Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وَالْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَكَذَا الْوُقُوفُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ يَكُونُ بِالْقُرْبِ فَلَا يَشْتَبِهُ فَيَكُونَانِ سَرِقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَلَمْ يَتِمَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ وَبِخِلَافِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِيهِ بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ يَقَعُ بِالنَّهَارِ وَهُوَ يَقْرُبُ مِنْهُ غَالِبًا فَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْحَالُ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ عَلَى تَحْقِيقٍ وَتَأَمُّلٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ فِي التَّوْفِيقِ احْتِيَالٌ لِإِيجَابِ الْحَدِّ وَهُوَ يَحْتَالُ لِدَرْئِهِ لَا لِإِيجَابِهِ قُلْنَا الْقَطْعُ لَا يُضَافُ إلَى إثْبَاتِ الْوَصْفِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُكَلَّفَا نَقْلَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَمَا يُوجِبُ الدَّرْءَ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْمُوجِبِ لَا فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ عَلَى هَذَا تَكُونُ الْبَقَرَةُ الْمَسْرُوقَةُ بَلْقَاءَ، وَالْمَشْهُودُ بِسَرِقَتِهَا إمَّا بَيْضَاءُ أَوْ سَوْدَاءُ وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا: إنَّهَا بَلْقَاءُ فَتَكُونُ غَيْرَهَا ضَرُورَةً قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَعْرِفُ اللَّوْنَيْنِ أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ اللَّوْنِ فَسَمَّاهَا بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ مَوَاضِعِهَا وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي بَقَرَةً مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِوَصْفٍ
وَأَمَّا إذَا ادَّعَى سَرِقَةَ بَقَرَةٍ سَوْدَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ كَذَّبَ أَحَدَهُمَا وَقِيلَ هَذَا فِي لَوْنَيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ كَالسَّوَادِ، وَالْحُمْرَةِ، وَأَمَّا فِي لَوْنَيْنِ غَيْرِ مُتَشَابِهَيْنِ كَالسَّوَادِ، وَالْبَيَاضِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْكُلَّ عَلَى الْخِلَافِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَوْبٍ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا هَرَوِيٌّ وَقَالَ الْآخَرُ مَرْوِيٌّ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ لَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ
قَالَ ﵀ (وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدَ فُلَانٍ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ آخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ السَّبَبِ وَهُوَ الْعَقْدُ فَالْبَيْعُ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَاخْتَلَفَ الْمَشْهُودُ بِهِ لِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ فَلَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْبَائِعَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى أَقَلَّ الْمَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمَا لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ السَّبَبِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ هُوَ الْمَقْصُودَ حَقِيقَةً فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ، وَالسَّبَبُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ لَكِنْ مَقْصُودُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ فَكَانَ فِي إثْبَاتِهِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ إذْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ إلَّا بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ وَذَكَرَ عَلَاءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ بِأَلْفٍ ثُمَّ يَصِيرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ يَزِيدَهُ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةٍ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى شِرَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ بَطَلَتْ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ الْوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ يَصِيرُ بِمِائَةِ دِينَارٍ قَالَ ﵀ (وَكَذَا الْكِتَابَةُ، وَالْخُلْعُ) أَيْ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ فِيهِمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ السَّبَبِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْعَبْدَ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي السَّبَبَ لِيَحْصُلَ لَهُ مَقْصُودُهُ وَهُوَ الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ فَصَارَ نَظِيرَ الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَكَانَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فِي نَفْسِ الشَّهَادَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ) أَيْ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ مَسَائِلَ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالنِّكَاحُ وَالرَّهْنُ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا وَيُنْكِرَ الْآخَرَ أَوْ يَدَّعِيَ الْآخَرَ وَيُنْكِرَ هَذَا اهـ وَقَدْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ فِي الْكَنْزِ مِنْهَا أَرْبَعَةً: الْبَيْعُ وَالْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ وَالنِّكَاحُ وَذَكَرَ الشَّارِحُ ﵀ الْأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلْوَضْعِ أَنْ يَذْكُرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ فِي دَعْوَى الْمَالِ وَهَذِهِ فِي دَعْوَى الْعَقْدِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ إلَخْ قَالَ الْكَمَالُ صُورَتُهَا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَيُنْكِرُ الْبَائِعُ الْبَيْعَ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِأَلْفٍ وَشَاهِدًا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قَالَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ هَذَا بَاطِلٌ إلَى آخِرِ مَا هُنَاكَ فَقَدْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ قَضَى بِالْأَلْفِ بِالِاتِّفَاقِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَهُنَا لَا يُقْبَلُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ بَيَانُهُ هُوَ أَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا ادَّعَى دَيْنًا فَقَطْ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا دَعْوَى الْعَقْدِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ فِي الْجَامِعِ فَيُنْكِرُ الْبَائِعُ الْبَيْعَ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ الدَّيْنَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ الْبَيْعَ فَالْبَيْعُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مِنْ أَرْكَانِهِ وَالْمُرَكَّبُ الَّذِي بَعْضُ أَجْزَائِهِ مِقْدَارٌ خَاصٌّ غَيْرُ مِثْلِهِ بِمِقْدَارٍ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَتِمَّ عَلَى أَحَدِهِمَا نِصَابُ شَهَادَةٍ فَلَا يَثْبُتُ الْبَيْعُ أَصْلًا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْبَائِعَ) بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ فَأَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ كَذَلِكَ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى أَقَلَّ الْمَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمَا) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي هُوَ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِي اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا) أَيْ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَالتَّكْذِيبِ مِنْ الْمُدَّعِي. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ عَلَاءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ) قَالَ الْكَمَالُ وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ السَّيِّدِ الْإِمَامِ الشَّهِيدِ السَّمَرْقَنْدِيِّ تُقْبَلُ إلَخْ. اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يَصِيرُ بِمِائَةِ دِينَارٍ) قَالَ الْكَمَالُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّارِحِينَ فِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ. اهـ. (قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ)؛ لِأَنَّ دَعْوَى السَّيِّدِ لِمَالٍ عَلَى عَبْدِهِ لَا يَصِحُّ إذْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ دَعْوَى الْكِتَابَةِ فَيَنْصَرِفُ إنْكَارُ الْعَبْدِ إلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَّا بِهِ
стр. 1192
الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ السَّبَبِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ عِنْدَ أَدَاءِ الْمَالِ فَيَصِيرُ مُقَابَلًا بِالْعِتْقِ فَقِيلَ الْأَدَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ فَكَانَ مَقْصُودُهُ إثْبَاتَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى لَا تُفِيدُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِالتَّعْجِيزِ، وَالْمُرَادُ بِالْخُلْعِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ لِلْخُلْعِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا إثْبَاتُ السَّبَبِ دُونَ الْمَالِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ فَصَارَ نَظِيرَ الْبَيْعِ بِخِلَافِ دَعْوَى الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ الْمَالُ دُونَ السَّبَبِ فَيَثْبُتُ قَدْرُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِقْرَارِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الدَّيْنِ فَيَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ لِتَمَامِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ فِيهِ
وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْعَبْدَ أَوْ الْقَاتِلَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْعَبْدِ، وَالْقَاتِلِ الْعَقْدُ دُونَ الْمَالِ فَلَا يَثْبُتُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْلَى أَوْ الْوَلِيَّ يَثْبُتُ الْعَفْوُ، وَالْعِتْقُ بِإِقْرَارِهِمَا فَيَكُونُ دَعْوَى الدَّيْنِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْخُلْعِ وَفِي الرَّهْنِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُرْتَهِنَ فَهُوَ كَدَعْوَى الدَّيْنِ يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الرَّاهِنَ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ الرَّهْنَ إذْ الرَّهْنُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ فَلَا فَائِدَةَ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقٍّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُهَا عَلَى حَقٍّ لَهُ وَصُورَةُ دَعْوَى الرَّهْنِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ رَهَنَهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ فَيَطْلُبُ الِاسْتِرْدَادَ مِنْهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا وَفِي الْإِجَارَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ فَهِيَ نَظِيرُ الْبَيْعِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَهِيَ كَالدَّيْنِ يُثْبِتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْأَقَلَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ الْمُدَّعِي وَكَذَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الدَّيْنِ.
قَالَ ﵀ (فَأَمَّا النِّكَاحُ فَيَصِحُّ بِأَلْفٍ) يَعْنِي بِأَقَلَّ الْمَالَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سَوَاءٌ كَانَ الدَّعْوَى مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْمَرْأَةِ وَسَوَاءٌ ادَّعَى الْأَقَلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ إلَّا لِإِثْبَاتِهَا. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْعِتْقِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ ذِكْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّمَانِيَةِ مَسْأَلَةُ الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ الْخُلْعُ وَالْعَتَاقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَرْأَةَ فِي الْخُلْعِ وَالْعَبْدُ فِي الْعِتْقِ وَالْقَاتِلُ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُمَا الْخَلَاصَ وَهُوَ مَقْصُودُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَهُوَ الزَّوْجُ وَالْمَوْلَى وَوَلِيُّ الْقَتِيلِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَكْثَرَ الْمَالَيْنِ فَشَهِدَ بِهِ شَاهِدٌ وَالْآخَرُ بِالْأَقَلِّ إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ بِعَطْفٍ مِثْلُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قُضِيَ بِالْأَقَلِّ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ كَالْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ الْعَفْوُ وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ بِاعْتِرَافِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَمْ تَبْقَ الدَّعْوَى إلَّا فِي الدَّيْنِ اهـ.
وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: فَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى فِي الطَّلَاقِ أَوْ فِي الْخُلْعِ عَلَى مَالٍ أَوْ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ أَوْ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ، أَوْ الْمَوْلَى أَوْ وَلِيَّ الْقِصَاصِ فَهَذَا دَعْوَى الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هِيَ الْمَرْأَةَ أَوْ الْقَاتِلَ أَوْ الْعَبْدَ فَهَذَا دَعْوَى عَقْدٍ لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي الرَّهْنِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُرْتَهِنَ إلَخْ)، فَإِنْ قِيلَ: الرَّهْنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَكَانَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي قَدْرِ الْمَالِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِيهِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مَتَى شَاءَ بِخِلَافِ الرَّاهِنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لِدَعْوَى الدَّيْنِ فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ إذْ الرَّهْنُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالدَّيْنِ فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي ثُبُوتِ الدَّيْنِ فَيَثْبُتُ الرَّهْنُ بِأَلْفٍ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلدَّيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ مَثَلًا هَكَذَا أُطَالِبُهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لِي عَلَيْهِ عَلَى رَهْنٍ لَهُ عِنْدِي فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إلَّا الْمَالَ، وَذِكْرُ الرَّهْنِ زِيَادَةٌ إذْ لَا يَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِ ثُبُوتِ دَيْنِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ دَيْنِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ هَكَذَا أُطَالِبُهُ بِإِعَادَةِ رَهْنِ كَذَا وَكَذَا كَانَ رَهْنُهُ عِنْدِي عَلَى كَذَا ثُمَّ غَصَبَهُ أَوْ سَرَقَهُ مَثَلًا فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا دَعْوَى الْعَقْدِ فَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي أَنَّهُ رَهَنَهُ بِأَلْفٍ أَوْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً يُوجِبُ أَنْ لَا يَقْضِيَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَخْتَلِفُ بِهِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الرَّاهِنَ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ) أَيْ بِشَيْءٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى وَلَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الرَّاهِنَ لَا حَظَّ لَهُ فِي الرَّهْنِ أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَا دَامَ الدَّيْنُ قَائِمًا فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى فَلَمْ تَصِحَّ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْإِجَارَةِ إنْ كَانَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَالسَّابِعَةُ الْإِجَارَةُ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ فَهُوَ كَالْبَيْعِ بِأَنْ ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْآجِرُ أَنَّهُ آجَرَهُ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَشَهِدَ وَاحِدٌ كَذَلِكَ وَآخَرُ بِأَلْفٍ لَا تَثْبُتُ الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ إذْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لَا يُسْتَحَقُّ بَدَلٌ فَكَانَ الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ الْعَقْدِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبَدَلِ فَلَا تَثْبُتُ الْإِجَارَةُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّهَا اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ أَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ بَعْدَ أَنْ تَسَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُؤَجِّرَ فَهِيَ دَعْوَى الْمَالِ، فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ يَدَّعِي الْأَكْثَرَ يَقْضِي بِأَلْفٍ إذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بَعْدَ الْمُدَّةِ إلَّا الْأَجْرُ، وَإِنْ شَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِيهِمَا لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا بِأَلْفٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُسْتَأْجِرَ فَهُوَ دَعْوَى الْعَقْدِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِمَالِ الْإِجَارَةِ فَيَقْضِي عَلَيْهِ بِمَا اعْتَرَفَ بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ اخْتِلَافُهُمَا فِيهِ وَلَا يَثْبُتُ الْعَقْدُ لِلِاخْتِلَافِ اهـ
стр. 1193
وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ وَلَا يُقْضَى بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ إثْبَاتُ السَّبَبِ، وَالنِّكَاحُ بِأَلْفٍ غَيْرُ النِّكَاحِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَتَبْطُلُ الشَّهَادَةُ كَمَا فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِيَ أَوْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ لِامْتِنَاعِ ثُبُوتِ النِّكَاحِ بِإِقْرَارِ أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَالْخُلْعِ، وَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ حَيْثُ يَكُونُ دَعْوَى الدَّيْنِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ، وَالْمَوْلَى، وَالْوَلِيَّ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَالْعِتْقُ فَيَبْقَى دَعْوَى الْمَالِ الْمُجَرَّدِ عَنْ السَّبَبِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي النِّكَاحِ كَمَا تَصِحُّ عِنْدَ الْعَقْدِ تَصِحُّ بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا ثُمَّ سَمَّى لَهَا مَهْرًا صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَلِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى قِيَامِهِ وَقِيَامُهُ تَارَةً يَكُونُ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ وَتَارَةً يَكُونُ حَالَةَ الْبَقَاءِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ اخْتِلَافِ التَّسْمِيَتَيْنِ اخْتِلَافُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وُجِدَتْ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ.
وَالْبَيِّنَةُ عَلَى التَّسْمِيَةِ فِي حَالٍ يَسْتَحِيلُ الْعَقْدُ لَا تَكُونُ بَيِّنَةً عَلَى الْعَقْدِ بَلْ عَلَى التَّسْمِيَةِ الْمُجَرَّدَةِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَالَ حَالَ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَيَثْبُتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَمْ تَقُمْ إلَّا عَلَى الْمَالِ حَالَ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَيَثْبُتُ بِهَا التَّسْمِيَةُ وَبَقَاءُ النِّكَاحِ لَا غَيْرُ وَلِأَنَّ الْمَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحِلُّ، وَالِازْدِوَاجُ، وَالْمِلْكُ وَمِنْ حُكْمِ التَّبَعِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ الْأَصْلَ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِنَفْيِهِ وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِهِ فَكَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ فَبَقِيَ الْعَقْدُ سَالِمًا عَنْ الِاخْتِلَافِ فَلَزِمَ وَمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَهُوَ الْمَالُ يَقْضِي بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا كَمَا فِي الدَّيْنِ وَقِيلَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ يَجْعَلُ أَبُو حَنِيفَةَ مَقْصُودَهَا الْمَالَ فَيُخْرِجُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهُمَا يَجْعَلَانِ مَقْصُودَهَا الْعَقْدَ لِمَا بَيَّنَّا لَهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ فَمَقْصُودُهُ الْعَقْدُ لَا الْمَالُ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْعَقْدِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ وَيَسْتَوِي فِيهِ دَعْوَى أَقَلِّ الْمَالَيْنِ وَأَكْثَرِهِمَا فِي الصَّحِيحِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْعَقْدُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي التَّبَعِ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ لَكِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ الْمَالِ فَيَجِبُ الْأَقَلُّ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ بِدَعْوَى الْأَقَلِّ تَكْذِيبًا لِلشَّاهِدِ لِجَوَازِ أَنَّ الْأَقَلَّ هُوَ الْمُسَمَّى ثُمَّ صَارَ أَكْثَرَ بِالزِّيَادَةِ
قَالَ ﵀ (وَمِلْكُ الْمُوَرِّثِ لَمْ يَقْضِ لِوَارِثِهِ بِلَا جَرٍّ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِمِلْكِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ يَدِ مُسْتَعِيرِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ شَيْءٌ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُوَرِّثِ بِأَنْ ادَّعَى الْوَارِثُ عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيهِ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ لِأَبِيهِ لَا يُقْضَى لَهُ حَتَّى يَجُرَّ الْمِيرَاثَ فَيَقُولَا مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ أَوْ يَقُولَا كَانَتْ لِأَبِيهِ يَوْمَ مَوْتِهِ أَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَرَّ شَرْطٌ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ وَلَكِنْ إذَا ثَبَتَ مِلْكُهُ أَوْ يَدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَ جَرًّا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مِلْكَهُ أَوْ أَنَّ الِانْتِقَالَ إلَى الْوَارِثِ فَيَثْبُتُ الِانْتِقَالُ ضَرُورَةً فَيَكُونُ إثْبَاتًا لِلِانْتِقَالِ وَكَذَا إذَا أَثْبَتَ يَدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ إنْ كَانَتْ يَدَ مِلْكٍ فَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْأَيْدِيَ فِي الْأَمَانَاتِ عِنْدَ الْمَوْتِ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكٍ بِوَاسِطَةِ الضَّمَانِ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا لِتَرْكِهِ الْحِفْظَ، وَالْمَضْمُونُ يَمْلِكُهُ الضَّامِنُ عَلَى مَا عُرِفَ فَيَكُونُ إثْبَاتُ الْيَدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إثْبَاتًا لِلْمِلْكِ، وَإِثْبَاتُ يَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْمُودِعِ، وَالْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالْمُرْتَهِنِ، وَالْغَاصِبِ وَغَيْرِهِمْ إثْبَاتٌ لِيَدِهِ فَيُغْنِي إثْبَاتُ الْمِلْكِ وَقْتَ الْمَوْتِ عَنْ ذِكْرِ الْجَرِّ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ الْجَرُّ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ إذَا أَثْبَتَ الْوَارِثُ أَنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ لِلْمُوَرِّثِ يَكْفِي؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَيِّتِ قَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ الشُّهُودِ كَانَتْ لَهُ وَمِلْكُ الْوَارِثِ خِلَافُهُ عَنْهُ وَلِهَذَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِهِ وَيَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُوَرِّثُ فَيَكُونُ مِلْكُ الْوَارِثِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَلَا يَقْضِي بِشَيْءٍ) أَيْ لَا يَقْضِي بِالنِّكَاحِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعٌ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَا تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَيَمْلِكُ النِّكَاحَ مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ، وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ مِلْكُ الْبُضْعَ فَيَقْضِي بِذَلِكَ وَلَا يَنْظُرُ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي النَّفْعِ وَهُوَ الْمَالُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَهُوَ الْمَالُ يَقْضِي بِالْأَقَلِّ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ بِالضَّرُورَةِ الْقَضَاءُ بِالنِّكَاحِ بِأَلْفٍ، فَإِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ بِالْأَقَلِّ بِلَا تَفْصِيلٍ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الدَّيْنِ) بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ ثَمَّةَ أَصْلٌ كَالْمَبِيعِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الثَّمَنِ فَكَانَ ذَلِكَ دَعْوَى الْعَقْدِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ فَمَقْصُودُهُ الْعَقْدُ) إذْ الزَّوْجُ لَا يَدَّعِي عَلَيْهَا مَالًا. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمِلْكُ الْمُوَرِّثِ إلَخْ) تَرْجَمَ لَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِفَصْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِرْثِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لَمَّا ذَكَرَ الشَّهَادَةَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْحَيَاةِ شَرَعَ فِي الشَّهَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَالِ الْمَمَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَتْلُو الْحَيَاةَ فَنَاسَبَ وَضْعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ عَقِيبَ ذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لَمْ يَقْضِ لِوَارِثِهِ بِلَا جَرٍّ) أَيْ مِنْ الشُّهُودِ بِأَنْ يَجُرَّا الْمِيرَاثَ فَيَقُولَا مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِمِلْكِهِ) مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فَتَعَيَّنَ الْبِرُّ لِلِادِّخَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِشِرَاءِ طَعَامٍ مَخْرُومٍ مِنْ نُسْخَةِ الشَّارِحِ ﵀ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ يَدِهِ أَوْ يَدِ مُسْتَعِيرِهِ) كَذَا هُنَا وَاَلَّذِي شَرَحَ عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ ﵀ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِمِلْكِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ يَدِ مُودِعِهِ أَوْ يَدِ مُسْتَعِيرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَثْبَتَ يَدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ)؛ لِأَنَّ الْيَدَ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ إلَى يَدِ غَصْبٍ وَأَمَانَةٍ وَمِلْكٍ، فَإِنَّهَا عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ تَصِيرُ يَدَ مِلْكٍ لِمَا عُرِفَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْغَاصِبِ وَالْمُودِعِ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا يَصِيرُ الْمَغْصُوبُ الْوَدِيعَةُ مِلْكَهُ لِصَيْرُورَتِهِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ شَرْعًا وَلَا يَجْتَمِعُ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكِ مَالِكِ الْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَيَصِيرُ مَغْرُورًا) أَيْ فِيمَا
стр. 1194
عَيْنَ مِلْكِ الْمُوَرِّثِ مُسْتَمِرًّا إلَى هَذَا الْوَقْتِ لَا مِلْكًا آخَرَ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْحَيِّ إذَا أَثْبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ يُحْكَمُ لَهُ بِهَا وَلَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَكَمَا إذَا ادَّعَى فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ غَيْرِ ذِي الْيَدِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ أَنَّهَا مِلْكُ الْبَائِعِ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ يَكْتَفِي بِذَلِكَ وَيَقْضِي لَهُ بِهَا وَلَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهَا كَانَتْ لِلْبَائِعِ وَقْتَ الْبَيْعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فَهُوَ بَاقٍ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُ لِاسْتِغْنَاءِ الْبَقَاءِ عَنْ دَلِيلٍ وَلَهُمَا أَنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ مُتَجَدِّدٌ ثَبَتَ لَهُ بَعْدُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامٌ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِي حَقِّ الْمُوَرِّثِ مِنْ اسْتِبْرَاءِ الْجَارِيَةِ وَحِلِّ وَطْئِهَا لَوْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَى الْمُوَرِّثِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَكَذَا يَحِلُّ لِلْوَارِثِ الْغَنِيِّ أَكْلُ صَدَقَةٍ وَرِثَهَا مِنْ الْفَقِيرِ، وَلَوْلَا تَجَدُّدُ الْمِلْكِ لَمَا حَلَّ لَهُ، فَإِذَا كَانَ مُتَجَدِّدًا فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ النَّقْلِ إلَيْهِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَرِّ لَا بِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ إلَى الْمَوْتِ يَثْبُتُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَا لِإِثْبَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ وَحَاجَتِنَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَالِكِيَّةَ الْوَارِثِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ فَكَانَ مُتَجَدِّدًا ضَرُورَةً فَلَا يَثْبُتُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّفِيعَ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِظَاهِرِ يَدِهِ فِي الدَّارِ الْمَشْفُوعِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ يَدْفَعُ دَعْوَى غَيْرِهِ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَثْبَتَ الْحَيُّ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ حَيْثُ يُحْكَمُ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّا اعْتَبَرْنَا فِيهِ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ لِبَقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ حُجَّةٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ حَيْثُ لَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا وَقْتَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مُضَافٌ إلَى الشِّرَاءِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ لَا إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ بِبَقَاءِ مِلْكِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِلْمِلْكِ حَتَّى لَا يَتَحَقَّقَ بِدُونِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ ثَابِتًا بِالشِّرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ فَثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ مُضَافٌ إلَى كَوْنِ الْمَالِ مِلْكَ الْمُوَرِّثِ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا إلَى الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِسَبَبٍ مَوْضُوعٍ لِلْمِلْكِ بَلْ مَوْضُوعٌ لِإِبْطَالِهِ فَكَمْ مِنْ مَوْتٍ لَيْسَ فِيهِ إيجَابُ الْمِلْكِ لِأَحَدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ بِأَنْ قَالَ: إنْ مَاتَ سَيِّدُك فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ كَانَ سَبَبَ الْمِلْكِ لَصَحَّ كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ.
قَالَ ﵀ (، وَلَوْ شَهِدَا بِيَدِ حَيٍّ مُنْذُ شَهْرٍ رُدَّتْ) أَيْ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ كَانَتْ فِي يَدِ فُلَانٍ مُنْذُ شَهْرٍ وَهُوَ حَيٌّ رُدَّتْ الشَّهَادَةُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مَقْصُودَةٌ كَالْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ كَمَا إذَا شَهِدَ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمِلْكَ مَتَى ثَبَتَ يَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُ فَكَذَا الْيَدُ وَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَا بِالْأَخْذِ مِنْ الْمُدَّعِي أَوْ بِالْإِقْرَارِ مِنْهُ بِالْيَدِ لَهُ وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَامَتْ بِمَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُنْقَضِيَةٌ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ إلَى مِلْكٍ وَأَمَانَةٍ وَضَمَانٍ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ وَبِخِلَافِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَيْضًا وَحُكْمُهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ وُجُوبُ الرَّدِّ لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذْت حَتَّى تَرُدَّ» وَكَذَا الْإِقْرَارُ بِالْيَدِ مَعْلُومٌ عَلَى مَا يَجِيءُ وَلِأَنَّ يَدَ صَاحِبِ الْيَدِ مُعَايَنٌ وَيَدُ الْمُدَّعِي مَشْهُودٌ بِهِ فَلَا يُعَارِضُ الْمُتَحَقِّقُ؛ لِأَنَّ الْعِيَانَ يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَالشَّهَادَةَ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَكَانَ أَكْثَرَ إثْبَاتًا قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي دَفَعَ إلَى الْمُدَّعِي) أَيْ لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَدِ لِلْمُدَّعِي أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْيَدِ لِلْمُدَّعِي مُنْذُ أَشْهُرٍ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَعْلُومٌ فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ وَجَهَالَةُ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ صَحَّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) قَالَ ﵀ (تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ) أَيْ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
كَانَ الْمُوَرِّثُ مَغْرُورًا فِيهِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ: أَوْ بِالْعَكْسِ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةَ الْمَيِّتِ أَوْ مَوْطُوءَةَ وَارِثِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحُرِّ) أَيْ الصُّورِيِّ أَوْ الْمَعْنَوِيِّ. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا إلَى الْمَوْتِ) أَيْ لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَى الْمَوْتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَوْ شَهِدَا بِيَدِ حَيٍّ إلَخْ) قَيَّدَ بِالْحَيِّ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا شَهِدَ الْمَيِّتُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ تُقْبَلُ اتِّفَاقًا. اهـ. عَيْنِيٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا آنِفًا اهـ
(قَوْلُهُ: رُدَّتْ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْيَدَ مُنْقَضِيَةٌ) أَيْ زَائِلَةٌ فِي الْحَالِ وَلَيْسَتْ بِقَائِمَةٍ حَتَّى تُحْمَلَ عَلَى الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ) فَلَمْ يَجِبْ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الرَّدُّ مِنْ وَجْهٍ لَا يَجِبُ مِنْ وَجْهَيْنِ فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي دُفِعَ إلَى الْمُدَّعِي) قَالَ الْكَمَالُ يَعْنِي لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّارِ الَّتِي فِي يَدِهِ هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُدَّعِي دُفِعَتْ لِلْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ مُتَنَوِّعَةً؛ لِأَنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ جَهَالَةٌ فِي الْمُقَرِّ بِهِ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بَلْ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ صَحَّ وَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ الْمُدَّعِي تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ الْإِقْرَارُ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا الْجَهَالَةُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَضَاءِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا جَازَتْ وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ. اهـ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ]
(بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ إلَخْ إذْ الْأَصْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرْعِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ لَا تُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَحَدُّ الزِّنَا
стр. 1195
الشَّهَادَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلَيْنِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَجَبَتْ عَلَى شَاهِدِ الْأَصْلِ وَلَيْسَتْ بِحَقٍّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْخُصُومَةُ فِيهَا، وَالْإِجْبَارُ عَلَيْهَا، وَالنِّيَابَةُ لَا تَجْرِي فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةُ احْتِمَالٍ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِيهَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْأُصُولِ وَفِي الْفُرُوعِ وَفِيهِ شُبْهَةٌ مِنْ حَيْثُ الْبَدَلِيَّةُ وَلِهَذَا لَا يُصَارُ إلَى الْفُرُوعِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأُصُولِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَيْهَا إذْ شَاهِدُ الْأَصْلِ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بُعْدِ مَسَافَةٍ فَلَوْ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَدَّى إلَى إتْوَاءِ الْحُقُوقِ وَلِهَذَا جَوَّزْنَا الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ الْفُرُوعِ وَعَلَى شَهَادَةِ فُرُوعِ الْفُرُوعِ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فَصَارَ كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي
قَوْلُهُ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ احْتِرَازٌ عَنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالشُّبْهَةِ وَفِيهَا شُبْهَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَثْبُتَانِ بِهَا كَمَا لَا يَثْبُتَانِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ شُبْهَةِ الْبَدَلِيَّةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ حَقِيقَةُ الْبَدَلِيَّةِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ الْحُقُوقِ وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْوَقْفِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجُوزُ فِيهِ إحْيَاءً لَهُ
وَصَوْنًا
عَنْ انْدِرَاسِهِ وَقَوْلُهُ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَعْنِي إنْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ رَجُلَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ قَضِيَّةٌ مِنْ الْقَضَايَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ النِّصَابِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِيَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَغَايُرُ الْفُرُوعِ حَتَّى لَوْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا عَلَى شَهَادَتِهِ رَجُلَيْنِ وَأَشْهَدَهُمَا الْآخَرُ بِعَيْنِهِمَا جَازَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلَانِ غَيْرُ اللَّذَيْنِ أَشْهَدَهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ قَائِمَانِ مَقَامَ أَصْلٍ وَاحِدٍ فَلَا يَتِمُّ حُجَّةٌ لِلْقَضَاءِ بِهِمَا كَالْمَرْأَتَيْنِ لَمَّا قَامَتَا مَقَامَ رَجُلٍ لَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلِأَنَّ الْفَرْعَ لَمَّا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ صَارَ شَاهِدًا أَوَ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى تِلْكَ الشَّهَادَةِ غَيْرَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ لَمَّا كَانَ شَاهِدًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشْهِدَهُ صَاحِبُهُ عَلَى شَهَادَتِهِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عَلَى شَهَادَةِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَصْلِ مُعَبِّرٌ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ رَسُولِهِ فِي إيصَالِ شَهَادَتِهِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَكَأَنَّهُ حَضَرَ وَشَهِدَ بِنَفْسِهِ وَاعْتُبِرَ هَذَا بِرِوَايَةِ الْإِخْبَارِ، فَإِنَّ رِوَايَةَ الْوَاحِدِ عَنْ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ وَلِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلَيْنِ حَقٌّ مِنْ جُمْلَةِ الْحُقُوقِ، وَالْحَقُّ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلْقَاضِي الْقَضَاءَ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّصَابِ، فَإِذَا تَمَّ وَشَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا جَازَ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْآخَرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى قَضِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ امْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ لَمْ يَتِمَّ بِهِمَا وَشَطْرُ الْعِلَّةِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ وَبِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْأَصْلِ يَعْلَمُ الْحَادِثَةَ يَقِينًا فَلَا يَسْتَفِيدُ بِإِشْهَادِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ شَيْئًا وَلِأَنَّ مَعْنَى الْأَصَالَةِ يَقْتَضِي مُشَاهَدَةَ الْحَقِّ وَمَعْنَى الْفَرْعِيَّةِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمُشَاهَدَةِ فَيَتَنَافَيَانِ فَلَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ الْفَرْعَ بَدَلٌ عَنْ الْأَصْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ بَدَلًا وَأَصْلًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلِأَنَّ شَاهِدَ الْأَصْلِ يُثْبِتُ نِصْفَ الْحَقِّ، وَالْفَرْعَانِ نِصْفَهُ.
وَلَوْ جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ لَأَثْبَتَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْحَقِّ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَالسَّرِقَةُ وَالْقِصَاصُ وَالْقَذْفُ وَحَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْأَجْنَاسِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي نَوَادِرِ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ يَجُوزُ فِي التَّعْزِيرِ الْعَفْوُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ اهـ أَتْقَانِيٌّ ﵀ (قَوْلُهُ: وَجَبَتْ عَلَى شَاهِدِ الْأَصْلِ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ احْتِمَالٍ) يَعْنِي تُهْمَةَ الْكَذِبِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْفُرُوعِ تُهْمَةٌ زَائِدَةٌ وَهِيَ تُهْمَةُ عَدَمِ السَّمَاعِ مِنْ الْأُصُولِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ شُبْهَةٌ مِنْ حَيْثُ الْبَدَلِيَّةُ)؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ احْتِرَازٌ عَنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) وَبِقَوْلِنَا هَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ عُدُولٌ نَقَلُوا شَهَادَةَ الْأُصُولِ فَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ لَا بِشَهَادَتِهِمْ وَصَارُوا كَالْمُتَرْجِمِ وَسَيَنْدَفِعُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ) أَيْ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تُقْبَلُ إلَخْ جَمِيعُ الْحُقُوقِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ مَالِكٌ إلَخْ) فِي هَذَا النَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ كُلِّهَا وَذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ جَمِيعًا عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا جَائِزَةٌ وَذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ الْأَرْبَعَةِ إلَى هُنَا لَفْظُ كِتَابِ التَّفْرِيعِ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ اهـ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَجُوزُ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ لَا يَجُوزُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَوَّزَ شَهَادَةَ الرَّجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَلَمْ يَنْفِ شَهَادَتَهُمَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ آخَرَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ عَلَى حِدَةٍ فَدَلَّ إطْلَاقُهُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْفَرْعَيْنِ جَمِيعًا عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ خِلَافُهُ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 1196
الْفَرْعُ بَدَلًا لَمَا جَازَ أَنْ يَشْهَدَا مَعَ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ إذْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَدَلِ، وَالْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْفَرْعَيْنِ لَيْسَا بِبَدَلٍ عَنْ الَّذِي شَهِدَ مَعَهُمَا بَلْ عَنْ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ وَقَوْلُهُ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ وَقَعَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الشَّهَادَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِتَمَامِ النِّصَابِ وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَى شَهَادَتِهِ رَجُلًا؛ لِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا أَنْ تُشْهِدَ عَلَى شَهَادَتِهَا رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ امْرَأَةٍ نِصَابُ الشَّهَادَةِ لِمَا بَيَّنَّا قَالَ ﵀ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ) أَيْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَبَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ
قَالَ ﵀ (وَالْإِشْهَادُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا) وَهَذَا صِفَةُ الْإِشْهَادِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّحْمِيلِ، وَالتَّوْكِيلِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ كَمَا يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي لِيَنْقُلَهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ هُنَا وَيَقُولُ لَهُ عِنْدَ التَّحْمِيلِ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ إنْ شَاءَ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ مَنْ عَايَنَ الْحَقَّ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْت فُلَانًا يُقِرُّ لِفُلَانٍ بِكَذَا فَاشْهَدْ أَنْتَ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ أَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا فَاشْهَدْ أَنْتَ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ وَلَا يَقُولُ: اشْهَدْ عَلَيَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُحْتَمَلٌ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالْكَذِبِ وَكَذَا لَا يَقُولُ اشْهَدْ بِشَهَادَتِي؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِأَنْ يَشْهَدَ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ فَيَكُونُ آمِرًا لَهُ بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ وَهُوَ كَذِبٌ.
قَالَ ﵀ (وَأَدَاءُ الْفَرْعِ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا وَقَالَ لِي اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ) وَهَذَا صِفَةُ أَدَاءِ الْفَرْعِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَتِهِ وَذِكْرُ شَهَادَةِ الْأَصْلِ وَذِكْرُ التَّحْمِيلِ، وَالْجُمْلَةُ تَحْصُلُ بِذَلِكَ وَلَهُ لَفْظٌ أَطْوَلُ مِنْهُ وَأَقْصَرُ كِلَا طَرَفَيْ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ وَأَوْسَطُهَا صَمِيمٌ فَالْأَطْوَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّهُ شَهِدَ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَقَرَّ عِنْدَهُ وَأَشْهَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ لِي اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَقَرَّ عِنْدِي لِفُلَانٍ بِكَذَا فَفِيهِ ثَمَانِ شِينَاتٍ أَوْ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا شَهِدَ عِنْدِي بِكَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ فَيَذْكُرُ فِيهِ سِتَّ شِينَاتٍ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ فِيهِ خَمْسُ شِينَاتٍ، وَالْأَقْصَرُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ فَيَذْكُرُ فِيهِ أَرْبَعَ شِينَاتٍ أَوْ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا فَيَذْكُرُ فِيهِ شِينَيْنِ لَا غَيْرُ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَبَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ) وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْإِشْهَادُ) أَيْ إشْهَادُ شَاهِدِ الْأَصْلِ شَاهِدَ الْفَرْعِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْفَرْعَ كَالنَّائِبِ عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَرْعَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَصْلِ وَنَائِبٌ عَنْهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ نَائِبٌ عَنْهُ فَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَالنَّائِبِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَفَرْعَيْنِ عَنْ أَصْلٍ آخَرَ وَلَوْ كَانَ الْفَرْعُ نَائِبًا حَقِيقَةً لَمَا جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ كَمَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ) أَيْ شَاهِدُ الْأَصْلِ عِنْدَ الْفَرْعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِيَنْقُلَهُ) أَيْ لِيَنْقُلَ الْفَرْعُ شَهَادَةَ الْأَصْلِ اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى شُهُودُ الْفَرْعِ يَجِبُ أَنْ يَذْكُرُوا أَسْمَاءَ الْأُصُولِ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ حَتَّى لَوْ قَالُوا لِلْقَاضِي نَشْهَدُ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَعْرِفُهُمَا أَشْهَدَانَا عَلَى شَهَادَتِهِمَا يَشْهَدَانِ بِكَذَا أَوْ قَالُوا لِلْقَاضِي: لَا نُسَمِّيهِمَا لَك أَوْ قَالَا لَا نَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمَا لَمْ تُقْبَلْ حَتَّى يُسَمِّيَا؛ لِأَنَّهُمَا تَحَمَّلَا مُجَازَفَةً لَا عَنْ مَعْرِفَةٍ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَهُ لَفْظٌ أَطْوَلُ مِنْهُ وَأَقْصَرُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَهَا قَوْلٌ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا وَأَقْصَرُ مِنْهُ وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَيْ لِشَهَادَةِ الْفَرْعِ عِنْدَ الْأَدَاءِ لَفْظٌ أَطْوَلُ مِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَهُوَ كَمَا قَالَ الْخَصَّافُ وَلَفْظٌ أَقْصَرُ مِنْهُ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ وَأَوْسَطُهَا حَمِيمٌ) فِي نُسْخَةٍ صَمِيمٌ (قَوْلُهُ: فَالْأَطْوَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ إلَخْ) نَسَبَ الْأَتْقَانِيُّ هَذَا إلَى الْخَصَّافِ فَقَالَ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يُكَرِّرُ لَفْظَ الشَّهَادَةِ ثَمَانِ مَرَّاتٍ وَذَكَرَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَيَذْكُرُ فِيهِ سِتَّ شِينَاتٍ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ يَكْفِي ثَلَاثُ شِينَاتٍ فِي الْإِشْهَادِ وَسِتٌّ فِي الْأَدَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ فِيهِ خَمْسُ شِينَاتٍ) أَيْ كَمَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَقُولُ أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ وَيُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ لَفَظَاتٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ أَوْلَى وَأَحْوَطُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَشْهَدُ هُوَ لَفْظُ شَهَادَتِهِ ثُمَّ يُخْبِرُ بِذَلِكَ بِصِفَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَهَادَتُهُ وَهُوَ التَّحْمِيلُ، أَمَّا قَوْلُهُ وَقَالَ لِي اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي هُوَ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ جَازَ وَجْهُ قَوْلِهِمَا إنَّهُ إذَا لَمْ يَقُلْ وَقَالَ لِي اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ وَذَلِكَ كَذِبٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْمِيلِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ تَحْمِيلًا بِالشَّكِّ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ أَمْرَ الشَّاهِدِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ وَأَنَّهُ لَا يَكْذِبُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّحْمِيلَ فَيَصِحُّ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ اهـ قَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَهُوَ الْهِدَايَةُ وَاَلَّذِي فِيهَا خَمْسُ شِينَاتٍ كَمَا فِي الْكَنْزِ اهـ
стр. 1197
وَأَبِي جَعْفَرٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ ﵏ وَهُوَ أَسْهَلُ وَأَيْسَرُ وَأَقْصَرُ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ كَانَ يُخَالِفُهُ فِيهِ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ فَأَخْرَجَ لَهُمْ الرِّوَايَةَ مِنْ السِّيَرِ فَانْقَادُوا لَهُ.
قَالَ ﵀ (وَلَا شَهَادَةَ لِلْفَرْعِ إلَّا بِمَوْتِ أَصْلِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ)؛ لِأَنَّ جَوَازَهَا لِلْحَاجَةِ عِنْدَ عَجْزِ الْأَصْلِ، وَالْعَجْزُ يَتَحَقَّقُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرَضِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ الْحُضُورَ مَعَهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ فَرْضٌ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْعَجْزِ، فَإِذَا سَقَطَ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَهُ كَيْ لَا يُتْوَى حَقُّهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَمْرُ الْقَاضِي بِالْحُضُورِ إلَى مَوْضِعِ الْمَرِيضِ شَنِيعٌ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَرُبَّمَا لَا يَتَفَرَّغُ لِلْقُعُودِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَمْرَاضِ،
وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ
، وَالسَّفَرُ عُذْرٌ ظَاهِرٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَلَّقَتْ بِهِ أَحْكَامٌ جَمَّةٌ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ، وَالْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ وَامْتِدَادِ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَسُقُوطِ الْجُمُعَةِ، وَالْأُضْحِيَّةِ وَحُرْمَةِ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فَكَذَا هَذَا الْحُكْمُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَكَان لَوْ غَدَا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبِيتَ فِي مَنْزِلِهِ جَازَ الْإِشْهَادُ
إحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ
، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَالثَّانِي وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَرْفَقُ؛ لِأَنَّ إحْيَاءَ الْحُقُوقِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَالشَّاهِدُ أَيْضًا مُحْتَسِبٌ فَلَا يُكَلَّفُ مَا فِيهِ حَرَجٌ وَفِي الْبَيْتُوتَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَيَجُوزُ الْإِشْهَادُ عَلَى شَهَادَتِهِ
دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُ وَإِحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ
وَأَخَذَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهَا تَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ فَشَهِدَ الْفُرُوعُ عَلَى شَهَادَتِهِ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنْ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ.
ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ ﵏ إذَا شَهِدَ الْفُرُوعُ عَلَى شَهَادَةِ الْأُصُولِ، وَالْأُصُولُ فِي الْمِصْرِ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ عَلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ إنَابَةَ غَيْرِهِ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي الْجَوَابِ إلَّا بِعُذْرٍ فَكَذَا لَا يَمْلِكُ الْأَصْلُ إنَابَةَ غَيْرِهِ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي الشَّهَادَةِ إلَّا بِعُذْرٍ، وَالْجَامِعُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْجَوَابِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَاسْتِحْقَاقِ الْحُضُورِ عَلَى الشُّهُودِ وَعِنْدَهُمَا لَمَّا مَلَكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَابَةَ غَيْرِهِ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي الْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَذَا فِي الْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ قَالَ ﵀ (فَإِنْ عَدَّلَهُمْ الْفُرُوعُ صَحَّ)؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ مِنْ أَهْلِ التَّزْكِيَةِ فَصَحَّ تَعْدِيلُهُمْ شُهُودَ الْأَصْلِ وَكَذَا إذَا عَدَّلَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ صَاحِبَهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ بِتَنْفِيذِ شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَوْ اُتُّهِمَ بِمِثْلِهِ لَاتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ وَكَانَ يَنْسَدُّ بَابُ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ وَكَيْفَ يُتَّهَمُ بِهِ وَشَهَادَتُهُ لَمْ تُرَدَّ بِرَدِّ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ بَلْ تُقْبَلُ بِضَمِّ آخَرَ مَعَهُ، وَإِنْ اتَّفَقَ الرَّدُّ فَهِيَ إنَّمَا تُرَدُّ لِعَدَمِ كَمَالِ النِّصَابِ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ وَقِيلَ لَا يَقْبَلُ تَعْدِيلَ صَاحِبِهِ لِلتُّهْمَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ.
قَالَ ﵀ (وَإِلَّا عُدِّلُوا) أَيْ إنْ لَمْ يُعَدِّلْهُمْ الْفُرُوعُ عُدِّلُوا بِسُؤَالِ غَيْرِ الْفُرُوعِ عَنْ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى الْفُرُوعِ النَّقْلُ دُونَ التَّعْدِيلِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا نَقَلُوا شَهَادَتَهُمْ يَتَعَرَّفُ الْقَاضِي عَدَالَتَهُمْ كَمَا إذَا حَضَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَشَهِدُوا عِنْدَهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الشَّهَادَةَ وَلَا شَهَادَةَ بِدُونِ الْعَدَالَةِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ كَانَ يَعْرِفُ الْفُرُوعَ، وَالْأُصُولَ بِالْعَدَالَةِ قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ عَرَفَ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْعَدَالَةِ دُونَ الْآخَرِ سَأَلَ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْهُمْ بِهَا، فَإِنْ عَدَّلَ الْأُصُولُ الْفُرُوعَ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عَدَالَةُ الْأُصُولِ بِتَعْدِيلِ الْفُرُوعِ، وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْفُرُوعُ لِلْقَاضِي لَا نَعْرِفُ حَالَهُمْ أَوْ لَا نُخْبِرُك بِحَالِهِمْ
قَالَ ﵀ (وَتَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ بِإِنْكَارِ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ)
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَأَخَذَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ الْفَقِيهُ وَبِهَذَا الْقَوْلِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي الْحُضُورِ فَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَتِلْكَ مَشَقَّةٌ قَلِيلَةٌ فَلَا تُعْتَبَرُ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ حَسَنٌ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَإِنْ عَدَّلَهُمْ الْفُرُوعُ صَحَّ) وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ تَعْدِيلَهُمَا لَا يَكُونُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ نَائِبٌ عَنْ الْأَصْلِ فَتَعْدِيلُهُ الْأَصْلَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ تَعْدِيلِ الْأَصْلِ نَفْسِهِ
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْفَرْعَ نَائِبٌ عَنْ الْأَصْلِ فِي نَقْلِ عِبَارَتِهِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَإِذَا نَقَلَ عِبَارَتَهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَقَدْ انْتَهَى حُكْمُ النِّيَابَةِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَجَانِبِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ اُتُّهِمَ بِمِثْلِهِ لَاتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ) بِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْهَدُ لِيَصِيرَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَهَادَةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ) أَيْ الْوَاجِبَ عَلَى الْفُرُوعِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَتَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ بِإِنْكَارِ الْأَصْلِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَإِنْ أَنْكَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ قَالَ الْكَمَالُ: لِأَنَّ إنْكَارَهُمَا الشَّهَادَةَ إنْكَارٌ لِلتَّحْمِيلِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي الْقَبُولِ فَوَقَعَ فِي التَّحْمِيلِ تَعَارُضُ خَبَرِهِمَا بِوُقُوعِهِ وَخَبَرِ الْأُصُولِ بِعَدَمِهِ وَلَا ثُبُوتَ مَعَ التَّعَارُضِ اهـ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ: لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ التَّحْمِيلُ، فَإِذَا أَنْكَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ شَهَادَتَهُمْ لَا يُوجَدُ التَّحْمِيلُ فَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ شُهُودُ الْأَصْلِ مَا لَنَا شَهَادَةٌ عَلَى هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَمَاتُوا أَوْ غَابُوا ثُمَّ جَاءَ شُهُودُ الْفَرْعِ يَشْهَدُونَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ أَمَّا مَعَ حَضْرَتِهِمْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى شَهَادَةِ الْفُرُوعِ، وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ شُهُودُ الْأَصْلِ. اهـ. كَافِي قَالَ شَيْخُنَا ﵀ فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي وَبِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا أَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ سَوَاءٌ أَنْكَرَ الْأُصُولُ شَهَادَتَهُمْ
стр. 1198
أَيْ الْإِشْهَادَ، وَمَعْنَاهُ إذَا قَالَ شُهُودُ الْأَصْلِ لَمْ نَعْرِفْهُمْ وَلَمْ نُشْهِدْهُمْ عَلَى شَهَادَتِنَا فَمَاتُوا أَوْ غَابُوا ثُمَّ جَاءَ الْفُرُوعُ وَشَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ التَّحْمِيلَ شَرْطٌ وَلَمْ يَثْبُتْ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ خَبَرِ الْأُصُولِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ بِذَلِكَ فَلَا يَثْبُتُ التَّحْمِيلُ مَعَ الِاحْتِمَالِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى فُلَانَةِ بِنْتِ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّةِ بِأَلْفٍ وَقَالَا أَخْبَرَانَا أَنَّهُمَا يَعْرِفَانِهَا فَجَاءَ بِامْرَأَةٍ فَقَالَا: لَا نَدْرِي أَهِيَ هَذِهِ أَمْ لَا قِيلَ لِلْمُدَّعِي هَاتِ شَاهِدَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ)؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالنِّسْبَةِ قَدْ تَحَقَّقَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ لِلْحَاضِرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ تِلْكَ النِّسْبَةِ لِلْحَاضِرَةِ وَنَظِيرُهُ إذَا شَهِدُوا بِبَيْعِ مَحْدُودٍ بِذِكْرِ حُدُودِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ وَشَهِدُوا عَلَى الْخَصْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ الْمَحْدُودَ بِتِلْكَ الْحُدُودِ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيَصِحَّ الْقَضَاءُ بِهِ، وَكَذَا إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِي الشَّهَادَةِ حُدُودُ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِي الشَّهَادَةِ حُدُودُ مَا فِي يَدِهِ قَالَ ﵀
(وَكَذَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَتَبَ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدِي بِكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى فُلَانَةَ بِنْتِ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّةِ وَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَنْسُوبَةَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهَا هِيَ الْمَنْسُوبَةُ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ لِوِلَايَتِهِ يَنْفَرِدُ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ إلَيْهِ وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ ﵀: (وَلَوْ قَالَا فِيهِمَا التَّمِيمِيَّةُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسُبَاهَا إلَى فَخْذِهَا) أَيْ لَوْ قَالَ الشَّاهِدَانِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَفِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ التَّمِيمِيَّةُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسُبَاهَا إلَى فَخْذِهَا وَهُوَ الْجَدُّ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ شَرْطٌ فِيهِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامَّةِ وَهِيَ عَامَّةٌ وَيَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَاصَّةِ، وَالنِّسْبَةُ إلَى الْفَخْذِ خَاصَّةٌ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ النَّسَبِ الشَّعْبُ ثُمَّ الْقَبِيلَةُ ثُمَّ الْفَصِيلَةُ ثُمَّ الْعِمَارَةُ ثُمَّ الْبَطْنُ ثُمَّ الْفَخْذُ فَكَانَ أَخَصَّ مِنْ الْكُلِّ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الصِّحَاحِ وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ الْفَصِيلَةَ آخِرَ الْكُلِّ فَالشَّعْبُ مَجْمَعُ الْقَبَائِلِ، وَالْقَبِيلَةُ مَجْمَعُ الْعَمَائِرِ، وَالْعِمَارَةُ مَجْمَعُ الْبُطُونِ، وَالْبَطْنُ مَجْمَعُ الْأَفْخَاذِ، وَالْفَخْذُ مَجْمَعُ الْفَصَائِلِ خُزَيْمَةُ شَعْبٌ وَكِنَانَةُ قَبِيلَةٌ وَقُرَيْشٌ عُمَارَةٌ وَقُصَيٌّ بَطْنٌ وَهَاشِمٌ فَخْذٌ، وَالْعَبَّاسُ فَصِيلَةٌ وَسُمِّيَ الشَّعْبُ شَعْبًا؛ لِأَنَّ الْقَبَائِلَ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ النَّسَبِ حُصُولُ الْعِلْمِ بِالْمَنْسُوبِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنَّسَبِ إلَى الْخَاصِّ دُونَ الْعَامِّ وَبَنُو تَمِيمٍ عَامٌّ فَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ والفرغانية نِسْبَةٌ عَامَّةٌ وَكَذَا السَّمَرْقَنْدِيَّة، وَالْبُخَارِيَّةُ، وَالْمِصْرِيَّةُ، والأوزجندي ةُ خَاصَّةٌ وَكَذَا النِّسْبَةُ إلَى السِّكَّةِ الصَّغِيرَةِ بِخِلَافِ الْمَحَلَّةِ الْكَبِيرَةِ ثُمَّ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ كَانَ يَتِمُّ بِذِكْرِ الْجَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَذِكْرُ الْفَخْذِ أَوْ الْفَصِيلَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ الْجَدِّ
قَالَ ﵀ (وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ) أَيْ لَا يُضْرَبُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا يَوْجَعُ ضَرْبًا وَيُحْبَسُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ اتَّصَلَ بِشَهَادَتِهِ الْقَضَاءُ أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَفِيهَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ إزَالَةً لِلْفَسَادِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهَا كَبِيرَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]» وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ ﵊ «الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلُ الزُّورِ»، فَإِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَعْزِيرِهِ فَقَطْ لَهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ شُرَيْحًا ﵁
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بِنَفْسِ الْحَادِثَةِ أَوْ أَنْكَرُوا إشْهَادَهُمْ الْفُرُوعَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ وَلَكِنْ مَتْنُ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَا صَوَّرَهُ فِي الْكَافِي لَا عَلَى مَا صَوَّرَهُ الشَّارِحُ حَيْثُ قَالَا بِإِنْكَارِ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَقُولَا بِإِنْكَارِ الْإِشْهَادِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَوْ قَالَا فِيهِمَا التَّمِيمِيَّةُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسُبَاهَا إلَى فَخْذِهَا) فَسَّرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْفَخْذَ بِالْقَبِيلَةِ الْخَاصَّةِ وَفَسَّرَهَا الْعَتَّابِيُّ بِالْأَبِ الْأَعْلَى الَّذِي يُنْسَبُ أَبُوهَا إلَيْهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَنِي تَمِيمٍ قَوْمٌ لَا يُحْصَوْنَ فَلَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ بِذَلِكَ مَا لَمْ يُنْسَبُوا إلَى الْقَبِيلَةِ الْخَاصَّةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: الشَّعْبُ) بِفَتْحِ الشِّينِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ) أَيْ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيّ وَقَوْلِ صَاحِبِ الصِّحَاحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ شَاهِدَانِ أَقَرَّا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ لَمْ يُضْرَبَا وَقَالَا يُعَزَّرَانِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّ شَاهِدَ الزُّورِ فِي حَقِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحُكْمِ هُوَ الْمُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الشَّهَادَةَ وَالْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَوْلُهُ وَفَائِدَتُهُ أَيْ وَفَائِدَةُ وَضْعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ فِيمَا إذَا أَقَرَّا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ كَذِبُ الشَّاهِدِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إذَا قَامَتْ عَلَى أَنَّهُمَا شَهِدَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ لَا تُسْمَعُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِالْإِجْمَاعِ) غَيْرَ أَنَّهُ اكْتَفَى بِتَشْهِيرِ حَالِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرْبِ خُفْيَةً وَهُمَا أَضَافَا إلَى ذَلِكَ الضَّرْبِ وَبِقَوْلِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَسَخَّمَ) يُقَالُ سَخَّمَ وَجْهَهُ إذَا سَوَّدَهُ مِنْ السُّخَامِ وَهُوَ سَوَادُ الْقُدُورِ وَقَدْ جَاءَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْأَسْحَمِ وَهُوَ الْأَسْوَدُ وَفِي الْمُغْنِي وَلَا يُسَخِّمُ وَجْهَهُ بِالْخَاءِ
стр. 1199
كَانَ يُشَهِّرُ وَلَا يَضْرِبُ وَكَانَ يَبْعَثُهُ إلَى سُوقِهِ إنْ كَانَ سُوقِيًّا وَإِلَى قَوْمِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ سُوقِيٍّ بَعْدَ الْعَصْرِ أَجْمَعُ مَا يَكُونُونَ وَيَقُولُ: إنَّ شُرَيْحًا يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَقُولُ إنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوهُ النَّاسَ وَشُرَيْحٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا وَلَكِنَّهُ زَاحَمَ الصَّحَابَةَ فِي الْفَتْوَى وَسَوَّغُوا لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَرَجَعُوا إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُنَاظَرَةِ فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحَابَةِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يُقَلِّدُهُمْ وَعَدَّهُمْ فَقَالَ مِثْلُ مَسْرُوقٍ، وَالْحَسَنِ وَعَلْقَمَةَ وَشُرَيْحٍ.
وَمَنْ كَانَ فِي رُتْبَتِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذَا تَقْلِيدُهُ لِلصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ - لِتَجْوِيزِهِمْ فِعْلَهُمْ وَقَوْلَهُمْ لَا سِيَّمَا شُرَيْحٌ، فَإِنَّهُ كَانَ قَاضِيًا فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ فَيَكُونُ فِعْلُهُ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَهُوَ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ فَيَكُونُ تَقْلِيدُهُ تَقْلِيدًا لَهُمْ ضَرُورَةً وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ كَانَ سِيَاسَةً بِدَلِيلِ تَبْلِيغِهِ أَرْبَعِينَ وَهُوَ حَدُّ الْعَبِيدِ فِي الْقَذْفِ وَبِدَلِيلِ تَسْخِيمِهِ وَهُوَ مِثْلُهُ لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ وَلِذَا لَمْ يَقُولُوا بِهِ لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الْمُثْلَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَلِأَنَّ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ، وَالتَّسْخِيمَ يَمْنَعَانِهِ مِنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْوُقُوعِ فَلَا يُشْرَعَانِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ أَنَّهُ يُشَهَّرُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا، وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ ﵀ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبَةِ، وَالنَّدَامَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا كَانَ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَعْلَمَ رُجُوعَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ، فَإِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلَهُ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ التَّشْهِيرُ أَوْ التَّعْزِيرُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ شَهِدَ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا.
وَأَمَّا إذَا قَالَ غَلِطْت أَوْ نَسِيت أَوْ أَخْطَأْت أَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةٍ أَوْ لِمُخَالَفَةٍ بَيْنَ الشَّهَادَةِ، وَالدَّعْوَى أَوْ بَيْنَ شَهَادَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْكَاذِبُ مِنْهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوْ الشَّاهِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَقَدْ يَكْذِبُ الْمُدَّعِي لِيُنْسَبَ الشَّاهِدَ إلَى الْكَذِبِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّفْيِ، وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةُ الْإِثْبَاتِ وَلَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ مِنْ الضَّمَانِ، وَالتَّعْزِيرِ وَكَذَا إذَا شَهِدُوا بِقَتْلِ شَخْصٍ أَوْ مَوْتِهِ ثُمَّ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ أَوْ بِمَوْتِهِ حَيًّا لِتَيَقُّنِنَا بِكَذِبِهِمْ، وَالرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي شَاهِدِ الزُّورِ سَوَاءٌ وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَابَ قَالُوا: إنْ كَانَ فَاسِقًا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ فِسْقُهُ، فَإِذَا تَابَ وَظَهَرَ صَلَاحُهُ تُقْبَلُ لِزَوَالِ الْفِسْقِ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ التَّوْبَةِ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبَعْضُهُمْ بِسَنَةٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَسْتُورًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ لَا تُعْتَمَدُ وَرَوَى الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ وَبِهِ يُفْتِي فَتَخَلَّصَ لَنَا مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُرَدُّ بِسَبَبِ التُّهْمَةِ وَسَبَبُهَا أَنْوَاعٌ إمَّا مَعْنًى فِي الشَّاهِدِ وَهُوَ الْفِسْقُ، وَالْعَمَى وَإِمَّا مَعْنًى فِي الْمَشْهُودِ لَهُ وَهُوَ وَصْلَةٌ خَاصَّةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ كَقَرَابَةِ الْوِلَادِ، وَالزَّوْجِيَّةِ، وَإِمَّا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ فِي حَقِّ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عَجْزَهُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ دَلِيلَ كَذِبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَقَالَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَالْحَاءِ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَشُرَيْحٌ ﵁) هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى تَقْلِيدَ التَّابِعِيِّ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ نَجْتَهِدُ فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ هُنَا اهـ (قَوْلُهُ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ كَانَ سِيَاسَةً) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ ضَرْبِ عُمَرَ وَالتَّسْخِيمِ كَانَ سِيَاسَةً، فَإِذَا رَأَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَقَدْ يُرَدُّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابَةِ عُمَرَ بِهِ إلَى عُمَّالِهِ فِي الْبِلَادِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى السِّيَاسَةِ بِالتَّبْلِيغِ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ إلَى الْحُدُودِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُجِيزُهُ وَقَدْ أَجَازَ عَالِمُ الْمَذْهَبِ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَنْ يَبْلُغَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ وَتِسْعٌ وَسَبْعُونَ فَجَازَ كَوْنُ رَأْيِ عُمَرَ ﵁ كَذَلِكَ، وَأَمَّا كَوْنُ التَّسْخِيمِ مِثْلَهُ مَنْسُوخَةٌ فَقَدْ يَكُونُ رَأْيُ عُمَرَ ﵁ أَنَّ الْمُثْلَةَ لَيْسَتْ إلَّا فِي قَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الْبَدَنِ وَيَدُومُ لَا بِاعْتِبَارِ عَرَضٍ يُغْسَلُ فَيَزُولُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا كَانَ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ شَهِدْت فِي هَذِهِ بِالزُّورِ وَلَا أَرْجِعُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ (قَوْلُهُ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا تَصْرِيحٌ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَشَاهِدُ الزُّورِ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِمُخَالَفَتِهِ الدَّعْوَى أَوْ الشَّاهِدَ الْآخَرَ أَوْ تَكْذِيبِ الْمُدَّعَى لَهُ إذْ قَدْ يَكُونُ مُحِقًّا فِي الْمُخَالَفَةِ أَوْ لِلْمُدَّعِي غَرَضٌ فِي أَذَاهُ وَزَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِ وَاحِدٍ فَيَجِيءَ حَيًّا اهـ
[كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]
(كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) لَمَّا كَانَ هَذَا أَبْحَاثَ رَفْعِ الشَّهَادَةِ وَمَا تَقَدَّمَ أَبْحَاثَ إثْبَاتِهَا فَكَانَا مُتَوَازِيَيْنِ فَتُرْجِمَ هَذَا بِالْكِتَابِ كَمَا تُرْجِمَ ذَلِكَ لِلْمُوَازَاةِ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا فَلَيْسَ لِهَذَا أَبْوَابٌ لِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِ مَسَائِلِهِ لِيَكُونَ كِتَابًا كَمَا لِذَاكَ وَلِتَحَقُّقِهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ إذْ لَا رَفْعَ إلَّا بَعْدَ الْوُجُودِ نَاسَبَ أَنْ يَجْعَلَ تَعْلِيمَهُ بَعْدَهُ كَمَا أَنَّ وُجُودَهُ
стр. 1200
- ﵊ «كَاتِمُ الشَّهَادَةِ كَشَاهِدِ الزُّورِ» وَشَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَالَ ﵊ «الشَّاهِدُ بِالزُّورِ لَا يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى تَلْعَنَهُ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ» فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الِاجْتِنَابُ عَنْهَا، وَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ، وَالتَّوْبَةُ عَنْهَا لَا تَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْهَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ النَّاسِ وَخَوْفُ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ الْخَالِقِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَفِيهِ تَدَارُكُ مَا أَتْلَفَهُ بِالزُّورِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي ثُمَّ رُكْنُ الرُّجُوعِ أَنْ يَقُولَ رَجَعْت عَمَّا شَهِدْت بِهِ أَوْ شَهِدْت بِزُورٍ فِيمَا شَهِدْت وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَحُكْمُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ التَّعْزِيرُ، وَالضَّمَانُ وَقَبْلَهُ التَّعْزِيرُ فَقَطْ قَالَ ﵀ (وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي)؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا تَخْتَصُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَيِّ حَاكِمٍ كَانَ كَالْفَسْخِ فِي بَابِ الْبَيْعِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ مِنْ قِيَامِ الْمَبِيعِ وَرِضَا الْمُتَبَايِعَيْنِ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الشَّهَادَةِ تَوْبَةٌ عَمَّا اُرْتُكِبَ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ، وَالتَّوْبَةِ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا قَالَ ﵊ «السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ».
فَإِذَا كَانَتْ الْجَرِيمَةُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ تَوْبَتُهَا كَذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الرُّجُوعُ عِنْدَ غَيْرِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ فَلَوْ أَقَامَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُمَا رَجَعَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي أَوْ طَلَبَ يَمِينَهُمَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَلَا يَحْلِفَانِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُمَا رَجَعَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي حَيْثُ يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا، وَإِنْ أَقَرَّا بِرُجُوعٍ بَاطِلٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُمَا بِهِ يُجْعَلُ رُجُوعًا مِنْهُمَا فِي الْحَالِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا رَجَعَا عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي كَانَ قَضَى بِالْحَقِّ حَيْثُ تُقْبَلُ هُنَاكَ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا صَحِيحًا قَالَ ﵀: (فَإِنْ رَجَعَا قَبْلَ حُكْمِهِ لَمْ يَقْضِ بِهَا)؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمَا مُتَنَاقِضٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بَعْدَهُ وَخُصُوصَ مُنَاسَبَتِهِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَهُوَ أَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا لِتَقَدُّمِهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً. اهـ. كَمَالٌ ﵀ قَالَ الْكَاكِيُّ عَقِبَ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ؛ إذْ الرُّجُوعُ يَقْتَضِي سَبْقَ الشَّهَادَةِ وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ خَاصَّةٌ بِشَهَادَةِ الزُّورِ إذْ الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ مُسَبَّبٌ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ ثُمَّ لِلرُّجُوعِ رُكْنٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّاهِدِ شَهِدْت بِزُورٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْقَاضِي أَيِّ قَاضٍ كَانَ فَيَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي. اهـ. (قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ) قَالُوا وَيُعَزَّرُ الشُّهُودُ سَوَاءٌ رَجَعُوا قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَوْبَةٌ عَنْ تَعَمُّدِ الزُّورِ إنْ تَعَمَّدَ أَوْ التَّهَوُّرِ وَالْعَجَلَةِ إنْ كَانَ أَخْطَأَ فِيهِ وَلَا تَعْزِيرَ عَلَى التَّوْبَةِ وَلَا عَلَى ذَنْبٍ ارْتَفَعَ بِهَا وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ. اهـ. كَمَالٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَحُكْمُهُ إيجَابُ التَّعْزِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ رَجَعَ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ وَالضَّمَانِ مَعَ التَّعْزِيرِ إنْ رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَكَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا وَقَدْ أَزَالَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَبْلَهُ التَّعْزِيرُ فَقَطْ) أَيْ بِالضَّرْبِ عِنْدَهُمَا وَبِالتَّشْهِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي شَاهِدِ الزُّورِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي) قَالَ الْكَمَالُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْقَاضِي الْمَشْهُودُ عِنْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ اهـ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ أَيَّ حَاكِمٍ كَانَ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ وَزَادَ جَمَاعَةٌ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِرُجُوعِهِمَا وَيُضَمِّنَهُمَا الْمَالَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَوْ ادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ رُجُوعَهُمَا وَأَرَادَ يَمِينَهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَرْجِعَا لَا يَحْلِفَانِ وَكَذَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى هَذَا الرُّجُوعِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَإِلْزَامُ الْيَمِينِ لَا يُقْبَلُ إلَّا عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ ثُمَّ قَالَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عِنْدَ قَاضِي كَذَا وَضَمَّنَهُ الْمَالَ تُقْبَلُ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَقَيُّدِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بِذَلِكَ وَنُقِلَ هَذَا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ تَوَقُّفَ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَلَى الْقَضَاءِ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِالضَّمَانِ وَتَرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُصَنِّفِي الْفَتَاوَى هَذَا الْقَيْدَ وَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ تَعْوِيلًا عَلَى هَذَا الِاسْتِبْعَادِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمَجْلِسِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ شَاهِدٌ بِالرُّجُوعِ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِهِ وَبِالْتِزَامِ الْمَالِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إذَا تَصَادَقَا أَنَّ لُزُومَ الْمَالِ عَلَيْهِ كَانَ بِهَذَا الرُّجُوعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّوْبَةُ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْجِنَايَةُ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ عَنْهَا وَهِيَ الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ مُخْتَصًّا بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَيْضًا أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ «مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ فَقَالَ مُعَاذٌ أَوْصِنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْت وَاذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ وَحَجَرٍ وَإِذَا عَمِلْت شَرًّا فَأَحْدِثْ تَوْبَةَ السِّرِّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ بِالْعَلَانِيَةِ». اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا يَحْلِفَانِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا) وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَإِلْزَامُ الْيَمِينِ لَا يُقْبَلُ إلَّا عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَإِنْ رَجَعَا قَبْلَ حُكْمِهِ لَمْ يَقْضِ بِهَا) حَيْثُ قَالُوا نَشْهَدُ بِكَذَا لَا نَشْهَدُ بِهِ اهـ فَتْحٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ يُنْظَرُ إلَى حَالِ الشُّهُودِ إنْ كَانَ حَالُهُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَفْضَلَ مِنْ حَالِهِمْ وَقْتَ الْأَدَاءِ فِي الْعَدَالَةِ صَحَّ رُجُوعُهُمْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ فَيُعَزَّرُونَ وَيُنْقَضُ الْقَضَاءُ وَيُرَدُّ الْمَالُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ كَحَالِهِمْ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ دُونَهُ يُعَزَّرُونَ وَلَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الشَّاهِدِ وَهَذَا قَوْلُ أُسْتَاذِهِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ وَلَا يُرَدُّ الْمَالُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا وَهُوَ قَوْلُهُمَا اهـ.
وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ وَرَجَعَ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ يَصِحُّ وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ لَكِنْ إذَا قَضَى عَلَيْهِ هَذَا الْقَاضِي بِالضَّمَانِ كَمَا لَوْ رَجَعَ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ
стр. 1201
فَالْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا لِأَحَدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا شَيْئًا عَلَى أَحَدٍ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا الْحَقُّ إلَّا بِالْقَضَاءِ فَلَمْ يُتْلِفَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَا عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ حَقِّهِ لَا يُضَافُ إلَى رُجُوعِهِمَا بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ عَلَى مَا كَانَ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يُقَالَ: لَوْلَا رُجُوعُهُمَا لَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا وَلَثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ لَكِنْ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا لَوْ أَبَيَا أَنْ يَشْهَدَا ابْتِدَاءً وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا إذَا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا عِنْدَهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يُجَرَّحَا وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ عَلَى دَعْوَاهُ فَلَعَلَّهُ يَشْهَدُ لَهُ غَيْرُهُمَا مِنْ الْعُدُولِ فَيَثْبُتُ حَقُّهُ وَلَا يُتْوَى وَلَئِنْ تَوَى فَهُوَ مُضَافٌ إلَى عَجْزِهِ لَا إلَيْهِمَا
قَالَ ﵀ (وَبَعْدَهُ لَمْ يُنْقَضْ) أَيْ إذَا رَجَعُوا بَعْدَمَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ لَمْ يُفْسَخْ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمَا مُتَنَاقِضٌ فَكَمَا لَا يُحْكَمُ بِالْمُتَنَاقِضِ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالْمُتَنَاقِضِ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصِّدْقِ وَقَدْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ شَهِدَ أَنَّ عَمْرًا قَتَلَهُ بَكْرٌ بِالْكُوفَةِ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِمِصْرَ، فَإِنَّهُمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ يَرُدَّانِ وَبَعْدَهُ لَا يُنْقَضُ لِتَرَجُّحِهِ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ نُقِضَ أَدَّى إلَى النَّقْضِ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى بِرُجُوعِهِ عَنْ الرُّجُوعِ ثُمَّ بِرُجُوعِهِ عَنْ هَذَا الرُّجُوعِ الْأَخِيرِ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ قَالَ ﵀ (وَضَمِنَا مَا أَتْلَفَاهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إذَا قَبَضَ الْمُدَّعِي الْمَالَ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا)؛ لِأَنَّ التَّسْبِيبَ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي يُوجِبُ الضَّمَانَ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَضْمَنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلتَّسْبِيبِ مَعَ وُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ قُلْنَا لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانُ عَلَى الْقَاضِي عِنْدَ رُجُوعِ الشُّهُودِ، وَإِنْ كَانَ مُبَاشِرًا؛ لِأَنَّهُ مُلْجَأٌ مِنْ جِهَتِهِمَا، فَإِنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ عَدَالَتِهِمَا حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ بِإِثْمٍ وَيَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ وَيُعَزَّرُ.
وَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الضَّمَانَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ مَخَافَةَ الْغَرَامَةِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى فَتَعَيَّنَ صَاحِبُ السَّبَبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى صَاحِبِ الْعِلَّةِ كَوَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى الطَّرِيقِ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُوجِبُ الْقِصَاصَ عَلَى شُهُودِ الْقِصَاصِ إذَا رَجَعُوا بَعْدَمَا قَتَلَهُ الْوَلِيُّ وَهُوَ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَأَمْرُ الدَّمِ أَعْظَمُ ثُمَّ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْمَالَ وَهُوَ يُثْبِتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَيَقُولُ إنَّ الْقَاضِيَ مَلْجَأٌ وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمَالِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ وَلَا يُقَالُ أَنْتُمْ أَيْضًا تَنَاقَضَ قَوْلُكُمْ، فَإِنَّكُمْ أَوْجَبْتُمْ عَلَى الشَّاهِدِ الْمَالَ إذَا رَجَعَ وَلَمْ تُوجِبُوا عَلَيْهِ الْقِصَاصَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءُ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْقِصَاصُ نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِنِهَايَةِ الْجِنَايَةِ، وَالتَّسْبِيبُ فِيهِ قُصُورٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بِالضَّمَانِ وَنَقَلَهُ عَنْ شَرْحِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْزَادَهْ ثُمَّ قَالَ وَكَانَ أُسْتَاذُنَا فَخْرُ الدِّينِ الْبَدِيعُ يَسْتَبْعِدُ تَوَقُّفَ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَلَى الْقَضَاءِ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِالضَّمَانِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَالْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ) وَلِأَنَّهُ أَيْ كَلَامَهُ الَّذِي نَاقَضَ بِهِ وَهُوَ الْمُتَأَخِّرُ فِي احْتِمَالِهِ الصِّدْقَ كَالْأَوَّلِ فَلَيْسَ الْقَضَاءُ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ فَوُقِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا شَيْئًا عَلَى أَحَدٍ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهَا صَارَ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ فَسَقَطَتْ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَبَعْدَهُ لَمْ يُنْقَضْ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِالرُّجُوعِ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ وَالْقَضَاءُ بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ لَا يَجُوزُ فَلَا يَفْسَخُ الْقَاضِي حُكْمَهُ بِالرُّجُوعِ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَمَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ لَا يَبْطُلُ بِهِ الْحُكْمُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَضَمِنَا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ لَهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِتْلَافِ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَلَا عِبْرَةَ بِالسَّبَبِ مَعَ وُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ فَسَقَطَ حُكْمُ السَّبَبِ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ وَلَنَا أَنَّ الشُّهُودَ لَمَّا رَجَعُوا عُلِمَ أَنَّ الْمَالَ وَصَلَ إلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ وَشَهَادَتُهُمْ كَانَتْ بَاطِلَةً وَتَسْلِيمُ مَالِ الْغَيْرِ إلَى الْغَيْرِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَالضَّمَانُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ وَلَا عَلَى الْقَاضِي بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ فَلِأَنَّ رُجُوعَ الشَّاهِدِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَاضِي فَلِأَنَّهُ كَالْمُلْجَأِ عَلَى الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فُرِضَ عَلَيْهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ظَاهِرًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَرَ وُجُوبَ الْقَضَاءِ يَكْفُرُ وَلَوْ رَأَى ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ يَفْسُقُ وَإِذَا كَانَ كَالْمُلْجَأِ كَانَ مَعْذُورًا فِي قَضَائِهِ ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ وَعَلَى الْقَاضِي فَتَعَيَّنَ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا سَبَبًا لِإِزَالَةِ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالْعِتْقِ ثُمَّ رَجَعُوا اهـ مَعَ حَذْفٍ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّسْبِيبَ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي إلَخْ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِأَنَّهُمَا تَعَدَّيَا وَوَضَعَا الشَّهَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى تَلَفِ الْمَالِ وَالْإِتْلَافُ بِسَبَبٍ إذَا كَانَ بِسَبِيلِ التَّعَدِّي يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا فِي حَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ كَلَامَ الشُّهُودِ مُتَنَاقِضٌ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّهَمٍ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّ الْمَالَ مِنْ الْمَحْكُومِ لَهُ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الشَّاهِدِ صَحَّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلتَّسْبِيبِ مَعَ وُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ) قُلْنَا الْمُبَاشِرُ الْقَاضِي وَالْمُدَّعِي وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاضِي اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُلْجَأِ إلَى مُبَاشَرَةِ الْقَضَاءِ الَّذِي بِهِ الْإِتْلَافُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِافْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ، وَإِذَا أَلْجَأَهُ الشَّرْعُ لَا يُضَمِّنُهُ، وَأَمَّا الْمُدَّعِي فَلِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحَقٍّ ظَاهِرٍ مَاضٍ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الرُّجُوعِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِيُنْقَضَ الْحُكْمُ وَإِذَا لَمْ يُنْقَضْ لَا يُمْكِنُ جَبْرُهُ عَلَى إعْطَاءِ مَا أَخَذَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ الْمَاضِي شَرْعًا وَإِذَا تَعَذَّرَ الْإِيجَابُ عَلَى الْمُبَاشِرِ تَعَيَّنَ عَلَى الْمُتَعَدِّي بِالتَّسْبِيبِ اهـ فَتْحٌ
стр. 1202
وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْمُبَاشِرِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْمُبَاشِرِ فَكَانَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْقِصَاصُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ دُونَ ضَمَانِ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ فِي الْخَطَأِ، وَالْمَالَ يَجِبُ، وَالْخَطَأُ أَقْوَى مِنْ التَّسْبِيبِ لِوُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ فِيهِ وَلِهَذَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ بِخِلَافِ التَّسْبِيبِ فَأَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ بِهِ الْقِصَاصُ وَقَوْلُهُ إذَا قَبَضَ الْمُدَّعِي الْمَالَ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا وَهَذَا اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَتَحَقَّقُ بِقَبْضِ الْمُدَّعِي مَالَهُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَيْنِ، وَالدَّيْنِ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ دَيْنًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا يَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ الضَّمَانُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْمَشْهُودُ لَهُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مُقَيَّدٌ بِالْمُمَاثَلَةِ فَفِي الْعَيْنِ زَوَالُ مِلْكِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَنْهَا بِالْقَضَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا وَجَازَ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ وَفِي الدَّيْنِ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَلَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُمَاثَلَةُ إذْ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ أَخْذِ الْعَيْنِ وَإِيجَابِ الدَّيْنِ وَفِي الْعَيْنِ تَتَحَقَّقُ وَكَذَلِكَ فِي الْعَقَارِ يَضْمَنُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ بِخِلَافِ الْغَصْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِيهِ وَهَذَا الْإِتْلَافُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ بِالْكَلَامِ فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْعَقَارَ عِنْدَ شَخْصٍ فَأَقَرَّ بِهِ الْمُودِعُ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِلْمُودِعِ لِتَحَقُّقِ الْإِتْلَافِ فِيهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ حَلَّلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا الْمَالَ الْمَشْهُودَ بِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَصِيرُ مَالًا فِي الْعَاقِبَةِ بِالْقَبْضِ فَيَتَحَقَّقُ الْإِتْلَافُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَا بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعَا حَيْثُ لَا يَضْمَنَانِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ الْآدَمِيِّ
قَالَ ﵀: (فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا ضَمِنَ النِّصْفَ، وَالْعِبْرَةُ لِمَنْ بَقِيَ لَا لِمَنْ رَجَعَ) وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي بَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَ الضَّمَانُ مَعَ بَقَاءِ مَنْ يَقُومُ بِكُلِّ الْحَقِّ بِأَنْ بَقِيَ النِّصَابُ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَقِيَ مَنْ يَقُومُ بِنِصْفِ الْحَقِّ فَيَجِبُ ضَمَانُ النِّصْفِ وَلَا يُقَالُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَبْقَى بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الْحُكْمُ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ ابْتِدَاءً كَالْحَوْلِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى النِّصَابِ يَبْقَى بِبَقَاءِ بَعْضِ النِّصَابِ، وَإِنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ) أَيْ خُوَاهَرْ زَادَهْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ عَيْنًا يَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ الضَّمَانُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَجْهُ قَوْلِ السَّرَخْسِيِّ فِي شَرْطِ الْقَبْضِ لِضَمَانِ الْعَيْنِ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْمِلْكِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ فِي زَعْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بَاطِلٌ وَالْمَرْءُ مُؤَاخَذٌ بِزَعْمِهِ فَلَا يَضْمَنُ الشُّهُودُ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمِلْكُ عَنْ يَدِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْمَشْهُودُ لَهُ) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْبَيْهَقِيُّ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ مِنْ الشَّامِلِ فَقَالَ شَهِدَا بِعَيْنٍ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ قَبَضَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُمَا أَزَالَا مِلْكَ الْآخَرِ عَنْ الْعَيْنِ الْمَقْضِيِّ بِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ دَيْنًا ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ قَبْلَ قَبْضِ الدَّيْنِ لَا يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا وَمَا حَالَا وَلِأَنَّهُمَا أَوْجَبَا دَيْنًا وَلَا يُوجِبُ ضَمَانَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ لَا جُرْمَ لَوْ قَبَضَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَصَارَ عَيْنًا يَضْمَنُ إلَى هُنَا لَفْظُ الشَّامِلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(فُرُوعٌ) شَهِدَا أَنَّهُ أَجَّلَهُ إلَى سَنَةٍ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَاهُ حَالًّا ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْمَطْلُوبِ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَوْ تَوَى مَا عَلَى الْمَطْلُوبِ لَوْ يَرْجِعَا عَلَى الطَّالِبِ بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ شَهِدَا عَلَى هِبَةِ عَبْدٍ وَتَسْلِيمٍ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ لِلْمَالِكِ وَلَا رُجُوعَ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ كَالْعِوَضِ، وَإِنْ لَمْ يُضَمِّنْ الْوَاهِبُ الشَّاهِدَيْنِ لَهُ الرُّجُوعُ شَهِدَا أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَةٌ وَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا يُخَيِّرُ الْبَائِعَ بَيْنَ رُجُوعِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَى سَنَةٍ وَبَيْنَ تَضْمِينِ الشَّاهِدَيْنِ قِيمَتَهُ حَالَّةً وَلَا يُضَمِّنُهُمَا الْخَمْسَمِائَةِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الشَّاهِدَيْنِ رَجَعَا عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْبَائِعِ بِالضَّمَانِ وَطَابَ لَهُمَا قَدْرُ مِائَةٍ وَتَصَدَّقَا بِالْفَضْلِ. اهـ. كَمَالٌ مَعَ حَذْفِ فُرُوعٍ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الضَّمَانَ) أَيْ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ وَضَمَانُ الْإِتْلَافِ إلَخْ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَجَازَ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ وَفِي الدَّيْنِ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ) وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ يُوَافِقُ فِي وَجْهِ الدَّيْنِ وَيَقُولُ فِي الْعَيْنِ: إنَّ الْمِلْكَ، وَإِنْ ثَبَتَ فِيهِ لِلْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ لَكِنْ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ مِلْكُهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الشَّاهِدَ شَيْئًا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ قَالَ الْبَزَّازِيُّ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى الضَّمَانُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ قَبَضَ الْمُدَّعِي الْمَالَ أَوْ لَا. اهـ. كَمَالٌ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ مَا نَصُّهُ الشَّاهِدَانِ إذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا رُجُوعًا مُعْتَبَرًا يَعْنِي عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ لَكِنْ ضَمِنَا الْمَالَ الَّذِي شَهِدَا بِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى سَوَاءٌ قَبَضَ الْمَقْضِيُّ لَهُ الْمَالَ الَّذِي قَضَى بِهِ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ وَكَذَا الْعَقَارُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالْعِبْرَةُ لِمَنْ بَقِيَ لَا لِمَنْ رَجَعَ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَالْأَصْلُ هُنَا مَا ذَكَرُوا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الرُّجُوعِ لِبَقَاءِ مَنْ بَقِيَ لَا لِرُجُوعِ مَنْ رَجَعَ وَأَنَّ الشَّاهِدَ فِي رُجُوعِهِ يَضْمَنُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَا أَثْبَتَ بِشَهَادَتِهِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَرُجُوعُهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لَا فِي إبْطَالِ مَا ثَبَتَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا الْعِبْرَةُ لِبَقَاءِ مَنْ بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِبْرَةُ لِرُجُوعِ مَنْ رَجَعَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ وَاجِبًا عَلَى الرَّاجِعِ مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ عِنْدَ وُجُودِ الْمُبْقِي كَمَا إذَا رَجَعَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ ضَمَانُ الْإِتْلَافِ بِلَا تَلَفٍ وَهُوَ فَاسِدٌ إذْ الْحَقُّ بَاقٍ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهُ شَيْءٌ بِبَقَاءِ الشَّاهِدَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَالْحَوْلِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى النِّصَابِ يَبْقَى إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ: وَأَمَّا مَا أَوْرَدَ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي إذَا رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ الِاثْنَيْنِ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ شَيْءٌ أَصْلًا فَيَقْتَضِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَاحِدُ الرَّاجِعُ كُلَّ الْمَالِ فَهُوَ مُصَادِمٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَفْيِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ شَيْءٍ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا يَلْزَمُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ
стр. 1203
لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ ابْتِدَاءً قَالَ ﵀ (: فَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَرَجَعَ وَاحِدٌ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ كُلُّ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ تَكْفِي لِثُبُوتِ الْحَقِّ فِي غَيْرِ الزِّنَا، وَالْكَلَامِ فِيهِ وَقَدْ بَقِيَتْ فَصَارَ الْحَقُّ مُسْتَحَقًّا بِهَا، وَالِاسْتِحْقَاقُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَقِّ كَمَنْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمُتْلِفُ بِبَيِّنَةٍ لَا يَضْمَنُ لِلْأَوَّلِ شَيْئًا فَكَذَا هَذَا قَالَ ﵀: (وَإِنْ رَجَعَ آخَرُ ضَمِنَا النِّصْفَ)؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فَيَبْقَى بِبَقَائِهِ نِصْفُ الْحَقِّ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الرَّاجِعُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ كَانَ مُضَافًا إلَى الْبَاقِيَيْنِ وَلِهَذَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا بِرُجُوعِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّلَفُ مُضَافٌ إلَى الْمَجْمُوعِ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ رُجُوعِ الْأَوَّلِ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ لِمَانِعٍ وَهُوَ بَقَاءُ الشَّاهِدَيْنِ فَلَمَّا رَجَعَ آخَرُ ظَهَرَ أَثَرُهُ إذْ لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ يَقُومُ بِنِصْفِ الْحَقِّ فَيَغْرَمَانِ النِّصْفَ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَهَذَا كَمَا يَلْزَمُ جَمِيعَهُمْ الضَّمَانُ إذَا رَجَعُوا وَهُمْ ثَلَاثَةٌ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُنِي الضَّمَانُ؛ لِأَنِّي لَوْ رَجَعْت وَحْدِي لَمَا وَجَبَ عَلَيَّ فَلَا يَجِبُ عَلَيَّ الضَّمَانُ بِرُجُوعِ غَيْرِي
قَالَ ﵀ (، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَرَجَعَتْ امْرَأَةٌ ضَمِنَتْ الرُّبْعَ) لِبَقَاءِ ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ بِبَقَاءِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ إذْ الرَّجُلُ وَحْدَهُ بِالنِّصْفِ قَالَ ﵀: (وَإِنْ رَجَعَتَا ضَمِنَتَا النِّصْفَ)؛ لِأَنَّهُ بِبَقَاءِ الرَّجُلِ بَقِيَ نِصْفُ الْحَقِّ وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ فَرَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَعَلَيْهِمَا الرُّبْعُ أَثْلَاثًا، وَإِنْ رَجَعَ رَجُلَانِ فَعَلَيْهِمَا النِّصْفُ، وَإِنْ رَجَعَتْ امْرَأَتَانِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ فَرَجَعَتْ ثَمَانٍ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ كُلُّ الْحَقِّ وَهُوَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَتَانِ قَالَ ﵀: (فَإِنْ رَجَعَتْ أُخْرَى ضَمِنَ رُبْعَهُ)؛ لِأَنَّهُ بِبَقَاءِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ بَقِيَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ النِّصْفُ بِالرَّجُلِ، وَالرُّبْعُ بِالْمَرْأَةِ قَالَ ﵀: (وَإِنْ رَجَعُوا فَالْغُرْمُ بِالْأَسْدَاسِ) يَعْنِي سُدُسَهُ عَلَى الرَّجُلِ وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ عَلَى النِّسْوَةِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا عَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسْوَةِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُنَّ، وَإِنْ كَثُرْنَ يَقُمْنَ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ إلَّا بِانْضِمَامِ رَجُلٍ.
فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ بِهِنَّ مَا لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَكَانَ الثَّابِتُ بِشَهَادَتِهِ نِصْفَ الْحَقِّ وَبِشَهَادَتِهِنَّ النِّصْفَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مُتَعَيِّنٌ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِلْقِيَامِ بِنِصْفِ الْحُجَّةِ فَلَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ إلَّا بِوُجُودِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ، فَإِذَا ثَبَتَ نِصْفُ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ ضَمِنَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِنَّ فَعَلَيْهِنَّ ضَمَانُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ يَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَالَ ﵊ فِي نُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ «عَدَلَتْ شَهَادَةُ كُلِّ اثْنَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ» فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَ بِذَلِكَ سِتَّةُ رِجَالٍ ثُمَّ رَجَعُوا فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ أَسْدَاسًا وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِكَثْرَتِهِنَّ عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِكَثْرَتِهِنَّ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ الرِّجَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي الْمِيرَاثِ تَقُومَانِ مَقَامَ ابْنٍ وَاحِدٍ وَعِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ فَلَا يَزْدَادُ نَصِيبُهُنَّ، وَإِنْ اخْتَلَطْنَ بِابْنٍ يَزِيدُ فَيُعْتَدُّ بِكَثْرَتِهِنَّ فَكَذَا هُنَا، وَإِنْ رَجَعَ النِّسْوَةُ الْعَشْرُ دُونَ الرَّجُلِ كَانَ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ الْحَقِّ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِهِ نِصْفُ الْحَقِّ وَهُوَ الرَّجُلُ وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْحَقِّ لِبَقَاءِ مَنْ يَقُومُ بِالنِّصْفِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ إنْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَثَمَانِ نِسْوَةٍ فَعَلَى الرَّجُلِ نِصْفُ الْحَقِّ وَلَا شَيْءَ عَلَى النِّسْوَةِ؛ لِأَنَّهُنَّ، وَإِنْ كَثُرْنَ يَقُمْنَ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ نِصْفُ الْحَقِّ فَيَجْعَلُ الرَّاجِعَاتِ كَأَنَّهُنَّ لَمْ يَشْهَدْنَ وَهَذَا سَهْوٌ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النِّصْفُ أَخْمَاسًا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا أَنْصَافًا.
وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ كَانَ النِّصْفُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمَا وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَةٌ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا دُونَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَيْسَتْ بِشَاهِدَةٍ بَلْ هِيَ بَعْضُ الشَّاهِدِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
مَا يَلْزَمُ فِي الِابْتِدَاءِ وَحِينَئِذٍ فَبَعْدَمَا ثَبَتَ شَيْءٌ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ نُسِبَ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ ثُبُوتُ حِصَّةٍ مِنْهُ بِشَهَادَتِهِ فَتَبْقَى هَذِهِ الْحِصَّةُ مَا بَقِيَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَيَكُونُ مُتْلِفًا لَهَا بِرُجُوعِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِمَا الرُّبْعُ أَثْلَاثًا) ثُلُثَا الرُّبْعِ وَهُوَ سُدُسٌ عَلَى الرَّجُلِ وَثُلُثُ الرُّبْعِ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ عَلَى الْمَرْأَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ، فَإِنْ رَجَعَتْ أُخْرَى ضَمِنَ) أَيْ النِّسْوَةُ التِّسْعُ الرَّاجِعَاتُ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِنْ رَجَعُوا) أَيْ الرَّجُلُ وَالنِّسْوَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ إلَّا بِانْضِمَامِ رَجُلٍ) فَصَارَتْ شَهَادَةُ عَشْرِ نِسْوَةٍ كَشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَتَصِيرُ شَهَادَةُ عَشْرِ نِسْوَةٍ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ خَمْسَةِ رِجَالٍ فَصَارَ كَأَنَّ الشُّهُودَ كَانُوا سِتَّةَ رِجَالٍ فَرَجَعُوا جَمِيعًا فَوَجَبَ الضَّمَانُ أَسْدَاسًا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: كَانَ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ الْحَقِّ بِالِاتِّفَاقِ) عَلَى اخْتِلَافِ التَّخْرِيجِ فَعِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهِنَّ نِصْفُ الْمَالِ وَعِنْدَهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِهِ نِصْفُ الْحَقِّ وَهُوَ الرَّجُلُ) كَمَا لَوْ شَهِدَ سِتَّةُ رِجَالٍ ثُمَّ رَجَعَ خَمْسَةٌ ثُمَّ لَيْسَتْ إحْدَاهُنَّ أَوْلَى بِضَمَانِ النِّصْفِ مِنْ الْأُخْرَيَيْنِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَكَذَا فِي الِاخْتِيَارِ عَلَى قَوْلِهِمَا وَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَامْرَأَةٌ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ كُلُّهُ عِنْدَهُمَا إلَخْ فَلَا سَهْوَ إذْ كَذَا أَفَادَ شَيْخُنَا الْبُرْهَانُ الطَّرَابُلُسِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ:، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَةٌ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْمَبْسُوطِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بِشَهَادَتِهَا؛ لِأَنَّهَا نِصْفُ شَاهِدٍ فَلَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى بَعْضِ الْعِلَّةِ اهـ
стр. 1204
فَلَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ، وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعُوا فَعِنْدَهُمَا عَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسْوَةِ النِّصْفُ وَعِنْدَهُ عَلَيْهِ الْخُمُسَانِ وَعَلَيْهِنَّ ثَلَاثَةُ الْأَخْمَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَلَوْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَامْرَأَةٌ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ كُلُّهُ عِنْدَهُمَا وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ وَعِنْدَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الرَّاجِعَةِ أَثْلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ
قَالَ ﵀: (وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا بِنِكَاحٍ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَرَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا) سَوَاءٌ كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ أَوْ هُوَ وَمُرَادُهُ هَذَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَتْلَفَا عَلَيْهِ شَيْئًا بِعِوَضٍ يُقَابِلُهُ، وَالْإِتْلَافُ بِعِوَضٍ كَلَا إتْلَافٍ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّهَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا الْبُضْعَ بِعِوَضٍ مُتَقَوِّمٍ.
وَأَمَّا فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَأَتْلَفَا عَلَيْهِ الْمَالَ الْمُتَقَوِّمَ بِمُقَابَلَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَا لَهُ مُطْلَقًا قُلْنَا الْبُضْعُ مُتَقَوِّمٌ حَالَ دُخُولِهِ فِي الْمِلْكِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ قَالَ ﵀: (وَإِنْ زَادَا عَلَيْهِ ضَمِنَاهَا) أَيْ إنْ زَادَا عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ضَمِنَا الزِّيَادَةَ هَذَا إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِلنِّكَاحِ وَهُوَ يُنْكِرُ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَى الزَّوْجِ قَدْرَ الزِّيَادَةِ بِلَا عِوَضٍ وَلَمْ يُذْكَرْ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا شَهِدَا عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَحُكْمُهُ أَنَّهُمَا لَا يَضْمَنَانِ لَهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَ الْإِتْلَافِ فَلَا يَضْمَنُ بِالْمُتَقَوِّمِ إذْ التَّضْمِينُ يَسْتَدْعِي الْمُمَاثَلَةَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ وَيَتَقَوَّمُ بِالتَّمَلُّكِ ضَرُورَةَ إبَانَةِ خَطَرِ الْمَحَلِّ.
فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالًا كَالْقِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ لَا يَضْمَنُ الشُّهُودُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ مَالًا، فَإِنْ كَانَ الْإِتْلَافُ بِعِوَضٍ يُعَادِلُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ بِعِوَضٍ لَا يَعْدِلُهُ لَا يَضْمَنُ بِقَدْرِ الْعِوَضِ وَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ لِخُلُوِّهَا عَنْ الْعِوَضِ وَتَخْرُجُ الْمَسَائِلُ عَلَى هَذَا، وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهَا بِقَبْضِ مَهْرِهَا أَوْ بَعْضِهِ فَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا مَالًا وَهُوَ الْمَهْرُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا دُونَ الْبُضْعِ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ وَأَنَّهَا قَبَضَتْ الْأَلْفَ وَهِيَ تُنْكِرُ فَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ لَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا فِيهِ إذْ لَمْ يَقْضِ بِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالنِّكَاحِ مَعَ قَبْضِ الْمَهْرِ قَضَاءٌ بِإِزَالَةِ مِلْكِهَا عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا قَضَاءٌ بِالْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَقْبُوضًا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ بِهِ فَلَمْ تَقَعْ الشَّهَادَةُ بِالْقَبْضِ إتْلَافًا لِلْمُسَمَّى لِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَصْلًا بَلْ وَقَعَتْ إتْلَافًا لِلْبُضْعِ فَيَضْمَنَانِ قِيمَتَهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْرِيرِ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ مِنْ الْمَذْهَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الشُّهُودِ قِيمَةَ الْبُضْعِ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِهِ بِالْقَضَاءِ.
وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهُوَ أَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَ الْإِتْلَافِ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ عَلَى الزَّوْجِ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ إيَّاهُ، وَلَوْ شَهِدَا بِالنِّكَاحِ عَلَى أَلْفٍ وَلَمْ يَشْهَدَا بِالْقَبْضِ حَتَّى قَضَى بِهِ ثُمَّ شَهِدَا بِالْقَبْضِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ ضَمِنَا لِلْمَرْأَةِ أَلْفًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا شَهِدَا بِالنِّكَاحِ بِأَلْفٍ ثَبَتَ لَهَا حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ قَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ بِالنِّكَاحِ ثُمَّ بِشَهَادَتِهِمَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا ذَلِكَ فَيَضْمَنَانِ جَمِيعَهُ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى مِائَةٍ، وَقَالَتْ: تَزَوَّجَنِي عَلَى أَلْفٍ وَذَلِكَ مَهْرُ مِثْلِهَا فَأَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدَيْنِ بِمَا ادَّعَى وَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لَهَا تِسْعَمِائَةٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْمَهْرِ فَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُهَا إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وَلَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَقَضَى لَهَا عَلَيْهِ بِأَلْفٍ فَأَتْلَفَا عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ تِسْعَمِائَةٍ فَيَضْمَنَانِهِ وَعِنْدَهُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلَمْ يُتْلِفَا عَلَيْهَا شَيْئًا وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ) أَيْ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ أَثْلَاثٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ قَامَتَا مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ اهـ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي الشَّامِلِ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ شَهِدَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ ضَمِنَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ نِصْفَ الْمَالِ أَثْلَاثًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ الرَّجُلُ نِصْفَ الْمَالِ وَلَا تَضْمَنُ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الثَّابِتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ نِصْفُ الْحَقِّ وَبَقِيَ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ نِصْفُ الْحَقِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْحَقُّ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى الشُّيُوعِ ثُمَّ تُقَامُ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ مَقَامَ رَجُلٍ فَثَلَاثُ نِسْوَةٍ يَقُمْنَ مَقَامَ رَجُلٍ وَنِصْفٍ، فَإِنْ رَجَعُوا جَمِيعًا فَعِنْدَهُمَا أَنْصَافًا وَعِنْدَهُ أَخْمَاسًا عَلَى النِّسْوَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ إلَى هُنَا لَفْظُ الشَّامِلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا بِنِكَاحٍ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَرَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَسْتَدْعِي الْمُمَاثَلَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ الْعَرْضُ أَعْنِي مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ كَمَا فِي إتْلَافِ سَائِرِ الْمَنَافِعِ الْمَغْصُوبَةِ حَيْثُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِ الْمَرْأَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً مَرِيضَةً لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَجِبْ لَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا شَيْئًا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِلْبُضْعِ قِيمَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ إبَانَةً لِخَطَرِ الْمَحَلِّ اهـ كَلَامُ الْأَتْقَانِيِّ ﵀ (قَوْلُهُ: قُلْنَا: الْبُضْعُ مُتَقَوِّمٌ حَالَ دُخُولِهِ إلَخْ) وَفِي الذَّخِيرَةِ وَمَنَافِعُ الْبُضْعِ تُعْتَبَرُ مَالًا عِنْدَ الدُّخُولِ فَصَلُحَتْ عِوَضًا وَلِهَذَا يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، وَالْأَبُ لَا يَمْلِكُ إزَالَةَ مَالِ الصَّغِيرِ إلَّا بِعِوَضٍ وَلَا يَمْلِكُ الْأَبُ خُلْعَ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِمَالِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى مِثْلَ مَهْرِ الْمِثْلِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِنْ زَادَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زَادَ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْعَيْنِيِّ اهـ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَى الزَّوْجِ قَدْرَ الزِّيَادَةِ بِلَا عِوَضٍ) حَيْثُ لَمْ يُدْخِلَا بِإِزَائِهَا شَيْئًا اهـ
стр. 1205
إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مُسْتَنْكَرٍ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فِي الشَّرْعِ وَهُوَ مَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ أَتْلَفَا مَنْفَعَةً بِأَنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَكْرَى دَابَّتَهُ بِمِائَةٍ وَأَجَّرَ مِثْلَهَا مِائَتَانِ فَرَكِبَهَا ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُسْتَأْجِرَ، وَالْمُنْكِرُ صَاحِبَ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ مُجَرَّدَ الْمَنْفَعَةِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شُبْهَةِ عَقْدٍ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ لِمَا عُرِفَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي صَاحِبَ الدَّابَّةِ، وَالْآخَرُ يُنْكِرُ ضَمِنَا لَهُ مَا زَادَ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ بِلَا عِوَضٍ وَقُدِّرَ أَجْرُ الْمِثْلِ بِعِوَضٍ فَلَمْ يَضْمَنَاهُ.
قَالَ ﵀ (وَلَمْ يَضْمَنَا فِي الْبَيْعِ إلَّا مَا نَقَصَ) يَعْنِي إذَا شَهِدَا عَلَى الْبَائِعِ بِأَنَّهُ بَاعَ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ لَمْ يَضْمَنَا لَهُ إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ أَوْ يَفُوقُهُ، وَالْإِتْلَافُ بِعِوَضٍ كَلَا إتْلَافَ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ ضَمِنَا النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ أَوْ كَانَ بَاتًّا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْبَيْعُ السَّابِقُ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَيَكُونُ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهِمَا، فَإِنْ قِيلَ: الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ فِي الْمُدَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ رَضِيَ بِالْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَضْمَنَا لَهُ شَيْئًا قُلْنَا: السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِزَوَالِ الْمِلْكِ هُوَ الْبَيْعُ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ حُكْمُهُ وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ عِنْدَ النَّفَاذِ فَكَانَ الْإِتْلَافُ حَاصِلًا بِشَهَادَتِهِمَا فَيَضْمَنَانِ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ مُنْكِرًا لِلْبَيْعِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِحُكْمِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُقِرِّ بِالْبَيْعِ فَيَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ عِنْدَ النَّاسِ فَيَكُونُ كَاذِبًا عِنْدَهُمْ فَيَتَوَقَّاهُ حَذَرًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى إذَا أَجَازَهُ بِاخْتِيَارِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِمُبَاشَرَتِهِ وَلَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْمُسَبِّبِ مَعَ وُجُودِ الْمُبَاشِرِ هَذَا إذَا شَهِدَا بِالْبَيْعِ وَلَمْ يَشْهَدَا بِنَقْدِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَهِدَا بِنَقْدِ الثَّمَنِ مَعَ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْبَيْعِ يُنْظَرُ، فَإِنْ شَهِدَا بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ مَثَلًا فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ شَهِدَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ ضَمِنَا الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ تَقَرَّرَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بِالْقَضَاءِ ثُمَّ أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا بِالْقَبْضِ فَيَضْمَنَانِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ يَضْمَنَانِ الزِّيَادَةَ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرَ بِشَهَادَتِهِمَا الْأُولَى، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقِيمَةُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْبَيْعِ لَا بِوُجُوبِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالثَّمَنِ يُقَارِنُهُ مَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالْقَبْضِ، وَالْقَضَاءُ بِالشَّيْءِ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُ لَا يُقْضَى بِهِ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْبَيْعِ، وَالْإِقَالَةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ بِالْبَيْعِ لِاقْتِرَانِ مَا يُوجِبُ انْفِسَاخَهُ وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالْإِقَالَةِ فَكَذَا هُنَا، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِالشِّرَاءِ فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا.
فَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَضْمَنَا لِلْمُشْتَرِي شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ بِعِوَضٍ لَا يَكُونُ إتْلَافًا فِي الْمَعْنَى عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَا مَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الزَّائِدَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَضْمَنَانِهِ لَهُ وَكَذَا إذَا شَهِدَا عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وَجَازَ الْبَيْعُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنْ جَازَ بِإِجَازَتِهِ لَا يَضْمَنَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي حَقِّ الْبَائِعِ
قَالَ ﵀ (وَفِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الْوَطْءِ ضَمِنَا نِصْفَ الْمَهْرِ) يَعْنِي إذَا شَهِدَا بِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لِلزَّوْجِ نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُمَا أَكَّدَا عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ ارْتِدَادِهَا وَتَقْبِيلِ ابْنِ زَوْجِهَا ثَابِتٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوجَدَ ذَلِكَ مِنْهَا فَيَسْقُطُ الْمَهْرُ بِهِ وَلِلتَّأْكِيدِ حُكْمُ الْإِيجَابِ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا أَوْجَبَا عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا أَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ آخَرُ فِي يَدِهِ يَلْزَمُ الْآخِذَ الْجَزَاءُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ قَرَّرَ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِالتَّسْبِيبِ وَلِلتَّقْرِيرِ حُكْمُ الْإِيجَابِ وَلِأَنَّ الْفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَعْنَى الْفَسْخِ فَلَا تُوجِبُ شَيْئًا إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ جِهَتِهِ وَهُمَا بِإِضَافَةِ الْفُرْقَةِ إلَيْهِ أَلْزَمَاهُ نِصْفَ الْمَهْرِ فَيَضْمَنَانِ لَهُ ذَلِكَ وَيُنْتَقَضُ هَذَا بِمَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّحْرِيرِ إحْدَاهُمَا امْرَأَةٌ لَهَا عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلٌ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ حَالٌّ فَأَخَذَتْهُ مِنْهُ ثُمَّ ارْتَدَّتْ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَسُبِيَتْ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ لَا يَضْمَنُونَ وَهَذَا الدَّيْنُ كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا عَلَى حَالِهِ لَسَقَطَ بِارْتِدَادِهَا، وَالثَّانِيَةُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ امْرَأَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُسْتَنْكَرُ عُرْفًا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ
стр. 1206
بِهَا زَوْجُهَا حَتَّى لَزِمَهُ جَمِيعُ الْمَهْرِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ وُجِدَ التَّأْكِيدُ مِنْهُ إذْ لَوْلَا قَتْلُهُ لَكَانَ احْتِمَالُ السُّقُوطِ ثَابِتًا وَلَكِنْ نَقُولُ الْقَتْلُ مِنْهُ لِلنِّكَاحِ، وَالشَّيْءُ بِانْتِهَائِهِ يَتَقَرَّرُ، وَالدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ ثَابِتٌ فِي الْحَالِّ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ يَحِلُّ وَلَمْ يُؤَكِّدَا بِشَهَادَتِهِمَا شَيْئًا إذْ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ أَوْ نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ بِأَنَّ دَيْنَهَا يَسْقُطُ بَلْ يَكُونُ لِوَرَثَتِهَا وَتَقْضِي بِهِ دُيُونَهَا فَلَا يَسْقُطُ فَبَطَلَ السُّؤَالُ مِنْ الْأَصْلِ، وَالِابْنُ إذَا أَكْرَهَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَزَنَى بِهَا يَلْزَمُ أَبَاهُ نِصْفُ الْمَهْرِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ بِإِكْرَاهِهِ إيَّاهَا أَلْزَمَ أَبَاهُ نِصْفَ الْمَهْرِ فَصَارَ نَظِيرَ الشُّهُودِ.
وَلَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ غَرِمُوا لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ وَلَمْ تَرِثْ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي حَيَاتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ وَقَعَتْ لَهُمْ وَضَمِنَا لِلْمَرْأَةِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ كَانَ مُؤَكَّدًا ظَاهِرًا بِالْمَوْتِ بِحَيْثُ لَا يَسْقُطُ بِمُسْقِطٍ وَكَذَا الْمِيرَاثُ كَانَ وَاجِبًا لَهَا بِمَوْتِهِ فَهُمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ أَبْطَلَا عَلَيْهَا نِصْفًا مُؤَكَّدًا مِنْ الْمَهْرِ وَإِرْثًا ثَابِتًا بِالظَّاهِرِ فَيَضْمَنَانِ لَهَا ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي
قَالَ ﵀ (وَلَمْ يَضْمَنَا لَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ) يَعْنِي لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بَعْدَمَا دَخَلَ بِهَا فَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ لَمْ يَضْمَنَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَأَكَّدَ بِالدُّخُولِ لَا بِشَهَادَتِهِمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضْمَنَانِ لِلزَّوْجِ مَهْرَ الْمِثْلِ وَكَذَا إذَا قَتَلَهَا قَاتِلٌ يَضْمَنُ الْقَاتِلُ لِلزَّوْجِ مَهْرَ الْمِثْلِ عِنْدَهُ وَكَذَا إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْرَمَ لِلزَّوْجِ نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ حَالَ الدُّخُولِ حَتَّى لَا يُتَصَوَّرَ أَنْ يَتَمَلَّكَ بِلَا عِوَضٍ فَكَذَا عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ عَيْنُ مَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ فَمِنْ ضَرُورَةِ تَقَوُّمِهِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ التَّقَوُّمُ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى كَمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَنَا أَنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ ضَرُورِيٌّ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ الْمُتْلِفُ بِالْوَطْءِ شَيْئًا حَتَّى لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لَهَا، وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ مُتَقَوِّمًا لَكَانَ لَهُ وَلَكَانَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ إنْسَانٍ كَمِلْكِ الْيَمِينِ وَلِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْمُمَاثَلَةُ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْبُضْعِ وَالْمَالِ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا، وَأَمَّا عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ فَالْمُتَقَوِّمُ هُوَ الْمَمْلُوكُ دُونَ الْمِلْكِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَتَقَوُّمُهُ لِإِظْهَارِ خَطَرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ حَتَّى يَكُونَ مَصُونًا عَنْ الِابْتِذَالِ وَلَا يُمْلَكُ مَجَّانًا، فَإِنَّ مَا يُمْلَكُ مَجَّانًا لَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ عِنْدَ إصَابَتِهِ وَذَلِكَ مَحَلٌّ لَهُ خَطَرٌ مِثْلُ النُّفُوسِ؛ لِأَنَّ النَّسْلَ يَحْصُلُ بِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْصُلُ فِي طَرَفِ الْإِزَالَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَتَمَلَّكُ عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا لَكِنْ يَسْقُطُ عَنْهَا مِلْكُ الزَّوْجِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَا هُوَ مَشْرُوطٌ لِمَعْنَى الْخَطَرِ عِنْدَ التَّمَلُّكِ كَالشُّهُودِ، وَالْوَلِيِّ لَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ الْإِزَالَةِ وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَقَوِّمٍ حَالَةَ الْخُرُوجِ دُونَ الدُّخُولِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى مَالِهَا مِنْ زَوْجِهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلَى مَالِهِ بِخِلَافِ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ مِلْكُ مَالٍ، وَالْمَالُ مِثْلٌ لِلْمَالِ فَعِنْدَ الْإِتْلَافِ يَضْمَنُ بِالْمَالِ قَالَ ﵀: (وَفِي الْعِتْقِ ضَمِنَا الْقِيمَةَ) أَيْ إذَا شَهِدَا بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ضَمِنَا قِيمَةَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَالْوَلَاءُ لِلَّذِي شَهِدَا عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِمَا بِهَذَا الضَّمَانِ فَلَا يَتَحَوَّلُ الْوَلَاءُ وَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا بِثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ بَلْ هُوَ كَالنَّسَبِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْوَلَاءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ» فَلَا يَكُونُ الضَّمَانُ بَدَلًا عَنْهُ بَلْ عَمَّا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِنْ مِلْكِ الْمَالِ وَهَذَا الضَّمَانُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ إتْلَافِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ إلَّا مِلْكَهُ وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَزِمَ مِنْهُ فَسَادُ مِلْكِ صَاحِبِهِ فَأَوْجَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الْمُوَاسَاةَ صِلَةً، وَالصِّلَاتُ تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ دُونَ الْمُعْسِرِ كَالزَّكَاةِ وَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ.
وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ دَبَّرَهُ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا مَا نَقَصَهُ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّهُمَا أَوْجَبَا لِلْعَبْدِ حَقَّ الْعِتْقِ وَبِذَلِكَ تُنْتَقَصُ مَالِيَّتُهُ، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَيَضْمَنَانِ لِلْوَرَثَةِ بَقِيَّةَ قِيمَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سَوَاءٌ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَسَعَى فِي ثُلُثَيْهِ وَيَضْمَنَانِ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُعْسِرًا يَضْمَنَانِ جَمِيعَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا وَيَرْجِعَانِ بِهِ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَقَضَى بِالْكِتَابَةِ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ كُلَّهَا؛ لِأَنَّهُمَا حَالَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ فَصَارَا كَالْغَاصِبِ لَهُ بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ ثُمَّ الشَّاهِدَانِ يَتْبَعَانِ الْمُكَاتَبَ بِالْكِتَابَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَمْ يَضْمَنَا لَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَقَدْ دَخَلَ بِهَا وَقَضَى الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا إلَّا مَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْمَهْرِ إتْلَافٌ بِعِوَضٍ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ إنْ كَانَ الْمَهْرُ مُسَمًّى ضَمِنَا النِّصْفَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَهْرُ مُسَمًّى يَضْمَنَانِ الْمُتْعَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِمُقَابَلَةِ عِوَضٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 1207
عَلَى نُجُومِهَا؛ لِأَنَّهُمَا قَامَا مَقَامَ الْمَوْلَى فِي ذَلِكَ حِينَ ضَمِنَا قِيمَتَهُ وَكَانَ مِنْ قَضِيَّةِ الضَّمَانِ أَنْ يَمْلِكَاهُ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ لَكِنْ الْمُكَاتَبُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَلَا يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ رُجُوعِهِمَا، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ، وَالْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُكَاتَبُ لَهُ، وَإِنَّمَا الشَّاهِدَانِ قَامَا مَقَامَهُ فِي أَخْذِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ مِنْهُ لَا غَيْرُ فَأَدَاؤُهُ إلَيْهِمَا كَأَدَائِهِ إلَى الْمَوْلَى وَيَطِيبُ لَهُمَا مَا أَخَذَا مِنْ الْمُكَاتَبِ إنْ كَانَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ مِثْلَ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ تَصَدَّقَا بِالْفَضْلِ، وَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ كَانَ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لِلشَّاهِدَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَيَرُدُّ الْمَوْلَى مَا أَخَذَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا إذَا غَصَبَ الْمُدَبَّرَ فَأَبَقَ عِنْدَهُ فَضَمَّنَهُ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ ثُمَّ جَاءَ مِنْ الْإِبَاقِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ فَكَذَا هَذَا، وَلَوْ اخْتَارَ الْمَوْلَى أَنْ يَتْبَعَ الْمُكَاتَبَ وَلَا يَضْمَنُ الشُّهُودُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْ مِنْهُ، وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ هُنَا حَالَ حَيَاةِ الْمَوْلَى أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ وَكَانَ الرُّجُوعُ حَالَ حَيَاةِ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ لِلْمَوْلَى نُقْصَانَ قِيمَتِهَا، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ فَيَضْمَنَانِ لِلْوَرَثَةِ بَاقِيَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَوَرِثَهَا الْوَرَثَةُ فَفَوَّتَا عَلَيْهِمْ هَذَا الْقَدْرَ، وَإِنْ رَجَعَا بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى ضَمِنَا جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِلْوَرَثَةِ لِإِتْلَافِهِمَا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ وَرَجَعَا حَالَ حَيَاةِ الْمَوْلَى ضَمِنَا نُقْصَانَ قِيمَتِهَا لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَضَمِنَا جَمِيعَ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا كَانَ عَبْدًا لَهُ فَفَوَّتَا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْوَلَدِ شَرِيكٌ فِي الْمِيرَاثِ لَا يَضْمَنَانِ لَهُ شَيْئًا وَيَرْجِعَانِ عَلَى الْوَلَدِ بِمَا قَبَضَ الْأَبُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَنْ زَعَمَ الْوَلَدُ أَنَّ رُجُوعَهُمَا بَاطِلٌ وَقَبَضَ الْأَبُ الضَّمَانَ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِدَيْنٍ وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَرِيكٌ، فَإِنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَضْمَنَانِ لِشَرِيكِهِ نَصِيبَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَمِنْ بَاقِي قِيمَةِ الْأُمِّ وَيَرْجِعَانِ عَلَى الْوَلَدِ بِمَا قَبَضَ الْأَبُ مِنْهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا إنْ تَرَكَ مَالًا وَلَا يَرْجِعَانِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي زَعْمِهِ ظَلَمَهُمَا فَلَا يُظْلَمُ هُوَ وَكَذَا فِي زَعْمِهِمَا فَلَا يَظْلِمَانِهِ وَلَا يَضْمَنَانِ لِشَرِيكِهِ مَا أَخَذَهُ الْوَلَدُ بِالْإِرْثِ، وَإِنْ رَجَعَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ شَرِيكٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ وَهُوَ يُكَذِّبُهُمَا فِي الرُّجُوعِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمِيرَاثِ يَضْمَنَانِ لَهُ حِصَّتَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَمِنْ جَمِيعِ قِيمَةِ الْأُمِّ وَلَا يَضْمَنَانِ لَهُ مَا وَرِثَهُ الْوَلَدُ وَلَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْوَلَدِ هُنَا بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا ظُلْمُ شَرِيكِهِ لَا ظُلْمُ أَبِيهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ حَتَّى يُقَدَّمَ عَلَى الْإِرْثِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَضْمَنَا جَمِيعَ قِيمَتِهَا هُنَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهَا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَضْمَنَا مِنْ قِيمَتِهَا شَيْئًا لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ حَالَ حَيَاةِ الْمَوْلَى، وَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ ضَمِنَا جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِلْوَرَثَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ ضَمِنَا قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ الْوَلَدِ كُلَّهَا وَمَا أَخَذَهُ الْوَلَدُ بِالْإِرْثِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمَوْلَى حَيْثُ لَا يَضْمَنَانِ مَا أَخَذَهُ الْوَلَدُ مِنْ التَّرِكَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَا تَكُونُ شَهَادَةً بِالْمَالِ، وَالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ الِابْنُ أَوَّلًا فَيَرِثَهُ الْأَبُ فَلَا تَكُونُ شَهَادَتُهُمَا إتْلَافًا لِلْمَالِ فَلَا يَضْمَنَانِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَشَهَادَتُهُمَا وَقَعَتْ عَلَى الْمَالِ فَتَكُونُ إتْلَافًا لَهُ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى الْوَلَدَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا كَانَ عَبْدًا مِيرَاثًا لَهُمْ
قَالَ ﵀ (وَفِي الْقِصَاصِ الدِّيَةُ وَلَمْ يَقْتَصَّا) أَيْ فِيمَا إذَا شَهِدَا بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَخْصٍ بِأَنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الدِّيَةُ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُقْتَصُّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا لِقَتْلِهِ فَصَارَا كَالْمُكْرَهِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يُعَانُ، وَالْمُكْرَهُ يُمْنَعُ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ أَفْضَى إلَى الْقَتْلِ وَأَوْلَى بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا وَلَنَا أَنَّهُمَا تَسَبَّبَا لِقَتْلِهِ وَلَيْسَا بِمُلْجِئَيْنِ إذْ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَتَلَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا بَلْ جَانِبُ الْعَفْوِ مُتَرَجِّحٌ، وَالتَّسَبُّبُ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِنِهَايَةِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ مُبَاشَرَةً عَمْدًا بِآلَةٍ صَالِحَةٍ لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِقَتْلٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا تَصِيرُ قَتْلًا بِوَاسِطَةٍ لَيْسَتْ فِي يَدِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَضْمَنَانِ لِشَرِيكِهِ نَصِيبَهُ) أَيْ إذَا لَمْ يَقْبِضْ الْأَبُ مِنْهُمَا غَيْرَ نُقْصَانِ قِيمَةِ الْأُمِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَرْجِعَانِ عَلَى الْوَلَدِ بِمَا قَبَضَ الْأَبُ) أَيْ مِنْ نُقْصَانِ قِيمَةِ الْأَبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَصَارَا كَالْمُكْرَهِ) وَهَذَا لِأَنَّ الشَّاهِدَ كَالْمُكْرِهِ أَيْضًا لِلْقَاضِي عَلَى قَضَائِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرَ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ يَكْفُرُ وَلَوْ رَأَى وَأَخَّرَ يَفْسُقُ ثُمَّ الْمُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَبِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى الشَّاهِدِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَلِيَّ يُعَانُ) أَيْ يُعَانُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمُكْرَهُ يُمْنَعُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ اهـ أَتْقَانِيٌّ وَقَالَ الْكَاكِيُّ قَوْلُهُ وَالْمُكْرَهُ يُمْنَعُ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْوَلِيَّ بِمَنْزِلَةِ الْمُكْرَهِ اهـ
стр. 1208
الشَّاهِدِ وَهُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ وَاخْتِيَارُ الْوَلِيِّ قَتْلَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْفِعْلُ الِاخْتِيَارِيُّ مِنْ الْمُبَاشِرِ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَى الْمُتَسَبِّبِ كَدَلَالَةِ السَّارِقِ وَفَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ وَحَلِّ قَيْدِ الْعَبْدِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَتْلُ حَقِيقَةً لِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ وَلَا حُكْمًا لِعَدَمِ الْإِلْجَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُلْجَأَ هُوَ الَّذِي يَخَافُ الْعُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤْثِرُ نَفْسَهُ بِالطَّبْعِ فَيَكُونُ كَمَسْلُوبِ الِاخْتِيَارِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ وَلَا فِي حَقِّ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَخَافُ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَصِيرُ بِهِ مُلْجَأً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُقِيمُ الطَّاعَةَ خَوْفًا مِنْ الْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَقْهُورًا.
وَالْوَلِيُّ يُبَاشِرُ الْقَتْلَ بِاخْتِيَارِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَرَجٌ فِي الْعَفْوِ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى الْإِكْرَاهُ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ يُؤْثِرُ حَيَاتَهُ فَيُقْدِمُ عَلَى الْقَتْلِ فَيُنْسَبُ الْفِعْلُ إلَى الْمُكْرِهِ، وَالْمُكْرَهُ كَالْآلَةِ لَهُ وَلِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً، وَالْقِصَاصُ يَسْقُطُ بِهَا دُونَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَإِنْ رَجَعَ الْوَلِيُّ مَعَهُمَا أَوْ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا فَالْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْوَلِيَّ الدِّيَةَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ مُتْلِفٌ لَهُ حَقِيقَةً، وَالشَّاهِدَانِ مُتْلِفَانِ لَهُ حُكْمًا، وَالْإِتْلَافُ الْحُكْمِيُّ مِثْلُ الْحَقِيقِيِّ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَكَذَا عِنْدَهُمَا إنْ ضَمَّنَ الْوَلِيَّ، وَإِنْ ضَمَّنَ الشَّاهِدَيْنِ فَلَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا عَلَى الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا عَامِلَانِ لَهُ فِي الشَّهَادَةِ فَيَرْجِعَانِ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُمَا بِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَا لَهُ بِقَتْلِ الْخَطَأِ فَقَضَى لَهُ بِهَا وَأَخَذَ الدِّيَةَ ثُمَّ رَجَعُوا جَمِيعًا.
وَهَذَا لِأَنَّهُمَا لَمَّا ضَمِنَا قَامَا مَقَامَ الْوَلِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكَا الْقِصَاصَ فَيَرْجِعَانِ عَلَيْهِ كَغَاصِبِ الْمُدَبَّرِ إذَا غَصَبَ مِنْهُ آخَرُ فَهَلَكَ عِنْدَ الثَّانِي وَاخْتَارَ الْمَوْلَى تَضْمِينَ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ فَضَمَّنَهُ فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ قَامَ مَقَامَ الْمَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ الْمُدَبَّرَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مِمَّا يُمْلَكُ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى مَلَكَهُ الْوَلِيُّ وَوَرَثَتُهُ إذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ وَلَهُ بَدَلٌ مُتَقَوِّمٌ مُحْتَمِلٌ لِلتَّمَلُّكِ فَيَكُونُ السَّبَبُ مُعْتَبَرًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِي بَدَلِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَعْمَالِهِ فِي الْأَصْلِ كَالْيَمِينِ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ يَنْعَقِدُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ الَّذِي هُوَ خَلَفٌ عَنْ الْبِرِّ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ هُوَ الْبِرَّ وَهُوَ مُتَصَوَّرُ الْوُجُودِ عَقْلًا وَكَذَا شُهُودُ الْكِتَابَةِ إذَا رَجَعُوا وَضَمِنُوا لِلْمَوْلَى الْقِيمَةَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا بِهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكُوا مِنْهُ شَيْئًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الشُّهُودَ ضَمَّنُوا لِإِتْلَافِهِمْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ حُكْمًا، وَالْمُتْلِفُ لَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ بِسَبَبِهِ عَلَى غَيْرِهِ كَالْوَلِيِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُتْلِفِينَ لَمَا ضَمِنُوا مَعَ الْمُبَاشِرِ إذْ لَا يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ التَّسَبُّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَافِرَ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ الدَّافِعِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُمْ جُنَاةٌ وَمَنْ ضَمِنَ بِجِنَايَتِهِ لَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا ضَمِنَا مَلَكَا الدِّيَةَ وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْقَابِضُ بِصَرْفِهِ إلَى حَاجَتِهِ فَيَرْجِعَانِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ السَّبَبُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِي بَدَلِهِ أَنْ لَوْ كَانَ السَّبَبُ مِمَّا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ حُكْمِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الْمِلْكِ فِي الْقِصَاصِ بِالضَّمَانِ بِحَالٍ فَلَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ خُلْفِهِ كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَلَوْ كَانَ الْقِصَاصُ مِلْكًا لِإِنْسَانٍ حَقِيقَةً لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُتْلِفُ عَلَيْهِ بِأَنْ قَتَلَهُ شَخْصٌ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شُهُودٌ بِالْعَفْوِ ثُمَّ رَجَعُوا لَا يَضْمَنُ الْقَاتِلُ وَلَا الشُّهُودُ شَيْئًا لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ وَانْعِقَادُ السَّبَبِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ وُجُودِ الْمِلْكِ حَقِيقَةً وَبِهَذَا فَارَقَ مَسْأَلَةَ غَصْبِ الْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ فِيهِ لَوْ كَانَ مَالِكًا حَقِيقَةً لَكَانَ يَضْمَنُهُ الْمُتْلَفُ عَلَيْهِ فَكَذَا إذَا جُعِلَ كَالْمَالِكِ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ انْعِقَادِ السَّبَبِ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْبَدَلِ لِذَلِكَ
قَالَ ﵀: (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ ضَمِنُوا)؛ لِأَنَّ التَّلَفَ مُضَافٌ إلَى شَهَادَتِهِمْ لِصُدُورِهَا مِنْهُمْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ قَالَ ﵀ (لَا شُهُودُ الْأَصْلِ بِلَمْ نُشْهِدْ الْفُرُوعَ عَلَى شَهَادَتِنَا أَوْ أَشْهَدْنَاهُمْ وَغَلِطْنَا) أَيْ لَا يَضْمَنُ شُهُودُ الْأَصْلِ بِقَوْلِهِمْ لَمْ نُشْهِدْ شُهُودَ الْفُرُوعِ أَوْ بِقَوْلِهِمْ أَشْهَدْنَاهُمْ وَغَلِطْنَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ إذْ الْقَاضِي يَقْضِي بِمَا يُعَايِنُ مِنْ الْحُجَّةِ وَهِيَ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ بِقَوْلِهِمْ لَمْ نُشْهِدْهُمْ أَنْكَرُوا السَّبَبَ أَصْلًا وَهُوَ الْإِشْهَادُ وَهُوَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ، وَالْكَذِبِ فَلَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ بِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِمْ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالُوا ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ حَيْثُ لَا يُقْضَى بِهِ لِإِنْكَارِهِمْ التَّحْمِيلَ وَهُوَ شَرْطٌ فِيهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يَضْمَنُ شُهُودُ الْأَصْلِ فِيمَا إذَا قَالُوا أَشْهَدْنَاهُمْ وَغَلِطْنَا؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ قَامُوا مَقَامَ الْأُصُولِ فِي نَقْلِ شَهَادَتِهِمْ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَيَحْصُلُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ فَلِهَذَا تُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُمْ فَصَارَ كَأَنَّهُمْ حَضَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ مَجْلِسَ الْقَاضِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَلَا يَصِيرُ بِهِ مُلْجَأً) تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُعَزَّرُ لَوْ لَمْ يَقْضِ بَعْدَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ ضَمِنُوا) اعْلَمْ أَنَّ شُهُودَ الْفَرْعِ إذَا رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بَعْدَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ ضَمِنُوا الْمَشْهُودَ بِهِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَشْهُودِ بِهِ حَصَلَ بِأَدَائِهِمْ الشَّهَادَةَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَكَانَ الْإِتْلَافُ مُضَافًا إلَى شَهَادَتِهِمْ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الضَّمَانُ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لَا شُهُودُ الْأَصْلِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ وَقَالُوا: لَمْ نُشْهِدْ شُهُودَ الْفَرْعِ عَلَى شَهَادَتِنَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْخِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَكَذَلِكَ أَثْبَتَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مُطْلَقًا بِلَا ذِكْرِ الْخِلَافِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي نَصْرٍ الْبَغْدَادِيِّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَضْمَنُونَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى هُنَا لَفْظُهُ ﵀ (قَوْلُهُ فِيمَا إذَا قَالُوا أَشْهَدْنَاهُمْ وَغَلِطْنَا) اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْعَيْنِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَرْجِعَا عَمَّا شَهِدَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 1209
فَشَهِدُوا ثُمَّ رَجَعُوا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالُوا لَمْ نُشْهِدْهُمْ عَلَى شَهَادَتِنَا حَيْثُ لَمْ يَضْمَنُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا التَّحْمِيلَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الْأُصُولِ شَهَادَةٌ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَالشَّهَادَةُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ لَا تَكُونُ سَبَبًا لِإِتْلَافِ شَيْءٍ فَلَا يَلْزَمُهُمَا الضَّمَانُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي وَلِهَذَا اخْتَصَّ الرُّجُوعُ بِهِ بِنَاءً عَلَيْهِ لِلتَّنَاسُبِ وَلِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ الْفُرُوعَ نَائِبُونَ مَنَابَهُمْ فِي نَقْلِ شَهَادَتِهِمْ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُمْ بَعْدَ الْإِشْهَادِ لَوْ مَنَعُوهُمْ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ كَانَ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ إذَا دَعَاهُمْ الْمُدَّعِي إلَيْهِ، وَلَوْ كَانُوا نَائِبِينَ عَنْ الْأُصُولِ لَمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَنْعِ وَلَكِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى مَا تَحَمَّلُوا وَهُوَ إشْهَادُ الْأُصُولِ إيَّاهُمْ عَلَى شَهَادَتِهِمْ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ وَعَلَى هَذَا لَوْ رَجَعَ الْأُصُولُ بِأَنْ قَالُوا أَشْهَدْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّا رَجَعْنَا عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا يَضْمَنُونَ وَعِنْدَهُ يَضْمَنُونَ، وَالْوَجْهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ
قَالَ ﵀: (وَلَوْ رَجَعَ الْأُصُولُ، وَالْفُرُوعُ ضَمِنَ الْفُرُوعُ فَقَطْ)؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِالشَّهَادَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَهِيَ مِنْ الْفُرُوعِ مُبَاشَرَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْأُصُولُ مُسَبِّبُونَ لِلتَّلَفِ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْمُبَاشِرَ، وَالْمُسَبِّبَ إذَا اجْتَمَعَا وَهُمَا مُتَعَدِّيَانِ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُسَبِّبِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأُصُولَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْفُرُوعَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَاضِيَ عَايَنَ الشَّهَادَةَ مِنْ الْفُرُوعِ وَوَقَعَ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفُرُوعَ نَائِبُونَ عَنْهُمْ وَنَقَلُوا شَهَادَتَهُمْ بِأَمْرِهِمْ فَيُخَيَّرُ فِي تَضْمِينِ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ شَاءَ، وَالْجِهَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأُصُولِ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ وَشَهَادَةَ الْفُرُوعِ عَلَى شَهَادَةِ الْأُصُولِ أَوْ نَقُولُ إحْدَاهُمَا إشْهَادٌ، وَالْأُخْرَى أَدَاءُ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّضْمِينِ بَلْ يُجْعَلُ كُلُّ فَرِيقٍ كَالْمُنْفَرِدِ فَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ يَثْبُتُ بِالنَّقْلِ، وَالْإِشْهَادِ، وَالنَّقْلُ مِنْ الْفُرُوعِ، وَالْإِشْهَادُ مِنْ الْأُصُولِ فَلَوْلَا إشْهَادُ الْأُصُولِ لَمَا تَمَكَّنَ الْفُرُوعُ، وَلَوْلَا نَقْلُ الْفُرُوعِ لَمَا تَمَكَّنَ الْأُصُولُ فَكَانَ فِعْلُ كُلِّ فَرِيقٍ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سَبَبَ ضَمَانٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَاشَرَةِ.
أَمَّا الْفُرُوعُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا شَهَادَةَ الْأُصُولِ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى وَجْهٍ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ يَأْثَمُ وَكَذَلِكَ الْأُصُولُ مُبَاشِرُونَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْفُرُوعِ مَنْقُولٌ إلَى الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ مُضْطَرُّونَ مِنْ جِهَةِ الْأُصُولِ إلَى الْأَدَاءِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ بِحَيْثُ لَوْ امْتَنَعُوا عَنْ الْأَدَاءِ أَثِمُوا فَصَارُوا نَظِيرَ الْقَاضِي لِمَا أَلْجَأَهُ الشُّهُودُ إلَى الْقَضَاءِ نُسِبَ إلَيْهِمْ فَضَمِنُوا ثُمَّ أَيُّ فَرِيقٍ أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا ضَمِنَ بِجِنَايَتِهِ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ إذَا ضَمِنَ حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَى غَاصِبِ الْغَاصِبِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ ﵀ (وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْفُرُوعِ كَذَبَ الْأُصُولُ أَوْ غَلِطُوا) يَعْنِي بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ الْقَضَاءِ لَا يُنْتَقَضُ بِقَوْلِهِمْ كَمَا لَا يُنْتَقَضُ بِرُجُوعِهِمْ وَلَا يَلْزَمُهُمْ غَرَامَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا، وَإِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَذَبُوا قَالَ ﵀ (وَضَمِنَ الْمُزَكُّونَ بِالرُّجُوعِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا لَا يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَثْنَوْا عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا فَصَارَ كَمَا لَوْ أَثْنَوْا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِأَنْ شَهِدُوا عَلَى إحْصَانِ الزَّانِي ثُمَّ رَجَعُوا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا سَبَبَ التَّلَفِ وَهُوَ الزِّنَا مَثَلًا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِالْأَصَالَةِ، وَإِنَّمَا أَثْنَوْا عَلَى الشُّهُودِ فَصَارُوا فِي الْمَعْنَى كَشُهُودِ الْإِحْصَانِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَا لَيْسَ بِمُوجِبٍ مُوجِبًا فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَثْبَتَ سَبَبَ الْإِتْلَافِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ التَّزْكِيَةِ وَسَبَبُ التَّلَفِ الشَّهَادَةُ وَهِيَ لَا تُعْمَلُ إلَّا بِالتَّزْكِيَةِ فَكَانَتْ التَّزْكِيَةُ عِلَّةَ الْعِلَّةِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا بِخِلَافِ شُهُودِ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا غَيْرَ الْمُوجِبِ مُوجِبًا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الزِّنَا وَهُمْ لَمْ يُثْبِتُوهُ وَلِهَذَا يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ بِخِلَافِ التَّزْكِيَةِ لِشُهُودِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُعْمَلُ إلَّا بِهَا فَصَارَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهَا كَمَا يُضَافُ إلَى الشَّهَادَةِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ مُزَكَّيَاتٍ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْحُدُودِ كَمَا لَا تَصْلُحُ لِلشَّهَادَةِ فِيهَا، وَلَوْلَا إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهَا لَصَلَحْنَ لِلتَّزْكِيَةِ فِيهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَالْعِلَّةُ مُؤَثِّرَةٌ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَكَذَلِكَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ مُؤَثِّرَةٌ أَيْضًا فِي إعْمَالِ الْعِلَّةِ إذْ الشَّهَادَةُ لَا تُوجِبُ الْعَمَلَ إلَّا بِهَا بِخِلَافِ شُهُودِ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فِي إثْبَاتِ الزِّنَا، فَإِنَّهُمْ أَثْنَوْا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأُصُولِ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ وَشَهَادَةَ الْفُرُوعِ عَلَى شَهَادَةِ الْأُصُولِ) فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّضْمِينِ بِأَنْ يُقَالَ يَضْمَنُ الْفَرِيقَانِ حَقَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْصَافًا بَلْ لَهُ الْخِيَارُ فِي تَضْمِينِ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ شَاءَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَصَارُوا نَظِيرَ الْقَاضِي لَمَّا أَلْجَأَهُ الشُّهُودُ) قَالَ الْعَيْنِيُّ ﵀: وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ يَضْمَنُونَ عِنْدَ الْبَعْضِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ بِحَالٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْفُرُوعِ كَذَبَ الْأُصُولُ أَوْ غَلِطُوا) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ النَّاصِحِيُّ فِي تَهْذِيبِ أَدَبِ الْقَاضِي: وَإِنْ قَالَ اللَّذَانِ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي قَدْ أَشْهَدَانَا عَلَى شَهَادَتِهِمْ وَلَكِنَّهُمَا كَذَبَا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُمَا الضَّمَانُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ عَلَى غَيْرِهِمَا بِأَنَّهُمَا كَذَبَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِيهِ. اهـ. غَايَةٌ
стр. 1210
عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا وَقَدْ أَوْفَى حَقَّهَا شَرْعًا بِالدُّخُولِ عَلَيْهَا وَهَذِهِ الْخِصَالُ تَمْنَعُ الزِّنَا فَلَا تَكُونُ مُوجِبَةً لَهُ؛ لِأَنَّ الزِّنَا مَذْمُومٌ وَهَذِهِ الْخِصَالُ مَحْمُودَةٌ فَهُمَا مُتَضَادَّانِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدُهُمَا سَبَبًا لِلْآخَرِ فَلَمَّا لَمْ يُوجِبْ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الرَّجْمَ أَيْضًا بَلْ هُوَ مُوجِبٌ الزِّنَا عِنْدَ وُجُودِ الْإِحْصَانِ
قَالَ ﵀ (وَشُهُودُ الْيَمِينِ) أَيْ يَضْمَنُ شُهُودُ الْيَمِينِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَشْهَدَا بِتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ أَوْ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِشَرْطٍ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَنْهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا قِيمَةُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُمْ شُهُودُ الْعِلَّةِ إذْ التَّلَفُ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ أَوْ التَّطْلِيقُ وَهُمْ الَّذِينَ أَثْبَتُوا ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَالشَّرْطُ، وَإِنْ كَانَ مَانِعًا، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ أُضِيفَ التَّلَفُ إلَى تِلْكَ الْكَلِمَةِ وَهِيَ الْعِلَّةُ دُونَ زَوَالِ الْمَانِعِ قَالَ ﵀ (لَا شُهُودُ الْإِحْصَانِ، وَالشَّرْطِ) أَيْ لَا يَضْمَنُ شُهُودُ الْإِحْصَانِ وَلَا شُهُودُ الشَّرْطِ وَفِيهِمَا خِلَافُ زُفَرَ ﵀ أَمَّا شُهُودُ الْإِحْصَانِ فَهُوَ يَقُولُ إنَّ الْجِنَايَةَ تَتَغَلَّظُ عِنْدَهُ فَصَارَ كَحَقِيقَةِ الْعِلَّةِ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وَالشَّرْطُ إذَا سَلِمَ عَنْ مُعَارَضَةِ الْعِلَّةِ صَلُحَ عِلَّةً أَلَا تَرَى أَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ يَضْمَنُ عِنْدَ عُدْمِ مَنْ يُلْقِي، وَالْحَفْرُ شَرْطُ الْوُقُوعِ فَيُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ قُلْنَا: إنَّ الْإِحْصَانَ عَلَامَةٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرْطِ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ بِصُورَتِهَا وَتَتَوَقَّفُ صَيْرُورَتُهَا عِلَّةً عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ كَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ قَدْ وُجِدَتْ بِصُورَتِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ عَبْدُهُ حُرٌّ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَتَوَقَّفَتْ صَيْرُورَتُهَا عِلَّةً عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُنَا لَوْ زَنَى ثُمَّ أَحْصَنَ لَا يُرْجَمُ وَلَكِنْ إذَا زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ عَرَفْنَا أَنَّ حُكْمَهُ الرَّجْمُ وَهَذَا مَعْنَى الْعَلَامَةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ الرَّجْمِ وَلَا وُجُودُهُ إذْ الْحُكْمُ لَا يُضَافُ إلَى الْعَلَامَةِ الْمُظْهِرَةِ، وَأَمَّا شُهُودُ الشَّرْطِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَرْجِعُوا وَحْدَهُمْ أَوْ مَعَ شُهُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ التَّعْلِيقُ، فَإِنْ رَجَعُوا مَعَ شُهُودِ الْيَمِينِ لَا يَضْمَنُونَ وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِشَهَادَةِ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا قُلْنَا شُهُودُ الْيَمِينِ أَثْبَتُوا بِشَهَادَتِهِمْ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْحُكْمِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، وَالْآخَرُونَ أَثْبَتُوا الشَّرْطَ، وَالشَّرْطُ لَا يُعَارِضُ الْعِلَّةَ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى عِلَّتِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِيهِ وَإِلَى الشَّرْطِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ، وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ يَضْمَنُونَ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا ﵏؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا لَمْ تُعَارِضْهُ الْعِلَّةُ صَلُحَ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَصَارَ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْعِلَلَ لَمْ تُجْعَلْ عِلَّةً لِذَوَاتِهَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَشُهُودُ الْيَمِينِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ صُورَتُهُ شَهِدَا بِتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ أَوْ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِشَرْطٍ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ أَوْ الطَّلَاقُ وُجِدَ وَقَدْ نَزَلَ الْمُعَلَّقُ فَحَكَمَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الْجَمِيعُ فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الْيَمِينِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هِيَ السَّبَبُ وَالتَّلَفُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى مَنْ أَثْبَتَ السَّبَبَ دُونَ الشَّرْطِ الْمَحْضِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْيَمِينِ وَشَاهِدَانِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الْيَمِينِ خَاصَّةً قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ قُبَيْلَ بَابِ الْيَمِينِ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ وَغَيْرِ السُّنَّةِ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَقَضَى الْقَاضِي بِعِتْقِهِ ثُمَّ رَجَعُوا ضَمِنَ شَاهِدَا الْيَمِينِ دُونَ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ تَلِفَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَالْقَاضِي قَضَى بِعِتْقِهِ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَثْبُتُ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ بِقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ لَا بِدُخُولِ الدَّارِ فَكَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى مَا أَثْبَتَهُ شَاهِدُ الْيَمِينِ دُونَ شَاهِدَيْ الشَّرْطِ قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا إذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فُلَانَةَ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا وَقَضَى الْقَاضِي بِجَمِيعِ الْمَهْرِ ثُمَّ رَجَعُوا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الدُّخُولِ.
وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ الْمَهْرِ مُضَافًا إلَى التَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّ شُهُودَ الدُّخُولِ أَثْبَتُوا أَنَّ الزَّوْجَ اسْتَوْفَى عِوَضَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ فَخَرَجَتْ شَهَادَةُ شُهُودِ النِّكَاحِ مِنْ أَنْ تَكُونَ إتْلَافًا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ أَنَّ شَاهِدَيْ الشَّرْطِ لَوْ رَجَعَا عَلَى الِانْفِرَادِ هَلْ يَضْمَنَانِ ثُمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يَضْمَنَانِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الضَّمَانِ عَلَى مُحَصِّلِ الشَّرْطِ عِنْدَ انْعِدَامِ إمْكَانِ الْإِيجَابِ عَلَى صَاحِبِ الْعِلَّةِ وَاجِبٌ وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَضْمَنُونَ كَشُهُودِ الْإِحْصَانِ إذَا رَجَعُوا وَحْدَهُمْ وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا فِي التَّلَفِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَهُ أَثَرٌ فِي وُجُوبِ الْعِلَّةِ عِنْدَ الشَّرْطِ فَيَكُونُ سَبَبُ الضَّمَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ فِي تَقْسِيمِ الشَّرْطِ قُلْنَا فِي شُهُودِ التَّعْلِيقِ وَشُهُودِ الشَّرْطِ إذَا رَجَعُوا الضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ التَّعْلِيقِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا قَوْلَ الْمَوْلَى أَنْتَ حُرٌّ وَهَذَا بِانْفِرَادِهِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِإِضَافَةِ حُكْمِ الْعِتْقِ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ هُنَاكَ شَبَهَ الْعِلَّةِ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ شُهُودُ الشَّرْطِ شَيْئًا سَوَاءٌ رَجَعَ الْفَرِيقَانِ أَوْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ خَاصَّةً وَكَذَلِكَ شُهُودُ التَّخْيِيرِ وَشُهُودُ الِاخْتِيَارِ، فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى شُهُودِ الِاخْتِيَارِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ سَبَبٌ وَمَا عَارَضَهُ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِلْحُكْمِ مُضَافًا إلَيْهِ دُونَ السَّبَبِ فَلَمْ يَضْمَنْ شُهُودُ السَّبَبِ شَيْئًا كَمَا لَا يَضْمَنُ شُهُودُ الشَّرْطِ إلَى هُنَا لَفْظُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لَا شُهُودُ الْإِحْصَانِ) صُورَتُهُ كَمَا قَالَ الْعَيْنِيُّ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا وَيَشْهَدَ آخَرَانِ أَنَّهُ مُحْصَنٌ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَقِيقَةً وَقَالَ زُفَرُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَالشَّرْطُ) قَالَ الْعَيْنِيُّ صُورَتُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي شُهُودِ الْيَمِينِ. اهـ.
стр. 1211
فَجَازَ أَنْ تَخْلُفَهَا الشُّرُوطُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ لَا يَضْمَنُونَ بِحَالٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَاتِ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَإِلَى الْأَوَّلِ مَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالتَّفْوِيضِ وَشَاهِدَانِ بِالْإِيقَاعِ ثُمَّ رَجَعُوا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِيقَاعِ؛ لِأَنَّهُ الْعِلَّةُ، وَالتَّفْوِيضُ سَبَبٌ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ الْوَكَالَةُ الْحِفْظُ وَمِنْهُ الْوَكِيلُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِمَالِي يَمْلِكُ الْحِفْظَ فَقَطْ وَقِيلَ تَرْكِيبُهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّفْوِيضِ وَالِاعْتِمَادِ وَمِنْهُ التَّوَكُّلُ يُقَالُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا أَيْ فَوَّضْنَا أُمُورَنَا، وَالتَّوْكِيلُ تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إلَى الْغَيْرِ وَسُمِّيَ الْوَكِيلُ وَكِيلًا؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ وَكَّلَ إلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ أَيْ فَوَّضَهُ إلَيْهِ وَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَيْهِ وَالْوَكِيلُ الْقَائِمُ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَقَدْ «وَكَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] الْآيَةَ وَكَانَ الْبَعْثُ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا مَا لَمْ يَظْهَرْ نَسْخُهُ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَةِ التَّصَرُّفَاتِ وَعَنْ حِفْظِ مَالِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ أَشَدَّ الِاحْتِيَاجِ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَأَلْفَاظُهَا كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ وَكَّلْتُك، أَوْ هَوَيْت أَوْ أَحْبَبْت أَوْ رَضِيت أَوْ شِئْت أَوْ أَرَدْت وَلَوْ قَالَ: لَا أَنْهَاك عَنْ طَلَاقِ الْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ تَوْكِيلًا قَالَ ﵀ (صَحَّ التَّوْكِيلُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْأَدِلَّةِ قَالَ ﵀ (وَهُوَ إقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ) أَيْ التَّصَرُّفُ الْجَائِزُ الْمَعْلُومُ هَذَا فِي الشَّرِيعَةِ حَتَّى إنَّ التَّصَرُّفَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا يَثْبُتُ بِهِ أَدْنَى تَصَرُّفَاتِ الْوَكِيلِ وَهُوَ الْحِفْظُ فَقَطْ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ قَالَ ﵀ (مِمَّنْ يَمْلِكُهُ) أَيْ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَسْتَفِيدُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ مِنْهُ وَيَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَفِيدَ الْوِلَايَةَ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَقِيلَ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً بِمَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ فَأَمَّا كَوْنُ الْمُوَكِّلِ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى يَجُوزَ عِنْدَهُ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتَوْكِيلِ الْمُحْرِمِ الْحَلَالَ بِبَيْعِ الصَّيْدِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَإِنْ امْتَنَعَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِعَارِضِ النَّهْيِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْأَسْبَابِ أَحْكَامُهَا، فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْأَحْكَامُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمَا.
قَالَ ﵀ (إذَا كَانَ الْوَكِيلُ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا) يَعْنِي يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْعُقُودِ وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَسَالِبٌ لِلثَّمَنِ وَالْبَيْعَ عَلَى عَكْسِهِ وَيَعْرِفُ الْغَبَنَ الْفَاحِشَ مِنْ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدَ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالرِّبْحِ لَا الْهَزْلَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْعِبَارَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ قَالَ ﵀: (بِكُلِّ مَا يَعْقِدُهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِكُلِّ شَيْءٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ وَالْأَدِلَّةِ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَكِيلُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَعْقِدَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ لَا مَا اسْتَفَادَهُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَيَّدُ بِأَمْرِ آمِرِهِ، وَكَذَا لَا يَرِدُ جَوَازُ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ عَكْسٌ وَالنَّقْضُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الطَّرْدِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاضُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ حَتَّى لَوْ وَكَّلَ بِهِ وَاسْتَقْرَضَ لَهُ الْوَكِيلُ كَانَ لَهُ لَا لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي بَابِ الْقَرْضِ لَا يَجِبُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْقَبْضِ وَالْأَمْرُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ كِتَابُ الْوَكَالَةِ]
ِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا. اهـ. غَايَةٌ أَوْرَدَ كِتَابَ الْوَكَالَةِ عَقِيبَ كِتَابِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْوَكَالَةِ إعَانَةُ الْغَيْرِ بِإِحْيَاءِ حَقِّهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحِفْظُ فَقَطْ) وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ الْفَرْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ وَقَالَ الْكَمَالُ قَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ وَكِيلًا بِالْحِفْظِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَرِدُ جَوَازُ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ عَكْسٌ) وَيَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ نَقْضٌ وَهُوَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ بَيْعَ الْخَمْرِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مُسْلِمًا بِبَيْعِهَا وَالْجَوَابُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ بَيْعَ الْخَمْرِ بِنَفْسِهِ وَيَمْلِكُ تَمْلِيكَ غَيْرِهِ بَيْعَهَا أَيْضًا حَتَّى لَوْ وَكَّلَ ذِمِّيًّا بِذَلِكَ جَازَ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ هُنَا لِمَعْنًى فِي الْمُسْلِمِ وَهُوَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا وَفِي التَّوْكِيلِ بِبَيْعِهَا اقْتِرَابُهَا وَالْحُرْمَةُ إذَا جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَحَلِّ لَا تَكُونُ مَانِعَةً حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كُلُّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْحَائِضُ وَالْمُحَرَّمَةُ لِأَنَّا نَقُولُ هُنَاكَ جَائِزٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْوَطْءِ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِمَعْنًى عَارِضٍ حَتَّى إذَا انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى ظَهَرَ الْحِلُّ الَّذِي ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ كَافِرًا بِقَبُولِ نِكَاحِهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَائِيَةِ الْعِبَارَةِ اهـ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي كِتَابِ السِّيَرِ فِي نَوْعٍ آخَرَ إذَا أَذِنَ الْإِمَامُ لِذِمِّيٍّ أَنْ يُؤَمِّنَ أَهْلَ الْحَرْبِ فَأَمَّنَهُمْ جَازَ أَمَانُهُمْ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْأَمَانَ بِنَفْسِهِ يَجِبُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْأَمَانَ بِالنِّيَابَةِ عَنْ الْغَيْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا وَكَّلَ ذِمِّيًّا أَنْ
стр. 1212
بِالْقَبْضِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فِيهِ مَقَامَهُ وَبِخِلَافِ الرِّسَالَةِ بِالِاسْتِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ عِبَارَةِ الْمُرْسِلِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مُعَبِّرٌ وَالْعِبَارَةُ مِلْكُ الْمُرْسِلِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِاعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ فَيَصِحُّ، وَأَمَّا الْوَكَالَةُ فَغَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِنَقْلِ عِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّ الْعِبَارَةَ لِلْوَكِيلِ وَلِهَذَا حُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ جَائِزٌ
قَالَ ﵀ (وَبِالْخُصُومَةِ فِي الْحُقُوقِ بِرِضَا الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ أَوْ مُرِيدًا لِلسَّفَرِ أَوْ مُخَدَّرَةً) أَيْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى الْخَصْمُ إلَّا إذَا كَانَ مَعْذُورًا بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَا: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ عُذْرٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَ بِمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ فَيَصِحُّ بِدُونِ رِضَا الْخَصْمِ كَالتَّوْكِيلِ بِالْقَبْضِ وَالْإِيفَاءِ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى تَجْوِيزِهِ بِهَا إذَا لَا يَهْتَدِي إلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ أَوْ لَا يَرْضَى بِهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ كُلُّ أَحَدٍ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَحْضُرُ خُصُومَةً أَبَدًا وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنَّ لَهَا قُحْمًا وَكَانَ إذَا خُوصِمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِ وَكَّلَ عَقِيلًا فَلَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَقَالَ هُوَ وَكِيلِي فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَهُوَ لِي وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهَا بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا خَصْمِهِ فَكَذَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّ التَّوْكِيلَ حَوَالَةٌ وَهِيَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَكَذَا التَّوْكِيلُ وَهَذَا لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَخْتَلِفُ وَالْجَوَابُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَصَارَ نَظِيرَ الْحَوَالَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُوَكِّلُ إلَّا مَنْ هُوَ أَلَدُّ وَأَشَدُّ إنْكَارًا وَيَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَلَا يَلْزَمُهُ بِدُونِ الْتِزَامِهِ كَالْحَوَالَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِهِ عُذْرٌ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ إسْقَاطُ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي حَالِهِ وَفِي عُدَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا تَخْفَى هَيْئَةُ مَنْ يُسَافِرُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا اخْتَارُوا لِلْفَتْوَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ مِنْ الْخَصْمِ التَّعَنُّتَ فِي الْإِبَاءِ مِنْ قَبُولِ التَّوْكِيلِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْبَلُ التَّوْكِيلَ مِنْ الْمُوَكِّلِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ عَلِمَ مِنْ الْمُوَكِّلِ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِخَصْمِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْكِيلُ إلَّا بِرِضَاهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ ﵀ وَمِنْ الْأَعْذَارِ الْحَيْضُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَبْسُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْقَاضِي الَّذِي تَرَافَعُوا إلَيْهِ
قَالَ ﵀ (وَبِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا إلَّا فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ) أَيْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِيفَاءِ جَمِيعِ الْحُقُوقِ وَالِاسْتِيفَاءُ لِمَا بَيَّنَّا إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يُسْتَوْفَى بِمَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَيْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَوْعِ شُبْهَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَنَا أَنَّهُ عُقُوبَةٌ فَيَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ وَشُبْهَةُ الْعَفْوِ ثَابِتَةٌ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ عَفَا بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ إذْ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَفْوِ وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُوَكِّلُ إلَى ذَلِكَ لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ أَوْ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ فِي غَيْبَةِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ نَادِرٌ فَلَا يُتَوَهَّمُ وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا قَامَتْ وَثَبَتَ الْحَقُّ فَلِلْمُوَكِّلِ اسْتِيفَاؤُهُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهَا أَيْضًا كَمَا لَا يَجُوزُ بِاسْتِيفَائِهَا وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إلَّا أَنَّهُ يُجَوِّزُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا رِضَا الْخَصْمِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا وَقِيلَ هَذَا الْخِلَافُ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ، وَأَمَّا حَالُ حَضْرَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ يُوجَدُ مِنْ الْوَكِيلِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُهْدَةٌ عَلَى الْوَكِيلِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْوَكِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ عَنْ الْأَصْلِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِبْدَالِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا مِنْ الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ بَدَلٌ عَنْ الْعِبَارَةِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِثْبَاتِ الِاسْتِيفَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ بِهِ لَا يَصِحُّ بِالْإِثْبَاتِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
يُزَوِّجَ لَهُ مُسْلِمَةً جَازَ وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ لَا يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِالْمُسْلِمَةِ لِنَفْسِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ الرِّسَالَةِ بِالِاسْتِقْرَاضِ) بِأَنْ يَقُولَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْك يَسْتَقْرِضُ مِنْك كَذَا الْوَكِيلُ مَنْ يُبَاشِرُ الْعَقْدَ وَالرَّسُولُ مَنْ يُبَلِّغُ الْمُبَاشِرَ وَالسِّلْعَةُ أَمَانَةٌ فِي أَيْدِيهِمَا. اهـ. تَهْذِيبُ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى تَجْوِيزِهِ بِهَا) أَيْ إلَى تَجْوِيزِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: قُحَمًا) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْحَاءِ اهـ وَالْقُحْمَةُ الشِّدَّةُ وَالْوَرْطَةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فِي الْخُصُومَةِ وَإِنَّ لَهَا لَقُحَمًا وَفَتْحُ الْقَافِ خَطَأٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ اهـ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَمًا هِيَ الْأُمُورُ الْعَظِيمَةُ الشَّاقَّةُ وَاحِدَتُهَا قُحْمَةٌ اهـ وَفِي الْمِصْبَاحِ وَالْقُحْمَةُ بِالضَّمِّ الْأَمْرُ الشَّاقُّ لَا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ وَالْجَمْعُ قُحَمٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. اهـ.
стр. 1213
أَيْضًا، وَلَهُمَا أَنَّ التَّوْكِيلَ تَنَاوَلَ مَا لَيْسَ بِحَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ وَلَا يُضَافُ وُجُوبُ الْحَدِّ إلَى الْخُصُومَةِ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ مُضَافٌ إلَى الْجِنَايَةِ وَظُهُورُهُ مُضَافٌ إلَى الشَّهَادَةِ وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ مَحْضٌ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ وَلَا فِي الظُّهُورِ إذْ الْحُكْمُ لَا يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ وَيُمْكِنُ التَّدَارُكُ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ التَّوْكِيلُ بِالْجَوَابِ مِنْ جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ، وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِيهِ وَقَعَ بِدَفْعِ دَعْوَى الْقِصَاصِ وَالْحُدُودُ وَدَفْعُهَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ غَيْرَ أَنَّ إقْرَارَ الْوَكِيلِ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ وَالتَّوَكُّلُ بِإِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا، وَالشُّرْبِ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا تُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ، فَإِذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ بِهِ
قَالَ ﵀ (وَالْحُقُوقُ فِيمَا يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إقْرَارٍ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَقَبْضِهِ، وَقَبْضُ الثَّمَنِ وَالرُّجُوعُ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ وَالْمِلْكِ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يُعْتَقُ قَرِيبُ الْوَكِيلِ بِشِرَائِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَبَعٌ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَتْ بِأَصْلٍ، وَالْوَكِيلُ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ أَصْلًا فِي حَقِّ الْحُقُوقِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَوَابِعِ الْحُكْمِ فَصَارَ كَالرَّسُولِ وَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ وَأَخَوَاتِهِ وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقُومُ بِالْكَلَامِ وَصِحَّةُ كَلَامِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ آدَمِيًّا عَاقِلًا فَقَضِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ الْحَاصِلُ بِالتَّصَرُّفِ وَأَفْعَالِهِ غَيْرَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا اسْتَنَابَهُ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ جَعَلْنَاهُ نَائِبًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ لِلضَّرُورَةِ كَيْ لَا يَبْطُلَ مَقْصُودُهُ وَرَاعَيْنَا الْأَصْلَ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ كَانَ سَفِيرًا كَمَا زَعَمَ لَمَا اسْتَغْنَى عَنْ إضَافَتِهِ إلَيْهِ كَالرَّسُولِ وَكَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى إذَا أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ كَانَ لَهُ دُونَ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ إضَافَةُ الْعَقْدِ إلَيْهِ وَإِيقَاعُ الْحُكْمِ لِلْمُوَكِّلِ.
فَإِذَا أَضَافَهُ إلَيْهِ كَانَ أَصِيلًا فِيهِ فَيَقَعُ لَهُ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ وَهِيَ الْحُقُوقُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَقَبْضُهُ وَقَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُهُ وَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ مَا بَاعَ أَوْ رُجُوعُهُ هُوَ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ مَا اشْتَرَى وَالْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ يَقَعُ لَهُ فِي رِوَايَةٍ بَلْ يَقَعُ لِلْوَكِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةً حُكْمِيَّةً فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً خِلَافَةً عَنْهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَكِيلَ أَصْلٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ لَكِنْ فِي حَقِّ الْحُكْمِ يَخْلُفُهُ الْمُوَكِّلُ فَيَقَعُ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِيهِ كَالْعَبْدِ تَيَّهِبُ أَوْ يَصْطَادُ وَلِهَذَا لَا يُعْتَقُ عَلَى الْوَكِيلِ إذَا اشْتَرَى قَرِيبَهُ بِالْوَكَالَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً إلَخْ وَكَذَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ بِالْوَكَالَةِ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي حَقِّ الْحُقُوقِ لَمْ يَخْلُفْهُ، فَإِذَا كَانَ أَصْلًا فِي حَقِّ الْحُقُوقِ جَازَ تَوْكِيلُهُ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُوَكِّلِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا، وَفِي قَوْلِهِ: تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ لَهُمَا تَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْحُقُوقُ وَتَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ مُطْلَقًا وَفِي الذَّخِيرَةِ إنْ كَانَ وَكِيلًا فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ جَازَ بَيْعُهُ وَلَزِمَتْهُ الْعُهْدَةُ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَا تَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا بَلْ تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْآمِرِ حَتَّى يُطَالِبَ الْبَائِعَ الْآمِرَ بِالثَّمَنِ دُونَ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ ضَمَانُ كَفَالَةٍ وَلَيْسَ بِضَمَانِ ثَمَنٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الثَّمَنِ مَا يُفِيدُ الْمِلْكَ لِلضَّامِنِ فِي الْمُشْتَرِي وَهَذَا لَا يُفِيدُهُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ مَالًا فِي ذِمَّتِهِ وَاسْتَوْجَبَ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى مُوَكِّلِهِ.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِثَمَنٍ حَالٍّ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ الْعُهْدَةُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ ثَمَنٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الثَّمَنِ مَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْمُشْتَرَى وَهُنَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، فَإِنَّهُ يَحْبِسُ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْهُ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرَى لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا حَتَّى لَا يَمْلِكَ حَبْسَهُ بِهِ فَكَانَ ضَمَانَ كَفَالَةٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَفِي الْإِيضَاحِ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِالنَّقْدِ فَاشْتَرَى كَمَا أَمَرَهُ فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْفَصْلِ الثَّانِي. اهـ. (قَوْلُهُ: أَظْهَرُ) أَيْ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا أَضَافَهُ إلَيْهِ كَانَ أَصِيلًا فِيهِ فَيَقَعُ لَهُ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ) أَمَّا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْمُوَكِّلِ فَقَدْ حَكَى الْعِمَادِيُّ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ فِيهِ خِلَافًا وَحَكَى ابْنُ فِرِشْتَا الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ وَعَزَاهُ لِلْفُصُولِ وَفِيهِ مَا فِيهِ. اهـ.
стр. 1214
وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَحِقَتْهُ الْعُهْدَةُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ وَيُحْبَسَ الْمَبِيعَ عَنْهُ فَيَصِيرَ الْحَقُّ كَالْمُعَلَّقِ بِالْبَيْعِ فَيَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ نَسِيئَةً فَاشْتَرَاهُ كَمَا أَمَرَهُ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ لَهُ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ نَسِيئَةً لَمْ يَمْلِكْ حَبْسَ الْمَبِيعِ فَظَهَرَ مَعْنَى التَّبَرُّعِ بِالْتِزَامِ الدَّيْنِ فَلَا يَصِحُّ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ صَارَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْتِزَامُ الْعُهْدَةِ لِقُصُورِ أَهْلِيَّةِ الصَّبِيِّ وَلِحَقِّ مَوْلَى الْعَبْدِ فَتَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الرَّسُولِ وَالْقَاضِي وَأَمِينِهِ ثُمَّ الْعَبْدُ إذَا عَتَقَ تَلْزَمُهُ تِلْكَ الْعُهْدَةُ.
وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ لُزُومِ الْعُهْدَةِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ حَقُّ الْمَوْلَى إذْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ وَقَدْ زَالَ حَقُّهُ فَيَلْزَمُهُ وَالْمَانِعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ حَقُّ نَفْسِهِ وَلَا يَزُولُ بِالْبُلُوغِ وَلَوْ قَبَضَهُ مَعَ هَذَا يَصِحُّ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ فَكَانَ أَصِيلًا فِيهِ فَانْتِفَاءُ اللُّزُومِ لِمَا ذَكَرْنَا لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْجَوَازِ وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ مُرْتَدًّا جَازَ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ فَتُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُوَكِّلِ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهِيَ فَرْعُ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِهِ لِنَفْسِهِ
قَالَ ﵀ (وَفِيمَا يُضِيفُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ عَنْ إنْكَارٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ فَلَا يُطَالَبُ وَكِيلُهُ بِالْمَهْرِ وَلَا وَكِيلُهَا بِتَسْلِيمِهَا) أَيْ فِي كُلِّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَحُقُوقُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ وَذَلِكَ كَالنِّكَاحِ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهَا سَفِيرٌ مَحْضٌ وَلِهَذَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ وَقَعَ النِّكَاحُ لَهُ فَصَارَ كَالرَّسُولِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ صَادِرًا مِنْ شَخْصٍ عَلَى سَبِيلِ الْأَصَالَةِ، وَالْحُكْمُ وَاقِعٌ لِغَيْرِهِ فَجَعَلْنَاهُ سَفِيرًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَا لَا يَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْإِسْقَاطَاتِ، أَمَّا غَيْرُ النِّكَاحِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ مَالِكِيَّتُهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ الْحُرْمَةُ فَكَانَ النِّكَاحُ إسْقَاطًا لِلْحُرْمَةِ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ ضَرُورَةً لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْوَطْءِ وَلِهَذَا لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَسْخِ وَالتَّمْلِيكِ مِنْ الْغَيْرِ وَفِيمَا وَرَاءَ الْوَطْءِ فَهُوَ إسْقَاطٌ جَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ إذْ الْحُرْمَةُ تُنَافِي الْمِلْكَ وَالسَّاقِطُ مُتَلَاشٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ ثُمَّ يَسْقُطَ ثَانِيًا فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ بِالِانْتِقَالِ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ فَكَانَ حُكْمُ النِّكَاحِ ثَابِتًا لِمَنْ أُضِيفَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً وَهُوَ الْمُوَكِّلُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ يَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ السَّبَبِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَجَازَ أَنْ يَصْدُرَ السَّبَبُ مِنْ شَخْصٍ أَصَالَةً وَيَقَعَ الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْمَحِلَّ فِيهِ خُلِقَ مُبَاحًا وَقَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَذَلِكَ الْحُكْمُ مِمَّا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَهُ شَخْصٌ ثُمَّ يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى شَخْصٍ وَجَازَ أَنْ يَصْدُرَ السَّبَبُ مِنْ شَخْصٍ وَيَقَعَ الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِهِ غَيْرَ أَصْلٍ إذْ جَوَازُ الِانْتِقَالِ عَنْهُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَخَوَاتِ هَذَا النَّوْعِ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةُ وَالْهِبَةُ وَالتَّصَدُّقُ وَالْإِعَارَةُ وَالْإِيدَاعُ وَالْإِقْرَاضُ وَالرَّهْنُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ وَأَنَّهُ يُلَاقِي مَحِلًّا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ فَلَا يُجْعَلُ أَصِيلًا فِيهِ بَلْ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا وَكَذَا إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ لِمَا ذَكَرْنَا لَكِنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ فِيهِ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَلِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَلْتَزِمُ بَدَلَ الْقَرْضِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَصِيرُ نَظِيرَ مَا لَوْ قَالَ بِعْ شَيْئًا مِنْ مَالِك عَلَى أَنْ يَكُونَ عِوَضُهُ لِي وَنَظِيرَ التَّوْكِيلِ بِالشَّحَّاثَةِ فَكَانَ بَاطِلًا وَمَا اسْتَقْرَضَهُ فَهُوَ لِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْأَمْرِ وَلَوْ هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ يَلْزَمُهُ حَتَّى يَكُونَ بَيْعُ مَالِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ وَالْوَكِيلُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَحِلِّ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِيهِ فَصَارَ سَفِيرًا عَنْ الْمَالِكِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَارَةِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ وَحُقُوقُهُ بِهَا وَهِيَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ أَجْنَبِيًّا بَلْ أَصِيلًا فِيهِ
قَالَ ﵀: (وَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُ الْمُوَكِّلِ عَنْ الثَّمَنِ) يَعْنِي إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا بِبَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ لَهُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ وَحُقُوقِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُوَكِّلِ (صَحَّ وَلَا يُطَالِبُهُ الْوَكِيلُ ثَانِيًا)؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ حَقُّهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لَكِنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ) قَالَ قَاضِي خَانْ ﵀ وَإِنْ وَكَّلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ إنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الِاسْتِقْرَاضَ إلَى الْمُوَكِّلِ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا يَسْتَقْرِضُ مِنْك كَذَا أَوْ قَالَ أَقْرِضْ فُلَانًا كَذَا كَانَ الْقَرْضُ لِلْمُوَكِّلِ وَإِنْ لَمْ يُضِفْ الِاسْتِقْرَاضَ لِلْمُوَكِّلِ يَكُونُ الْقَرْضُ لِلْوَكِيلِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ قَاضِي خَانْ ﵀ وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِالْمُبَاحَاتِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاسْتِقَاءِ وَاسْتِخْرَاجِ الْجَوْهَرِ مِنْ الْمَعَادِنِ فَمَا أَصَابَ الْوَكِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَكَذَا التَّوْكِيلُ بِالتَّكَدِّي اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ التَّوْكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ لَا يَصِحُّ وَالتَّوْكِيلُ بِقَبْضِ الْقَرْضِ يَصِحُّ بِأَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ: أَقْرِضْنِي ثُمَّ يُوَكِّلُ رَجُلًا بِقَبْضِهِ صَحَّ اهـ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ: وَلَوْ وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَ الْوَكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَبَيْنَ مُوَكِّلِهِ فَقَالَ الْوَكِيلُ قَبَضْت الْمَالَ مِنْ الْمُقْرِضِ وَدَفَعْت إلَى الْمُوَكِّلِ وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُرِيدُ بِهَذَا إلْزَامَ الْمَالِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إيجَابِ الْمَالِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَنَظِيرُ التَّوْكِيلِ بِالشَّحَّاثَةِ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ فِي بَابِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالشَّحَّاذُ الْمُلِحُّ فِي مَسْأَلَتِهِ وَعَوَامُّ الْعِرَاقِيِّينَ يَقُولُونَ شَحَّاثٌ بِالثَّاءِ وَيُخْطِئُونَ فِيهِ. اهـ.
стр. 1215
نَزْعِهِ مِنْهُ ثُمَّ رَدِّهِ عَلَيْهِ وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُشْتَرِي لِوُصُولِ الثَّمَنِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ وَدَفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الْيَتِيمِ حَيْثُ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْوَصِيِّ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ لَيْسَ لَهُ قَبْضُ مَالِهِ أَصْلًا فَلَا يَكُونُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الْمَدِينِ فَيَكُونُ الدَّفْعُ إلَيْهِ تَضْيِيعًا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَأَمَّا الْمُوَكِّلُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَمُتَصَرِّفٌ فِي مَالِهِ وَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَيْهِ فِيهِ فَيَكُونُ قَبْضُهُ مُعْتَبَرًا وَبِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي الصَّرْفِ إذَا صَارَفَ وَقَبَضَ الْمُوَكِّلُ بَدَلَ الصَّرْفِ حَيْثُ يَبْطُلُ الصَّرْفُ وَلَا يُعْتَدُّ بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الصَّرْفِ مُعَلَّقٌ بِالْقَبْضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْعَاقِدَيْنِ فَكَذَا الْقَبْضُ فِي الصَّرْفِ وَقَبْضُ الثَّمَنِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَيْسَ كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَإِنَّمَا جَازَ لِوُصُولِ حَقِّهِ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي دَيْنٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِوُصُولِ الْحَقِّ إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّقَاصِّ وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ دُونَ دَيْنِ الْوَكِيلِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْوَكِيلِ فَقَطْ وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ بِهِ وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الصَّرْفِ حَيْثُ لَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الدَّيْنِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْوَكِيلِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ إبْرَاءِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مِنْ الثَّمَنِ فَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إبْرَاؤُهُ فَكَذَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِهِ وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ فَلَا تَقَعُ وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمُقَاصَّةَ إبْرَاءٌ بِعِوَضٍ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ كَانَتْ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ أَوْلَى عِنْدَهُمَا كَمَا لَوْ أَبْرَآهُ مَعًا، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَا يَلْزَمَ الْوَكِيلَ ضَمَانُهُ.
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي مِلْكُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ وَإِبْرَاؤُهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ عَلَى خِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ فَلَا يَنْفُذُ كَمَا لَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ وَهَبَهُ لِلْمُشْتَرِي وَدَلِيلُ الْخِلَافِ ظَاهِرٌ وَلِهَذَا يَصِيرُ ضَامِنًا وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْقَبْضِ وَالْقَبْضَ خَالِصُ حَقِّ الْوَكِيلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَ بِنَفْسِهِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ هُوَ بِالْإِبْرَاءِ مُمْتَنِعًا عَنْ الْقَبْضِ مُسْقِطًا حَقَّ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ بِقَبْضِهِ يَتَعَيَّنُ مِلْكُ الْآمِرِ فِي الْمَقْبُوضِ، وَإِذَا انْسَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْبَابُ بِإِبْرَائِهِ صَارَ ضَامِنًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّاهِنِ إذَا أَعْتَقَ الْمَرْهُونَ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ وَيَضْمَنُ لِلْمُرْتَهِنِ لِانْسِدَادِ بَابِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ بِالْإِعْتَاقِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إبْرَاءُ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ فِيمَا بَاعَاهُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ
[بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]
(بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) الْأَصْلُ أَنَّ الْجَهَالَةَ إذَا كَانَتْ تَمْنَعُ الِامْتِثَالَ وَلَا يُمْكِنُ دَرْكُهَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ وَإِلَّا فَلَا وَالْجَهَالَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ وَهِيَ الْجَهَالَةُ فِي الْجِنْسِ فَتَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ سَوَاءٌ بُيِّنَ الثَّمَنُ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَالثَّانِيَةُ جَهَالَةٌ يَسِيرَةٌ وَهِيَ مَا كَانَتْ فِي النَّوْعِ الْمَحْضِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ ثَوْبٍ هَرَوِيٌّ أَوْ مَرْوِيٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الثَّمَنَ وَقَالَهُ بِشْرٌ لَا تَجُوزُ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ «﵊ وَكَّلَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بِشِرَاءِ شَاةٍ لِلْأُضْحِيَّةِ» وَلِأَنَّ جَهَالَةَ النَّوْعِ لَا تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَيُمْكِنُ دَفْعُهَا بِصَرْفِ التَّوْكِيلِ إلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَنَّ عَامِّيًّا وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ فَرَسٍ فَاشْتَرَى فَرَسًا يَصْلُحُ لِلْمُلُوكِ لَا يَلْزَمُهُ وَالثَّالِثَةُ جَهَالَةٌ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ إنْ بَيَّنَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) (قَوْلُهُ: بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاء) كَذَا تَرْجَمَ فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ عَقِبَهُ فَصْلٌ فِي الشِّرَاءِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ قَدَّمَ بَابَ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى سَائِرِ الْأَبْوَابِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَمِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى الْوَكَالَةِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَدَّمَ فَصْلَ الشِّرَاءِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مُثْبِتٌ لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَهُوَ الْمَبِيعُ وَالْبَيْعُ مُزِيلٌ لَهُ وَالثُّبُوتُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَكَانَ الشِّرَاءُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ اهـ
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْأَصْلِ لِمُحَمَّدٍ وَإِذَا قَالَ لَهُ: اشْتَرِ لِي حِمَارًا وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بَغْلًا، فَإِنْ اشْتَرَى لَهُ شَيْئًا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ وَإِذَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ وَإِنْ سَمَّى الثَّمَنَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الثِّيَابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ ثَوْبًا هَرَوِيًّا وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ فَهُوَ جَائِزٌ إذَا اشْتَرَاهُ بِمَا يُشْتَرَى مِثْلُهُ أَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ جِنْسٍ سَمَّاهُ مِنْ الثِّيَابِ، فَإِنْ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا فَزَادَ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ وَإِنْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ، فَإِنْ وَصَفَ لَهُ صِفَةً وَسَمَّى لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَى لَهُ تِلْكَ الصِّفَةَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْآمِر. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ بِشْرٌ لَا تَجُوزُ) أَيْ وَهُوَ الْقِيَاسُ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ تُمْنَعُ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِامْتِثَالَ اهـ وَبِقَوْلِ بِشْرٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي وَجْهٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِبَيَانِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ اهـ كَيْ.
(قَوْلُهُ: «وَكَّلَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بِشِرَاءِ شَاةٍ لِلْأُضْحِيَّةِ») وَجَعَلَ جَهَالَةَ النَّوْعِ عَفْوًا وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ النَّوْعِ وَالنَّوْعِ يَسِيرٌ فَلَا يَمْنَعُ الِامْتِثَالَ لَكِنْ تَنْصَرِفُ الْوَكَالَةُ إلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُوَكِّلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالثَّالِثَةُ جَهَالَةٌ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ وَالثَّالِثَةُ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ إنْ بَيَّنَ
стр. 1216
الثَّمَنَ أَوْ النَّوْعَ بِأَنْ قَالَ عَبْدًا تُرْكِيًّا أَوْ حَبَشِيًّا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ جَازَتْ الْوَكَالَةُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بِبَيَانِ الثَّمَنِ يُعْلَمُ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ يُرِيدُ وَبِبَيَانِ النَّوْعِ يُعْلَمُ ثَمَنُهُ فَتَبْقَى الْجَهَالَةُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرَةً وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ فِي الْجِنْسِ حَيْثُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ وَإِنْ بُيِّنَ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ فَلَا يُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ.
قَالَ ﵀ (أَمَرَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ هَرَوِيٌّ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ صَحَّ سَمَّى ثَمَنًا أَوْ لَا)؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ الْجَهَالَةُ بَعْدَ إعْلَامِ الْجِنْسِ إلَّا فِي الصِّفَةِ وَهِيَ مُحْتَمَلَةٌ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ بِأَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِهِ إذْ اخْتِلَافُ الصِّفَةِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ أَصْلِ الْمَقْصُودِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مِثْلِهِ تَسْمِيَةُ الثَّمَنِ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ بِبَيَانِ جِنْسِ الْمُثَمَّنِ يَصِيرُ مَعْلُومًا عَادَةً فَصَارَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ هَرَوِيٌّ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ وَلِأَنَّا لَوْ شَرَطْنَا الِاسْتِقْصَاءَ فِي الصِّفَةِ وَالْبَيَانِ فِي النَّوْعِ رُبَّمَا لَا يَتَمَكَّنُ الْوَكِيلُ مِنْ الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ وَحُرِجُوا وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ قَالَ ﵀ (وَبِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ جَازَ إنْ سَمَّى ثَمَنًا وَإِلَّا لَا)؛ لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَلَيْسَتْ بِفَاحِشَةٍ وَلَا يَسِيرَةٍ، فَإِذَا بَيَّنَ ثَمَنَهُ عُلِمَ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْعَبِيدِ مَعْلُومٌ بَيْنَ النَّاسِ وَالْتَحَقَ بِجَهَالَةِ النَّوْعِ بِذَلِكَ فَجَازَتْ الْوَكَالَةُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ثَمَنَهُ الْتَحَقَ بِجَهَالَةِ الْجِنْسِ فَلَمْ تَجُزْ الْوَكَالَةُ بِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ الْعَمَلِ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَبِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ النَّظَرِ وَالْجَمَالِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنَّ الْجَمَالَ مَنْفَعَةٌ مَطْلُوبَةٌ مِنْ بَنِي آدَمَ وَلِهَذَا جُعِلَ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ مِنْ بَنِي آدَمَ كَرُؤْيَةِ الْكُلِّ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ الْجَمَالُ لِكَوْنِهِ مَجْمَعَ الْمَحَاسِنِ وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ يَخْتَلِفُ التُّرْكِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَالسِّنْدِيُّ وَالْحَبَشِيُّ وَالتَّكْرُورِيُّ وَكَذَا إذَا بَيَّنَ نَوْعَهُ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِهِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِمَقْصُودِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَتْ الْوَكَالَةُ بِهِ إذَا بَيَّنَ ثَمَنَهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومَ النَّوْعِ فَعِنْدَ التَّصْرِيحِ بِنَوْعِهِ أَوْلَى أَنْ تَجُوزَ.
قَالَ ﵀ (وَبِشِرَاءِ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ لَا وَإِنْ سَمَّى ثَمَنًا) يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَإِنْ بَيَّنَ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ فِي الْجِنْسِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْوَكِيلُ مِنْ الِامْتِثَالِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّ مَا مِنْ نَوْعٍ يَشْتَرِيهِ الْوَكِيلُ مِنْ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْجِنْسِ إلَّا وَيُمْكِنُ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي عَنَيْتُ خِلَافَهُ
وَالْأَمْرُ بِمَا لَا يُمْكِنُ الِامْتِثَالُ بِهِ بَاطِلٌ فَتَخَلَّصَ لَنَا مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَهَالَةَ إذَا كَانَتْ فِي الْجِنْسِ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي النَّوْعِ تَجُوزُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ مَا بَيْنَهُمَا بِأَنْ كَانَتْ أَنْوَاعًا، فَإِنْ ذُكِرَ الثَّمَنُ أَوْ النَّوْعُ جَازَتْ وَالْتَحَقَ بِالثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْتَحَقَ بِالْأَوَّلِ فَلَمْ تَجُزْ وَالْجِنْسُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُتَغَايِرَةٌ وَالنَّوْعُ اسْمٌ لِأَحَدِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمٍ فَوْقَهُ، وَقِيلَ: الْجِنْسُ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالنَّوْعِ وَالنَّوْعُ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالشَّخْصِ وَقِيلَ كُلُّ اسْمٍ مُنْتَظِمٍ أَشْيَاءَ نَوْعٌ بِاعْتِبَارِ مَا فَوْقَهُ جِنْسٌ بِاعْتِبَارِ مَا دُونَهُ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعُمُومِ بِأَنْ قَالَ: ابْتَعْ لِي مَا رَأَيْتَ جَازَتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ لَهُ يَكُونُ مُمْتَثِلًا.
وَكَذَا لَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي بِأَلْفٍ ثِيَابًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ أَشْيَاءَ أَوْ مَا شِئْتَ أَوْ مَا رَأَيْتَ أَوْ أَدْنَى شَيْءٍ حَضَرَك أَوْ مَا يُوجَدُ أَوْ مَا يَتَّفِقُ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّعْمِيمَ دَلَالَةُ التَّفْوِيضِ إلَى رَأْيِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِأَلْفٍ أَوْ بِعْ جَازَتْ الْوَكَالَةُ وَيَصِيرُ مُسْتَقْرِضًا لِلْأَلْفِ مِنْهُ وَيَصِيرُ الْبَائِعُ قَابِضًا لِلْآمِرِ أَوَّلًا بِحُكْمِ الْقَرْضِ ثُمَّ يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: اجْعَلْهُ بِضَاعَةً لِي؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبِضَاعَةِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ عَامٌّ فَكَأَنَّهُ قَالَ اشْتَرِ لِي مَا بَدَا لَك أَوْ قَالَ سَلَّطْتُك عَلَى الشِّرَاءِ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَذِنْتُ لَك أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الثَّمَنَ أَوْ الصِّفَةَ بِأَنْ قَالَ: تُرْكِيًّا أَوْ هِنْدِيًّا أَوْ رُومِيًّا صَحَّتْ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الثَّمَنَ أَوْ الصِّفَةَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي أَكْثَرُ مِنْ اخْتِلَافِ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ وَعَادَةُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فَكَانَتْ بَيْنَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَكَذَا الدَّارُ مُلْحَقَةٌ بِالْجِنْسِ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَرَافِقِ وَكَثْرَتِهَا، فَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ أُلْحِقَتْ بِجَهَالَةِ النَّوْعِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أُلْحِقَتْ بِجَهَالَةِ الْجِنْسِ وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَالُوا فِي دِيَارِنَا لَا يَجُوزُ بِدُونِ بَيَانِ الْمَحَلَّةِ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلَّةِ وَبِمَا سُمِّيَ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي حِنْطَةً لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الْقُفْزَانِ أَوْ الثَّمَنَ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ تَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَمَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمِقْدَارَ أَوْ الثَّمَنَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَحُرِجُوا) حَرَجَ صَدْرُهُ ضَاقَ حَرَجًا مِنْ بَابِ لَبِسَ. اهـ. مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْأَصْلِ وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً أَوْ عَبْدًا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْعَبِيدَ وَالْجَوَارِيَ مُخْتَلِفُونَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا مُوَلَّدًا أَوْ حَبَشِيًّا أَوْ سِنْدِيًّا أَوْ سَمَّى جِنْسًا مِنْ الْأَجْنَاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا وَتَسْمِيَةُ الثَّمَنِ وَتَسْمِيَةُ الْجِنْسِ سَوَاءٌ. اهـ. غَايَةٌ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ دَارًا وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَقَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَجُلٌ أَمَرَ آخَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ فَهُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ وَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ سَمَّى ثَمَنَ الدَّارِ وَبَيَّنَ جِنْسَ الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ جَازَ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ جَازَ إنْ سَمَّى ثَمَنًا وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ وَهَذَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْعَبْدِ وَلَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَهُ أَمَّا إذَا بَيَّنَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ. (قَوْلُهُ بِأَنْ قَالَ ابْتَعْ لِي مَا رَأَيْتَ جَازَتْ الْوَكَالَةُ) أَيْ جَازَتْ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 1217
لِمَا بَيَّنَّا
قَالَ ﵀ (وَبِشِرَاءِ طَعَامٍ يَقَعُ عَلَى الْبُرِّ وَدَقِيقِهِ) لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ طَعَامٍ يَنْصَرِفُ إلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ غَيْرَهُمَا مِنْ الطَّعَامِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ مَطْعُومٍ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لَهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الطَّعَامَ مَقْرُونًا بِالْبَيْعِ أَوْ بِالشِّرَاءِ يُرَادُ بِهِ الْبُرُّ عَادَةً وَدَقِيقُهُ وَلَا عُرْفَ فِيمَا إذَا كَانَ مَقْرُونًا بِالْأَكْلِ فَبَقِيَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ أَيِّ طَعَامٍ كَانَ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي أَوْ لَا يَبِيعُ طَعَامًا لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْبُرِّ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ كَثِيرَةً فَعَلَى الْبُرِّ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً فَعَلَى الْخُبْزِ وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَعَلَى الدَّقِيقِ وَالْفَارِقُ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَيُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى إذَا عُرِفَ أَنَّهُ بِالْكَثِيرِ مِنْ الدَّرَاهِمِ يُرِيدُ بِهِ الْخَبَرَ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ وَلِيمَةٌ يَتَّخِذُهَا هُوَ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْخُبْزَ لَهُ؛ لِأَنَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا يَشْتَرِيهِ لِلِادِّخَارِ وَهُوَ الْمُرَجِّحُ لِجَانِبِ الْحِنْطَةِ إذْ الْخُبْزُ لَا يَقْبَلُ الِادِّخَارَ وَكَذَا الدَّقِيقُ لَا يَقْبَلُهُ طَوِيلًا فَتَعَيَّنَ الْبُرُّ لِلِادِّخَارِ وَهُوَ فِي الْكَثِيرِ عَادَةً
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ: الطَّعَامُ فِي عُرْفِنَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ يَعْنِي الْمُهَيَّأَ لِلْأَكْلِ كَاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ وَنَحْوِهِ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ﵀ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ: اشْتَرِ لِي طَعَامًا مَا لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَكِيلًا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ مِقْدَارَهُ وَجَهَالَةُ الْقَدْرِ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ كَجَهَالَةِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَكِيلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْآمِرِ بِمَا سَمَّى لَهُ
قَالَ ﵀ (وَلِلْوَكِيلِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَهِيَ كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ فَيَسْتَبِدُّ بِهِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ سَلَّمَهُ إلَى الْآمِرِ لَا يَرُدُّهُ إلَّا بِأَمْرِهِ)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَكَالَةِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ وَلِأَنَّ فِي رَدِّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إبْطَالَ مِلْكِهِ وَيَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ بِدُونِ رِضَاهُ وَلِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ نَائِبٌ فِي حَقِّ الْحُكْمِ عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ فَكَانَ لَهُ جَانِبَانِ فَجَانِبُ النِّيَابَةِ يَمْنَعُهُ الرَّدَّ وَجَانِبُ الْأَصَالَةِ لَا يَمْنَعُهُ فَعَمَلُنَا بِجَانِبِ الْأَصَالَةِ قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَبِجَانِبِ النِّيَابَةِ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَوْ رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ جَازَ وَسَقَطَ حَقُّ الرَّدِّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْ الثَّمَنِ فَعَنْ الْعَيْبِ أَوْلَى وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَعَامَّتُهُمْ صَحَّحُوا إبْرَاءَهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الثَّمَنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُضِرًّا بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي أَمْلَأَ مِنْ الْوَكِيلِ، فَإِذَا بَرِئَ يَبْقَى دَيْنُهُ فِي ذِمَّةِ الْوَكِيلِ وَهُوَ مُفْلِسٌ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ فِيهِ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْعَيْبِ وَأَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ إذْ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ بِإِبْرَائِهِ وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةً حُكْمِيَّةً كَأَنَّ الْوَكِيلَ بَاعَهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَلِهَذَا يَحْبِسُ الْوَكِيلُ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُوَكِّلِ فَإِسْقَاطُ حَقِّهِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ سُقُوطُ حَقِّ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ
قَالَ ﵀ (وَحَبَسَ الْمَبِيعَ بِثَمَنٍ دَفَعَهُ مِنْ مَالِهِ)
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبِشِرَاءِ طَعَامٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ دَرَاهِمَ وَقَالَ اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا فَهُوَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا اهـ (قَوْلُهُ: وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الطَّعَامَ فِي عُرْفِهِمْ يَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةَ وَدَقِيقَهَا إذَا ذُكِرَ مَقْرُونًا بِالشِّرَاءِ وَلِهَذَا يُسَمَّى عِنْدَهُمْ السُّوقُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْحِنْطَةُ وَدَقِيقُهَا سُوقَ الطَّعَامِ، وَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ هَكَذَا تُرِكَ الْقِيَاسُ بِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ) هَذَا قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ حُكْمَ الْوَكَالَةِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ) وَلِهَذَا قَالَ إذَا سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُطَالِبَ الْوَكِيلَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْوَكَالَةِ وَانْقَطَعَ حَقُّهُ كَذَلِكَ هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَدَفَعَهَا إلَى الْآمِرِ ثُمَّ عَلِمَ بِعَيْبٍ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهَا إلَّا بِرِضَا الْآمِرِ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَى الْآمِرِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، فَإِنْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ أَوْ أَبْرَأ الْبَائِعَ عَنْ الْعَيْبِ وَقَدْ أَمَرَهُ الْآمِرُ بِرَدِّهَا صَحَّ رِضَاهُ وَإِبْرَاؤُهُ فِي حَقِّهِ دُونَ الْآمِرِ حَتَّى كَانَ لِلْآمِرِ أَنْ يَأْخُذَ الْجَارِيَةَ مَعَ الْعَيْبِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا عَلَى الْمَأْمُورِ وَضَمَّنَهُ الثَّمَنَ قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِبْرَاءُ عَنْ الثَّمَنِ صَحِيحًا ثَمَّةَ فِي حَقِّ الْآمِرِ لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْعَيْبِ هَاهُنَا أَيْضًا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَمِنْهُمْ أَيْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ لَا بَلْ صَحَّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْعَيْبِ عِنْدَ الْكُلِّ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ وَفَرَّقُوا لِأَبِي يُوسُفَ (قَوْلُهُ: فَعَامَّتُهُمْ صَحَّحُوا إبْرَاءَهُ) أَيْ إبْرَاءَهُ عَنْ الْعَيْبِ بِخِلَافِ الثَّمَنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ هَذَا) أَيْ بَيْنَ إبْرَاءِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ عَنْ الْعَيْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَبَيْنَ الْإِبْرَاءِ) أَيْ وَبَيْنَ إبْرَاءِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ عَنْ الثَّمَنِ. اهـ. (قَوْلُهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ)، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْآمِرُ شَيْئًا حَتَّى هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمَأْمُورِ، فَإِنَّهَا تَهْلَكُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمَالِكِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ وَلَمْ يُحْدِثْ مَنْعًا يَرْجِعُ الْآمِرُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ لِأَنَّ الْآمِرَ يَشْتَرِي مِنْهُ حُكْمًا وَقَدْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا وَعَجَزَ عَنْ رَدِّهَا بِمَوْتِهَا فِي يَدِهِ حُكْمًا، وَكَذَا إذَا لَمْ تَمُتْ لَكِنْ اعْوَرَّتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ يَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ لِأَنَّ الِاعْوِرَارَ عَيْبٌ حَدَثَ فِي يَدِ الْآمِرِ حُكْمًا. اهـ. غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يَحْبِسُ الْوَكِيلُ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ إلَخْ)، وَإِذَا وَجَدَ الْمُوَكِّلُ بِهِ عَيْبًا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ تَحَالَفَا اهـ.
стр. 1218
أَيْ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى وَدَفَعَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ لِلْبَائِعِ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْبَائِعِ مِنْ مَالِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُبَادَلَةَ الْحُكْمِيَّةَ قَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمَا وَصَارَ الْوَكِيلُ كَالْبَائِعِ وَالْمُوَكِّلُ كَالْمُشْتَرِي مِنْهُ وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ الْمُوَكِّلُ بِهِ عَيْبًا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ تَحَالَفَا وَسَلَامَةُ الْمَبِيعِ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ وَلِأَنَّ تَوْكِيلَهُ إيَّاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَيْهِ إذْنٌ مِنْهُ بِدَفْعِ الثَّمَنِ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَذِنَ صَرِيحًا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ وَيَحْبِسُ عَنْهُ الْمَبِيعَ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ لِتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَقَوْلُهُ بِثَمَنٍ دَفَعَهُ مِنْ مَالِهِ وَقَعَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ أَيْضًا لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنْهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَخَذَ حُكْمَهُ وَالْمُشْتَرِي لَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ ثَمَنَهُ كَمَا لَوْ كَانَ بَائِعًا لَهُ حَقِيقَةً يُحَقِّقُهُ أَنَّ حَبْسَ الْمَبِيعِ عَنْ الْمُوَكِّلِ لَيْسَ لِأَجْلِ نَقْدِ الثَّمَنِ عَنْهُ بَلْ لِأَجْلِ أَنَّهُ بَائِعٌ لَهُ حُكْمًا وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَا إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَيْسَ لِلْوَكِيلِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَنْ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فَتَقُومُ يَدُهُ مَقَامَ يَدِ الْمُوَكِّلِ وَيَكُونُ قَبْضُهُ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ وَلَا يَحْبِسُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَلَيْسَ لِلْأَمِينِ حَبْسُ الْأَمَانَةِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا. قُلْنَا: الْمُوَكِّلُ مَلَكَ الْمَبِيعَ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ بِبَدَلٍ اسْتَوْجَبَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا مَعْنَى الْبَيْعِ فَيَحْبِسُهُ بِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ حَقِيقَةً وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةً حُكْمِيَّةً وَلِهَذَا يَرُدُّهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ بِعَيْبٍ وَيَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْبَيْعِ فَكَذَا هَذَا الْحُكْمُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَبْضَهُ قَبْضُ الْمُوَكِّلِ بَلْ قَبْضُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِحْيَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِتَتْمِيمِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ فَيَتَبَيَّنُ فِي الْآخِرَةِ بِحَبْسِهِ أَنَّ الْقَبْضَ كَانَ لَحِقَهُ وَبِعَدَمِ الْحَبْسِ كَانَ لِلْمُوَكِّلِ وَقَبْلَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلِأَنَّ هَذَا الْقَبْضَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ بِهِ قَابِضًا وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ يَكُونُ عَفْوًا فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ إذْ فِي سُقُوطِهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ
قَالَ ﵀ (فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ)؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الْقَبْضِ عَامِلٌ لِلْمُوَكِّلِ فَيَصِيرُ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ حُكْمًا فَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ لَا يَكُونُ مُسْتَرِدًّا لَهُ، فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْآمِرِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَبَسَهُ عَنْهُ ثُمَّ هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا بِالْحَبْسِ أَوْ تَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ قَبَضَ لِنَفْسِهِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ حَبْسِهِ فَهُوَ كَالْمَبِيعِ) يَعْنِي يَهْلَكُ بِالثَّمَنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ زُفَرُ ﵀ هُوَ كَالْغَصْبِ فَيَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَهُ فَبِالْحَبْسِ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَالْمُودَعِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ الْمُوَكِّلُ بِهِ عَيْبًا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ إذَا هَلَكَ عِنْدَ الْمُوَكِّلِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ تَحَالَفَا) وَالتَّحَالُفُ مِنْ خَوَاصِّ الْمُبَادَلَةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ أَيْضًا لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنْهُ) قَالَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ وَسَامَحَهُ الْبَائِعُ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ هَلْ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ عَنْ الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ ثُمَّ قَالَ حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لِلْوَكِيلِ لَيْسَ لِأَجْلِ مَا نَقَدَ بَلْ لِأَجْلِ بَيْعٍ حُكْمِيٍّ انْعَقَدَ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ النَّقْدِ وَقَبْلَهُ قُلْت هَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ مِنْ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَكَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فِي الشِّرَاءِ فَقَالَ: وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ وَقَبَضَهُ وَطَلَبَ الْآمِرُ أَخْذَ الْعَبْدِ مِنْ الْوَكِيلِ وَأَبَى الْوَكِيلُ أَنْ يَدْفَعَ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ فَهُوَ سَوَاءٌ إلَى هُنَا لَفْظُهُ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى بِالنَّسِيئَةِ فَحَلَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِمَوْتِهِ لَا يَحِلُّ عَلَى الْآمِرِ وَنَقَلَهُ عَنْ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ مِنْ وَكَالَةِ الْكَافِي. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ قَبْضُهُ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ)، وَإِذَا سَلَّمَهُ حَقِيقَةً سَقَطَ حَقُّ الْحَبْسِ فَكَذَا إذَا سَلَّمَهُ حُكْمًا وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ أَمِينٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْهَلَاكِ عِنْدَهُ كَالْمُودَعِ فَلَيْسَ لِلْأَمِينِ حَقُّ الْحَبْسِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُودِعِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِلْمُوَكِّلِ وَلَيْسَ عَلَى الْأَمِينِ شَيْءٌ مَا لَمْ يُحْدِثْ مَنْعًا فَلَا يَضْمَنُهُ كَمَا إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِ الْمُودَعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: أَوْ تَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ) أَيْ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ لَا لِلْمُوَكِّلِ، وَإِذَا وَقَعَ الْقَبْضُ لِلْوَكِيلِ لَمْ يُوجَدْ التَّسْلِيمُ مِنْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَوْلُهُ: فَإِنْ حَبَسَهُ فَهَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَضَمَانَ الْمَبِيعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ كَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُخْتَلِفِ وَالْحَصْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَهُ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَضْمُونَاتِ أَنْوَاعٌ مِنْهَا الرَّهْنُ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ، وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ حَتَّى إذَا هَلَكَ سَقَطَ الثَّمَنُ قَلَّ الثَّمَنُ أَوْ كَثُرَ وَالْمَغْصُوبُ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَبِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَالْمُشْتَرِي إذَا حَبَسَهُ الْوَكِيلُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَهَلَكَ فَفِيهِ خِلَافٌ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الثَّمَنِ كَالرَّهْنِ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الرَّهْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ كَالْمَبِيعِ يَهْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَالَ زُفَرُ: يَضْمَنُ ضَمَانَ الْغَصْبِ لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ لَيْسَ لَهُ حَقَّ الْحَبْسِ فَصَارَ بِالْحَبْسِ غَاصِبًا وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ كَالْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ ثُمَّ الْوَكِيلُ قَدْ عَيَّنَ حَقَّ الْمُوَكِّلِ فِي الْمُشْتَرِي حَيْثُ اشْتَرَاهُ لَهُ فَوَجَبَ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَيْضًا أَنْ يُعَيِّنَ حَقَّ
стр. 1219
يَمْنَعُ الْوَدِيعَةَ عَنْ صَاحِبِهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: هُوَ كَالرَّهْنِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَضْمُونًا بِالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا بِهِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ حَبَسَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَحْبِسْهُ يُحَقِّقُهُ أَنَّ حَبْسَهُ لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوسًا بِهِ وَأَنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ لَا يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ وَهَذَا حُكْمُ الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ فِيهِ يَكُونُ مَحْبُوسًا مِنْ أَوَّلِ مَا يُوجَدُ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِهَلَاكِهِ وَلَهُمَا أَنَّ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةً حُكْمِيَّةً بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِالْمُبَادَلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ بَلْ يَنْفَسِخُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَكَذَا لَوْ رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْبَائِعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالرَّهْنِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي النِّصْفِ الشَّائِعِ، وَالْحَبْسُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ لَمَا ثَبَتَ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ. قُلْنَا: إنَّ الْوَكِيلَ وَالْمُوَكِّلَ يَمْلِكَانِ الْمَبِيعَ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَمَا شُرِطَ فِيهِ يَلْزَمُهُمَا بِخِلَافِ الشَّفِيعِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ فَمَا شُرِطَ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا فِي الثَّانِي
قَالَ ﵀: (وَتُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ دُونَ الْمُوَكِّلِ)؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِيهِمَا قَبْضُ الْعَاقِدِ وَالْعَاقِدُ هُوَ الْوَكِيلُ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ وَتَسْلِيمَهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ فَفِي حُكْمِ صِحَّةِ التَّقَابُضِ هُوَ كَوَكِيلٍ تَعَلَّقَ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ، فَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ تَمَّ الْعَقْدُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَإِنْ فَارَقَهُ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِدٍ بِخِلَافِ الرَّسُولِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ حَصَلَتْ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ وَكَلَامُ الرَّسُولِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُرْسِلِ فَيَكُونُ الْعَاقِدُ هُوَ الْمُرْسِلِ فَيَكُونُ قَبْضُ الرَّسُولِ قَبْضَ غَيْرِ الْعَاقِدِ فَلَا يَجُوزُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هَذَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ يَصِيرُ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارِفٌ بِنَفْسِهِ فَلَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ وَعَزَاهُ إلَى خُوَاهَرْزَادَهْ وَهَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ الْعَقْدَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ فَقَالَ الْمُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَغَيْبَةُ الْمُوَكِّلِ لَا تَضُرُّ وَعَزَاهُ إلَى وَكَالَةِ الْمَبْسُوطِ وَإِطْلَاقُهُ وَإِطْلَاقُ سَائِرِ الْكُتُبِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُفَارَقَةَ الْمُوَكِّلِ لَا تُعْتَبَرُ أَصْلًا، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا
وَفِي قَوْلِهِ تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ فِيهِمَا جَائِزٌ وَإِنَّمَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ فَجَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ، وَهَذَا فِي الصَّرْفِ مُجْرًى عَلَى إطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَمَّا فِي السَّلَمِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ بِدَفْعِ رَأْسِ الْمَالِ فَقَطْ، وَأَمَّا بِأَخْذِهِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إذَا قَبَضَ رَأْسَ الْمَالِ يَبْقَى الْمُسْلَمُ فِيهِ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مَبِيعٌ وَرَأْسُ الْمَالِ ثَمَنُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ مَالَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ وَإِذَا بَطَلَ التَّوْكِيلُ كَانَ الْوَكِيلُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَيَجِبُ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فِي ذِمَّتِهِ وَرَأْسُ الْمَالِ مَمْلُوكٌ لَهُ وَإِذَا سَلَّمَهُ إلَى الْآمِرِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ كَانَ قَرْضًا
قَالَ ﵀: (وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشْرَةٍ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ مِمَّا يُبَاعُ مِنْهُ عَشْرَةٌ بِدِرْهَمٍ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ مِنْهُ عَشْرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ الْعِشْرُونَ بِدِرْهَمٍ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ ﵀ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْأَصْلِ وَجْهُ قَوْلِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْوَكِيلِ فِي الثَّمَنِ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ فَكَانَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِحَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ غَاصِبًا ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّهُ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الرَّهْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالثَّمَنِ سَقَطَ وَإِلَّا رَجَعَ بِالْفَضْلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْمَبِيعِ، فَإِذَا هَلَكَ سَقَطَ كُلُّ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ كَالْبَائِعِ وَجْهُ.
قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَائِعٍ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ يَحْبِسُ الْمُشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَهُوَ الرَّهْنُ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ الرَّهْنَ هُوَ الْحَبْسُ بِالدَّيْنِ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ ثُمَّ قَالَ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا، وَقِيمَةُ الْمَبِيعِ عَشْرَةً فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالْفَضْلِ وَهُوَ الْخَمْسَةُ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْغَضَبِ فِي عَكْسِ هَذَا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْمَبِيعِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَالثَّمَنُ عَشْرَةً فَعِنْدَ زُفَرَ يَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْخَمْسَةِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَتَفَاوَتُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ أَصْلًا اهـ.
وَقَالَ الْكَاكِيُّ ﵀ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشْرَةً مَثَلًا وَالثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِخَمْسَةٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ عِنْدَ زُفَرَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَيْضًا وَلَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَالثَّمَنُ عَشْرَةً فَعِنْدَ زُفَرَ يَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ بِخَمْسَةٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ. اهـ. (قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا بِهِ) يَعْنِي لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا قَالَ زُفَرُ، وَإِنَّمَا صَارَ مَضْمُونًا بِالْحَبْسِ. اهـ. (قَوْلُهُ: قُلْنَا إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ قُبَيْلَهُ: إنَّ الْمُبَادَلَةَ الْحُكْمِيَّةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَهُمَا مُعْتَبَرَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فَلَا يَسْتَقِيمُ إذًا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمَا يَمْلِكَانِهِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَيَتِمُّ بِهِ الْفَرْقُ اهـ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَهَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ) قُلْت هَذَا لَيْسَ بِمُشْكِلٍ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ نَائِبٌ عَنْهُ، فَإِذَا حَضَرَ الْأَصِيلُ فَلَا يُعْتَبَرُ النَّائِبُ اهـ ع
(قَوْلُهُ: وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْأَصْلِ) وَهَذَا لِأَنَّ مُحَمَّدًا اقَالَ فِي الْأَصْلِ فِي آخِرِ بَابِ الْوَكَالَة فِي الشِّرَاءِ، وَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَشْرَةَ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ لَزِمَ الْآمِرَ مِنْهَا عَشَرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَكَانَ لِلْمَأْمُورِ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَصْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ كَمَا تَرَى وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 1220
أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ هَذَا خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ صَرْفُ الدِّرْهَمِ فِي عَشْرَةِ أَرْطَالٍ مِنْ اللَّحْمِ، وَقَدْ صَرَفَهُ فِيهِ مَعَ زِيَادَةِ خَيْرٍ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ كَمَا إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي عِشْرِينَ رِطْلًا مِنْهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ حَيْثُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ إلَى شَرٍّ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ تَنَاوَلَ لَحْمًا يُسَاوِي عَشْرَةَ أَرْطَالٍ مِنْهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَشْرَةٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَيَنْفُذُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ وَالْعَشَرَةُ عَلَى الْآمِرِ بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ فِيهِ بَدَلُ مِلْكِهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا هَرَوِيًّا بِعَشْرَةٍ فَاشْتَرَى لَهُ ثَوْبَيْنِ هَرَوِيَّيْنِ بِعَشْرَةٍ يُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ حَيْثُ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ إذْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْحَزْرِ وَكَذَا الْمُشْتَرِي لِلْمُوَكِّلِ مَجْهُولٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ، فَإِنَّهُ مَوْزُونٌ مُقَدَّرٌ فَيَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَى أَجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُوَافِقًا بِمِثْلِهِ عِنْدَهُ كَمَا إذَا أَمَرَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا حَيْثُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ عِنْدَهُ وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ بِمِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِلِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ فِيهَا شَرْطٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَاكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا عَلَى الْوَكِيلِ، وَأَمَّا إذَا وَجَدَ فَيَنْفُذُ وَفِي ضِمْنِهِ يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ وَهَذَا لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتَوَقَّفُ بَلْ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا وَالْعَشَرَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْعِشْرِينَ فَبِنُفُوذِ الْعِشْرِينَ تَنْفُذُ الْعَشَرَةُ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَالشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفُذُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَلَا عَلَى الْمُوَكِّلِ لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُوَافَقَةُ شَرْطٌ فِيهِ
قَالَ ﵀: (وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ) مَعْنَاهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ بَلْ لَوْ اشْتَرَاهُ يَنْوِي بِالشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ أَوْ تَلَفَّظَ بِذَلِكَ يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ عَزْلَ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ، وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ حَتَّى (لَوْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ) كَانَ الْمُشْتَرِي لَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَ نَفْسَ الْعَبْدِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لَهُ مِنْ مَوْلَاهُ أَوْ وَكَّلَ الْعَبْدُ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَهُ لَهُ مِنْ مَوْلَاهُ فَاشْتَرَى حَيْثُ لَا يَكُونُ لِلْآمِرِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْمَوْلَى أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ فِيهِمَا لِلْآمِرِ مَعَ أَنَّهُ وَكِيلٌ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً مُعَيَّنَةً حَيْثُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي أَتَى بِهِ الْوَكِيلُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ الْوَكَالَةِ نِكَاحٌ مُضَافٌ إلَى الْمُوَكِّلِ فَكَانَ مُخَالِفًا بِإِضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ فَانْعَزَلَ، وَفِي الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ الدَّاخِلِ فِيهَا شِرَاءٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى أَحَدٍ فَكُلُّ شَيْءٍ أَتَى بِهِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا بِهِ إذْ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ إلَّا ذَاتُهُ دُونَ صِفَاتِهِ فَيَتَنَاوَلُ الذَّاتَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ فَيَكُونُ مُوَافِقًا بِذَلِكَ حَتَّى لَوْ خَالَفَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْآمِرِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ قَدْرُهُ كَانَ مِثْلَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ وَكَّلَهُ رَجُلٌ آخَرُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ لَهُ كَانَ لِلْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ
قَالَ ﵀ (فَلَوْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ النُّقُودِ أَوْ بِخِلَافِ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَقَعَ لِلْوَكِيلِ)؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَهُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ فَيَنْعَزِلُ فِي ضِمْنِ الْمُخَالَفَةِ وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ هَذَا الْوَكِيلُ رَجُلًا فَاشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ وَهُوَ غَائِبٌ كَانَ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِحَضْرَتِهِ نَفَذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا يُمْكِنُ نَقْلُ كَلَامِهِ إلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي النِّكَاحِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
« وَكَّلَ عُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ لِيَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً وَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ» وَلِأَنَّهُ أَمَرَ الْوَكِيلَ بِصَرْفِ الدِّرْهَمِ فِي اللَّحْمِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ سِعْرَ اللَّحْمِ عَشَرَةٌ بِدِرْهَمٍ، فَإِذَا زَادَ فَقَدْ فَعَلَ خَيْرًا فَلَزِمَ الْآمِرَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ خَالَفَهُ إلَى شَرٍّ) لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ السَّمِينِ لَا الْمَهْزُولِ وَهَذَا مَهْزُولٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَيَنْفُذُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ وَالْعَشَرَةُ عَلَى الْآمِرِ) وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا الزِّيَادَةُ الْقَلِيلَةُ كَعَشَرَةِ أَرْطَالٍ وَنِصْفِ رِطْلٍ حَيْثُ يَلْزَمُ الْجَمِيعَ الْآمِرُ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ بَيْنَ الْوَزْنَيْنِ فَلَا يَتَحَقَّقُ حُصُولُ الزِّيَادَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَخْ) ذَكَرَ فِي التَّتِمَّةِ وَقَالَ: إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا هَرَوِيًّا بِعَشَرَةٍ فَاشْتَرَى لَهُ هَرَوِيَّيْنِ بِعَشَرَةٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَاوِي عَشَرَةً قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنِّي لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا أُعْطِيهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْعَشَرَةِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُنْتَقَى. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ جَوَابِ إشْكَالُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ) الْفَرْضُ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ يُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةً فَكَيْفَ يُقَالُ بَعْدَ ذَلِكَ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ) وَهَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الثَّمَنَ أَمَّا إذَا عَيَّنَ فَخَالَفَ فَسَيَأْتِي اهـ (قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ الْغَدْرُ بِالْمُسْلِمِ وَهُوَ حَرَامٌ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ يَشْتَرِيهِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ يَلْزَمُ مِنْهُ إخْرَاجُهُ نَفْسَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ فَسْخُ عَقْدٍ فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ عَزْلُهُ نَفْسَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ يَقَعُ شِرَاؤُهُ عَنْ الْمُوَكِّلِ حَيْثُ لَمْ يَقَعْ لِنَفْسِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَلَوْ اشْتَرَاهُ إلَخْ) قَالَ فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إنْ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا خَالَفَ فِي الثَّمَنِ لَا إلَى خَيْرٍ أَوْ إلَى جِنْسٍ غَيْرِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُوَكِّلُ، وَإِذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالشِّرَاءِ فَاشْتَرَاهُ لَهُ صَحَّ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ بِخِلَافِ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الثَّمَنِ) كَمَا إذَا وَكَّلَهُ
стр. 1221
وَبِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ فَطَلَّقَ الْوَكِيلُ الثَّانِي أَوْ أَعْتَقَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَا يَنْفُذُ وَإِنْ حَضَرَهُ رَأْيُهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ كَالرَّسُولِ فَلَا يَتَصَرَّفُ مِنْ عِنْدِهِ بِشَيْءٍ بَلْ يُبَلِّغُ الرِّسَالَةَ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فَقَدْ خَالَفَ فَلَا يَنْفُذُ، وَالْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ وَهُوَ أَصِيلٌ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنْهُ فَأَجَازَهُ الْوَكِيلُ جَازَ وَفِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَمْ يَجُزْ وَالنِّكَاحُ وَالْخُلَعُ وَالْكِتَابَةُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيمَا ذَكَرْنَا
قَالَ ﵀: (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَالشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِهِ) أَيْ إنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَى عَبْدًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ إلَّا إذَا قَالَ نَوَيْت الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِهِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِهِ أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ إمَّا أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَى ثَمَنٍ مُعَيَّنٍ أَوْ إلَى مُطْلَقٍ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى مُعَيَّنٍ كَانَ الْمُشْتَرَى لِصَاحِبِ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُضِيفُ الشِّرَاءَ إلَى مَالِ مَنْ يَشْتَرِيهِ لَهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الثَّمَنَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَيَّنُ لَكِنْ فِيهِ شُبْهَةَ التَّعَيُّنِ مِنْ حَيْثُ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ بِهِ وَتَعَيُّنُ قَدْرِهِ وَوَصْفِهِ وَلِهَذَا لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ إذَا اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ وَدِينُهُ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى مَالِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا وَعَادَةً فَلَا يَرْتَكِبُهُ وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ فِيمَا إذَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَى مَالِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ شَرْعًا وَعُرْفًا فَيَكُونُ الْمُشْتَرَى لِمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ الثَّمَنَ وَإِنْ نَوَى خِلَافَ ذَلِكَ جَرْيًا عَلَى مُقْتَضَى الْعُرْفِ وَالشَّرْعِ ثُمَّ إذَا نَقَدَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى ثَمَنٍ مُطْلَقٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا.
فَإِنْ كَانَ حَالًّا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ عَلَى عَدَمِهَا أَوْ يَخْتَلِفَا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ حَالًّا وَاتَّفَقَا عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ لِأَحَدِهِمَا كَانَ لِمَنْ نُوِيَ لَهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِاتِّفَاقِهِمَا كَالثَّابِتِ عِيَانًا وَاتِّفَاقُهُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى النَّقْدِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُوَكِّلِ، فَإِذَا عَيَّنَهُ بِنِيَّتِهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ وَيَكُونُ بِالنَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ غَاصِبًا فِيمَا إذَا نَوَاهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ يُحَكَّمُ النَّقْدُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى التَّعْيِينِ مِثْلُ دَلَالَةِ إضَافَةِ الشِّرَاءِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَجْرِيَ عَلَى عَوَائِدِهِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ هُوَ لِلْعَاقِدِ؛ لِأَنَّ مَا يُطْلِقُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ يَكُونُ لِنَفْسِهِ فَصَارَ كَالْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ إذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ أَنَّهُ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَكَّمُ النَّقْدُ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ فَبَقِيَ مَوْقُوفًا فَمِنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ نَقَدَ فَقَدْ عَيَّنَ الْمُحْتَمَلَ بِهِ فَصَارَ كَحَالَةِ التَّكَاذُبِ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ، فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ وَهُوَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ فَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ كَانَ مُخَالِفًا، وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا فَلَا يَصِيرُ بِتَرْكِهَا مُخَالِفًا فَيَبْقَى الْحُكْمُ مَوْقُوفًا عَلَى النَّقْدِ وَالتَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ فِي الطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ حَتَّى يُحَكِّمَ أَوَّلًا الْإِضَافَةَ فَيَكُونُ الْمُسْلَمُ فِيهِ لِمَنْ أُضِيفَ عَقْدُ السَّلَمِ إلَى مَالِهِ ثُمَّ النِّيَّةُ فَيَكُونُ لِمَنْ نُوِيَ لَهُ بِالْعَقْدِ إنْ تَصَادَقَا عَلَى النِّيَّةِ.
وَإِنْ تَكَاذَبَا فَيُحَكَّمُ النَّقْدُ، وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَعَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ اهـ ابْنُ فِرِشْتَا (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالطَّلَاقِ) قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِي مَسَائِلِ الْوَكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِعْتَاقِ، وَإِذَا وَكَّلَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ فَطَلَّقَ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ أَعْتَقَ فَأَجَازَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ عِبَارَتُهُ فِي أَوَّلِ وَكَالَةِ الْعُيُونِ وَفِي مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ النَّوَازِلِ وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا فَطَلَّقَ الثَّانِي لَا يَقَعُ، وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ فَفَعَلَ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ أَوْ فَعَلَ أَجْنَبِيٌّ ذَلِكَ فَبَلَغَ الْوَكِيلَ فَأَجَازَ ذَلِكَ يَجُوزُ. إلَى هُنَا لَفْظُ كِتَابِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَكَالَةَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى الْغَيْرِ لِيَعْمَلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ، فَإِذَا كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ وُجِدَ رَأْيُ الْأَوَّلِ وَكَذَا إذَا فَعَلَ أَجْنَبِيٌّ فَأَجَازَهُ الْوَكِيلُ ثُمَّ حَقِيقَةُ الْوَكَالَةِ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِيمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ وَالْإِجَارَةِ وَلَا تَتَحَقَّقُ فِيمَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِغَيْرِ مَالٍ فَكَانَ الْوَكِيلُ رَسُولًا يَنْقُلُ كَلَامَ الْمُوَكِّلِ، وَطَلَاقُ الْوَكِيلِ الثَّانِي وَعَتَاقُهُ لَيْسَ بِطَلَاقِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَقَعْ نَقْلًا لِكَلَامِ الْمُوَكِّلِ، وَالْمُوَكِّلُ إنَّمَا وَكَّلَ بِنَقْلِ كَلَامِهِ فَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُ الْوَكِيلِ الثَّانِي وَعَتَاقُهُ، وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَالشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ) قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ إنَّمَا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ بِنِيَّةِ الْوَكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ بِصَرِيحِ ذِكْرِهِ أَوْ يَشْتَرِي بِمَالِهِ وَلَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ مَالِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ اهـ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِهِ أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَيْهِ) لَا الدَّفْعَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ نَقَدَ، فَإِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْوَكِيلِ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ اهـ غَايَةٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْوَكِيلُ الْعَقْدَ إلَى مَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الْوَكِيلُ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ أَوْ يُطْلِقَ فِي أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ كَمَا يَأْتِي ذَلِكَ صَرِيحًا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ آخِرَ هَذِهِ الصَّفْحَةِ فِي قَوْلِهِ فَيَكُونَ الْمُشْتَرَى لِمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، وَإِنْ نَوَى خِلَافَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ) فَقَالَ الْمُوَكِّلُ: اشْتَرَيْتَهُ لِي وَقَالَ الْوَكِيلُ اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي اهـ
стр. 1222
وَمُحَمَّدٍ فِي الشِّرَاءِ فِيمَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَحْضُرْهُ بَلْ بِالْإِجْمَاعِ يَكُونُ لِلْعَاقِدِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي السَّلَمِ؛ لِأَنَّ لِلنَّقْدِ فِيهِ أَثَرًا فِي تَنْفِيذِ الْعَقْدِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُقُوعِهِ لِمَنْ نُقِدَ مِنْ مَالِهِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَفَرَّقَ هَذَا الْقَائِلُ لِأَبِي يُوسُفَ بِهَذَا الْفَرْقِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَةِ، فَإِذَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يُضَفْ الْعَقْدُ إلَى مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْوَكَالَةُ فَيَكُونُ مُخَالِفًا
قَالَ ﵀: (وَإِنْ قَالَ اشْتَرَيْت لِلْآمِرِ وَقَالَ الْآمِرُ لِنَفْسِك فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَلِلْمَأْمُورِ) مَعْنَاهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا بِأَلْفٍ مَثَلًا ثُمَّ قَالَ الْمَأْمُورُ: اشْتَرَيْت لَك عَبْدًا وَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتَهُ لِنَفْسِك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْآمِرِ إنْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُوعًا إلَيْهِ كَانَ الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ غَيْرَ مَنْقُودٍ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ حَيًّا حِينَ أَخْبَرَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ أَوْ مَيِّتًا، فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِشِرَائِهِ وَالْعَبْدُ حَيٌّ قَائِمٌ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ إجْمَاعًا مَنْقُودًا كَانَ الثَّمَنُ أَوْ غَيْرَ مَنْقُودٍ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَالْمُخْبَرُ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ وَالثُّبُوتِ يُسْتَغْنَى عَنْ الْإِشْهَادِ فَيُصَدَّقُ كَقَوْلِهِ لِمُطَلَّقَتِهِ رَاجَعْتُك وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَكَذَّبَتْهُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهُ وَبِهَذَا وَقَعَ التَّقَصِّي عَنْ الْوَلِيِّ إذَا أَقَرَّ عَلَى مَوْلِيَّتِهِ بِالنِّكَاحِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ شَرْعًا لِعَدَمِ الشُّهُودِ إذْ هُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشُهُودٍ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ، فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِهِ شَرْعًا بِدُونِ الْإِشْهَادِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَيِّتًا حِينَ أَخْبَرَ فَقَالَ هَلَكَ عِنْدِي بَعْدَ الشِّرَاءِ وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مَنْقُودٍ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِإِنْشَاءِ الْعَقْدِ فِيهِ، وَغَرَضُهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ وَالْآمِرُ مُنْكِرٌ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَقَدْ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْته لَك وَقَالَ الْآمِرُ لَا بَلْ اشْتَرَيْته لِنَفْسِك، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ فَصَحَّ كَمَا فِي الْمُعَيَّنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَفِي ضِمْنِهِ يَكُونُ الْعَبْدُ لِلْآمِرِ تَبَعًا وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَصْدًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ لِلنَّقْدِ فِيهِ أَثَرًا فِي تَنْفِيذِ الْعَقْدِ) حَتَّى إذَا لَمْ يَنْقُدْ رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ السَّلَمُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا بِأَلْفٍ مَثَلًا فَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْت لَك عَبْدًا) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ وَضْعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ فِيمَا إذَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَعَلَى هَذَا، فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ صَدَرَ وَالْعَبْدُ هَالِكٌ فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا صَدَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا وَالْعَبْدُ حَيٌّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ إلَخْ فَمِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ هَذَا مَا ظَهَرَ لِكَاتِبِهِ حَالَ الْمُطَالَعَةِ قَبْلَ الْمُرَاجَعَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ قَالَ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ دِرْهَمٍ فَقَالَ قَدْ فَعَلْت وَمَاتَ عِنْدِي وَقَالَ الْآمِرُ: اشْتَرَيْتَهُ لِنَفْسِك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَيْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَصُورَتُهَا فِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ يَأْمُرُ الرَّجُلَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ الْمَأْمُورُ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ لَك عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضْتُهُ فَمَاتَ وَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضْتَهُ وَمَاتَ عِنْدَك، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْته لِنَفْسِك قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ. إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهِيَ مِنْ الْخَوَاصِّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مَأْمُورًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ قَائِمًا أَوْ هَالِكًا، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَالثَّمَنُ غَيْرَ مَنْقُودٍ وَقَالَ الْوَكِيلُ: اشْتَرَيْت وَقَبَضْت وَهَلَكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ الْكَنْزِ ﵀ أَرَادَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ كَوْنِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَهُوَ هَالِكٌ فَتَنَبَّهْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ إلَخْ) مُعَيَّنًا حَيًّا وَالثَّمَنُ مَنْقُودٌ (الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ) مُعَيَّنًا حَيًّا وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَنْقُودٍ (الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ) مُعَيَّنًا هَالِكًا وَالثَّمَنُ مَنْقُودٌ (الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ) مُعَيَّنًا هَالِكًا وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَنْقُودٍ (الْقَوْلُ لِلْآمِرِ) مُنْكِرًا حَيًّا وَالثَّمَنُ مَنْقُودٌ (الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ) مُنْكِرًا حَيًّا وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَنْقُودٍ (عِنْدَهُ لِلْآمِرِ وَعِنْدَهُمَا لِلْمَأْمُورِ) مُنْكِرًا هَالِكًا وَالثَّمَنُ مَنْقُودٌ (الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ مُنْكِرًا هَالِكًا وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَنْقُودٍ (الْقَوْلُ لِلْآمِرِ اتِّفَاقًا) لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَغَرَضُهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ وَالْآمِرُ مُنْكِرٌ اهـ
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ) وَكَذَا وَكِيلُ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ وَمَوْلَى الْعَبْدِ إذَا أَقَرَّ بِالنِّكَاحِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُعَيَّنًا لِأَنَّهُ إلَخْ) بَقِيَ مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّمَانِيَةِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَهُوَ هَالِكٌ وَالثَّمَنُ مَنْقُودٌ أَوْ غَيْرُ مَنْقُودٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا الشَّارِحُ ﵀ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ
стр. 1223
حَالَ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الثَّمَنَ إنْ كَانَ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُودٍ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ بِأَنْ كَانَ مَيِّتًا فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ عِنْدَهُمَا وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَفِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ الْقَوْلُ لِلْآمِرِ
قَالَ ﵀: (وَإِنْ قَالَ: بِعْنِي هَذَا لِفُلَانٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ الْآمِرُ أَخَذَهُ فُلَانٌ) أَيْ رَجُلٌ قَالَ الْآخَرُ بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي أَشْتَرِيه لَهُ فَبَاعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ أَمَرَهُ فَقَالَ فُلَانٌ أَنَا أَمَرْتُهُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْنِي لِفُلَانٍ إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ وَكَّلَهُ، فَإِذَا أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ بَعْدَهُ صَارَ مُنَاقِضًا فَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ فَيَكُونُ الْعَبْدُ لِلْمُوَكِّلِ قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يَقُولَ لَمْ آمُرْهُ بِهِ) أَيْ إلَّا أَنْ يَقُولَ فُلَانٌ الْمُشْتَرَى لَهُ لَمْ آمُرْهُ بِالشِّرَاءِ فَحِينَئِذٍ لَا يَأْخُذُهُ بَلْ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُشْتَرِي ارْتَدَّ بِرَدِّهِ وَالْإِقْرَارُ مِمَّا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَيَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا لَا يَتَوَقَّفُ بَلْ يَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ) أَيْ إلَى فُلَانٍ الْمُشْتَرَى لَهُ فَيَكُونُ لَهُ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ قَدْ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ وَصَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا سَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى فُلَانٍ الْمُشْتَرَى لَهُ وَأَخَذَهُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بِالْمُعَاطَاةِ فَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِيًا بِالتَّعَاطِي كَمَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ حَتَّى لَزِمَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْمُشْتَرَى لَهُ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ يَكْفِي لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ بِالتَّعَاطِي فِي الْخَسِيسِ وَالنَّفِيسِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَقْدُ الثَّمَنِ لِلْعُرْفِ وَلِوُجُودِ التَّرَاضِي بِهِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي بَابِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩]
قَالَ ﵀: (وَإِنْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَاشْتَرَى لَهُ أَحَدَهُمَا صَحَّ)؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِثَمَنٍ مُقَدَّرٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّرَ لَهُ ثَمَنَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ عَلَى مَا يَجِيءُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَيَكُونُ شِرَاءُ أَحَدِهِمَا حِيلَةً لِتَحْصِيلِهِمَا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالنَّفَاذِ
قَالَ ﵀ (وَبِشِرَائِهِمَا بِأَلْفٍ وَقِيمَتِهِمَا سَوَاءٌ فَاشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِنِصْفِهِ أَوْ أَقَلَّ صَحَّ وَبِالْأَكْثَرِ لَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِمَا بَقِيَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ) أَيْ لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَاشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِنِصْفِ الْأَلْفِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ الشِّرَاءُ وَبِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ لَمْ يَجُزْ يَعْنِي لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الْأَلْفَ بِالْعَبْدَيْنِ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَيَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ دَلَالَةً فَيَكُونُ أَمْرًا بِشِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ ضَرُورَةً فَالشِّرَاءُ بِخَمْسِمِائَةٍ مُوَافَقَةٌ وَبِأَقَلَّ مِنْهَا مُخَالَفَةٌ إلَى خَيْرٍ وَبِأَكْثَرَ مِنْهَا إلَى شَرٍّ فَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الْمُصَرَّحَ بِهِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ قَدْ حَصَلَ وَمَا ثَبَتَ الِانْقِسَامُ إلَّا دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ بِفَوْقِهَا فَلَا تُعْتَبَرُ مَعَهُ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَلْفِ مَا يَشْتَرِي بِمِثْلِهِ الْعَبْدَ الْبَاقِيَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ حَصَلَ مُطْلَقًا بِلَا تَقْدِيرِ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ قَدْرَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَلَكِنَّ غَرَضَهُ تَحْصِيلُ الْعَبْدَيْنِ بِالْأَلْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ قَدْرُ مَا يَشْتَرِي بِمِثْلِهِ الْبَاقِيَ لِيَحْصُلَ غَرَضُهُ
قَالَ ﵀: (وَبِشِرَاءِ هَذَا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَاشْتَرَى صَحَّ، وَلَوْ غَيْرَ عَيْنٍ نَفَذَ عَلَى الْمَأْمُورِ) أَيْ لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ فَوَكَّلَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِذَلِكَ الدَّيْنِ فَاشْتَرَى جَازَ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَاشْتَرَى لَا يَكُونُ لِلْآمِرِ بَلْ يَنْفُذُ عَلَى الْمَأْمُورِ حَتَّى لَوْ مَاتَ عِنْدَ الْمَأْمُورِ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمَأْمُورِ وَالْأَلْفُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَبَضَهُ الْآمِرُ فَهُوَ لَهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا هُوَ لَازِمٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ حَالَ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ) هَكَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ وَالصَّوَابُ حَالَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُ فِيمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَصَرَّحَ الْوَكِيلُ بِشِرَائِهِ لِنَفْسِهِ كَانَ الْمُشْتَرَى لَهُ وَهَكَذَا هُوَ فِي الْهِدَايَةِ وَشَرْحِهَا فَتَأَمَّلْ اهـ قَوْلُهُ فَحِينَئِذٍ لَا يَأْخُذُهُ
(أَيْ وَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَمَرْتُهُ) لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُقِرِّ ارْتَدَّ بِرَدِّ الْمُقِرِّ لَهُ، فَإِذَا عَادَ تَصْدِيقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ لِأَنَّهُ عَادَ حِينَ انْتَفَى الْإِقْرَارُ فَلَمْ يَصِحَّ تَصْدِيقُهُ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ) يَعْنِي لَمَّا انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ بِالتَّعَاطِي كَانَتْ الْعُهْدَةُ لِلْآخِذِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَذَا فَسَّرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ وَفَخْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ ﵀ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ قَالَ: وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا هَذَا الْعَبْدَ فَاشْتَرَاهُ جَازَ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَيْ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَمَرَهُ الَّذِي لَهُ الْمَالُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا هَذَا الْعَبْدَ فَاشْتَرَاهُ قَالَ جَائِزٌ، فَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْآمِرُ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْآمِرُ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي وَالْأَلْفُ عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا هِيَ وَقَالَ يَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ ذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ لِلْآمِرِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إذَا قَبَضَهُ الْمَأْمُورُ إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَبَضَهُ الْآمِرُ فَهُوَ لَهُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْآمِرِ فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ يَقَعُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ابْتِدَاءً
стр. 1224
لِلْآمِرِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ الدَّائِنُ لِلْمَدِينِ أَسْلِمْ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَيْك إلَى فُلَانٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فُلَانًا لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَصْرِفَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَأَصْلُهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ إذَا أُضِيفَ إلَى دَيْنٍ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ أَوْ الْمَبِيعُ مُتَعَيِّنًا وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ كَيْفَمَا كَانَ لَهُمَا أَنَّ النَّقْدَيْنِ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ عَيْنًا كَانَا أَوْ دَيْنًا وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَرَاهِمَ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الشِّرَاءُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ صَارَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ بِهِ سَوَاءً كَمَا فِي غَيْرِ الدَّيْنِ حَتَّى إذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا وَلَمْ يُعَيِّنْ الْأَلْفَ وَلَا الْبَائِعَ وَلَا الْمَبِيعَ جَازَ التَّوْكِيلُ.
فَكَذَا هَذَا فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ بِمَالِي عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ آجَرَ حَمَّامًا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَمَرَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْمَرَمَّةِ مِنْ الْأُجْرَةِ أَوْ آجَرَ دَابَّتَهُ وَأَمَرَ الْمُسْتَأْجِرَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْأُجْرَةِ عَبْدًا يَسُوقُ الدَّابَّةَ وَيُنْفِقُ عَلَى الدَّابَّةِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ أَوْ الْمَبِيعُ مُتَعَيِّنًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ النُّفُوذَ تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ وَلِهَذَا لَوْ قَيَّدَهَا بِالْعَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالدَّيْنِ مِنْهَا ثُمَّ هَلَكَ الْعَيْنُ وَأُسْقِطَ الدَّيْنُ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ فِيهَا كَانَ هَذَا تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِهِ لَهُ ثُمَّ بِقَبْضِهِ لِنَفْسِهِ وَتَوْكِيلُ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ فَكَانَ بَاطِلًا كَمَا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَكُونُ أَمْرًا بِصَرْفِ مَا لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَا إذَا قَالَ أَعْطِ مَا لِي عَلَيْك مَنْ شِئْتَ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَكِيلًا عَنْهُ بِالْقَبْضِ وَهُوَ مَعْلُومٌ فَيَصِحُّ لِتَعَيُّنِهِ فَيَصِيرُ الْبَائِعُ أَوَّلًا قَابِضًا لَهُ ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ وَتَعْيِينُ الْمَبِيعِ تَعْيِينٌ لِلْبَائِعِ فَكَانَ بِهِ مَعْلُومًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَالَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَعْلُومٌ وَلِأَنَّ الْفَقْرَ يَنْتَصِبُ نَائِبًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَقَبَضَ حَقَّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فَيَكُونُ الْفَقِيرُ الَّذِي يَقْبِضُهُ لَهُ مَعْلُومًا فَيَصِحُّ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَمَّامِ وَنَحْوُهَا فَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمَا وَلَئِنْ كَانَ قَوْلَ الْكُلِّ، فَإِنَّمَا جَازَ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَجِدُ الْأُجْرَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَأُقِيمَ الْحَمَّامُ مَقَامَ الْمُؤَجَّرِ فِي الْقَبْضِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّصَادُقِ بِأَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ بَعْد الشِّرَاءِ بِهِ فَلِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْبَيْعِ دَيْنًا كَانَتْ أَوْ عَيْنًا، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِبُطْلَانِ الدَّيْنِ إذْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ فِيهَا وَكَلَامُنَا فِيهَا وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا بَعْدَهُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ وَسِيلَةٌ إلَى الشِّرَاءِ فَتُعْتَبَرُ بِالشِّرَاءِ وَعَزَاهُ إلَى الزِّيَادَاتِ وَالذَّخِيرَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُمَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَالتَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ لَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَجُوزُ فَكَذَا التَّوْكِيلُ بِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْمُعَيَّنِ لِكَوْنِهِ أَمْرًا لَهُ بِالْقَبْضِ ثُمَّ بِالتَّمْلِيكِ لَا تَوْكِيلًا لِلْمَدِينِ بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ لِلْمَجْهُولِ فَكَانَ تَوْكِيلًا لِلْمَدِينِ بِالتَّمْلِيكِ فِي الْإِسْلَامِ وَالشِّرَاءِ وَالصَّرْفِ فَلَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُ نَفَذَ الشِّرَاءُ عَلَى الْمَأْمُورِ حَتَّى إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْقَبْضِ يَهْلَكُ مِنْ مَالِهِ إلَّا إذَا قَبَضَهُ الْآمِرُ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِالتَّعَاطِي فَيَكُونُ لِلْآمِرِ
قَالَ ﵀ (وَبِشِرَاءِ أَمَةٍ) أَيْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ أَمَةٍ (بِأَلْفٍ دَفَعَ إلَيْهِ فَاشْتَرَى فَقَالَ: اشْتَرَيْت بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ تُسَاوِي أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ وَالْآمِرُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقَّ الرُّجُوعِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَالْمَأْمُورُ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بِسَبِيلِ التَّعَاطِي لِأَنَّهُ دَفَعَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ وَبَيْعُ التَّعَاطِي جَائِزٌ عِنْدَنَا بِمَا عَزَّ مِنْ الْأَمْوَالِ أَوْ خَسَّ اهـ (قَوْلُهُ: وَأَصْلُهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَ غَرِيمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِمَا عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَبِيعَ أَوْ الْبَائِعَ جَازَ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَهُمَا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لَهُمَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَفُسُوخِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فَكَمَا لَا يَتَعَيَّنَانِ إذَا كَانَتَا عَيْنًا لَا يَتَعَيَّنَانِ إذَا كَانَتَا دَيْنًا وَلِهَذَا إلَخْ. اهـ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُشْتَرِي) الْمُرَادُ بِالْمُشْتَرِي هُنَا الْوَكِيلُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَنَصُّهُ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ لَهُ لَا يَبْطُلُ الشِّرَاءُ وَوَجَبَ مِثْلُ ذَلِكَ الدَّيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ هَلَكَ الْعَيْنُ) هَكَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ وَهَكَذَا كَانَ فِي نُسْخَةِ الْعَلَّامَةِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ ﵀ ثُمَّ كَشَطَهُ وَكَتَبَ مَكَانَهُ اسْتَهْلَكَ وَكَتَبَ تَحْتَهُ بِخَطِّهِ ﵀ مَا نَصُّهُ أَيْ الْآمِرُ أَوْ الْوَكِيلُ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ بِالِاسْتِهْلَاكِ لَا بِالْهَلَاكِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ اهـ مَا كَتَبَهُ بِخَطِّهِ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ مَا نَصُّهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِالْعَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالدَّيْنِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتَهْلَكَ أَوْ أُسْقِطَ الدَّيْنُ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ إنَّمَا قُيِّدَ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاك لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ هَلَكَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسَلَّمَةُ إلَى الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ
فَأَقُولُ كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَيَّدَ بِالِاسْتِهْلَاكِ حَتَّى لَا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ الْمُسَلَّمَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ الدَّرَاهِمَ فَيَقُومُ مِثْلُهَا مَقَامَهَا فَيَصِيرُ كَأَنَّ عَيْنَهَا بَاقِيَةٌ فَقَالَ بِالِاسْتِهْلَاكِ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ كَمَا فِي الْهَلَاكِ لِتَعَيُّنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ كَمَا فِي هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا إذَا قَالَ أَعْطِ مَالِي عَلَيْك مَنْ شِئْت) أَيْ أَوْ أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَعْطِ مَالِي عِنْدَك مِنْ الْعَيْنِ مَنْ شِئْت أَوْ أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ كَانَ التَّوْكِيلُ صَحِيحًا لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَمْلِكُهُ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَبَضَ حَقَّهُ) هَكَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ وَعِبَارَةُ الْكَافِي وَغَيْرِهِ فِي قَبْضِ حَقِّهِ اهـ (قَوْلُهُ: الْأُجْرَةُ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ الْأَجْرُ. اهـ.
стр. 1225
قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ لَا تَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَهُ إذْ الْأَمْرُ تَنَاوَلَ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا فَيَنْفُذُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَلِأَنَّ فِيهِ غَبْنًا فَاحِشًا فَلَا يَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُخَالِفَ الْآمِرَ وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَلْفٍ أَوْ بِخَمْسِمِائَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ قَالَ ﵀: (وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ فَلِلْآمِرِ) أَيْ إنْ لَمْ يَدْفَعْ الْآمِرُ الْأَلْفَ إلَى الْمَأْمُورِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ الْقَوْلُ لِلْآمِرِ وَتَلْزَمُ الْأَمَةُ الْمَأْمُورَ وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْأَمَةِ خَمْسَمِائَةٍ فَظَاهِرٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ وَالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يَتَخَالَفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ مَا يَجِبُ لِلْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَقَدْ جَرَى بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ ثُمَّ إذَا حَلَفَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَتَلْزَمُ الْجَارِيَةُ الْمَأْمُورَ لِانْتِقَاضِ مِلْكِ الْآمِرِ بِالْفَسْخِ
قَالَ ﵀ (وَبِشِرَاءِ هَذَا) أَيْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ هَذَا الْعَبْدِ (وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا) فَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْته بِأَلْفٍ بِالْفَسْخِ قَالَ ﵀ (وَبِشِرَاءِ هَذَا) أَيْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ هَذَا الْعَبْدِ (وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْته بِأَلْفٍ وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ وَقَالَ الْآمِرُ بِنِصْفِهِ) وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ (تَحَالَفَا)؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَلَيْسَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى التَّحَالُفِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَقِيلَ لَا يَتَحَالَفَانِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ يَرْتَفِعُ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ إذْ هُوَ حَاضِرٌ فَيُجْعَلُ تَصَادُقُهُمَا بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ الْعَقْدِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ غَائِبٌ فَاعْتُبِرَ الِاخْتِلَافُ وَإِلَى هَذَا مَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَهُوَ أَصَحُّ وَمَالَ أَبُو مَنْصُورٍ إلَى الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَوْلُ الْبَائِعِ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ إنْ اسْتَوْفَى الثَّمَنَ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْآمِرِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ وَقَالَ فِي الْكَافِي هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ قَالُوا وَمُرَادُهُ التَّحَالُفُ لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ يَمِينِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الْمُدَّعِي وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا فِي صُورَةِ التَّحَالُفِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ بِالتَّحَالُفِ يَمِينَ الْمُدَّعِي دُونَ الْمُنْكِرِ إذْ ذَاكَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْمُوَكِّلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ مُنْكِرٌ وَلَوْلَا مُرَادُهُ التَّحَالُفَ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْآمِرِ لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا فَكَانَ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِمَا ادَّعَى مِنْ الثَّمَنِ إذَا حَلَفَ وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينَ الْمَأْمُورِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ ﵏ إلَّا أَنَّ فِيهِ إشْكَالًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَكِنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: إنَّ الْقَوْلَ لِلْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ يُصَدَّقُ فِيمَا قَالَ وَفِي التَّحَالُفِ لَا يُصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ التَّحَالُفَ لَمَا قَالَ ذَلِكَ وَهَذَا فِيمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لَهُ بِأَلْفٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَقَالَ الْآمِرُ: أَمَرْتُك أَنْ تَشْتَرِيَهُ لِي بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ أَمَرْتَنِي بِالشِّرَاءِ بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَيَلْزَمُ الْعَبْدُ الْمَأْمُورَ لِمُخَالَفَتِهِ، فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا
قَالَ ﵀ (وَبِشِرَاءِ نَفْسِ الْآمِرِ مِنْ سَيِّدِهِ بِأَلْفٍ وَدَفَعَ فَقَالَ لِسَيِّدِهِ اشْتَرَيْته لِنَفْسِهِ فَبَاعَهُ عَلَى هَذَا عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْته فَالْعَبْدُ لِلْمُشْتَرِي وَالْأَلْفُ لِسَيِّدِهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفٌ مِثْلُهُ) أَيْ لَوْ وَكَّلَ الْعَبْدُ رَجُلًا بِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ بِأَلْفٍ وَالْآمِرُ هُوَ الْعَبْدُ وَدَفَعَ الْأَلْفَ إلَى الْوَكِيلِ فَقَالَ الْوَكِيلُ لِسَيِّدِهِ وَقْتَ الشِّرَاءِ أَنَا أَشْتَرِي عَبْدَك لِنَفْسِهِ فَبَاعَهُ عَلَى هَذَا عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ: اشْتَرَيْته وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِ الْعَبْدِ كَانَ الْعَبْدُ مِلْكًا لِلْوَكِيلِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَالْأَلْفُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَدَفَعَهُ إلَى الْمَوْلَى كَانَ لِلْمَوْلَى فِيهِمَا مَجَّانًا وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْمُعْتَقِ الْأَلْفُ وَأَصْلُهُ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ، وَشِرَاءَ الْعَبْدِ نَفْسَهُ قَبُولُ الْإِعْتَاقِ بِبَدَلٍ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بَيْعًا حَقِيقَةً غَيْرُ مُمْكِنٍ إمَّا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمِلْكِ أَوْ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ فَجُعِلَ مَجَازًا عَنْ الْإِعْتَاقِ لِوُجُودِ إزَالَةِ الْمِلْكِ فِيهِ كَالْبَيْعِ.
فَإِذَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ لِلْعَبْدِ صَارَ الْبَائِعُ مُعْتِقًا فَيَلْزَمُهُ الْوَلَاءُ وَالْوَكِيلُ بِالْقَبُولِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ عَنْهُ فَلَا تَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَيْهِ وَإِذَا أَطْلَقَ الْوَكِيلُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْمَوْلَى أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِ الْعَبْدِ يَقَعُ الْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ لِلْبَيْعِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى الْعِتْقِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمَوْلَى وَلَعَلَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ لُزُومِ وَلَائِهِ وَعَقْلِ جِنَايَتِهِ فَلَا يَكُونُ الشِّرَاءُ لِلْعَبْدِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ الْعَبْدِ حَيْثُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُوَكِّلِ بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمَوْلَى أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِمُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ فِيهِ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَإِنْ كَانَتْ تُسَاوِي أَلْفًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ أَيْضًا قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَتَحَالَفَانِ فِيهِ وَتَلْزَمُ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْكِتَابِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَقَالَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا أَوْ أَقَلَّ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَأْمُورِ إذَا كَانَتْ تُسَاوِي أَلْفًا لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِأَلْفٍ فَقَدْ وَافَقَ الْآمِرُ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يَتَحَالَفَانِ) أَيْ وَيَلْزَمُ الْعَبْدَ الْآمِرُ اهـ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَهُوَ أَصَحُّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ قَوْلَ أَبِي مَنْصُورٍ وَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ أَبِي جَعْفَرٍ أَصَحَّ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَاضِي خَانْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّصْحِيحِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ ك (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْآمِرِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ بَقِيَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَهُوَ الْوَكِيلُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي وَهُوَ الْمُوَكِّلُ فَوَجَبَ التَّحَالُفُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ اشْتَرَيْته. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى الْمُعْتَقِ) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ وَبِشِرَاءِ نَفْسِ الْآمِرِ مِنْ سَيِّدِهِ إلَخْ. اهـ.
стр. 1226
لَهُ أَوْ لِمُوَكِّلِهِ إذْ الْكُلُّ بَيْعٌ وَالْوَكِيلُ أَصِيلٌ فِيهِ فِي الْحَالَيْنِ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُقُوقُ فِي الْحَالَيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ وَهُنَا أَحَدُهُمَا إعْتَاقٌ مُعْقِبُ لِلْوَلَاءِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ بِالْوَكِيلِ وَالْآخَرُ بَيْعٌ وَأَحْكَامُهُ خِلَافُ الْعِتْقِ فَلَا يَدُلُّ رِضَاهُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الرِّضَا بِالْآخِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ، فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ وَالْأَلْفُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْعَبْدِ إذَا عَتَقَ أَلْفٌ مِثْلُهَا ثَمَنًا أَوْ بَدَلَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ بَطَلَ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَوْلَى مَا أَدَّاهُ بِجِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ كَسَبَ عَبْدَهُ فَكَانَ مِلْكًا لَهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَقَبْلَ الْعِتْقِ فَلَا يَصْلُحُ مِلْكُهُ بَدَلًا عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ يَرْجِعُ الْمَوْلَى بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ وَالْمَالِكُ لِلْعَبْدِ فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَيْهِ، وَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ يَشْتَرِي لِلْعَبْدِ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْعِتْقِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ وَالْمَالُ عَلَى الْعَبْدِ دُونَ الْوَكِيلِ وَذَكَرَ فِي وَكَالَةِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَفِي وَكَالَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْعَبْدَ يُعْتَقَ وَالْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَهُ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ لِلْعَبْدِ كَتَوْكِيلِهِ بِشِرَائِهِ لِغَيْرِهِ فَيُطَالَبُ بِبَدَلِهِ الْوَكِيلُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ وَكِيلَ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ وَلَفْظُ الْبَيْعِ يَكُونُ مَجَازًا عَنْ الْعِتْقِ لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْبَيْعِ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْعَبْدِ الْآمِرِ لَهُ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ حُقُوقُهُ فَيُطَالَبُ الْآمِرُ كَمَا إذَا كَانَ الْآمِرُ بِبَيْعِ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْ الْعَبْدِ هُوَ الْمَوْلَى حَيْثُ يَكُونُ الطَّلَبُ بِالْبَدَلِ إلَى الْمَوْلَى دُونَ الْوَكِيلِ لِمَا قُلْنَا
قَالَ ﵀: (وَإِنْ قَالَ لِعَبْدٍ اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاك فَقَالَ لِلْمَوْلَى بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ فَفَعَلَ فَهُوَ لِلْآمِرِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ عَتَقَ) أَيْ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدٍ: اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاك فَقَالَ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ فَبَاعَهُ الْمَوْلَى عَلَى هَذَا الشَّرْطِ كَانَ الْعَبْدُ مِلْكًا لِلْآمِرِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْعَبْدَ بِأَنْ قَالَ بِعْنِي وَلَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ عَتَقَ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَصْلُحُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الشِّرَاءِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، وَالْعَبْدُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ نَفْسِهِ فِي حُكْمِ الْمَالِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْلِكُ حَبْسَ الْعَبْدِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْبَدَلَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْمُودَعِ إذَا اشْتَرَى الْوَدِيعَةَ لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِوُجُودِ الْقَبْضِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْمُوَكِّلِ كَانَ مِلْكًا لِلْمُوَكِّلِ.
وَإِذَا أَضَافَ الشِّرَاءَ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ بِعْنِي نَفْسِي لِنَفْسِي عَتَقَ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يُقَالُ إنَّ الْعَبْدَ وَكِيلٌ بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ أَتَى بِجِنْسٍ آخَرَ مِنْ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ وَشِرَاؤُهُ قَبُولُ الْعِتْقِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ يَنْفُذُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ بِعْنِي نَفْسِي وَلَمْ يَقُلْ لِي وَلَا لِفُلَانٍ عَتَقَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَقَعُ امْتِثَالًا بِالشَّكِّ فَيَبْقَى التَّصَرُّفُ وَاقِعًا لِنَفْسِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْبَيْعَ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَالْعِتْقَ مَجَازٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ التَّرَدُّدِ إذْ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ الْأَصْلُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَصْلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ فَتَعَارَضَ الْأَصْلَانِ فَتَسَاقَطَا فَيَرْجِعُ إلَى غَرَضِ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ التَّصَرُّفَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَوْلَى يُرِيدُ الْإِعْتَاقَ إذْ بَيْعُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا إعْتَاقٌ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى إضَافَتِهِ إلَى الْعَبْدِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَلَا يَرْضَى بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ لَا إلَى الْحُرِّيَّةِ لِيَثْبُتَ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ ثُمَّ الثَّمَنُ هُنَا يَكُونُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ فِي الْوَجْهَيْنِ دُونَ ذِمَّةِ الْآمِرِ أَمَّا إذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ لَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ لِلْآمِرِ فَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ فَتَرْجِعُ إلَيْهِ الْحُقُوقُ فَيُطَالَبُ بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعُ هُوَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ وَلَا يُقَالُ الْعَبْدُ هُنَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَالْوَكِيلُ إذَا كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَا تَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ زَالَ الْحَجْرُ هُنَا بِالْعَقْدِ الَّذِي بَاشَرَهُ مُقْتَرِنًا بِإِذْنِ الْمَوْلَى ثُمَّ إذَا كَانَ الشِّرَاءُ لِلْآمِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَلَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَإِنْ وَقَعَ لِلْعَبْدِ يُكْتَفَى بِقَوْلِ الْمَوْلَى بِعْتُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَبُولِ الْعَبْدِ بَعْدَ قَوْلِهِ بِعْنِي نَفْسِي؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ فَيَسْتَبِدُّ بِهِ الْمَوْلَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي الْعِتْقِ كَالنِّكَاحِ وَلَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ
(فَصْلٌ) قَالَ ﵀: (الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَعْقِدُ مَعَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ) وَذَلِكَ مِثْلُ قَرَابَةِ الْوِلَادِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِوُجُودِ الْقَبْضِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ) يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً فَبَاعَهُ يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَضْمُونِ لَا يَنُوبُ عَنْ الْمَضْمُونِ. اهـ.
[فَصْلٌ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَعْقِدُ مَعَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ]
(فَصْلٌ) هَذَا الْفَصْلُ عَقَدَهُ لِلْبَيْعِ وَذَكَرَهُ بَعْدَ فَصْلِ الشِّرَاءِ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ تَسْتَدْعِي سَابِقَةَ الْإِثْبَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ مِثْلُ قَرَابَةِ الْوِلَادِ) كَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ اهـ
стр. 1227
وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَعَبِيدِهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إلَّا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ مُتَبَايِنَةٌ وَالْمَنَافِعَ مُنْقَطِعَةٌ فَصَارَ كَالْمُضَارِبِ بِخِلَافِ عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ مِلْكِهِ لَهُ وَلَهُ فِي مَالِ مُكَاتَبِهِ حَقٌّ وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةً بِالْعَجْزِ فَيَكُونُ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ تَمَكَّنَتْ شُبْهَتُهُ وَبِخِلَافِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ مَوَاضِعَ التُّهَمِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ الْوَكَالَاتِ وَهَذِهِ مَوَاضِعُهَا؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ فَصَارَ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَجُوزُ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ وَتَبَايُنُ الْأَمْلَاكِ لَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ كَالْمُتَصَرِّفِ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَا يَمْلِكُ نَهْيَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَمَا صَارَ الْمَالُ عُرُوضًا وَأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي الرِّبْحِ فَلَا يَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِي الْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَبِيعُ مَالَ نَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ هُوَ كَالْوَكِيلِ فَجَوَّزُوا فِيهِمَا الْبَيْعَ لَهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَعَلَى هَذَا لَنَا أَنْ نَمْنَعَ قَالُوا هَذَا إذَا لَمْ يُطْلِقْ لَهُ الْمُوَكِّلُ، وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ لَهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ بِعْ مِمَّنْ شِئْتَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ لَهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ إنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الْوَكَالَةِ وَالْبُيُوعِ لَا يَجُوزُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُضَارَبَةِ يَجُوزُ وَبَيْعُ الْمُضَارِبِ وَشِرَاؤُهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ يَجُوزُ هُنَا عِنْدَهُ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَفِي الْوَكِيلِ رِوَايَتَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ عَلَى إحْدَاهُمَا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَنَحْوُهَا
قَالَ ﵀ (وَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِمَا قَلَّ وَكَثُرَ بِالْعَرَضِ وَالنَّسِيئَةِ) يَعْنِي الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إلَخْ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ حَالَّةً أَوْ إلَى أَجَلٍ مُتَعَارَفٍ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْوَكَالَةِ يَتَقَيَّدُ بِالتَّعَارُفِ وَالتَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَيَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَعَبِيدُهُ) أَيْ وَمُكَاتَبُهُ وَمُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ) وَتَخْصِيصُ قَوْلِهِمَا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَائِدَةٌ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مُلْحَقٌ بِالْقِيمَةِ وَسَيَأْتِي هُنَا عَنْ النِّهَايَةِ مِثْلُ ذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ مُتَبَايِنَةٌ) أَلَا تَرَى أَنَّ لِلِابْنِ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ مُتَبَايِنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ وَطْءَ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ أَبِيهِ فَلَمَّا تَبَايَنَ الْمِلْكُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ كَانَ عَقْدُهُ مَعَهُمْ بَيْعًا وَشِرَاءً كَالْعَقْدِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ.
وَلِهَذَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَكِيلِ شَيْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ أَصْلًا فَكَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكُ مَوْلَاهُ وَالْبَيْعُ مِنْهُ كَالْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ فَلَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِهِ وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ مِنْ مُكَاتَبِهِ لِأَنَّ الرِّقَّ بَاقٍ فِي الْمُكَاتَبِ فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِهِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ وَالْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْحَاشِيَةِ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ كَمَا هُنَا لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ فَبَيْعُهُ مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَجُوزُ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ لِأَنَّ مِلْكَ مِلْكِهِ لَهُ وَلَهُ فِي مَالِ مُكَاتَبِهِ حَقٌّ) قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ وَلَا بَيْعُهُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ الْوَكِيلُ مِنْ ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ لَمْ يَجُزْ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ بَاعَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ بَاعَهُ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَإِنْ عَلَوَا أَوْ بَاعَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَإِنْ سَفَلُوا أَوْ بَاعَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ الزَّوْجَةِ إذَا بَاعَتْهُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَلَوْ أَمَرَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَجَازَ لَهُ مَا صَنَعَ فَبَيْعُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ مِنْ عَبْدِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ. إلَى هُنَا لَفْظُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(فَرْعٌ) ثُمَّ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَنَا وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ إذَا لَمْ يُجَبْ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ وَقُلْنَا لَوْ جَازَ يُؤَدِّي إلَى التَّضَادِّ فِي الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَزِيدًا وَمُسْتَنْقِصًا أَيْضًا وَمُخَاصِمًا فِي الْعَيْبِ وَمُخَاصِمًا وَفِيهِ مِنْ التَّضَادِّ مَا لَا يَخْفَى وَلَوْ قَالَ لَهُ بِعْ مِنْ نَفْسِك أَوْ اشْتَرِ مِنْ نَفْسِك لَمْ يَجُزْ أَيْضًا كَذَا فِي شَرْحِ الْكَافِي اهـ مِنْ خَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَتَبَايُنُ الْأَمْلَاكِ إلَخْ) أَيْ قَدْرُ ذَلِكَ التَّبَايُنِ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلِمَنَا أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ اهـ كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَجَوَّزُوا) أَيْ فَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ لِلْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ الْبَيْعَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْفَرْقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ) أَيْ أَوْ الدَّنَانِيرِ اهـ وَقَالَ فِي الْأَسْرَارِ رَوَى الْحَسَنُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَنُقْصَانٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِهِمَا كَذَا فِي الْمُخْتَلِفِ وَشَرْحِ الْأَقْطَعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (فَرْعٌ) لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِعِتْقِ عَبْدِهِ غَدًا أَوْ بَيْعِهِ غَدًا فَعَتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ بَعْدَ غَدٍ جَازَ خِلَافًا لِزُفَرَ ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَقَدْ نَقَلْتُ عِبَارَتَهُ قُبَيْلَ بَابِ الْهَدْيِ فَارْجِعْ إلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مُطْلَقَ الْوَكَالَةِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ) قَالَ فِي التَّتِمَّةِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ
стр. 1228
بِهَا بِمَوَاقِعِهَا، وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِالنُّقُودِ حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَيْعُ مَا يُسَاوِي أَلْفًا بِعَشْرَةٍ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فَيَتَقَيَّدُ بِالْمُعْتَادِ وَلِهَذَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْفَحَمِ وَالْجَمَدِ بِأَيَّامِ الْحَاجَةِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ هِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا لَوْ صَدَرَ مِنْ الْمَرِيضِ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْعُ بِالْعَرَضِ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَمْ يُوَكِّلْهُ بِهِ وَلَا بِالْهِبَةِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ هُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَقْدٍ أَوْ بِقِيمَةٍ وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ أَوْ بِالْعَرَضِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: بِعْهُ وَاقْضِ بِهِ دَيْنِي أَوْ لِلنَّفَقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ وَالتَّضَجُّرِ مِنْ الْعَرَضِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْعًا فِي الْعُرْفِ وَلَا فِي الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَبِيعَ يَحْنَثُ بِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْكُلَّ بِالشُّفْعَةِ وَالْيَمِينُ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ كَالْوَكَالَةِ وَلَا شُفْعَةَ فِي الْهِبَةِ، وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَلَا الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ وَلَا نَظَرَ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ فِي مَرَضِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ إبْطَالُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مُتَّهَمٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَلَمَّا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً نَسَبَهَا إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ فَلَا يُتَّهَمُ وَالْمَسَائِلُ الْمُسْتَشْهَدُ بِهَا مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبِيعُ مَالَهُ وَيَشْتَرِي مَالَ الْآخَرِ وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ لِعَدَمِ احْتِمَالِ الشِّرَاء لِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِلْمُوَكِّلِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمُخَالَفَةِ فِيهِ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ فَكَانَتْ التُّهْمَةُ فِيهِ بَاقِيَةً وَالْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ إذَا زَوَّجَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ
قَالَ ﵀ (وَتَقَيَّدَ شِرَاؤُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسِ فِيهَا وَهُوَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ) أَيْ تَقَيَّدَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ شِرَاؤُهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَفَرْقٌ آخَرُ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْبَيْعِ يُلَاقِي مِلْكَ نَفْسِهِ وَفِي الشِّرَاءِ مِلْكُ غَيْرِهِ وَلَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ فَاعْتُبِرَ إطْلَاقُهُ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ وَبِمِثْلِ الْقِيمَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْمُطْلَقِ إذَا بَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ قِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ لِحَاجَتِهِ إلَى النَّفَقَةِ أَوْ قَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ وَنَقَلَهُ عَنْ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ ثُمَّ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ وَذَكَرَ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ شَرْحِ بُيُوعِ الْكَافِي أَنَّ الْوَكِيلَ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالنَّسِيئَةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ثُمَّ قِيلَ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀ (قَوْلُهُ: مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ) وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُوَكِّلِ وَإِقْدَامُ الْوَكِيلِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تُهْمَةٍ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ الْحَاجَةِ. اهـ. غَايَةٌ وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ مُتَعَارَفٌ مَا نَصُّهُ فَالْعُرْفُ مُشْتَرَكٌ. اهـ. كَافِيٌّ وَكَتَبَ أَيْضًا: فَإِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذَا بَيْعٌ رَابِحٌ وَذَاكَ بَيْعٌ خَاسِرٌ وَذَاكَ بَيْعٌ عَدْلٌ فَلَوْلَا أَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ يَكُونُ بَيْعًا لَمْ يَصِحَّ إطْلَاقُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَحِقُّ الْكُلَّ بِالشُّفْعَةِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَالْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمَا مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ إلَّا وَيُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْكُلَّ بِالشُّفْعَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَأَمَّا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الشِّرَاءُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمَّا رَأَى فِيهِ الْخُسْرَانَ أَلْحَقَهُ بِالْآمِرِ حَتَّى لَوْ انْتَفَتْ التُّهْمَةُ بِأَنْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ جَازَ شِرَاؤُهُ عَلَى الْآمِرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ اهـ فَقَوْلُهُ حَتَّى لَوْ انْتَفَتْ التُّهْمَةُ إلَخْ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الشَّارِحِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَمَّا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً نَسَبَهَا إلَيْهِ) نَقَلَ فِي التَّتِمَّةِ وَالْفَتَاوَى الصُّغْرَى عَنْ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ أَنَّ تَقْيِيدَ التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْجَمَدِ وَالْفَحْمِ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ الْإِطْلَاقُ يَعْنِي لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانِ الْأُضْحِيَّةِ وَالصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَالْمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّوْكِيلَ يَتَقَيَّدُ فَنَقُولُ إنَّمَا يُقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ لَا بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ شِرَاءِ الْفَحْمِ دَفْعُ ضَرَرِ الْبَرْدِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالشِّتَاءِ، وَالْغَرَضُ مِنْ شِرَاءِ الْجَمَدِ دَفْعُ ضَرَرِ الْحَرِّ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالصَّيْفِ حَتَّى لَوْ انْعَدَمَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ بِأَنْ وُجِدَ التَّوْكِيلُ مِمَّنْ يَعْتَادُ تَرَبُّصَ الْفَحْمِ كَالْحَدَّادِينَ وَغَيْرِهِمْ أَوْ تَرَبُّصَ الْجَمَدِ كَالْفَقَّاعِينَ وَغَيْرِهِمْ لَا يَتَقَيَّدُ كَذَا قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ تُقَيَّدُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ بِالْغَرَضِ لَا بِالْعَادَةِ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُوَكِّلِ خُرُوجُهُ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي أَيَّامِ تِلْكَ السَّنَةِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ وَالْمَسَائِلُ) أَرَادَ بِهَا مَسَائِلَ شِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجَمَدِ وَالْأُضْحِيَّةِ اهـ (قَوْلُهُ: وَالْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَخْ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا وَثَمَنًا وَيَفْتَرِقُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْآخَرِ بِدُخُولِ حَرْفِ الْبَاءِ الَّتِي تَصْحَبُ الْأَثْمَانَ فَعَلَى أَيِّهِمَا دَخَلَ الْبَاءُ يُجْعَلُ ذَلِكَ ثَمَنًا وَالْآخَرُ مَبِيعًا، فَإِذَا كَانَ بَيْعُ الْمُقَايَضَةِ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ تَنَاوَلَهُ مُطْلَقُ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ
стр. 1229
فَيَتَقَيَّدُ بِهَا وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْإِطْلَاقِ فِي الشِّرَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ لَاشْتَرَاهُ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ وَبِزِيَادَةٍ فَيَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ إطْلَاقِ الْآمِرِ فِيهِ فَافْتَرَقَا وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدَيْنِ وَقَالَ زُفَرُ ﵀ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهُ بِهِ يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إذْ الْمَوْصُوفُ مِنْهُ ثَمَنٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا ثُمَّ قَدَّرَ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ هُنَا بِمَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ وَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فَيُعْذَرُ فِيمَا يَشْتَبِهُ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا يُعْذَرُ فِيمَا لَا يَشْتَبِهُ لِفُحْشِهِ وَلِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً إلَّا عَمْدًا وَقِيلَ حَدُّ الْفَاحِشِ فِي الْعُرُوضِ نِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ وَفِي الْحَيَوَانِ عُشْرُ الْقِيمَةِ وَفِي الْعَقَارِ خُمُسُ الْقِيمَةِ وَفِي الدَّرَاهِمِ رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ يَحْصُلُ لِقِلَّةِ الْمُمَارَسَةِ فِي التَّصَرُّفِ فَكُلَّمَا كَانَتْ الْمُمَارَسَةُ فِيهِ أَقَلَّ كَانَ الْغَبْنُ فِيهِ أَكْثَرَ فَيُعْفَى عَنْ التَّفَاوُتِ بِحَسَبِ الْمُمَارَسَةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَفِي النِّهَايَةِ جَعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مَعْفُوًّا وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَقِيلَ لَا يَتَحَمَّلُ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ أَيْضًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ سِعْرُهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَوْزِ وَالْجُبْنِ لَا يُعْفَى فِيهِ الْغَبْنُ، وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ كَانَ فَلْسًا وَاحِدًا
قَالَ ﵀ (وَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ صَحَّ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِاجْتِمَاعِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا مُجْتَمِعًا وَمُتَفَرِّقًا فَصَارَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ كُلَّهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ جَازَ عِنْدَهُ فَبِنِصْفِهِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرَ الشَّرِكَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَادٍ أَوْ هُوَ عَيْبٌ وَيُنْتَقَصُ بِهِ الْقِيمَةُ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا؛ لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ جُمْلَةً فَيَحْتَاجُ إلَى التَّفْرِيقِ فَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِبَيْعِ الْبَاقِي بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ وَلَا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ. قُلْنَا: ضَرَرُ الشَّرِكَةِ أَهْوَنُ مِنْ ضَرَرِ بَيْعِ الْكُلِّ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀
قَالَ ﵀ (وَفِي الشِّرَاءِ يَتَوَقَّفُ مَا لَمْ يَشْتَرِ الْبَاقِيَ) أَيْ فِي الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَى نِصْفَهُ يَتَوَقَّفُ شِرَاؤُهُ، فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا لَزِمَ الْمُوَكِّلَ وَإِلَّا لَزِمَ الْوَكِيلَ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الْإِمْسَاكِ بِأَنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شِرَاءِ كُلِّهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ شِقْصًا فَشِقْصًا حَتَّى يَشْتَرِيَ الْكُلَّ، فَإِذَا اشْتَرَى الْكُلَّ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ الشِّرَاءَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
لِعُمُومِ الْأَمْرِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَفِي النِّهَايَةِ جَعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مَعْفُوًّا) وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْمَجْمَعِ فَقَالَ: وَيَجُوزُ لِلْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ الْعَقْدُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهَا كَنِصْفِ دِرْهَمٍ فِي عَشَرَةٍ فِي الْعُرُوضِ وَدِرْهَمٍ فِي الْحَيَوَانِ وَدِرْهَمَيْنِ فِي الْعَقَارِ قَالَ شَارِحُهُ هَذَا بَيَانٌ لِلْغَبْنِ الْيَسِيرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَاَلَّذِي لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ دَهٍ نُيَمّ وَفِي الْحَيَوَانِ دَهٍ يازده وَفِي الْعَقَارِ دَهٍ دوايزده لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الْأَوَّلِ وَيَقِلُّ فِي الْأَخِيرِ وَيَتَوَسَّطُ فِي الْأَوْسَطِ وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ هَذَا كُلُّهُ إلَخْ) أَيْ جَوَازُ عَقْدِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا اهـ وَقَوْلُهُ هَذَا كُلُّهُ نَقَلَهُ الْأَتْقَانِيُّ عَنْ الْإِمَامِ خُوَاهَرْزَادَهْ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ فِي بُيُوعِ التَّتِمَّةِ وَبِهِ يُفْتِي. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ) أَيْ أَوْ جُزْءًا مَعْلُومًا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَيَجُوزُ مُجْتَمِعًا وَمُتَفَرِّقًا) سَوَاءٌ بَاعَ الْبَاقِيَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَبِعْ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ كُلَّهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ جَازَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِمَا قَلَّ وَكَثُرَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا) أَيْ فَهُمَا جَعَلَاهُ كَالشِّرَاءِ وَهُوَ فَرْقُ بَيْنَهُمَا. اهـ. غَايَةٌ وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَهُمَا اسْتِحْسَانًا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الْعُمُومَ وَالْإِطْلَاقَ فِي التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَأَمَّا فِي التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَيَعْتَبِرُ الْمُتَعَارَفَ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ وَلَا تُهْمَةَ وَعِنْدَهُمَا كِلَاهُمَا سَوَاءٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَفِي الشِّرَاءِ يَتَوَقَّفُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ قُلْت فِيهِ خِلَافَ زُفَرَ وَالثَّلَاثَةُ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَنْفُذُ الْبَيْعُ إلَّا فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: فَإِنْ ابْتَاعَ الْبَاقِيَ مِنْهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ لَزِمَ الْآمِرَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ دُونَ الْآمِرِ وَلَوْ اخْتَصَمَ الْوَكِيلُ مَعَ الْمُوَكِّلِ إلَى الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيلُ الْبَاقِيَ وَأَلْزَمَ الْقَاضِي الْوَكِيلَ ثُمَّ إنَّ الْوَكِيلَ اشْتَرَى الْبَاقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِي تَبْعِيضِهَا مَضَرَّةٌ وَيَكُونُ التَّشْقِيصُ فِيهِ عَيْبًا كَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءٍ لَيْسَ فِي تَبْعِيضِهِ مَضَرَّةٌ وَلَا يَكُونُ التَّبْعِيضُ فِيهِ عَيْبًا فَاشْتَرَى بَعْضَهُ لَزِمَ الْآمِرَ نَحْوُ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِشِرَاءِ كُرٍّ مِنْ حِنْطَةٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَى نِصْفَ الْكُرِّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَزِمَ الْآمِرَ وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ فَاشْتَرَى لَهُ أَحَدَهُمَا لَزِمَ الْآمِرَ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعَدَدِيِّ فَاشْتَرَى وَاحِدًا مِنْهَا لَزِمَ الْآمِرَ اهـ
стр. 1230
لَمْ يَشْتَرِ حَتَّى رَدَّ الشِّرَاءَ نَفَذَ عَلَى الْمَأْمُورِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِبَيْعِ الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَالْفَرْقُ لَهُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشِّرَاءَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ التُّهْمَةُ دُونَ الْبَيْعِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ يُصَادِفُ مِلْكَهُ فَيَصِحُّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ إطْلَاقُهُ وَالْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى شِرَاءِ الْبَاقِي وَلَا يُقَالُ: إنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتَوَقَّفُ بَلْ يَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَبِكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا لَا يَتَوَقَّفُ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْعَاقِدِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْ فَيَتَوَقَّفُ كَشِرَاءِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمَا لِغَيْرِهِمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ مَنْ اُشْتُرِيَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا عَلَى الْمُشْتَرِي فَكَذَا هُنَا شِرَاءُ النِّصْفِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ لِعَدَمِ النَّفَاذِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُخَالِفًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ أَمْرَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَقُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ.
فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ الْآمِرَ وَإِلَّا لَزِمَ الْمَأْمُورَ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَلَوْ أَعْتَقَهُ الْآمِرُ فِي زَمَنِ التَّوَقُّفِ نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمَأْمُورِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخِلَافَ يُتَوَهَّمُ رَفْعُهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ فَقَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بَقِيَ مُخَالِفًا، فَإِذَا أَعْتَقَهُ الْآمِرُ لَمْ يَنْفُذْ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّ الْعَقْدَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ صَرِيحًا نَفَذَ عَلَيْهِ، وَالْإِعْتَاقُ إجَازَةٌ مِنْهُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْفُذُ إعْتَاقُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَنَاوَلَتْ مَحِلًّا بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْوَكِيلُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى إجَازَتِهِ فَلَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ
قَالَ ﵀ (وَلَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْعَيْبِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ رَدَّهُ عَلَى الْآمِرِ وَكَذَا بِإِقْرَارٍ فِيمَا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ)؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ وَالْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ لِعَدَمِ مُمَارَسَتِهِ الْمَبِيعَ فَلَزِمَ الْآمِرَ وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَعْلَمُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى الْإِقْرَارِ وَلَا إلَى الْبَيِّنَةِ وَالنُّكُولِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَيْبَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ حَادِثًا كَالسِّنِّ الزَّائِدَةِ وَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ أَوْ يَكُونَ حَادِثًا لَكِنَّهُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ يَحْدُثُ فِي مِثْلِهَا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَادِثٍ رَدَّهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ أَوْ إقْرَارٍ وَكَذَا إذَا كَانَ حَادِثًا لَكِنَّهُ لَا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ رَدَّهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا نُكُولٍ وَلَا إقْرَارٍ لِعِلْمِهِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِ الْبَيِّنَةِ أَوْ النُّكُولِ أَوْ الْإِقْرَارِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحَالَ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَى الْقَاضِي بِأَنْ لَا يَعْرِفَ تَارِيخَ الْبَيْعِ فَاحْتَاجَ إلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ لِيَظْهَرَ التَّارِيخُ أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَطِبَّاءُ أَوْ النِّسَاءُ وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ لَا فِي الرَّدِّ فَيَفْتَقِرُ إلَيْهَا لِلرَّدِّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاضِي عَايَنَ الْبَيْعَ وَكَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ كَانَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَكَذَا النُّكُولُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا رَدُّ الْقَاضِي عَلَى الْوَكِيلِ يَكُونُ رَدًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ.
وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ فِي هَذَا النَّوْعِ بِإِقْرَارٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا يَكُونُ رَدًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ فَلَا يَتَعَدَّى بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ فَيَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةِ أَوْ بِنُكُولِهِ، وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِرِضَاهُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ إقَالَةٌ وَهِيَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ وَالْمُوَكِّلُ ثَالِثُهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِقَضَاءِ قَاضٍ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ حَصَلَ بِالْقَضَاءِ فَكَانَ مُكْرَهًا فَانْعَدَمَ التَّرَاضِي وَهُوَ شَرْطٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ فَجُعِلَ فَسْخًا فِي حَقِّ الْكُلِّ وَلَكِنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى دَلِيلٍ قَاصِرٍ وَهُوَ الْإِقْرَارُ فَعَمِلْنَا بِهِمَا فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ كَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى دَلِيلٍ قَاصِرٍ لَزِمَ الْوَكِيلَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ حُجَّةً عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ غَيْرَ حَادِثٍ أَوْ كَانَ حَادِثًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَرَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ بِإِقْرَارِهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَزِمَ الْوَكِيلَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ فِي عَامَّةِ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ.
وَذَكَرَ فِي الْبُيُوعِ أَنَّهُ يَكُونُ رَدًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا عَيْنَ مَا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ إذْ لَا يُكَلِّفُهُ الْقَاضِي إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا إلَى الْحَلِفِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِلَا حُجَّةٍ فَكَانَ الْحَقُّ مُتَعَيِّنًا فِي الرَّدِّ قُلْنَا: الرَّدُّ بِالتَّرَاضِي بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ وَالْمُوَكِّلُ ثَالِثُهُمَا وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِي الرَّدِّ بَلْ يَثْبُتُ حَقُّهُ أَوَّلًا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلَهُ فَلَوْ أَعْتَقَهُ الْآمِرُ فِي زَمَنِ التَّوَقُّفِ نَفَذَ عِتْقُهُ) قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيبِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا فَاشْتَرَى نِصْفَهُ جَازَ عِتْقُ الْآمِرِ فِيهِ وَلَمْ يَجُزْ عِتْقُ الْوَكِيلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ عِتْقُ الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِ الْبَيِّنَةِ أَوْ النُّكُولِ أَوْ الْإِقْرَارِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَإِنَّمَا شَرَطَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْبَيِّنَةَ أَوْ الْإِبَاءَ أَوْ الْإِقْرَارَ لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ عَلَى الْقَاضِي بِأَنَّ الْعَيْبَ قَدِيمٌ أَمْ لَا أَوْ يَعْلَمُ الْقَاضِي يَقِينًا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعَيْبِ لَا يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا وَلَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَارِيخَ الْبَيْعِ مَتَى كَانَ فَيَحْتَاجُ الْمُشْتَرِي إلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحُجَجِ عَلَى أَنَّ تَارِيخَ الْبَيْعِ مُنْذُ شَهْرٍ حَتَّى يَظْهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيَرُدُّ الْمَبِيعَ عَلَيْهِ اهـ
следующие страницы →