Полный текст (1 841 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بِمُطْلَقِ السَّفَرِ وَقَدْ وُجِدَ وَإِنْ نَوَى الْمَرِيضُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَافِرِ عَلَى إحْدَاهُمَا أَنَّ رُخْصَةَ الْمُسَافِرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالسَّفَرِ وَرُخْصَةَ الْمَرِيضِ بِالْعَجْزِ فَإِذَا صَامَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ عَاجِزٍ فَالْتَحَقَ بِالصَّحِيحِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ نَوَيَا النَّفَلَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْفَرْقُ عَلَى إحْدَاهُمَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ أَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْ الْوَقْتَ إلَى الْأَهَمِّ وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ تَرْكُ صَوْمِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ بَدَنِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ لِأَجْلِ زِيَادَةِ دِينِهِ وَلَوْ نَوَى فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ صَحَّ عَمَّا نَوَى بِخِلَافِ رَمَضَانَ وَالْفَرْقُ أَنَّ رَمَضَانَ تَعَيَّنَ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ وَلَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِ صَلَاحِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامِ وَفِي النَّذْرِ تَعَيَّنَ بِتَعْيِينِ النَّاذِرِ وَلَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِ صَلَاحِيَّةِ مَا لَهُ وَهُوَ النَّفَلُ لَا مَا عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ وَنَحْوُهُ وَجَوَازُ النَّفْلِ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ظَاهِرٌ لِمَا بَيَّنَّا قَالَ ﵀ (وَمَا بَقِيَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُبَيَّتَةٍ) أَيْ مَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَنْوَاعِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُبَيَّتَةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَهِيَ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ إذْ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُتَعَيَّنٌ لَهَا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهَا إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَمْ تَصِحَّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ بِخِلَافِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَالنَّفَلِ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيَّنٌ لَهَا وَهَذَا لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ النَّفَلُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِمْسَاكُ عَلَيْهَا أَيْ النِّيَّةِ
قَالَ ﵀ (وَيَثْبُتُ رَمَضَانُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ بَعْدَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ) يَوْمًا لِقَوْلِهِ ﵊ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَإِنْ نَوَى الْمَرِيضُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَالْمَرِيضُ فِي النِّيَّةِ كَالصَّحِيحِ فِي الْأَصَحِّ اهـ وَفِي الْبَدَائِعِ الْكَرْخِيُّ سَوَّى بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَقَالَ فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ التَّسْوِيَةُ هِيَ الصَّحِيحُ
وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ نَوَى بِهِ الْمَرِيضُ وَاجِبًا آخَرَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ صَوْمَهُ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ وَهَكَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ سَهْوٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ وَمُرَادُهُ مَرِيضٌ يُطِيقُ الصَّوْمَ وَيَخَافُ مِنْهُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ وَفِي الْبَدَائِعِ إنْ أَطْلَقَ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ قُلْت وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْفِقْهِ وَفِي الْمُحِيطِ لَا يَقَعُ عَنْهُ وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَقِيلَ لَا رِوَايَةَ فِي إطْلَاقِ النِّيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ وَإِنْ نَوَى النَّفَلَ فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَكَذَا الْمَرِيضُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقَعُ نَفْلًا هَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَوَى أَيْ الْمَرِيضُ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إنَّمَا حَصَلَ لِوِلَايَةِ النَّاذِرِ فَلَا يَعْدُو النَّاذِرَ فَصَحَّ تَعْيِينُهُ فِيمَا لَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَبْقَى النَّفَلُ مَشْرُوعًا فَأَمَّا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَهُوَ أَنْ لَا يَبْقَى مُحْتَمَلًا بِحَقِّهِ أَعْنِي الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ فَلَا فَاعْتُبِرَ فِي احْتِمَالِهِمَا بِمَا لَوْ لَمْ يَنْذُرْ كَذَا فِي الْكَافِي وَبِهِ يَظْهَرُ تَعْلِيلُ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْقَضَاءُ) وَنَحْوُهُ الْكَفَّارَةُ اهـ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَا بَقِيَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِنِيَّةٍ) فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنْوَاعُ الصَّوْمِ سِتَّةٌ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا تَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ وَهِيَ صَوْمُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ وَالنَّفَلُ وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ ذَلِكَ وَثَلَاثَةٌ لَا تَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ وَهِيَ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَصَوْمُ الْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ وَالنِّيَّةُ فِيهَا لِتَعْيِينِ الْوَقْتِ لَهَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لَهَا وَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ تَقَعُ نَفْلًا فَلَا يُمْكِنُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْوِيلُهُ إلَى الْوَاجِبِ وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ لَوْ أَصْبَحَ لَمْ يَنْوِ فِطْرًا وَلَا غَيْرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ وَصَامَ يُجْزِئُهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ وَلَوْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا أَوْ مُتَهَتِّكًا اعْتَادَ الْفِطْرَ لَا يُجْزِئْهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَالتَّسَحُّرُ مِنْهُ نِيَّةٌ وَلَا يَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَلَا لِلثَّانِي ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ والمرغيناني إذَا نَوَى الْإِفْطَارَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِطْرًا حَتَّى يَأْكُلَ وَكَذَا لَوْ نَوَى الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ رُجُوعًا وَكَذَا لَوْ نَوَى الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ لَا تَفْسُدُ حَتَّى يَتَكَلَّمَ وَفِي اللَّيْلِ لَوْ نَوَى الْإِفْطَارَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ نِيَّتِهِ يَكُونُ رُجُوعًا ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ
وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ أَوْ نَامَ بَعْدَ النِّيَّةِ لَا تَبْطُلُ نِيَّتُهُ وَحَكَى الْأَكْثَرُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهَا تَبْطُلُ وَيَجِبُ تَجْدِيدُهَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رَجَعَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ هَذَا عَامَ حَجَّ وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ هَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ قَالَ نَوَيْت أَنْ أَصُومَ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ دُونَ اللِّسَانِ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانُ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَصِيرَ صَائِمًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَصِيرُ صَائِمًا لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ الْإِبْطَالُ بَلْ هُوَ لِلِاسْتِعَانَةِ وَطَلَبًا لِلتَّوْفِيقِ وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرَهُ الْعَتَّابِيُّ قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي وَجْهٍ انْتَهَى غَايَةٌ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَهِيَ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ) أَيْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْمُتْعَةِ وَالْحَلْقِ وَكَفَّارَةِ رَمَضَانَ انْتَهَى كَاكِيٌّ
وَمِنْ فُرُوعِ لُزُومِ التَّبْيِيتِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ مِنْ النَّهَارِ فَلَمْ يَصِحَّ هَلْ يَقَعُ عَنْ النَّفْلِ فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ نَعَمْ وَلَوْ أَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ قِيلَ هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ صَوْمَهُ عَنْ الْقَضَاءِ لَمْ يَصِحَّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَمَا فِي الْمَضْمُونِ انْتَهَى فَتْحُ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَثْبُتُ رَمَضَانُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَإِذَا ثَبَتَ فِي مِصْرٍ لَزِمَ سَائِرَ النَّاسِ فَيَلْزَمُ أَهْلَ الْمَشْرِقِ رُؤْيَةُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ لِأَنَّ السَّبَبَ الشَّهْرُ وَانْعِقَادُهُ فِي حَقِّ قَوْمٍ لِرُؤْيَةٍ لَا يَسْتَلْزِمُ انْعِقَادَهُ فِي حَقِّ آخَرِينَ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَصَارَ كَمَا لَوْ زَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ عَلَى قَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ وَجَبَ عَلَى الْأَوَّلِينَ الظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ دُونَ أُولَئِكَ وَجْهُ الْأَوَّلِ عُمُومُ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ صُومُوا مُعَلَّقًا لِمُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ لِرُؤْيَتِهِ وَبِرُؤْيَةِ قَوْمٍ يَصْدُقُ اسْمُ الرُّؤْيَةِ فَيَثْبُتُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ عُمُومِ الْحُكْمِ فَيَعُمُّ الْوُجُوبُ بِخِلَافِ الزَّوَالِ وَأَخِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ تَعَلُّقُ عُمُومِ الْوُجُوبِ بِمُطْلَقِ مُسَمَّاهُ فِي خِطَابٍ
стр. 317
عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَيَجِبُ الْتِمَاسُ الْهِلَالِ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَقَالَ ﵊ «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يُشِيرُ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ وَخَنَسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَقَالَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ غَيْرِ خَنْسٍ يَعْنِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَيَجِبُ طَلَبُهُ لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ» قَالَ ﵀ (وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ إلَّا تَطَوُّعًا) وَوَقَعَ الشَّكُّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يُغَمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ رَمَضَانَ أَوْ هِلَالُ شَعْبَانَ فَيَقَعُ الشَّكُّ أَنَّهُ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ آخَرُ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَإِنَّمَا كُرِهَ غَيْرُ التَّطَوُّعِ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِرَجُلٍ هَلْ صُمْت مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ قَالَ لَا قَالَ فَإِذَا أَفْطَرْت فَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» وَفِي لَفْظٍ فَصُمْ يَوْمًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ ﵊ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُد» وَهُوَ مُطْلَقٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكُلُّ وَهُوَ مَذْهَبُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَسُرَرُ الشَّهْرِ آخِرُهُ سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهِ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ حَتَّى لَا يُزَادَ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ كَمَا زَادَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى صَوْمِهِمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَاشْتَهَرَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ قَالَهُ أَحْمَدُ ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ رَمَضَانَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا بَيَّنَّا ثُمَّ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ صَحَّ عَنْهُ لِأَنَّهُ شَهِدَ الشَّهْرَ وَصَامَهُ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ تَطَوُّعًا وَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ظَانٌّ وَالثَّانِي أَنْ يَنْوِيَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا لِمَا رَوَيْنَا إلَّا أَنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْكَرَاهِيَةِ ثُمَّ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يُجْزِئُهُ لِوُجُودِ أَصْلِ النِّيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَقَدْ قِيلَ يَكُونُ تَطَوُّعًا لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ مِنْ الْوَاجِبِ وَقِيلَ يُجْزِئُهُ عَنْ الَّذِي نَوَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ التَّقَدُّمُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى مَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ يَوْمِ الْعِيدِ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ تَرْكِ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَهُوَ يُلَازِمُ كُلَّ صَوْمٍ وَالْكَرَاهِيَةُ هُنَا لِصُورَةِ النَّهْيِ لَا غَيْرُ
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَنْوِيَ التَّطَوُّعَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
مِنْ الشَّارِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ إنَّمَا يَلْزَمُ مُتَأَخِّرِي الرُّؤْيَةِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ رُؤْيَةُ أُولَئِكَ بِطَرِيقٍ مُوجِبٍ حَتَّى لَوْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ أَهْلُ بَلَدِ كَذَا رَأَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ قَبْلَكُمْ فَصَامُوا وَهَذَا الْيَوْمُ ثَلَاثُونَ بِحِسَابِهِمْ وَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْهِلَالَ لَا يُبَاحُ فِطْرُ غَدٍ وَلَا تُتْرَكُ التَّرَاوِيحُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِأَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ لَمْ يَشْهَدُوا بِالرُّؤْيَةِ وَلَا عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمْ.
وَإِنَّمَا حَكَوْا رُؤْيَةَ غَيْرِهِمْ وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ قَاضِيَ بَلَدٍ شَهِدَ عِنْدَهُ اثْنَانِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي لَيْلَةِ كَذَا وَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا جَازَ لِهَذَا الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمَا لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي حُجَّةٌ وَقَدْ شَهِدُوا بِهِ وَمُخْتَارُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَشَايِخِ اعْتِبَارُ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَعُورِضَ لَهُمْ بِحَدِيثِ كُرَيْبٌ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بَعَثَتْهُ إلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ قَدِمْت الشَّامَ فَقَضَيْت حَاجَتَهَا وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْت الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ مَتَى رَأَيْتُمُوهُ فَقُلْت رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَنْتَ رَأَيْته فَقُلْت نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ فَقُلْت أَوَلَا نَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصَوْمِهِ فَقَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَشَكَّ أَحَدُ رُوَاتِهِ فِي نَكْتَفِي بِالنُّونِ أَوْ بِالتَّاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ نَصٌّ وَذَاكَ مُحْتَمَلُ الْمُرَادِ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ مَطْلَعٍ مُكَلَّفُونَ بِالصَّوْمِ لِرُؤْيَتِهِمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَدْ قَالَ إنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ هَكَذَا إلَى نَحْوِ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحِينَئِذٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّ مِثْلَ مَا وَقَعَ مِنْ كَلَامِهِ لَوْ وَقَعَ لَنَا لَمْ نَحْكُمْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ وَلَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَإِنْ قِيلَ إخْبَارُهُ عَنْ صَوْمِ مُعَاوِيَةَ يَتَضَمَّنُهُ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَوْ سَلَّمَ فَهُوَ وَاحِدٌ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْأَخْذُ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَحْوَطُ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَيَجِبُ الْتِمَاسُ الْهِلَالِ إلَخْ) هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ) تَسَاهُلٌ فَإِنَّ التَّرَائِيَ إنَّمَا يَجِبُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ لَا فِي الْيَوْمِ الَّتِي هِيَ عَشِيَّتُهُ نَعَمْ لَوْ رُئِيَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَانَ كَرُؤْيَتِهِ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي رُؤْيَتِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ انْتَهَى فَتْحٌ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ آخِرَ الْبَابِ (قَوْلُهُ وَخَنَسَ إبْهَامَهُ) خَنَسَ بِالْخَاءِ وَالنُّونِ أَجْوَدُ مِمَّنْ قَالَ حَبَسَ الْإِبْهَامَ بِمَعْنَى عَطَفَهُ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ غَيْرِ خَنْسٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ (قَوْلُهُ وَفِي لَفْظِ فَصُمْ يَوْمًا) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَاعْلَمْ أَنَّ السُّرَرَ قَدْ يُقَالُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ لَيَالِي الشَّهْرِ لَكِنْ دَلَّ قَوْلُهُ صُمْ يَوْمًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صُمْ آخِرَهَا لَا كُلَّهَا وَإِلَّا قَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَكَانَهَا
وَكَذَا قَوْلُهُ مِنْ سُرَرِ الشَّهْرِ لِإِفَادَةِ التَّبْعِيضِ وَعِنْدَنَا هَذَا يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ صَوْمِهِ لَا وُجُوبَهُ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَهْيِ التَّقَدُّمِ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى كَوْنِ الْمُرَادِ التَّقَدُّمَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَيَصِيرُ حَدِيثُ السُّرَرِ لِلِاسْتِحْبَابِ (قَوْلُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ فِي صَوْمِ دَاوُد الْكُلَّ أَيْ يَوْمَ الشَّكِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَسُرَرُ الشَّهْرِ آخِرُهُ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَسُرَرُ الشَّهْرِ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْهُ وَكَذَلِكَ سِرَارُهُ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ اسْتَسَرَّ الْقَمَرُ أَيْ خَفِيَ لَيْلَةَ السِّرَارِ فَرُبَّمَا اسْتَسَرَّ لَيْلَةً وَرُبَّمَا اسْتَسَرَّ لَيْلَتَيْنِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْكَرَاهِيَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَصٌّ فِي زِيَادَةِ يَوْمٍ مِنْ
стр. 318
وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِمَا بَيَّنَّا وَمَا رَوَاهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ وَمِنْ قَوْلِهِ لَا يُصَامُ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ إلَّا تَطَوُّعًا لَا أَصْلَ لَهُ وَيُرْوَى الْأَوَّلُ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَهُوَ فِي مِثْلِهِ كَالْمَرْفُوعِ ثُمَّ إنْ صَامَ ثَلَاثَةً مِنْ آخِرِ شَعْبَانَ أَوْ وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ الْفِطْرُ أَفْضَلُ احْتِرَازًا عَنْ ظَاهِرِ النَّهْيِ
وَقِيلَ الصَّوْمُ أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِهِ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ رَادًّا عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ عَلِيًّا مَذْهَبُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ غَيْمٌ يَصُومُ وَإِلَّا فَلَا وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَصُومَ الْمُفْتِي بِنَفْسِهِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ وَيَأْمُرُ الْعَامَّةَ بِالتَّلَوُّمِ إلَى أَنْ يَذْهَبَ وَقْتَ النِّيَّةِ ثُمَّ يَأْمُرَهُمْ بِالْإِفْطَارِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ ثُمَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَهُوَ مَا إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ إنْ أَفْسَدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَيْفَمَا كَانَ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُلْتَزِمًا
وَالرَّابِعُ أَنْ يَضَّجِعَ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ بِأَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَصُومَ غَدًا إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَصُومَهُ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِيرُ صَائِمًا لِعَدَمِ الْجَزْمِ فِي الْعَزِيمَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا نَوَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَدَاءً فَهُوَ صَائِمٌ وَإِلَّا فَمُفْطِرٌ أَوْ نَوَى إنْ وَجَدَ سَحُورًا فَهُوَ صَائِمٌ وَإِلَّا فَمُفْطِرٌ وَالْخَامِسُ أَنْ يَضْجَعَ فِي وَصْفِ النِّيَّةِ بِأَنْ يَنْوِيَ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَعَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَكْرُوهَيْنِ ثُمَّ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانِ أَجْزَأَهُ عَنْهُ لِوُجُودِ الْجَزْمِ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ لِلتَّرَدُّدِ فِي وَصْفِ النِّيَّةِ وَتَعْيِينُ الْجِهَةِ شَرْطٌ فِيهِ لَكِنَّهُ يَكُونُ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْقَضَاءِ لِشُرُوعِهِ مُسْقِطًا
وَالسَّادِسُ أَنْ يَنْوِيَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْهُ وَعَنْ التَّطَوُّعِ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَيُكْرَهُ لِأَنَّهُ نَاوٍ لِلْفَرْضِ مِنْ وَجْهٍ ثُمَّ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ لِمَا قُلْنَا وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ صَارَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ لِدُخُولِ الْإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهٍ
قَالَ ﵀ (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ أَوْ الْفِطْرِ وَرَدَّ قَوْلَهُ صَامَ) أَمَّا إذَا رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَوْلُهُ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَقَدْ رَآهُ ظَاهِرًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ وَأَمَّا هِلَالُ الْفِطْرِ فَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ أَنْ يَصُومَ وَلَا يُفْطِرَ إلَّا مَعَ النَّاسِ لِقَوْلِهِ ﵊ «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ» وَالنَّاسُ لَمْ يُفْطِرُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُفْطِرَ وَلِأَنَّ اتِّفَاقَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَتِهِ يَدُلُّ عَلَى خَطَإِ هَذَا الرَّائِي مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي قُوَّةِ النَّظَرِ وَحِدَّةِ الْبَصَرِ وَمَعْرِفَةِ مَنَازِلِ الْقَمَرِ وَالْحِرْصِ مِنْهُمْ عَلَى طَلَبِهِ وَلَعَلَّهُ رَأَى شَعْرَةً طَوِيلَةً قَائِمَةً بِحَاجِبِهِ أَوْ جُفُونِهِ وَقِيلَ لَا يَصُومُ بَلْ يَأْكُلُ سِرًّا
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُفْطِرُ أَيْ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَكِنْ لَا يَنْوِي الصَّوْمَ وَلَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ عِنْدَهُ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ عِنْدَهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَإِنْ أَفْطَرَ قَضَى فَقَطْ) أَيْ إنْ أَفْطَرَ بَعْدَمَا رَدَّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
رَمَضَانَ بِخِلَافِ الثَّانِي. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ) يَعْنِي إذَا صَامَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ يُنَازِعُ فِيمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ فِي صَوْمِهَا لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَهَذَا الْكَلَامُ يُفِيدُ أَنَّهَا تَصُومُهُ عَلَى أَنَّهُ يَوْمٌ مِنْ شَعْبَانَ كَيْ لَا تَقَعَ فِي إفْطَارِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَيَبْعُدُ أَنْ تَقْصِدَ بِهِ رَمَضَانَ بَعْدَ حُكْمِهَا بِأَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ وَكَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ احْتِمَالٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَصُومَ الْمُفْتِي) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْخَاصَّةِ وَهُوَ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ الْإِضْجَاعِ فِي النِّيَّةِ وَمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ عَنْ الْفَرْضِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ لِتُهْمَةِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْتَى الْعَامَّةُ بِالنَّفْلِ عَسَى يَقَعُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ خَالَفَ النَّبِيَّ ﷺ حَيْثُ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَهُوَ أَطْلَقَهَا. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَالرَّابِعُ أَنْ يُضَجِّعَ) وَالتَّضْجِيعُ فِي النِّيَّةِ هُوَ التَّرَدُّدُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ إلَخْ) رَأَيْت عَلَى هَامِشِ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ حَاشِيَةً بِغَيْرِ خَطِّهِ نَصُّهَا أَوْرَدَ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ فِي الدَّرْسِ عَلَى هَذَا وَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ صَوْمِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ نَوَيْت صِيَامَهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ صَحِيحٌ
وَالْكَلَامُ الْآخَرُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِبْطَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جُمْلَةٌ أُخْرَى وَهَذَا إعْرَاضٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي نِيَّةِ ذَلِكَ لَا التَّلَفُّظُ بِهِ اهـ مَا رَأَيْته (قَوْلُهُ وَعَنْ التَّطَوُّعِ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ إلَخْ) رَأَيْت عَلَى هَامِشِ نُسْخَةِ الشَّارِحِ حَاشِيَةً بِغَيْرِ خَطِّهِ نَصُّهَا وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ فُقَهَاءِ الدَّرْسِ تَرَدُّدٌ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ لَا وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ وَصْفَ الْكَرَاهَةِ عَامٌّ لِلْوَجْهَيْنِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا وَكَذَا لَفْظُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَلِأَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ مِنْ وَجْهٍ وَنِيَّةُ الْفَرْضِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِسَبَبِ الْكَرَاهَةِ اهـ مَا رَأَيْته وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ قَوْلُهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَيْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ كَعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ لِدُخُولِ الْإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهٍ) أَيْ حَيْثُ نَوَى رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَالنَّفَلُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إنْ كَانَ مُلْتَزِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
(قَوْلُهُ وَرُدَّ قَوْلَهُ) أَيْ وَرَدَّهُ لِتُهْمَةِ الْفِسْقِ إنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ أَوْ لِتَفَرُّدِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا عِلَّةٌ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا. اهـ. غَايَةٌ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَإِنَّمَا يَرُدُّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً أَوْ جَاءَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ مِنْ مَكَان مُرْتَفِعٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ وَقْتُ
стр. 319
وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَمَّا الْفِطْرُ فِي هِلَالِ الْفِطْرِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ عِنْدَهُ فَيَكُونُ شُبْهَةً وَأَمَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ فَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا رَدَّ شَهَادَتَهُ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الِاشْتِبَاهَ عَلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَ عُمَرُ ﵁ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَمَسَحَ عُمَرُ عَلَى حَاجِبِهِ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ الْهِلَالُ فَقَالَ فَقَدْته يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ شَعْرَةً مِنْ حَاجِبِهِ أَوْ جَفْنِهِ تَقَوَّسَتْ فَظَنَّهَا هِلَالًا وَقِيلَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهِمَا لِلظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْفِطَرِ وَلِلْحَقِيقَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فِي رَمَضَانَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلِأَنَّ رَدَّ الْإِمَامِ شَهَادَتَهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَضَى بِالْقِصَاصِ بِالشَّهَادَةِ فَقَتَلَهُ الْوَلِيُّ ثُمَّ جَاءَ الْمَقْتُولُ حَيًّا لَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ لِأَنَّ قَضَاءَهُ بِهِ يَصِيرُ شُبْهَةً وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَفْطَرَ قَبْلَ رَدِّ الْإِمَامِ شَهَادَتَهُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي هِلَالِ الْفِطْرِ وَهِلَالِ رَمَضَانَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِيهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْكَفَّارَةَ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ مُطْلَقًا إنْ أَفْطَرَ بِالْوِقَاعِ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ حَقِيقَةً لِتَيَقُّنِهِ بِهِ وَحُكْمًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّا وَالْإِمَامُ إذَا رَأَى هِلَالَ الْفِطْرِ وَحْدَهُ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ لِمَا مَرَّ وَلَوْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَصَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَمْ يُفْطِرْ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ لِأَنَّا إنَّمَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الصَّوْمَ احْتِيَاطًا وَالِاحْتِيَاطُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ مُوَافَقَةِ النَّاسِ وَلَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي عِنْدَهُ قَالَ ﵀
(وَقُبِلَ بِعِلَّةِ خَبَرِ عَدْلٍ وَلَوْ قِنًّا أَوْ أُنْثَى لِرَمَضَانَ وَحُرَّيْنِ أَوْ حُرٍّ وَحُرَّتَيْنِ لِلْفِطْرِ) أَيْ إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ خَبَرُ وَاحِدٍ عَدْلٍ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً وَفِي هِلَالِ الْفِطْرِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ حُرٍّ وَامْرَأَتَيْنِ حُرَّتَيْنِ وَالْعِلَّةُ الْغَيْمُ أَوْ الْغُبَارُ وَنَحْوُهُمَا أَمَّا هِلَالُ رَمَضَانَ فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا كَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَلِهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَتُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ لِأَنَّ قَوْلَ الْفَاسِقِ فِي الدِّيَانَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ تَلَقِّيهَا مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ غَيْرُ مَقْبُولٍ كَرِوَايَاتِ الْأَخْبَارِ بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَنَحْوِهِ حَيْثُ يُتَحَرَّى فِي قَبُولِ الْفَاسِقِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ لِأَنَّهُ وَاقِعَةٌ خَاصَّةً لَا يُمْكِنُ اسْتِصْحَابُ الْعُدُولِ فِيهَا وَفِي هِلَالِ رَمَضَانَ مُمْكِنٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ مُتَشَوِّقُونَ إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِيهِ وَفِي عُدُولِهِمْ كَثْرَةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِيهِ كَمَا فِي رِوَايَاتِ الْأَخْبَارِ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ عَدْلًا كَانَ أَوْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
صَوْمِكُمْ الْمَفْرُوضِ يَوْمَ صَوْمِكُمْ لِأَنَّ نَفْسَ الصَّوْمِ فِعْلُنَا وَهُوَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ وَإِنَّمَا لَا يَحْتَاجُ لِلْحُكْمَيَّ وَهُوَ شَهْرُ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ شَرْعًا لَا بِفِعْلِ النَّاسِ فَبَيَّنَ ﵊ أَنَّ شَهْرَ الصَّوْمِ يَوْمُ صَوْمِهِمْ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتُهُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَفْطَرَ قَبْلَ رَدِّ الْإِمَامِ شَهَادَتَهُ) أَيْ فَإِنْ أَفْطَرَ قَبْلَ رَدِّهِ فَلَا رِوَايَةَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَالْإِمَامُ إذَا رَأَى هِلَالَ الْفِطْرِ وَحْدَهُ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) أَيْ فِي الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ. اهـ. غَايَةٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِ الصَّوْمَ وَعَدَمُ صَوْمِ النَّاسِ الْمُتَفَرِّعُ عَنْ تَكْذِيبِ الشَّرْعِ إيَّاهُ قَامَ شُبْهَةً فِيهِ مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ إنْ أَفْطَرَ بِحُكْمِ النَّصِّ بِالصَّوْمِ يَوْمَ يَصُومُ النَّاسُ وَعَدَمُ فِطْرِ النَّاسِ الْيَوْمَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ صَوْمِهِ مُوجِبٌ لِلصَّوْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ النَّصِّ أَيْضًا وَالْحَقِيقَةُ الَّتِي عِنْدَهُ وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ وَكَوْنُهُ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بِالنَّصِّ شُبْهَةً فِيهِ مَانِعَةً مِنْ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ إذَا أَفْطَرَ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَبِلَ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُ وَهُوَ فَاسِقٌ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ فَأَفْطَرَ هُوَ أَوْ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ خِلَافًا لِلْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ صَوْمِ النَّاسِ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ لِأَنَّ وَجْهَ النَّفْيِ كَوْنُهُ بِمَا لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ هُنَا. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَقِيلَ بِعِلَّةِ خَبَرِ عَدْلٍ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا فَائِدَةً جَلِيلَةً لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا هِيَ أَنَّ الرَّمَضَانِيَّةَ إذَا ثَبَتَتْ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ فِي حَدِّ الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَهُوَ الصَّوْمُ يَثْبُتُ جَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ وَالْعِتْقِ وَالْأَيْمَانِ وَحُلُولِ الْآجَالِ وَغَيْرِهَا تَبَعًا وَضِمْنًا وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً بِقَوْلِ الْوَاحِدِ فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا كَمَا فِي شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى النَّسَبِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مَقْبُولَةً ثُمَّ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَالْمِيرَاثُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ ابْتِدَاءً قَالَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ الْمُسَمَّى بِالْمُضْمَرَاتِ مَا نَصُّهُ فِي الْمُحِيطِ الْوَاحِدِ إذَا شَهِدَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْقَاضِي وَالسَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةٌ وَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ فَلَمَّا أَتَمُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا غُمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ شَوَّالٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَصُومُونَ مِنْ الْغَدِ وَإِنْ غُمَّ يَوْمَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ فَلَا يُفْطِرُونَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُفْطِرُونَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ
أَمَّا إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ بِلَا خِلَافٍ وَالْحُجَّةُ لَهُمَا أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ لَا تُقْبَلُ فِي الْفِطْرِ فَلَا يُفْطِرُونَ وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْفِطْرَ مِنْ أَحْكَامِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ فَيَجُوزُ كَمَا قُلْنَا فِي حِلِّ الْآجَالِ وَحِنْثِ الْأَيْمَانِ انْتَهَى فَقَوْلُهُ كَمَا قُلْنَا إلَى آخِرِهِ شَاهِدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ مِنْ رَدِّ الْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُتَّفِقِ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ قِنًّا) أَيْ رَقِيقًا وَاخْتَارَ هَذَا اللَّفْظَ لِيَشْمَلَ الْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ وَمُعْتَقَ الْبَعْضِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَوْ أُنْثَى لِيَشْمَلَ الْأَمَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ وَالْمُدَبَّرَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ انْتَهَى ع (قَوْلُهُ وَتَأْوِيلُ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ إلَخْ) الْمُرَادُ أَنَّهُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ إلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ لَا أَنَّهُ يَرْتَفِعُ بِهِ الْخِلَافُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ فَرْعُ ثُبُوتِهَا وَلَا ثُبُوتَ فِي الْمَسْتُورِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ تُقْبَلُ شَهَادَةٌ الْمَسْتُورِ وَبِهِ أَخَذَ الْحَلْوَانِيُّ فَصَارَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الْخِلَافَ الْمُتَحَقِّقَ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ اشْتِرَاطُ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ أَوْ الِاكْتِفَاءُ بِالسِّتْرِ
стр. 320
غَيْرَ عَدْلٍ أَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بِالْعَدَالَةِ وَلَا بِالدَّعَارَةِ وَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَمَا تَابَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُضُورُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَا يَكُونُ مُلْزَمًا إلَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَقْبَلُونَ أَخْبَارَ أَبِي بَكْرَةَ بَعْدَمَا حُدَّ فِي الْقَذْفِ لِكَوْنِهِ عَدْلًا وَلِهَذَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يُشْتَرَطُ الْمُثَنَّى اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الشَّهَادَاتِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ فَقَالَ أَتَشَهَّدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَتَشَهَّدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ لَفْظُهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَسَائِرِ الْأَخْبَارِ ثُمَّ إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَأَكْمَلُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ لَا يُفْطِرُونَ فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِلِاحْتِيَاطِ وَلِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ وَيَثْبُتُ الْفِطْرُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرَّمَضَانِيَّةِ بِالْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْفِطْرُ ابْتِدَاءً كَاسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ بِنَاءً عَلَى النَّسَبِ الثَّابِتِ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَإِنْ كَانَ الْإِرْثُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا ابْتِدَاءً وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَا يُفْطِرُونَ لِظُهُورِ غَلَطِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً يُفْطِرُونَ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْغَلَطِ وَأَمَّا هِلَالُ الْفِطْرِ فَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ نَفْعُ الْعِبَادِ وَهُوَ الْفِطْرُ فَأَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِمْ فَيُشْتَرَطُ فَهِيَ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ حُقُوقِهِمْ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَدِ وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ الدَّعْوَى كَعِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْحُرَّةِ وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ لِكَوْنِهِ شَهَادَةً
قَالَ ﵀ (وَإِلَّا فَجَمْعٌ عَظِيمٌ لَهُمَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ فِيهِمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ لِأَنَّ التَّفَرُّدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يُوهِمُ الْغَلَطَ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ حَتَّى يَكُونَ جَمْعًا كَثِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْشَقُّ الْغَيْمُ مِنْ مَوْضِعِ الْهِلَالِ فَيَتَّفِقُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
هَذَا وَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عَلَى شَهَادَةِ الْوَاحِدِ
أَمَّا مَعَ تَبَيُّنِ الْفِسْقِ فَلَا قَائِلَ بِهِ عِنْدَنَا وَعَلَى هَذَا تَفَرَّعَ مَا لَوْ شَهِدُوا فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُمْ رَأَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ قَبْلَ صَوْمِهِمْ بِيَوْمٍ إنْ كَانُوا فِي هَذَا الْمِصْرِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْحِسْبَةَ وَإِنْ جَاءُوا مِنْ خَارِجٍ قُبِلَتْ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَا بِالدِّعَارَةِ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ بَابِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالدَّعَارَةُ الْفِسْقُ وَالْخُبْثُ يُقَالُ هُوَ خَبِيثٌ دَاعِرٌ بَيِّنُ الدَّعَرِ وَالدَّعَارَةِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ ﵀ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ لِرِوَايَةِ النَّوَادِرِ فِي قَبُولِ الْمَسْتُورِ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ لَا مُتَمَسَّكَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الزَّمَانِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِسْلَامِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ إنْ كَانَ هُوَ أَوَّلَ إسْلَامِهِ فَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ أَسْلَمَ عَدْلًا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ خِلَافُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ إخْبَارًا عَنْ حَالِهِ السَّابِقِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِإِسْلَامِهِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِبَقَائِهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ الْخِلَافُ وَلَمْ يَكُنْ الْفِسْقُ غَالِبًا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَانِهِ ﷺ لِتَعَارُضِ غَلَبَةِ ذَلِكَ الْحَاصِلِ فَيَجِبُ التَّوْقِيفُ إلَى ظُهُورِهَا انْتَهَى (قَوْلُهُ ثُمَّ إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ) قَالَ الْكَمَالُ هَكَذَا الرَّاوِيَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ قَبِلَهُ بِغَيْمٍ أَوْ فِي صَحْوٍ وَهُوَ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا إذَا لَمْ يَرَ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ ثُمَّ خَصَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَالْفَتَاوَى أَضَافُوا مَعَهُ أَبَا يُوسُفَ وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ فِي قَبُولِهِ فِي صَحْوٍ وَفِي قَبُولِهِ بِغَيْمٍ أَخَذَ يَقُولُ مُحَمَّدٌ انْتَهَى
فَرْعٌ إذَا صَامَ أَهْلُ مِصْرٍ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ إنْ كَانُوا أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ إنْ لَمْ يَرَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمًا وَاحِدًا حَمْلًا عَلَى نُقْصَانِ شَعْبَانَ غَيْرَ أَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ وَإِنْ أَكْمَلُوا شَعْبَانَ عَنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ قَضَوْا يَوْمَيْنِ احْتِيَاطًا انْتَهَى لِاحْتِمَالِ نُقْصَانِ شَعْبَانَ مَعَ مَا قَبْلِهِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَعْبَانَ كَانُوا بِالضَّرُورَةِ مُكَمِّلِينَ رَجَبٍ انْتَهَى كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ) أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى غَايَةٌ الْأَتْقَانِيِّ (قَوْلُهُ وَيَثْبُتُ الْفِطْرُ) أَيْ تَبَعًا وَضِمْنًا انْتَهَى (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرَّمَضَانِيَّةِ بِالْوَاحِدِ) مَثَّلَ بِثُبُوتِ الرَّمَضَانِيَّةِ لَا بِثُبُوتِ الْفِطْرِ فَهُوَ مَعْنَى مَا أَجَابَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ حُسَيْنًا قَالَ لَهُ يَثْبُتُ الْفِطْرُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَقَالَ لَا بَلْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِثُبُوتِهِ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ فَبِالضَّرُورَةِ يَثْبُتُ الْفِطْرُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا انْتَهَى فَتْحٌ وَلَوْ صَامُوا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ أَفْطَرُوا بِتَمَامِ الْعِدَّةِ اتِّفَاقًا انْتَهَى كَافِي وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ السُّغْدِيِّ لَا يُفْطِرُونَ وَهَكَذَا فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إنْ قَبِلَهَا فِي صَحْوٍ لَا يُفْطِرُونَ أَوْ فِي غَيْمٍ أَفْطَرُوا لِتَحَقُّقِ زِيَادَةِ الْقُوَّةِ فِي الثُّبُوتِ فِي الثَّانِي وَلَا اشْتِرَاكَ فِي عَدَمِ الثُّبُوتِ أَصْلًا فِي الْأَوَّلِ فَصَارَ كَالْوَاحِدِ لَمْ يَبْعُدْ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى النَّسَبِ الثَّابِتِ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ) وَهَذَا الِاسْتِشْهَادُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ لَا يُتَصَوَّرُ ذِكْرُهُ فِي الْإِيضَاحِ قُلْنَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ فِي الْفِرَاشِ انْتَهَى مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ وَطَلَاقُ الْحُرَّةِ) أَيْ عِنْدَ الْكُلِّ وَعِتْقُ الْعَبْدِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الدَّعْوَى فِي هِلَالِ الْفِطْرِ وَهِلَالِ رَمَضَانَ انْتَهَى فَتْحٌ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ
(قَوْلُهُ يُوهِمُ الْغَلَطَ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ ظَاهِرٌ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ اللَّفْظِ مُتَحَقِّقٌ فِي الْبَيِّنَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَبُولَهَا بَلْ التَّفَرُّدُ مِنْ بَيْنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ بِالرُّؤْيَةِ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ طَالِبِينَ لِمَا تَوَجَّهَ هُوَ إلَيْهِ مَعَ فَرْضِ عَدَمِ الْمَانِعِ وَسَلَامَةِ الْإِبْصَارِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْأَبْصَارُ فِي الْحِدَّةِ ظَاهِرٌ فِي غَلَطِهِ كَتَفَرُّدِ نَاقِلِ زِيَادَةٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَهْلِ مَجْلِسٍ مُشَارِكِينَ لَهُ فِي السَّمَاعِ فَإِنَّهَا تُرَدُّ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً مَعَ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي حِدَّةِ السَّمْعِ أَيْضًا وَاقِعٌ كَمَا فِي الْإِبْصَارِ مَعَ أَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لِمُشَارِكَيْهِ
стр. 321
لِلْبَعْضِ النَّظَرُ فَيَسْتَدُّ ثُمَّ قِيلَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ خَمْسُونَ رَجُلًا اعْتِبَارًا بِالْقَسَامَةِ وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ خَمْسُمِائَةٍ بِبَلْخٍ قَلِيلٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الْمِصْرِ وَبَيْنَ مَنْ وَرَدَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَ بِذَلِكَ فِي الْمِصْرِ وَلَا عِلَّةَ فِي السَّمَاءِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاطِلٌ فَيُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إذَا وَرَدَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ وَنَصَّ الطَّحْطَاوِيُّ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِقِلَّةِ الْمَوَانِعِ مِنْ غُبَارٍ وَدُخَانٍ وَكَذَا إذَا كَانَ فِي مَكَان مُرْتَفِعٍ فِي الْمِصْرِ قَالَ ﵀ (وَالْأَضْحَى كَالْفِطْرِ) أَيْ هِلَالُ الْأَضْحَى كَهِلَالِ الْفِطْرِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ هِلَالُ الْفِطْرِ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعِبَادِ وَهُوَ التَّوَسُّعُ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَصَارَ كَالْفِطْرِ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَرَمَضَانَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ دِينِيٌّ وَهُوَ ظُهُورُ وَقْتِ الْحَجِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
قَالَ ﵀ (وَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ) وَقِيلَ يُعْتَبَرُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ وَلَمْ يَرَهُ أَهْلُ بَلْدَةٍ أُخْرَى يَجِبُ أَنْ يَصُومُوا بِرُؤْيَةِ أُولَئِكَ كَيْفَمَا كَانَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَهُ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَقَارُبٌ بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ يَجِبُ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ تَخْتَلِفُ لَا يَجِبُ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ حَتَّى إذَا صَامَ أَهْلُ بَلْدَةٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَأَهْلُ بَلْدَةٍ أُخْرَى تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا يَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ يَوْمٍ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُعْتَبَرَ لِأَنَّ كُلَّ قَوْمٍ مُخَاطَبُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ وَانْفِصَالُ الْهِلَالِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْطَارِ كَمَا أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَخُرُوجَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْطَارِ حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فِي الْمَشْرِقِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَزُولَ فِي الْمَغْرِبِ
وَكَذَا طُلُوعُ الْفَجْرِ وَغُرُوبُ الشَّمْسِ بَلْ كُلَّمَا تَحَرَّكَتْ الشَّمْسُ دَرَجَةً فَتِلْكَ طُلُوعُ فَجْرٍ لِقَوْمٍ وَطُلُوعُ شَمْسٍ لِآخَرَيْنِ وَغُرُوبُ لِبَعْضٍ وَنِصْفُ لَيْلٍ لِغَيْرِهِمْ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الضَّرِيرَ الْفَقِيهَ صَاحِبَ الْمُخْتَصَرِ قَدِمَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَسُئِلَ عَمَّنْ صَعِدَ عَلَى مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَيَرَى الشَّمْسَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ بَعْدَمَا غَرَبَتْ عِنْدَهُمْ فِي الْبَلَدِ أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فَقَالَ لَا وَيَحِلُّ لِأَهْلِ الْبَلَدِ لِأَنَّ كُلًّا مُخَاطَبٌ بِمَا عِنْدَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَطَالِعِ مَا رُوِيَ عَنْ كُرَيْبٌ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بَعَثَتْهُ إلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ فَقَالَ فَقَدِمْت الشَّامَ وَقَضَيْت حَاجَتَهَا وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ شَهْرُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْت الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَقُلْت رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَنْتَ رَأَيْته فَقُلْت نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ فَقُلْت أَوَلَا نَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فَقَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ وَلَوْ رَأَوْا الْهِلَالَ فِي يَوْمِ الشَّكِّ نَهَارًا فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا مِنْ شَوَّالٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَقِيلَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فِي السَّمَاعِ بِمُشَارَكَتِهِ فِي التَّرَائِي كَثْرَةً وَالزِّيَادَةُ الْمَقْبُولَةُ مَا عُلِمَ فِيهِ تَعَدُّدُ الْمَجْلِسِ أَوْ جُهِلَ فِيهِ الْحَالُ مِنْ الِاتِّحَادِ وَالتَّعَدُّدِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ التَّفَرُّدَ لَا يُرِيدُ تَفَرُّدَ الْوَاحِدِ وَإِلَّا لَأَفَادَ قَبُولَ الِاثْنَيْنِ وَهُوَ مُنْتَفٍ بَلْ الْمُرَادُ تَفَرُّدُ مَنْ لَمْ يَقَعْ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِهِمْ مِنْ الْخَلَائِقِ انْتَهَى فَتْحٌ
(قَوْلُهُ ثُمَّ قِيلَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ) أَيْ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْحَالَةِ انْتَهَى فَتْحٌ وَالْحَقُّ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِتَوَاتُرِ الْخَبَرِ وَمَجِيئِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ اعْتِبَارًا بِالْقَسَامَةِ) وَالْجَامِعُ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ أَمْرًا عَظِيمًا وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حَقُّ الْعَبْدِ فَلَمَّا جُعِلَ خَمْسُونَ مُعَرَّفًا لَحِقَهُ مَعَ احْتِيَاجِهِ فَلَأَنْ يُجْعَلَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَعَ اسْتِغْنَائِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ أَوْلَى انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَنَصَّ الطَّحْطَاوِيُّ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَمَا عَنْ الطَّحَاوِيِّ مِنْ الْفَرْقِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَة وَكَذَا مَا يُشِيرُ إلَيْهِ كِتَابُ الِاسْتِحْسَانِ حَيْثُ قَالَ فَإِنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَ بِذَلِكَ فِي الْمِصْرِ وَلَا عِلَّةَ فِي السَّمَاءِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْقُيُودَ الْمَذْكُورَةَ تُفِيدُ بِمَفْهُومَاتِهَا الْمُخَالِفَةِ الْجَوَازَ عِنْدَ عَدَمِهَا انْتَهَى
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ إلَخْ) وَفِي التُّحْفَةِ رَجَّحَ رِوَايَةَ النَّوَادِرِ فَقَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُخْبِرَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ انْتَهَى وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرُ دِينٍ وَهُوَ وُجُوبُ الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَصَارَ كَهِلَالِ رَمَضَانَ فِي تَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيُقْبَلُ فِيهِ فِي الْغَيْمِ الْوَاحِدِ الْعَدْلُ وَلَا يُقْبَلُ فِي الصَّحْوِ إلَّا التَّوَاتُرُ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الضَّرِيرَ) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الضَّرِيرِ أَنَّهُ اسْتَفْتَى مِنْهُ رَجُلٌ إسْكَنْدَرِيٌّ إلَخْ وَقَالَ الشَّيْخُ بَاكِيرٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُوسَى الضَّرِيرِ أَنَّهُ اسْتَفْتَى مِنْهُ رَجُلٌ إسْكَنْدَرِيٌّ اهـ (قَوْلُهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ) أَيْ فَيَجِبُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِطْرُهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبِلَةِ إلَخْ) وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ لِلْمُسْتَقْبِلَةِ هَكَذَا حُكِيَ الْخِلَافُ فِي الْإِيضَاحِ وَحَكَاهُ فِي الْمَنْظُومَةِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَقَطْ وَفِي التُّحْفَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ إلَى الْعَصْرِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبِلَةِ بِلَا خِلَافٍ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ كَقَوْلِهِمَا وَعَنْ عُمَرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اهـ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُرَى قَبْلَ الزَّوَالِ إلَّا وَهُوَ لِلثَّلَاثِينَ فَيُحْكَمُ بِوُجُوبِ الْفِطْرِ وَالصَّوْمِ عَلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فَوَجَبَ سَبْقُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَالْمَفْهُومُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الرُّؤْيَةُ عِنْدَ عَشِيَّةِ آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الثَّلَاثِينَ وَالْمُخْتَارُ
стр. 322
إنْ كَانَتْ الشَّمْسُ تَتْلُو الْقَمَرَ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَإِنْ كَانَ الْقَمَرُ يَتْلُوهَا فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَقَالَ قَاضِي خَانْ إنْ أَفْطَرُوا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَفْطَرُوا بِتَأْوِيلٍ وَقَالَ ﵊ أَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ) .
قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أَنْزَلَ بِنَظَرٍ أَوْ ادَّهَنَ أَوْ احْتَجَمَ أَوْ اكْتَحَلَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ ذُبَابٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ أَوْ أَكَلَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ أَوْ قَاءَ وَعَادَ لَمْ يُفْطِرْ) أَمَّا إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا فَالْقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الصَّوْمَ فَصَارَ كَالْكَلَامِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ وَكَتَرْكِ النِّيَّةِ فِيهِ وَكَالْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الِاعْتِكَافِ وَلَنَا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» قَالَ فِي الْمُنْتَقَى رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ؛ وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ غَالِبٌ لِلْإِنْسَانِ فَلَوْ كَانَ مُفْطِرًا لَحَرِجُوا وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ فِي الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ لِأَنَّ حَالَتَهُ مُذَكِّرَةٌ وَهَذَا لِأَنَّ هَيْئَتَهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُخَالِفُ هَيْئَةَ الْعَادَةِ وَفِي الصَّوْمِ لَا تُخَالِفُ فَلَا مُذَكِّرَ لَهُ فِيهِ
وَلَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ لِأَنَّا نَقُولُ أَمْرُهُ بِإِتْمَامِ صَوْمِهِ وَبِالْإِمْسَاكِ تَشَبُّهًا لَا يُتِمُّ صَوْمَهُ وَالْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الْإِتْمَامُ لِلصَّوْمِ وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثَبَتَ فِي الْجِمَاعِ دَلَالَةً لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا فَقَالَ لَهُ آخَرُ أَنْتَ صَائِمٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ فَأَكَلَ ثُمَّ تَذَّكَّر أَنَّهُ صَائِمٌ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ أُخْبِرَ بِأَنَّ هَذَا الْأَكْلَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ حُجَّةٌ وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ لَا يَفْسُدُ لِأَنَّهُ نَاسٍ وَلَوْ رَأَى صَائِمًا يَأْكُلُ نَاسِيًا يُذَكِّرُهُ إنْ كَانَ شَابًّا لِأَنَّ لَهُ قُوَّةً بِدُونِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا لَا يُذَكِّرُهُ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَقْدِرُ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَفْصِلْ وَلَوْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا أَفْطَرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَمْ يُفْطِرْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]
وَقَوْلُهُ ﵊ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَالْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ الْحُكْمِ إذْ هُوَ مَوْجُودٌ حِسًّا وَالْحُكْمُ نَوْعَانِ دُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الْفَسَادُ وَأُخْرَوِيٌّ وَهُوَ الْإِثْمُ وَمُسَمَّى الْحُكْمِ يَشْمَلُهُمَا فَيَتَنَاوَلُ الْحُكْمَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْفِطْرَ فَلَا يَفْسُدُ كَالنَّاسِي بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ النَّاسِيَ قَصَدَ الْأَكْلَ وَالْمُخْطِئُ لَيْسَ بِقَاصِدٍ وَلَنَا أَنَّ الْمُفْطِرَ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَيَفْسُدُ صَوْمُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النَّاسِي إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَا فَصَارَ كَمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ هُوَ بِيَدِهِ أَوْ كَمَنْ أَكَلَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَإِذَا هُوَ طَالِعٌ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ وَرَفْعِهِ لِأَنَّهُ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُرَادًا لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مُقْتَضًى وَهُوَ لَا عُمُومَ لَهُ وَالْقِيَاسُ عَلَى النَّاسِي مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّسْيَانَ غَالِبٌ فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَيُعْذَرُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ نَادِرَةٌ فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا بِهِ وَالثَّانِي أَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُمَا وَهُوَ كَوْنُهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ إلَّا أَنَّ وَاحِدًا لَوْ رَآهُ فِي نَهَارِ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَظَنَّ انْقِضَاءَ مُدَّةِ الصَّوْمِ وَأَفْطَرَ عَمْدًا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَإِنْ رَآهُ بَعْدَ الزَّوَالِ ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ هَذَا وَتُكْرَهُ الْإِشَارَةُ إلَى الْهِلَالِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ) وَهُوَ كَوْنُهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُطْلَقًا. اهـ.
[بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا) أَيْ لِصَوْمِهِ لِأَنَّهُ ذَاكِرٌ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَوْ الْجِمَاعِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَقَوْلُهُ نَاسِيًا قَيْدٌ لِلثَّلَاثَةِ اهـ ع (قَوْلُهُ لَمْ يُفْطِرْ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مُسْنَدًا إلَى الْأَكْلِ وَمَا يُضَاهِيهِ اهـ دِرَايَةٌ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ إنْ أَكَلَ نَاسِيًا قَبْلَ النِّيَّةِ ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ وَفِي الْبَقَّالِيِّ النِّسْيَانُ قَبْلَ النِّيَّةِ كَهُوَ بَعْدَهَا. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ فَإِنَّمَا اللَّهُ أَطْعَمَهُ) كَذَا هُوَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ وَفِي مُسْلِمٍ «فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا فَقَالَ آخَرُ أَنْتَ صَائِمٌ إلَخْ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَجُلٌ أَكَلَ نَاسِيًا فَقِيلَ لَهُ إنَّكَ صَائِمٌ وَهُوَ لَا يُذْكَرُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ حُجَّةٌ اهـ (قَوْلُهُ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) وَفِي الْخِزَانَةِ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ حُجَّةٌ) وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى تَأَمُّلِ الْحَالِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ رَأْي صَائِمًا يَأْكُلُ نَاسِيًا إلَخْ) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى غَيْرِهِ يَأْكُلُ نَاسِيًا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَا يُذَكِّرَهُ إذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى صَوْمِهِ وَإِنْ كَانَ يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ مُخْطِئًا) بِأَنْ تَمَضْمَضَ فَسَبَقَ الْمَاءُ حَلْقَهُ (قَوْلُهُ أَوْ مُكْرَهًا) سَوَاءٌ صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ أَوْ شَرِبَهُ بِنَفْسِهِ مُكْرَهًا غَايَةٌ
وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْجِمَاعِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِانْتِشَارِ الْآلَةِ وَذَلِكَ أَمَارَةُ اخْتِيَارِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ فَسَادَ الصَّوْمِ يَتَحَقَّقُ بِالْإِيلَاجِ وَهُوَ مُكْرَهٌ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ انْتَشَرَتْ آلَتُهُ يُجَامِعُ. اهـ. فَتْحٌ
стр. 323
الْحَقُّ وَلِهَذَا قَالَ ﵊ إنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ
وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ الْعِبَادِ فَيَفْتَرِقَانِ كَالْمَرِيضِ وَالْمُقَيَّدِ إذَا صَلَّيَا قَاعِدَيْنِ حَيْثُ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُقَيَّدِ دُونَ الْمَرِيضِ وَأَمَّا إذَا احْتَلَمَ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ» وَلِأَنَّ فِيهِ حَرَجًا لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ إلَّا بِتَرْكِ النَّوْمِ وَهُوَ مُبَاحٌ وَلِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْجِمَاعِ وَلَا مَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِنْزَالُ عَنْ شَهْوَةٍ بِالْمُبَاشَرَةِ وَأَمَّا إذَا أَنْزَلَ بِنَظَرٍ فَلِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ أَنْزَلَ بِالنَّظْرَةِ الْأُولَى لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَإِنْ أَنْزَلَ بِالثَّانِيَةِ يَفْسُدُ لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٍّ «لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا الْأُولَى لَك وَالْأُخْرَى عَلَيْك» وَلِأَنَّ النَّظْرَةَ الْأُولَى تَقَعُ بَغْتَةً فَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهَا بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ وَلَنَا أَنَّ النَّظَرَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهَا فَصَارَ كَالْإِنْزَالِ بِالتَّفَكُّرِ وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ فِي حَقِّ الْإِثْمِ وَلِأَنَّ مَا يَكُونُ مُفَطِّرًا لَا يُشْتَرَطُ التَّكْرَارُ فِيهِ وَمَا لَا يَكُونُ مُفَطِّرًا لَا يُفَطِّرُ بِالتَّكْرَارِ كَالْمَسِّ وَالِاسْتِمْنَاءِ بِالْكَفِّ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُفْسِدُ
وَلَا يَحِلُّ لَهُ إنْ قَصَدَ بِهِ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] إلَى أَنْ قَالَ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أَيْ الظَّالِمُونَ الْمُتَجَاوِزُونَ فَلَمْ يُبَحْ الِاسْتِمْتَاعُ إلَّا بِهِمَا فَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْكَفِّ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ سَأَلْت عَنْهُ عَطَاءً فَقَالَ مَكْرُوهٌ سَمِعْت قَوْمًا يُحْشَرُونَ وَأَيْدِيهِمْ حَبَالَى فَأَظُنُّ أَنَّهُمْ هُمْ هَؤُلَاءِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَذَّبَ اللَّهُ أُمَّةً كَانُوا يَعْبَثُونَ بِمَذَاكِيرِهِمْ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ تَسْكِينَ مَا بِهِ مِنْ الشَّهْوَةِ يُرْجَى أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ وَبَالٌ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَتَى بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَلَوْ قَبَّلَ بَهِيمَةً أَوْ مَسَّ فَرْجَهَا فَأَنْزَلَ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ
وَأَمَّا إذَا ادَّهَنَ فَلِعَدَمِ الْمُنَافِي وَالدَّاخِلُ مِنْ الْمَسَامِّ لَا مِنْ الْمَسَالِكِ لَا يُنَافِيهِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَوَجَدَ بَرْدَهُ فِي كَبِدِهِ وَأَمَّا الِاحْتِجَامُ فَلِمَا رَوَيْنَا وَلِعَدَمِ الْمُنَافِي وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَحْمَدُ يُفَطِّرُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَعَنْ «أَنَسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَالَ لَا إلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَنَسٌ أَوَّلُ مَا كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ «أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَفْطَرَ هَذَانِ ثُمَّ رَخَّصَ ﵊ فِي الْحِجَامَةِ بَعْدُ لِلصَّائِمِ» وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَيْنَا وَلِمَا بَيَّنَّا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَلِأَنَّ احْتِجَامَهُ ﵊ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ وَقَوْلَهُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ وَلِأَنَّ الْحِجَامَةَ لَيْسَ فِيهَا إلَّا إخْرَاجُ الدَّمِ فَصَارَتْ كَالِافْتِصَادِ وَالْجَرْحِ وَأَمَّا الِاكْتِحَالُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْكُحْلِ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْ وَكَذَا لَوْ بَزَقَ وَوَجَدَ لَوْنَهُ فِي الْأَصَحِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَفْسُدُ صَوْمه إذَا وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوِّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَالَ لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدِّمَاغِ مَسْلَكٌ وَالدَّمْعُ يَخْرُجُ بِالتَّرَشُّحِ كَالْعَرَقِ وَالدَّاخِلُ مِنْ الْمَسَامِّ لَا يُنَافِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ مَا يَجِدُهُ فِي حَلْقِهِ أَثَرُ الْكُحْلِ لَا عَيْنُهُ فَلَا يَضُرُّهُ كَمَنْ ذَاقَ الدَّوَاءَ وَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ وَلَا يُمْكِنُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ إلَخْ) يَرْوِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ ضَعِيفٌ اهـ غَايَةٌ وَقَالَ الْكَمَالُ ﵀ بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقٍ وَبَيَّنَ ضَعْفَ رُوَاتِهِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْتَقِي إلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ وَضَعْفُ رُوَاتِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْحِفْظِ لَا الْعَدَالَةِ فَالتَّضَافُرُ دَلِيلُ الْإِجَادَةِ فِي خُصُوصِهِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَيْءِ مَا ذَرَعَ الصَّائِمُ عَلَى مَا سَيَظْهَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَفْسُدُ) قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ لَا يَفْسُدُ. اهـ. غَايَةٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ كَأَنَّهُ اُعْتُبِرَتْ الْمُبَاشَرَةُ الْمَأْخُوذَةُ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مُبَاشَرَةَ الْغَيْرِ أَوْ لَا بِأَنْ يُرَادَ مُبَاشَرَةٌ هِيَ سَبَبُ الْإِنْزَالِ سَوَاءٌ كَانَ مَا بُوشِرَ بِمَا يَشْتَهِي عَادَةً أَوْ لَا وَلِهَذَا أَفْطَرَ بِإِنْزَالٍ فِي فَرَجِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ وَلَيْسَ مِمَّا يَشْتَهِي عَادَةً. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ الدَّاخِلُ مِنْ الْمَسَامِّ) الْمَسَامُّ الْمَنَافِذُ مَأْخُوذٌ مِنْ سَمِّ الْإِبْرَةِ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ إلَّا مِنْ الْأَطِبَّاءِ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إلَى آخِرِهِ) الْقَائِلُ لَهُ ثَابِتٌ الْبُنَانِيَّ عَلَى مَا فِي الْغَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَالَ الرِّوَايَةُ) كَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ إلَى آخِرِهِ) وَقَالَ أَنَسٌ ﵁ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ بَعْدَمَا قَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَيْنَا) قَالَ الشَّيْخُ بَاكِيرٌ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُرْوَى أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَغْتَابَانِ فَقَالَ ﵊ ذَلِكَ أَيْ غَيْبَتُهُمَا أَذْهَبَتْ ثَوَابَ صَوْمِهِمَا فَصَارَا كَالْمُفْطِرِ مِنْ حَيْثُ حِرْمَانُ الثَّوَابِ وَقِيلَ تَأْوِيلُهُ تَعَرَّضَا لِلْإِفْطَارِ الْمَحْجُومُ لِلضَّعْفِ وَالْحَاجِمُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ إلَى جَوْفِهِ بِمَصِّ الْمُلَازِمِ اهـ
(قَوْلُهُ: وَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ) أَيْ وَكَمَنْ أَخَذَ حَنْظَلَةً فِي فَمِهِ فَوَجَدَ مَرَارَتَهَا فِي حَلْقِهِ أَوْ مَاءً فَوَجَدَ عُذُوبَتَهُ أَوْ نَدَاوَتَهُ فِي حَلْقِهِ وَكَمَا لَوْ صَبَّ لَبَنًا فِي عَيْنَيْهِ أَوْ دَوَاءً فَوَجَدَ طَعْمَهُ أَوْ مَرَارَتَهُ فِي حَلْقِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ. اهـ. غَايَةٌ
стр. 324
الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَصَارَ كَالْغُبَارِ وَالدُّخَانِ وَلَئِنْ كَانَ عَيْنَهُ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَسَامِّ فَلَا يُفَطِّرُهُ وَمَا رَوَيَاهُ مُنْكَرٌ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَلَئِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﵊ قَالَ ذَلِكَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵊ عَرَفَ فِي الْإِثْمِدِ صِفَةً لَا تُوَافِقُ الصَّائِمَ كَالْحَرَارَةِ وَنَحْوِهِ
وَلَوْ قَبَّلَ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ إذَا لَمْ يُنْزِلْ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ ﵊ رَخَّصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَالْحِجَامَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ يَعْنِي رُوَاتَهُ وَلِأَنَّ الْمُنَافِيَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ صُورَةً أَوْ مَعْنًى وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْمُصَاهَرَةِ وَالرَّجْعَةِ حَيْثُ يَثْبُتَانِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا أُدِيرَ عَلَى السَّبَبِ الْمُفْضِي إلَى الْوِقَاعِ وَهُنَا عَلَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَنْزَلَ بِالْقُبْلَةِ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْمُصَاهَرَةِ وَيَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وَلَوْ أَنْزَلَ بِقُبْلَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ وَهُوَ الْإِنْزَالُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ فَانْعَدَمَ صُورَةُ الْجِمَاعِ وَهَذَا لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكْفِي لِوُجُوبِهِ وُجُودُ الْمُنَافِي صُورَةً أَوْ مَعْنًى وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِوُجُوبِ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُنَافِي صُورَةً وَمَعْنًى لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ حَيْثُ تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِأَجْلِ جَبْرِ الْفَائِتِ وَفِي الصَّوْمِ حَصَلَ الْجَبْرُ بِالْقَضَاءِ فَكَانَتْ زَاجِرَةً فَقَطْ فَشَابَهَتْ الْحُدُودَ فَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ بِالْإِكْرَاهِ وَالْخَطَإِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ وَلَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ إذَا أَمِنَ الْإِنْزَالَ وَالْجِمَاعَ لِمَا رَوَيْنَا وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ إنْ لَمْ يَأْمَنْ لِأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِفِطْرٍ وَرُبَّمَا يَصِيرُ فِطْرًا بِعَاقِبَتِهِ فَإِنْ أَمِنَ اُعْتُبِرَ عَيْنُهُ فَأُبِيحَ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ يُعْتَبَرُ عَاقِبَتُهُ فَيُكْرَهُ وَالشَّافِعِيُّ أَبَاحَ الْقُبْلَةَ فِي الْحَالَيْنِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيِّنَاهُ وَالْمَسُّ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةُ مِثْلُ التَّقْبِيلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِمَا رَوَيْنَا وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﵊ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَرَخَّصَ لَهُ وَأَتَاهُ آخَرُ فَنَهَاهُ فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ وَاَلَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِيهِمَا وَفِي التَّقْبِيلِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَتِهِ التَّقْبِيلَ فِيهِمَا وَعَلَى مُحَمَّدٍ فِي مَنْعِهِ الْمُبَاشَرَةَ فِيهِمَا
وَتَفْسِيرُ الْمُبَاشَرَةِ أَنْ يَتَجَرَّدَا عَنْ الثِّيَابِ وَيَضَعَ فَرْجَهُ عَلَى فَرْجِهَا وَأَمَّا إذَا دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ ذُبَابٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ فَلِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَأَشْبَهَ الدُّخَانَ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُفَطِّرَهُ لِوُصُولِ الْمُفَطِّرِ إلَى جَوْفِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَغَذَّى بِهِ كَالتُّرَابِ وَالْحَصَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْهُ فَصَارَ كَبَلَلٍ يَبْقَى فِي فِيهِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ وَنَظِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخِزَانَةِ أَنَّ دُمُوعَهُ أَوْ عَرَقَهُ إذَا دَخَلَ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ قَلِيلٌ مِثْلُ قَطْرَةٍ أَوْ قَطْرَتَيْنِ لَا يُفَطِّرُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ بِحَيْثُ يَجِدُ مُلُوحَتَهُ فِي الْحَلْقِ يُفْسِدُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّلْجِ وَالْمَطَرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُفْسِدُهُ لِإِمْكَانِ الِامْتِنَاعِ عَنْهُ بِأَنْ يَأْوِيَهُ خَيْمَةٌ أَوْ سَقْفٌ وَأَمَّا إذَا أَكَلَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا إذَا كَانَ قَلِيلًا مِنْ الَّذِي بَقِيَ مِنْ أَكْلِ اللَّيْلِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يُفَطِّرهُ
وَقَالَ زُفَرُ يُفَطِّرُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْفَمَ لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِالْمَضْمَضَةِ فَيَكُونُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُصَاهَرَةِ وَالرَّجْعَةِ) أَيْ لَوْ قَبْلَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ يَصِيرُ مُرَاجِعًا وَبِالْقُبْلَةِ أَيْضًا مَعَ الشَّهْوَةِ يَنْتَشِرُ لَهَا الذَّكَرُ وَتَثْبُتُ حُرْمَةُ أُمَّهَاتِ الْمُقَبَّلَةِ كَبَنَاتِهَا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ إلَى آخِرِهِ) وَالتَّقْبِيلُ الْفَاحِشُ مَكْرُوهٌ وَهُوَ أَنْ يَمْضُغَ شَفَتَهَا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَالْمَسُّ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَى آخِرِهِ) فِي الذَّخِيرَةِ إنْ مَسَّهَا بِحَائِلٍ فَأَنْزَلَ إنْ وَجَدَ حَرَارَةَ بَدَنِهَا أَفْطَرَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إذَا أَنْزَلَ بِحَائِلٍ فَفِي فَسَادِهِ وَجْهَانِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعَلَى مُحَمَّدٍ إلَى آخِرِهِ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ الْفِتْنَةِ. اهـ. هِدَايَةٌ
قُلْنَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا كَانَ بِحَالٍ يَأْمَنُ فَإِنْ خَافَ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ وَالْأَوْجَهُ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ سَبَبًا غَالِبًا فَأَقَلُّ الْأُمُورِ لُزُومُ الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ تَحَقُّقِ الْخَوْفِ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَيَضَعُ فَرْجَهُ عَلَى فَرْجِهَا إلَى آخِرِهِ) وَهَذَا خَاصٌّ مِنْ مُطْلَقِ الْمُبَاشَرَةِ وَهُوَ الْمُفَادُ بِالْحَدِيثِ فَجَعْلُ الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى مُحَمَّدٍ مَحَلُّ نَظَرٍ إذْ لَا عُمُومَ لِلْفِعْلِ الْمُثْبَتِ فِي أَقْسَامِهِ بَلْ وَلَا فِي الزَّمَانِ وَفَهْمُهُ فِيهِ مِنْ إدْخَالِ الرَّاوِي لَفْظَ كَانَ عَلَى الْمُضَارِعِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَأَشْبَهَ الدُّخَانَ) فَإِنَّ الصَّائِمَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُفْتَحَ فَاهُ يَتَحَدَّثُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَكَانَ عَفْوًا كَافِيًا (قَوْلُهُ وَنَظِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخِزَانَةِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ بَعْدَ أَنْ سَاقَ مَا فِي الْخِزَانَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْقَطْرَةَ يَجِدُ مُلُوحَتَهَا فَالْأَوْلَى عِنْدِي الِاعْتِبَارُ بِوِجْدَانِ الْمُلُوحَةِ لِصَحِيحِ الْحِسِّ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَوْ دَخَلَ دَمْعُهُ أَوْ عَرَقُ جَبِينِهِ أَوْ دَمُ رُعَافِهِ حَلْقَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَتْهُ فَإِنَّهُ عَلَّقَ بِوُصُولِهِ إلَى الْحَلْقِ وَمُجَرَّدُ وُجْدَانِ الْمُلُوحَةِ دَلِيلُ ذَلِكَ انْتَهَى
(قَوْلُهُ بِأَنْ يَأْوَاهُ خَيْمَةٌ أَوْ سَقْفٌ إلَى آخِرِهِ) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ سَائِرًا مُسَافِرًا أَفْسَدَهُ فَالْأَوْلَى تَعْلِيلُ الْإِمْكَانِ لِتَيَسُّرِ طَبْقِ الْفَمِ وَفَتْحِهِ أَحْيَانًا مَعَ الِاحْتِرَاسِ عَنْ الدُّخُولِ وَلَوْ دَخَلَ فَمَه الْمَطَرُ فَابْتَلَعَهُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. اهـ. فَتْحٌ وَلَوْ اسْتَشَمَّ الْمُخَاطَ مِنْ أَنْفِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ إلَى فَمِهِ وَابْتَلَعَهُ عَمْدًا لَا يُفْطِرُ وَلَوْ خَرَجَ رِيقُهُ مِنْ فَمِهِ فَأَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَهُ إنْ كَانَ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ فِيهِ بَلْ الْمُتَّصِلُ بِمَا فِيهِ كَالْخَيْطِ فَاسْتَشْرَبَهُ لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ كَانَ انْقَطَعَ فَأَخَذَهُ وَأَعَادَهُ أَفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ وَلَوْ اخْتَلَطَ بِالرِّيقِ لَوْنُ صِبْغِ إبْرَيْسَمَ يَعْمَلُهُ مُخْرِجًا لِلْخَيْطِ مِنْ فِيهِ فَابْتَلَعَ هَذَا الرِّيقَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ أَفْطَرَ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ بِأَنْ يَأْوَاهُ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ اهـ
стр. 325
دَاخِلًا مِنْ الْخَارِجِ وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ لَا يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ عَادَةً فَصَارَ تَبَعًا لِأَسْنَانِهِ بِمَنْزِلَةِ رِيقِهِ وَالْكَثِيرُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَجُعِلَ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ الْحِمَّصَةِ وَمَا دُونَهُ قَلِيلٌ وَإِنْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ وَأَخْرَجَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ صَوْمُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الصَّائِمَ إذَا ابْتَلَعَ سِمْسِمَةً مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَلَوْ ابْتَلَعَهَا ابْتِدَاءً مِنْ خَارِجٍ يَفْسُدُ وَلَوْ مَضَغَهَا لَا يَفْسُدُ لِأَنَّهَا تَتَلَاشَى وَفِي مِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ زُفَرَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ طَعَامٌ مُتَغَيِّرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَعَافُهُ الطَّبْعُ وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ فِي فِيهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ لَمْ يُفَطِّرْهُ
وَيُكْرَهُ وَلَوْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ يُفَطِّرُهُ كَرِيقِ غَيْرِهِ وَالدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ وَالدَّمُ غَالِبٌ أَوْ مُسَاوٍ فَطَّرَهُ إنْ ابْتَلَعَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَهُ مِنْ خَارِجٍ فَيَنْظُرُ إنْ ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ فَطَّرَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَإِنْ مَضَغَهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يُفَطِّرُهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا إذَا قَاءَ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنْ اسْتِقَاء عَمْدًا فَلْيَقْضِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَيَسْتَوِي فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ وَمَا دُونَهُ إذَا قَاءَ حَتَّى لَا يَفْسُدَ صَوْمُهُ فِيهِمَا وَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ قَاءَ وَعَادَ وَقَعَ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْعَوْدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِانْتِفَاءِ الْإِفْطَارِ عَلَى مَا يَجِيءُ تَفَاصِيلُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَعَادَهُ أَوْ اسْتَقَاءَ أَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ حَدِيدًا قَضَى فَقَطْ) أَيْ إنْ أَعَادَ الْقَيْءَ أَوْ قَاءَ عَامِدًا إلَى آخِرِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَا غَيْرُ أَيْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَمَّا إعَادَةُ الْقَيْءِ وَالِاسْتِقَاءَةِ فَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ قَاءَ عَمْدًا أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ لَا يَكُونَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عَادَ هُوَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَعَادَهُ أَوْ خَرَجَ وَلَمْ يُعِدْهُ وَلَا عَادَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَخَرَجَ لَا يُفَطِّرُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَإِنْ عَادَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصَّوْمِ إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ خَارِجٌ حَتَّى انْتَقَضَتْ بِهِ الطَّهَارَةُ وَقَدْ دَخَلَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُفْسِدُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُورَةُ الْفِطْرُ وَهُوَ الِابْتِلَاعُ وَكَذَا مَعْنَاهُ إذْ لَا يَتَغَذَّى بِهِ فَأَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فَصَارَ تَبَعًا) وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ تَابِعًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ عَنْ بَقَاءِ أَثَرٍ مِنْ الْمَأْكَلِ حَوَالَيْ الْأَسْنَانِ وَإِنْ قَلَّ ثُمَّ يَجْرِي مَعَ الرِّيقِ النَّابِعِ مِنْ مَحَلِّهِ إلَى الْحَلْقِ فَامْتَنَعَ تَعْلِيقُ الْإِفْطَارِ بِعَيْنِهِ فَتَعَلَّقَ بِالْكَثِيرِ وَهُوَ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ كَثِيرًا فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ جَعَلَ الْفَاصِلَ كَوْنَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ فِي ابْتِلَاعِهِ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالرِّيقِ أَوَّلًا الْأَوَّلُ قَلِيلٌ وَالثَّانِي كَثِيرٌ وَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْحُكْمِ بِالْإِفْطَارِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُصُولِ كَوْنُهُ لَا يَسْهُلُ الِاحْتِرَاسُ عَنْهُ وَذَلِكَ فِيمَا يَجْرِي بِنَفْسِهِ مَعَ الرِّيقِ إلَى الْجَوْفِ لَا فِيمَا يَتَعَمَّدُ فِي إدْخَالِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِيهِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فَجُعِلَ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا مِقْدَارَ الْحِمَّصَةِ) وَجُعِلَ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ الْمُفْسِدُ مَا يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ، وَقَدْرُ الْحِمَّصَةِ عَفْوٌ. اهـ. غَايَةٌ قَالَ ثَعْلَبٌ الِاخْتِيَارُ فَتْحُ الْمِيمِ وَقَالَ الْمُبَرَّدُ وَهُوَ الْحِمِّصُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَلَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ إلَّا حِلِّزٌ وَهُوَ الْقَصِيرُ وَجِلِّقٌ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالشَّامِ. اهـ. صِحَاحٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ أَكَلَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ صَوْمُهُ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ أَكَلَ الْمَضْغُ وَالِابْتِلَاعُ أَوْ الْأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ مُجَرَّدِ الِابْتِلَاعِ فَيُفِيدُ حِينَئِذٍ خِلَافَ مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ أَنَّهُ إذَا مَضَغَ مَا أَدْخَلَهُ وَهُوَ دُونَ الْحِمَّصَةِ لَا يُفَطِّرُهُ لَكِنَّ تَشْبِيهَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ الْفَسَادِ فِي ابْتِلَاعِ سِمْسِمَةٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَعَدَمِهِ إذَا مَضَغَهَا يُوجِبُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَكْلِ الِابْتِلَاعُ فَقَطْ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ إعْطَاءُ النَّظِيرِ وَفِي الْكَافِي فِي السِّمْسِمَةِ قَالَ إنْ مَضَغَهَا لَا يَفْسُدُ إلَّا أَنْ يَجِدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا فَلْيَكُنْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ مَضْغَهُ. اهـ. فَتْحٌ وَأَيْضًا إذَا ابْتَلَعَ السِّمْسِمَة حَتَّى فَسَدَ هَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ قِيلَ لَا
وَالْمُخْتَارُ وُجُوبُهَا لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا يُتَغَذَّى بِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ صَوْمُهُ) أَيْ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي السِّمْسِمَة انْتَهَى دِرَايَة (قَوْلُهُ وَلَوْ مَضَغَهَا لَا يَفْسُدُ) وَكَذَا لَوْ مَضَغَ حَبَّةَ حِنْطَةٍ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِأَنَّهَا تَلْتَزِقُ بِأَسْنَانِهِ فَلَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ أَنَّهُ يَعَافُهُ الطَّبْعُ) أَيْ يَكْرَهُهُ انْتَهَى كَاكِيٌّ فَصَارَ نَظِيرَ التُّرَابِ وَزُفَرُ يَقُولُ بَلْ نَظِيرَ اللَّحْمِ الْمُنْتِنِ وَفِيهِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُفْتِيَ فِي الْوَقَائِعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَرْبِ اجْتِهَادٍ وَمَعْرِفَةٍ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَفْتَقِرُ إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ فَيَنْظُرَ فِي صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَعَافُ طَبْعُهُ ذَلِكَ أَخَذَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا أَثَرَ لِذَلِكَ عِنْدَهُ أَخَذَ بِقَوْلِ زُفَرَ وَلَوْ ابْتَلَعَ حَبَّةَ عِنَبٍ لَيْسَ مَعَهَا ثُفْرُوقُهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنْ مَضَغَهَا وَهُوَ مَعَهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) ذَرَعَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ سَبَقَهُ وَغَلَبَهُ انْتَهَى صِحَاحٌ وَمَا رُوِيَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ فِي يَوْمٍ كَانَ يَصُومُهُ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَشَرِبَهُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا كُنْت تَصُومُهُ قَالَ أَجَلْ وَلَكِنِّي قِئْت» مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ عُرُوضِ الضَّعْفِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فَالْجُمْلَةُ فِيهِ) أَيْ فِي مَسَائِلِ الْقَيْءِ انْتَهَى (قَوْلُهُ أَوْ لَا يَكُونُ) مِلْءَ الْفَمِ أَيْ فَصَارَتْ الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةً (قَوْلُهُ أَوْ خَرَجَ وَلَمْ يُعِدْهُ وَلَا عَادَ بِنَفْسِهِ) أَيْ فَصَارَتْ الْأَقْسَامُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ عَادَ هُوَ) أَيْ الْقَيْءُ الَّذِي ذَرَعَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُورَةُ الْفِطْرِ وَهُوَ) أَيْ صُورَةُ الْفِطْرِ ذَكَرَ ضَمِيرَهُ نَظَرًا إلَى الْخَبَرِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ إذْ لَا يُتَغَذَّى بِهِ) أَيْ عَادَةً. اهـ. هِدَايَةٌ قَالَ الْكَمَالُ قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهِ فَإِنَّهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ مَطْعُومٌ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْمَعِدَةِ يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي بِخِلَافِ الْحَصَا وَنَحْوِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَدْ فِيهِ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحِلِّ وَنُفُورِ الطَّبْعِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَأَبُو يُوسُفَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ فَأَصْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْعَوْدِ وَالْإِعَادَةِ اعْتِبَارُ الْخُرُوجِ وَهُوَ بِمِلْءِ الْفَمِ وَأَصَّلَ مُحَمَّدٍ فِيهِ الْإِعَادَةَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. اهـ. فَتْحٌ
стр. 326
الْخُرُوجَ وَمُحَمَّد يَعْتَبِرُ الصُّنْعَ وَإِنْ أَعَادَهُ أَفْطَرَ بِالْإِجْمَاعِ لِوُجُودِ الصُّنْعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْخُرُوجِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَم لَا يُفَطِّرُهُ لِمَا رَوَيْنَا فَإِنْ عَادَ لَا يُفَطِّرُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالصُّنْعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ أَعَادَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِوُجُودِ الصُّنْعِ وَلَا يَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَسَدَ صَوْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَفْرِيعُ الْعَوْدِ وَالْإِعَادَةِ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِالْقَيْءِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ أَفْطَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلَا يَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ الصَّحِيحُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ ثُمَّ إنْ عَادَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُفْطِرْ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَعَادَهُ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ لَا يُفْطِرُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ وَفِي رِوَايَةِ يُفْطِرُ لِكَثْرَةِ الصُّنْعِ وَزُفَرُ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي أَنَّ قَلِيلَهُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَهُوَ جَرَى عَلَى أَصْلِهِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ فِي الصَّوْمِ هَذَا إذَا قَاءَ طَعَامًا أَوْ مَاءً أَوْ مَرَّةً فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ مُفْسِدٍ لِصَوْمِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ مُفْطِرٌ إذَا قَاءَ مِلْءَ الْفَمِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وَإِنْ قَاءَ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِلْءَ فِيهِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ أَوْ غَدْوَةٍ ثُمَّ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ عَشِيَّةٍ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ذَكَرَهُ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَمْ يَفْصِلْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ مِلْءِ الْفَمِ وَمَا دُونَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ مِلْءَ الْفَمِ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ لَا مَا دُونَهُ وَأَمَّا إذَا ابْتَلَعَ الْحَصَاةَ أَوْ الْحَدِيدَ فَلِوُجُودِ صُورَةِ الْفِطْرِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا لَا يُتَغَذَّى بِهِ وَلَا يُتَدَاوَى بِهِ عَادَةً كَالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَفِي الدَّقِيقِ وَالْأُرْزِ وَالْعَجِينِ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَفِي الْمِلْحِ لَا تَجِبُ إلَّا إذَا اعْتَادَ ذَلِكَ يَعْنِي أَكَلَهُ وَحْدَهُ وَقِيلَ فِي قَلِيلِهِ تَجِبُ دُونَ كَثِيرِهِ وَفِي النِّيءِ مِنْ اللَّحْمِ تَجِبُ دُونَ الشَّحْمِ وَعِنْدَ أَبِي اللَّيْثِ تَجِبُ فِي الشَّحْمِ أَيْضًا هَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ قَدِيدٍ وَإِنْ كَانَ قَدِيدًا تَجِبُ فِيهِمَا وَعَلَى هَذَا أَوْرَاقُ الْأَشْجَارِ إنْ كَانَتْ تُؤْكَلُ عَادَةً تَجِبُ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ النَّبَاتَاتُ كُلُّهَا وَلَا تَجِبُ فِي الطِّينِ إلَّا طِينَ الْأَرْمَنِيِّ لِأَنَّهُ يُتَدَاوَى بِهِ وَلَوْ ابْتَلَعَ فُسْتُقَةً غَيْرَ مَشْقُوقَةٍ وَلَمْ يَمْضُغْهَا لَا تَجِبُ وَإِلَّا فَتَجِبُ وَلَوْ الْتَقَمَ لُقْمَةً نَاسِيًا فَتَذَكَّرَ بَعْدَمَا مَضَغَهَا فَابْتَلَعَهَا ذَكَرَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ لَا يُفْطِرُهُ لِمَا رَوَيْنَا) مُسْتَدْرِكٌ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا فَإِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَخَرَجَ إلَى آخِرِهِ وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ ﵀ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ فَعَادَ لَا يُفْطِرُهُ بِالْإِجْمَاعِ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ التَّكْرَارِ وَلِصُلْحٍ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِقَوْلِهِ سَابِقًا إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَتَأَمَّلْ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَعَادَهُ) أَيْ الْقَيْءَ الَّذِي ذَرَعَهُ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ اهـ (قَوْلُهُ وَإِنْ اسْتِقَاءَ عَامِدًا) قَيَّدَ بِهِ لِيَخْرُجَ مَا إذَا اسْتِقَاءَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُف إلَى آخِرِهِ) وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ لَمْ يُفْطِرْ لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ عَدَمِ الْخُرُوجِ (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ) قَالَ الْكَمَالُ وَيَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمَا بِخِلَافِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ إنَّمَا أُنِيطَ بِمَا يَدْخُلُ أَوْ بِالْقَيْءِ عَمْدًا إمَّا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَادَةً دُخُولُ شَيْءٍ أَوْ لَا بِاعْتِبَارِهِ بَلْ ابْتِدَاءً شَرَعَ يُفْطِرُ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَظَ فِيهِ تَحَقُّقَ كَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا أَوْ طَاهِرًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَلْغَمِ وَغَيْرِهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ اهـ
قَوْلُهُ نَقَضَ الطَّهَارَةَ أَيْ بِالْخَارِجِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ بِالنَّجَاسَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ مَحَلِّهَا وَلَمْ يُوجَدْ فِي قَيْءِ الْبَلْغَمِ اهـ (قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا إذَا ابْتَلَعَ الْحَصَاةَ أَوْ الْحَدِيدَ) إنَّمَا قَالَ ابْتَلَعَ وَلَمْ يَقُلْ أَكَلَ لِأَنَّ الْأَكْلَ الْمَضْغُ، وَالْمَضْغُ لَا يَنْفَعِلُ فِي الْحَصَاةِ. اهـ. دَارِيَةٌ (قَوْلُهُ الْفِطْرُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِمَّا دَخَلَ إلَى آخِره) أَيْ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ غَايَةٌ وَرَفَعَهُ فِي الْهِدَايَة وَقَالَ الْكَمَالُ وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى جَمَاعَةٍ اهـ قَالَ الْكَمَالُ ثُمَّ الْجَمْعُ بَيْنَ آثَارِ الْفِطْرِ مِمَّا دَخَلَ وَبَيْنَ آثَارِ الْقَيْءِ أَنَّ فِي الْقَيْءِ يَتَحَقَّقُ رُجُوعُ شَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ وَإِنْ قَلَّ فَلِاعْتِبَارِهِ يُفْطِرُ وَفِيمَا إذَا ذَرَعَهُ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادِ فَكَانَ كَالنِّسْيَانِ لَا كَالْإِكْرَاهِ وَالْخَطَأِ اهـ (قَوْلُهُ وَقِيلَ فِي قَلِيلِهِ تَجِبُ دُونَ كَثِيرِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ. اهـ. غَايَةٌ وَهَذَا مِنْ الِامْتِحَانِيَّاتِ اهـ (قَوْلُهُ وَفِي النِّيءِ مِنْ اللَّحْمِ تَجِبُ) وَإِنْ كَانَ مَيْتَةً كَانَ مُنْتِنًا إلَّا إنْ دَوَّدَتْ فَلَا تَجِبُ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ قَدِيدًا تَجِبُ فِيهِمَا) أَيْ بِلَا خِلَافٍ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَا تَجِبُ فِي الطِّينِ) أَيْ وَلَا فِي النَّوَاةِ وَالْقُطْنِ وَالْكَاغَدِ وَالسَّفَرْجَلِ إذَا لَمْ يُدْرَكْ وَلَا هُوَ مَطْبُوخٌ وَلَا فِي ابْتِلَاعِ الْجَوْزَةِ الرَّطْبَةِ وَتَجِبُ لَوْ مَضَغَهَا وَبَلَعَ الْيَابِسَةَ وَمَضَغَهَا عَلَى هَذَا وَكَذَا يَابِسُ اللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ وَقِيلَ هَذَا إنْ وَصَلَ الْقِشْرُ أَوَّلًا إلَى حَلْقِهِ أَمَّا إذَا وَصَلَ اللُّبُّ أَوَّلًا كَفَّرَ وَفِي ابْتِلَاعِ اللَّوْزَةِ الرَّطْبَةِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا تُؤْكَلُ كَمَا هِيَ بِخِلَافِ الْجَوْزَةِ فَلِهَذَا افْتَرَقَا وَابْتِلَاعُ التُّفَّاحَةِ كَالْمَوْزَةِ وَالرُّمَّانَةِ، وَالْبَيْضَةُ كَالْجَوْزَةِ وَفِي ابْتِلَاعِ الْبِطِّيخَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْخَوْخَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْهَلِيلَجَة رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ. اهـ. فَتْحٌ وَلَوْ أَكَلَ كَافُورًا أَوْ مِسْكًا أَوْ زَعْفَرَانًا أَوْ غَالِيَةً كَفَّرَ لِأَنَّهُ يُتَدَاوَى بِهَا. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ إلَّا طِينَ الْأَرْمَنِيِّ) قَالَ الْكَمَالُ وَتَجِبُ بِالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ وَبِغَيْرِهِ عَلَى مَنْ يَعْتَادُ أَكْلَهُ كَالْمُسَمَّى بِالطَّفْلِ لَا عَلَى مَنْ لَا يَعْتَادُهُ وَلَا بِأَكْلِ الدَّمِ إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ اهـ (قَوْلُهُ وَلَوْ ابْتَلَعَ فُسْتُقَةً غَيْرَ مَشْقُوقَةٍ) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَإِنْ ابْتَلَعَ فُسْتُقَةً مَشْقُوقَةً تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْقُوقَةً لَا تَجِبُ إلَّا إذَا مَضَغَهَا اهـ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَتَجِبُ) بِأَنْ كَانَتْ مَشْقُوقَةً فَابْتَلَعَهَا أَوْ غَيْرَ مَشْقُوقَةٍ فَمَضَغَهَا اهـ
стр. 327
لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ قِيلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَقِيلَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا وَقِيلَ إنْ ابْتَلَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ فِيهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ ثُمَّ أَعَادَهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا تَعَافُهَا النَّفْسُ وَمَا دَامَتْ فِي فَمِهِ يَتَلَذَّذُ بِهَا وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ قِيلَ إنْ كَانَتْ سُخْنَةً بَعْدُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ
قَالَ ﵀ (وَمَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا غِذَاءً أَوْ دَوَاءً قَضَى وَكَفَّرَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ) أَمَّا وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَلِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْفَائِتَةِ إذْ فِي صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ مَصْلَحَةٌ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْحَكِيمُ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَقَدْ فَوَّتَهُ فَيَقْضِيهِ لِتَحْصِيلِهَا وَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ قَرِيبٍ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِنْزَالُ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْجِمَاعِ كَالْحَدِّ وَالِاغْتِسَالِ وَغَيْرِهِمَا تَتَعَلَّقُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَفَسَادُ الصَّوْمِ وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مِنْهَا وَلِأَنَّ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ مُتَحَقِّقٌ بِدُونِ الْإِنْزَالِ وَإِنَّمَا هُوَ تَبَعٌ وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِهَا وَالْجِمَاعُ فِي الدُّبُرِ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُسْتَقْذَرٌ وَمَنْ لَهُ طَبِيعَةٌ سَلِيمَةٌ لَا يَمِيلُ إلَيْهِ فَلَا يَسْتَدْعِي زَاجِرًا لِلِامْتِنَاعِ بِدُونِهِ فَصَارَ كَالْحَدِّ وَفِيمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُشْتَهًى عَلَى الْكَمَالِ وَهُوَ الْأَصَحُّ بِخِلَافِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالزِّنَا وَلَيْسَ هَذَا بِزِنًا حَقِيقَةً لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ الْخَالِي عَنْ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ وَلَا مَعْنَى لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إفْسَادُ الْفِرَاشِ وَاشْتِبَاهُ الْأَنْسَابِ
وَقَوْلُهُ أَوْ جُومِعَ نَصَّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ وَعَلَى الْمَرْأَةِ إنْ كَانَ بِطَوْعِهَا وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْوِقَاعِ وَهُوَ مِنْهُ دُونَهَا وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلٌّ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَوْ كَانَتْ تَجِبُ عَلَيْهَا لَبَعَثَ إلَيْهَا أَوْ أَفْتَاهُ بِذَلِكَ كَمَا بَعَثَ أُنَيْسًا إلَى امْرَأَةِ صَاحِبِ الْعَسِيفِ وَقَالَ إنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا حِينَ ادَّعَى زِنَاهَا وَفِي قَوْلٍ تَجِبُ عَلَيْهَا وَيَتَحَمَّلُ عَنْهَا الزَّوْجُ إذَا كَفَّرَ بِالْمَالِ كَثَمَنِ الْمَاءِ لِلِاغْتِسَالِ وَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ يَجِبُ عَلَيْهَا وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ إنْ كَانَتْ سُخْنَةً بَعْدُ إلَى آخِرِهِ) لَا إنْ تَرَكَهَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ حَتَّى بَرَدَتْ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تُعَافُ لَا قَبْلَهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ عِنْدَ الْكُلِّ فِي السُّقُوطِ الْعِيَافَةُ غَيْرَ أَنَّ كُلًّا وَقَعَ عِنْدَهُ إنَّ الِاسْتِكْرَاءَ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ كَذَا لَا كَذَا. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ إلَى آخِرِهِ) وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ امْرَأَتَانِ تَسَاحَقَتَا فَإِنْ أَنْزَلَتَا فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ لَمْ تُنْزِلَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا انْتَهَى غَايَةٌ وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ انْتَهَى دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ عَمْدًا) يَعْنِي فِي صَوْمِ رَمَضَانَ. اهـ. غَايَةٌ وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ مَنْ أَكَلَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا عَلَى وَجْهِ الشُّهْرَةِ يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ قَضَى وَكَفَّرَ) أَيْ إذَا كَانَ عَمْدًا وَقَدْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ) وَالْكَافُ فِي كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ لِأَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَكَفَّرَ تَكْفِيرًا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّرْتِيبِ اهـ ع (قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِنْزَالُ) أَيْ فِي الْمَحَلَّيْنِ اهـ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ مُتَحَقِّقٌ بِدُونِ الْإِنْزَالِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ كَمَا بِالْأَكْلِ تَجِبُ بِلُقْمَةٍ لَا بِالشِّبَعِ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ الْإِنْزَالُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَهُوَ عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَأَنْ لَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَفِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ الَّتِي يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهَا أَوْلَى فَعَدَمُ الِاشْتِرَاطِ عَلَى هَذَا ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ نَصِّ الْحَدِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ مِنْهُ دُونَهَا) أَيْ وَلِهَذَا يُقَالُ جَامَعَ فُلَانٌ وَلَا يُقَالُ جَامَعَتْ. اهـ. (قَوْلُهُ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَى الْمَرْأَةِ) أَيْ امْرَأَةِ الْأَعْرَابِيِّ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهَا اهـ (قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ مَنْ أَفْطَرَ إلَى آخِرِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَذَا قَالَ سَبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى نِهَايَةُ الصَّنَائِعِ قُلْت لَا أَصْلَ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُخَرِّجَهُ الشَّيْخَانِ. اهـ. غَايَةٌ
(فَرْعٌ) وَفِي الْمُجْتَبَى فِي الْمَبْسُوطَيْنِ لَوْ مَكَّنَتْ نَفْسَهَا مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ فَزَنَى بِهَا فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ وَفِي النَّوَادِرِ عَلَى قِيَاسِ الْحَدِّ لَا يَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُكْرَهَةً لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ الشَّرْطُ الْإِكْرَاهُ عِنْدَ الْإِيلَاجِ وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ لَوْ وَقَعَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَمَا لَا فَلَا وَلَوْ أَكْرَهَتْ زَوْجَهَا عَلَى الْجِمَاعِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَبِهِ يُفْتِي وَقَالَ قَاضِي خَانْ لَوْ جَامَعَ مُكْرَهًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَا الْكَفَّارَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الِانْتِشَارَ أَمَارَةُ الِاخْتِيَارِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَلَوْ كَتَمَتْ طُلُوعَ الْفَجْرِ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى جَامَعَهَا فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ. اهـ. دِرَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ) قَالَ الْكَمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِالْإِفْطَارِ فَإِنْ قِيلَ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ وَاقِعَةِ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَيَجِبُ كَوْنُ ذَلِكَ الْفِطْرِ بِأَمْرٍ خَاصٍّ لَا بِالْأَعَمِّ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ أَنَّهُ بِالْجِمَاعِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا مُتَمَسَّكَ بِهِ لِأَحَدٍ بَلْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ جِمَاعُ الرَّجُلِ وَهُوَ السَّائِلُ بِمَجِيئِهِ مُفَسِّرًا لِذَلِكَ بِرِوَايَةِ نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْنَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ تَعْلِيقُهَا بِالْإِفْطَارِ وَهِيَ عِبَارَةُ الرَّاوِي أَعَنَى أَبَا هُرَيْرَةَ إذْ أَفَادَ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ خُصُوصِ الْأَحْوَالِ الَّتِي شَاهَدَهَا فِي قَضَائِهِ ﷺ أَوْ سَمِعَ مَا يُفِيدُ أَنَّ إيجَابَهَا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ إفْطَارٌ لَا بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ الْإِفْطَارِ فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ وَهَذَا كَمَا قَالُوهُ فِي أُصُولِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا نَقَلَ الرَّاوِي بِلَفْظٍ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فَإِنَّهُمْ اخْتَارُوا اعْتِبَارَهُ وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الرَّاوِي قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى فَهَذَا مِثْلُهُ بِلَا تَفَاوُتٍ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَلِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَيْهَا إذَا طَاوَعَتْهُ فَالْكَفَّارَةُ أَوْلَى
стр. 328
بِمَعْنَاهُ وَكَلِمَةُ مَنْ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْإِفْسَادِ وَقَدْ شَارَكَتْهُ فِيهِ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ مَعَ أَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ فَالْكَفَّارَةُ أَوْلَى وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَوْ عُقُوبَةٌ وَلَا تَحَمُّلَ فِيهِمَا عَنْ الْغَيْرِ
وَإِنَّمَا لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ لِأَنَّ الْبَيَانَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ بَيَانٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْجِنَايَةِ وَحُكْمِهَا وَالْمَقْصُودُ فِيهِ الْإِعْلَامُ وَمَعْرِفَةُ الْحُكْمِ بِالْفَتْوَى وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ قَضِيَّةِ صَاحِبِ الْعَسِيفِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ إقَامَةُ الْحَدِّ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْبَعْثِ إلَيْهَا وَلِأَنَّ اعْتِرَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ اعْتِرَافًا عَلَيْهَا وَلَا يَلْزَمُهَا بِخِلَافِ امْرَأَةِ صَاحِبِ الْعَسِيفِ فَإِنَّهُ جَاءَ لِذَلِكَ وَاعْتَرَفَ عَلَيْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَعْثِ لِيَنْكَشِفَ الْحَالُ وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَبْعَثْ ﵊ إلَى الْمَرْأَةِ فِي قَضِيَّةِ مَاعِزٍ حِينَ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ مُفْطِرَةً بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لِذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَأَمَّا وُجُوبُهَا بِأَكْلِ مَا يَتَغَذَّى بِهِ أَوْ يَتَدَاوَى بِهِ أَوْ يَشْرَبُهُ فَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجِبُ بِهَا لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ كَالْحَدِّ وَلَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ لِأَنَّ شَهْوَةَ الْفَرْجِ أَشَدُّ هَيَجَانًا وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ أَشَقُّ عَلَى الْمَرْءِ وَعِنْدَ حُصُولِهِ يَغْلِبُ الْبَشَرَ وَلَا كَذَلِكَ شَهْوَةُ الْبَطْنِ فَيَكُونُ أَدْعَى إلَى الزَّاجِرِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا هُوَ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الزَّاجِرِ وَنَظِيرُهُ شُرْبُ الْخَمْرِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَلِأَنَّهَا شُرِعَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِارْتِفَاعِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ ﵊ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَلَفْظُ أَفْطَرَ فِي الْحَدِيثَيْنِ يَتَنَاوَلُ الْمَأْكُولَ وَغَيْرَهُ وَلِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْإِفْسَادِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ لَا بِالْجِمَاعِ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْإِفْسَادُ دُونَ الْجِمَاعِ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِوَطْءِ مَنْكُوحَتِهِ وَمَمْلُوكَتِهِ إذَا كَانَ بِالنَّهَارِ لِوُجُودِ الْإِفْسَادِ لَا بِاللَّيْلِ لِعَدَمِهِ بِخِلَافِ الْحَدِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ جَعَلَهُ عِلَّةً لَهَا بِقَوْلِهِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ الْحَدِيثَ فَبَطَلَ قَوْلُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَهْوَةَ الْفَرْجِ أَشَدُّ هَيَجَانًا وَلَا الصَّبْرَ عَنْ اقْتِضَائِهِ أَشَدُّ عَلَى الْمَرْءِ بَلْ شَهْوَةُ الْبَطْنِ أَشَدُّ وَهُوَ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ وَلِهَذَا رُخِّصَ فِيهِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِئَلَّا يَهْلَكَ بِخِلَافِ الْفَرْجِ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُضْعِفُ شَهْوَةَ الْفَرْجِ وَلِهَذَا أَمَرَ ﵊ الْعَزَبَ بِالصَّوْمِ وَيُقَوِّي شَهْوَةَ الْبَطْنِ فَكَانَ أَدْعَى إلَى الزَّاجِرِ وَبِإِيجَابِ الْإِعْتَاقِ تَكْفِيرًا عُلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ وَحْدَهَا غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ لِهَذَا الذَّنْبِ وَأَمَّا كَوْنُهَا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ يَعْنِي فِي التَّرْتِيبِ فَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ هَلَكْت يَا رَسُولَ اللَّه قَالَ وَمَا أَهْلَكَك قَالَ وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا قَالَ لَا ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﵊ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا قَالَ عَلَى أَفْقَرَ مِنَّا فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى وُجُوبِهِ مُرَتَّبًا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
عَلَى نَظِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَتَكُونُ ثَابِتَةً بِدَلَالَةِ نَصِّ حَدِّهَا اهـ
(قَوْلُهُ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ) وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بَيَانُ حُكْمِ الرَّجُلِ بَيَانُ حُكْمِ الْمَرْأَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «حُكْمِي فِي الْوَاحِدِ حُكْمِي فِي الْجَمَاعَةِ وَخِطَابِي لِلْوَاحِدِ خِطَابٌ لِلْجَمَاعَةِ» وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ حُكْمَ الْإِمَاءِ فِي الْحَدِّ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَكَانَ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ كَالْأَمَةِ اهـ كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَعْرِفَةُ الْحُكْمِ بِالْفَتْوَى وَقَدْ حَصَلَ) أَيْ وَسُكُوتُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهَا كَمَا لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُهُ عَنْ فَسَادِ صَوْمِهَا وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَسْأَلْهُ عَنْهَا وَلَا سَأَلَهُ الزَّوْجُ عَنْهَا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً) أَيْ وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أُهْلِكْت فِي رِوَايَةٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْإِفْسَادِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَقَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ هَلَكَتْ أَشَارَ إلَى هَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ بِإِفْسَادِ صَوْمَهُ وَكَانَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِالْفِطْرِ الْهَاتِكِ لِحُرْمَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ لَا بِنَفْسِ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّ جِمَاعَ زَوْجَتِهِ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ حَلَالٌ عِنْدَ عَدَمِ إفْسَادِ الصَّوْمِ اهـ
(قَوْلُهُ وَبِإِيجَابِ الْإِعْتَاقِ إلَى آخِرِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فِي وَجْهِ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ لِارْتِفَاعِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ وَهُوَ غَيْرُ دَافِعٍ لِكَلَامِهِ لِأَنَّهُ يُسَلَّمُ أَنَّ هَذَا الذَّنْبَ لَا يَرْتَفِعُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ وَبِهَذَا يَثْبُتُ كَوْنُهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يَعْنِي الْقَاعِدَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ فِي الشَّرْعِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى آخِرِهِ) اسْمُهُ سَلَمَةُ الْبَيَاضِيُّ الْأَنْصَارِيُّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ) الْعَرَقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَيُرْوَى بِسُكُونِ الرَّاءِ مِكْتَلٌ مِنْ الْخُوصِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَقَالَ تَصَدَّقْ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ وَيُرْوَى بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشْرَ صَاعًا. اهـ. (قَوْلُهُ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) اللَّابَةُ الْحَرَّةُ وَهِيَ حِجَارَةٌ سُودٌ وَالْمَدِينَةُ يَكْتَنِفُهَا حَرَّتَانِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) وَفِي لَفْظٍ ثَنَايَاهُ وَفِي لَفْظٍ أَنْيَابُهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ قَالَ اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك إلَى آخِرِهِ) زَادَ فِي الْهِدَايَةِ يُجْزِيك وَلَا يُجْزِي أَحَدًا بَعْدَك اهـ
وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد زَادَ الزُّهْرِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ التَّكْفِيرِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ذَلِكَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَعَنْ ذَلِكَ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَفْطَرَ قَالَ لِانْتِسَاخِهِ بِمَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ كُلْهَا
стр. 329
فَخُصَّ الْأَعْرَابِيُّ بِأَحْكَامٍ ثَلَاثَةٍ بِجَوَازِ الْإِطْعَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصِّيَامِ وَصَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ وَالِاكْتِفَاءِ بَخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا
قَالَ ﵀ (وَلَا كَفَّارَةَ بِالْإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ) لِانْعِدَامِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِوُجُودِهِ مَعْنًى وَالْمُرَادُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ غَيْرُ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ كَالْفَخِذِ وَالْإِبْطِ وَالْبَطْنِ وَهُوَ فِي مَعْنَى اللَّمْسِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ هَذَا قَالَ ﵀ (وَبِإِفْسَادِ صَوْمٍ غَيْرِ رَمَضَانَ) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَلَوْ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَرَدَتْ فِي هَتْكِ حُرْمَةِ رَمَضَانَ إذْ لَا يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ عَنْ الصَّوْمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الزَّمَانِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ أَوْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً بِدَوَاءٍ وَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ أَفْطَرَ) لِأَنَّ الْفِطْرَ مِمَّا دَخَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَالْمُرَادُ بِالْإِقْطَارِ فِي أُذُنِهِ الدُّهْنُ وَأَمَّا إذَا أَقْطَرَ فِيهَا الْمَاءَ فَلَا يُفْطِرُ ذَكَرَهُ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَلَوْ اسْتَنْشَقَ وَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى دِمَاغِهِ أَفْطَرَ فَجَعَلَ الدِّمَاغَ كَالْجَوْفِ لِأَنَّ قِوَامَ الْبَدَنِ بِهِمَا وَشَرَطَ الْقُدُورِيُّ أَنْ يَكُونَ الدَّوَاءُ رَطْبًا وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ لَا لِكَوْنِهِ يَابِسًا أَوْ رَطْبًا وَإِنَّمَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
أَنْتَ وَعِيَالَك اهـ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَأَمَّا رَفْعُ الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ يُجْزِيك وَلَا يُجْزِي أَحَدًا بَعْدَك فَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ وَكَذَا لَفْظُ الْفَرْقِ بِالْفَاءِ بَلْ بِالْعَيْنِ وَهُوَ مِكْتَلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا عَلَى مَا قَبْلُ قُلْنَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ أُخِّرَ عَنْهُ إلَى الْمَيْسَرَةِ إذَا كَانَ فَقِيرًا فِي الْحَالِ عَاجِزًا عَنْ الصَّوْمِ بَعْدَمَا ذَكَرَ لَهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قِيلَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خُصُوصِيَّةٌ لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْك وَلَفْظُ وَأَهْلَكْت لَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ اهـ فَتْحٌ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ فَخُصَّ الْأَعْرَابِيُّ إلَى آخِرِهِ) نَقَلَهُ فِي الْغَايَةِ عَنْ الْحَوَاشِي اهـ فَإِنْ قِيلَ اعْتَرَفَ بِالْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَلَمْ يُعَزِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ مُسْتَفْتٍ فَلَوْ عُزِّرَ لَامْتَنَعَ مِنْ الِاسْتِفْتَاءِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الِاسْتِفْتَاءِ فَلَمْ يُعَزِّرْهُ لِذَلِكَ قُلْت قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ فَلَا يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْزِيرِ وَقَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ هَلَكْت يُشْعِرُ بِالْعَمْدِيَّةِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالتَّحْرِيمِ وَلَوْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ لَعُدَّ مِنْهُ عُذْرًا لِنَفْسِهِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ) بِفَتْحِ التَّاءِ فِيهِمَا. اهـ. غَايَةٌ وَالسَّعُوطُ بِفَتْحِ السِّينِ مَا يُجْعَلُ فِي الْأَنْفِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ اهـ ع (قَوْلُهُ أَوْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَا فِي الْآمَّةِ وَالْجَائِفَةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يُفْطِرُ وَالْخِلَافُ مَذْكُورٌ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَعَلَيْك بِمُرَاجَعَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ تَحْقِيقَ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَوَصَلَ) أَيْ الدَّوَاءُ إلَى جَوْفِهِ يَرْجِعُ إلَى الْجَائِفَةِ لِأَنَّهَا الْجِرَاحَةُ فِي الْبَطْنِ أَوْ دِمَاغِهِ يَرْجِعُ إلَى الْآمَّةِ لِأَنَّهَا الْجِرَاحَةُ فِي الرَّأْسِ مِنْ أَمَمْته بِالْعَصَا ضَرَبْت أُمَّ رَأْسِهِ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي هِيَ مَجْمَعُ الرَّأْسِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْفِطْرَ مِمَّا دَخَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلِوُجُودِ مَعْنَى الْفِطْرِ وَهُوَ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ وَلَا كَفَّارَةَ لِانْعِدَامِ الصُّورَةِ اهـ
قَالَ الْكَمَالُ ﵀ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْفِطْرُ إلَّا بِصُورَتِهِ أَوْ مَعْنَاهُ وَقَدَّمَ أَنَّ صُورَتَهُ الِابْتِلَاعُ وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَاهُ وُصُولُ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ إلَى الْجُوَافِ فَاقْتَضَى فِيمَا لَوْ طُعِنَ بِرُمْحٍ أَوْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَبَقِيَ الْحَدِيدُ فِي بَطْنِهِ أَوْ أَدْخَلَ خَشَبَةً فِي دُبُرِهِ وَغَيَّبَهَا أَوْ احْتَشَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ أَوْ اسْتَنْجَى فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى دَاخِلِ دُبُرِهِ لِمُبَالَغَتِهِ فِيهِ عَدَمُ الْفِطْرِ لِفُقْدَانِ الصُّورَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْمَعْنَى وَهُوَ وُصُولُ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ مِنْ التَّغْذِيَةِ أَوْ التَّدَاوِي لَكِنَّ الثَّابِتَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّعْنَةِ وَالرَّمْيَةِ الْخِلَافُ وَصَحَّحَ عَدَمَ الْإِفْطَارِ جَمَاعَةٌ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي ثُبُوتِ الْإِفْطَارِ فِيمَا بَعْدَهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ طَرَفُ الْخَشَبَةِ بِيَدِهِ وَطَرَفُ الْحَشْوِ فِي الْفَرْجِ الْخَارِجِ وَالْمَاءُ لَمْ يَصِلْ إلَى كَثِيرِ دَاخِلٍ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ وَالْحَدُّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ الْفَسَادُ قَدْرُ الْمِحْقَنَةِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَقَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ اهـ
نَعَمْ لَوْ خَرَجَ سُرْمُهُ فَغَسَلَهُ ثَبَتَ ذَلِكَ الْوُصُولُ بِلَا اسْتِبْعَادٍ فَإِنْ قَامَ قَبْلَ أَنْ يُنَشِّفَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَشَّفَهُ لِأَنَّ الْمَاءَ اتَّصَلَ بِظَاهِرٍ ثُمَّ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَاطِنِ بِعَوْدِ الْمَقْعَدَةِ لَا يُقَالُ الْمَاءُ فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ لِأَنَّا نَقُولُ ذَكَرُوا أَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى هُنَاكَ يُورِثُ دَاءً عَظِيمًا لَا يُقَالُ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ عَلَى مَا بِحَيْثُ يَصْلُحُ بِهِ وَتَنْدَفِعُ حَاجَتُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْصُلُ عِنْدَهُ ضَرَرٌ أَحْيَانًا فَيَنْدَفِعُ إشْكَالُ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ مَا اخْتَارَهُ مِنْ عَدَمِ الْفَسَادِ فِيمَا إذَا دَخَلَ الْمَاءُ أُذُنَيْهِ أَوْ أَدْخَلَهُ بِقَوْلِهِ لِانْعِدَامِ الْمَعْنَى وَالصُّورَةِ وَذَلِكَ أَفَادَهُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِ دِمَاغِهِ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَا فِيهِ صَلَاحَ مَا ذَكَرْت لَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّعْلِيلُ وَبَسَطَهُ فِي الْكَافِي فَقَالَ لِأَنَّ الْمَاءَ يَفْسُدُ بِمُخَالَطَةِ خَلْطٍ دَاخِلَ الْأُذُنِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ شَيْءٌ مُصْلِحٌ لَهُ فَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى الْفِطْرِ فَلَا يُفْسِدُهُ فَالْأَوْلَى تَفْسِيرُ الصُّورَةِ بِالْإِدْخَالِ بِصُنْعِهِ كَمَا هُوَ فِي عِبَارَةِ الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ فِي تَعْلِيلِ مَا اخْتَارَهُ مِنْ ثُبُوتِ الْفَسَادِ إذَا أَدْخَلَ الْمَاءَ أُذُنَهُ لَا إذَا دَخَلَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ كَمَا إذَا خَاضَ نَهْرًا حَيْثُ قَالَ إذَا خَاضَ الْمَاءَ فَدَخَلَ أُذُنَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ فِيهَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْفَسَادُ لِأَنَّهُ مُوَصَّلٌ إلَى الْجَوْفِ بِفِعْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ خَشَبَةً وَغَيَّبَهَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَبِهِ تَنْدَفِعُ الْإِشْكَالَاتُ وَيَظْهَرُ أَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْمَاءِ التَّفْصِيلُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي ﵀ وَعَلَى هَذَا فَاعْتِبَارُ مَا بِهِ الصَّلَاحُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْإِفْطَارِ إمَّا عَلَى مَعْنَى مَا بِهِ فِي نَفْسِهِ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ فِي السُّؤَالِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ لِتَعْمِيمِ عَدَمِ الْإِفْسَادِ فِي دُخُولِ الْمَاءِ الْأُذُنَ فَيَصْلُحُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِيهِ وَوَجْهُ أَنَّهُ لَازِمٌ فِيمَا لَوْ احْتَقَنَ بِحُقْنَةٍ ضَارَّةٍ لِخُصُوصِ مَرَضِ الْمُحْتَقِنِ أَوْ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الشِّبَعِ وَالِامْتِلَاءِ قَرِيبًا مِنْ التُّخَمَةِ فَإِنَّ الْأَكْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَة مَضَرَّةٌ وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ فَضْلًا عَنْ الْقَضَاءِ الْكَفَّارَةُ وَإِمَّا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِصْلَاحِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْكَافِي وَالْمُصَنِّفِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ تَعْمِيمُ الْفَسَادِ فِي الْمَاءِ الدَّاخِلِ
стр. 330
شَرَطَهُ الْقُدُورِيُّ لِأَنَّ الرَّطْبَ هُوَ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ عَادَةً وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ لَوْ أَدْخَلَتْ الصَّائِمَةُ أُصْبُعَهَا فِي فَرْجِهَا أَوْ دُبُرِهَا لَا يَفْسُدُ عَلَى الْمُخْتَار إلَّا أَنْ تَكُونَ مَبْلُولَةً بِمَاءٍ أَوْ دُهْنٍ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْقَضَاءِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْوُجُوبِ كَالْخَشَبَةِ لَا كَالذَّكَرِ وَفِي الْخِزَانَةِ أَدْخَلَ قُطْنَةً فِي دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ فَغَيَّبَهَا قَضَاهُ وَإِنْ كَانَ طَرَفُهُ خَارِجًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَنَفَذَ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى أَوْ بِحَجَرٍ فِي جَائِفَةٍ فَدَخَلَ فِي جَوْفِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَإِنْ وَضَعَتْ حَشْوًا فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ فَسَدَ صَوْمُهَا وَلَوْ دَخَلَ الْمَاءُ بَاطِنَهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ فَسَدَ وَلَوْ خَرَجَتْ مَقْعَدَتُهُ فَغَسَلَهَا ثُمَّ أَدْخَلَهَا فَسَدَ صَوْمُهُ إلَّا أَنْ يُجَفِّفَهَا قَبْلَهُ وَلَوْ طُعِنَ بِرُمْحٍ أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ وَبَقِيَ فِي جَوْفِهِ فَسَدَ وَإِنْ بَقِيَ طَرَفُهُ خَارِجًا لَمْ يَفْسُدْ وَلَوْ شَدَّ الطَّعَامَ بِخَيْطٍ وَأَرْسَلَهُ فِي حَلْقِهِ وَطَرَفُ الْخَيْطِ فِي يَدِهِ لَا يَفْسُدُ إلَّا إذَا انْفَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَقْطَرَ فِي إحْلِيلِهِ لَا) أَيْ لَا يُفْطِرُ سَوَاءٌ أَقْطَرَ فِيهِ الْمَاءَ أَوْ الدُّهْنَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُفَطِّرُهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ تَوَقَّفَ فِيهِ وَقِيلَ هُوَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ أَمْ لَا وَهُوَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ عَلَى التَّحْقِيقِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَنْفَذَ لَهُ وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ الْبَوْلُ فِيهَا بِالتَّرْشِيحِ كَذَا يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا وَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصِلْ بِأَنْ كَانَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ بَعْدُ لَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الْمَثَانَةَ نَفْسَهَا جَوْفًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ مَا دَامَ فِي الْقَصَبَةِ وَلَيْسَا بِشَيْءٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِقْطَارِ فِي قُبُلِهَا وَالصَّحِيحُ الْفِطْرُ
قَالَ ﵀ (وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ وَمَضْغُ الْعِلْكِ) أَمَّا كَرَاهِيَةُ الذَّوْقِ فَلِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِإِفْسَادِ صَوْمِهِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا سَيِّئَ الْخُلُقِ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَذُوقَ الْمَرْأَةُ الْمَرَقَ بِلِسَانِهَا قَالُوا هَذَا فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِيهِ مُبَاحٌ بِالْعُذْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَبِغَيْرِهِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمَّا مَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ أَيْ مَضْغُ الصَّائِمِ فَلِمَا بَيَّنَّا مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْإِفْسَادِ وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ بِأَنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَمْضُغُ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يَصُومُ وَلَمْ تَجِدْ طَبِيخًا وَلَا لَبَنًا حَلِيبًا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
لِلْأُذُنِ وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ تَعْمِيمُ عَدَمِهِ فِيهِ اهـ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَبْلُولَةً بِمَاءٍ أَوْ دُهْنٍ) أَيْ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ إنْ كَانَتْ ذَاكِرَةً صَوْمَهَا قُلْت وَهَذَا تَنْبِيهٌ حَسَنٌ يَجِبُ أَنْ يُحْفَظَ إذْ الصَّوْمُ إنَّمَا يَفْسُدُ فِي جَمِيعِ الْفُصُولِ إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ وَإِلَّا فَلَا اهـ دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ فَدَخَلَ فِي جَوْفِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ) هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَلَعَلَّ عَدَمَ الْفَسَادِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجَرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَفَذَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَإِلَّا فَيُشْكِلُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ وَلَوْ طُعِنَ بِرُمْحٍ إلَى آخِرِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُجَفِّفَهَا قَبْلَهُ) لِأَنَّ الْمَاءَ اتَّصَلَ بِظَاهِرٍ ثُمَّ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَاطِنِ بِعَوْدِ الْمَقْعَدَةِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ وَمَالِكٌ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ صَالِحٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) أَيْ وَالشَّافِعِيُّ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ) أَيْ فَيَصِلُ إلَى الْجَوْفِ مَا يُقْطَرُ فِيهَا أَوْ الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَنْفَذًا مُسْتَقِيمًا أَوْ شِبْهَ الْحَاءِ فَيُتَصَوَّرُ الْخُرُوجُ وَلَا يُتَصَوَّرُ الدُّخُولُ لِعَدَمِ الدَّافِعِ الْمُوجِبِ لَهُ بِخِلَافِ الْخُرُوجِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ الْمَثَانَةِ) هِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالتَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مَجْمَعُ الْبَوْلِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ الْبَوْلُ فِيهَا بِالتَّرْشِيحِ) أَيْ وَمَا يَخْرُجُ بِسَبِيلِ التَّرْشِيحِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ سُدَّ رَأْسُ الْكُوزِ وَأُلْقِيَ فِي الْمَاءِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ بِسَبِيلِ التَّرْشِيحِ وَلَوْ مُلِئَ مَاءٌ يَخْرُجُ تَرْشِيحًا. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الْمَثَانَةَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بَيْنَ ثُبُوتِ الْفِطْرِ بِاعْتِبَارِ وُصُولِهِ إلَى الْجَوْفِ أَوْ إلَى جَوْفِ الْمَثَانَةِ بَلْ يَصِحُّ إنَاطَتُهُ بِالثَّانِي بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَصِلُ إذْ ذَاكَ إلَى الْجَوْفِ لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ فِيمَا إذَا حَشَى ذَكَرَهُ بِقُطْنَةٍ فَغَيَّبَهَا أَنَّهُ يَفْسُدُ كَاحْتِشَائِهَا مِمَّا يُقْضَى بِبُطْلَانِهِ حِكَايَةُ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْفَسَادِ فِي الْإِقْطَارِ مَا دَامَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ أَلَا تَرَى إلَى التَّعْلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَيْفَ هُوَ بِالْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ وَعَدَمِهِ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْمَنْفَذِ أَوْ اسْتِقَامَتِهِ وَعَدَمِهِ لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي فِي حَشْوِ الدُّبُرِ وَفَرْجِهَا الدَّاخِلَ عَدَمَ الْفَسَادِ وَلَا مَخْلَصَ إلَّا بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْمَدْخَلَ فِيهِمَا تَجْتَذِبُهُ الطَّبِيعَةُ فَلَا يَعُودُ إلَّا مَعَ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ فِي الدُّبُرِ مَعْلُومٌ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِفَتِيلَةِ دَوَاءٍ أَوْ صَابُونَةٍ غَيْرَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ فِي غَيْرِهِ أَنَّ شَأْنَ الطَّبِيعَةِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُدْخَلٍ كَالْخَشَبَةِ أَوْ فِيمَا يُتَدَاوَى بِهِ لِقَبُولِ الطَّبِيعَةِ إيَّاهُ لِحَاجَتِهَا إلَيْهِ وَفِي الْقُبُلِ ذَكَرْت لَنَا مَنْ تَضَعُ مِثْلَ الْحِمَّصَةِ تَسُدُّ بِهَا فِي الدَّاخِلِ تَحَرُّزًا مِنْ الْحَبْلِ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهَا حَتَّى تَخْرُجَ هِيَ بَعْدَ أَيَّامٍ مَعَ الْخَارِجِ اهـ
(قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِقْطَارِ فِي قُبُلِهَا إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَالْإِقْطَارُ فِي أَقْبَالِ النِّسَاءِ قَالُوا هُوَ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُفْسِدُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْحُقْنَةِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ ذَوْقٌ) وَهُوَ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِفَمِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ عَيْنِهِ فِي حَلْقِهِ اهـ بَاكِيرٌ (قَوْلُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا فَالذَّوْقُ أَوْلَى بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْطَارٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَصِيرُ إيَّاهُ. اهـ. فَتْحٌ وَفِي الْمُجْتَبَى يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ ذَوْقُ الْعَسَلِ وَالدُّهْنِ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِمَعْرِفَةِ جَوْدَتِهِ كَمَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ ذَوْقُ الْمَرَقَةِ وَقِيلَ لَا بَأْسَ إذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ شِرَائِهِ وَيَخَافُ الْغَبْنَ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْعَيْنِيُّ ﵀ وَقَوْلُهُ بِلَا عُذْرٍ يَرْجِعُ إلَى الذَّوْقِ وَالْمَضْغِ جَمِيعًا بِخِلَافِ مَا جَعَلَهُ الشَّارِحُ قَيْدًا لِلْمَضْغِ فَقَطْ اهـ
стр. 331
الْإِفْطَارُ إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَالْمَضْغُ أَوْلَى وَأَمَّا مَضْغُ الْعِلْكِ فَلِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالْإِفْطَارِ لِأَنَّ مَنْ رَآهُ مِنْ بَعِيدٍ يَظُنُّهُ آكِلًا وَفَسَدَ قَالَ ﵊ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ» وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ إيَّاكَ وَمَا يَسْبِقُ إلَى الْقُلُوبِ إنْكَارُهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَك اعْتِذَارُهُ وَذِكْرُ الْعِلْكِ فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ لَا يُفَطِّرُ وَمُحَمَّدٌ أَيْضًا ذَكَرَهُ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ مَمْضُوغًا لِأَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْضُوغٍ يُفَطِّرُ لِأَنَّهُ يَتَفَتَّتُ وَيَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ وَقِيلَ فِي الْأَسْوَدِ يُفَطِّرُ وَإِنْ كَانَ مُلْتَئِمًا وَفِي غَيْرِ الصَّوْمِ لَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِنَّ لِأَنَّ بِنْيَتَهُنَّ ضَعِيفَةٌ فَلَا تَحْتَمِلُ السِّوَاكَ وَهُوَ يُنَقِّي الْأَسْنَانَ وَيَشُدُّ اللِّثَةَ كَالسِّوَاكِ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عِلَّةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ بِخِلَافِ النِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ الْخَيَّاطُ يَخِيطُ بِخَيْطٍ مَصْبُوغٍ وَهُوَ يَبُلُّ بِرِيقِهِ وَيَبْلَعُهُ فَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ رِيقُهُ وَصَارَ مِثْلَ صِبْغِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ
قَالَ ﵀ (لَا كَحْلٌ وَدَهْنُ شَارِبٍ وَسِوَاكٌ وَالْقُبْلَةُ إنْ أَمِنَ) يَعْنِي لَا تُكْرَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِلصَّائِمِ أَمَّا الْكُحْلُ فَلِأَنَّهُ ﵊ «اكْتَحَلَ وَهُوَ صَائِمٌ» وَمُرَادُهُ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الزِّينَةَ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا أَوْ صَائِمًا وَأَمَّا دَهْنُ الشَّارِبِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُنَافِي فِي الصَّوْمِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ حَيْثُ يَحْرُمُ فِيهِ الدَّهْنُ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الشَّعَثِ وَلِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْخِضَابِ وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِمَنْعِهِ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَطْوِيلِ اللِّحْيَةِ إذَا كَانَتْ بِقَدْرِ الْمَسْنُونِ وَهِيَ الْقَبْضَةُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يُقَصُّ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا أَوْرَدَهُ أَبُو عِيسَى ﵀ وَقَالَ مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَلِأَنَّ مَنْ رَآهُ مِنْ بَعِيدٍ يَظُنُّهُ أَكْلًا) وَلَا يَضُرُّ وُصُولُ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ إلَى بَاطِنِهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مُلْتَئِمًا) أَيْ لِأَنَّهُ يُفَتَّتُ وَإِنْ مُضِغَ وَالْأَبْيَضُ يَتَفَتَّتُ قَبْلَ الْمَضْغِ فَيَصِلُ إلَى الْجَوْفِ وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ عَدَمَ الْفَسَادِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ الْوُصُولِ فَإِذَا فُرِضَ فِي مَضْغِ الْعِلْكِ مَعْرِفَةُ الْوُصُولِ مِنْهُ عَادَةً وَجَبَ الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقَّنِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ) أَيْ فَهُوَ مُبَاحٌ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ النِّسَاءِ) أَيْ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ. اهـ. فَتْحٌ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ تَرْكُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ لَا كَحْلٌ وَدَهْنٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالدَّالِ مَصْدَرَانِ وَيَجُوزُ ضَمُّهُمَا وَيَكُونُ الْمَعْنَى اسْتِعْمَالُهُمَا كَذَا قَالَ الشَّيْخُ بَاكِيرٌ وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ وَدَهْنُ الشَّارِبِ بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ وَبِضَمِّهَا عَلَى إقَامَةِ اسْمِ الْعَيْنِ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَفِي الْأَمْثِلَةِ عَجِبْت مِنْ دُهْنِك لِحْيَتَك بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِ التَّاءِ عَلَى هَذِهِ الْإِقَامَةِ اهـ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِحَالِ لِلرِّجَالِ إذَا قُصِدَ بِهِ دُونَ الزِّينَةِ وَيُسْتَحْسَنُ دَهْنُ الشَّارِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الزِّينَةُ اهـ قَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ دُونَ الزِّينَةِ لِأَنَّهُ تُعُورِفَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ ثُمَّ قَيَّدَ دَهْنَ الشَّارِبِ بِذَلِكَ أَيْضًا وَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ وَفِي الْكَافِي يُسْتَحْسَنُ دَهْنُ شَعْرِ الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الزِّينَةُ بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ فَقُيِّدَ بِانْتِفَاءِ هَذَا الْقَصْدِ فَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ تَبَرُّجٌ بِالزِّنْيَةِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ عَشْرَ خِصَالٍ ذَكَرَ مِنْهَا التَّبَرُّجَ بِالزِّينَةِ لِغَيْرِ مَحَلِّهَا» وَسَنُورِدُهُ بِتَمَامِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْكَرَاهَةِ وَمَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ «أَبِي قَتَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي جَمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا قَالَ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا» فَإِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي قَصْدِ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا لِحَظِّ النَّفْسِ الطَّالِبَةِ لِلزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِكْرَامَ وَالْجَمَالَ الْمَطْلُوبَ يَتَحَقَّقُ مَعَ دُونِ هَذَا الْمِقْدَارِ وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدٌ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْإِرْفَاهِ فَسُئِلَ ابْنُ بَرِيرَةَ عَنْ الْإِرْفَاهِ قَالَ التَّرْجِيلُ» وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّرْجِيلُ الَّذِي يَخْرُجُ إلَى حَدِّ الزِّينَةِ لَا مَا كَانَ لِقَصْدِ دَفْعِ أَذَى الشَّعْرِ وَالشَّعَثِ هَذَا وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ قَصْدِ الْجَمَالِ وَقَصْدِ الزِّينَةِ فَالْقَصْدُ الْأَوَّلُ لِدَفْعِ الشَّيْنِ وَإِقَامَةِ مَا بِهِ الْوَقَارُ وَإِظْهَارِ النِّعْمَةِ شُكْرًا لَا فَخْرًا وَهُوَ أَثَرُ أَدَبِ النَّفْسِ وَشَهَامَتِهَا وَالثَّانِي أَثَرُ ضَعْفِهَا وَقَالُوا بِالْخِضَابِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ وَلَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ الزِّينَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ حَصَلَتْ زِينَةٌ فَقَدْ حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ قَصْدِ مَطْلُوبٍ فَلَمْ يَضُرَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفِتًا إلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهِيَ الْقُبْضَةُ) بِضَمِّ الْقَافِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ) يَجِبُ قَطْعُهُ. اهـ. فَتْحٌ نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى) يَعْنِي التِّرْمِذِيَّ فِي جَامِعِهِ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَإِنْ قُلْت يُعَارِضُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ اُحْفُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ ابْن عُمْر رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْفَاضِلَ عَنْ الْقَبْضَةُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ رَوَى عَنْ الْهَيْثَمِ بْن أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ ثُمَّ يَقُصُّ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ الْمُقَفَّعِ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ مَا زَادَ عَلَى الْكَفِّ «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَفْطَرَ قَالَ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى»
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا فَقَالَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا حَجّ أَوْ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْن أَيُّوبَ مِنْ وَلَدِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَأْخُذُ مَا فَضَلَ عَنْ الْقَبْضَةِ، فَأَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى النَّسْخِ كَمَا هُوَ أَصْلُنَا فِي عَمَلِ الرَّاوِي عَلَى خِلَافِ مَرْوِيِّهِ مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ
стр. 332
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَيَقْطَعُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ وَأَمَّا السِّوَاكُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ خِلَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» وَلِأَنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ فَيُسْتَحَبُّ كَالْمَضْمَضَةِ وَإِطْلَاقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ يَتَنَاوَلُ الْمَبْلُولَ بِالْمَاءِ وَغَيْرَهُ وَكَرِهَهُ أَبُو يُوسُفَ بِالرَّطْبِ وَالْمَبْلُولِ بِالْمَاءِ وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ الزَّوَالِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَلِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الْأَثَرِ الْمَحْمُودِ فَشَابَهَ دَمَ الشَّهِيدِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا ذَكَرْنَا وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أَعُدُّهُ وَلَا أُحْصِيهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِيهِ كُلُّهَا مُطْلَقَةٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهَا بِزَمَانٍ بِالرَّأْيِ وَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَاكُ وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ بِحَالِهِ عِنْدَ رَبِّهِ وَلِأَنَّ الْخُلُوفَ لَا يَزُولُ بِالسِّوَاكِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعِدَةِ لَا مِنْ الْفَمِ إذْ لَوْ كَانَ مِنْ الْفَمِ لَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ قَبْلَهُ لِأَنَّ تَعَاهُدَهُ بِالسِّوَاكِ قَبْلَهُ يَمْنَعُ وُجُودَهُ بَعْدَهُ وَلِأَنَّ الْخُلُوفَ أَثَرُ الْعِبَادَةِ وَالْأَلْيَقُ بِهِ الْإِخْفَاءُ بِخِلَافِ دَمِ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ أَثَرُ الظُّلْمِ وَمِنْ شَأْنِ حُجَّةِ الْمَظْلُومِ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً غَيْرَ خَفِيَّةٍ وَمَدْحُهُ ﵊ الْخُلُوفَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ الْكَلَامِ مَعَهُ لِتَغَيُّرِ فَمِهِمْ فَمَنَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِذِكْرِ شَأْنِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَتَفْخِيمِ حَالِهِ وَدَعَاهُمْ إلَى الْكَلَامِ مَعَهُ وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ لِأَنَّهُ يَتَمَضْمَضُ بِالْمَاءِ فَكَيْفَ يُكْرَهُ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْعُودِ الرَّطْبِ وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَدْرُ مَا يَبْقَى فِي فَمِهِ مِنْ الْبَلَلِ مِنْ أَثَرِ الْمَضْمَضَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَاكَ عَرْضًا بِعُودٍ فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ ثُمَّ يَغْسِلَ فَمَه بَعْدَهُ وَذُكِرَ فِي السِّوَاكِ عَشْرُ خِصَالٍ يَشُدُّ اللِّثَةَ وَيُنَقِّي الْخُضْرَةَ وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَيُذْهِبُ الْمُرَّةَ وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَتَمَامٌ لِلْوُضُوءِ وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَيَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ وَيُصَحِّحُ الْجِسْمَ وَيُوَافِقُ السُّنَّةَ وَأَمَّا الْقُبْلَةُ فَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهَا بِشُعَبِهَا فَلَا نُعِيدُهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
عُمَيْرٍ الرَّاوِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُحْمَلَ الْإِعْفَاءُ عَلَى إعْفَائِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْخَذَ غَالِبُهَا أَوْ كُلُّهَا كَمَا هُوَ فِعْلُ مَجُوسِ الْأَعَاجِمِ مِنْ حَلْقِ لِحَاهُمْ كَمَا يُشَاهَدُ فِي الْهُنُودِ وَبَعْضِ أَجْنَاسِ الْفِرِنْجِ فَيَقَعُ بِذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَيُؤَيِّدُ إرَادَةَ هَذَا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوَا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا وَهِيَ دُونَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ وَمُخَنَّثَةِ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَلِقَوْلِهِ ﷺ خَيْرُ خِلَالِ الصَّائِمِ) الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ «مِنْ خَيْرِ خُلَلِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَفِيهِ مُجَالِدٌ ضَعَّفَهُ كَثِيرٌ اهـ وَلَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ وَالْخِلَالُ جَمْعُ خَلَّةٍ وَهِيَ الْخَصْلَةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ) الْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ خَطَأٌ وَحَكَى الْقَابِسِيُّ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ قَالَ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ خَلَفَ فَمُهُ وَأَخْلَفَ إذَا تَغَيَّرَ بِخُلُوِّ الْمَعِدَةِ لِأَجْلِ تَرْكِ الْأَكْلِ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَجِدُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِ ثَوَابِهِ وَأَجْرِهِ وَقِيلَ يَعْبَقُ فِي الْآخِرَةِ أَطْيَبَ مِنْ عَبَقِ الْمِسْكِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ فَضْلُ تَغَيُّرِ رَائِحَةِ فَمِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعَمَلِ كَفَضْلِ الْمِسْكِ عِنْدَ الْعِبَادِ عَلَى الرَّوَائِحِ الْمُتَغَيِّرَةِ وَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِالشَّمِّ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ الْجَمِيلُ وَثَوَابُهُ لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ إلَى آخِرِهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْخُلُوفَ لَا يَزُولُ بِالسِّوَاكِ) بَلْ إنَّمَا يَزُولُ أَثَرُهُ الظَّاهِرُ عَلَى السِّنِّ مِنْ الِاصْفِرَارِ وَهَذَا لِأَنَّ سَبَبَهُ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالسِّوَاكُ لَا يُفِيدُ شَغْلَهَا بِطَعَامٍ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ. اهـ. فَتْحٌ
١ -
(فُرُوعٌ) صَوْمُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَرَاهَتُهُ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ لَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا وَاخْتَلَفُوا فَقِيلَ الْأَفْضَلُ وَصْلُهَا بِيَوْمِ الْفِطْرِ وَقِيلَ بَلْ يُفَرِّقُهَا فِي الشَّهْرِ وَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ وَقَعَ الْفَصْلُ بِيَوْمِ الْفِطْرِ فَلَمْ يَلْزَمْ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى اعْتِقَادِ لُزُومِهَا مِنْ الْعَوَامّ لِكَثْرَةِ الْمُدَاوَمَةِ وَلِذَا سَمِعْنَا مَنْ يَقُولُ يَوْمَ الْفِطْرِ نَحْنُ إلَى الْآنِ لَمْ يَأْتِ عِيدُنَا أَوْ نَحْوُهُ فَأَمَّا عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ بِهِ وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَ أَيَّامٍ نُهِينَا عَنْ تَعْظِيمِهَا فَإِنْ وَافَقَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ فَلَا بَأْسَ وَمَنْ صَامَ شَعْبَانَ وَوَصَلَهُ بِرَمَضَانَ فَحَسَنٌ وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ أَيَّامِ الْبِيضِ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مَا لَمْ يَظُنَّ إلْحَاقَهُ بِالْوَاجِبِ وَكَذَا صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا فَإِنْ أَفْرَدَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ مُسْتَحَبٌّ وَلِلْحَاجِّ إنْ كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْوُقُوفِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ وَقِيلَ يُكْرَهُ وَهُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لِأَنَّهُ لِإِخْلَالِهِ بِالْأَهَمِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُسِيءَ خُلُقَهُ فَيُوقِعَهُ فِي مَحْظُورٍ وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّهُ يُعْجِزُهُ عَنْ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَسَيَأْتِي صَوْمُ يَوْمِ الْمُسَافِرِ وَيُكْرَهُ صَوْمُ الصَّمْتِ وَهُوَ أَنْ يَصُومَ وَلَا يَتَكَلَّمَ يَعْنِي يَلْتَزِمُ عَدَمَ الْكَلَامِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِخَيْرٍ وَبِحَاجَتِهِ إنْ عَنَّتْ
وَيُكْرَهُ صَوْمُ الْوِصَالِ وَلَوْ يَوْمَيْنِ وَيُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ لِأَنَّهُ يُضْعِفُهُ أَوْ يَصِيرُ طَبْعًا لَهُ وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعَادَةِ وَلَا يَحِلُّ صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُد صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَلَا بَأْسَ بِصَوْمِ الْجُمُعَةِ مُفْرَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ التَّطَوُّعَ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَلَهُ أَنْ يُفَطِّرَهَا وَكَذَا الْمَمْلُوكُ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّيِّدِ إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ضَرَرَهُ ضَرَرٌ بِالسَّيِّدِ فِي مَالِهِ وَكُلُّ صَوْمٍ وَجَبَ عَلَى الْمَمْلُوكِ بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ كَالنُّذُورِ وَصِيَامَاتِ الْكَفَّارَاتِ كَالنَّفْلِ إلَّا كَفَّارَةَ الظِّهَارِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ فِي الظِّهَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ فَلَا بَأْسَ إلَى آخِرِهِ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا كَانَتْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ مِنْ رَمَضَانَ فَيَكُونَ تَشَبُّهًا بِالنَّصَارَى وَالْيَوْمُ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى اهـ قَوْلُهُ
стр. 333
(فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ) .
قَالَ ﵀ (لِمَنْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ الْفِطْرُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يُفْطِرُ إلَّا إذَا خَافَ الْهَلَاكَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ زِيَادَةَ الْمَرَضِ وَامْتِدَادَهُ قَدْ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ فَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الِاجْتِهَادُ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَفْطَرَ وَكَذَا إذَا أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ حَاذِقٌ عَدْلٌ وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى أَنْ يَمْرَضَ بِالصَّوْمِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ وَكَذَا الْأَمَةُ الَّتِي تَخْدُمُ إذَا خَافَتْ الضَّعْفَ جَازَ أَنْ تُفْطِرَ ثُمَّ تَقْضِيَ
قَالَ ﵀ (وَلِلْمُسَافِرِ وَصَوْمُهُ أَحَبُّ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِمَنْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ وَإِنَّمَا جَازَ الْفِطْرُ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَخْلُو عَنْ الْمَشَقَّةِ وَلِهَذَا قِيلَ الْمَسَافَةُ مَسُّ آفَةٍ وَأُقِيمَ نَفْسُ السَّفَرِ مَقَامَهَا وَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ يَزِيدُ بِالْأَكْلِ وَيَخِفُّ بِتَرْكِهِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْمُبِيحُ بِمُجَرَّدِهِ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ الْفِطْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يَجُوزُ لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَقِيلَ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِ السَّبَبِ فَصَارَ رَمَضَانُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] عَامٌّ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَإِنَّمَا أُجِيزَ لَهُ التَّأْخِيرُ رُخْصَةً فَإِذَا أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ كَانَ أَفْضَلَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْوَقْعُ الْإِنْكَارُ وَقَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» خَرَجَ فِي مُسَافِرٍ ضَرَّهُ الصَّوْمُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْوَقْتَيْنِ فَكَانَ الْأَدَاءُ فِيهِ أَفْضَلَ وَلِهَذَا كَانُوا يَجْتَهِدُونَ عَلَى تَحْصِيلِهِ فِي رَمَضَانَ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ مَا فِينَا صَائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ أَيَّامِ الْبِيضِ الثَّالِثَ إلَخْ) وَقِيلَ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ وَالْمُرَادُ بِأَيَّامِ الْبِيضِ أَيَّامُ اللَّيَالِي الْبِيضِ لِأَنَّ الْقَمَرَ يَبْقَى فِي هَذِهِ اللَّيَالِي مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا وَإِلَّا فَالْأَيَّامُ كُلُّهَا بِيضٌ. اهـ. دِرَايَةٌ فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ. اهـ. دِرَايَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ
[فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ]
وَهِيَ حَرِيَّةٌ بِالتَّأْخِيرِ الْأَعْذَارُ الْمُبِيحَةُ لِلْفِطْرِ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَالْحَبَلُ وَالرَّضَاعُ إذَا أَضَرَّ بِهَا أَوْ بِوَلَدِهَا وَالْكِبَرُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَالْعَطَشُ الشَّدِيدُ وَالْجُوعُ كَذَلِكَ إذَا خِيفَ مِنْهُمَا الْهَلَاكُ أَوْ نُقْصَانُ الْعَقْلِ كَالْأَمَةِ إذَا ضَعُفَتْ عَنْ الْعَمَلِ وَخَشِيَتْ الْهَلَاكَ بِالصَّوْمِ وَكَذَا الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مُتَوَكِّلُ السُّلْطَانِ إلَى الْعِمَارَةِ فِي الْأَيَّامِ الْحَارَّةِ وَالْعَمَلُ حَثِيثٌ إذَا خَشِيَ الْهَلَاكَ أَوْ نُقْصَانَ الْعَقْلِ وَقَالُوا الْغَازِي إذَا كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيَخَافُ الضَّعْفَ إنْ لَمْ يُفْطِرْ قَبْلَ الْحَرْبِ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لِمَنْ خَافَ زِيَادَةً) أَيْ أَوْ تَأَخَّرَ بُرْؤُهُ انْتَهَى ع (قَوْلُهُ الْمَرَضُ) الْمَرَضُ مَعْنًى يَزُولُ بِحُلُولِهِ فِي بَدَنِ الْحَيِّ اعْتِدَالُ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ الْفِطْرُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ الْفِطْرُ انْتَهَى ع (قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى أَنْ يَمْرَضَ إلَخْ) وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ لَا يُعْتَبَرُ خَوْفُ الْمَرَضِ اهـ ع
(قَوْلُهُ وَأُقِيمَ نَفْسُ السَّفَرِ مَقَامَهَا) لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ وَبِمُجَرَّدِ السَّفَرِ لَحِقَتْهُ الْمَشَقَّةُ أَوَّلًا انْتَهَى أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَرَضِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ بِخِلَافِ الْمَرَضِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ ثَمَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَقِيقَةِ الْعَجْزِ لِأَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي يَنْفَعُهُ الِاحْتِمَاءُ لَا يُبِيحُ الْإِفْطَارَ فَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْإِفْطَارُ بِمُجَرَّدِ الْمَرَضِ مَا لَمْ يَكُنْ صَوْمُهُ مُفْضِيًا إلَى الْحَرَجِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ كَيْفَمَا كَانَ يُمْكِنُ وَإِذَا لَحِقَتْهُ الْمَشَقَّةُ مِنْ الصَّوْمِ فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِذَا لَمْ تَلْحَقْهُ الْمَشَقَّةُ فَعِنْدَنَا الصَّوْمُ أَفْضَلُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْإِفْطَارُ أَفْضَلُ انْتَهَى وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الْقَصْرُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِكْمَالِ لِأَنَّ ذَاكَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَهَذَا رُخْصَةُ تَرْفِيهٍ انْتَهَى أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ الْفِطْرُ أَفْضَلُ إلَخْ) الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ كَمَذْهَبِنَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ ذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا شَاذًّا ضَعِيفًا مُخَرَّجًا مِنْ الْقَصْرِ أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ انْتَهَى غَايَةٌ وَفِي الْحِلْيَةِ
قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ الْفِطْرُ أَفْضَلُ وَفِي الْمُغْنِي عِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ مَكْرُوهٌ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» إلَخْ) مَخْصُوصٌ بِسَبَبِهِ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ) هُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» انْتَهَى فَتْحُ الْقَدِيرِ قَوْلُهُ فِي السَّفَرِ أَيْ لِمَنْ هَذَا حَالُهُ انْتَهَى كَافِي
(قَوْلُهُ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وَاسْمُهُ عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنْصَارِيٌّ حَارِثِيٌّ مَدَنِيٌّ نَزَلَ الشَّامَ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ مَا فِينَا صَائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ) فَعُلِمَ أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عَمَلٌ بِالْعَزِيمَةِ وَالْإِفْطَارَ رُخْصَةٌ وَالْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى مَعَ اعْتِقَادِ الرُّخْصَةِ كَمَا فِي غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ الْمَسْحِ انْتَهَى غَايَةُ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) أَيْ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ انْتَهَى غَايَةٌ
стр. 334
إلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ يُشْرَعُ الْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ وَالْقَضَاءُ بَعْدَهُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ فَلَمْ يُرِدْ الْعُسْرَ بِنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْيُسْرَ وَلَا يَتَعَيَّنُ الْيُسْرُ بِالتَّأْخِيرِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّوْمِ أَيْسَرُ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ يَصُومَ بَعْدَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَيَتَخَيَّرَ قَالَ ﵀ (وَلَا قَضَاءَ إنْ مَاتَا عَلَيْهِمَا) أَيْ لَا قَضَاءَ عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إنْ مَاتَا عَلَى حَالِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَلِأَنَّهُمَا عُذِرَا فِي الْأَدَاءِ فَلَأَنْ يُعْذَرَا فِي الْقَضَاءِ أَوْلَى وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فَرْعُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَمَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْأَصْلِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْفَرْعِ وَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ أَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ وَلَمْ يَقْضِ حَتَّى مَاتَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ بِقَدْرِ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ أَيْ لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِهِ إعْمَالًا لِلْعِلَّةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَذَكَرَ الطَّحْطَاوِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْكُلِّ وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ فِي التَّقْرِيبِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحْطَاوِيُّ غَلَطٌ وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِقَدْرِ مَا صَحَّ وَأَدْرَكَ مِنْ الْعِدَّةِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي النَّذْرِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمَرِيضُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ فَصَحَّ يَوْمًا ثُمَّ مَاتَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ جَمِيعِ الشَّهْرِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ قَضَاءُ مَا صَحَّ فِيهِ وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمَرِيضِ إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا إذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ بَرِئَ يَوْمًا يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِالْإِطْعَامِ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ عِنْدَهُمَا كَالصَّحِيحِ إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا فَمَاتَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُوصِيَ بِقَدْرِ مَا صَحَّ كَرَمَضَانَ إذْ إيجَابُ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ فِي النَّذْرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْمَنْذُورَ سَبَبُهُ النَّذْرُ وَقَدْ وُجِدَ وَسَبَبُ الْقَضَاءِ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ قَالَ ﵀ (وَيُطْعِمُ وَلِيُّهُمَا لِكُلِّ يَوْمٍ كَالْفِطْرَةِ بِوَصِيَّةٍ) أَيْ يُطْعِمُ وَلِيُّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ عَنْهُمَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ كَمَا يُطْعِمُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَهُوَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ إنْ أَوْصَيَا بِالْإِطْعَامِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا عَجَزَا عَنْ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ فِي ذِمَّتِهِمَا الْتَحَقَا بِالشَّيْخِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ شَرْطُ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ وَهُنَا مُخَالِفٌ لَهُ لِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي مِنْ الْفِدْيَةِ لَيْسَ بِمِثْلِ الصَّوْمِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى قُلْنَا الْمُخَالِفُ لِلْقِيَاسِ يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ دَلَالَةً لَا قِيَاسًا إذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ إلَّا فِي الِاسْمِ وَفِيمَا لَا يَكُونُ مَنَاطًا وَهُمَا عَاجِزَانِ عَنْ الصَّوْمِ كَالشَّيْخِ الْفَانِي فَيَكُونُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي أَحَدِهِمَا وَارِدًا فِي الْآخَرِ فَيَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ دَلَالَةً
وَقَالَ مَالِكٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الصَّوْمَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا لِعَجْزِهِمَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا بَدَلُهُ لِأَنَّهُ فَرْعُ وُجُوبِ الْأَصْلِ فَصَارَ كَصَوْمِ الْمُتْعَةِ كَمَا إذَا مَاتَا وَهُمَا عَلَى حَالِهِمَا قُلْنَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا بِإِدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيطِ مِنْهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَا عَلَى حَالِهِمَا لِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَبِخِلَافِ صِيَامِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ وَفِي رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْمُسْلِمِينَ إلَخْ) فَإِنَّ الِانْتِسَاءَ تَخْفِيفٌ وَلِأَنَّ النَّفْسَ تَوَطَّنَتْ عَلَى هَذَا الزَّمَانِ مَا لَمْ تَتَوَطَّنْ عَلَى غَيْرِهِ فَالصَّوْمُ فِيهِ أَيْسَرُ عَلَيْهَا وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] لَيْسَ مَعْنَاهُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ الْمَعْنَى فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوْ الْمَعْنَى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَحِلُّ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَيْهَا لَا كَمَا ظَنَّهُ أَهْلُ الظَّوَاهِرِ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْكُلِّ) فَيَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِالْجَمِيعِ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ كَالصَّحِيحِ إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا فَمَاتَ إلَخْ) يَلْزَمُهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ لِأَنَّ الْكُلَّ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَفْرِيغُ ذِمَّتِهِ بِالْخُلْفِ وَهُوَ الْفِدْيَةُ إذَا عَجَزَ عَنْ التَّفْرِيغِ بِالْأَصْلِ انْتَهَى أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ فِي النَّذْرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) أَيْ وَفِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ النَّذْرُ هُوَ السَّبَبُ دُونَ الْوَقْتِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِيصَاءُ انْتَهَى غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ لَهُمَا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَجْهُ الْفَرْقِ لَهُمَا أَنَّ النَّذْرَ هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُوبِ الْكُلِّ فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنْ صَحَّ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ وَالصَّحِيحُ لَوْ قَالَهُ وَمَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةِ الْمَنْذُورِ لَزِمَهُ الْكُلُّ فَكَذَلِكَ هَذَا بِخِلَافِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ وَحَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ فِي النَّذْرِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ النَّذْرِ بِذَلِكَ غَيْرَ مُوجِبٍ شَيْئًا فِي حَالَةِ الْمَرَضِ وَإِلَّا لَزِمَ الْكُلُّ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لِتَظْهَرَ فَائِدَتُهُ فِي الْإِيصَاءِ بَلْ هُوَ مُعَلَّقٌ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ أَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِ الْمُكَلَّفِ مَا أَمْكَنَ وَالنَّذْرُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا فَيَنْزِلُ عِنْدَ الصِّحَّةِ فَيَجِبُ الْكُلُّ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْهُ لِعَدَمِ إدْرَاكِ الْعِدَّةِ فَيَجِبُ الْإِيصَاءُ كَمَا لَوْ لَمْ يُجْعَلْ مُعَلَّقًا فِي الْمَعْنَى عَلَى مَا قُلْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ السَّبَبُ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ فَهَلْ الْمُرَادُ أَنَّ إدْرَاكَ الْعِدَّةِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ الْأَدَاءِ فَصَرَّحَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ فَقَالَ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَسَبَبُ الْقَضَاءِ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ جَعَلَهُ سَبَبَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَعَلَى ظَاهِرِ الْأَوَّلِ أَنَّ سَبَبَ الْقَضَاءِ عَلَى مَا اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ حِلِّ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ عِدَّةٍ يُدْرِكُهَا فَإِنْ قَالَ سَبَبُ الْأَدَاءِ لَا يَسْتَلْزِمُ حُرْمَةَ التَّأْخِيرِ عَنْهُ قُلْنَا فَلْيَكُنْ نَفْسُ رَمَضَانَ سَبَبَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ هَذَا الِاعْتِبَارِ سِوَى ذَلِكَ اللَّازِمِ فَإِذْ كَانَ مُنْتَفِيًا لَزِمَ إذْ هُوَ الْأَصْلُ وَيَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِالْكُلِّ إذَا لَمْ يُدْرِكْ الْعِدَّةَ كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ عَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ انْتَهَى
(قَوْلُهُ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ) فَأَمَّا الصَّحِيحُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ الشَّهْرِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْكُلَّ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَفْرِيغُ ذِمَّتِهِ بِالْخُلْفِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي الْتِزَامِ أَدَاءِ الصَّوْمِ حَتَّى يَبْرَأَ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى مَاتَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَنْذُورِ فَصَارَ نَظِيرَ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَإِيجَابُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ يُخَالِفُ إيجَابَ الْعَبْدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى عَبْدِهِ حُجَّةً وَاحِدَةً وَلَوْ نَذَرَ بِأَلْفِ حُجَّةٍ تَلْزَمُهُ الشَّيْخُ بَاكِيرٌ
стр. 335
عَنْ الدَّمِ فَلَوْ جَازَ عَنْهُ الْفِدْيَةُ لَكَانَ بَدَلَ الْبَدَلِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِالرَّأْيِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يَلْزَمْ الْوَلِيَّ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَلْزَمُهُ اعْتِبَارًا بِدُيُونِ الْعِبَادِ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ عِنْدَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الِاخْتِيَارِ وَذَلِكَ بِالْإِيصَاءِ دُونَ الْوِرَاثَةِ وَهَذَا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةَ وَأَدَاءَهُ بِنَفْسِهِ فَإِذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ إيصَاءٍ فَاتَ الشَّرْطُ فَيَسْقُطُ لِلتَّعَذُّرِ بِخِلَافِ حَقِّ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ وُصُولُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ لَا غَيْرُ وَلِهَذَا لَوْ ظَفِرَ بِهِ الْغَرِيمُ يَأْخُذُهُ وَيَبْرَأُ مَنْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
وَلَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ فِي حَيَاتِهِ صَحَّ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ لَمْ يُوصِ فَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَلِيُّ يُجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ إذَا تَبَرَّعَ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِالْإِعْتَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَالصَّلَاةُ كَالصَّوْمِ اسْتِحْسَانًا لِكَوْنِهَا أَهَمَّ وَتُعْتَبَرُ كُلُّ صَلَاةٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يَصُومُ عَنْهُ الْوَلِيُّ وَلَا يُصَلِّي وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَصُومُ عَنْهُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُجْزِي ذَلِكَ عَنْهَا فَقَالَتْ نَعَمْ قَالَ صَوْمِي عَنْ أُمِّك» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَمْ تَذْكُرْ الْوَصِيَّةَ وَلَا سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا أَوْصَتْ أَمْ لَا وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُطْعِمُ عَنْهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكَيْنَا» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَلِأَنَّهُ لَا يَصُومُ عَنْهُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ قَالَ ﵀ (وَقَضَيَا مَا قَدَّرَا بِلَا شَرْطِ وَلَاءٍ) أَيْ قَضَى الْمُسَافِرُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يَلْزَمْ الْوَلِيَّ إلَخْ) ثُمَّ إذَا أَوْصَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ وَعَلَى هَذَا دَيْنُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْكَفَّارَاتُ الْمَالِيَّةُ وَالْحَجُّ وَفِدْيَةُ الصِّيَامَاتِ الَّتِي عَلَيْهِ وَالصَّدَقَةُ الْمَنْذُورَةُ وَالْخَرَاجُ وَالْجِزْيَةُ انْتَهَى فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ إلَخْ) أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّهَا دَيْنٌ انْتَهَى وَعَلَى هَذَا الزَّكَاةُ إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنُ الزَّكَاةِ بِأَنْ اسْتَهْلَكَ مَالَ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالْعُشْرَ بَعْدَ وَقْتِ وُجُوبِهِ لَا يَجِبُ عَلَى وَارِثِهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ الزَّكَاةَ وَالْعُشْرَ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ ثُمَّ إذَا أَوْصَى فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ إخْرَاجُهُمَا إذَا كَانَا يُخْرَجَانِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ زَادَ دَيْنُهُمَا عَلَى الثُّلُثِ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ فَإِنْ أَخْرَجَ كَانَ مُتَطَوِّعًا عَنْ الْمَيِّتِ وَيُحْكَمُ بِجَوَازِ إجْزَائِهِ وَلِذَا قَالَ ﵀ فِي التَّبَرُّعِ الْوَارِثُ يُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا إذَا أَوْصَى بِإِطْعَامٍ عَنْ الصَّلَوَاتِ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ كَالصَّوْمِ اسْتِحْسَانًا) وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ قَدْ ثَبَتَتْ شَرْعًا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ثَابِتَةٌ وَمِثْلُ مِثْلِ الشَّيْءِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِثْلًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ يَجِبُ الْإِفْطَارُ وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهَا لَا يَجِبُ فَالِاحْتِيَاطُ فِي الْإِيجَابِ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ ثُبُوتَ الْمُمَاثَلَةِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ السُّقُوطُ وَإِلَّا كَانَ بِرًّا مُبْتَدَأً يَصْلُح مَاحِيًا لِلسَّيِّئَاتِ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِيهِ يُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ كَمَا قَالَ فِي تَبَرُّعِ الْوَارِثِ بِالْإِطْعَامِ بِخِلَافِ إيصَائِهِ عَنْ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِالْإِجْزَاءِ انْتَهَى فَتْحٌ
فَرْعٌ رَجُلٌ مَاتَ وَقَدْ فَاتَهُ صَلَاةُ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا اسْتَقْرَضَ وَارِثُهُ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ وَدَفَعَهُ إلَى مِسْكِينٍ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ الْمِسْكِينُ عَلَى الْوَارِثِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى يُتِمَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ انْتَهَى بَاكِيرٌ (قَوْلُهُ وَتُعْتَبَرُ كُلُّ صَلَاةٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ) هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ لِكُلِّ صَلَاةِ يَوْمٍ مِسْكِينًا لِأَنَّهَا كَصِيَامِ يَوْمٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةِ فَرْضٍ عَلَى حِدَةٍ فَكَانَ كَصَوْمِ يَوْمٍ انْتَهَى فَتْحٌ وَفِي الْحَاوِي قَالَ عِصَامٌ كُلَّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ وَظِيفَةُ الْيَوْمِ مِثْلُ صَلَاةِ الْيَوْمِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْن سَلَمَةَ يَقُولُ لَمَّا رَجَعْت مِنْ الْعِرَاقِ لَقِيت مُحَمَّدَ بْن مُقَاتِلٍ بِالرَّيِّ فَعَرَضَ عَلَيَّ أَجْوِبَةَ مَسَائِلَ كَتَبَ إلَيْهِ بِهَا أَهْلُ بَلْخٍ وَفِيهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَدْ أَجَابَ بِأَنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَنَاظَرْته وَقُلْت هَذَا خِلَافُ الصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَتَعَلَّقُ أَوَّلُهُ بِآخِرِهِ وَلَا كَذَلِكَ صَلَاةُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَمَحَا جَوَابَهُ وَكَتَبَ عَلَى الْحَاشِيَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ فَلَمَّا قَدِمْت بَلْخًا قُلْت لَهُمْ لِي عَلَيْكُمْ مِنَّةٌ رَدَدْت ابْنَ مُقَاتِلٍ إلَى قَوْلِي وَعَلَامَةُ ذَلِكَ مَحْوُ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَكَتَبَ جَوَابِي عَلَى الْحَاشِيَةِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَبِاحْتِجَاجِهِ أَقُولُ انْتَهَى غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصُومُ عَنْهُ) هَذَا فِي الْقَدِيمِ وَلَيْسَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ مَذْهَبًا فَإِنَّهُ غَسَلَ كُتُبَهُ الْقَدِيمَةَ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالرُّجُوعِ عَنْهَا هَكَذَا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِهِ انْتَهَى غَايَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ مِثْلَ قَوْلِنَا انْتَهَى دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ إلَخْ) وَيُرْوَى صَوْمُ شَهْرٍ وَيُرْوَى صَوْمُ شَهْرَيْنِ يَرْوِيهِمَا بُرَيْدَةَ وَهُمَا فِي مُسْلِمٍ وَفِي بَعْضِهَا إنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَيُرْوَى «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ» وَيُرْوَى عَلَيْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَيُرْوَى أَنَّهَا قَالَتْ إنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَكَذَا السَّفَاقِسِيُّ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا فِيهِ اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ يَدُلُّ عَلَى وَهْمِ الرُّوَاةِ وَبِدُونِ هَذَا يَعْتَلُّ الْحَدِيثُ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ بَطَّالٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رِوَايَةً وَقَدْ خَالَفَهُ بِفَتْوَاهُ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ مَا رَوَاهُ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَمْ تَذْكُرْ الْوَصِيَّةُ إلَخْ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِيصَاءِ انْتَهَى قَوْلُهُ أَنَّهَا أَوْصَتْ أَمْ لَا وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ إنَّ دَيْنَ اللَّهِ أَحَقُّ انْتَهَى أَحَقُّ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» إلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَمَّا الصَّلَاةُ فَبِالْإِجْمَاعِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ حَالَ حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قُلْت اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عَنْهُ هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ) أَيْ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَقَضَيَا مَا قَدَرَا بِلَا شَرْطِ وَلَاءٍ) أَيْ مُتَابَعَةً وَهُوَ التَّرْتِيبُ انْتَهَى ع قَالَ فِي الْغَايَةِ وَحُكِيَ وُجُوبَ التَّتَابُعِ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَعُرْوَةَ انْتَهَى
стр. 336
وَالْمَرِيضُ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَا مِنْ الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ أَمَّا الْقَضَاءُ فَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّرْتِيبِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يَجِبُ التَّرْتِيبُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَلْيَسْرُدْهُ وَلَا يَقْطَعْهُ» وَلَنَا مَا تَلَوْنَا وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «قَضَاءُ رَمَضَانَ إنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «سُئِلَ عَنْ تَقْطِيعِ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَقَالَ لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاهُ دِرْهَمًا وَدِرْهَمَيْنِ حَتَّى قَضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَهَلْ كَانَ قَاضِيًا دَيْنَهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ» قَالَ أَبُو عُمَرَ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَلَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا مَضَى فَكَذَا الْقَضَاءُ وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَإِنْ قِيلَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَةٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا قُلْتُمْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ قُلْنَا قِرَاءَةُ أُبَيٍّ لَيْسَتْ بِمَشْهُورَةٍ فَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا لِأَنَّهُ نُسِخَ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ مَشْهُورٌ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَقْضِيَهُ مُرَتَّبًا مُتَتَابِعًا مُسَارَعَةً إلَى إسْقَاطِ الْوَاجِبِ وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ
قَالَ ﵀ (فَإِنْ جَاءَ رَمَضَانُ قَدَّمَ الْأَدَاءَ عَلَى الْقَضَاءِ) أَيْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ الثَّانِي صَامَ رَمَضَانَ الثَّانِيَ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ ثُمَّ صَامَ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْقَضَاءِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ أَخَّرَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي رَجُلٍ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ ثُمَّ صَحَّ وَلَمْ يَصُمْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُ الَّذِي أَدْرَكَهُ ثُمَّ يَصُومُ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» وَلَنَا إطْلَاقُ مَا تَلَوْنَا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِزَمَانٍ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأَدَاءِ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ فَتَأْخِيرُ الْقَضَاءِ وَهُوَ مُطْلَقٌ عَنْ الْوَقْتِ أَوْلَى أَنْ لَا يُوجِبَهَا وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ ثَابِتٍ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ كَانَ يَكْذِبُ وَفِيهِ عُمَرُ أَيْضًا قَالَ فِيهِ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ قَالَ ﵀
(وَلِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إنْ خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ أَوْ النَّفْسِ) أَيْ لَهُمَا الْفِطْرُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ لِمَنْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ الْفِطْرُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنْ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ» وَلِأَنَّهُمَا يَلْحَقُهُمَا الْحَرَجُ بِالصَّوْمِ فَيُشْرَعُ الْإِفْطَارُ فِي حَقِّهِمَا كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَقَالَ فِي الْحَوَاشِي الْمُرَادُ بِالْمُرْضِعِ الظِّئْرُ لِوُجُوبِ الْإِرْضَاعِ عَلَيْهَا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّ الْأَبَ يَسْتَأْجِرُ غَيْرَهَا وَعَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ وَيَرُدُّهُ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ وَغَيْرُهُ إذَا خَافَتَا عَلَى نَفْسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا إذْ لَا وَلَدَ لِلْمُسْتَأْجَرَةِ وَكَذَا إطْلَاقُ الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْإِرْضَاعَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمِّ دِيَانَةً لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ فَصَارَتْ كَالظِّئْرِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إذَا خَافَتْ الْمُرْضِعُ عَلَى الْوَلَدِ فَأَفْطَرَتْ فَعَلَيْهَا الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّوْمُ وَهُوَ الْوَلَدُ فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ كَإِفْطَارِ الشَّيْخِ الْفَانِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) يَعْنِي دَاوُد وَأَهْلَ الظَّاهِرِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ إلَخْ) رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ ثَابِتٍ) أَيْ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَالدَّوَاوِينِ وَلَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودِ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الْآحَادِ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي الْغَايَةِ انْتَهَى (قَوْلُهُ مُسَارَعَةً إلَى إسْقَاطِ الْوَاجِبِ) أَيْ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ انْتَهَى غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ) بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَالنُّونَ الْمَزِيدَتَيْنِ فِي غَيْرِ الصِّفَاتِ، شَرْطُ عَدَمِ انْصِرَافِهِ الْعَلَمِيَّةُ وَهُنَا وَصَفَهُ بِآخِرَ نَكِرَةٍ دَلِيلُ نَكَارَتِهِ انْتَهَى دِرَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إلَخْ) أَيْ وَلِلْحَامِلِ الْفِطْرُ أَيْضًا (قَوْلُهُ عَلَى الْوَلَدِ) رَاجِعٌ إلَى الْمُرْضِعِ وَقَوْلُهُ أَوْ النَّفْسُ رَاجِعٌ إلَى الْحَامِلِ انْتَهَى عَيْنِيٌّ قَالَ الْقِوَامُ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ الْحَامِلُ هِيَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ وَالْمُرْضِعُ هِيَ الَّتِي لَهَا لَبَنٌ وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ التَّاءِ فِي آخِرِهِمَا كَمَا فِي حَائِضٍ وَطَالِقٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَةِ الثَّابِتَةِ لَا الْحَادِثَةِ وَلِلْبَصْرِيِّينَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ مَذْهَبَانِ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ بِمَعْنَى النَّسَبِ كَلَابِنٍ وَتَامِرٍ بِمَعْنَى ذَاتِ حَمْلٍ وَذَاتِ إرْضَاعٍ وَذَاتِ حَيْضٍ وَذَاتِ طَلَاقٍ
وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ يُؤَوَّلُ بِإِنْسَانٍ أَوْ شَيْءٍ حَامِلٍ أَوْ حَائِضٍ وَكَذَا فِي الْبَاقِي فَإِذَا أُرِيدَ الْحُدُوثُ يَجُوزُ إدْخَالُ التَّاءِ بِأَنْ يُقَالَ حَائِضَةٌ الْآنَ أَوْ غَدًا فَافْهَمْ وَفِي كِتَابِ الْإِصْلَاحِ عَنْ الْفَرَّاءِ يُقَالُ هَذِهِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ وَحَامِلَةٌ إذَا كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ فَمَنْ قَالَ حَامِلٌ قَالَ هَذَا نَعْتٌ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمُؤَنَّثِ وَمَنْ قَالَ حَامِلَةٌ بَنَاهُ عَلَى حَمَلَتْ انْتَهَى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] فَإِنْ قُلْت لِمَ قَالَ مُرْضِعَةٍ دُونَ مُرْضِعٍ قُلْت الْمُرْضِعَةُ هِيَ الَّتِي فِي حَالِ الْإِرْضَاعِ مُلَقِّمَةً ثَدْيَهَا الصَّبِيَّ وَالْمُرْضِعُ هِيَ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُرْضِعَ وَلَمْ تُبَاشِرْ الْإِرْضَاعَ فِي حَالِ وَضْعِهَا فَقِيلَ مُرْضِعَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْهَوْلَ إذَا فُوجِئَتْ بِهِ هَذِهِ وَقَدْ أَلْقَمَتْ الرَّضِيعَ ثَدْيَهَا نَزَعَتْهُ عَنْ فِيهِ لِمَا لَحِقَهَا مِنْ الدَّهْشَةِ اهـ (قَوْلُهُ وَقَالَ فِي الْحَوَاشِي الْمُرَادُ بِالْمُرْضِعِ الظِّئْرُ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُرْضِعِ الظِّئْرُ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ أُمَّ الْوَلَدِ وَلِلْوَلَدِ أَبٌ لَا تُفْطِرُ الْأُمُّ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا وَالْإِرْضَاعُ غَيْرُ وَاجِبٍ قَالَ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ ﵀ وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مُوسِرًا أَوْ يَأْخُذَ الْوَلَدَ ضَرْعَ غَيْرِهَا أَمَّا لَوْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا أَوْ الْوَلَدُ لَا يَأْخُذُ ضَرْعَ غَيْرِ أُمِّهِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى أُمِّهِ الْإِرْضَاعُ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَيَرُدُّهُ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ إلَخْ) وَكَذَا عِبَارَةُ غَيْرِ الْقُدُورِيِّ تُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْأُمِّ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْإِرْضَاعَ وَاجِبٌ إلَخْ) قُلْت الْمُرْضِعُ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الظِّئْرَ وَالْأُمَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ هَذَا لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَلِهَذَا أَطْلَقَ بِذِكْرِ الْوَلَدِ وَلَمْ
стр. 337
وَلَنَا أَنَّ الْفِدْيَةَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فِي الشَّيْخِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ خِلَافُهُ وَهَذَا لِأَنَّ الشَّيْخَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْفِدْيَةِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ وَالطِّفْلُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى أُمِّهِ وَهِيَ قَدْ أَتَتْ بِبَدَلِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ وَلِأَنَّ الْفِدْيَةَ كَفَّارَةٌ وَهِيَ لَا تَجِبُ عِنْدَهُ بِالْأَكْلِ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَلْ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَهُ أَلْبَتَّةَ وَلَوْ بِالْجِمَاعِ فَكَيْفَ تَجِبُ عَلَيْهَا هُنَا بِالْأَكْلِ بِعُذْرٍ وَهَذَا خُلْفٌ
قَالَ ﵀ (وَلِلشَّيْخِ الْفَانِي وَهُوَ يَفْدِي فَقَطْ) أَيْ لِلشَّيْخِ الْفَانِي الْفِطْرُ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ مِنْ الْعَطْفِ وَهُوَ وَحْدَهُ يَفْدِي دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾ [البقرة: ١٨٤] أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ وَالْعَرَبُ تَحْذِفُ لَا إذَا كَانَ مَوْضِعُهَا ظَاهِرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أَيْ لَا تَفْتَأُ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ فَلَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ فَكَانَ إجْمَاعًا وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الطَّحْطَاوِيُّ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الصَّوْمِ فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبُرْءِ وَالْمُسَافِرَ إذَا مَاتَ فِي حَالِ السَّفَرِ فَصَارَ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ فَعَلَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا نَسَخَتْهَا» وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ سَلَمَةَ لِأَنَّهُ أَفْقَهُ وَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى الْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَعْذَارِ مِثْلُ رَمَضَانَ وَلَوْ كَانَ الشَّيْخُ الْفَانِي مُسَافِرًا وَمَاتَ فِي السَّفَرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصِحَّاءِ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ غَيْرَهُ فِي التَّخْفِيفِ لَا فِي التَّغْلِيظِ
قَالَ ﵀ (وَلِلْمُتَطَوِّعِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي رِوَايَةٍ وَيَقْضِي) أَيْ لِمَنْ يَصُومُ النَّفَلَ أَنْ يُفْطِرَ فِي رِوَايَةٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْنَا لَا قَالَ إنِّي إذًا صَائِمٌ ثُمَّ أَتَى يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ إلَيْنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا فَأَكَلَ» وَزَادَ النَّسَائِيّ وَلَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ وَصَحَّحَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ فَلْيَدْعُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ثَبَتَ هَذَا عَنْهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
يَذْكُرْ مِثْلَ الْقُدُورِيِّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى ع
(قَوْلُهُ وَلِلشَّيْخِ الْفَانِي) وَفِي الْمَنَافِعِ الْفَانِي الَّذِي قَارَبَ الْفَنَاءَ أَوْ الَّذِي فَنِيَتْ قُوَّتُهُ انْتَهَى غَايَةٌ وَفِي جَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ الْأَدَاءِ وَلَا يُرْجَى لَهُ الْأَدَاءُ وَلَا يُرْجَى لَهُ عَوْدُ الْقُوَّةِ وَيَكُونُ مَآلُهُ الْمَوْتَ بِسَبَبِ الْهَرَمِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَكَانَ إجْمَاعًا) وَأَيْضًا لَوْ كَانَ لَكَانَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ مُقَدَّمًا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ بَلْ عَنْ سَمَاعٍ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي نَظْمِ كِتَابِ اللَّهِ فَجَعَلَهُ مَنْفِيًّا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِسَمَاعٍ أَلْبَتَّةَ وَكَثِيرًا مَا يُضْمَرُ حَرْفُ لَا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي التَّنْزِيلِ الْكَرِيمِ ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أَيْ لَا تَفْتَأُ وَفِيهِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] وَقَالَ الشَّاعِرُ
فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لِدِيكِ وَأَوْصَالِي
أَيْ لَا أَبْرَحُ وَقَالَ
تَنْفَكُّ تَسْمَعُ مَا حَيِيت بِهَالِكٍ حَتَّى تَكُونَهْ
أَيْ لَا تَنْفَكُّ وَرِوَايَةُ الْأَفْقَهِ أَوْلَى وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] لَيْسَ نَصًّا فِي نَسْخِ إجَازَةِ الِاقْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ. اهـ. فَتْحُ الْقَدِير
قَوْلُهُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الصَّوْمِ أَيْ عَجْزًا مُسْتَمِرًّا إلَى الْمَوْتِ اهـ هـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) أَيْ الْإِيصَاءُ بِالْفِدْيَةِ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ فِي الْغَايَةِ وَلَوْ كَانَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ وَالْهَرِمَةُ مُسَافِرَيْنِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ غَيْرَهُ فِي التَّخْفِيفِ إلَخْ) يَعْنِي إنَّمَا يَنْتَقِلُ وُجُوبُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِ التَّعْيِينِ وَلَا تَعْيِينَ إلَى الْمُسَافِرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِانْتِقَالِ وَلَا تَجُوزُ الْفِدْيَةُ عَنْ صَوْمٍ هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى صَارَ شَيْخًا فَانِيًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ جَازَتْ لَهُ الْفِدْيَةُ وَكَذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ فَضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ لِأَنَّهُ اسْتَيْقَنَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى قَضَائِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِطْعَامِ لِفَقْرِهِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَسْتَقِيلُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ لِشِدَّةِ الْحَرِّ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَقْضِيَهُ فِي الشِّتَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ نَذَرَ الْأَبَدَ وَلَوْ نَذَرَ يَوْمًا مُعَيَّنًا فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى صَارَ فَانِيًا جَازَتْ الْفِدْيَةُ عَنْهُ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ قَتْلٍ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ عَاجِزٌ عَنْ الصَّوْمِ أَوْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا تَجُوزُ لَهُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّ الصَّوْمَ هُنَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ وَلِذَا لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى الصَّوْمِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَمَّا يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ الْمَالِ فَإِنْ مَاتَ فَأَوْصَى بِالتَّكْفِيرِ جَازَ مِنْ ثُلُثِهِ وَهَذَا يَجُوزُ فِي الْفِدْيَةِ طَعَامُ الْإِبَاحَةِ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الصَّدَقَةِ فِيهَا وَالْإِطْعَامِ فِي الْفِدْيَةِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلِلْمُتَطَوِّعِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي رِوَايَةٍ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ إذَا أَفْسَدَ عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلصَّائِمَةِ الْمُتَطَوِّعَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي نَفْسِ الْإِفْطَارِ هَلْ يُبَاحُ أَوْ لَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا إلَّا بِعُذْرٍ وَرِوَايَةُ الْمُنْتَقَى يُبَاحُ بِغَيْرِ عُذْرٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هَلْ لِلضِّيَافَةِ عُذْرٌ أَوْ لَا قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَقِيلَ عُذْرٌ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا بَعْدَهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي عَدَمِ الْفِطْرِ بَعْدَهُ عُقُوقُ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ عَلَى رَجُلٍ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَيُفْطِرَنَّ لَا يُفْطِرُ وَقِيلَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ لَا يُبَاحُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ يُفْطِرُ وَاعْتِقَادِي أَنَّ رِوَايَةَ الْمُنْتَقَى أَوْجُهُ اهـ
стр. 338
- ﵊ وَلَوْ كَانَ الْفِطْرُ جَائِزًا لَكَانَ الْأَفْضَلُ الْفِطْرَ لِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ الَّتِي هِيَ السُّنَّةُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعُذْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي الضِّيَافَةِ هَلْ تَكُونُ عُذْرًا قِيلَ لَا تَكُونُ عُذْرًا لِمَا رَوَيْنَا وَقِيلَ تَكُونُ عُذْرًا قَبْلَ الزَّوَالِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابًا لَهُ فَلَمَّا جِيءَ بِالطَّعَامِ تَنَحَّى أَحَدُهُمْ فَقَالَ لَهُ ﵊ مَالَك فَقَالَ إنِّي صَائِمٌ فَقَالَ ﵊ تَكَلَّفَ لَك أَخُوك وَصَنَعَ ثُمَّ تَقُولُ إنِّي صَائِمٌ كُلْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» وَعَيَّنَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَبَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَكُونُ عُذْرًا إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَكَذَا إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ يُفْطِرُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا يُفْطِرُ بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ يَقْضِي مَذْهَبُنَا وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يَجِبُ صِيَامُهُ وَلَا قَضَاؤُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ أَوْ أَمِينُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ» وَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْأَدَاءِ وَقَدْ مَضَى مَا تَبَرَّعَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَمَا رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ أَصْبَحْت أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ إلَيْنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَرَتْنِي حَفْصَةُ وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ﵊ اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّإِ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَوْمًا عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ إنِّي أَصْبَحْت صَائِمًا فَمَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ لِي فَوَقَعْت عَلَيْهَا فَمَا تَرَوْنَ فَقَالَ عَلِيٌّ أَصَبْت حَلَالًا وَتَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَنْتَ أَحْسَنُهُمْ فُتْيَا وَلِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ قُرْبَةٌ فَيَجِبُ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ عَنْ الْبُطْلَانِ وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الْإِفْسَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِإِتْيَانِ الْبَاقِي فَيَجِبُ إتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الْإِفْسَادِ ضَرُورَةً فَصَارَ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ التَّطَوُّعَيْنِ فَإِنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَقِيلَ تَكُونُ عُذْرًا) أَيْ فِي التَّطَوُّعِ فِي الصَّحِيحِ دُونَ صَوْمِ الْقَضَاءِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ كُلْ وَصُمْ يَوْمًا) ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعَيَّنَهُ) أَيْ عَيَّنَ الَّذِي صَنَعَ الطَّعَامَ أَفَادَهُ شَيْخُنَا اهـ
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ) أَيْ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ يُفْطِرُ) أَيْ فِي التَّطَوُّعِ دُونَ قَضَاءِ رَمَضَانَ. اهـ. غَايَةٌ نَقْلًا عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) قَالَ الْكَمَالُ وَأَحْسَنُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مَا فِي مُسْلِمٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُ عَلَى إبَاحَةِ الْإِفْطَارِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. اهـ. (قَوْلُهُ فَقَالَ ﵊ اقْضِيَا يَوْمًا إلَخْ) وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ بَلْ هُوَ مَحْفُوفٌ بِمَا يُوجِبُ مُقْتَضَاهُ وَيُؤَكِّدُهُ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا تُحْبِطُوا الطَّاعَاتِ بِالْكَبَائِرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلَى أَنْ قَالَ ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا قَوْلُ الصَّحَابَةِ أَوْ لَا تُبْطِلُوهَا بِمَعْصِيَتِهِمَا أَوْ الْإِبْطَالُ بِالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْهُ بِالشَّكِّ وَالنِّفَاقِ أَوْ بِالْعُجْبِ وَالْكُلُّ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبْطَالِ إخْرَاجُهَا عَنْ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا فَائِدَةٌ أَصْلًا كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ وَهَذَا غَيْرُ الْإِبْطَالِ الْمُوجِبِ لِلْقَضَاءِ فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ بِاعْتِبَارِ الْمُرَادِ دَلِيلًا عَلَى مَنْعِ هَذَا الْإِبْطَالِ بَلْ دَلِيلًا عَلَى مَنْعِهِ بِدُونِ قَضَاءٍ فَيَكُونُ دَلِيلُ رِوَايَةِ الْمُنْتَقَى عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا إبَاحَةُ الْفِطْرِ مَعَ إيجَابِ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا اخْتَرْنَاهَا لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ بِاعْتِبَارِ الْمُرَادِ مِنْهَا عَلَى سِوَى ذَلِكَ وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ لَا تُفِيدُ سِوَى إيجَابِ الْقَضَاءِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَهِيَ قَوْلُهُ وَلَا تَعُودَا وَهِيَ مَعَ كَوْنِهَا مُنْفَرَدًا بِهَا لَا تَقْوَى قُوَّةَ حَدِيثِ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِلشَّافِعِيِّ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ ثُبُوتِ الْحُجِّيَّةِ يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ
وَكَذَا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُبْتَذِلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُك قَالَتْ أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامٌ فَقَالَ كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْل قَالَ لَهُ سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ قَالَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إنَّ لِرَبِّك عَلَيْك حَقًّا وَلِنَفْسِك عَلَيْك حَقًّا وَلِنَفْسِك عَلَيْك حَقًّا وَلِأَهْلِك عَلَيْك حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَ سَلْمَانُ» وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الضِّيَافَةَ عُذْرٌ وَكَذَا مَا أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيّ إلَى جَابِرٍ قَالَ «صَنَعَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَلَمَّا أَتَى بِالطَّعَامِ تَنَحَّى رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَالَك قَالَ إنِّي صَائِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَكَلَّفَ أَخُوك وَصَنَعَ طَعَامًا ثُمَّ تَقُولُ إنِّي صَائِمٌ كُلْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الْفِطْرِ مَمْنُوعًا إذْ لَا يُعْهَدُ لِلضِّيَافَةِ أَثَرٌ فِي إسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ وَلِذَا مَنَعَ الْمُحَقِّقُونَ كَوْنَهَا عُذْرًا كَالْكَرْخِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ وَاسْتَدَلَّا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ فَلْيَدْعُ لَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ هَذَا الْحَدِيثِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ ثَبَتَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَا يَقْوَى قُوَّةَ حَدِيثِ سَلْمَانَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى رِوَايَةِ الْمُنْتَقَى تَتَظَافَرُ الْأَدِلَّةُ وَلَا يُعَارِضُ مَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ مَا يُثْبِتُهَا عَلَى مَا لَا يَخْفَى. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ مَكَانَهُ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَلَا تَعُودَا. اهـ. فَتْحُ (قَوْلُهُ أَنْتَ أَحْسَنُهُمْ) رَوَاهُ فِي الْمُحَلَّى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. اهـ. غَايَةٌ
стр. 339
قِيلَ وُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِالْأَمْرِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قُلْنَا قَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَكَذَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ذَكَرَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلُهُ ﵊ إلَّا إنْ تَطَوَّعَ عَقِيبَ قَوْلِ الْأَعْرَابِيّ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا وَمَا رَوَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَكَذَا الْحَدِيثُ الثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّ فِي طَرِيقِهِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَلَئِنْ صَحَّا فَالْمُرَادُ بِالْخِيَارِ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ نَفْيُ الْإِجْبَارِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّارِعَ وَإِنْ أَمَرَهُ بِالنَّفْلِ لَمْ يُجْبِرْهُ عَلَيْهِ بَلْ اخْتِيَارُهُ بَاقٍ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وَالْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الثَّانِي بَيَانُ وَقْتِ الشَّرْعِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُومَ تَطَوُّعًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ إنْ شَاءَ شَرَعَ فِيهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْرَعْ كَمَا يُقَالُ مَنْ دَخَلَ عَلَى السُّلْطَانِ فَلْيَتَأَهَّبْ أَيْ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ
قَالَ ﵀ (وَلَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَمْسَكَ) يَوْمَهُ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ بِالتَّشَبُّهِ (وَلَمْ يَقْضِ شَيْئًا) لِأَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فِيهِ وَقَالَ زُفَرُ إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ إدْرَاكَ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَإِدْرَاكِ كُلِّهِ كَمَا فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ كَذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَنَحْنُ نَقُولُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ السَّبَبَ فِي الصَّلَاةِ الْجُزْءُ الْمُتَّصِلُ بِالْأَدَاءِ فَوُجِدَتْ الْأَهْلِيَّةُ عِنْدَهُ وَفِي الصَّوْمِ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ هُوَ السَّبَبُ وَالْأَهْلِيَّةُ مَعْدُومَةٌ عِنْدَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا أَدْرَكَا وَقْتَ النِّيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِإِمْكَانِ تَحْصِيلِهِ وَإِنْ لَمْ يَصُومَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ لِمَا قُلْنَا وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَجَزَّأُ وُجُوبًا كَمَا لَا يَتَجَزَّأُ أَدَاءً وَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ مُنْعَدِمَةٌ فِي أَوَّلِهِ فَلَا يَجِبُ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ إنْ لَمْ يَصُمْ وَيُجْزِيهِ عَنْ الْوَاجِبِ إنْ نَوَاهُ فِي وَقْتِهِ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَوْعَبِ مِنْهُ كَالْمَرِيضِ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى وَلَوْ نَوَى الْكَافِرُ الَّذِي أَسْلَمَ تَطَوُّعًا لَا يُجْزِيهِ عَنْ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّطَوُّعِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ الَّذِي بَلَغَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ وَقِيلَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ يَلْزَمُهُمَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ نَهَارًا حَتَّى لَوْ أَفْسَدَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِمَا قَضَاؤُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْإِمْسَاكِ قِيلَ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ مُفْطِرٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ وَقِيلَ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِذَلِكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ حِينَ كَانَ صَوْمُهُ وَاجِبًا وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ لِمَا رَوَيْنَا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَلَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهِ كَذَلِكَ كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ لِأَنَّ فِي طَرِيقِهِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ) ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] لَيْسَ مَا فِي الْآيَةِ نَظِيرُ مَا فِي الْحَدِيثِ إذْ الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ لِلتَّهْدِيدِ وَفِي الْحَدِيثِ لِلتَّخْيِيرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَمْسَكَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِ اهـ ع (قَوْلُهُ بِالتَّشَبُّهِ) أَيْ بِالصَّائِمِينَ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَقْضِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا اهـ ع
(فَرْعٌ) وَفِي الْمُجْتَبَى قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ بِالصَّوْمِ إذَا أَطَاقَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ قَالَ لَا يُجْزِيهِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَتُجْزِيهِ الصَّلَاةُ قَبْلَهُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُؤْمَرُ حَتَّى يَبْلُغَ وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَر اخْتِلَافَ مَشَايِخِ بَلْخٍ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ إذَا أُمِرَ فَلَمْ يَصُمْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ يُضْرَبُ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى الصَّوْمِ كَمَا يُضْرَبُ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ لَا يُضْرَبُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ فَيُضْرَبُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ اهـ كَاكِيٌّ قَالَ السُّرُوجِيُّ ﵀ فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ مَا نَصُّهُ وَفِي الذَّخِيرَةِ الْمَالِكِيَّةِ صَوْمُ الصَّبِيِّ وَحَجُّهُ وَصَلَاتُهُ لَيْسَتْ بِشَرْعِيَّةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ ذَلِكَ تَمْرِينٌ لِلصَّبِيِّ (قُلْت) قَدْ نَقَلَ هَذَا غَيْرُهُ مِنْ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثِ عَنْ الْإِمَامِ وَنَقْلُهُمْ غَلَطٌ مَحْظُورٌ وَمَا أَعْلَمُ أَيَّ شَيْءٍ مُسْتَنَدُ نَقْلِهِمْ الْبَاطِلِ بَلْ اعْتِكَافُ الصَّبِيِّ وَصَوْمُهُ وَصَلَاتُهُ وَحَجُّهُ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ بِلَا خِلَافٍ وَأَجْرُهُ لَهُ دُونَ أَبَوَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْفَتَاوَى وَغَيْرِهَا
(قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْإِمْسَاكِ) يَعْنِي الْإِمْسَاكَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ. اهـ. (قَوْلُهُ حِينَ كَانَ صَوْمُهُ وَاجِبًا) أَيْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عِنْدَ قَوْلِهِ صَحَّ صَوْمُ رَمَضَانَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَنْ صَارَ أَهْلًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ كُلُّ مَنْ تَحَقَّقَ بِصِفَةٍ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ أَوْ قَارَنَ ابْتِدَاءُ وُجُودِهَا طُلُوعَ الْفَجْرِ وَتِلْكَ الصِّفَةُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ وَاسْتَمَرَّتْ مَعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ يَطْهُرَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ وَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ وَالْمَرِيضِ يَقْوَى وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ بَعْدَ الْأَكْلِ أَمَّا إذَا قَدِمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْأَكْلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ كَمَا فِي الْكِتَابِ وَكَذَا لَوْ كَانَ نَوَى الْفِطْرَ وَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قَدِمَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ نِيَّةُ الصَّوْمِ وَاَلَّذِي أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ مُكْرَهًا أَوْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ اسْتَبَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ تَسَحَّرَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقِيلَ الْإِمْسَاكُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ نَهَارًا لَا يَحْسُنُ أَنْ تَأْكُلَ وَالنَّاسُ صِيَامٌ وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فَلْيَصُمْ وَقَالَ فِي الْحَائِضِ فَلْتَدَعْ وَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا يَحْسُنُ تَعْلِيلًا لِلْوُجُوبِ أَيْ لَا يَحْسُنُ بَلْ يَقْبُحُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِهَا فَقَالَ فِي الْمُسَافِر إذَا أَقَامَ بَعْدَ الزَّوَالِ إنِّي أَسْتَقْبِحُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَالنَّاسُ صِيَامٌ وَهُوَ مُقِيمٌ فَبَيَّنَ مُرَادَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ وَلِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِلدَّلِيلِ وَهُوَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ بِالْإِمْسَاكِ لِمَنْ أَكَلَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ
стр. 340
وَالْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُمْسِكُ إلَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلصَّوْمِ فِي أَوَّلِهِ كَالْمُفْطِرِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِأَنْ تَسَحَّرَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ أَوْ أَفْطَرَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا الْفَجْرُ طَالِعٌ وَالشَّمْسُ لَمْ تَغْرُبْ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ تَشَبُّهًا خَلَفٌ عَنْ الصَّوْمِ فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَصْلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ وَالْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ لِمَا قُلْنَا فَكَذَا هَذَا وَنَحْنُ نَقُولُ الْإِمْسَاكُ أَصْلٌ وَلَيْسَ بِخَلَفٍ عَنْ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُمْ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ التَّشَبُّهِ قَدْ تَحَقَّقَ فِيهِمْ كَمَا تَحَقَّقَ فِي حَقِّ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِمْ
قَالَ ﵀ (وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِفْطَارَ ثُمَّ قَدِمَ وَنَوَى الصَّوْمَ فِي وَقْتِهِ صَحَّ) أَيْ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الصَّوْمِ وُجُوبًا وَأَدَاءً وَإِنَّمَا هُوَ مُرَخِّصٌ فَقَطْ فَإِذَا زَالَ الْتَحَقَ بِالْمُقِيمِ لِانْعِدَامِ الْمُرَخَّصِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا وَلِهَذَا قَالَ صَحَّ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي اللُّزُومِ حَتَّى يَلْزَمَهُ أَنْ يَنْوِيَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الصَّوْمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى الصَّوْمَ وَهُوَ مُسَافِرٌ فِي رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهَذَا أَوْلَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ السَّفَرُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ كَمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ لِلشُّهْبَةِ قَالَ ﵀ (وَيَقْضِي بِإِغْمَاءٍ سِوَى يَوْمٍ حَدَثَ فِي لَيْلَتِهِ) أَيْ يَقْضِي إذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ بِسَبَبِ الْإِغْمَاءِ لِأَنَّهُ نَوْعُ مَرَضٍ لَا يُزِيلُ الْحِجَا وَيُضْعِفُ الْقُوَى فَلَا يُنَافِي فِي الْوُجُوبِ وَلَا الْأَدَاءِ وَلَا يَقْضِي يَوْمًا حَدَثَ فِي لَيْلَتِهِ الْإِغْمَاءُ لِوُجُودِ الصَّوْمِ فِيهِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْوِي مِنْ اللَّيْلِ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَهَتِّكًا يَعْتَادُ الْأَكْلَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ مُسَافِرًا قَضَاهُ كُلَّهُ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ رَمَضَانَ كُلَّهُ قَضَاهُ كُلَّهُ إلَّا أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ لِمَا قُلْنَا وَإِنْ كَانَ الْإِغْمَاءُ حَدَثَ فِي شَعْبَانَ قَضَاهُ كُلَّهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ قَالَ ﵀ (وَبِجُنُونٍ غَيْرِ مُمْتَدٍّ) أَيْ يَقْضِي إذَا فَاتَهُ بِجُنُونٍ غَيْرِ مُمْتَدٍّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جُنُونُهُ غَيْرَ مُسْتَوْعِبٍ لِشَهْرِ رَمَضَانَ وَالْمُمْتَدُّ الْمُسْتَوْعِبُ لَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِهِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ وَقَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ اعْتِبَارًا بِالْإِغْمَاءِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَرَجِ لَا سِيَّمَا إذَا تَوَالَى عَلَيْهِ سِنِينَ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ نَادِرٌ فَلَا يُعْتَبَرُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَوْعِبٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ لَا يُحْرِجُ وَالسَّبَبُ قَدْ تَحَقَّقَ وَالْأَهْلِيَّةُ بِالذِّمَّةِ فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَهُوَ مُنْتَفٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فَكَذَا مَا يُبْنَى عَلَيْهِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَضَاءَ يَتَرَتَّبُ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ بَلْ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِوُجُودِ السَّبَبِ وَجَبَ أَدَاؤُهُ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ وَكَذَا الْمُسَافِرُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْأَدَاءِ وَهَذَا لِأَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ بِوُجُودِ السَّبَبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالْمُطَالَبَةِ فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَا يُطَالَبُ بِالْأَدَاءِ إلَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ الْمُمَيِّزِ وَنَفْسِ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الذِّمَّةُ صَالِحَةً لِلْوُجُوبِ وَبَنُو آدَمَ ذِمَّتُهُمْ صَالِحَةٌ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حُقُوقُ الْعِبَادِ إذَا وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهُ ثُمَّ يُؤَخَّرُ عَنْهُ الْأَدَاءُ إلَى وُجُودِ الْقُدْرَةِ فَكَذَا هَذَا ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَأَلْحَقَ الْأَصْلِيَّ بِالصِّبَا وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْذَارَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مَا لَا يَمْتَدُّ غَالِبًا كَالنَّوْمِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
حِينَ كَانَ وَاجِبًا وَلَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ فَوَائِدُ قُيُودِ الضَّابِطِ وَقُلْنَا كُلُّ مَنْ تَحَقَّقَ أَوْ قَارَنَ وَلَمْ نَقُلْ مَنْ صَارَ بِصِفَةٍ إلَى آخِرِهِ لِيَشْمَلَ مَنْ أَكَلَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا لِأَنَّ الصَّيْرُورَةَ لِلتَّحَوُّلِ وَلَوْ لِامْتِنَاعِ مَا يَلِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُفَادُ بِهِمَا فِيهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِفْطَارَ) قَالَ الْكَمَالُ ثُمَّ نِيَّةُ الْإِفْطَارِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بَلْ إذَا قَدِمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْأَكْلِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَوَسُّعًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُرَخَّصٌ فَقَطْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَاعْلَمْ أَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ إذَا لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ فَإِذَا نَوَاهُ لَيْلًا وَأَصْبَحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ عَزِيمَتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلَا يَحِلُّ فِطْرُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَكِنْ لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُبِيحَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَهُوَ السَّفَرُ قَائِمٌ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَبِهَا تَنْدَفِعُ الْكَفَّارَةُ اهـ
(قَوْلُهُ فَهَذَا أَوْلَى) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ هُوَ أَنَّ الْمُرَخِّصَ وَهُوَ السَّفَرُ قَائِمٌ وَقْتَ الْإِفْطَارِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْإِفْطَارُ فَلَأَنْ لَا يُبَاحَ لَهُ الْإِفْطَارُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمُرَخِّصُ لَيْسَ بِقَائِمٍ وَقْتَ الْفِطْرِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى اهـ (قَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ وَالْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَوْضَحُ بِهَا (قَوْلُهُ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ السَّفَرُ فِي أَوَّلِهِ) رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ وَقَوْلُهُ أَوْ آخِرِهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَوْضَحِ بِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا يُزِيلُ الْحِجَا) أَيْ الْعَقْلَ وَلِهَذَا اُبْتُلِيَ بِهِ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ ﷺ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ إلَى آخِرِهِ) وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِيِّ مَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالصِّبَا بِأَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَمِنْ الْعَارِضِ هُوَ أَنْ يَبْلُغَ مُفِيقًا ثُمَّ يُجَنَّ. اهـ. كَاكِيٌّ وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ كَانَ جُنُونُهُ أَصْلِيًّا فَالْمَحْفُوظُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مَا مَضَى لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْخِطَابِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْآنَ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُف أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي الْقِيَاسِ وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ فَأُوجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءَ مَا مَضَى لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا يُفَارِقُ الطَّارِئَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَكَذَا فِي الصَّوْمِ وَلَيْسَ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَالْعَارِضِيُّ) أَيْ وَبَيْنَ أَنْ يُفِيقَ الْمَجْنُونُ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ مِنْ آخَرِ يَوْمٍ أَوْ بَعْدَهُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَإِنْ اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ. اهـ. فَتْحٌ
стр. 341
مِنْ الْعِبَادَاتِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ لِأَحَدِ بِسَبَبِهِ وَمَا يَمْتَدُّ خِلْقَةً كَالصِّبَا فَيَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ وَمَا يَمْتَدُّ وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا وَقْتَ الصَّوْمِ غَالِبًا كَالْإِغْمَاءِ فَإِنْ امْتَدَّ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ جُعِلَ عُذْرًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ لِكَوْنِهِ غَالِبًا وَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِي الصَّوْمِ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ شَهْرًا نَادِرٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي إيجَابِهِ حَرَجٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَدُّ طَوِيلًا أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ لَوْ امْتَدَّ طَوِيلًا لَهَلَكَ وَبَقَاءُ حَيَاتِهِ بِدُونِهِمَا نَادِرٌ وَلَا حَرَجَ فِي النَّوَادِرِ وَمَا يَمْتَدُّ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَدْ لَا يَمْتَدُّ وَهُوَ الْجُنُونُ فَإِنْ امْتَدَّ فِيهِمَا أَسْقَطَهُمَا وَإِلَّا فَلَا
قَالَ ﵀ (وَبِإِمْسَاكٍ بِلَا نِيَّةِ صَوْمٍ وَفِطْرٍ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ أَمْسَكَ فِي رَمَضَانَ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِلَا نِيَّةِ صَوْمٍ وَلَا فِطْرٍ وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يَتَأَدَّى عِنْدَهُ بِدُونِ النِّيَّةِ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ هُوَ الْإِمْسَاكُ وَقَدْ وُجِدَ وَهَذَا لِأَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَتَى بِهِ وَقَعَ عَنْهُ كَمَا إذَا وَهَبَ كُلَّ النِّصَابِ مِنْ الْفَقِيرِ وَلَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بِجِهَةِ الْعِبَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥] وَالْإِخْلَاصُ لَا يَكُونُ بِدُونِ النِّيَّةِ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ زُفَرُ أَنْ تَكُونَ الْعِبَادَةُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْعَبْدِ وَأَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَهَذَا خُلْفٌ وَفِي هِبَةِ النِّصَابِ وُجِدَتْ مِنْهُ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي لُزُومِ الْقَضَاءِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ يَعْنِي لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ لَمْ يَأْكُلْ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إنْ أَكَلَ عِنْدَ زُفَرَ لِأَنَّهُ صَائِمٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْحُكْمُ عَلَى عَكْسِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ وَعِنْدَهُمَا إنْ أَكَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَكَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ فَوَّتَ بِهِ إمْكَانَ التَّحْصِيلِ فَصَارَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ
قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ فِي الْقَاضِي خَانْ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ قَالَ فِي الْغَايَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ فِي الْجُنُونِ الْعَارِضِيِّ إذَا أَفَاقَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ قَضَى جَمِيعَهُ وَفِي الْأَصْلِ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا وَقَالَ يَقْضِي مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ وَهَكَذَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اهـ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ جُنَّ رَمَضَانَ كُلَّهُ لَمْ يَقْضِهِ اهـ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ أَيْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَوَّلِ اللَّيْلَةِ ثُمَّ جُنَّ وَأَصْبَحَ مَجْنُونًا إلَى آخِرِ الشَّهْرِ قَضَى صَوْمَ الشَّهْرِ كُلِّهِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِهِ وَفِي جَمِيعِ النَّوَازِلِ إذَا أَفَاقَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ أَصْبَحَ مَجْنُونًا وَاسْتَوْعَبَ الشَّهْرَ اخْتَلَفَ فِيهِ أَئِمَّةُ بُخَارَى وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ لَا يُصَامُ فِيهَا وَكَذَا لَوْ أَفَاقَ فِي لَيْلَةٍ مِنْ وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ كُلَّهُ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهُ ابْتِدَاءُ الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ أَفَاقَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ فِيهِ كَاللَّيْلِ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ اهـ وَلَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعَلِمَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلِمَ فِي خِلَالِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَالْمَجْنُونَ سَوَاءٌ. اهـ. دِرَايَةٌ (فَرْعٌ) ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ جُنَّ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ أَفَاقَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ بَعْدَ سِنِينَ قَضَى الشَّهْرَ الَّذِي جُنَّ فِيهِ وَاَلَّذِي أَفَاقَ فِيهِ وَلَمْ يَقْضِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ السِّنِينَ لِاسْتِيعَابِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يَتَأَدَّى عِنْدَهُ بِدُونِ النِّيَّةِ إلَى آخِرِهِ) وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ يُنْكِرُ هَذَا الْمَذْهَبَ لِزُفَرَ وَيَقُولُ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ أَنَّ صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ يَتَأَدَّى بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَيُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي أَوَّلِهَا كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ هَذَا قَوْلٌ قَالَهُ زُفَرُ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ اهـ
(قَوْلُهُ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ) قُيِّدَ بِهِمَا لِأَنَّ الْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ النِّيَّةِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ التَّعْيِينِ فِي حَقِّهِمَا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ كَمَا إذَا وَهَبَ كُلَّ النِّصَابِ مِنْ الْفَقِيرِ) أَيْ عَلَى مَذْهَبِكُمْ فَهُوَ إلْزَامِيٌّ مِنْ زُفَرَ بِهِ فَإِنَّ إعْطَاءَ النِّصَابِ فَقِيرًا وَاحِدًا عِنْدَهُ لَا يَقَعُ بِهِ عَنْ الزَّكَاةِ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَقِيلَ تَأْوِيلُهُ أَنْ يَكُونَ الْفَقِيرُ مَدْيُونًا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ أَدَاءُ النِّصَابِ إلَيْهِ زَكَاةً بِالِاتِّفَاقِ اهـ (قَوْلُهُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي لُزُومِ الْقَضَاءِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ) قَالَ فِي الْكَافِي ثُمَّ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ إشْكَالٌ لِأَنَّا ذَكَرْنَا فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ صَائِمًا فِي يَوْمِهَا وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِأَنَّا حَمَلْنَا أَمْرَهُ عَلَى النِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ وَهُنَا لَمْ يُحْمَلْ أَمْرُهُ عَلَى النِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَتَأْوِيلُهَا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا لَا يَنْوِي شَيْئًا وَذَا مُطْلَقٌ لَهُ فَلَا يَصْلُحُ حَالُهُ دَلِيلًا عَلَى الْعَزِيمَةِ أَوْ رَجُلًا مُتَهَتِّكًا اعْتَادَ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ وَحَالُ مِثْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَزِيمَةِ الصَّوْمِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ لَمْ يَنْوِ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ لَا صَوْمًا وَلَا فِطْرًا إلَى آخِرِهِ وَمَنْ حَقَّقَ تَرْكِيبَ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ جَزَمَ بِأَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِغْمَاءَ قَدْ يُوجِبُ نِسْيَانَهُ حَالَ نَفْسِهِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ فَيَنْبَنِي الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ وَهُوَ وُجُودُ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَهَتِّكًا يَعْتَادُ الْأَكْلَ فَيُفْتَى بِلُزُومِ صَوْمِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيْضًا لِأَنَّ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى قِيَامِ النِّيَّةِ
أَمَّا هُنَا فَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ بِنَفْسِ عَدَمِ النِّيَّةِ ابْتِدَاءً لَا بِأَمْرٍ يُوجِبُ النِّسْيَانَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَدْرَى بِحَالَتِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَمَنْ شَكَّ أَنَّهُ كَانَ نَوَى أَمْ لَا أَمْكَنَ أَنْ يُجَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْبِنَاءِ عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فَصَارَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ) أَيْ فَصَارَ الْآكِلُ قَبْلَ الزَّوَالِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَانَ بِفَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ صَوْمًا فَبِالْأَكْلِ فَوَّتَ هَذَا الْإِمْكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَفْوِيتِ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْغَصْبِ فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ كَمَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ الْأَوَّلُ لِتَفْوِيتِ الْأَصْلِ يَضْمَنُ غَاصِبُ الْغَاصِبِ لِتَفْوِيتِ إمْكَانِ الرَّدِّ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَضْمَنَ الثَّانِي بِسَبَبِ
стр. 342
أَوْ تَسَحَّرَ ظَنَّهُ لَيْلًا وَالْفَجْرُ طَالِعٌ أَوْ أَفْطَرَ كَذَلِكَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ أَمْسَكَ يَوْمَهُ وَقَضَى وَلَمْ يُكَفِّرْ كَأَكْلِهِ عَمْدًا بَعْدَ أَكْلِهِ نَاسِيًا وَنَائِمَةٌ وَمَجْنُونَةٌ وُطِئَتَا) يَعْنِي هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ تَشَبُّهًا وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا ثُمَّ أَكَلَ عَمْدًا وَكَمَا لَا تَجِبُ عَلَى نَائِمَةٍ وَمَجْنُونَةٍ وُطِئَتَا أَمَّا وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فَلَا نُعِيدُهُ وَنُبَيِّنُ غَيْرَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَنَقُولُ أَمَّا إذَا تَسَحَّرَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ فَإِذَا الْفَجْرُ طَالِعٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْمِثْلِ كَمَا فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ هَذَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ اللَّيْلُ فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَلَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتْرُكَهُ تَحَرُّزًا عَنْ الْمُحَرَّمِ وَلَوْ أَكَلَ فَصَوْمُهُ تَامٌّ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ لِمَا قُلْنَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَسَاءَ بِالْأَكْلِ مَعَ الشَّكِّ إذَا كَانَ بِبَصَرِهِ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً أَوْ مُتَغَيِّمَةً أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا يَسْتَبِينُ فِيهِ الْفَجْرُ لِقَوْلِهِ ﵊ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَلَا يَأْكُلْ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تُعْمَلُ عَمَلَ الْيَقِينِ وَإِنْ أَكَلَ يَنْظُرُ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ قِيلَ يَقْضِيهِ احْتِيَاطًا وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ إلَّا بِمِثْلِهِ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَكَلَ وَالْفَجْرُ طَالِعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِمَا قُلْنَا وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَمْ تَكْمُلْ الْجِنَايَةُ وَأَمَّا إذَا أَفْطَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَغْرُبْ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ مَا تَجَانَفْنَا لِإِثْمٍ وَقَضَاءُ يَوْمٍ عَلَيْنَا يَسِيرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهَا غَرَبَتْ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَأَى أَنَّهَا غَرَبَتْ وَلَوْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فَأَكَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الِاسْتِهْلَاكِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَالتَّفْوِيتَ عِلَّتُهُ وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ قِيَامِ صَاحِبِ الْعِلَّةِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِسَبَبِ الْغَصْبِ لِأَنَّهُ مَا أَزَالَ الْيَدَ الْمُحِقَّةَ فَتَعَيَّنَ لِتَضْمِينِهِ تَفْوِيتَ الْإِمْكَانِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ تَسَحَّرَ ظَنَّهُ لَيْلًا) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَفِي الْإِسْبِيجَابِيِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَضَمَّنَتْ خَمْسَةَ فُصُولٍ، فَسَادُ صَوْمِهِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَوُجُوبُ إمْسَاكِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ وَالْخَامِسُ لَوْ أَكَلَ بَعْدَهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ اهـ وَعَدَّهَا فِي الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ خَمْسَةً أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ وَالْخَامِسُ أَنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. اهـ. (قَوْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى آخِرِهِ) يُفِيدُ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ اسْتِحْبَابَ التَّرْكِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْإِسَاءَةِ إنْ لَمْ يُتْرَكْ بَلْ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ ذَلِكَ مَفْضُولًا وَفِعْلُ الْمَفْضُولِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِسَاءَةَ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ «فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَنَقُولُ الْمَرْوِيُّ لَفْظُ الْأَمْرِ فَإِنْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مُقْتَضَاهُ الْوُجُوبَ فَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ الْإِثْمُ لَا الْإِسَاءَةُ أَوْ انْصَرَفَ عَنْهُ بِصَارِفٍ كَانَ نَدْبًا وَلَا إسَاءَةَ بِتَرْكِ الْمَنْدُوبِ بَلْ إنْ فَعَلَهُ نَالَ ثَوَابَهُ وَإِلَّا لَمْ يَنَلْ شَيْئًا فَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ كَوْنِهِ دَلِيلًا لِلْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فَلَا يَصْلُحُ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلَى هَذِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ إسَاءَةٌ مَعَهَا إثْمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. فَتْحُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) وَصَحَّحَهُ فِي الْإِيضَاحِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا أَفْطَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ إلَى آخِرِهِ) يُرَى عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ الرَّأْيِ بِمَعْنَى الظَّنِّ لَا الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ كَقَوْلِهِ
رَأَيْت اللَّهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَيْءٍ
أَيْ عَلِمْته وَلَوْ صِيغَ مِنْهُ لِلْفَاعِلِ مُرَادًا بِهِ الْمَفْعُولُ لَمْ يَمْتَنِعْ فِي الْقِيَاسِ لَكِنْ لَمْ يُسْمَعْ بِمَعْنَاهُ إلَّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ قَالَ
وَكُنْت أَرَى زَيْدًا كَمَا قِيلَ سَيِّدًا ... إذَا إنَّهُ عَبْدُ الْقَفَا وَاللَّهَازِمِ
فَأُرِيت بِمَعْنَى أُظْنِنْت أَيْ دُفِعَ إلَى الظَّنِّ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ مَا تَجَانَفْنَا) أَيْ مَا تَمَايَلْنَا وَمَا تَعَمَّدْنَا مِنْ الْجَنَفِ وَهُوَ الْمِيلُ وَالْمُرَادُ هُنَا مَا تَعَمَّدْنَا فِي هَذَا ارْتِكَابَ مَعْصِيَةٍ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَوْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ) لَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ النَّهَارُ وَلَوْ أَكَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ) أَيْ وَمُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ لُزُومُهَا لِأَنَّ الثَّابِتَ حَالَ غَلَبَةِ ظَنِّ الْغُرُوبِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ لَا حَقِيقَتُهَا فَفِي حَالِ الشَّكِّ دُونَ ذَلِكَ وَهُوَ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ وَهِيَ لَا تُسْقِطُ الْعُقُوبَاتِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ تَبَيَّنَّ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ شَاكًّا إلَى قَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ اهـ وَهَاكَ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ بِتَمَامِهَا وَلَوْ كَانَ شَاكًّا فِيهِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ نَظَرًا إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ النَّهَارُ
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَبِك آمَنْت وَعَلَيْك تَوَكَّلْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت وَصَوْمَ الْغَدِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَوَيْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت اهـ (قَوْلُهُ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ لِأَنَّ النَّهَارَ كَانَ ثَابِتًا وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ أَكْبَرُ رَأْيِهِ وَأَوْرَدَ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ غَرَبَتْ وَاثْنَانِ بِأَنْ لَا فَأَفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْغُرُوبِ لَا كَفَّارَةَ مَعَ أَنَّ تَعَارُضَهُمَا يُوجِبُ الشَّكَّ أُجِيبُ بِمَنْعِ الشَّكِّ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بِعَدَمِهِ عَلَى النَّفْيِ فَبَقِيَتْ الشَّهَادَةُ بِالْغُرُوبِ بِلَا مُعَارِضَ فَوَجَبَ ظَنُّهُ وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. اهـ. فَتْحُ
قَوْلُهُ بِلَا مُعَارِضٍ حَتَّى إنَّ الشَّهَادَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَفْطَرَ
стр. 343
وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بِاللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّسَحُّرَ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَقَالَ ﵊ «إنَّ فَضْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السُّحُورِ وَيُرْوَى السُّحُورُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ وَالْمُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّأْخِيرُ وَفِي الْفِطْرِ التَّعْجِيلُ لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخَّرُوا السُّحُورَ وَعَجَّلُوا الْفِطْرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ لَا تَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتَمَرَاتٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَكَلَ عَمْدًا بَعْدَ أَكْلِهِ نَاسِيًا فَلِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ اسْتَنَدَ إلَى دَلِيلٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَتَحَقَّقَ الشُّبْهَةُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْحَدِيثُ وَعِلْمِهِ أَوْ لَا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الدَّلِيلِ فَلَا تَنْتَفِي بِالْعِلْمِ كَوَطْءِ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ كَيْفَمَا كَانَ لِمَا قُلْنَا وَكَذَا لَوْ جَامَعَ نَاسِيًا ثُمَّ أَكَلَ أَوْ جَامَعَ عَمْدًا وَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى مِنْ النَّهَارِ أَوْ أَصْبَحَ مُسَافِرًا فَنَوَى الْإِقَامَةَ فَأَكَلَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَهُ الْحَدِيثُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَكَذَا عَنْهُمَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَلَيْسَ بِشَاذٍّ حَتَّى يَجْتَزِئَ بِتَرْكِهِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْت بِفِطْرِهِ بِالْأَكْلِ نَاسِيًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّتِهِمَا أَعْنِي قُوَّةَ الْحَدِيثِ وَقُوَّةَ الْقِيَاسِ وَعَلَى هَذَا لَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ ثُمَّ أَفْطَرَ عَمْدًا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَيَعُودُ إلَى الْجَوْفِ عَادَةً فَيَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَلَوْ احْتَجَمَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفَطِّرُهُ فَأَكَلَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الظَّنَّ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ إلَّا إذَا أَفْتَاهُ فَقِيهٌ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْفَتْوَى دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فِي حَقِّهِ وَلَوْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» فَأَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ أَقْوَى مِنْ فَتْوَى الْمُفْتِي فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ خِلَافُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَلَى الْعَامِّيِّ الِاقْتِدَاءُ بِالْفُقَهَاءِ لِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ فِي حَقِّهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَحَادِيثِ وَلَوْ عَرَفَ تَأْوِيلَهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ طَلَعَ الْفَجْرُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ بِالِاتِّفَاقِ لِهَذَا الْمَعْنَى اهـ دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ اعْلَمْ أَنَّ التَّسَحُّرَ مُسْتَحَبٌّ) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ سُنَّةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) قِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ حُصُولُ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «اسْتَعِينُوا بِقَائِلَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَبِأَكْلِ السَّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ» أَوْ الْمُرَادُ زِيَادَةُ الثَّوَابِ لِاسْتِنَانِهِ بِسُنَنِ الْمُرْسَلِينَ قَالَ ﷺ «فَرْقٌ بَيْنَ صَوْمِنَا وَصَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ السَّحُورُ وَلَا مُنَافَاةَ فَلْيَكُنْ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَالسَّحُورُ مَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ» وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ فِي أَكْلِ السَّحُورِ بَرَكَةٌ بِنَاءً عَلَى ضَبْطِهِ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سَحَرٍ فَأَمَّا عَلَى فَتْحِهَا وَهُوَ الْأَعْرَفُ فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ كَالْوَضُوءِ بِالْفَتْحِ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ بِالضَّمِّ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ وَنَيْلَ الثَّوَابِ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ لَا بِنَفْسِ الْمَأْكُولِ. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) أَيْ إلَّا أَبَا دَاوُد عَنْ أَنَسٍ. اهـ. (قَوْلُهُ لَا تَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى الشِّيعَةِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الْفِطْرَ إلَى ظُهُورِ النَّجْمِ لِأَنَّهُمْ إذَا أَخَّرُوهُ كَانَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ) أَيْ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَبْقَى صَائِمًا بِأَكْلِهِ عِنْدَ النِّسْيَانِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَنْ يَبْلُغَهُ الْحَدِيثُ وَعِلْمُهُ) أَيْ عِلْمُ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ الْأَكْلُ نَاسِيًا. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ كَيْفَمَا كَانَ) نَظَرًا إلَى قِيَامِ شُبْهَةِ الْمِلْكِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ بِثُبُوتِ هَذَا الدَّلِيلِ وَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ الرَّاجِحُ عَلَى تَبَايُنِ الْمِلْكَيْنِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ) أَيْ مِنْ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي الْكَافِي وَإِنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ وَعِلْمُهُ فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بَلْ يُوجِبُ الْعَمَلَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالرَّاوِي. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ) أَيْ وَهِيَ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَبْقَى مَعَ مُنَافِيهِ اهـ وَأَيْضًا نَظَرًا إلَى الْقِيَاسِ وَلَا تَنْتَفِي هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِالْعِلْمِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ فَلَا تَنْتَفِي بِهِ الشُّبْهَةُ كَافِي قَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّنَّ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى دَلِيلٍ إلَى آخِرِهِ قَالَ فِي فِي الدِّرَايَةِ لِأَنَّ انْعِدَامَ الرُّكْنِ بِوُصُولِ الشَّيْءِ إلَى بَاطِنِهِ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ أَوْ بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهُمَا لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى وَحُكْمُ الِاسْتِفْتَاءِ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ اهـ
قَوْلُهُ إلَّا إذَا أَفْتَاهُ فَقِيهٌ بِذَلِكَ أَيْ مِنْ أَيٍّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ قَالَ الْمَحْبُوبِي بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مِمَّنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْفَتْوَى وَيُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ فِي الْبَلْدَةِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ هَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ رُسْتُم عَنْ مُحَمَّدٍ وَبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَتَصِيرُ فَتْوَى الْمُفْتِي شُبْهَةً وَلَا يَصِيرُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ فِي حَقِّهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَحَادِيثِ) أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ مَنْسُوخًا اهـ كَافِي (قَوْلُهُ وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ) أَيْ بِأَنَّهُ يُفْطِرُ. اهـ. فَتْحٌ وَلَيْسَ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي النِّسْيَانِ لِأَنَّ خِلَافَهُ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ. اهـ. كَافِي بِالْمَعْنَى
стр. 344
لَا يُورَثُ شُبْهَةً لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ كَانَا يَغْتَابَانِ النَّاسَ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمَا أَجْرُ الصَّائِمِ وَالْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ وَالْمُبَاشَرَةُ كَالْحِجَامَةِ حَتَّى لَا تَسْقُطَ الْكَفَّارَةُ بِهِ إلَّا إذَا أَفْتَاهُ فَقِيهٌ وَلَوْ اغْتَابَ إنْسَانًا فَأَفْطَرَ بَعْدَهُ مُتَعَمِّدًا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَيْفَمَا كَانَ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ وَقَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يُورَثُ شُبْهَةً وَقِيلَ هِيَ كَالْحِجَامَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَأَمَّا النَّائِمَةُ وَالْمَجْنُونَةُ إذَا جُومِعَتَا فَلِوُجُودِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ وَهُوَ الْجِمَاعُ فَالْأَكْلُ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِفْسَادٍ لِوُجُودِ الْفَسَادِ قَبْلَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُمَا بِهَذَا الْجِمَاعِ اعْتِبَارًا بِالنَّاسِي إذْ عُذْرُهُمَا أَبْلَغُ مِنْ عُذْرِهِ لِوُجُودِ قَصْدِ الْأَكْلِ فِيهِ دُونَهُمَا وَنَحْنُ نَقُولُ النِّسْيَانُ يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَهُمَا نَادِرَانِ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُمَا بِهِ ثُمَّ تَصْوِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّائِمَةِ ظَاهِرٌ وَصُورَتُهَا فِي الْمَجْنُونَةِ أَنَّهَا نَوَتْ الصَّوْمَ ثُمَّ جُنَّتْ بِالنَّهَارِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَجَامَعَهَا إنْسَانٌ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَرَأْت عَلَى مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قُلْت لَهُ كَيْفَ تَكُونُ صَائِمَةً وَهِيَ مَجْنُونَةٌ فَقَالَ لِي دَعْ هَذَا فَإِنَّهُ انْتَشَرَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ وَهِيَ مَجْبُورَةٌ أَيْ مُكْرَهَةٌ فَظَنَّ النَّاسِخُ أَنَّهَا مَجْنُونَةٌ وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ دَعْ هَذَا فَإِنَّهُ انْتَشَرَ فِي الْآفَاقِ وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِمُحَمَّدٍ أَهَذِهِ الْمَجْنُونَةُ قَالَ لَا بَلْ الْمَجْبُورَةُ فَقُلْت أَلَا نَجْعَلُهَا مَجْبُورَةً فَقَالَ بَلَى ثُمَّ قَالَ كَيْفَ وَقَدْ سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ دَعُوهَا وَالْمَجْبُورَةُ بِمَعْنَى مُجْبَرَةٍ ضَعِيفٌ لَفْظًا صَحِيحٌ حُكْمًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ فَتَذَكَّرَ فَقَطَعَ الشُّرْبَ أَوْ أَلْقَى اللُّقْمَةَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا فَنَزَعَهُ لِلْحَالِ عِنْدَ الذِّكْرِ أَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ يُجَامِعُهَا فَنَزَعَهُ مَعَ الطُّلُوعِ فَصَوْمُهُ تَامٌّ وَقَالَ زُفَرُ يُفَطِّرُهُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي فَصْلِ الْجِمَاعِ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ النَّزْعِ مُبَاشِرٌ لِلْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَتِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّمَكُّنُ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ وَأَخَوَاتُهَا فَنَزَعَهُ لِلْحَالِ يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ فِي الْجِمَاعِ خَاصَّةً لِأَنَّ النَّزْعَ نَفْسَهُ جِمَاعٌ لِوُجُودِ مُمَاسَّةِ الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَنَّ النَّزْعَ تَرْكُ الْفِعْلِ فَلَا يُنَافِي الصَّوْمَ لِأَنَّ فِعْلَهُ الْجِمَاعَ وَقَدْ تَرَكَهُ بِالنَّزْعِ وَكَذَا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ تَرَكَهُ بِالْقَطْعِ فَلَا يُفَطِّرُهُ
قَالَ ﵀ (فَصْلٌ) (مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ وَقَضَى) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِهِ لِأَنَّهُ نَذَرَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَلَنَا أَنَّهُ نَذْرٌ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ فَيَصِحُّ وَالنَّهْيُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ) أَيْ مَعَ فَرْضِ عِلْمِ الْآكِلِ كَوْنَ الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَالْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَلَوْ مَسَّ أَوْ قَبَّلَ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ أَوْ ضَاجَعَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا تَأَوَّلَ حَدِيثًا أَوْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخْطَأَ الْفَقِيهُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْفَتْوَى وَالْحَدِيثِ يَصِيرُ شُبْهَةً كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِيهِ لَوْ دَهَنَ شَارِبَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا أَوْ تَأَوَّلَ حَدِيثًا لِمَا قُلْنَا يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ فِيمَنْ اغْتَابَ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا مِنْ قَوْلِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا أَوْ تَأَوَّلَ حَدِيثًا لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِفَتْوَى الْفَقِيهِ وَلَا بِتَأْوِيلِهِ الْحَدِيثَ هُنَا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَشْتَبِهُ عَلَى مَنْ لَهُ شَمَّةٌ مِنْ الْفِقْهِ وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْمَرْوِيِّ الْغَيْبَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ حَقِيقَةَ الْإِفْطَارِ فَلَمْ يُصَيِّرْهُ ذَلِكَ شُبْهَةً اهـ
(قَوْلُهُ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُمَا) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا ذَكَرَهَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَهُمَا نَادِرَانِ) أَيْ جِمَاعُ النَّائِمَةِ وَالْمَجْنُونَةِ اهـ (قَوْلُهُ وَالْمَجْبُورَةُ بِمَعْنَى مُجْبَرَةٍ إلَى آخِرِهِ) قَالَ ثَعْلَبٌ فِي فَصِيحِهِ جَبَرْت الْكَسْرَ صَحَّحْته وَأَجْبَرْت فُلَانًا قَهَرْته جَبْرًا فِي الْأَوَّلِ وَإِجْبَارًا فِي الثَّانِي فَهُوَ مَجْبُورٌ مِنْ جَبَرَ وَمُجْبَرٌ مِنْ أَجْبَرَ اهـ وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ جَبَرَهُ بِمَعْنَى أَجْبَرَهُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ وَلِذَا قَلَّ اسْتِعْمَالُ الْمَجْبُورِ بِمَعْنَى الْمُجْبَرِ وَاسْتَصْعَبَ وَضْع الْمَجْبُورَةِ مَوْضِعَ الْمَجْنُونَةِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (قَوْلُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ فِي أَوَائِلِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَلَوْ بَدَأَ بِالْجِمَاعِ نَاسِيًا فَتَذَكَّرَ إنْ نَزَعَ مِنْ سَاعَتِهِ لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ثُمَّ قِيلَ لَا كَفَّارَةَ وَقِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يُحَرِّكْ نَفْسَهُ بَعْدَ التَّذَكُّرِ حَتَّى أَنْزَلَ فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ بَعْدُ فَعَلَيْهِ كَمَا لَوْ نَزَعَ ثُمَّ أَدْخَلَ وَلَوْ جَامَعَ عَامِدًا قَبْلَ الْفَجْرِ فَطَلَعَ وَجَبَ النَّزْعُ فِي الْحَالِ فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا نَظِيرُهُ مَا قَالُوا أَوْلَجَ ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ جَامَعْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ إنْ نَزَعَ أَوْ لَمْ يَنْزِعْ وَلَمْ يُحَرِّكْ حَتَّى أَنْزَلَ لَا تَطْلُقُ وَلَا تُعْتَقُ وَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ طَلُقَتْ وَعَتَقَتْ وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ وَيَجِبُ الْعَقْدُ لِلْأَمَةِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا. اهـ.
[فَصْلٌ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ فِي الْفَتْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِوَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي النُّسْخَةِ الْأُخْرَى مُشَارٌ بِهِ إلَى مَعْهُودٍ فِي الذِّهْنِ بِنَاءً عَلَى شُهْرَةِ الْأَيَّامِ عَنْ صِيَامِهَا وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَالْعِيدَيْنِ وَيُنَاسِبُ النُّسْخَةَ الْأُولَى الِاسْتِدْلَال فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْأَضْحَى وَصِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا سَمِعْته يَقُولُ «لَا يَصِحُّ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» وَيُنَاسِبُ النُّسْخَةَ الْأُخْرَى الِاسْتِدْلَال بِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لَا تَصُومُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إلَى آخِرِهِ اهـ
стр. 345
لَا يُنَافِي الْمَشْرُوعِيَّةَ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الِانْتِهَاءُ وَالنَّهْيُ عَمَّا لَا يُتَصَوَّرُ لَا يَكُونُ فَيَقْتَضِي تَصَوُّرَهُ وَحُرْمَتَهُ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا ضَرُورَةً وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُنَافِي الْمَشْرُوعِيَّةَ فَيَصِحُّ نَذْرُهُ وَلَكِنَّهُ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ ثُمَّ يَقْضِي إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ الْعَهْدِ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ كَمَا الْتَزَمَهُ نَاقِصًا لِمَكَانِ النَّهْيِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ كَانَ نَوَى يَمِينًا كَفَّرَ أَيْضًا) أَيْ مَعَ الْقَضَاءِ تَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّهُمَا صَحَّا فَيَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَفْطَرَ مُوجِبُهُمَا الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ وَالْقَضَاءُ بِالنَّذْرِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى النَّذْرَ لَا غَيْرُ أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ عِنْدَ نِيَّتِهِ لَهُ فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْيَمِينَ مُحْتَمِلُ كَلَامَهُ لِأَنَّ النَّذْرَ إيجَابُ الْمُبَاحِ وَهُوَ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْبِرَّ وَقَدْ عَيَّنَهُ بِعَزِيمَتِهِ وَنَفَى غَيْرَهُ وَإِنْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا يَكُونُ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ نَذْرًا لَا غَيْرُ وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ يَكُونُ أَيْضًا نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَكُونُ يَمِينًا لَا غَيْرُ وَلَهُ أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَالْيَمِينَ مَجَازٌ فَلَا يَنْتَظِمُهَا لَفْظٌ وَاحِدٌ وَالْمَجَازُ يَتَعَيَّنُ بِنِيَّتِهِ وَعِنْدَ نِيَّتِهِمَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ لِأَنَّ النَّذْرَ إيجَابُ الْمُبَاحِ فَيَسْتَدْعِي تَحْرِيمَ ضِدِّهِ وَأَنَّهُ يَمِينٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ثُمَّ قَالَ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فَكَانَ نَذْرًا بِصِيغَتِهِ يَمِينًا بِمُوجِبِهِ كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ تُمْلَكُ بِصِيغَتِهِ تَحْرِيرٌ بِمُوجِبِهِ حَتَّى إذَا نَوَى عَنْ الْكَفَّارَةِ أَجْزَأَهُ أَوْ نَقُولُ إنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ أَمَّا النَّذْرُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْيَمِينُ فَلِأَنَّهُ يُوجِبُ الْبِرَّ إلَّا أَنَّ النَّذْرَ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ وَالْيَمِينُ يَقْتَضِيهِ لِغَيْرِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ التَّبَرُّعِ وَالْمُعَاوَضَةِ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَكَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ الْفَسْخِ وَالْبَيْعِ فِي الْإِقَالَةِ فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فَمَعَ اتِّفَاقِهِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ وَوَاجِبًا لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَمَنْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَن الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ أَوْ لَيُطِيعَن أَبَوَيْهِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ مُؤَكِّدَةً لِلْأُخْرَى فَلَا تَنَافِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ وَالنَّهْيُ عَمَّا لَا يُتَصَوَّرُ لَا يَكُونُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِحُكْمِ النَّهْيِ بَعْدَمَا كَانَ مَشْرُوعًا بِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ النَّهْيَ غَيْرُ النَّسْخِ فَالنَّسْخُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَشْرُوعِ بِالرَّفْعِ أَوْ الِانْتِهَاءُ أَوْ بِعَدَمِ فِعْلِ الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا وَلَا صُنْعً لِلْعَبِدِ فِي الشَّرْعِ وَالنَّهْيُ مَنْعُ الْمُكَلَّفِ مِنْ فِعْلِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الْوَقْتِ فَيَبْقَى الْحَالُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ مَعَ مَنْعِهِ وَيَصِيرُ فِعْلُهُ حَرَامًا وَقَدْ يُوجَدُ النَّسْخُ وَلَا نَهْيَ كَصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ انْتَسَخَ وُجُوبُهُ وَبَقِيَ نَدْبُهُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ) أَيْ كَمَا لَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ الَّذِي تَلَاهَا فِيهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ نَاقِصًا) قَالَ فِي الْكَافِي كَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ هَذِهِ الرَّقَبَةَ وَهِيَ عَمْيَاءُ خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ بِإِعْتَاقِهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَتَأَدَّى شَيْءٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ بِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ يَكُونُ نَذْرًا) أَيْ لَا غَيْرُ (قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ) أَيْ وَبِالْإِجْمَاعِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ يَكُونُ يَمِينًا) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ) أَيْ وَلَمْ يَخْطِرْ بَالُهُ بِالنَّذْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ لَهُ أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَالْيَمِينَ مَجَازٌ) أَيْ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفُ الْأَوَّلُ عَلَى النِّيَّةِ وَيَتَوَقَّفُ الثَّانِي. اهـ. هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَالْمَجَازُ يَتَعَيَّنُ بِنِيَّتِهِ) أَيْ فَيَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِفْطَارِ دُونَ الْقَضَاءِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ نِيَّتِهِمَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ) لِقُوَّتِهَا إذْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُمْتَنِعٌ فَإِذَا أَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ) أَيْ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا. اهـ. كَافِي وَالْجِهَتَانِ الْكَائِنَتَانِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا جِهَةُ الْيَمِينِ وَجِهَةُ النَّذْرِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ يَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ) أَيْ وُجُوبَ مَا تَعَلَّقَتَا بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ) أَيْ بِالْحِنْثِ فَالنَّاذِرُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَكَانَ اللَّفْظُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً لِأَحَدِهِمَا مَجَازًا لِلْآخَرِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ الْعَامِّ إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى النَّذْرِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَلْفَاظِ الْمُشَكِّكَةِ تَكُونُ وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ فِي الْبَعْضِ أَصْدَقُ كَالْبَيَاضِ فِي الثَّلْجِ، وَالْعَاجُ أَصْدَقُ مِنْ الثَّوْبِ وَفِي التَّحْرِيرِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا يَحْنَثُ (قُلْت) الْمُرَادُ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَهُوَ الْحُصُولُ فِيهَا وَهَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مُرَادٌ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يُصْرَفُ إلَى الْيَمِينِ وَفِي الْمَقِيسِ عَلَيْهَا يُصْرَفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَلَمْ تَكُنْ مِثْلَهَا
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ بِلَفْظَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ يَمِينٌ عَلَيَّ كَذَا نَذْرٌ فَيَكُونُ إيجَابُ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مُوجِبَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي لَفْظِهِ ذَكَرَ ذَلِكَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْخَلَّاطِيُّ فِي جَامِعِهِ إذْ اللَّامُ تُسْتَعْمَلُ لِلْقَسَمِ قَالَ الشَّاعِرُ
لِلَّهِ يَبْقَى عَلَى الْأَيَّامِ ذُو حَيْدٍ
اهـ سَرُوجِيٌّ (قَوْلُهُ فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا) أَيْ لَا نُفَارِقُهُمَا فِي الْإِيجَابِ. اهـ. كَافِي بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَالْمُعَاوَضَةُ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ) يَعْنِي جُعِلَ هِبَةً فِي الِابْتِدَاءِ لِلَفْظِ الْهِبَةِ وَبَيْعًا فِي الِانْتِهَاءِ لِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ فَاعْتُبِرَتْ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ لِجِهَةِ التَّبَرُّعِ وَهِيَ اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ وَالْبُطْلَانِ بِالشُّيُوعِ وَعَدَمُ جَوَازِ تَصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهَا وَاعْتُبِرَتْ جِهَةُ الْمُعَاوَضَةِ فِي الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَاسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ اهـ كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَكَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ الْفَسْخِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ فَإِنَّهَا فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِصِيغَتِهَا بَيْعٌ فِي حَقِّ الثَّالِثِ بِمَعْنَاهُ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ كَمَنْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَن الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ)
стр. 346
وَلَا يَضُرُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِهِ لِأَنَّهُمَا حُكْمٌ آخَرُ سِوَى الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ إذْ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ هُوَ لُزُومُ الْوَفَاءِ بِهِ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا فِيهِ
قَالَ ﵀ (وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ هَذِهِ السَّنَةِ أَفْطَرَ أَيَّامًا مَنْهِيَّةً وَهِيَ يَوْمَا الْعِيدِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا) لِأَنَّ النَّذْرَ بِالسَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ نَذْرٌ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْهَا وَقَالَ فِي الْغَايَةِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَذَرَ قَبْلَ عِيدِ الْفِطْرِ أَمَّا إذَا قَالَ فِي شَوَّالٍ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَلْ يَلْزَمُهُ صِيَامُ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ هَذَا قِيَاسُهُ وَهَذَا سَهْوٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ السَّنَةَ عِبَارَةٌ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ وَقْتِ النَّذْرِ إلَى وَقْتِ النَّذْرِ وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لَا تَخْلُو عَنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَمْلِ فَيَكُونُ نَذْرًا بِهَا وَكَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ السَّنَةَ لَكِنَّهُ شَرَطَ التَّتَابُعَ لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُتَتَابِعَةَ لَا تَعْرَى عَنْهَا لَكِنْ يَقْضِيهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مَوْصُولَةً تَحْقِيقًا لِلتَّتَابُعِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا نَذَرَ سَنَةً مُعَيَّنَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَرْتِيبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَجَاوِزٌ كَرَمَضَانَ وَلِهَذَا لَا يُعِيدُ إذَا أَفْطَرَ يَوْمًا وَفِي الثَّانِي يُعِيدُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَلَوْ صَامَ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ وَيَتَأَتَّى فِي الْفَصْلَيْنِ خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ لَا يُجْزِيهِ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَيَقْضِي خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُنْكَرَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ اسْمٌ لِأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ قَدْرَ السَّنَةِ فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّذْرِ هَذِهِ الْأَيَّامُ وَلَا شَهْرُ رَمَضَانَ بَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِهَا قَدْرُ السَّنَةِ فَإِذَا أَدَّاهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَقَدْ أَدَّاهَا نَاقِصَةً فَلَا تُجْزِيهِ عَنْ الْكَامِلِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ رَمَضَانَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ قَدْرِهِ بِخِلَافِ الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لِأَنَّ رَمَضَانَ دَاخِلٌ فِي النَّذْرِ فَلَمْ يَصِحَّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ لِأَنَّ صَوْمَهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِجِهَةٍ أُخْرَى فَيَكُونُ جُمْلَةُ مَا لَزِمَهُ فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِالنَّذْرِ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَفِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لِعَدَمِ دُخُولِ رَمَضَانَ فِيهِ وَلَوْ نَوَى يَمِينًا أَوْ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا وَنَذْرًا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ بِالِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِيهَا قَالَ ﵀ (وَلَا قَضَاءَ إنْ شَرَعَ فِيهَا ثُمَّ أَفْطَرَ) أَيْ إنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فِي هَذِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فِي الْوَقْتِ فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا لَعَيْنهَا وَلِغَيْرِهَا حَتَّى يَجِبَ الْقَضَاءُ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ عَيْنِهَا وَالْكَفَّارَةُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُوبِ لِغَيْرِهَا وَلَا يُسَمَّى هَذَا مَجَازًا بَلْ هُوَ عَمَلٌ بِالدَّلِيلَيْنِ. اهـ. كَاكِيٌّ بِالْمَعْنَى
(قَوْلُهُ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ هَذِهِ السَّنَةِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ سَوَاءٌ أَرَادَهُ أَنْ يَقُولَ صَوْمَ يَوْمٍ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ سَنَةٍ وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ كَلَامًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ النَّذْرُ لَزِمَهُ لِأَنَّ هَزْلَ النَّذْرِ كَالْجِدِّ كَالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ قَالَتْهُ قَضَتْ مَعَ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيَّامَ حَيْضِهَا لِأَنَّ تِلْكَ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْ الْحَيْضِ فَصَحَّ الْإِيجَابُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ فَإِنَّهُ مَنْصُوصٌ عَنْهُ فِي قَوْلِهَا أَنْ أَصُومَ غَدًا فَوَافَقَ حَيْضَهَا لَا تَقْضِي وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَقْضِيهِ لِأَنَّهَا لَمْ تُضِفْهُ إلَى يَوْمِ حَيْضِهَا بَلْ إلَى الْمَحَلِّ غَيْرَ أَنَّهُ اتَّفَقَ عُرُوضُ الْمَانِعِ فَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْإِيجَابِ حَالَ صُدُورِهِ فَتَقْضِي وَكَذَا إذَا نَذَرَتْ صَوْمَ الْغَدِ وَهِيَ حَائِضٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ يَوْمَ حَيْضِي لَا قَضَاءَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ لِإِضَافَتِهِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ فَصَارَ كَالْإِضَافَةِ إلَى اللَّيْلِ ثُمَّ عِبَارَةُ الْكِتَابِ تُفِيدُ الْوُجُوبَ لِمَا عُرِفَ وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ الْأَفْضَلُ فِطْرُهَا حَتَّى لَوْ صَامَهَا خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ تَسَاهُلٌ بَلْ الْفِطْرُ وَاجِبٌ لِاسْتِلْزَامِ صَوْمِهَا الْمَعْصِيَةَ وَتَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ الْفِطْرَ بِهَا فَإِنْ صَامَهَا أَثِمَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا الْتَزَمَهَا نَاقِصَةً لَكِنْ قَارَنَ هَذَا الِالْتِزَامَ وَاجِبٌ آخَرُ وَهُوَ لُزُومُ الْفِطْرِ تَرْكَهُ فَتَحْمِلُ إثْمَهُ. اهـ. فَتْحٌ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ هَذَا سَهْوٌ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي السُّنَّةِ الْمُعَيَّنَةِ حَيْثُ قَالَ هَذِهِ السُّنَّةُ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا بَقِيَ مِنْهَا أَلَا تَرَى إلَى مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُ بَقِيَّتِهِ فَكَذَا هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ مِنْ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ وَضْعَ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ أَفْطَرَ أَيَّامًا مَنْهِيَّةٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ النَّذْرِ عَلَيْهَا وَإِلَّا لَا يُتَصَوَّرُ الْإِفْطَارُ اهـ كَذَا نَقَلْته مِنْ خَطِّ شَيْخِي الْعَلَّامَةِ أَمْتَعَ اللَّهُ بِوُجُودِهِ هُوَ الشَّيْخُ صَلَاحُ الدِّينِ الطَّرَابُلُسِيُّ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ نَذْرًا بِهَا إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَهَذَا سَهْوٌ بَلْ الْمَسْأَلَةُ كَمَا هِيَ فِي الْغَايَةِ مَنْقُولَةٌ فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهَذَا الشَّهْرِ وَلِأَنَّ كُلَّ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَرَبِيَّةٍ عِبَارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهَا مَبْدَأٌ وَمَخْتَمٌ خَاصَّانِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَبْدَؤُهَا الْمَحْرَمُ وَآخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ فَإِذَا قَالَ هَذِهِ فَإِنَّمَا تُفِيدُ الْإِشَارَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَحَقِيقَةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ نَذَرَ بِالْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُدَّةُ الْمَاضِيَةُ الَّتِي مَبْدَؤُهَا الْمَحْرَمُ إلَى وَقْتِ التَّكَلُّمِ فَيَلْغُو فِي حَقِّ الْمَاضِي كَمَا يَلْغُو فِي قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ وَهَذَا فَرْعٌ يُنَاسِبُ هَذَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ الْيَوْمَ أَوْ الْيَوْمَ أَمْسِ لَزِمَ صَوْمُ الْيَوْمِ وَلَوْ قَالَ غَدًا هَذَا الْيَوْمَ أَوْ هَذَا الْيَوْمَ غَدًا لَزِمَهُ صَوْمُ أَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ تَفَوَّهَ بِهِ وَلَوْ قَالَ شَهْرًا لَزِمَهُ شَهْرٌ كَامِلٌ وَلَوْ قَالَ الشَّهْرَ وَجَبَتْ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الشَّهْرَ مُعَرَّفًا فَيُصْرَفُ إلَى الْمَعْهُودِ بِالْحُضُورِ فَإِنْ نَوَى شَهْرًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا فِي الْغَايَةِ أَيْضًا وَلَوْ قَالَ صَوْمُ يَوْمَيْنِ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا صَوْمُ يَوْمِهِ بِخِلَافِ عَشْرِ حَجَّاتٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ
(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ السَّنَةَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ يُفْطِرُ وَيَقْضِي إذَا لَمْ يُعَيِّنْ السَّنَةَ بَلْ نَكَّرَهَا وَلَكِنْ وَصَفَهَا بِالتَّتَابُعِ فَقَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ سَنَةً مُتَتَابِعَةً فَهُوَ كَمَا لَوْ عَيَّنَ السَّنَةَ بِقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ هَذِهِ السَّنَةَ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ فَعَلَيْهِ صَوْمُ سَنَةٍ بِالْأَهِلَّةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَيَقْضِي خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ) أَيْ ثَلَاثِينَ لِرَمَضَانَ وَيَوْمَيْ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهَلْ يَجِبُ وَصْلُهَا بِمَا مَضَى قِيلَ نَعَمْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ هَذَا غَلَطٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِيَهُ. اهـ. فَتْحٌ
стр. 347
الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ وَالنَّهْيُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الشُّرُوعِ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ صَوْمَ هَذِهِ الْأَيَّامِ مَأْمُورٌ بِنَقْضِهِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ بِالشُّرُوعِ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الْإِتْمَامِ فَلَا يَجِبُ وَهَذَا لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ لِأَنَّهُ صَوْمٌ فَيَكُونُ إعْرَاضًا عَنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ بِخِلَافِ النَّذْرِ بِصَوْمِ الْعِيدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِنَفْسِ النَّذْرِ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِالْفِعْلِ فَكَانَتْ مِنْ ضَرُورَاتِ الْمُبَاشَرَةِ لَا مِنْ ضَرُورَاتِ إيجَابِ الْمُبَاشَرَةِ وَبِخِلَافِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ حَيْثُ لَا يَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَالشُّرُوعَ لَيْسَ بِصَلَاةٍ حَيْثُ لَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي مَا لَمْ يَسْجُدْ وَالشُّرُوعُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْقَضَاءِ دُونَ الصَّلَاةِ فَصَارَ كَالنَّذْرِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ بِذَلِكَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ بِأَنْ يُمْسِكَ حَتَّى تَبْيَضَّ الشَّمْسُ فَحَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ الِاعْتِكَافِ) .
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَلُزُومُهُ وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وَفِي الشَّرِيعَةِ هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَاللُّبْثُ فِيهِ مَعَ الصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فِيهِ مَوْجُودٌ مَعَ زِيَادَةِ وَصْفٍ قَالَ ﵀ (سُنَّ لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ بِصَوْمٍ وَنِيَّةٍ) أَيْ جُعِلَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ سُنَّةً بِشَرْطِ نِيَّةِ الِاعْتِكَافِ وَالصَّوْمِ وَقَالَ الْقُدُورِيُّ الِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالْمُوَاظَبَةُ دَلِيلُ السُّنَّةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إلَى آخِرِهِ) وَفِي الْعُيُونِ جَعَلَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْخِلَافُ لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ. غَايَةٌ وَعَلَى هَذَا مَشَى صَاحِبُ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ إلَى آخِرِهِ) لِصِدْقِ اسْمِ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ وَالصَّائِمِ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ بِنِيَّةٍ وَلِذَا حَنِثَ بِهِ فِي يَمِينِهِ لَا يَصُومُ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ فِي يَمِينِهِ لَا يَصُومُ صَوْمًا. اهـ. فَتْحٌ
(فَرْعٌ) فِي الْوَلْوَالِجِيِّ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِهِ فَصَوْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ لِأَنَّ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ أَوَّلِهِ وَالسَّادِسَ عَشَرَ مِنْ آخِرِهِ وَمَا عَدَاهُمَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَا مُتَتَابِعَيْنِ اهـ غَايَةٌ فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الصَّلَاةُ إلَى آخِرِهِ) وَالصَّلَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أَرْكَانٍ مَعْلُومَةٍ فَمَا لَمْ يَفْعَلْهَا لَا يَتَحَقَّقُ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ بِوُجُودِ جَمِيعِ حَقِيقَتِهِ فَإِذَا قَطَعَهَا فَقَدْ قَطَعَ مَا لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ بَعْدُ قَطْعُهُ فَيَكُونَ مُبْطِلًا لِلْعَمَلِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْإِبْطَالِ فَيَلْزَمَ بِهِ الْقَضَاءُ إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ بَعْدَ السَّجْدَةِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَالْجَوَابُ مُطْلَقٌ فِي الْوُجُوبِ. اهـ. فَتْحٌ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ أَيْضًا وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْفَرْقُ. اهـ. غَايَةٌ
[بَابُ الِاعْتِكَافِ]
أَخَّرَهُ عَنْ الصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِقَامَةُ إلَى آخِرِهِ) وَقَالَ عَطَاءٌ مَثَلُ الْمُعْتَكِفِ كَمِثْلِ رَجُلٍ لَهُ حَاجَةٌ إلَى عَظِيمٍ فَيَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ وَيَقُولُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتِي وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ إنْ كَانَ عَنْ إخْلَاصٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ) أَيْ بِرًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى إلَى آخِرِهِ) أَيْ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) أَيْ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ فَهَذِهِ الْمُوَاظَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَتْ دَلِيلَ السُّنَّةِ وَإِلَّا كَانَتْ تَكُونُ دَلِيلَ الْوُجُوبِ أَوْ نَقُولُ اللَّفْظُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّرْكِ ظَاهِرٌ لَكِنْ وَجَدْنَا صَرِيحًا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْكِ وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ إلَى مَكَانِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فِيهِ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً أُخْرَى فَسَمِعَتْ زَيْنَبُ فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً أُخْرَى فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْغَدَاةِ بَصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ فَقَالَ مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا الْبِرِّ انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا فَنُزِعَتْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ» هَذَا وَأَمَّا اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ فَقَدْ «وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ اعْتَكَفَهُ فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَك يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْآخِرَ» وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي لَيْلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ» وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَلَا يُدْرَى أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ وَقَدْ تَتَقَدَّمُ وَقَدْ تَتَأَخَّرُ وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ هَكَذَا النَّقْلُ عَنْهُمْ وَفِي الْمَنْظُومَةِ وَالشُّرُوحِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ وَفِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّهَا تَدُورُ فِي السَّنَةِ تَكُونُ
стр. 348
وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَاجِبٌ وَهُوَ الْمَنْذُورُ وَسُنَّةٌ وَهُوَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ وَمِنْ مَحَاسِنِ الِاعْتِكَافِ أَنَّ فِيهِ تَفْرِيغَ الْقَلْبِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَتَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَى الْمَوْلَى وَمُلَازَمَةُ عِبَادَتِهِ وَبَيْتِهِ وَهُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الصَّوْمِ وَنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ أَمَّا اللُّبْثُ فَرُكْنُهُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْهُ وَشَرْطُهُ النِّيَّةُ وَالْمَسْجِدُ وَالصَّوْمُ وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ الصَّوْمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَهُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ رَفَعَهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّوسِيُّ وَغَيْرُهُ لَا يَرْفَعُهُ وَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُنْت نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ أَوْفِ بِنَذْرِك فَاعْتَكِفْ لَيْلَةً» وَهِيَ لَا تَقْبَلُ الصَّوْمَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الشِّرْكِ وَيَصُومَ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَقَالَ أَوْفِ بِنَذْرِك» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إسْنَادُهُ حَسَنٌ فَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ لَمَا احْتَاجَ إلَى إيجَابِ الصَّوْمِ فِيهِ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الدِّينِ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ وَالشَّرْطِيَّةُ تُنْبِئُ عَنْ التَّبَعِيَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَبَعًا لِمَا هُوَ دُونَهُ وَلَنَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا وَلَا يَخْرُجَ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﵊ اعْتَكَفَ بِلَا صَوْمٍ وَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَفَعَلَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ صَائِمًا يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ صَائِمًا وَلَوْلَا أَنَّهُ شَرْطٌ لَمَا لَزِمَهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُتَصَدِّقًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهَذَا لِأَنَّ النَّذْرَ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا مَقْصُودًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْصِبَ الْأَسْبَابَ وَلَا يَشْرَعَ الْأَحْكَامَ بَلْ لَهُ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يُوجَبْ الْمُكْثُ وَحْدَهُ إلَّا فِي ضِمْنِ عِبَادَةٍ كَالْقُعُودِ فِي التَّشَهُّدِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا يَجِبُ فِيهِ الْمُكْثُ فَإِنَّهُ لَوْ اجْتَازَ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ يَجُوزُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا فِيهِ لَكَانَ شَرْطَ انْعِقَادٍ أَوْ دَوَامٍ وَلَيْسَ هُوَ شَرْطًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ جَوَازِ الشُّرُوعِ فِيهِ لَيْلًا وَبَقَائِهِ فِيهِ بَعْدَمَا شَرَعَ قُلْنَا الشَّرَائِطُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَا إمْكَانَ فِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فِي رَمَضَانَ وَتَكُونُ فِي غَيْرِهِ فَجُعِلَ ذَلِكَ رِوَايَةً وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنْ قَالَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ عَتَقَ وَطَلُقَتْ إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ وَإِنْ قَالَهُ بَعْدَ لَيْلَةٍ مِنْهُ فَصَاعِدًا لَمْ يُعْتَق حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ الْعَامَ الْقَابِلَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا إذَا جَاءَ مِثْلُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ رَمَضَانَ الْآتِي وَأَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِكَوْنِهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي ذَلِكَ الرَّمَضَانُ الَّذِي كَانَ ﷺ الْتَمَسَهَا فِيهِ وَالسِّيَاقَاتُ تَدُلُّ عَلَيْهِ لِمَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ وَأَلْفَاظَهَا كَقَوْلِهِ إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَك وَإِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ وَمِنْ عَلَامَتِهَا أَنَّهَا بُلْجَةٌ سَاكِنَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا قَارَّةٌ تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بِلَا شُعَاعٍ كَأَنَّهَا طَسْتٌ كَذَا قَالُوا وَإِنَّمَا أُخْفِيَتْ لِيَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهَا فَيَنَالَ بِذَلِكَ أَجْرَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا أَخْفَى سُبْحَانَهُ السَّاعَةَ لِيَكُونُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْ قِيَامِهَا بَغْتَةً. اهـ. فَتْحٌ مَعَ حَذْفٍ
قَالَ فِي الْغَايَةِ وَيَنْبَغِي لِمَنْ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَنْ يَكْتُمَهَا وَيَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى بِإِخْلَاصٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ) خِلَافُ كُلٍّ مِنْ الْإِطْلَاقَيْنِ بَلْ الْحَقُّ أَنْ يَقِلَّ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَاجِبٌ وَهُوَ الْمَنْذُورُ) أَيْ تَنْجِيزًا أَوْ تَعْلِيقًا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَقَوْلُهُ فِي الِاعْتِكَافِ وَهُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الصَّوْمِ يُرِيدُ بِهِ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ غَيْرِ النِّسَاءِ اهـ (قَوْلُهُ وَنِيَّةُ الِاعْتِكَافِ إلَى آخِرِهِ) هَذَا مَفْهُومُهُ عِنْدَنَا وَفِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ إذْ هُوَ لُغَةً مُطْلَقُ الْإِقَامَةِ فِي أَيِّ مَكَان عَلَى أَيِّ غَرَضٍ كَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ رُكْنَهُ اللُّبْثُ بِشَرْطِ الصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ وَكَذَا الْمَسْجِدُ مِنْ الشُّرُوطِ أَيْ كَوْنُهُ فِيهِ وَهَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا لَا عَلَى اشْتِرَاطِهِ لِلْوَاجِبِ مِنْهُ فَقَطْ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلنَّفْلِ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا أَيْضًا إطْلَاقُ قَوْلِهِ وَالصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى مَا يَنْبَغِي لِأَنَّهُ إنْ ادَّعَى انْتِهَاضَ دَلِيلِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ لَزِمَهُ تَرْجِيحُ هَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ رَفَعَهُ أَبُو بَكْرٍ) هُوَ شَيْخُ الدَّارَقُطْنِيّ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ لَا يَرْفَعُهُ إلَى آخِرِهِ) لَكِنَّهُ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ فِي رَفْعِهِ مَعَ أَنَّ النَّافِيَ لَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ قَالَ أَوْفِ بِنَذْرِك) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ إسْنَادُهُ حَسَنٌ إلَى آخِرِهِ) انْفَرَدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ إلَى آخِرِهِ) كَوْنُ الصَّوْمِ مِنْ شَرْطِهِ إنَّمَا عُرِفَ بِالشَّرْعِ وَلَا شَرْعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ جَائِزًا إلَى آخِرِهِ) كَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ. اهـ. غَايَةٌ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ النَّذْرَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ الرَّبِّ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الِاعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا يَجِبُ كَالنَّذْرِ بِصَوْمِ اللَّيْلِ وَالِاعْتِكَافُ مِنْ جِنْسِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِلَّهِ تَعَالَى قُلْنَا بَلْ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ اللُّبْثُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ الْوُقُوفُ أَوْ النَّذْرُ بِالشَّيْءِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَاجِبِ وَهَذَا كَذَلِكَ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الصَّوْمِ وَمِنْ جِنْسِ الصَّوْمِ وَاجِبٌ فَيَكُونُ النَّذْرُ بِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى اللُّبْثِ وَالصَّوْمِ وَمِنْ جِنْسِ الصَّوْمِ
стр. 349
اللَّيْلِ فَيَسْقُطُ لِلتَّعَذُّرِ وَجُعِلَتْ اللَّيَالِي تَابِعَةً لِلْأَيَّامِ كَالشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ صَلَاةَ الْمُسْتَحَاضَةِ تَصِحُّ مَعَ السَّيْلَانِ وَإِنْ عُدِمَ الشَّرْطُ لِلتَّعَذُّرِ وَكَذَا الْخُرُوجُ لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ لَا يُنَافِيهِ لِلْعَجْزِ مَعَ أَنَّ الرُّكْنَ أَقْوَى مِنْ الشَّرْطِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ وَمَعَ هَذَا تَعَلَّقَ بِهِ جَوَازُ الِاعْتِكَافِ كَالصَّلَاةِ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا وَمَعَ هَذَا تَعَلَّقَ بِهَا تَمَامُ الطَّوَافِ وَأَقْرَبُ مِنْهُ أَنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَتَعَلَّقَ بِهِ صِحَّةُ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا قَالَ لِأَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» عَائِدٌ عَلَى الِاعْتِكَافِ دُونَ الصَّوْمِ فَيَكُونُ بَيَانًا عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ الْمَنْذُورَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ وَالتَّطَوُّعُ مِنْهُ يَصِحُّ بِدُونِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَذْهَبُهُ خِلَافُ ذَلِكَ عَلَى مَا حَكَيْنَا فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَحَدِيثُ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الثَّانِي أَنَّهُ نَذَرَ فِي الشِّرْكِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ وَلَيْسَ فِي اللَّيْلِ صَوْمٌ وَبِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا قَالَ فِي الْغَايَةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَهَذَا أَصْلُ الْحَدِيثِ فَنَقَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ اللَّيْلَةَ وَبَعْضُهُمْ الْيَوْمَ وَلِأَنَّهُ كَانَ الصَّوْمُ مَشْرُوعًا بِاللَّيْلِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَلَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ نَسْخِهِ
وَالْحَدِيثُ الْأَخِيرُ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثُمَّ الصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَاجِبِ مِنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَلِصِحَّةِ التَّطَوُّعِ فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَأَقَلُّهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَوْمٌ يَدْخُلُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَخْرُجُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنْ قَطَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ قَضَاهُ وَلَوْ أَفْسَدَهُ يَقْضِيهِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا إنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ تَقْدِيرٌ عَلَى الظَّاهِرِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَنَوَى الِاعْتِكَافَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ صَحَّ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَلِهَذَا يُصَلِّي النَّفَلَ قَاعِدًا وَرَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَالنُّزُولِ وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنْ أَقَلَّهُ أَكْثَرُ الْيَوْمِ حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ صَحَّ عِنْدَهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ
وَالِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ لِقَوْلِ حُذَيْفَةَ ﵁ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُصَلَّى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ اللُّبْثِ وَاجِبٌ فَيَصِحُّ النَّذْرُ عَلَى هَذَا نُقِلَ عَنْ صَدْرِ سُلَيْمَانَ وَفِي جَامِعِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ النَّذْرُ بِالِاعْتِكَافِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِنْسِهِ إيجَابٌ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ إنَّمَا شُرِعَ لِدَوَامِ الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ صَارَ قُرْبَةً فَصَارَ الْتِزَامُهُ بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ عُبَادَةَ مَقْصُودَةٌ اهـ
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ) عَائِدٌ عَلَى الِاعْتِكَافِ أَيْ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَنْذُورِ بِالنَّذْرِ مَعْلُومٌ وَالْخَفَاءُ فِي وُجُوبِ غَيْرِ الْمَنْذُورِ بِالنَّذْرِ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى الِاعْتِكَافِ أَكْثَرَ فَائِدَةً وَأَوْلَى بِحَمْلِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ عَلَيْهِ أَوْ يَحْتَمِلُهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَنَقَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ اللَّيْلَةَ وَبَعْضُهُمْ الْيَوْمَ إلَخْ) أَيْ فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي نَقْلُ بَعْضِ مَا سَمِعَ. اهـ. غَايَةٌ وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ أَنَّ النَّوَوِيَّ أَنْكَرَ عَلَى صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ اسْتِدْلَالَهُ بِحَدِيثِ عُمَرَ هَذَا وَقَالَ هُوَ نَذْرُ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّذْرَ الْجَارِيَ فِي الْكُفْرِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَاجِبًا عَلَيْهِ اهـ (قَوْلُهُ وَالْحَدِيثُ الْأَخِيرُ) أَيْ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَحَسَّنَهُ اهـ
(قَوْلُهُ ثُمَّ الصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَاجِبِ إلَخْ) ثُمَّ لَمَّا اشْتَرَطَ الصَّوْمَ لِصِحَّتِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهِ حَتَّى إنَّ رَجُلًا صَامَ تَطَوُّعًا ثُمَّ قَالَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ عَلَيَّ الِاعْتِكَافُ هَذَا الْيَوْمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالصَّوْمِ وَإِذَا وَجَبَ الِاعْتِكَافُ وَجَبَ الصَّوْمُ وَالصَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْعَقَدَ تَطَوُّعًا فَتَعَذَّرَ جَعْلُهُ وَاجِبًا كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْوَلْوَالِجِيُّ (قَوْلُهُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَجَعَلَ رِوَايَةَ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي النَّفْلِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ جَمَاعَةٌ وَلَا يَحْضُرنِي مُتَمَسَّكٌ لِذَلِكَ فِي السُّنَّةِ سِوَى حَدِيثِ الْقِبَابِ أَوَّلَ الْبَابِ فِي الرِّوَايَةِ الْقَائِلَةِ حَتَّى اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اعْتِكَافِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَلَا صَوْمَ فِيهِ وَفَرَّعُوا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ سَاعَةً ثُمَّ تَرَكَهُ لَا يَكُونُ إبْطَالًا لِلِاعْتِكَافِ بَلْ إنْهَاءً لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يَلْزَمُهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ أَيْ مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ صَلَاةٌ وَاحِدَةً بِجَمَاعَةٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَأَدَاءُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ الْخَمْسِ فِيهِ شَرْطٌ اهـ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ يَصِحُّ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا حَتَّى لَوْ جَعَلَ بَعْضَ بُيُوتِ دَارِهِ مَسْجِدًا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ وَالْمَسْجِدُ الْجَامِعُ أَفْضَلُ اهـ كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِقَوْلِ حُذَيْفَةَ إلَخْ) أَسْنَدَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَ دَارِك وَدَارِ أَبِي مُوسَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عُكُوفٌ قَالَ فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْت أَوْ حَفِظُوا وَأُنْسِيت قَالَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إنْ أَبْغَضَ الْأُمُورِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْبِدَعُ وَإِنَّ مِنْ الْبِدَعِ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الدُّورِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ قَالَ أَخْبَرَنِي جَابِرٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَرْفُوعًا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ) وَقَالَ الطَّحْطَاوِيُّ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَسْجِدِ إلَخْ) قَالَ ابْنُ فِرِشْتَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمُخْتَارَةُ. اهـ.
стр. 350
فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لِأَنَّهُ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ يُصَلَّى فِيهِ قِيلَ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْجَامِعِ وَأَمَّا فِي الْجَامِعِ فَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ الْخَمْسَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَالنَّفَلَ يَجُوزُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ مَعْلُومٌ وَيُصَلَّى فِيهِ الصُّوَاتُ الْخَمْسُ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُعْتَكَفُ فِيهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ وَإِمَامٌ فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ يَصِحُّ ذِكْرُهُ فِي الْغَايَةِ ثُمَّ أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ فِي الْجَامِعِ ثُمَّ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَكْثَرَ وَأَوْفَرَ قَالَ ﵀ (وَأَقَلُّهُ نَفْلًا سَاعَةٌ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ
قَالَ ﵀ (وَالْمَرْأَةُ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا) لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْضِعُ لِصَلَاتِهَا فَيَتَحَقَّقُ انْتِظَارُهَا فِيهِ وَلَوْ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَمَسْجِدُ حَيِّهَا أَفْضَلُ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ صَلَاتِهَا مِنْ بَيْتِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَسْجِدٌ لَا يَجُوزُ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِيهِ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا إذَا اُعْتُكِفَ فِيهِ قَالَ ﵀ (وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا لِحَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْجُمُعَةِ أَوْ طَبِيعِيَّةٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَثَرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَلِمَا رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ تُرِيدُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ هَكَذَا فَسَّرَهُ الزُّهْرِيُّ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا فِي زَمَنِ الِاعْتِكَافِ فَتَكُونَ مُسْتَثْنَاةً ضَرُورَةً لَا يَمْكُثُ فِي بَيْتِهِ بَعْدَمَا فَرَغَ طَهُورُهُ لِأَنَّ الثَّابِتَ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَالْجُمُعَةُ أَهَمُّ حَاجَاتِهِ فَيُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ إذَا خَرَجَ إلَى الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّهِ لِكَوْنِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَامِعِ قُلْنَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ ثُمَّ هُوَ مَأْمُورٌ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فَيَكُونُ الْخُرُوجُ لَهَا مُسْتَثْنًى كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَلِأَنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُ الِاعْتِكَافَ فِي الْجَامِعِ لِأَجْلِ الْجُمُعَةِ يَكْثُرُ خُرُوجُهُ وَمَشْيُهُ الْمُنَافِيَانِ لِلِاعْتِكَافِ لِبُعْدِ مَنْزِلِهِ بِخِلَافِ مَسْجِدِ حَيِّهِ وَلِأَنَّ فِيهِ إخْلَاءَ الْمَسَاجِدِ عَنْ الِاعْتِكَافِ وَهِجْرَانَهَا
وَيَخْرُجُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إنْ كَانَ مُعْتَكَفُهُ قَرِيبًا مِنْ الْجَامِعِ بِحَيْثُ لَوْ انْتَظَرَ زَوَالَ الشَّمْسِ لَا تَفُوتُهُ الْخُطْبَةُ وَإِنْ كَانَ تَفُوتُهُ لَا يَنْتَظِرُ زَوَالَ الشَّمْسِ وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِلَ إلَى الْجَامِعِ وَيُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْأَذَانِ لِلْخُطْبَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ سِتُّ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَأَرْبَعٌ سُنَّةٌ وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ يَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا سِتُّ رَكَعَاتٍ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ وَلَا يَمْكُثُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِلْحَاجَةِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي حَقِّ السُّنَّةِ لِأَنَّهَا أَتْبَاعٌ لِلْفَرَائِضِ فَتَكُونُ مُلْحَقَةً بِهَا وَلَا حَاجَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَإِنْ مَكَثَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ اعْتِكَاف الْمَرْأَة]
قَوْلُهُ وَلَوْ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَلَوْ اعْتَكَفَتْ فِي الْجَامِعِ أَوْ فِي مَسْجِدِ حَيِّهَا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْجَامِعِ فِي حَقِّهَا جَازَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ ذَكَرَ الْكَرَاهَةَ قَاضِي خَانْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا وَلَا إلَى نَفْسِ الْبَيْتِ مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِهَا إذَا اعْتَكَفَتْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ وَلَا تَعْتَكِفُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهَا وَإِنْ أَذِنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهَا وَلَا يَمْنَعَهَا وَفِي الْأَمَةِ تَمْلِكُ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِذْنِ مَعَ الْكَرَاهَةِ الْمُؤْتَمَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ أَسَاءَ وَأَثِمَ اهـ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَسْجِدٌ إلَخْ) وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهَا مَسْجِدٌ تَجْعَلُ فِي بَيْتِهَا مَسْجِدًا فَتَعْتَكِفُ فِيهِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يَخْرُجُ) أَيْ الْمُعْتَكِفُ (قَوْلُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَسْجِدِ. اهـ. (قَوْلُهُ كَالْجُمُعَةِ) أَيْ وَالِاغْتِسَالِ وَالْوُضُوءِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ بَعْدَمَا فَرَغَ طَهُورُهُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ قَالَ الْمُبَرَّدُ خَمْسَةٌ مِنْ الْمَصَادِرِ عَلَى فَعُولٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ الطَّهُورُ وَالْوَضُوءُ وَالْقَبُولُ وَالْوَزُوعُ وَالْوَلُوعُ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ قُلْنَا الِاعْتِكَافُ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ كَمَالُ الدِّينِ هَذَا وَجْهُ الْإِلْزَامِ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يُجْزِيه فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَمَّا عَلَى رَأَيْنَا أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ الْخَمْسُ بِجَمَاعَةٍ أَوْ دُونَهَا إذَا كَانَ جَامِعًا فَلَا يَكُونُ التَّمَسُّكُ عَلَى الْعُمُومِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] كَمَا فَعَلَهُ الشَّارِحُونَ صَحِيحًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ إلْزَامًا بِالدَّلِيلِ فَإِذَا صَحَّ فَبَعْدَ ذَلِكَ الضَّرُورَةُ مُطْلِقَةٌ لِلْخُرُوجِ مَعَ بَقَاءِ الِاعْتِكَافِ وَهِيَ هُنَا مُتَحَقِّقَةٌ نَظَرًا إلَى الْأَمْرِ بِالْجُمُعَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ سِتُّ رَكَعَاتٍ) قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي خُرُوجِهِ عَلَى إدْرَاكِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا يُصَلِّي قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ اهـ (قَوْلُهُ رَكْعَتَانِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ) قَالَ الْكَمَالُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الْفَرِيضَةِ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَجْزَأَ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهَا فِي تَحْقِيقِهَا وَكَذَا السُّنَّةُ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ إمَّا ضَعِيفَةٌ أَوْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْوَقْتِ مِمَّا يَسَعُ فِيهِ السُّنَّةَ، وَأَدَاءُ الْفَرْضِ بَعْدَ قَطْعِ الْمَسَافَةِ مِمَّا يُعْرَفُ تَخْمِينًا لَا قَطْعًا فَقَدْ يَدْخُلُ قَبْلَ الزَّوَالِ لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ ظَنِّهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسُّنَّةِ فَيَبْدَأَ بِالتَّحِيَّةِ فَيَنْبَغِيَ أَنْ يَتَحَرَّى عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَصْدُقُ الْحَزْرُ اهـ (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا سِتُّ رَكَعَاتٍ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السُّنَّةَ بَعْدَهَا أَرْبَعٌ وَقَوْلُهُمَا سِتٌّ وَمِنْهُمْ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى السِّتِّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَدَّمْنَا الْوَجْهَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ مَكَثَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ) وَلَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً. اهـ. كَافِي
стр. 351
لِلِاعْتِكَافِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا الْمُكْثُ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَلَا يُتِمُّهُ فِي غَيْرِهِ قَالَ ﵀
(فَإِنْ خَرَجَ سَاعَةً بِلَا عُذْرٍ فَسَدَ) أَيْ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يَفْسُدُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ وَقَوْلُهُ أَقْيَسَ لِأَنَّ الْخُرُوجَ يُنَافِي اللُّبْثَ وَمَا يُنَافِي الشَّيْءَ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَدَثِ فِي الطُّهْرِ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَهُوَ أَوْسَعُ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ لَوْ لَمْ يُبَحْ لَوَقَعُوا فِي الْحَرَجِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِإِقَامَةِ الْحَوَائِجِ وَلَا حَرَجَ فِي الْكَثِيرِ وَالْفَاصِلُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إذْ الْأَقَلُّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ كَمَا فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَذَا لَوْ خَرَجَ لِلْجِنَازَةِ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَكَذَا لِصَلَاتِهَا وَلَوْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أَوْ لِإِنْجَاءِ الْغَرِيقِ أَوْ الْحَرِيقِ وَالْجِهَادِ إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا أَوْ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ كُلُّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ بِخِلَافِ الْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةُ الْوُقُوعِ فَتَكُونُ مُسْتَثْنَاةً وَلِهَذَا لَوْ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَانْتَقَلَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَسْجِدًا بَعْدَ ذَلِكَ فَفَاتَ شَرْطُهُ وَكَذَا لَوْ تَفَرَّقَ أَهْلُهُ لِعَدَمِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِيهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ ظَالِمٌ كَرْهًا أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنْ الْمُكَابِرِينَ فَخَرَجَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَكِفَةً فِي الْمَسْجِدِ فَطَلُقَتْ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى بَيْتِهَا وَتَبْنِيَ عَلَى اعْتِكَافِهَا
قَالَ ﵀ (وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَنَوْمُهُ وَمُبَايَعَتُهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ إذْ لَيْسَ فِي تَقَضِّي هَذِهِ الْحَاجَاتِ مَا يُنَافِي الْمَسْجِدَ حَتَّى لَوْ خَرَجَ لِأَجْلِهَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي خُرُوجِهِ إلَى بَيْتِهِ لِلْأَكْلِ قُلْنَا الْأَكْلُ فِي الْمَسْجِدِ مُبَاحٌ وَالنَّبِيُّ ﵊ كَانَ يَأْكُلُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا ضَرُورَةٍ إلَيْهِ قَالَ ﵀ (وَكُرِهَ إحْضَارُ الْمَبِيعِ وَالصَّمْتُ وَالتَّكَلُّمُ إلَّا بِخَيْرٍ) أَمَّا إحْضَارُ الْمَبِيعِ وَهِيَ السِّلَعُ لِلْبَيْعِ فَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُحْرَزٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا وَجَعْلُهُ كَالدُّكَّانِ وَقَوْلُهُ وَكُرِهَ إحْضَارُ الْمَبِيعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ مَا بَدَا لَهُ مِنْ التِّجَارَاتِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارِ السِّلْعَةِ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ مَتْجَرًا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَلِهَذَا تُكْرَهُ الْخِيَاطَةُ وَالْخَرَزُ فِيهِ وَلِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ يُكْرَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك» الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ ﵊ «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فَإِنْ خَرَجَ سَاعَةً بِلَا عُذْرٍ فَسَدَ) أَيْ فِي الْمَنْذُورِ سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ) يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَعْدُودَةِ الَّتِي رُجِّحَ فِيهَا الْقِيَاسُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ ثُمَّ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ بِالضَّرُورَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاسْتِنْبَاطٌ مِنْ عَدَمِ أَمْرِهِ إذَا خَرَجَ إلَى الْغَائِطِ أَنْ يُسْرِعَ الْمَشْيَ بَلْ يَمْشِيَ عَلَى التُّؤَدَةِ وَبِقَدْرِ الْبُطْءِ تَتَخَلَّلُ السَّكَنَاتُ بَيْنَ الْحَرَكَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي فَنِّ الطَّبِيعَةِ وَبِذَلِكَ يَثْبُتُ قَدْرٌ مِنْ الْخُرُوجِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْقَلِيلَ عَفْوٌ فَجَعَلْنَا الْفَاصِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ أَقَلَّ مِنْ أَكْثَرِ الْيَوْمِ أَوْ اللَّيْلَةِ لِأَنَّ مُقَابِلَ الْأَكْثَرِ يَكُونُ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَأَنَا لَا أَشُكُّ أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى السُّوقِ لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ أَوْ الْقِمَارِ مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ إلَى مَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مُعْتَكِفٌ قَالَ مَا أَبْعَدَك عَنْ الْعَاكِفِينَ وَلَا يَتِمُّ مَبْنَى هَذَا الِاسْتِحْسَانِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ الَّتِي يُنَاطُ بِهَا التَّخْفِيفُ هِيَ الضَّرُورَةُ اللَّازِمَةُ أَوْ الْغَالِبَةُ الْوُقُوعُ وَمُجَرَّدُ عُرُوضِ مَا هُوَ مُلْجِئٌ لَيْسَ بِذَاكَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ عَرَضَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ عَلَى وَجْهٍ عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ لَا يُقَالُ بِبَقَاءِ صَلَاتِهِ كَمَا يُحْكَمُ بِهِ مَعَ السَّلَسِ مَعَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ وَالْإِلْجَاءِ وَسُمِّيَ ذَلِكَ مَعْذُورًا دُونَ هَذَا مَعَ أَنَّهُمَا يُجِيزَانِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَصْلًا إذْ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَنَّ خُرُوجَهُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ لَا يُفْسِدُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِحَاجَةٍ أَوْ لَا بَلْ لِلَّعِبِ وَأَمَّا عَدَمُ الْمُطَالَبَةِ بِالْإِسْرَاعِ فَلَيْسَ لِإِطْلَاقِ الْخُرُوجِ الْيَسِيرِ بَلْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْأَنَاةَ وَالرِّفْقَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى طَلَبَهُ إلَى الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُفَوِّتُ بَعْضَهَا مَعَهُ بِالْجَمَاعَةِ وَكَرِهَ الْإِسْرَاعَ وَنَهَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُحَصِّلًا لَهَا كُلِّهَا فِي الْجَمَاعَةِ تَحْصِيلًا لِفَضِيلَةِ الْخُشُوعِ إذْ هُوَ يَذْهَبُ بِالسُّرْعَةِ وَالْعَاكِفُ أَحْوَجُ إلَيْهَا فِي عُمُومِ أَحْوَالِهِ لِأَنَّهُ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى مُتَقَيِّدًا بِمَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالِانْتِظَارِ لِلصَّلَاةِ فَهُوَ فِي حَالِ الْمَشْيِ الْمُطْلَقِ لَهُ دَاخِلٌ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ الِانْتِظَارُ اهـ وَالْمُنْتَظِرُ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا فَكَانَ مُحْتَاجًا إلَى تَحْصِيلِ الْخُشُوعِ فِي حَالِ الْخُرُوجِ فَكَانَتْ تِلْكَ السَّكَنَاتُ كَذَلِكَ وَهِيَ مَعْدُودَةٌ مِنْ نَفْسِ الِاعْتِكَافِ لَا مِنْ الْخُرُوجِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْقَلِيلَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيرُهُ بِمَا هُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُقَابِلِهِ مِنْ بَقِيَّةِ تَمَامِ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ بَلْ بِمَا يُعَدُّ كَثِيرًا فِي نَظَرِ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ فَهِمُوا مَعْنَى الْعُكُوفِ وَأَنَّ الْخُرُوجَ يُنَافِيهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ أَوْ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ) أَيْ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. اهـ. غَايَةٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلَا يَخْرُجُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ تَعَيَّنَ لِأَدَائِهَا لِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ إلَّا نَادِرًا وَلَا عِبْرَةَ لِلنَّادِرِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَفِي شَرْحِ الصَّوْمِ لِلْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ الْمُعْتَكِفُ يَخْرُجُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَتَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ شَاهِدٌ آخَرُ فَيَنْوِيَ حَقَّهُ وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُعْتَكِفُ بِحَجٍّ لَزِمَهُ إذْ لَا يُنَافِيهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ إلَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ فَيَخْرُجَ حِينَئِذٍ وَلْيَسْتَقْبِلْ الِاعْتِكَافَ وَلَوْ احْتَلَمَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَلْوِيثٍ فَعَلَ وَإِلَّا خَرَجَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ يَعُودُ اهـ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ
стр. 352
عَلَيْك» وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ يُكْرَهُ التَّعْلِيمُ فِيهِ بِأَجْرٍ وَكَذَا كِتَابَةُ الْمُصْحَفِ فِيهِ بِأَجْرٍ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْخَيَّاطُ يَحْفَظُ الْمَسْجِدَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخِيطَ فِيهِ وَلَا يَسْتَطْرِقَهُ إلَّا لِعُذْرٍ وَكُلُّ مَا يُكْرَهُ فِيهِ يُكْرَهُ فِي سَطْحِهِ وَأَمَّا الصَّمْتُ فَالْمُرَادُ بِهِ صَمْتٌ يَعْتَقِدُهُ عِبَادَةً وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَتِمُّ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتِ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ صَوْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنُسِخَ وَيُلَازِمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالتَّدْرِيسِ وَسَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَكِتَابَةَ أُمُورِ الدِّينِ وَأَمَّا التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ الْخَيْرِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فَمَا ظَنُّك بِالْمُعْتَكِفِ
قَالَ ﵀ (وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَأَلْحَقَ بِهِ دَوَاعِيَهُ وَهُوَ اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مَحْظُورٌ فِيهِ لِمَا تَلَوْنَا فَيَتَعَدَّى إلَى دَوَاعِيهِ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ وَالظِّهَارِ وَالِاسْتِبْرَاءِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْهُ هُوَ الرُّكْنُ فِيهِ وَالْحَظْرُ يَثْبُتُ ضِمْنًا كَيْ لَا يَفُوتَ الرُّكْنُ فَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى دَوَاعِيهِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى لَصَارَ الْكَفُّ عَنْ الدَّوَاعِي رُكْنًا وَالرُّكْنِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ وَالْحُرْمَةُ تَثْبُتُ بِهَا وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فَلَوْ مَنَعُوا عَنْ الدَّوَاعِي لَحَرَجُوا وَبِخِلَافِ حَالَةِ الْحَيْضِ لِأَنَّهَا زَمَانُ نَفْرَةٍ فَلَمْ تَكُنْ دَاعِيَةً إلَى الْوَطْءِ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّوْمِ قَالَ ﵀ (وَيَبْطُلُ بِوَطْئِهِ) أَيْ يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِوَطْئِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا نَهَارًا أَوْ لَيْلًا لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ بِالنَّصِّ فَكَانَ مُفْسِدًا لَهُ كَيْفَمَا كَانَ كَالْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ حَيْثُ لَا يَفْسُدُ بِهِ إذَا كَانَ نَاسِيًا وَالْفَرْقُ أَنَّ حَالَةَ الْمُعْتَكِفِ مُذَكِّرَةٌ كَحَالَةِ الْإِحْرَامِ وَالصَّلَاةِ وَحَالَةَ الصِّيَامِ غَيْرُ مُذَكِّرَةٍ وَلَوْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَنْزَلَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وَلَوْ أَمْنَى بِالتَّفَكُّرِ أَوْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بَعْضِ أَهْلِهِ لِيَغْسِلَهُ أَوْ يُرَجِّلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَإِنْ غَسَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ بِحَيْثُ لَا يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ لَا بَأْسَ بِهِ وَصُعُودُ الْمِئْذَنَةِ إنْ كَانَ مِنْ بَابِهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ لَا يُفْسِدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا فِي الْمُؤَذِّنِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ لِلْأَذَانِ مَعْلُومٌ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى أَمَّا غَيْرُهُ فَيَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ قَوْلُ الْكُلِّ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَقْيَسُ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْخَيَّاطُ يَحْفَظُ الْمَسْجِدَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ الْمَسْجِدِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَخِيطَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ أُعِدَّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ الِاكْتِسَاب وَكَذَا الْوَرَّاقُ وَالْفَقِيهُ إذَا كَتَبَ بِأَجْرٍ أَوْ الْمُعَلِّمُ إذَا عَلَّمَ الصِّبْيَانَ بِأَجْرٍ وَإِنْ فَعَلُوا بِغَيْرِ أَجْرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ إذَا قَعَدَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ خَيَّاطًا يَخِيطُ فِيهِ وَيَحْفَظُ الْمَسْجِدَ عَنْ الصِّبْيَانِ وَالدَّوَابِّ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْهُ هُوَ الرُّكْنُ فِيهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَحَاصِلُ الْوَجْهِ الْحَكَمُ بِاسْتِلْزَامِ حُرْمَةِ الشَّيْءِ ابْتِدَاءً فِي الْعِبَادَةِ حُرْمَةُ دَوَاعِيه وَبِعَدَمِ اسْتِلْزَامِ حُرْمَةَ الدَّوَاعِي إذَا كَانَتْ حُرْمَتُهُ ثَابِتَةً ضِمْنَ ثُبُوتِ الْأَمْرِ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ التَّحْرِيمِ الضِّمْنِيِّ لِضِدِّ مَأْمُورٍ بِهِ وَالْقَصْدِيِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ ثُبُوتَ مَا لَهُ الدَّوَاعِي عِنْدَ ثُبُوتِهَا مَعَ قِيَامِ الْحَاجِزِ الشَّرْعِيِّ عَنْهُ لَيْسَ قَطْعِيًّا وَلَا غَالِبًا غَيْرَ أَنَّهَا طَرِيقٌ فِي الْجُمْلَةِ فَحُرِّمَتْ لِلتَّحْرِيمِ الْقَصْدِيِّ دَوَاعِيهِ لَا الضِّمْنِيِّ إذْ هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ لَيْسَ إلَّا تَحْصِيلَ الْمَأْمُورِ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَلْحُوظٍ فِي الطَّلَبِ إلَّا لِغَيْرِهِ فَلَا تَتَعَدَّى الْحُرْمَةُ إلَى دَوَاعِيهِ إذَا عُرِفَ هَذَا فَحُرْمَةُ الْوَطْءِ فِي الِاعْتِكَافِ قَصْدِيٌّ إذْ هُوَ ثَابِتٌ بِالنَّهْيِ الْمُفِيدِ لِلْحُرْمَةِ ابْتِدَاءً لِنَفْسِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَمِثْلُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِبْرَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] الْآيَةَ وَقَالَ ﷺ «لَا تَنْكِحُوا الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» فَيُعَدَّى إلَى الدَّوَاعِي فِيهَا وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَيْضِ ضِمْنِيٌّ لِلْأَمْرِ الطَّالِبِ لِلصَّوْمِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْكَفِّ فَحُرْمَةُ الْوَطْءِ تَثْبُتُ ضِمْنًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ حُرْمَةَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْوَطْءُ هِيَ الثَّابِتَةُ أَوَّلًا بِالصِّيغَةِ ثُمَّ تَثْبُتُ وُجُوبُ الْكَفِّ عَنْهُ ضِمْنًا فَلِذَا تَثْبُتُ سَمْعًا حِلُّ الدَّوَاعِي فِي الصَّوْمِ وَالْحَيْضِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابَيْهِمَا اهـ
(فَرْعٌ) فِي الْمُجْتَبَى وَفِي جَامِعِ الْإِسْبِيجَابِيِّ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ غَرِيبًا مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَّكِئًا رِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ لَا فَالْمُعْتَكِفُ أَوْلَى وَيَلْبَسُ الْمُعْتَكِفُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيَنَامُ فِيهِ وَيَتَطَيَّبُ وَيَدَّهِنُ وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ فِيهِ وَقَالَ أَحْمَدُ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَلْبَسَ الرَّفِيعَ مِنْ الثِّيَابِ وَيَتَطَيَّبَ وَلَوْ سَكِرَ لَيْلًا لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِي وَأَحْمَدَ وَعِنْدَ مَالِكٍ السُّكْرُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الِاعْتِكَافَ وَبَقَاءَهُ وَلَا يُفْسِدُهُ سِبَابٌ وَلَا جِدَالٌ وَلَا كَبِيرَةٌ مِمَّا لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَعِنْدَ مَالِكٍ يُفْسِدُهُ الْكَبَائِرُ دُونَ الصَّوْمِ فِي رِوَايَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَا تُبْطِلُهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ بِوَطْئِهِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَإِذَا فَسَدَ الِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ وَجَبَ قَضَاؤُهُ إلَّا إذَا فَسَدَ بِالرِّدَّةِ خَاصَّةً فَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ يَقْضِي قَدْرَ مَا فَسَدَ لَيْسَ غَيْرُ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ كَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ بِهِ فِي شَهْرٍ بِعَيْنِهِ إذَا أَفْطَرَ يَوْمًا يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ أَصْلُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ لِأَنَّهُ لَزِمَ مُتَتَابِعًا فَيُرَاعَى فِيهِ صِفَةُ التَّتَابُعِ وَسَوَاءٌ فَسَدَ بِصُنْعِهِ كَالْخُرُوجِ وَالْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ وَالرِّدَّةِ أَوْ لِعُذْرٍ كَمَا إذَا مَرِضَ فَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ كَالْحَيْضِ وَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ الطَّوِيلِ وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَقَوْلُهُ ﷺ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدْ) وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ وَهُوَ الْمُفْسِدُ أُورِدَ عَلَيْهِ لَمَّا لَمْ يُفْسِدْ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ أُجِيبُ
стр. 353
بِالنَّظَرِ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ
قَالَ ﵀ (وَلَزِمَهُ اللَّيَالِي أَيْضًا بِنَذْرِ اعْتِكَافِهِ أَيَّامٍ) مَعْنَاهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامًا لَزِمَتْهُ بِلَيَالِيِهَا لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يُدْخِلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي وَكَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ اللَّيَالِيَ لَزِمَتْهُ بِأَيَّامِهَا لِأَنَّهُ بِذِكْرِ اللَّيَالِي يَدْخُلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ فَعَبَّرَ عَنْهَا تَارَةً بِالْأَيَّامِ وَتَارَةً بِاللَّيَالِيِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ أَحَدِهِمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ الْآخَرَ وَتَدْخُلُ اللَّيْلَةُ الْأُولَى وَكَانَتْ مُتَتَابِعَةً وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّتَابُعُ لِأَنَّ الْأَوْقَاتِ كُلَّهَا قَابِلَةٌ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّفَرُّقِ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ فَتَخَلُّلُهَا يُوجِبُ التَّفَرُّقَ فَيَجِبُ عَلَى التَّفَرُّقِ حَتَّى يَنُصَّ عَلَى التَّتَابُعِ ثُمَّ يَدْخُلَ فِي الِاعْتِكَافِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ وَيَخْرُجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ وَإِنْ نَوَى الْأَيَّامَ خَاصَّةً صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ قَالَ ﵀ (وَلَيْلَتَانِ يَنْذُرُ يَوْمَيْنِ) أَيْ يَلْزَمُهُ لَيْلَتَانِ بِنَذْرِ اعْتِكَافِ يَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ بِذِكْرِ يَوْمَيْنِ يَدْخُلُ مَا بِإِزَائِهِمَا مِنْ اللَّيْلَتَيْنِ فِي الْعَادَةِ يُقَالُ مَا رَأَيْتُك مُذْ يَوْمَيْنِ وَالْمُرَادُ بِلَيْلَتِهِمَا كَمَا يُقَالُ مَا رَأَيْتُك مُنْذُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْمُرَادُ بِلَيَالِيِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ اللَّيْلُ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ لَا تَلْزَمُهُ اللَّيْلَةُ الْأُولَى لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ إلَّا تَبَعًا لِضَرُورَةِ الْوَصْلِ بَيْنَ الْأَيَّامِ وَلَا حَاجَةَ إلَى إدْخَالِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِتَحَقُّقِ الْوَصْلِ بِدُونِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ فِي التَّثْنِيَةِ فَقَطْ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً لَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلصَّوْمِ وَلَا اعْتِكَافَ بِدُونِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ بِيَوْمِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بِأَنَّ مَجَازَهَا وَهُوَ الْجِمَاعُ مُرَادٌ فَيَبْطُلُ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِانْكِشَافِ أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ مَا صَدَقَاتِ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةٌ خَاصَّةٌ فَيَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقُبْلَةِ وَالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَالْمَسِّ بِالْيَدِ وَالْجِمَاعِ مُتَوَاطِئًا أَوْ مُشَكِّكًا فَأَيُّهَا أُرِيدَ بِهِ كَانَ حَقِيقَةً كَمَا هُوَ كُلُّ اسْمٍ بِمَعْنَى كُلٍّ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُرَادَ بِهِ فَرْدَانِ مِنْ مَفْهُومِهِ فِي إطْلَاقِ وَاحِدٍ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ سِيَاقُ النَّهْيِ وَهُوَ يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيُفِيدُ تَحْرِيمَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُبَاشَرَةِ جِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ مَعْنَاهُ لَوْ نَذَرَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ بِلِسَانِهِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ نِيَّةِ الْقَلْبِ وَكَذَا إذَا قَالَ شَهْرًا وَلَمْ يَنْوِهِ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا لَيْلُهُ وَنَهَارُهُ وَيَفْتَتِحُهُ مَتَى شَاءَ بِالْعَدَدِ اهـ لَا هِلَالِيًّا وَالشَّهْرُ الْمُعَيَّنُ هِلَالِيٌّ فَإِنْ فَرَّقَ اسْتَقْبَلَ وَقَالَ زُفَرُ إنْ شَاءَ فَرَّقَهُ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَشَهْرًا يَلْحَقُ بِالْإِجَارَاتِ وَالْأَيْمَانِ فِي لُزُومِ التَّتَابُعِ وَدُخُولِ اللَّيَالِي فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ أَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَبِالصَّوْمِ فِي عَدَمِ لُزُومِ الِاتِّصَالِ بِالْوَقْتِ الَّذِي نَذَرَ فِيهِ وَالْمُعَيَّنُ لِذَلِكَ عُرِفَ الِاسْتِعْمَالُ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ) أَيْ فَلَمَّا كَانَ عَدَدُ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مُتَسَاوِيًا فَذِكْرُ الْأَيَّامِ يَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِيِ بِخِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ) أَيْ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْيَوْمِ بَيَاضُ النَّهَارِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ نَوَى الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِيِ أَوْ قَلَبَهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْسَ بِاسْمٍ عَامٍّ كَالْعَشَرَةِ عَلَى مَجْمُوعِ الْآحَادِ فَلَا تَنْطَلِقُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ أَصْلًا كَمَا لَا تَنْطَلِقُ الْعَشَرَةُ عَلَى خَمْسَةٍ مَثَلًا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا
أَمَّا لَوْ قَالَ شَهْرًا بِالنَّهَرُ دُونَ اللَّيَالِيِ لَزِمَهُ كَمَا قَالَ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ اسْتَثْنَى فَقَالَ شَهْرًا إلَّا اللَّيَالِيَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثَّنِيَّا فَكَأَنَّهُ قَالَ ثَلَاثِينَ نَهَارًا وَلَوْ اسْتَثْنَى الْأَيَّامَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْبَاقِيَ اللَّيَالِيُ الْمُجَرَّدَةُ وَلَا يَصِحُّ فِيهَا لِمُنَافَاتِهَا شَرْطَهُ وَهُوَ الصَّوْمُ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ بِيَوْمِهَا إلَى آخِرِهِ) وَلَوْ نَوَى بِاللَّيْلَةِ الْيَوْمَ لَزِمَهُ وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَصِلَ قَضَاءَ أَيَّامِ حَيْضِهَا بِالشَّهْرِ فِيمَا إذَا نَذَرَتْ اعْتِكَافَ شَهْر فَحَاضَتْ فِيهِ وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ وَعَنْ لُزُومِ التَّتَابُعِ قَالُوا لَوْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَوْ أَصَابَهُ عَتَهٌ أَوْ لَمَمٌ اسْتَقْبَلَ إذَا بَرَأَ لِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي آخَرِ يَوْمٍ وَفِي الصَّوْمِ لَا يَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ الْإِغْمَاءُ وَيَقْضِي مَا بَعْدَهُ فَأَفَادُوا أَنَّ الْإِغْمَاءَ إنَّمَا يُنَافِي شَرْطَ الصَّوْمِ وَهُوَ النِّيَّةُ وَالظَّاهِرُ وُجُودُ النِّيَّةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ الْإِغْمَاءُ فَلَا يَقْضِيهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الْفَرْقِ أَنْ يُقَالَ هُوَ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالِانْتِظَارُ يَنْقَطِعُ بِالْإِغْمَاءِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي تَجِبُ بَعْدَ الْإِغْمَاءِ بِخِلَافِ الْإِمْسَاكِ الْمَسْبُوقِ بِالنِّيَّةِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الصَّوْمِ اهـ فَتْحُ.
стр. 354
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْحَجِّ) الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ وَعَنْ الْخَلِيلِ هُوَ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَى مَنْ يُعَظِّمُهُ قَالَ الْمُخَبَّلُ:
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ أَسْعَدَ أَنَّمَا ... تَخَاطَأَنِي رِيَبُ الزَّمَانِ لِأَكْبَرَا
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
قَالَ ﵀ (هُوَ زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوصٍ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ) وَهَذَا فِي الشَّرْعِ جُعِلَ لِقَصْدٍ خَاصٍّ مَعَ زِيَادَةِ وَصْفٍ كَالتَّيَمُّمِ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْقَصْدِ فِي اللُّغَةِ ثُمَّ جُعِلَ فِي الشَّرْعِ اسْمًا لِقَصْدٍ خَاصٍّ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ.
قَالَ ﵀ (فُرِضَ مَرَّةً عَلَى الْفَوْرِ بِشَرْطِ حُرِّيَّةٍ وَبُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَصِحَّةٍ وَقُدْرَةٍ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَضُلَتْ عَنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ كِتَابُ الْحَجِّ]
(كِتَابُ الْحَجِّ) الْعِبَادَاتُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ وَمَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالزَّكَاةِ وَمُرَكَّبَةٌ كَالْحَجِّ فَلَمَّا بَيَّنَ النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ شَرَعَ فِي بَيَانِ النَّوْعِ الْآخَرِ، وَهُوَ الْحَجُّ. الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ وَقُرِئَ بِهِمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَتَفْسِيرُهُ لُغَةً وَشَرْعًا وَسَبَبُهُ قَدْ ذُكِرَ فِي الشَّرْحِ وَشُرُوطُهُ الْوَقْتُ وَالِاسْتِطَاعَةُ وَرُكْنُهُ الْإِحْرَامُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ وَوَاجِبَاتُهُ سَتَأْتِي نَقْلًا عَنْ الْكَافِي وَمَاهِيَّتُه أُمُورُ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالتَّحْلِيلُ وَوَقْتُهُ نَوْعَانِ: مَدِيدٌ وَقَصِيرٌ، فَالْمَدِيدُ مِنْ شَوَّالٍ إلَى عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالْقَصِيرُ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَحُكْمُهُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ فِي الدُّنْيَا وَحُصُولُ الثَّوَابِ فِي الْعُقْبَى وَحِكْمَتُهُ إمَاتَةُ النَّفْسِ بِاخْتِيَارِ مُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ وَالْخِلَّانِ وَالْإِخْوَانِ وَالْأَهْلِ وَالْوِلْدَانِ وَالتَّشَبُّهُ بِالْمَوْتَى فِي اتِّخَاذِ الثَّوْبَيْنِ مِثْلَ الْكَفَنِ وَمَنْعُ إزَالَةِ التَّفَثِ وَقَالَ ﵊ «مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا» وَفِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ حُصُولُ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ الْأَبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ تَخَاطَأَنِي) أَيْ أَخْطَأَنِي (قَوْلُهُ رِيَبُ الزَّمَانِ) فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ رِيَبُ الْمَنُونِ، وَهُوَ الْمَوْتُ (قَوْلُهُ وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا إلَخْ) عَوْفٌ قَبِيلَةٌ وَالْحُلُولُ الْجَمَاعَاتُ يُقَالُ حُلَّةٌ وَحُلَلٌ وَحُلُولٌ وَقِيلَ، وَهُوَ جَمْعُ حَالٍّ كَمَا يُقَالُ نَازِلٌ وَنُزُولٌ. اهـ. (قَوْلُهُ يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ) أَيْ عِمَامَتَهُ، وَهُوَ حِصْنُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ وَالزِّبْرِقَانُ الْقَمَرُ لُقِّبَ بِهِ حِصْنٌ لِجَمَالِهِ. اهـ. غَايَةٌ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ الزِّبْرِقَانِ مَا نَصُّهُ قَالَ نَشْوَانُ الْحِمْيَرِيُّ فِي شَمْسِ الْعُلُومِ فِعْلِلَانٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَاللَّامِ الزِّبْرِقَانُ الْقَمَرُ وَالزِّبْرِقَانُ لَقَبٌ لِحِصْنِ بْنِ بَدْرٍ التَّمِيمِيِّ وَيُقَالُ، إنَّمَا سُمِّيَ الزِّبْرِقَانُ لِصُفْرَةِ عِمَامَتِهِ، وَكَانَ تَصْفِيرُ الْعَمَائِمِ لِلسَّادَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَوْرَاقِ السَّبِّ الْكَثِيرِ السِّبَابُ وَالسَّبُّ الْخِمَارُ وَالسَّبُّ الْعِمَامَةُ فِي قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ. . الْبَيْتَ أَيْ الْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ وَكَانَ سَادَتُهُمْ يُصَفِّرُونَ عَمَائِمَهُمْ اهـ يَقُولُ مَا أَخَّرَنِي الدَّهْرُ إلَى حَالِ الْكِبْرِ إلَّا لِأَحْضُرَ الزِّبْرِقَانَ وَقَدْ تَعَالَى وَسَادَ قَوْمَهُ فَالْوُفُودُ يَطُوفُونَ بِبَابِهِ وَكَانَ الرَّئِيسُ مِنْهُمْ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ لِيُعْلَمَ بِهَا يُقَالُ زَبْرَقْت الْعِمَامَةَ إذْ صَفَّرْتهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ:، إنَّ الزِّبْرِقَانَ كَانَتْ لَهُ عِمَامَةٌ وَكَانَ يَحُجُّ فِي كُلِّ عَامٍ وَيَمْسَحُهَا بِخُلُوقِ الْكَعْبَةِ فَتَصْفَرُّ وَكَانَ كُلُّ مَنْ كَسَلَ عَنْ الْحَجِّ مِنْ قَوْمِهِ أَتَاهَا وَتَمَسَّحَ بِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوصٍ) أَيْ، وَهُوَ الْبَيْتُ شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى. اهـ. (قَوْلُهُ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ، وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ (قَوْلُهُ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ، وَهُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْوُقُوفُ مُحْرِمًا. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ وَقُدْرَةٍ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) أَيْ حَتَّى لَوْ كَانَ عَادَتُهُ سُؤَالَ النَّاسِ وَالْمَشْيَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَادٌ وَلَا رَاحِلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ. اهـ. غَايَةٌ
стр. 355
مَسْكَنِهِ وَعَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَعِيَالِهِ) أَمَّا وُجُوبُهُ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ فَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ، وَهُوَ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ وَأَمَّا وُجُوبُهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ ابْنَ شُجَاعٍ رَوَى عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ وَقَدْ قَصَدَ التَّزَوُّجَ قَالَ يَحُجُّ وَلَا يَتَزَوَّجُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرِيضَةٌ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ فَكَأَنَّ الْعُمُرَ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ وَلِهَذَا يَنْوِي الْأَدَاءَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَوَاتُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ «﵊ حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ» وَكَانَ فَرْضُ الْحَجِّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الرَّاحِلَةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيهِ وَاَلَّذِي نَزَلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَهُوَ أَمْرٌ بِإِتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْإِيجَابِ مِنْ غَيْرِ شُرُوعٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الْآيَةَ، وَهِيَ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فَتَأْخِيرُهُ إلَى السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ إمَّا؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ ﵊ أَوْ كَرِهَ مُخَالَطَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي نُسُكِهِمْ إذْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا فَنَادَى أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ ثُمَّ حَجَّ وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ عُذْرًا لَمَا أَخَّرَهُ ﵊ وَنِيَّةُ الْأَدَاءِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عِنْدَهُمَا عَلَى الْفَوْرِ وَمَعَ هَذَا لَوْ أَخَّرَهَا يَنْوِي الْأَدَاءَ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَأْثَمِ حَتَّى يَفْسُقَ وَتُرَدَّ شَهَادَتُهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ حَجَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ الْإِثْمُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَأَيُّمَا رَجُلٍ مَمْلُوكٍ حَجَّ بِأَهْلِهِ فَمَاتَ فَأَجْزَأَتْ عَنْهُ فَإِنْ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَالِيِّ وَالْبَدَنِيِّ وَفِي نِيَّةِ الصَّبِيِّ قُصُورٌ؛ وَلِهَذَا سَقَطَ عَنْهُ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا وَلَا مَالَ لِلْعَبْدِ؛ وَلِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ الْمُولَى فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ لَبَطَلَ حَقُّ الْمَوْلَى فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ فَصَارَ كَالْجِهَادِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُمَا يَسِيرٌ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى الْمَالِ
وَالْعَقْلُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكَالِيفِ وَصِحَّةُ الْجَوَارِحِ مِنْ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَالِاسْتِطَاعَةُ مُنْعَدِمَةٌ دُونَهَا.
وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَوَجَدَا زَادًا وَرَاحِلَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ فَلَا تَعْتَبِرُ الْقُدْرَةُ بِغَيْرِهِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَدَى يُؤَدِّي بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الضَّالُّ عَنْ مَوَاضِعِ النُّسُكِ وَالْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ وَالزَّمِنُ وَمَقْطُوعُ الرَّجُلَيْنِ وَالشَّيْخُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِنَفْسِهِ وَالْمَحْبُوسُ وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَجِدْ مَنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) أَيْ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ وَالْوَاجِبَاتُ تُضَافُ إلَى أَسْبَابِهَا. اهـ. كَافِي وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ عَلَى الصَّحِيحِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُحِيطِ سَبَبُهُ كَوْنُهُ مُنْعِمًا عَلَيْهِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِسَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَقَوْلِنَا زَنَى فَرُجِمَ وَسَهَا فَسَجَدَ وَسَرَقَ فَقُطِعَ فَتَكُونُ الِاسْتِطَاعَةُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَخْ) وَفِي الْمُحِيطِ والمرغيناني وَالْكَرْمَانِيِّ أَنَّ أَصَحَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَفِي قُنْيَةٌ الْمُنْيَةِ يَجِبُ مُضَيَّقًا عَلَى الْمُخْتَارِ وَبِالْأَدَاءِ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ وَفِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ. اهـ. سَرُوجِيٌّ (قَوْلُهُ، وَهِيَ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: ﵀ فِي الْهَدْيِ الصَّحِيحِ، إنَّ الْحَجَّ فُرِضَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنَّ آيَةَ فَرْضِهِ هِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَهِيَ نَزَلَتْ عَامَ الْوُفُودِ أَوَاخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنَّهُ ﷺ «لَمْ يُؤَخِّرْ الْحَجَّ بَعْدَ فَرْضِهِ عَامًا وَاحِدًا» وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَدْيِهِ وَحَالِهِ ﷺ وَلَيْسَ بِيَدِ مَنْ ادَّعَى تَقَدُّمَ فَرْضِ الْحَجِّ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ دَلِيلٌ وَاحِدٌ وَغَايَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَهِيَ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ابْتِدَاءٌ لِفَرْضِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ إذَا شَرَعَ فِيهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ وُجُوبِ ابْتِدَائِهِ اهـ (قَوْلُهُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ) الَّذِي فِي خَطِّ الشَّارِحِ الِاخْتِلَافُ انْتَهَى (وَلَهُ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ إلَخْ) أَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَقَدْ خَالَفَتْ فِيهَا الظَّاهِرِيَّةُ وَأَوْجَبُوهُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ) هُوَ خَبَرُ أَنَّ أَيْ ثَابِتٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ) أَيْ بِأَنْ وَجَدَ قَائِدًا انْتَهَى (قَوْلُهُ وَالزَّمِنُ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ الزَّمِنُ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ زَمَانًا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَالْمَحْبُوسُ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْجَائِرِ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَالْأَعْمَى إلَخْ) قَالَ فِي الْمُجْتَبَى الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا حُرًّا يُطَاوِعُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا لَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالذَّخِيرَةِ أَمَّا لَوْ وَجَدَ الْأَعْمَى زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِمْ وَهَلْ يَجِبُ الْإِحْجَاجُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ، وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا لَا يَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ عِنْدَهُ انْتَهَى كَاكِيٌّ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى الْأَعْمَى، وَإِنْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ
следующие страницы →