَالٍ) يَعْنِي تُهْمَةَ الْكَذِبِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْفُرُوعِ تُهْمَةٌ زَائِدَةٌ وَهِيَ تُهْمَةُ عَدَمِ السَّمَاعِ مِنْ الْأُصُولِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ شُبْهَةٌ مِنْ حَيْثُ الْبَدَلِيَّةُ)؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ احْتِرَازٌ عَنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) وَبِقَوْلِنَا هَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ عُدُولٌ نَقَلُوا شَهَادَةَ الْأُصُولِ فَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ لَا بِشَهَادَتِهِمْ وَصَارُوا كَالْمُتَرْجِمِ وَسَيَنْدَفِعُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ) أَيْ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تُقْبَلُ إلَخْ جَمِيعُ الْحُقُوقِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ مَالِكٌ إلَخْ) فِي هَذَا النَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ كُلِّهَا وَذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ جَمِيعًا عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا جَائِزَةٌ وَذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ الْأَرْبَعَةِ إلَى هُنَا لَفْظُ كِتَابِ التَّفْرِيعِ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ اهـ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَجُوزُ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ لَا يَجُوزُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَوَّزَ شَهَادَةَ الرَّجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَلَمْ يَنْفِ شَهَادَتَهُمَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ آخَرَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ عَلَى حِدَةٍ فَدَلَّ إطْلَاقُهُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْفَرْعَيْنِ جَمِيعًا عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ خِلَافُهُ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
следующие страницы →