Полный текст (1 841 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أَسَرَاهُمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ تَجُوزُ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وَأَخَذَ ﵊ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ الْمَالَ فِدَاءً عَنْ أَنْفُسِهِمْ قُلْنَا نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِآيَةِ السَّيْفِ لِأَنَّ الْمَنَّ وَالْفِدَاءَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ وَآيَةُ السَّيْفِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ وَهِيَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ وَعُوتِبَ ﵊ عَلَى الْأَخْذِ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الْآيَةَ فَجَلَسَ ﵊ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ يَبْكِيَانِ وَقَالَ ﵊ لَوْ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ عَذَابٌ لَمَا نَجَا إلَّا عُمَرُ وَكَانَ قَدْ قَالَ بِقَتْلِهِمْ دُونَ أَخْذِ الْفِدَاءِ مِنْهُمْ قَالَ ﵀
(وَعَقْرُ مَوَاشٍ شَقَّ إخْرَاجُهَا فَتُذْبَحُ وَتُحْرَقُ) يَعْنِي يَحْرُمُ عَقْرُ الْمَوَاشِي فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا تَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَلْ تُذْبَحُ وَتُحْرَقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تُتْرَكُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الشَّاةِ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَلَنَا أَنَّ ذَبْحَ الْأَنْعَامِ جَائِزٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَلَا غَرَضَ أَصَحَّ مِنْ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَإِلْحَاقِ الْغَيْظِ بِهِمْ ثُمَّ تُحْرَقُ كَيْ لَا يَنْتَفِعُوا بِاللَّحْمِ كَمَا تُخَرَّبُ بُيُوتُهُمْ وَتُقَطَّعُ أَشْجَارُهُمْ وَتُقْلَعُ زُرُوعُهُمْ وَلَا تُحْرَقُ قَبْلَ الذَّبْحِ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَا تُعْقَرُ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَتُحْرَقُ الْأَسْلِحَةُ وَمَا لَا يَحْتَرِقُ مِنْهَا يُدْفَنُ فِي مَكَان لَا يَقِفُونَ عَلَيْهِ كَيْ لَا يَنْتَفِعُوا بِهِ وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ نَقْلُ السَّبْيِ يُقْتَلُ الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَتُخْلَى الذَّرَارِيُّ فِي مَضْيَعَةٍ حَتَّى يَمُوتُوا جَوْعًا وَعَطَشًا كَيْ لَا يَعُودَ ضَرَرُهُمْ عَلَيْنَا بِالتَّوَالُدِ قَالَ ﵀
(وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِهِمْ لَا لِلْإِيدَاعِ) أَيْ حَرُمَ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِغَيْرِ الْإِيدَاعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ قِسْمَتُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْهَزِيمَةِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَثْبُتُ وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ مِنْهَا إذَا لَحِقَهُمْ مَدَدٌ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ وَلَا يُشَارِكُونَهُمْ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا يُشَارِكُونَهُمْ وَمِنْهَا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْغَانِمِينَ لَوْ وَطِئَ أَمَةً مِنْ السَّبْيِ فَوَلَدَتْ فَأَعَادَهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ عِنْدَهُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعِنْدَنَا لَا يَثْبُتُ لِفَقْدِ الْمِلْكِ وَيَجِبُ الْعُقْرُ وَتُقَسَّمُ الْأَمَةُ وَالْوَلَدُ وَالْعُقْرُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَمِنْهَا جَوَازُ بَيْعِهِ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ وَعِنْدَنَا لَا وَمِنْهَا مَا إذَا مَاتَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ يُورَثُ نَصِيبُهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا لَا يُورَثُ وَمِنْهَا مَا لَوْ أَتْلَفَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُزَاةِ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَضْمَنُ وَمِنْهَا مَا لَوْ قَسَمَ الْإِمَامُ الْغَنِيمَةَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ «وَأَخَذَ ﵊ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ الْمَالَ فِدَاءً») أَيْ فَإِنَّهُ «﵊ فَادَى أَسَارَى بَدْرٍ بِالْمَالِ وَالْفِدَاءُ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ». اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ قُلْنَا نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِآيَةِ السَّيْفِ) قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] (قَوْلُهُ وَهِيَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ) أَيْ فِي هَذَا الشَّأْنِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَعَقْرُ مَوَاشٍ) الْمَوَاشِي جَمْعُ مَاشِيَةٍ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ اهـ (قَوْلُهُ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى الْأَكْلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ الْمَأْكَلَةُ مَصْدَرٌ كَالْأَكْلِ. اهـ. كَيْ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ هَذَا غَرِيبٌ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ ﵊. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) أَيْ لِمَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ». اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَا لَا يَحْتَرِقُ مِنْهَا) أَيْ بِأَنْ كَانَ مِنْ الْحَدِيدِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَتُخْلَى الذَّرَارِيُّ فِي مَضْيَعَةٍ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَمَا فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ تُتْرَكُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فِي أَرْضٍ غَامِرَةٍ أَيْ خَرِبَةٍ حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا كَيْ لَا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنَا لِأَنَّ النِّسَاءَ بِهِنَّ النَّسْلُ وَالصِّبْيَانُ يَبْلُغُونَ فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا فَبَعِيدٌ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْذِيبِ ثُمَّ قَدْ صَارُوا أَسَارَى بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ وَقَدْ «أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْأَسْرَى خَيْرًا». اهـ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَهُ يَثْبُتُ) قَالَ الْكَمَالُ وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْغَانِمِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالْقَسْمِ حَيْثُمَا كَانَتْ أَوْ بِاخْتِيَارِ الْغَانِمِ التَّمَلُّكَ وَلَيْسَ هُوَ قَائِلًا إنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْغَانِمِينَ بِالْهَزِيمَةِ كَمَا نَقَلُوا عَنْهُ وَعِنْدَنَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَسْمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مِلْكُ أَحَدٍ بَلْ يَتَأَكَّدُ وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْ الْغَانِمِينَ عَبْدًا بَعْدَ الْإِحْرَازِ لَا يُعْتَقُ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَالِكٌ مُشْتَرَكٌ عَتَقَ بِعِتْقِ الشَّرِيكِ وَيَجْرِي فِيهِ مَا عُرِفَ فِي عِتْقِ الشَّرِيكِ وَتَخْرُجُ الْفُرُوعُ الْمُخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا. اهـ. (قَوْلُهُ لَوْ وَطِئَ أَمَةً مِنْ السَّبْيِ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ عِنْدَهُ) أَيْ لَا لِوَطْئِهِ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ الْهَزِيمَةِ بَلْ لِاخْتِيَارِهِ التَّمَلُّكَ فَبِالْهَزِيمَةِ ثَبَتَ لِكُلٍّ حَقُّ التَّمَلُّكِ فَإِنْ سَلَّمَتْ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَخَذَهَا وَإِلَّا أَخَذَهَا وَكَمَّلَ مِنْ مَالِهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْحَمْلِ وَعِنْدَنَا لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِثُبُوتِ سَبَبِ الْمِلْكِ وَتُقْسَمُ الْجَارِيَةُ وَالْوَلَدُ وَالْعُقْرُ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا لَوْ اسْتَوْلَدَهَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عِنْدَنَا وَلَوْ تَأَكَّدَ الْحَقُّ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ يُوجِبُ حَقَّ الْعِتْقِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ بِخِلَافِ اسْتِيلَادِ جَارِيَةِ الِابْنِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّمَلُّكِ فَيَمْتَلِكُهَا بِنَاءً عَلَى الِاسْتِيلَادِ وَلَيْسَ لَهُ هُنَا تَمَلُّكُ الْجَارِيَةِ بِدُونِ رَأْي الْإِمَامِ نَعَمْ لَوْ قُسِّمَتْ الْغَنِيمَةُ عَلَى الرَّايَاتِ الْعَرَّافَةِ فَوَقَعَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ أَهْلِ رَايَةٍ صَحَّ اسْتِيلَادُ أَحَدِهِمْ لَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ لَهَا لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ تِلْكَ الرَّايَةِ شَرِكَةَ مِلْكٍ وَعِتْقُ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ نَافِذٌ لَكِنَّ هَذَا إذَا قَلُّوا حَتَّى تَكُونَ الشَّرِكَةُ خَاصَّةً أَمَّا إذَا كَثُرُوا فَلَا لِأَنَّ بِالشَّرِكَةِ الْعَامَّةِ لَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِعْتَاقِ قَالَ وَالْقَلِيلُ إذَا كَانُوا مِائَةً أَوْ أَقَلَّ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخْرَى قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَوْلَى لَا يُؤَقَّتُ وَيُجْعَلُ مَوْكُولًا إلَّا اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيَجِبُ الْعُقْرُ) أَيْ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ لِوُجُودِ سَبَبٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَمِنْهَا جَوَازُ بَيْعِهِ) أَيْ بَيْعُ الْإِمَامِ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمِنْهَا مَا إذَا مَاتَ وَاحِدٌ) أَيْ مِنْ الْغُزَاةِ أَوْ قُتِلَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا مَا لَوْ أَتْلَفَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُزَاةِ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ) أَيْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا يَضْمَنُ اهـ
стр. 877
لَا عَنْ اجْتِهَادٍ وَلَا لِحَاجَةِ الْغُزَاةِ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَصِحُّ لَهُ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ فِيهَا وَغَنَائِمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِيهَا» وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ قَدْ تَمَّ وَهُوَ الِاسْتِيلَاء عَلَى مُبَاح فَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ مُوجِبه كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَاب.
وَلَنَا أَنَّهُ «﵊ نَهَى عَنْ بَيْع الْغَنِيمَة فِي دَار الْحَرْب» وَالْقِسْمَة فِيهَا مَعْنَى الْبَيْع لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُبَادَلَة مَعْنَى وَالْبَيْع أَيْضًا عَلَى الْخِلَاف فَيَكُون حُجَّة عَلَيْهِ فِيهِ وَفِي الْقِسْمَة دَلَالَة وَلِأَنَّ فِيهِ قَطَعَ حَقّ الْمَدَد فَلَا يَشْرَع كَيْلًا يَتَقَاعَدُوا عَنْ الْغَوْث وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَاء يَكُون بِإِثْبَاتِ الْيَد وَالنَّقْل وَلَمْ يُوجَد النَّقْل لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الِاسْتِنْقَاذ ظَاهِرًا إذْ الْقُوَّة لَهُمْ فِي دَارهمْ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَسَمَ قَبْل الْهَزِيمَة أَوْ قَبْل اسْتِقْرَارهَا وَمَا رُوِيَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ ﵊ فَتْح تِلْكَ الْبِلَاد وَصَارَتْ دَار الْإِسْلَام وَلَا خِلَاف فِيهِ وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِيمَا إذَا لَمْ تَصِرْ دَار الْإِسْلَام ثُمَّ هِيَ لَا تَجُوز عِنْدهمَا وَعِنْد مُحَمَّدٍ تَكْرَه كَرَاهِيَة تَنْزِيه وَعِنْد الشَّافِعِيِّ لَا تَكْرَه فَتَتَرَتَّب الْأَحْكَام عَلَيْهَا عِنْدهمَا وَعِنْدنَا لَا تَتَرَتَّب وَقِيلَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ فَصْل مُجْتَهِد فِيهِ وَقَدْ أَمْضَاهُ وَقِيلَ إذَا قَسَمَ عَنْ اجْتِهَاد جَازَ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ قَسَمَ لَا عَنْ اجْتِهَاد فَهُوَ مَوْضِع الْخِلَاف وَقَوْله لَا لِلْإِيدَاعِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقِسْمَة لِلْإِيدَاعِ جَائِزَة وَصُورَتهَا أَنْ لَا يَكُون لِلْإِمَامِ مِنْ بَيْت الْمَال حَمُولَةٌ يَحْمِل عَلَيْهَا الْغَنَائِم فَيَقْسِمهَا بَيْن الْغَانِمِينَ قِسْمَة إيدَاعٍ لِيَحْمِلُوهَا إلَى دَار الْإِسْلَام ثُمَّ يَرْتَجِعهَا مِنْهُمْ فِيهَا فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَحْمِلُوهَا أَجْبُرهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَجْرِ الْمِثْل فِي رِوَايَة السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِأَنَّهُ دَفَعَ ضَرَر عَام بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ خَاصّ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّة شَهْرًا فَمَضَتْ الْمُدَّة فِي الْمَفَازَة أَوْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَة فَمَضَتْ الْمُدَّة فِي وَسَط الْبَحْر فَإِنَّهُ يَنْعَقِد إلَيْهَا إجَارَة أُخْرَى بِأَجْرِ الْمِثْل وَلَا يَجْبُرهُمْ فِي رِوَايَة السِّيَرِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَر عَلَى عَقَدَ الْإِجَارَة ابْتِدَاء كَمَا إذَا نَفَقَتْ دَابَّته فِي الْمَفَازَة وَمَعَ رَفِيقه دَابَّة لَا يُجْبَر عَلَى الْإِجَارَةِ بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ فَإِنَّهُ بِنَاء وَلَيْسَ بِابْتِدَاءِ وَهُوَ أَسْهَلَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي بَيْت الْمَال أَوْ فِي الْغَنِيمَة حُمُولَة حَمَلَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْكُلّ مَالهمْ قَالَ ﵀
(وَبَيْعُهَا قَبْلَهَا) أَيْ حَرُمَ بَيْعُ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبْتَاعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقَسَّمَ وَلَا أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ وَلَا أَنْ يَرْكَبَ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ لَمْ يَمْلِكْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَبَعْدَ الْإِحْرَازِ بِهَا نَصِيبُهُ مَجْهُولٌ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَ قَالَ ﵀ (وَشَرَكَ الرِّدْءَ وَالْمَدَدَ فِيهَا) أَيْ فِي الْغَنِيمَةِ أَمَّا الرِّدْءُ فَلِتَحَقُّقِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ وَهِيَ السَّبَبُ عِنْدَنَا لَا حَقِيقَةَ الْقِتَالِ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ شُهُودُ الْوَقْعَةِ وَقَدْ تَحَقَّقَ وَأَمَّا الْمَدَدُ فَلِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُوَ الْقَهْرُ وَتَمَامُ الْقَهْرِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ وَقَدْ شَارَكَهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ بِالْمَدَدِ يَنْقَطِعُ طَمَعُهُمْ فِي الِاسْتِنْقَاذِ وَفِيهِ تَحْرِيضُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْإِمْدَادِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى قَهْرِ الْعَدُوِّ وَالتَّلَاحُقِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وَفِي عَكْسِهِ عَكْسُهُ مِنْ التَّقَاعُدِ وَعَدَمِ التَّنَاصُرِ فَيُؤَدِّي إلَى خِذْلَانِهِمْ فَلَا يَجُوزُ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ إذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَتَقَرُّرِ الْهَزِيمَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُمْلَكُ بِالْأَخْذِ وَاسْتِقْرَارِ الْهَزِيمَةِ وَعِنْدَنَا تُمْلَكُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِوُجُودِ الِاسْتِيلَاءِ فِيهَا صُورَةً وَمَعْنًى أَوْ بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ آكَدُ مِنْ الْإِحْرَازِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ الْخَاصُّ أَوْ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ جَوَازَهُ يَعْتَمِدُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا فَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ بِاسْتِقْرَارِهِ قَالَ ﵀
(لَا السُّوقِيُّ بِلَا قِتَالٍ) أَيْ لَا يَسْتَحِقُّ أَهْلَ سُوقِ الْعَسْكَرِ مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ يُسْهَمُ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ وَقَالَ ﵊ «الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ» وَلِأَنَّ الْجِهَادَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَعْنًى بِتَكْثِيرِ السَّوَادِ فَصَارُوا كَالْمُقَاتِلِينَ وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ الْمُجَاوَزَةُ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا التِّجَارَةَ لَا إعْزَازَ الدِّينِ وَإِرْهَابَ الْعَدُوِّ فَإِنْ قَاتَلُوا اسْتَحَقُّوا السَّهْمَ لِأَنَّهُمْ بِالْمُبَاشَرَةِ ظَهَرَ أَنَّ قَصْدَهُمْ الْقِتَالُ وَالتِّجَارَةُ تَبَعٌ لَهُ فَلَا يَضُرُّهُ كَالْحَاجِّ إذَا تَجَرَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ وَمَا رَوَاهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَوْ هُوَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَغَنَائِمُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ) أَيْ وَأَوْطَاسَ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ) أَيْ الْحَدِيثُ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي تَجْوِيزِهِ الْبَيْعَ ثَمَّةَ. اهـ. (قَوْلُهُ حُمُولَةً) بِفَتْحِ الْحَاءِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ بَعِيرٍ وَفَرَسٍ وَغَيْرِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ أَجْبُرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ) أَيْ وَالْأُجْرَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَجْبُرُهُمْ فِي رِوَايَةِ السِّيَرِ الصَّغِيرِ) قَالَ الْكَمَالُ وَالْأَوْجُهُ إنْ خَافَ تَفَرُّقَهُمْ لَوْ قَسَمَهَا قِسْمَةَ الْغَنِيمَةِ يَفْعَلُ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَخَفْ قَسَمَهَا قِسْمَةَ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِلْحَاجَةِ وَفِيهِ إسْقَاطُ الْإِكْرَاءِ وَإِسْقَاطُ الْأُجْرَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ حَرُمَ بَيْعُ الْغَنَائِمِ) قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا فِي بَيْعِ الْغُزَاةِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا بَيْعُ الْإِمَامِ لَهَا فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ وَأَقَلُّهُ تَخْفِيفُ إكْرَاءِ الْحَمْلِ عَنْ النَّاسِ أَوْ عَنْ الْبَهَائِمِ وَنَحْوِهِ وَتَخْفِيفُ مُؤْنَتِهِ عَنْهُمْ فَيَقَعُ عَنْ اجْتِهَادٍ فِي الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَقَعُ جُزَافًا فَيَنْعَقِدُ بِلَا كَرَاهَةٍ مُطْلَقًا. اهـ. (قَوْلُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَشَرَك الرِّدْءَ) أَيْ وَهُوَ الْمُعِينُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالرِّدْءُ وَالْمُقَاتِلُ قَالَ الْكَمَالُ وَكَذَا أَمِيرُ الْعَسْكَرِ سَوَاءٌ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَتَمَيَّزُ وَاحِدٌ عَنْ آخَرَ بِشَيْءٍ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ بِالْقِسْمَةِ) أَيْ بِدَارِ الْحَرْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ بِالْبَيْعِ) أَيْ بَيْعِ الْإِمَامِ الْغَنِيمَةَ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَهْلُ سُوقِ الْعَسْكَرِ مِنْ الْغَنِيمَةِ) أَيْ لَا سَهْمَ وَلَا رَضْخَ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ) الْوَقْعَةُ هِيَ الْقِتَالُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْمُجْمَلِ الْوَاقِعَةُ صَدْمَةُ الْحَرْبِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَإِنْ قَاتَلُوا اسْتَحَقُّوا السَّهْمَ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا كَقَوْلِنَا وَالْآخَرُ يُسْهَمُ لَهُمْ. اهـ. فَتْحٌ
стр. 878
مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَهِدَهَا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ قَالَ ﵀
(وَلَا مَنْ مَاتَ فِيهَا وَبَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا يُورَثُ نَصِيبُهُ) أَيْ لَا يَسْتَحِقُّ مَنْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَمُرَادُهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الْغَنِيمَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَ الْإِخْرَاجِ يُورَثُ نَصِيبُهُ لِأَنَّ الْإِرْثَ يَجْرِي فِي الْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ قَبْلَهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُورَثُ إذَا مَاتَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْهَزِيمَةِ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ قَالَ ﵀ (وَيَنْتَفِعُ فِيهَا بِعَلَفٍ وَطَعَامٍ وَحَطَبٍ وَسِلَاحٍ وَدُهْنٍ بِلَا قِسْمَةٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَمْرٍو «إنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ الْخُمُسُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْضُلْ مِنْهُمْ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ «أَصَبْت جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْته فَقُلْت لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَهَذَا أَقْوَى حَيْثُ لَمْ يَأْمُرْهُ ﵊ بِرَدِّهِ فِي الْغَنِيمَةِ.
وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيه ثُمَّ يَنْطَلِقُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُقَيِّدْ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ هُنَا بِالْحَاجَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَيَّدَهَا بِهَا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ فَلَمْ يُبَحْ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ كَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ وَوَجْهُ الْأُولَى إطْلَاقُ مَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ عَلَى دَلِيلِ الْحَاجَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذْ هُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَا يَكْفِيه مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ غَالِبًا فَلَوْ لَمْ يُبَحْ لَهُمْ التَّنَاوُلُ لَضَاقَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ بِخِلَافِ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ لِأَنَّهُ يَسْتَصْحِبُهُ غَالِبًا فَانْعِدَامُ دَلِيلِ الْحَاجَةِ حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ جَازَ لَهُ التَّنَاوُلُ أَيْضًا فَتَعَلَّقَ الْإِطْلَاقُ بِحَقِيقَةِ الْحَاجَةِ فِيهِمَا ثُمَّ يُرَدُّ إلَى الْمَغْنَمِ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَا فَرْقَ فِي الطَّعَامِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُهَيَّأً لِلْأَكْلِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ مُهَيَّأً لَهُ حَتَّى يَجُوزَ لَهُمْ ذَبْحُ الْمَوَاشِي مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْجَزُورِ وَيَرُدُّونَ جُلُودَهَا فِي الْغَنِيمَةِ ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي الْجَزُورِ.
وَكَذَا أَكْلُ الْحُبُوبِ وَالسُّكَّرِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ وَالْيَابِسَةِ وَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ وَكُلِّ شَيْءٍ هُوَ مَأْكُولٌ عَادَةً وَهَذَا الْإِطْلَاقُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ مَنْ يَرْضَخُ لَهُ مِنْهَا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا أَوْ يُطْعِمُ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَمَالِيكِ وَكَذَلِكَ الْمَدَدُ لِأَنَّ لَهُ سَهْمًا فِيهَا وَلَا يُطْعِمُ الْأَجِيرَ، وَلَا التَّاجِرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ خُبْزَ الْحِنْطَةِ أَوْ طَبْخَ اللَّحْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِثْلُ الْأَدْوِيَةِ وَالطِّيبِ وَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ «رُدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ» وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُؤْكَلُ عَادَةً وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ بَلْ لِلزِّينَةِ وَيَسْتَعْمِلُونَ الْحَطَبَ وَالطِّيبَ يَعْنِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَنْتَفِعُ فِيهَا) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ بِعَلَفٍ) يُقَالُ عَلَفَ الدَّابَّةَ يَعْلِفُ عَلَفًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ إذَا أَطْعَمَهَا الْعَلَفَ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَلَا يُقَالُ أَعْلَفَهَا وَالدَّابَّةُ مَعْلُوفَةٌ وَعَلِيفٌ، وَالْعَلَفُ كُلُّ مَا اعْتَلَفَتْهُ الدَّابَّةُ قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ عَلَفْت الدَّابَّةَ عَلَفًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَاسْمُ الْمَعْلُوفِ عَلَفَ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْجَمْعُ عِلَافٌ مِثْلَ جَبَلٍ وَجِبَالٍ وَأَعْلَفْت بِالْأَلِفِ لُغَةً وَالْمِعْلَفُ بِالْكَسْرِ مَوْضِعُ الْعَلَفِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَمْ تُقَيَّدْ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ هُنَا بِالْحَاجَةِ) أَيْ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَهِيَ رِوَايَةُ السِّيَرِ الْكَبِيرِ) أَيْ وَاخْتَارَهَا الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلِهَذَا قَالَ مَا دَامَتْ الْغَنِيمَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا بَأْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجُنْدِ بِتَنَاوُلِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْعَلَفِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا وَتَبِعَهُ الْقُدُورِيُّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ طَعَامٌ أَوْ عَلَفٌ فَاحْتَاجَ إلَيْهِ رَجُلٌ يَتَنَاوَلُ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ وَكَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مِنْ سِلَاحِ الْغَنِيمَةِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِلْقِتَالِ ثُمَّ يَرُدَّهَا إذَا اسْتَغْنَى عَنْهَا وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى هُنَا لَفْظُ السِّيَرِ الصَّغِيرِ قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ هَذَا جَوَابُ الْقِيَاسِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ لِأَنَّهُ يَسْتَصْحِبُهُ غَالِبًا فَانْعَدَمَ دَلِيلُ الْحَاجَةِ) قَالَ الْكَمَالُ وَحَاصِلُ مَا هُنَا أَنَّ الْمَوْجُودَ إمَّا مَا يُؤْكَلُ أَوْ لَا وَمَا يُؤْكَلُ إمَّا يُتَدَاوَى بِهِ كَالْإِهْلِيلِجِ أَوْ لَا فَالثَّانِي لَيْسَ لَهُمْ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ كَالْفَرَسِ فَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ بِأَنْ مَاتَ فَرَسُهُ أَوْ انْكَسَرَ سَيْفُهُ أَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ سَيْفَهُ وَفَرَسَهُ بِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ فَعَلَ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ تَلَفَ نَحْوَ الْحَطَبِ بِخِلَافِ الْخَشَبِ الْمَنْحُوتِ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ عَلَى الشَّرِكَةِ فَلَا يَخْتَصُّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ الْمُسْتَحِقِّ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَثَرَ الْمِلْكِ فَضْلًا عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهَا سَبَبُ الرُّخْصَةِ فَيَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَى الْغَنِيمَةِ إذَا انْقَضَى الْحَرْبُ وَكَذَا الثَّوْبُ إذَا أَضَرَّهُ الْبُرْدُ يَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ الرَّدِّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ احْتَاجَ الْكُلُّ إلَى الثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ قَسَمَهَا بِخِلَافِ السَّبْيِ لَا يُقْسَمُ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ فُضُولِ الْحَوَائِجِ لَا أُصُولِهَا فَيَسْتَصْحِبُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُشَاةً فَإِنْ لَمْ يُطِيقُوا وَلَيْسَ مَعَهُ فَضْلُ حَمُولَةٍ قَتَلَ الرِّجَالَ وَتَرَك النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَهَلْ يُكْرَهُ مَنْ عِنْدَهُ فَضْلُ حَمُولَةٍ عَلَى الْحَمْلِ يَعْنِي بِالْأَجْرِ فِيهِ رِوَايَتَانِ تَقَدَّمَتَا وَأَمَّا مَا يُتَدَاوَى بِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَنَاوُلُهُ وَكَذَا الطِّيبُ وَالْأَدْهَانُ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ كَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ بَلْ الْفُضُولُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَرَضٌ بِأَحَدِهِمْ يُحْوِجُهُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَانَ ذَلِكَ كَلِبْسِ الثَّوْبِ فَالْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْحَاجَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي الْجَزُورِ) وَفِي الْإِيضَاحِ فِي الْبَقَرِ وَفِي الْمُحِيطِ فِي الْغَنَمِ فَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالسَّمْنُ وَالزَّيْتُ) أَيْ وَدُهْنُ السِّمْسِمِ. اهـ. كِفَايَةٌ
стр. 879
عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيُوقِحُونَ الدَّوَابَّ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ قَالَ ﵀ (وَلَا يَبِيعُهَا) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْأَخْذِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ التَّنَاوُلُ لِلضَّرُورَةِ وَالْمُبَاحُ لَهُ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَإِنْ بَاعَهُ أَحَدُهُمْ رَدَّ الثَّمَنَ إلَى الْمَغْنَمِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَالْمَتَاعِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ لِصِيَانَةِ سِلَاحِهِ وَدَابَّتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِلَا حَاجَةٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْسِمَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمْ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ كُلُّهُمْ لِأَنَّ الْمَحْظُورَ يُسْتَبَاحُ لِلضَّرُورَةِ وَمُرَاعَاةُ حَقِّهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ الْمَدَدِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا لَا يَدْرِي أَيُلْتَحَقُ أَوْ لَا فَلَا يُعَارِضُ الْمُحَقَّقَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ السَّبْيِ حَيْثُ لَا يُقْسَمُ وَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ لِأَنَّ حَاجَتَهُمْ لِلْوَطْءِ أَوْ لِلْخِدْمَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ فُضُولِ الْحَوَائِجِ.
قَالَ ﵀ (وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا لَا) أَيْ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْغَنِيمَةِ لِزَوَالِ الْمُبِيحِ وَهِيَ الضَّرُورَةُ وَلِأَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ حَتَّى يُورَثَ نَصِيبُهُ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِدُونِ رِضَاهُمْ قَالَ ﵀ (وَمَا فَضُلَ رُدَّ إلَى الْغَنِيمَةِ) أَيْ الَّذِي فَضُلَ فِي يَدِهِ مِنْ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَرْبِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ رَدَّهُ إلَى الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِزَوَالِ حَاجَتِهِ وَالْإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِهَا وَهَذَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا إنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا وَالْفَقِيرُ يَنْتَفِعُ بِالْعَيْنِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ هَلَكَ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الرَّدُّ صَارَ فِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ قَالَ ﵀
(وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَطِفْلَهُ) أَيْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَحْرَزَ بِإِسْلَامِهِ نَفْسَهُ وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ لِوُجُودِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُ لِأَنَّهُمَا جَزَاءُ الْكُفْرِ ابْتِدَاءً أَوْ لِدَفْعِ الشَّرِّ وَالْمُسْلِمُ لَا يُبْتَدَأُ بِالرِّقِّ وَقَدْ انْدَفَعَ شَرُّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ تَبَعٌ لَهُ فَيُلْحَقُونَ بِهِ هَذَا إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ فَهُوَ عَبْدٌ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِالْإِسْلَامِ كَحَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا أُخِذَ أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ وَمَالُهُ وَلَمْ يُؤْخَذْ هُوَ حَتَّى أَسْلَمَ أَحْرَزَ بِإِسْلَامِهِ نَفْسَهُ فَحَسْب لِانْعِقَادِ السَّبَبِ فِي غَيْرِهِ قَالَ ﵀ (وَكُلَّ مَالٍ مَعَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَقَالَ «﵊ لِصَخْرٍ يَا صَخْرُ إنَّ الْقَوْمَ إذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ» وَلِأَنَّ يَدَهُ الْحَقِيقِيَّةَ سَبَقَتْ إلَيْهِ يَدُ الظَّاهِرِينَ فَكَانَتْ أَوْلَى قَالَ ﵀ (أَوْ وَدِيعَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ حُكْمًا إذْ يَدُ الْمُودِعِ كَيَدِ الْمُودَعِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فِي الْحِفْظِ وَهِيَ مُحْتَرَمَةٌ صَحِيحَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا غَصْبًا حَيْثُ تَكُونُ فَيَأْخُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ كَيَدِ الْمَالِكِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ الْحَرْبِيِّ وَدِيعَةً أَوْ غَصْبًا لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِمُحْتَرَمَةٍ وَلَا صَحِيحَةٍ حَتَّى جَازَ لَنَا التَّعَرُّضُ لَهَا.
قَالَ ﵀ (دُونَ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ) لِأَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ غَيْرُ تَابِعٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ مَعْصُومًا عَنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِغْنَامِ إلَّا بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ قَالَ ﵀ (وَزَوْجَتِهِ وَحَمْلِهَا) لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ حَرْبِيَّةٌ غَيْرُ تَابِعَةٍ لَهُ فَتُسْتَرَقُّ وَحَمْلُهَا جُزْءٌ مِنْهَا فَيَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ الْحَمْلُ فَيْئًا لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ فَلَا يُبْدَأُ بِالرِّقِّ كَالْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ قُلْنَا الْمُسْلِمُ يُسْتَرَقُّ تَبَعًا كَوَلَدِ الْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ مَوْلَاهَا فَكَانَ هَذَا فِي حَقِّ التَّبَعِ بِمَنْزِلَةِ الْبَقَاءِ وَالْإِسْلَامُ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الرِّقِّ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ لِعَدَمِ الْجُزْئِيَّةِ قَالَ ﵀ (وَعَقَارَهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ حَقِيقَةٌ فَيَكُونُ فَيْئًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ هُوَ لَهُ وَلَا يَكُونُ فَيْئًا لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ كَالْمَنْقُولِ وَلَنَا أَنَّ الْعَقَارَ فِي يَدِ أَهْلِ الدَّارِ وَسُلْطَانِهَا إذْ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً وَقِيلَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَكُونُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَدَ حَقِيقَةٌ تَثْبُتُ عِنْدَهُ فِي الْعَقَارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْغَصْبُ عِنْدَهُ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ قَالَ ﵀ (وَعَبْدَهُ الْمُقَاتِلَ) لِأَنَّهُ لِمَا تَمَرَّدَ عَلَى مَوْلَاهُ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ وَصَارَ تَبَعًا لِأَهْلِ دَارِهِمْ وَمَا كَانَ غَصْبًا فِي يَدِ حَرْبِيٍّ أَوْ وَدِيعَةً فَيْءٌ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِمُحْتَرَمَةٍ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ غَصْبًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ فَيْئًا لِأَنَّ الْمَالَ تَابِعٌ لِلنَّفْسِ وَقَدْ صَارَتْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَيُوقِحُونَ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ تَوْقِيحُ الدَّابَّةِ تَصْلِيبُ حَافِرِهَا بِالشَّحْمِ الْمُذَابِ إذَا حَفِيَ أَيْ رَقَّ مِنْ كَثْرَةِ الْمَشْيِ وَالرَّاءُ خَطَأٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَنُسْخَةِ الْإِمَامُ حَافِظُ الدَّيْنِ الْكَبِيرِ بِخَطِّ يَدِهِ بِالرَّاءِ مِنْ التَّرْقِيحِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْمُصَنِّفِ قَالَ هَكَذَا قَرَأْنَا عَلَى الْمَشَايِخِ قَالَ فِي الْجَمْهَرَةِ رَقَحَ فُلَانٌ عَيْشَهُ تَرْقِيحًا إذَا أَصْلَحَهُ وَأَنْشَدَ:
يَتْرُكُ مَا رَقَحَ مِنْ عَيْشِهِ
يَعِيثُ فِيهِ هَمْجٌ هَامِجٌ
وَالْهَمَجُ مِنْ النَّاسِ الَّذِينَ لَا نِظَامَ لَهُمْ اهـ وَقَالَ الْكَمَالُ وَالرَّاءُ أَيْ تَرْقِيحٌ خَطَأٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُهُ ثُمَّ قَالَ الْكَمَالُ فَالتَّرْقِيحُ أَعَمُّ مِنْ التَّوْقِيحِ. اهـ (قَوْلُهُ وَإِنْ بَاعَهُ أَحَدُهُمْ رَدَّ الثَّمَنَ أَيْ الْمَغْنَمَ) أَيْ لِأَنَّهُ عِوَضُ عَيْنٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَطِفْلَهُ) إنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِيَقَعَ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَنْ مُسْتَأْمِنٍ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَتْ أَمْوَالُهُ وَأَوْلَادُهُ كُلُّهَا فَيْئًا ذَكَرَهُ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى ظَهَرْنَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ وَمَا فِي يَدِهِ وَالثَّانِيَةُ دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَأَسْلَمَ ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى الدَّارِ فَجَمِيعُ مَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَيْءٌ وَالثَّالِثَةُ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ دَخَلَ دَارَنَا ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى الدَّارِ فَجَمِيعُ مَالِهِ فَيْءٌ إلَّا أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ وَالرَّابِعَةُ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْعَقَارَ) يَعْنِي أَنَّ الْيَدَ فِي الْعَقَارِ إنَّمَا تَثْبُتُ حُكْمًا وَدَارُ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِدَارِ الْأَحْكَامِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِيَدِهِ قَبْلَ
стр. 880
مَعْصُومَةً بِإِسْلَامِهِ فَيَتْبَعُهَا مَالُهُ فِيهَا وَلَهُ أَنَّهُ مَالٌ مُبَاحٌ فَيُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ وَالنَّفْسُ لَمْ تَصِرْ مَعْصُومَةً بِالْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ مُحَرَّمُ التَّعَرُّضِ فِي الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا وَلِهَذَا لَمْ تَصِرْ مُتَقَوِّمَةً بِالْإِسْلَامِ وَإِبَاحَةُ التَّعَرُّضِ كَانَ لِدَفْعِ شَرِّهِ وَقَدْ انْدَفَعَ بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِخِلَافِ الْمَالِ لِأَنَّهُ خُلِقَ عُرْضَةً لِلِامْتِهَانِ فَكَانَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ عَلَى مَا كَانَ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي رِوَايَةٍ وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِي أُخْرَى وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا دَخَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَأَصَابَ مَالًا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي حَقِّ مَالٍ فِي يَدِ حَرْبِيٍّ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ كَانَتْ ثَابِتَةٌ لِهَذَا الْمَالِ تَبَعًا لِلْمَالِكِ فَلَا تَزُولُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ يَكُونُ فَيْئًا لِمَا ذَكَرْنَا وَقَالُوا رِوَايَةُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَصَحُّ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارِهِمْ وَأَمَّا إذَا أَغَارُوا عَلَيْهَا وَلَمْ يَظْهَرُوا فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ جَمِيعُ مَالِهِ فَيْئًا إلَّا نَفْسُهُ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَمُحَمَّدٌ سَوَّى بَيْنَ الْإِغَارَةِ وَالظُّهُورِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِيَّةِ لِلْمِلْكِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالظُّهُورِ صَارَتْ الدَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَكَانَتْ يَدُهُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِاعْتِبَارِ مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيَدُ الْمُسْلِمِ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهَا.
وَأَمَّا بِالْإِغَارَةِ فَلَمْ تَصِرْ دَارَ إسْلَامٍ فَلَمْ تَصِرْ يَدُهُ عَلَى الْمَنْقُولِ ثَابِتَةً حُكْمًا لِأَنَّ يَدَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثَابِتَةٌ حَافِظَةٌ دَافِعَةٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدَّارِ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ وَالشَّوْكَةِ وَلِهَذَا تَصِيرُ الْغَنِيمَةُ مِلْكًا لِلْغَانِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْعِصْمَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَلَمْ يُوجَدْ فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَحُكْمُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجَ إلَيْنَا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ
(فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ) يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنِيمَةَ وَيُخْرِجَ خُمُسَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَيَقْسِمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ عَلَى الْغَانِمِينَ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ﵀ (لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﵊ أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْغِنَاءِ وَغِنَاؤُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْثَالِ الرَّاجِلِ لِأَنَّهُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالثَّبَاتِ وَالرَّاجِلُ لِلثَّبَاتِ لَا غَيْرُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ قُسِّمَتْ خَيْبَرَ إلَى أَنْ قَالَ إنَّهُ ﵊ «أَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلَ سَهْمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ الْكَرَّ وَالْفَرَّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إذْ الْفَرُّ لَيْسَ بِمُسْتَحْسِنٍ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَ لِأَجَلِ الْكَرِّ فَيَكُونُ غِنَاؤُهُ مِثْلَيْ غِنَاءِ الرَّاجِلِ فَيُفَضَّلُ عَلَيْهِ بِسَهْمٍ وَلِأَنَّ مِقْدَارَ الزِّيَادَةِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ الرَّأْسُ وَالْفَرَسُ مَعَ أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ زِيَادَةَ الْغِنَاءِ يَسْتَحِقُّ بِهَا الزِّيَادَةَ بَلْ بِمَا ذَكَرْنَا أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاكِي بِالسِّلَاحِ أَكْثَرُ غِنَاءٍ مِنْ الْأَعْزَلِ وَمَعَ هَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الزِّيَادَةَ وَلِأَنَّ الْفَرَسَ تَبَعٌ فَلَا يَزِيدُ سَهْمُهُ عَلَى الْأَصْلِ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ «﵊ أَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ كَانَ رَاجِلًا أَجِيرًا لِطَلْحَةَ وَالْأَجِيرُ لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمًا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ رَضْخًا لِجَدِّهِ فِي الْقِتَالِ وَقَالَ «خَيْرُ رِجَالِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَخَيْرُ فُرْسَانِنَا أَبُو قَتَادَةَ» قَالَ ﵀ (وَلَوْ لَهُ فَرَسَانِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ لَهُ فَرَسَانِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا سَهْمَيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ إذَا قَادَ فَرَسَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ لِأَنَّهُ ﵊ أَعْطَى الزُّبَيْرَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي الْقِتَالِ إلَى فَرَسَيْنِ وَرُبَّمَا يَعْيَا الْوَاحِدُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْآخَرِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْدَ ظُهُورِهِمْ عَلَى الدَّارِ يَدُ الْغَانِمِينَ أَقْوَى مِنْ يَدِهِ. اهـ. رَازِيٌّ
[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ]
(فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ) (قَوْلُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ) يَعْنِي سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْغِنَاءِ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْغَنَاءُ بِالْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْغَنَاءُ مِثْلُ كَلَامِ الِاكْتِفَاءِ وَقَالَ الْكَاكِيُّ الْغَنَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: الْإِجْزَاءُ وَالْكِفَايَةُ وَغِنَاؤُهُ أَيْ غِنَاءُ الْفَرَسِ لِكَرِّ الصَّوْلَةِ وَالْحَمْلَةِ وَالْفَرِّ بِمَعْنَى الْفِرَارِ وَالْفِرَارُ فِي مَوْضِعِ الْفَرِّ مَحْمُودٌ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ) الْكَرُّ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْفِرَارِ وَالْفَرُّ الْفِرَارُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَالرَّاجِلُ لِلثَّبَاتِ) أَيْ ثَبَاتِ الدَّفْعِ. اهـ. (قَوْلُهُ ابْنِ جَارِيَةَ) أَيْ الْأَنْصَارِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَالرَّاجِلُ سَهْمًا) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا يَوْمَ بَدْرٍ» قَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي كِتَابِهِ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْحَابِ بَدْرٍ فَارِسٌ غَيْرُ اثْنَيْنِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ غَنَاؤُهُ) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ الْكِفَايَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ) وَهَذَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْفَرَس تَبَعٌ) أَيْ لِلرَّجُلِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ) أَيْ فِي غَزْوَةِ ذِي قِرْدٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ رَضْخًا لِجَدِّهِ) الْجَدُّ فِي الْأَمْرِ الِاجْتِهَادُ. اهـ. مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ) لَمْ يَذْكُرْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ وَرَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْهُمَا وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَا يُسْهَمُ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ هـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَعْطَى الزُّبَيْرَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ) أَيْ سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فَرَسَيْهِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ الزُّبَيْرُ مَا نَصُّهُ يَعْنِي الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ يَوْمَ خَيْبَرَ اهـ
стр. 881
وَلَهُمَا أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُسْهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ لِصَاحِبِ الْأَفْرَاسِ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ» وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ بِالْإِرْهَابِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّارِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولَ إلَيْهِ أَمْرُهُمْ مِنْ الْقِتَالِ مَعَهُمْ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا وَالْقِتَالُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ فَيُسْهَمُ لَهُ لَا غَيْرُ وَلِهَذَا لَا يُسْهَمُ لِثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ بِالِاتِّفَاقِ وَالصَّحِيحُ مِنْ «حِكَايَةِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﵊ أَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ سَهْمًا لَهُ وَسَهْمًا لِأُمِّهِ صَفِيَّةَ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةً وَلَئِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْأَكْوَعِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَادَ فَرَسَيْنِ قَالَ ﵀ (وَالْبَرَاذِينُ كَالْعَتَاقِ) لِأَنَّ الْإِرْهَابَ هُوَ السَّبَبُ وَذَلِكَ بِاسْمِ الْخَيْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَهُوَ يَتَنَاوَلُهُمَا وَالْهَجِينُ وَالْمُقْرِفُ وَلِأَنَّ الْعَتَاقَ إنْ كَانَ أَقْوَى فِي الْجَرْيِ فَالْبِرْذَوْنُ أَصْبَرُ وَأَلْيَنُ عَطْفًا فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَاسْتَوَيَا وَأَهْلُ الشَّامِ لَا يُسْهِمُونَ لِلْبَرَاذِينِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا تَلَوْنَا وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى قَالَ ﵀
(لَا الرَّاحِلَةُ وَالْبَغْلُ) أَيْ لَا تَكُونُ الرَّاحِلَةُ وَالْبَغْلُ كَالْعَتَاقِ حَتَّى لَا يُسْهَمَ لَهُمَا لِأَنَّ الْإِرْهَابَ لَا يَقَعُ بِهِمَا إذْ لَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِمَا قَالَ ﵀
(وَالْعِبْرَةُ لِلْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ) أَيْ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّارِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَنَفَقَ فَرَسُهُ وَقَاتَلَ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَارِسِ وَلَوْ دَخَلَ رَاجِلًا فَاشْتَرَى فَرَسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الرَّاجِلِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَارِسِ لِوُجُودِ الْقِتَالِ مِنْهُ فَارِسًا حَقِيقَةً وَهُوَ أَقْوَى مِنْ التَّقْدِيرِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا حَالَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ أَمَّا الْمُجَاوَزَةُ فَوَسِيلَةٌ إلَى السَّبَبِ فَلَا تُعْتَبَرُ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْبَيْتِ وَلَنَا أَنَّ الْمُجَاوَزَةَ نَفْسُهَا أَقْوَى الْجِهَادِ لِأَنَّ الْخَوْفَ بِهَا يَلْحَقُهُمْ وَلِهَذَا يَحْتَاجُ عِنْدَ الدُّخُولِ إلَى شَوْكَةٍ وَجَيْشٍ عَظِيمٍ وَالْحَالُ بَعْدَهَا حَالَ الدَّوَامِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهَا وَلِهَذَا يَكْتُبُ الْإِمَامُ أَسْمَاءَ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ عِنْدَهَا لَا غَيْرُ وَيَقُولُ الْعَدُوُّ كَمْ دَخَلُوا وَالْجِهَادُ يَكُونُ بِالْإِرْهَابِ كَمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ وَبِهِ يَسْتَحِقُّ الْفَارِسُ الزِّيَادَةَ لَا بِالْقَتْلِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِرْهَابَ وَالْإِرْعَابَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقَتْلِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَبِقَوْلِهِ ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وَبِهِ تَنْكَسِرُ هِمَّتُهُمْ وَيَنْكَسِرُونَ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ عِنْدَهَا وَهُوَ الشَّرْطُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَشْتَرِطْ بَقَاءَ الْفَرَسِ إلَى تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْفَرَسُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْهَزِيمَةِ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَارِسِ وَلَا مَعْنًى لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْقِتَالِ مُتَعَسِّرٌ لِأَنَّهُ حَالُ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَعَلَّقُ بِمِثْلِهِ وَلَوْ دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا لِضِيقِ الْمَكَانِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَارِسِ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ لِتَهْيِئَةِ الْقِتَالِ فَارِسًا وَهُوَ كَالْمُبَاشَرَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّدْءَ وَالْمَدَدَ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ وَكَذَا الْجُنْدُ فِيمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ صَالِحًا لِلْقِتَالِ بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا كَبِيرًا حَتَّى لَوْ دَخَلَ بِمُهْرٍ أَوْ مَرِيضٍ لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقِتَالَ وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَجَّرَهُ أَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ اعْتِبَارًا لِلْمُجَاوَزَةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الرَّجَّالَة لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ بِالْمُجَاوَزَةِ الْقِتَالُ فَارِسًا وَلَوْ بَاعَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ وَكَذَا إذَا بَاعَهُ حَالَ الْقِتَالِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ لِأَنَّ بَيْعَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَرَضَهُ التِّجَارَةَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ عِزَّتَهُ وَلَوْ دَخَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مُسْتَعَارٍ أَوْ مُسْتَأْجَرٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْمَالِكُ فَقَاتَلَ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فِي رِوَايَةٍ اعْتِبَارًا لِلْمُجَاوَزَةِ وَفِي رِوَايَةٍ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الرَّجَّالَة لِأَنَّهُ لَمْ يُصَمِّمْ عَلَى الْقِتَالِ فَارِسًا حَيْثُ دَخَلَ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ صَفِيَّةُ) أَيْ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَئِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ) أَيْ تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْبَرَاذِينُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ كَالْعَتَاقِ) الْعَتَاقُ جَمْعُ عَتِيقٍ وَهُوَ الْجَوَادُ وَالْبِرْذَوْنُ الْعَجَمِيُّ الْخَالِصُ وَالْعِرَابُ خِلَافُ الْبَرَاذِينِ وَالْهَجِينُ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ عَجَمِيَّةٌ وَالْمُقْرِفُ الَّذِي أَبُوهُ عَجَمِيٌّ وَأُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ فَالْبِرْذَوْنُ أَصْبَرُ وَأَلْيَنُ عَطْفًا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَمَعْنَى الْفَتْحِ الْإِمَالَةُ وَالْكَسْرُ الْجَانِبُ. اهـ. كَيْ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا الرَّاحِلَةُ وَالْبَغْلُ) وَإِنَّمَا لَمْ يُسْهَمْ لِبَغْلٍ وَلَا لِرَاحِلَةٍ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ لِأَنَّهُ «كَانَ يَكُونَ فِي غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ الْجِمَالُ وَالْحَمِيرُ وَالْبِغَالُ وَلَا يُسْهِمُ لِشَيْءٍ مِنْهَا» وَلَوْ أَسْهَمَ لَظَهَرَ نَقْلُهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْأَفْرَاسِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀
(قَوْلُهُ فَنَفَقَ فَرَسُهُ) أَيْ هَلَكَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا عِنْدَ شُهُودِ الْوَقْعَةِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ وَهُوَ تَمَامُ الْقِتَالِ اهـ (قَوْلُهُ وَبِهِ يُسْتَحَقُّ الْفَارِسُ الزِّيَادَةُ) أَيْ وَلِهَذَا يُشَارِكُ الرِّدْءُ الْمُبَاشِرُ فِي الْغَنِيمَةِ لِحُصُولِ الْإِرْهَابِ بِالْكُلِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَارِسِ) أَيْ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا بَاعَهُ حَالَةَ الْقِتَالِ عِنْدَ الْبَعْضِ) أَيْ لِأَنَّ بَيْعَهُ عِنْدَ مُخَاطَرَةِ الرَّوْحِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ لِرَأْيٍ رَآهُ فِي الْحَرْبِ لَا لِتَحْصِيلِ الْمَالِ لِأَنَّ الرُّوحَ تَفُوقُ الْمَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ وَحَمَلَ أَمْرُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التِّجَارَةَ وَانْتَظَرَ الْعِزَّةَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الْعَاقِلَ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَخْتَارُ الْمَالَ عَلَى رُوحِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَوْلُهُ إنَّمَا بَاعَهُ لِرَأْيٍ رَآهُ فِي الْحَرْبِ إمَّا لِأَنَّهُ وَجَدَهُ غَيْرَ مُوَافِقٍ لَهُ فَرُبَّمَا يَقْتُلُهُ لِعَدَمِ أَدَبِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ لَيْسَ هُوَ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُقُودِ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ عِزَّتَهُ) أَيْ عِزَّةَ الْفَرَسِ. اهـ.
стр. 882
وَأَنَّ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ تَنْقَضِي قَالَ ﵀
(وَلِلْمَمْلُوكِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ الرَّضْخُ لَا السَّهْمُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيَحْذِينَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ وَقَالَ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ سَهْمٌ إلَّا أَنْ يَحْذِيَا مِنْ غَنَائِمِ الْقَوْمِ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ أَيْضًا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي الْمَرْأَةَ وَالْمَمْلُوكَ مِنْ الْغَنَائِمِ دُونَ نَصِيبِ الْجَيْشِ» وَلِأَنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ عَاجِزَانِ عَنْهُ وَلِهَذَا لَمْ يَلْحَقْهُمَا فَرْضُهُ وَالْعَبْدُ لَا يُمَكِّنُهُ مَوْلَاهُ وَلَهُ مَنْعُهُ فَلَمْ يَسْتَحِقُّوا السَّهْمَ الْكَامِلَ لَكِنْ يُرْضَخُ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَسْهُمَ لِقَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ قَاتَلُوا مَعَهُ وَلِلصِّبْيَانِ» فِيمَا رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَلِلنِّسَاءِ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مَحْمُولٌ عَلَى الرَّضْخِ وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ لِقِيَامِ الرِّقِّ فِيهِ وَتَوَهُّمِ عَجْزِهِ فَيَمْنَعُهُ الْمَوْلَى وَإِنَّمَا يُرْضَخُ لَهُمْ إذَا بَاشَرُوا الْقِتَالَ أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَقُومُ بِمَصَالِح الْمَرْضَى لِعَجْزِهَا عَنْ حَقِيقَةِ الْقِتَالِ فَيَكُونُ جِهَادُهَا عَمَلًا يَلِيقُ بِحَالِهَا أَوْ دَلَّ الذِّمِّيُّ عَلَى الطَّرِيقِ لِأَنَّ فِي الدَّلَالَةِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ السَّهْمَ لِأَنَّهُمْ لَا يُسَاوُونَ الْجَيْشَ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ إلَّا فِي دَلَالَةِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يُزَادُ عَلَى السَّهْمِ إذَا كَانَتْ فِي دَلَالَتِهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَيْسَتْ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسْوِيَةُ فِي الْجِهَادِ إذْ مَا يَأْخُذُهُ فِي الدَّلَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ فَيُعْطَ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَالْأَجِيرُ لَا يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ لِخِدْمَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا لِلْقِتَالِ وَإِنْ تَرَكَ الْخِدْمَةَ وَقَاتَلَ يُسْهَمُ لَهُ فَصَارَ كَأَهْلِ سُوقِ الْعَسْكَرِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَلَا شَيْءَ وَلَا يُجْمَعُ لَهُ أَجْرٌ وَنَصِيبٌ فِي الْغَنِيمَةِ قَالَ ﵀
(وَالْخُمُسُ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَقُدِّمَ ذَوُو الْقُرْبَى الْفُقَرَاءُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ وَلَا حَقَّ لِأَغْنِيَائِهِمْ) أَيْ يُقَدَّمُ الْفُقَرَاءُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى عَلَى الطَّوَائِفِ الثَّلَاثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِذَوِي الْقُرْبَى خُمُسُ الْخُمُسِ يَسْتَوِي فِيهِ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخُمُسَ يُقْسَمُ أَثْلَاثًا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ أَخْمَاسًا سَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى وَسَهْمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَخْلُفُهُ فِيهِ الْإِمَامُ وَيَصْرِفُهُ إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَالْبَاقِي لِلثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] «وَقَالَ ﷺ يَا بَنِي هَاشِمٍ إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ أَيْدِي النَّاسِ فَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ الصَّدَقَةَ وَعَوَّضَكُمْ مِنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ الْغَنِيمَةِ» وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ «وَأَعْطَى ﵊ الْعَبَّاسَ وَقَدْ كَانَ غَنِيًّا» وَلَنَا أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَسَّمُوهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ عَلَى نَحْو مَا قُلْنَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ قِسْمَتَهُ ﵊ لَمْ تَكُنْ بِطَرِيقِ الْحَتْمِ وَفِيمَا رُوِيَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَيَحْذِينَ) قَالَ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ كَانَ يَحْذِي النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مِنْ الْمَغْنَمِ وَحَذِيَّتُهُ لُغَةً اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ الْحَذْيَا الْعَطِيَّةُ وَأَحْذَيْتُهُ أَعْطَيْته (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَحْذِيَا) أَيْ يُعْطِيَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُرْضَخُ لَهُمْ) أَيْ لِلْمَذْكُورِينَ فِي الْمَتْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ إذَا بَاشَرُوا الْقِتَالَ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لَكِنْ يُرْضَخُ لَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ انْحِطَاطًا لِرُتْبَةِ التَّبَعِ عَنْ الْمَتْبُوعِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ تَبَعٌ لِلْحُرِّ وَالصَّبِيِّ تَبَعٌ لِلْبَالِغِ وَالذِّمِّيُّ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِ وَلِذَا لَا يُمْكِنُ الذِّمِّيُّ مِنْ. اهـ. (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُزَادُ عَلَى السَّهْمِ) أَمَّا إذَا قَاتَلَ الذِّمِّيُّ لَا يَبْلُغُ بِرَضْخِهِ سَهْمَ الْمُسْلِمِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْخُمُسُ لِلْيَتَامَى) أَيْ الْفُقَرَاءِ أَمَّا الْيَتِيمُ الْغَنِيُّ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ذَكَرَهُ فِي الدِّرَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقُدِّمَ ذَوُو الْقُرْبَى) الْقُرْبَى الْقَرَابَةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ تُقَدَّمُ الْفُقَرَاءُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى عَلَى الطَّوَائِفِ الثَّلَاثِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ بَدْرُ الدِّينِ الْكَرْدَرِيُّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ أَيْتَامَ ذَوِي الْقُرْبَى وَمَسَاكِينَ ذَوِي الْقُرْبَى يَدْخُلُونَ فِي سَهْمِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ يَدْخُلُونَ فِي سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ لِمَا أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ الِاحْتِيَاجُ غَيْرَ أَنَّ سَبَبَهُ مُخْتَلِفٌ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْيَتِيمِ وَالْمَسْكَنَةِ وَكَوْنُهُ ابْنُ السَّبِيلِ وَفِي التُّحْفَةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَصَارِفُ الْخُمُسِ عِنْدَنَا لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى لَوْ صَرَفَ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَازَ كَمَا فِي الصَّدَقَاتِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخُمُسَ يُقْسَمُ أَثْلَاثًا) أَيْ سَهْمٌ لِلْيَتَامَى وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ وَسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ يَدْخُلُ فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى فِيهِمْ وَيُقَدَّمُونَ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَسَهْمٌ لِلنَّبِيِّ ﵊ يَخْلُفُهُ فِيهِ الْإِمَامُ) وَفِي الْكَشَّافِ وَعَنْ الْحَسَنِ فِي سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لِذَوِي الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀.
(قَوْلُهُ وَيَصْرِفُهُ إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ نَحْوِ سَدِّ الثُّغُورِ وَعِمَارَةِ الْقَنَاطِرِ وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ فِي الْكَافِي وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ يُقْسَمُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ سَهْمٌ لِلَّهِ يُصْرَفُ إلَى عِمَارَةِ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقُرْبِهَا وَإِلَى عِمَارَةِ الْجَامِعِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ هِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَوْضِعِ الْقِسْمَةِ لِأَنَّ هَذِهِ بِقَاعٌ مُضَافَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْبَاقِي لِلثَّلَاثَةِ) أَيْ لِأَنَّهُ «﵊ قَسَمَهَا عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ» وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ وَلِأَنَّ الرَّسُولَ ﵊ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِحَقِّ الْإِمَامَةِ فَاسْتَحَقَّهُ مَنْ يَخْلُفُهُ فِي الْإِمَامَةِ وَذَوُو الْقُرْبَى بِالْقَرَابَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا عُلِّقَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ كَانَ مَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ لِثُبُوتِهِ فَيَسْتَوِي غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ كَالْإِرْثِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَلَنَا) أَيْ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْخُمُسَ كَانَ يُقْسَمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ثُمَّ قَسَمَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ لَمْ تَكُنْ بِطَرِيقِ الْحَتْمِ) أَيْ بَلْ بِطَرِيقِ الْجَوَازِ إذْ لَا يَظُنُّ بِهِمْ خِلَافُهُ ﵊. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَفِيمَا رَوَى) أَيْ الشَّافِعِيُّ اهـ
стр. 883
إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَغْنِيَاءَ مِنْهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ لِأَنَّ الْعِوَضَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ الْمُعَوَّضِ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالنَّبِيُّ ﵊ كَانَ يُعْطِيهِمْ لِلنُّصْرَةِ لَا لِلْقَرَابَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ عَلَّلَ فَقَالَ «إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَعِي هَكَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى قُرْبُ النُّصْرَةِ لَا قُرْبُ الْقَرَابَةِ وَلِهَذَا لَمْ تَحْرُمْ الزَّكَاةُ عَلَى بَعْضِ الْهَاشِمِيِّ لِعَدَمِ النُّصْرَةِ كَأَوْلَادِ أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الزَّكَاةِ يُحَقِّقُهُ «أَنَّهُ ﵊ أَعْطَى بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَمْ يُعْطِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا بَنِي نَوْفَلٍ فَجَاءَ عُثْمَانُ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ فَقَالَا إنَّا لَا نُنْكِرُ فَضْلَ بَنِي هَاشِمٍ لِمَكَانِك الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَلَكِنْ نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الْقَرَابَةِ إلَيْك سَوَاءٌ فَمَا بَالُك أَعْطَيْتهمْ وَحَرَمْتنَا فَقَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَعِي هَكَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ يُشِيرُ إلَى نُصْرَتِهِمْ لَهُ لِأَنَّهُمْ قَامُوا مَعَهُ حِينَ أَرَادَتْ قُرَيْشُ قَتْله ﵊» وَدَخَلَ بَنُو نَوْفَلٍ وَعَبْدُ شَمْسٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَلَوْ كَانَ لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ لَمَا خَصَّهُمْ لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا أَخَوَا هَاشِمٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَالْمُطَّلِبَ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ فَكَانَا أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِالنُّصْرَةِ كَوْنُهُمْ مَعَهُ يُؤَانِسُونَهُ بِالْكَلَامِ وَالْمُصَاحَبَةِ لَا بِالْمُقَاتَلَةِ وَلِهَذَا كَانَ لِنِسَائِهِمْ فِيهِ نَصِيبٌ ثُمَّ سَقَطَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ ﵊ لِعَدَمِ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَهِيَ النُّصْرَةُ فَيَسْتَحِقُّونَهُ بِالْفَقْرِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّدَقَةِ حَتَّى كَانُوا يَأْخُذُونَهُ فِي زَمَنِهِ ﵊ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ﴾ [الحشر: ٧] إشَارَةٌ إلَيْهِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَسْقُطُ نَصِيبُ الْفُقَرَاءِ أَيْضًا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَ ﵀ (وَذَكَرَهُ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ) يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْخُمُسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ تَبَرُّكًا بِاسْمِهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْكُلَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى شَيْءٍ قَالَ ﵀
(وَسَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ سَقَطَ بِمَوْتِهِ كَالصَّفِيِّ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِالرِّسَالَةِ وَلَا رَسُولَ بَعْدَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَيْفَ أَضَافَ إلَيْهِ بِاسْمِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ وَلِلرَّسُولِ وَكَذَا الصَّفِيُّ وَهُوَ شَيْءٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْطَفِيه لِنَفْسِهِ وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ الصَّفِيِّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(وَإِنْ دَخَلَ جَمْعٌ ذُو مَنَعَةٍ دَارَهُمْ بِلَا إذْنٍ خَمَّسَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَغْنِيَاءَ مِنْهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] عُمُومُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ السَّهْمِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ قِيلَ لَهُ هَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِعُمُومٍ بَلْ هُوَ مُجْمَلٌ مَوْقُوفُ الْحُكْمِ عَلَى الْبَيَانِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] لَا يَخْتَصُّ بِقَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ قَرَابَةِ غَيْرِهِ إذْ كَانَ الِاسْمُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣] لَمْ يَخْتَصَّ بِقِرْبَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَرَابَةُ الْخَلِيفَةِ أَوْ قَرَابَةُ الْغَانِمِينَ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَرَابَةُ الْخُلَفَاءِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَنْصِيصِ قَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِمْ جَعَلَ اللَّفْظَ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ وَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعِوَضَ) أَيْ وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ اهـ (قَوْلُهُ مَنْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ الْمُعَوَّضُ) أَيْ وَهُوَ الصَّدَقَةُ لَوْلَا الْقَرَابَةُ وَاسْتِحْقَاقُهُمْ لِلصَّدَقَةِ لَوْلَا الْقَرَابَةُ بِاعْتِبَارِ الْفَقْرِ فَكَذَا السَّهْمُ اهـ دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ ﵊ أَعْطَى بَنِي الْمُطَّلِبِ) أَيْ لَمَّا قَسَّمَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالنُّصْرَةِ إلَخْ) لَمْ يُرِدْ بِالنُّصْرَةِ نُصْرَةَ الْقِتَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَوْجُودًا فِي عُثْمَانَ وَجُبَيْرٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ نُصْرَةَ الِاجْتِمَاعِ بِهِ وَالْمُؤَانَسَةُ فِي حَالِ مَا هَجَرَهُ النَّاسُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَسَدَتْهُمْ قُرَيْشٌ فَتَعَاهَدُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنْ لَا يُجَالِسُوا بَنِي هَاشِمٍ وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ حَتَّى يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا لِيَقْتُلُوهُ وَتَعَاقَدَ بَنُو هَاشِمٍ عَلَى الْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِ ﷺ فَدَخَلَ بَنُو نَوْفَلٍ وَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَدَخَلَ بَنُو الْمُطَّلِبِ فِي عَهْدِ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى دَخَلُوا مَعَهُمْ الشِّعْبَ فَكَانُوا فِيهِ ثَلَاثَ سِنِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَكَلُوا الْعِلْهِزَ مِنْ الْجَهْدِ. اهـ. مُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ) قَالَ فِي الْكَافِي وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْطَفِيه لِنَفْسِهِ) أَيْ مِثْلَ دِرْعٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ جَارِيَةٍ. اهـ. هِدَايَةٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ أَيْ يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ اهـ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ «كَانَ سَيْفُ النَّبِيِّ ﷺ ذُو الْفَقَارِ الَّذِي تَنَفَّلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَ سَيْفَ الْعَاصِ بْنِ مُنْيَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ مِنْ الْجَنَّةِ وَذَكَرَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ فِي كِتَابِ السُّيُوفِ «كَانَ سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذُو الْفَقَارِ وَكَانَ لِلْعَاصِ بْنِ مُنْيَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيِّ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَجَاءَ بِسَيْفِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَارَ بَعْدُ لِعَلِيٍّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ النَّبِيُّ» وَلَهُ يَقُولُ الْقَائِلُ
لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَا ... رِ وَلَا فَتَى إلَّا عَلَيْ
إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَلْبِيِّ وَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي فَائِقِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَفَّلَهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بَنِي الْمُصْطَلِقِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ وَأَعْلَمُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ الصَّفِيِّ) أَيْ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ دَخَلَ جَمْعٌ ذُو مَنَعَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا دَخَلَ الْوَاحِدُ أَوْ الِاثْنَانِ دَارَ الْحَرْبِ مُغِيرَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَأَخَذُوا شَيْئًا لَمْ يُخَمَّسْ. اهـ. وَفِي الْمُنْيَةِ وَالثَّلَاثَةُ فِي حُكْمِ الِاثْنَيْنِ وَفِي الْأَرْبَعَةِ يُخَمَّسُ وَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَدَّرَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي لَا مَنَعَةَ لَهَا بِتِسْعَةِ نَفَرٍ وَاَلَّتِي لَهَا مَنَعَةٌ بِعَشَرَةٍ. اهـ. دِرَايَةٌ قَالَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَيُغِيرَانِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَيُصِيبَانِ الْغَنَائِمَ لَا يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا وَلَوْ بَعَثَ
стр. 884
مَا أَخَذُوا وَإِلَّا لَا) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا ذَوِي مَنَعَةٍ لَا يُخَمَّسُ لِأَنَّ الْخُمُسَ وَظِيفَةُ الْغَنِيمَةِ وَهِيَ الْمَأْخُوذَةُ قَهْرًا وَغَلَبَةً وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْمَنَعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَعَةٌ يَكُونُ أَخْذُهُمْ اخْتِلَاسًا وَسَرِقَةً لَا قَهْرًا وَغَلَبَةً فَلَا يُخَمَّسُ وَإِنْ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُخَمَّسُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهُمْ الْتَزَمَ نُصْرَتَهُمْ بِالْإِمْدَادِ فَصَارَ كَالْمَنَعَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ لَا يُخَمَّسُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نُصْرَتُهُمْ إذْ لَيْسَ فِيهِ وَهْنٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُمْ مَنَعَةٌ حَيْثُ يُخَمَّسُ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَصْرُهُمْ كَيْ لَا يَلْزَمَ وَهْنُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ﵀ (وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُنْفِلَ) بِقَوْلِهِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَبِقَوْلِهِ «لِلسَّرِيَّةِ جَعَلْت لَكُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ» لِأَنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وَحَرَّضَ ﵇ بِالتَّنْفِيلِ عَلَى الْقِتَالِ فَقَالَ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «وَنَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
«وَكَانَ ﵊ يَنْفُلُ فِي الْبِدَايَةِ الرُّبُعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ فَكَانَ الزِّيَادَةُ فِي الرَّجْعَةِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ يَكِلُّونَ وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ لَيْسَ عَلَى سَبِيل الشَّرْطِ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ لَوْ نَفَلَ بِرُبُعِ الْكُلِّ جَازَ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَفَلَ السَّرِيَّةَ بِالْكُلِّ جَازَ فَهَذَا أَوْلَى ثُمَّ قَدْ يَكُونُ التَّنْفِيلُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ هُنَا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ يَقُولُ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَيَدْخُلُ الْإِمَامُ نَفْسَهُ فِي قَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ سَهْمًا أَوْ رَضْخًا فَلَا يُتَّهَمُ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَنْ قَتَلْته أَنَا فَلِي سَلَبُهُ حَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ لِأَنَّهُ خَصَّ نَفْسَهُ بِهِ فَصَارَ مُتَّهَمًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ حَيْثُ لَا يَدْخُلُ لِأَنَّهُ مَيَّزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ ثُمَّ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِقَتْلِهِ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُبَاحًا قَتْلُهُ حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ بِقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمُقَاتِلِ حَتَّى لَوْ قَاتَلَ الصَّبِيُّ فَقَتَلَهُ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ وَيَسْتَحِقُّ بِقَتْلِ الْمَرِيضِ وَالْأَجِيرِ مِنْهُمْ وَالتَّاجِرِ فِي عَسْكَرِهِمْ وَالذِّمِّيِّ الَّذِي نَقَضَ الْعَهْدَ وَخَرَجَ إلَيْهِمْ لِأَنَّ بِنْيَتَهُمْ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ أَوْ هُمْ مُقَاتِلُونَ بِرَأْيِهِمْ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنْفِلَ بِكُلِّ الْمَأْخُوذِ وَذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ لِلْعَسْكَرِ مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ بَعْدَ الْخُمُسِ أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْدَ الْخُمُسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِشَيْءٍ وَفِيهِ إبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ أَوْ إبْطَالُ الْخُمُسِ فَلَا يَجُوزُ قَالَ ﵀
(وَيَنْفُلُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ مِنْ الْخُمُسِ فَقَطْ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفُلَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ قَدْ تَأَكَّدَ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ فِي الدَّارِ وَلِهَذَا يُورَثُ مِنْهُ لَوْ مَاتَ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْخُمُسِ حَقٌّ فَجَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ أَيْضًا تَأَكَّدَ فِي الْخُمُسِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ إبْطَالُهُ كَمَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّ الْغَانِمِينَ قُلْنَا إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ مَصْرِفٌ بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْخُمُسِ فَقِيرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَإِذَا جَازَ صَرْفُهُ إلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُقَاتِلٍ فَصَرْفُهُ إلَى فَقِيرٍ مُقَاتِلٍ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَصَرْفَ الْمَالِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ غَنِيًّا فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِي هَذَا التَّنْفِيلِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ قَالَ ﵀ (وَالسَّلَبُ لِلْكُلِّ إنْ لَمْ يَنْفُلْ)
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْإِمَامُ رَجُلًا وَاحِدًا طَلِيعَةً مِنْ الْعَسْكَرِ فَأَصَابَ غَنِيمَةً تُخَمَّسُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ لَا مَنَعَةَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ وَلَا خُمْسَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَذِنَ لَهُ خُمْسَ مَا أَصَابُوا وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ إلَى هُنَا لَفْظُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِذْنَ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ صَارَ أَخْذُهُمْ كَأَخْذِ اللِّصِّ وَلَا خُمْسَ فِيهِ لِأَنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَأْخُوذِ قَهْرًا وَغَلَبَةً وَلَمْ يُوجَدْ ثُمَّ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَصْحَابُهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالًا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْ دَخَلُوا) أَيْ مَنْ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ اهـ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ لَا يُخَمَّسُ) وَلَا يُقَالُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] مُطْلَقٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُخَمِّسَ وُجِدَ الْإِذْنُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّا نَقُولُ الْغَنِيمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْمَأْخُوذُ قَهْرًا وَغَلَبَةً وَمَا أَخَذَهُ اللِّصُّ سَرِقَةً وَمَا أَخَذَهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ جَهْرًا خِلْسَةً فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْغَنِيمَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ إلَخْ) لَمَّا كَانَ التَّنْفِيلُ أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِالْغَنِيمَةِ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْغَنَائِمِ يُقَالُ نَفَلَ السُّلْطَانُ فُلَانًا إذَا أَعْطَاهُ سَلَبَ قَتِيلٍ قَتَلَهُ وَنَفَلَ نَفْلًا وَنَفَلَهُ تَنْفِيلًا لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ كَذَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَالنَّفَلُ بِفَتْحَتَيْنِ الْغَنِيمَةُ وَجَمْعُهَا أَنْفَالٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَقَوْلُهُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُنْفِلَ أَيْ فِي حَالِ الْقِتَالِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَالِ الْقِتَالِ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ عِنْدَنَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَعِنْدَ الْأَوْزَاعِيِّ يَصِحُّ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فِي حَقِّ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ اهـ (قَوْلُهُ وَبِقَوْلِهِ لِلسَّرِيَّةِ جَعَلْت لَكُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ) أَيْ بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَحَرِّضْ ﵇ بِالتَّنْفِيلِ عَلَى الْقِتَالِ فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ إلَخْ) وَقَوْلُهُ « ﷺ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا» تَسْمِيَةٌ لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يَئُولَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَهَذَا أَوْلَى) أَيْ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ إلَيْهِ وَقَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ لِشَجَاعَةِ أُولَئِكَ وَكِفَايَتِهِمْ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْفُلَ بِكُلِّ الْمَأْخُوذِ) أَيْ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْبَاقِينَ مِنْ الْغُزَاةِ وَمَعَ هَذَا لَوْ فَعَلَ جَازَ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 885
أَيْ السَّلْبُ لِجَمِيعِ الْجُنْدِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ إذَا لَمْ يَنْفُلْ بِهِ الْقَاتِلُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ لِلْقَاتِلِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ مُقْبِلًا لِمَا رَوَيْنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَصْبُ شَرْعٍ لِأَنَّهُ بَعَثَ لَهُ وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ مُقْبِلًا أَكْثَرُ عَنَاءً فَيَخْتَصُّ بِسَلَبِهِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَهُوَ غَنِيمَةٌ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ غَنِيمَةٌ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ إذْ لَوْلَا الْجَيْشُ لَمَا حَصَلَ السَّلَبُ وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُبَاشَرَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّدْءَ يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةِ قِتَالٍ فَيَقْسِمُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ وَمَا رَوَاهُ يُحْتَمَلُ التَّنْفِيلُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَلَوْنَا وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ انْتَهَيْت إلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ صَرِيعٌ يَذُبُّ النَّاسِ عَنْهُ بِسَيْفٍ لَهُ فَجَعَلْت أَتَنَاوَلُهُ بِسَيْفٍ لِي غَيْرِ طَائِلٍ فَأَصَبْت يَدَهُ فَنَدَرَ سَيْفُهُ فَأَخَذْته فَضَرَبْته حَتَّى قَتَلْته ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْته فَنَفَلَنِي بِسَلَبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ لَمَا صَحَّ التَّنْفِيلُ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عَادَتَهُمْ كَانَتْ جَارِيَةً بِأَنَّ السَّلَبَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ وَإِنَّمَا قَالَ «﵊ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَمَّا أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ» وَأَرَادَ بِذَلِكَ ﵊ تَحْرِيضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ حَتَّى رُوِيَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمَّا سَمِعَ الْمَقَالَةَ طَلَبَ سَلَبَ قَتِيلِهِ وَأَخَذَهُ بَعْدَ مَا كَانَ تَرَكَهُ وَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمئِذٍ سَلَبَ عِشْرِينَ رَجُلًا وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّ «خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مَنَعَ رَجُلًا سَلَبَ قَتِيلِهِ وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَعْطِهِ ثُمَّ قَالَ لَا تُعْطِهِ» وَلَوْ كَانَ نَصْبُ شَرْعٍ لَمَا وَقَعَ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ
وَلَا يُقَالُ لَعَلَّ هَذَا مُتَقَدِّمٌ لِأَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدٍ وَهُوَ الرَّاوِي لِهَذَا الْحَدِيثِ أَمَا عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ قَالَ بَلَى لَكِنْ اسْتَكْثَرْته وَلَوْ كَانَ نَصْبُ شَرْعٍ لَاسْتَحَقَّهُ وَإِنْ كَثُرَ وَلَمْ يَنْهَهُ ﵊ عَنْهُ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ خَالِدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفُلْهُمْ بِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَزِيَادَةُ الْقِتَالِ لَا تُعْتَبَرُ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ مُقْبِلًا فَاشْتِرَاطُهُ يَكُونُ زِيَادَةً وَهُوَ نُسِخَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ إذَا مَاتَ الْمَقْتُولُ عَلَى فَوْرِهِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ أَنَّ سَلَبَهُ يَكُونُ لِلْقَاتِلِ وَإِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ فَإِنْ لَمْ تُقَسَّمْ الْغَنِيمَةُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَكَذَلِكَ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ سَلَبِهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ بِالْإِحْرَازِ تَأَكَّدَ مِلْكُ الْغَانِمِينَ فِيهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْقَاتِلُ وَالْغَانِمُونَ فِي مَوْتِهِ فَقَالَ مَاتَ قَبْلَهَا وَقَالُوا هُمْ مَاتَ بَعْدَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ وَلَوْ أَثْخَنَهُ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَالسَّلَبُ لِمَنْ أَثْخَنَهُ وَلَوْ مَاتَ فَسَلَبَهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ وَقَعَ سَلَبُهُ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَأْخُذُهُ الْقَاتِلُ وَلَوْ جَرُّوهُ نَفْسُهُ وَلَمْ يَسْلُبُوا مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَسَلَبُوهُ فَهُوَ لِلْقَاتِلِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ السَّلَبَ بِالْأَخْذِ فَانْقَطَعَ مِلْكُ الْقَاتِلِ وَإِذَا لَمْ يَسْلُبُوا مِنْهُ لَمْ يَمْلِكُوا مِنْهُ شَيْئًا قَالَ ﵀
(وَهُوَ مَرْكَبُهُ وَثِيَابُهُ وَسِلَاحُهُ وَمَا مَعَهُ) يَعْنِي السَّلَبَ هُوَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِلْعُرْفِ وَكَذَا مَا عَلَى مَرْكَبِهِ مِنْ السَّرْجِ وَالْآلَةِ وَكَذَا مَا مَعَهُ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ مَالِهِ فِي حَقِيبَتِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَيْسَ بِسَلَبٍ هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ فَرَسُهُ فَقَتَلَ رَجُلٌ رَاجِلًا وَمَعَ غُلَامِهِ فَرَسٌ قَائِمٌ بِجَنْبِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَكُونُ فَرَسُهُ لِلْقَاتِلِ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ قَتْلُ مَنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ فَارِسًا وَهَذَا مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْقِتَالِ ثُمَّ حُكْمُ التَّنْفِيلِ قَطَعَ حَقَّ الْبَاقِينَ عَنْهُ فَأَمَّا الْمِلْكُ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَتَّى يُحْرَزَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ حَتَّى لَوْ قَالَ الْإِمَامُ مَنْ أَصَابَ جَارِيَةً فَهِيَ لَهُ فَأَصَابَهَا رَجُلٌ وَاسْتَبْرَأَهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا بَيْعُهَا وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ السَّلَبَ غَيْرُهُ مِنْ الْغُزَاةِ بَعْدَ مَا أَخَذَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَفِيهِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ التَّنْفِيلِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِهِ كَالْمُسْلِمِ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ الْمُتَلَصِّصِ إذَا أَخَذَ جَارِيَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَاسْتَبْرَأَهَا حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِهَا حَتَّى لَوْ لَحِقَهُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَارَكُوهُ فَيَا وَعِنْدَهُمَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ إلَّا بِالْقَهْرِ وَلَا يَتِمُّ الْقَهْرُ إلَّا بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ فِي حَقِّ الْجَيْشِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ قَاهِرٌ يَدًا مَقْهُورٌ دَارًا فَيَكُونُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَقَدْ قَتَلَهُ مُقْبِلًا) حَالٌ مِنْ الْمَفْعُولِ اهـ (قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ يُحْتَمَلُ التَّنْفِيلُ) أَيْ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِنَصْبِ الشَّرْعِ إذَا قَالَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ حِينَ انْهَزَمُوا لِلْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَا مَعَهُ) أَيْ لَا عَبْدَهُ وَمَا مَعَهُ وَدَابَّتُهُ وَمَا عَلَيْهَا وَمَا فِي بَيْتِهِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ حَقِيبَتُهُ) الْحَقِيبَةُ الْعَجِيزَةُ ثُمَّ سَمَّى مَا يُحْمَلُ مِنْ الْقُمَاشِ عَلَى الْفَرَسِ خَلْفَ الرَّاكِبِ حَقِيبَةً مَجَازًا لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَجْزِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ. اهـ. (قَوْلُهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا بَيْعُهَا) وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِهَا) قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ أَجْمَعُوا فِيمَنْ دَخَلَ مُتَلَصِّصًا دَارَ الْحَرْبِ فَأَخَذَ جَارِيَةً وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا ثُمَّ يَسْتَبْرِئَهَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 886
السَّبَبُ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَلَا أَثَرَ لِلتَّنْفِيلِ فِي إتْمَامِ الْقَهْرِ وَإِنَّمَا أَثَرُهُ فِي إفَادَةِ التَّخْصِيصِ وَقَطْعِ الشَّرِكَةِ فَأَمَّا السَّبَبُ لِلْمِلْكِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ فَهُوَ الَّذِي كَانَ سَبَبًا قَبْلَهُ فَأَشْبَهَ الْمُتَلَصِّصَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهَا الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ) قَالَ ﵀ (سَبْي التَّرْكُ الرُّومَ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ مَلَكُوهَا) لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِي الْمُبَاحِ سَبَبُ الْمِلْكِ وَقَدْ تَحَقَّقَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كَافِرٍ اسْتَوْلَى عَلَى كَافِرٍ آخَرَ أَوْ عَلَى مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَمْلِكُ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبِ الْمِلْكِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَانَ بِهَذَا السَّبَبِ كَالْمُسْلِمِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الدُّنْيَا لَهُمْ وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ بَعْضٍ وَأَمْوَالَهُمْ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمِلَلِ وَالْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكُوهُمْ بِالِاسْتِيلَاءِ كَمَا يَمْلِكُ الْمُسْلِمُ بِهِ قَالَ ﵀ (وَمَلَكْنَا مَا نَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ إنْ غَلَبْنَا عَلَيْهِمْ) أَيْ مِنْ الَّذِي سَبَوْهُ مِنْ الرُّومِ أَوْ أَخَذُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكُوهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ الْتَحَقُوا بِسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ فَكَمَا تُمْلَكُ عَلَيْهِمْ سَائِرُ أَمْوَالِهِمْ نَمْلِكُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْمَالَ قَالَ ﵀ (وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِنَا وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ مَلَكُوهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَمْلِكُونَهَا لِأَنَّ اسْتِيلَاءَ الْكُفَّارِ مَحْظُورٌ حِينَ أَخَذُوا وَحِينَ أَحْرَزُوا بِدَارِهِمْ لِوُرُودِهِ عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ.
وَالْمَحْظُورُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَشْرُوعٌ فَيَسْتَدْعِي سَبَبًا مَشْرُوعًا وَالْمَحْظُورُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ نِعْمَةٌ وَالنِّعْمَةُ لَا تُنَاطُ بِالْمَحْظُورِ فَصَارَ كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ وَكَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى رِقَابِنَا وَلَا يُقَالُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُخَاطَبِينَ فَكَيْفَ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّهِمْ لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْحُرُمَاتِ كَالزِّنَا وَالرِّبَا فَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّهِمْ كَالْمُسْلِمِ وَلَنَا أَنَّ الْحُرُمَاتِ فِي الْأَمْوَالِ تَثْبُتُ عَلَى مُنَافَاةِ الدَّلِيلِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحِلُّ وَلَا يَكُونُ مَعْصُومًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إلَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ فِيهِ لِمَنْ اخْتَصَّ بِهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ كَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِ ضَرُورَةً تُمَكِّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ فَإِذَا زَالَ تَمَكُّنُهُ بِسَبَبِ إحْرَازِهِمْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ]
ِ) لَمَّا ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا اسْتِيلَاءَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَمْوَالِ الْكُفَّارِ ذَكَرَ هُنَا حَالَ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَى أَمْوَالِ كُفَّارٍ أُخَرَ فِي دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى أَوْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَسَائِلِ قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ اهـ قَوْلُهُ أَوْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْكَمَالُ وَتَقَدُّمُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي ظَاهِرٌ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ سَبَى التُّرْكُ الرُّومَ) التَّرْكُ جَمْعُ تُرْكِيٍّ وَالرُّومُ جَمْعُ رُومِيٍّ وَالْمُرَادُ كُفَّارُ التُّرْكِ وَكُفَّارُ الرُّومِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ الرُّومُ مَا نَصُّهُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ ﵀ هُمْ مِنْ وَلَدِ الرُّومِ بْنِ عِيصَو يُقَالُ رُومِيٌّ وَرُومٌ مِثْلُ زِنْجِيٍّ وَزِنْجٍ فَلَيْسَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ إلَّا الْيَاءُ الْمُشَدَّدَةُ كَمَا قَالُوا تَمْرَةٌ وَتَمْرٌ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ إلَّا الْهَاءُ اهـ وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالتَّرْكُ جِيلٌ مِنْ النَّاسِ وَالْجَمْعُ أَتْرَاكٌ الْوَاحِدُ تُرْكِيٌّ مِثْلُ رُومٍ وَرُومِيٍّ اهـ قَوْلُهُ زِنْجِيٌّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَالْفَتْحِ لُغَةٌ اهـ مِصْبَاحٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَلَكْنَا مَا نَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَإِنْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرُّومِ مُوَادَعَةٌ لِأَنَّا لَمْ نَغْدِرُهُمْ إنَّمَا أَخَذْنَا مَالًا خَرَجَ عَنْ مَلِكِهِمْ وَلَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُوَادَعَةٌ فَاقْتَتَلُوا فَغَلَبَتْ إحْدَاهُمَا فَإِنَّ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْمَغْنُومَ مِنْ مَالِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مِنْ الْغَانِمِينَ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْإِحْرَازُ بِدَارِ الْحَرْبِ شَرْطٌ أَمَّا بِدَارِهِمْ فَلَا وَلَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُوَادَعَةٌ وَاقْتَتَلُوا فِي دَارِنَا لَا نَشْتَرِي مِنْ الْغَانِمِينَ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ فَيَكُونُ شِرَاؤُنَا غَدْرًا بِالْآخَرِينَ فَإِنَّهُ عَلَى مِلْكِهِمْ وَأَمَّا لَوْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدٍ فَهَلْ يَجُوزُ شِرَاءُ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمِنِ مِنْ الْغَانِمِينَ نَفْسًا أَوْ مَالًا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ بَيْنَ الْمَأْخُوذِ وَبَيْنَ الْآخِذِ قَرَابَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالْأُمِّيَّةِ أَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلْآخِذِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ دَانُوا ذَلِكَ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ دَانُوا بِأَنَّ مَنْ قَهَرَ آخَرَ مَلَكَهُ جَازَ الشِّرَاءُ وَإِلَّا لَا. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إنْ غَلَبْنَا عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى التَّرْكِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِنَا وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ مَلَكُوهَا) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إلَّا أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ يَمْلِكُونَهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ بِدُونِ الْإِحْرَازِ وَلِأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ مَعَ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَةٍ مَعَنَا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَمْلِكُونَهَا) أَيْ وَإِنْ أَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ لِوُرُودِهِ عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ) أَيْ إذْ سَبَبُ عِصْمَتِهِ إسْلَامُ صَاحِبِهِ بِقَوْلِهِ «﵊ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَهُوَ بَاقٍ فَيَبْقَى الْحَظْرُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَالْمَحْظُورُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمُلْكِ) أَرَادَ بِهِ الْمَحْظُورَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَمَّا الْمَحْظُورُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالِاتِّفَاقِ كَالْبَيْعِ بِالْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ أَوْ الْخَمْرِ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ لَا يَصْلُحُ إلَخْ مَا نَصُّهُ أَيْ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَاعِدَتِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَكَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى رِقَابِنَا) قَالَ الْكَمَالُ وَلِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ مُسْنَدًا إلَى عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ «كَانَتْ الْعَضْبَاءُ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ وَفِيهِ الْعَضْبَاءُ وَأَسَرُوا امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانُوا إذَا نَزَلُوا يُرِيحُونَ إبِلَهُمْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ فَلِمَا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَتْ الْمَرْأَةُ وَقَدْ نَوَّمُوا فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إلَّا رَغَا حَتَّى أَتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ فَرَكِبَتْهَا ثُمَّ وَجَّهَتْ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَنَذَرَتْ لَئِنْ اللَّهُ نَجَّاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا فَلَمَّا قَدِمَتْ عَرَفَتْ النَّاقَةَ فَأَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بِنَذْرِهَا فَقَالَ تَبَسُّمًا جُزِيتهَا أَوْ وَفَّيْتهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ وَفِي لَفْظٍ فَأَخَذَ نَاقَتَهُ» وَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ يَمْلِكُونَ بِالْإِحْرَازِ لَمَلَكَتْهَا الْمَرْأَةُ اهـ
стр. 887
بِدَارِهِمْ عَادَ إلَى الْأَصْلِ وَلَمْ يَبْقَ مَعْصُومًا فَصَارَ كَالصَّيْدِ وَغَيْرُهُ مُبَاحُ الْأَصْلِ فَيَمْلِكُونَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمُهَاجِرِينَ فُقَرَاءَ بِقَوْلِهِ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] مَعَ وُجُودِ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُمْ بَاقِيًا لَصَارُوا أَغْنِيَاءَ بِهِ.
وَقَالَ «﵊ هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ» وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُمْ بَاقِيًا لَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْتِيلَاءَهُمْ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُمْ بِخِلَافِ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَائِمٌ فَتَبْقَى عِصْمَتُهُ وَبِخِلَافِ رِقَابِنَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ خُلِقَ لِيَمْلِكَ لَا لِيُمْلَكَ وَإِنَّمَا تَثْبُتُ فِيهِ مَحَلِّيَّةُ الْمِلْكِ بِالْكُفْرِ الْعَارِضِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ لِأَنَّ مِلْكَهُمْ بِالِاسْتِيلَاءِ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَنْقِذُونَهَا مِنْهُمْ مَا لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ الْمَشْرُوعِيَّةَ كَالْبَيْعِ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ وَالطَّوَافِ مَعَ الشَّتْمِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ النَّافِلَةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَحْظُورَةٌ لِغَيْرِهَا وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِنَفْسِهَا حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِهَا الثَّوَابَ الْجَزِيلَ الْآجِلَ فَمَا ظَنُّك بِالْقَلِيلِ الْعَاجِلِ وَهُوَ الْمِلْكُ فِي الدُّنْيَا قَالَ ﵀
(وَإِنْ غَلَبْنَا عَلَيْهِمْ فَمَنْ وَجَدَ مِلْكَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ مَجَّانًا وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ) أَيْ إنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَالَهُ الَّذِي أَخَذَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ تُقَسَّمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ الْمُشْرِكِينَ أَحْرَزُوا نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِدَارِهِمْ ثُمَّ وَقَعَتْ فِي الْغَنِيمَةِ فَخَاصَمَ فِيهَا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ فَقَالَ ﵊ إنْ وَجَدْتهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهِيَ لَك بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْتهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهِيَ لَك بِالْقِيمَةِ إنْ شِئْت فَعَلَى» هَذَا يُحْمَلُ كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَخْلَصَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ ثُمَّ رَدَّهُ إلَى أَصْحَابِهِ وَلِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ زَالَ مِلْكُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ نَظَرًا لَهُ غَيْرَ أَنَّ فِي الْأَخْذِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ضَرَرًا بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ الْخَاصِّ فَيَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالشَّرِكَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَامًّا فَيَقِلُّ الضَّرَرُ فَيَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ قَالَ ﵀
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُمْ بَاقِيًا لَصَارُوا أَغْنِيَاءَ بِهِ) أَيْ وَلَيْسَ مَنْ يَمْلِكُ مَالًا وَهُوَ فِي مَكَان لَا يَصِلُ إلَيْهِ فَقِيرًا بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِابْنِ السَّبِيلِ وَلِذَا عُطِفُوا عَلَيْهِمْ فِي نَصِّ الصَّدَقَةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ «﵊ هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ») قَالَ الْكَمَالُ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُونَ مِمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ «قِيلَ لَهُ ﵊ فِي الْفَتْحِ أَيْنَ تَنْزِلُ بِمَكَّةَ فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ» وَرُوِيَ «أَتَنْزِلُ غَدًا بِدَارِك فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ» وَإِنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّ عَقِيلًا كَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ فَإِنَّ عَقِيلًا إنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَى الرِّبَاعِ بِإِرْثِهِ إيَّاهَا مِنْ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ تَوَفَّى وَتَرَك عَلِيًّا وَجَعْفَرًا مُسْلِمَيْنِ وَعَقِيلًا وَطَالِبًا كَافِرَيْنِ فَوِرْثَاهُ إلَّا أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلِمَا هَاجَرَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا فَمَلَكُوهَا بِالِاسْتِيلَاءِ اهـ.
قَالَ الْكَمَالُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِنَا وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ مَلَكُوهَا وَلِلْجُمْهُورِ أَوْجُهٌ مِنْ النَّقْلِ وَالْمَعْنَى ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ الِاسْتِيلَاءُ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ يَعْنِي الِاسْتِيلَاءُ الْكَائِنُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَاسْتِيلَائِنَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ مَا تَمَّ لَنَا الْمِلْكُ فِيهِ إلَّا لِهَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا أَيْ كَوْنُهُ مُبَاحًا إذْ ذَاكَ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ ثَبَتَتْ عَلَى مَنَاطِ الدَّلِيلِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْأَمْوَالِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا تَثْبُتُ ضَرُورَةَ تَمَكُّنِ الْمُحْتَاجِ مِنْ الِانْتِفَاعِ فَإِذَا زَالَتْ الْمُكْنَةُ مِنْ الِانْتِفَاعِ عَادَ مُبَاحًا وَزَوَالُهَا عَلَى التَّحْقِيقِ وَالْيَقِينِ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ فَإِنَّ الْإِحْرَازَ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَامًّا وَهُوَ الِاقْتِدَارُ عَلَى الْمَحَلِّ حَالًا وَمَآلًا بِالْإِدْخَارِ إلَى وَقْتِ حَاجَتِهِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا أَحْرَزْنَا أَمْوَالَهُمْ لَا تَزُولُ أَمْلَاكُهُمْ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ وَمُكْنَةَ الِانْتِفَاعِ ثَابِتَةٌ مَعَ اتِّحَادِ الدَّارِ وَالْمِلَّةِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ بِالشَّكِّ. اهـ. (قَوْلُهُ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْتِيلَاءَهُمْ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُمْ) فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالِاسْتِيلَاءِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَالتَّمَلُّكُ بِالْقَهْرِ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ السَّبِيلِ قُلْنَا النَّصُّ تَنَاوَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُمْ بِالِاسْتِيلَاءِ وَحَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ لَا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الْمِلْكِ فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَيُعِيدُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ مَعَ زَوَالِ مِلْكِهِ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبَعْدِهَا بِالْقِيمَةِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَأْخُذُونَ فِي الْوَجْهَيْنِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لِلْكُفَّارِ عِنْدَهُ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ) هَذَا إذَا كَانَ قِيَمِيًّا فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَوَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَا يَأْخُذُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِهِ بِمِثْلِهِ فَلَا يُشْرَعُ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. اهـ. مَبْسُوطٌ قَالَ النَّاطِفِيُّ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْأَجْنَاسِ سَأَلْت شَيْخَنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيَّ هَلْ يُورَثُ حَقُّ أَخْذِ الْجَارِيَةِ الْمَأْسُورَةِ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ مَنْصُوصًا وَقَدْ وَجَدْت ذَلِكَ مَنْصُوصًا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي عَبْدٍ أُسِرَ فَمَاتَ مَوْلَاهُ ثُمَّ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ فَلِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ إمْلَاءً رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَقُولُ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ الْمَوْلَى حَتَّى مَاتَ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ سَبِيلٌ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشُّفْعَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالشَّرِكَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَامَّةٌ) أَيْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ اهـ فَلَا يُصِيبُ كُلُّ فَرْدٍ مَا يُبَالِي بِفَوْتِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الضَّرَرُ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ فَيَقِلُّ الضَّرَرُ) أَيْ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى الْغَانِمِينَ. اهـ. (قَوْلُهُ فَيَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ) أَيْ أَوْ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا كَانَ عَامًّا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْمِلْكِ وَلِهَذَا أَوْرَدَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْغَانِمِينَ لَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً مِنْ
стр. 888
(وَبِالثَّمَنِ لَوْ اشْتَرَاهُ تَاجِرٌ مِنْهُمْ) أَيْ لَوْ اشْتَرَى مَا أَخَذَهُ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ تَاجِرٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَخَذَهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِثَمَنِهِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ التَّاجِرُ مِنْ الْعَدُوِّ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ لَتَضَرَّرَ التَّاجِرُ فَيَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ الْعَدُوُّ لِمُسْلِمٍ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا إذْ مِلْكُهُ فِيهِ ثَابِتٌ فَلَا يُزَالُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا فَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَأْخُذُهُ بَعْدَهَا وَكَذَا إذَا كَانَ مَوْهُوبًا وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ التَّاجِرُ شِرَاءً فَاسِدًا وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ اشْتَرَاهُ صَحِيحًا بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَأَخَذَهُ بِمِثْلِهِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهُ التَّاجِرُ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْهُ قَدْرًا أَوْ بِأَرْدَأَ مِنْهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ وَلَا يَكُونُ رِبًا لِأَنَّهُ يَسْتَخْلِصُ مِلْكَهُ وَيُعِيدُهُ إلَى مَا كَانَ فَصَارَ فِدَاءً لَا عِوَضًا قَالَ ﵀
(وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ وَأَخَذَ أَرْشَهُ) أَيْ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ التَّاجِرُ وَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ فِي يَدِ التَّاجِرِ وَأَخَذَ التَّاجِرُ وَهُوَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ أَرْشَهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّظَرِ وَلَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ فِي مِلْكٍ صَحِيحٍ بَعْدَ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَتْ مَقْصُودَةً بِالْإِتْلَافِ بِخِلَافِ الْمَشْفُوعِ لِأَنَّ شِرَاءَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا الشَّفِيعِ مَكْرُوهٌ وَمِلْكُهُ يُنْقَضُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ وَفِيهِ تُضْمَنُ الْأَوْصَافُ مُطْلَقًا لِكَوْنِ الْمِلْكِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ فَكَذَا فِي الْمَشْفُوعِ إذَا كَانَتْ مَقْصُودَةً بِالْإِتْلَافِ حَتَّى لَوْ هَدَمَ الْمُشْتَرِي بِنَاءَهُ أَوْ قَلَعَ شَجَرَهُ يَسْقُطُ عَنْ الشَّفِيعِ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَفِي الْمُرَابَحَةِ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْأَوْصَافُ حَتَّى لَا يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً بَعْدَ مَا أَتْلَفَهَا مَقْصُودًا لِكَوْنِهَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْأَمَانَةِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَلِأَنَّ مَا يُعْطِيه الْمَالِكُ الْقَدِيمُ فِدَاءً وَلَيْسَ بِبَدَلٍ فِي حَقِّهِ وَالْفِدَاءُ لَا يُقَابَلُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَوْصَافِ وَلِهَذَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ لَمْ يَنْقُصْ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ وَلِأَنَّ الْأَخْذَ لِلْمَالِكِ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْمَغْنَمِ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ بِعُمُومِ الشَّرِكَةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ حَيْثُ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ بِلَا شَيْءٍ يَتَضَرَّرُ الْمَالِكُ الْجَدِيدُ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ نَصِيبِهِ فِي الْمَغْنَمِ فَيَفُوتُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ فَلِاعْتِدَالِ النَّظَرِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَثْبَتَنَا حَقَّ الْأَخْذِ لَكِنْ بِالْقِيمَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ) أَيْ وَالْقَوْلُ فِي الثَّمَنِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ كَذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَلَّكُ عَلَيْهِ مَالُهُ بِمَا يُقِرُّ هُوَ بِهِ كَالْمُشْتَرِي مَعَ الشَّفِيعِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ. اهـ. كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ) أَيْ التَّاجِرُ اهـ (قَوْلُهُ أَخَذَهُ) أَيْ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا) أَيْ مَا أَخَذَهُ الْكُفَّارُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اهـ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا كَانَ) أَيْ الْمِثْلِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ) أَيْ الْمِثْلِيَّ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ اشْتَرَاهُ صَحِيحًا بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا) أَيْ لَا يَأْخُذُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَيْضًا إذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ الْكُفَّارُ مِنَّا وَأَحْرَزُوهُ بِدَرَاهِم مُشْتَرِي بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يُعْطِيَ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ جَيِّدَةٍ وَيَأْخُذُ عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ جَيِّدَةً إلَّا إذَا اشْتَرَى بِخِلَافِ الْجِنْسِ وَإِلَّا إذَا اشْتَرَى بِالْأَقَلِّ قَدْرًا أَوْ بِالْأَرْدَأِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ لِوُجُودِ الْفَائِدَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ بَارِدٍ أَمَّنَهُ) أَيْ أَوْ بِخِلَافِ جِنْسِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَأَخَذَ أَرْشَهَا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَبْدٍ لِرَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْرَجَهُ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فَأَخَذَ الْمَوْلَى أَرْشَهَا ثُمَّ جَاءَ الْمَوْلَى الْأَوَّلُ بِكَمْ يَأْخُذُ الْعَبْدَ قَالَ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْعَدُوِّ وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ بِدَرَاهِم عِنْدَنَا وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ ثُمَّ إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ عَبْدًا مَأْسُورًا مِنْ الْعَدُوِّ صَحَّ شِرَاؤُهُ فَإِذَا صَحَّ شِرَاؤُهُ صَحَّ مِلْكُهُ فِي الْعَبْدِ لَكِنْ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ حَقُّ أَخْذِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إنْ شَاءَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْمُشْتَرِي لِحَدِيثِ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ وَقَدْ مَرَّ قَبْلَ هَذَا وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مَجَّانًا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ لَكِنْ لَيْسَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ أَحَقُّ بِالرَّقَبَةِ لِإِعَادَةِ الْعَبْدِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ وَالْأَرْشُ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي صَحِيحًا وَلَيْسَ فِيهِ الْإِعَادَةُ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ وَمَعَ هَذَا لَوْ أَخَذَ الْأَرْشَ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَرْشَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ قُتِلَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي خَطَأً فَأَخَذَ قِيمَتَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ سَبِيلٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَهَكَذَا هُنَا وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ رِبًا وَهُوَ حَرَامٌ ثُمَّ إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْأَرْشَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُطَّ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ بِسَبَبِ فَقْءِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الْعَيْنَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ صِفَةُ الْكَمَالِ فِي الذَّاتِ وَالْأَوْصَافِ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَقَدْ فَاتَ الْوَصْفُ فِي مِلْكٍ صَحِيحٍ وَبِذَهَابِهِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ أَلَا تَرَى لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَذَهَبَتْ يَدُهُ أَوْ عَيْنُهُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الْوَصْفِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ حَيْثُ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلِهَذَا إذَا اسْتَهْلَكَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْ بِنَاءِ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الشُّفْعَةُ يَسْقُطُ مِنْ الشَّفِيعِ حِصَّتُهُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا كَانَ وَاجِبُ الرَّدِّ إلَى الشَّفِيعِ بِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَيْهِ صَارَ كَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَالْوَصْفُ فِيهِ مَضْمُونٌ لِأَنَّهُ وَاجِبُ الرَّدِّ كَمَا فِي الْغَصْبِ فَكَذَا فِيهَا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمِلْكَ صَحِيحٌ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَحَصَلَ الْفَرْقُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَوْلَى يَسْقُطُ عَنْهُ حِصَّةُ الْأَرْشِ مِنْ الْفِدَاءِ فَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْحِصَّةِ إذَا اسْتَهْلَكَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْ الْبِنَاءِ يُقَالُ فَقَأْت عَيْنَهُ أَيْ أَخْرَجْتهَا فَهِيَ مَفْقُوءَةٌ. اهـ. (قَوْله فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَبْضَيْنِ وَاجِبُ
стр. 889
فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ «إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَالثَّمَنُ» اسْمٌ لِجَمِيعِهِ فَلَا يُنْقَصُ وَلَا يَأْخُذُ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ الْأَرْشَ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي فِي الْأَرْشِ صَحِيحٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَلَوْ أَخَذَهُ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ فَلَا يُفِيدُ وَلَوْ أَخْرَجَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ عَنْ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِذَلِكَ الْعِوَضِ إنْ كَانَ مَالًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالٍ كَالصُّلْحِ عَنْ دَمٍ أَوْ هِبَةٍ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ وَلَا يُنْقَضُ تَصَرُّفُهُ بِخِلَافِ الشَّفِيعِ لِأَنَّ حَقَّهُ قَبْلَ حَقِّ الْمُشْتَرِي فَيُنْقَضُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِهِ قَالَ ﵀
(فَإِنْ تَكَرَّرَ الْأَسْرُ وَالشِّرَاءُ أَخَذَهُ الْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي بِثَمَنِهِ ثُمَّ الْقَدِيمُ بِالثَّمَنَيْنِ) مَعْنَاهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّجُلِ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ تَاجِرٌ فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ ثَانِيًا فَأَدْخَلُوهُ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بِثَمَنِهِ ثَانِيًا لِأَنَّ الْأَسْرَ وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ خِيَارُ الْأَخْذِ لَهُ ثُمَّ إذَا أَخَذَهُ هُوَ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِالثَّمَنَيْنِ إنْ شَاءَ أَيْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْأَوَّلُ مِنْ الْحَرْبِيِّ اشْتَرَاهُ بِهِ الثَّانِي مِنْ الْحَرْبِيِّ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلَ قَامَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِالتَّخْلِيصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَلَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسْرَ الثَّانِي لَمْ يَرِدْ عَلَى مِلْكِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ غَائِبًا وَهُوَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ ثَانِيًا لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ مِنْ التَّاجِرِ الثَّانِي لَيْسَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ ثَبَتَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي ضِمْنِ عَوْدِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعُدْ مِلْكُهُ الْقَدِيمُ وَإِنَّمَا مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ الْجَدِيدِ مِنْهُ قَالَ ﵀
(وَلَا يَمْلِكُونَ حُرَّنَا وَمُدَبَّرَنَا وَأُمَّ وَلَدِنَا وَمُكَاتَبَنَا وَنَمْلِكُ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ) يَعْنِي بِالْغَلَبَةِ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ إلَّا فِي مَحَلِّهِ وَهَؤُلَاءِ مِنَّا لَيْسُوا بِمَحَلٍّ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلْمِلْكِ هُوَ الْمَالُ وَهُمْ لَيْسُوا بِمَالٍ إذْ الْحُرُّ مَعْصُومٌ بِنَفْسِهِ وَكَذَا غَيْرُهُ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ قَدْ ثَبَتَتْ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ رِقَابِهِمْ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ عِصْمَتَهُمْ جَزَاءً عَلَى جِنَايَتِهِمْ وَجَعَلَهُمْ أَرِقَّاءَ وَلَا جِنَايَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ نَدَّ إلَيْهِمْ جَمَلٌ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ) لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ فَإِذَا أَخَذَهُ أَحَدٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مَغْنُومًا أَوْ مُشْتَرٍ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى التَّفَاصِيلِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَبَقَ إلَيْهِمْ قِنٌّ لَا) أَيْ لَا يَمْلِكُونَهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا يَمْلِكُونَهُ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لِحَقِّ الْمَوْلَى ضَرُورَةَ تَمَكُّنِهِ مِنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
النَّقْضِ كُرْهًا لَحِقَ الشَّرْعِ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ وَالثَّانِي بِالتَّخْلِيصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي) أَيْ فَلَا يَحُطُّ مِنْ ذَلِكَ صِيَانَةً لَحِقَهُ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ غَائِبًا) أَيْ لَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ حَضْرَتِهِ. اهـ. كَافِي وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَخَذَهُ لَا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ضِمْنِ عَوْدِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُتَضَمِّنُ لَا يَثْبُتُ مَا فِي ضِمْنِهِ. اهـ. دِرَايَةٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يَمْلِكُونَ حُرَّنَا وَمُدَبَّرَنَا وَأُمَّ وَلَدِنَا وَمُكَاتَبَنَا) وَفَائِدَتُهُ أَنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُ هَؤُلَاءِ بِلَا شَيْءٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا وَكَذَا إنْ اشْتَرَى رَجُلٌ وَاحِدًا مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ اسْتِيلَائِهِمْ يَأْخُذُهُ الْمَوْلَى بِلَا شَيْءٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ كُلَّ مَا يُمْلَكُ بِالْمِيرَاثِ يُمْلَكُ بِالْأَسْرِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَهَذَا لِأَنَّ سَبَبَ التَّمَلُّكِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا إذَا اتَّصَلَ بِالْمَحَلِّ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَسْبَابِ فَلَمْ يَتَّصِلْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا فَلَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُرَّ مَعْصُومٌ بِنَفْسِهِ وَمَا بَعْدَهُ لَيْسُوا بِمَحَلٍّ لَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ الْحُرِّيَّةَ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنَّ نَتَمَلَّكَهُمْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ قَدْ ثَبَتَتْ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ أَيْ فِيمَنْ سِوَى الْحُرِّيَّةِ لَا يُقَالُ إذَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ نَمْلِكُ جَمِيعَهُمْ حُرًّا كَانَ أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكُوا أَيْضًا عَلَيْنَا كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْقِنِّ لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ تَمَلُّكُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا جَازَ تَمَلُّكُنَا عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُنَا عَلَى أَحْرَارِنَا وَمُدَبَّرِينَا وَمُكَاتَبِينَا وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِنَا بِالْعُقُودِ فَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُمْ أَيْضًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ نَدَا) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ نَدَا الْبَعِيرُ نَدًّا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَنِدَادًا بِالْكَسْرِ وَنَدِيدًا ذَهَبَ وَنَفَرَ عَلَى وَجْهِهِ شَارِدًا فَهُوَ نَادٍ وَالْجَمْعُ نَوَادٍ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ أَبَقَ إلَيْهِمْ قِنٌّ إلَخْ) قَالَ فِي الْكَافِي وَلَهُ أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ الِاسْتِيلَاءُ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ وَهَذَا لِأَنَّ لَهُ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ وَمَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْحِفْظِ وَالتَّصَرُّفِ وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَ مَا وَهَبَ لَهُ تَتِمُّ الْهِبَةُ وَإِذَا اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ لِرَجُلٍ لَمْ يَمْلِكْ الْمَوْلَى حَبْسَهُ بِالثَّمَنِ إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ يَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لِظُهُورِ يَدِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ فَإِذَا زَالَتْ يَدُ سَيِّدِهِ بِانْفِصَالِهِ عَنْ دَارِنَا ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَرَفَعَتْ يَدُهُ ثُبُوتَ يَدِ الْكَفَرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِيلَاءُ فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ أَيْ الْمُسْلِمُ. اهـ. هِدَايَةٌ قَوْلُهُ لِمُسْلِمٍ هَذَا قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ ذِمِّيًّا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ أَبَقَ مَا نَصُّهُ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَقَتَلَ فِي لُغَةٍ وَالْأَكْثَرُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ. اهـ. مِصْبَاحٌ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ قِنٍّ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْقِنُّ الرَّقِيقُ يُطْلَقُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ فَيُقَالُ عَبْدُ قِنٌّ وَأَمَةُ قِنٌّ وَعَبِيدُ قِنٍّ بِالْإِضَافَةِ وَبِالْوَصْفِ أَيْضًا وَرُبَّمَا يُجْمَعُ عَلَى أَقْنَانٍ وَأَقِنَّةٍ وَهُوَ الَّذِي مُلِكَ هُوَ وَأَبُوهُ وَأَمَّا مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَيَسْتَعْبِدُ فَهُوَ عَبْدُ مَمْلَكَةٍ اهـ وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَالْقِنُّ مِنْ الْعَبِيدِ الَّذِي مُلِكَ هُوَ وَأَبَوَاهُ وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ وَقَدْ جَاءَ قِنَانٍ وَأَقْنَانٍ وَأَقِنَّةٍ وَأَمَّا أَمَةٌ قِنَّةٌ فَلَمْ أَسْمَعْهُ وَعَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَبْدٌ قِنٌّ أَيْ خَالِصُ الْعُبُودَةِ وَعَلَى ذَا صَحَّ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهِ خِلَافَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَالَا يَمْلِكُونَهُ) لَهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ إذَا وُجِدَ سَبَبُهُ وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ التَّمَلُّكِ وَهُوَ اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِ فَيَمْلِكُونَهُ وَلِهَذَا يَمْلِكُونَ الْآبِقَ الْمُتَرَدِّدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْعَبْدَ الْمَأْذُونَ بِالدُّخُولِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَحْرَزَ وَهُمَا بِدَارِهِمْ
стр. 890
الِانْتِفَاعِ بِهِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ زَالَتْ وَلِهَذَا الْمَعْنَى إذَا أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكُوهُ فَصَارَ كَالْجَمَلِ النَّادِّ إلَيْهِمْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ آدَمِيٌّ ذُو يَدٍ صَحِيحَةٍ حَتَّى إذَا أَوْدَعَ وَدِيعَةً لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى حَقُّ الْقَبْضِ وَكَذَا إذَا اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْلَى لَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَحْبِسَهُ فَيَكُونُ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا لَا يَظْهَرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِتَحَقُّقِ يَدِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ فَظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَصَارَ مَعْصُومًا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ لِقِيَامِ أَهْلِ الدَّارِ عَلَيْهِ فَيُمْنَعُ ظُهُورُ يَدِهِ وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَلَكَهُ الِابْنُ بِالْهِبَةِ وَلَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ لَا يَمْلِكُهُ بِخِلَافِ الْبَعِيرِ النَّادِّ لِأَنَّ الْعَجْمَاءَ لَيْسَ لَهَا يَدٌ فَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى يَمْلِكُهَا مَنْ أَخَذَهَا وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ فِي الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَأْخُذُهُ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ يَعْنِي بِغَيْرِ شَيْءٍ مَغْنُومًا كَانَ أَوْ مُشْتَرًى أَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ مَنْ فِي يَدِهِ أَوْ بَعْدَ مَا صَارَ ذِمِّيًّا وَلَكِنْ إنْ وَجَدَهُ مَغْنُومًا بَعْدَ الْقِسْمَةِ يُعَوِّضُ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إعَادَةُ الْقِسْمَةِ لِتَفَرُّقِ الْغَانِمِينَ وَتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمَالِكِ جُعْلُ الْآبِقِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بِزَعْمِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ مَلَكَهُ سَوَاءٌ كَانَ غَازِيًا أَوْ مُشْتَرِيًا قَالَ ﵀
(وَلَوْ أَبَقَ بِفَرَسٍ وَمَتَاعٍ فَاشْتَرَى رَجُلٌ كُلَّهُ مِنْهُمْ أَخَذَ الْعَبْدَ مَجَّانًا وَغَيْرَهُ بِالثَّمَنِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَأْخُذُ الْعَبْدَ أَيْضًا بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِي كُلِّ فَرْدٍ مَغْنُومًا أَوْ مُشْتَرًى فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَالِكُ الْمَتَاعَ أَيْضًا بِغَيْرِ شَيْءٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ يَدُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ ظَهَرَتْ عَلَى الْمَالِ لِانْقِطَاعِ يَدِ الْمَوْلَى عَنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَدُ الْعَبْدِ أَسْبَقُ مِنْ يَدِ الْكُفَّارِ فَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ قُلْنَا ظَهَرَتْ يَدُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ الرِّقُّ فَكَانَتْ ظَاهِرَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَجَعَلْنَاهَا ظَاهِرَةً فِي حَقِّ نَفْسِهِ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ فِي حَقِّ الْمَالِ قَالَ ﵀
(وَإِنْ ابْتَاعَ مُسْتَأْمِنٌ عَبْدًا مُؤْمِنًا وَأَدْخَلَهُ دَارَهُمْ أَوْ أَمَّنَّ عَبْدٌ ثَمَّةَ فَجَاءَنَا أَوْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فَصَارَ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهِ كَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى الدَّابَّةِ الْمُنْفَلِتَةِ إلَيْهِمْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَبْدَ كَمَا انْفَصَلَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِظُهُورِ يَدِهِ كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى اسْتِعْمَالِ آلَاتِهِ وَصَرْفِ مَنَافِعِهِ إلَى حَيْثُ يُرِيدُهُ فِي مَصَالِحِهِ فَإِذَا ظَهَرَتْ يَدُ الْعَبْدِ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى وَفَاتَتْ قُدْرَةُ انْتِفَاعِهِ بِالْعَبْدِ لِلتَّنَافِي بَيْنَ يَدِ الْمَوْلَى وَيَدِ الْعَبْدِ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَحَلِّ تَصَرُّفًا كَيْفَ شَاءَ وَيَدُ الْعَبْدِ كَذَلِكَ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ الْوَاحِدُ مَصْرُوفًا إلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَلَمَّا ظَهَرَتْ يَدُ الْعَبْدِ مَنَعَ ذَلِكَ يَدَ أَهْلِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَهَا تَمْنَعُ أَهْلَ الْحَرْبِ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْآبِقِ الْمُتَرَدِّدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ فِي يَدِ مَوْلَاهُ حُكْمًا لِأَنَّ الِاقْتِدَارَ عَلَى الْمَحَلِّ قَائِمٌ بِالطَّلَبِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الدَّارِ فَلَمْ تَظْهَرْ يَدُ الْعَبْدِ وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِالدُّخُولِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى قَائِمَةٌ حُكْمًا أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى صَارَتْ يَدُهُ يَدَ نِيَابَةٍ عَنْ الْمَوْلَى إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الْآبِقِ لِأَنَّهُ لَمَا أَبَقَ تَمَرَّدَ عَلَى مَوْلَاهُ وَصَارَ غَاصِبًا مِلْكَ مَوْلَاهُ كَمَا انْفَصَلَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَوْلَى يَدٌ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَبَطَلَ الْقِيَاسُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَبَقَ أَمَّا لَوْ ارْتَدَّ الْعَبْدُ فَدَخَلَ دَارَهُمْ فَأَخَذُوهُ. يَمْلِكُهُ الْكُفَّارُ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ فَظَهَرَتْ يَدُهُ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ الْعَبْدُ كَمَا انْفَصَلَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ يَقَعُ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الدَّارَيْنِ مَوْضِعٌ آخَرُ فَمِنْ أَيْنَ تَظْهَرُ يَدُ الْعَبْدِ إذَا انْفَصَلَ عَنْ دَارِنَا فَلَوْ كَانَ تَظْهَرُ يَدُهُ لَعَتَقَ كَعَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ وَالْتَحَقَ بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الدَّارَيْنِ مَوْضِعٌ بَلْ بَيْنَ الدَّارَيْنِ مَوْضِعٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُمَا فَإِذَا وَصَلَ الْعَبْدُ إلَيْهِ ظَهَرَتْ يَدُهُ فَمَنَعَ يَدَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتِقْ لِأَنَّ مِنْ ظُهُورِ يَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَلْزَمُ زَوَالُ مِلْكِ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ لِمَا ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ صَارَ غَاصِبًا مِلْكَ الْمَوْلَى وَجَائِزٌ أَنْ تُوجَدَ الْيَدُ بِلَا مِلْكٍ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْمِلْكَ لِلْمَوْلَى وَالْيَدَ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ وَالْتَحَقَ بِعَسْكَرِنَا لِأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ الْحَرْبِيِّ وَهُوَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَيَمْلِكُهُ فَلَمَّا مَلَكَهُ زَالَ مِلْكُ الْمَوْلَى فَلَمَّا زَالَ الْمِلْكُ عَتَقَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّدِ) الَّذِي يَدُورُ فِي دَارِنَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ عَتَقَ (قَوْلُهُ الْعَجْمَاءُ) الْعَجْمَاءُ الْبَهِيمَةُ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عَجْمَاءُ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ فَهُوَ أَعْجَمُ وَمُسْتَعْجَمٌ وَيُقَالُ صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ لِأَنَّهُ لَا يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ كَذَا فِي مُجْمَلِ اللُّغَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ يُعَوَّضُ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ) أَيْ قِيمَتُهُ. اهـ. كَافِي.
(قَوْلُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ لِأَنَّ نَصِيبَهُ قَدْ اسْتَحَقَّ فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ لَكَانَ إجْحَافًا وَلَوْ لَزِمَ الْعِوَضُ عَلَى الْمَالِكِ مَعَ اسْتِمْرَارِ مِلْكِهِ لَكَانَ إضْرَارًا بِهِ وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ عَلَى شُرَكَائِهِ فِي الْغَنِيمَةِ لِتَفَرُّقِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ يُعَوِّضُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ نَوَائِبِهِمْ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَضُلَ شَيْءٌ يَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ كَلُؤْلُؤَةٍ تُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِذَا لَحِقَ غَرِمَ يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْغَازِي أَوْ التَّاجِرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ قُلْنَا إلَخْ) قُلْت غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ يَدَهُ ظَهَرَتْ عَلَى نَفْسِهِ بِالِانْفِصَالِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ظُهُورِ الْيَدِ ثُبُوتُ الْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ مَالٌ مَعْصُومٌ لِمُسْلِمٍ فَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ فَيَبْقَى الْمِلْكُ فِي يَدِ الْعَبْدِ كَمَا كَانَ لِصَاحِبٍ الْمِلْكِ فَيَمْلِكُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ بِالْإِحْرَازِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِي حَقِّ الْمَالِ) وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ لِأَنَّ اسْتِيلَاءَ الْعَبْدِ عَلَى الْمَالِ حَقِيقَةً وُجِدَ وَهُوَ مَالٌ مُبَاحٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ اسْتِيلَاءَ الْكُفَّارِ كَمَا فِي الصَّيْدِ. اهـ. دِرَايَةٌ قَوْلُهُ وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ أَقُولُ فِي هَذَا التَّأَمُّلِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ وَالْمَمْلُوكُ لَا يُمْلَكُ. اهـ.
стр. 891
عَتَقَ) أَيْ إذَا اشْتَرَى كَافِرٌ مُسْتَأْمِنٌ عَبْدًا مُؤْمِنًا وَأَدْخَلَهُ دَارَهُمْ أَوْ أَمَّنَّ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ عَتَقَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا وَدَخَلَ بِهِ دَارَهُمْ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْإِزَالَةِ كَانَ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ وَقَدْ انْتَهَى ذَلِكَ بِالدُّخُولِ فِي دَارِهِمْ لِعَجْزِ الْإِمَامِ عَنْ الْإِلْزَامِ فَبَقِيَ فِي يَدِهِ عَبْدًا عَلَى مَا كَانَ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَا تُنَافِي الْمِلْكَ بَلْ الْإِدْخَالُ فِيهَا سَبَبُ الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسَرُوا عَبْدًا مُؤْمِنًا وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ مَلَكُوهُ ابْتِدَاءً فَالِاسْتِدَامَةُ أَوْلَى لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ اسْتَحَقَّ الْإِزَالَةَ عَنْ مِلْكِ الْكَافِرِ بِالْبَيْعِ كَيْ لَا يَبْقَى تَحْتَ ذُلِّهِ وَلَا يَذْهَبُ مَالُهُ بِلَا عِوَضٍ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِمَا أَنَّ لِمَالِ الْمُسْتَأْمِنِ حُرْمَةً كَمَالِ الذِّمِّيِّ وَإِذَا عَادَ إلَى دَارِهِمْ سَقَطَتْ عِصْمَةُ مَالِهِ وَعَجَزَ الْقَاضِي عَنْ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَعَنْ إعْتَاقِهِ عَلَيْهِ إذْ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ عَلَى مَنْ فِي دَارِهِمْ فَأُقِيمَ إحْرَازُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مَقَامَ الْقَضَاءِ بِالْعِتْقِ إقَامَةً لِلشَّرْطِ مَقَامَ الْعِلَّةِ إذْ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ شَرْطٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ فِي الْجُمْلَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا سُبِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِالتَّبَايُنِ وَالْقِيَاسُ عَلَى مَنْ أَدْخَلُوهُ دَارَهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَنْ وَجَبَ إزَالَتُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَاَلَّذِي أَدْخَلُوهُ فِي دَارِهِمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ قَبْلَهُ حَتَّى تَجِبَ إزَالَتُهُ وَإِنَّمَا مَلَكُوهُ بَعْدَ دُخُولِهِ دَارَهُمْ فَافْتَرَقَا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ وَكَذَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَاشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فِي دَارِهِمْ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَهُمَا أَنَّ الْعِتْقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَعْتَمِدُ زَوَالَ الِاخْتِصَاصِ وَلَمْ يُوجَدْ إذْ قَهْرُ الْبَائِعِ زَالَ إلَى قَهْرِ الْمُشْتَرِي فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ قَهْرَ الْبَائِعِ زَالَ حَقِيقَةً وَالْحَاجَةُ إلَى ثُبُوتِ قَهْرِ الْمُشْتَرِي ابْتِدَاءً وَفِي الْمَحَلِّ مَا يُنَافِيه فَلَا يَثْبُتُ وَلِأَنَّ إسْلَامَهُ يَقْتَضِي زَوَالَ قَهْرِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الْخِطَابُ بِالْإِزَالَةِ فَأُقِيمَ مَا لَهُ أَثَرٌ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ مَقَامَ الْإِزَالَةِ هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا أَمَّنَّ عَبْدَ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ «أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الطَّائِفِ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ قَالَ «سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرُدَّ إلَيْنَا أَبَا بَكْرَةَ وَكَانَ مَمْلُوكًا فَأَسْلَمَ قَبْلَنَا فَقَالَ لَا هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ طَلِيقُ رَسُولِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ «خَرَجَ عَبْدَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ الصُّلْحِ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَوَالِيهمْ فَقَالُوا وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ مَا خَرَجُوا إلَيْك رَغْبَةً فِي دِينِك وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنْ الرِّقِّ فَقَالَ نَاسٌ صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رُدَّهُمْ إلَيْهِمْ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا أَرَاكُمْ تَنْتَهُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هَذَا وَإِنِّي لَنْ أَرُدَّهُمْ وَقَالَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِالْخُرُوجِ إلَيْنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ وَبِالِالْتِحَاقِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرُوا عَلَى الدَّارِ وَاعْتِبَارُ يَدِهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ يَدِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهَا أَسْبَقُ ثُبُوتًا عَلَى نَفْسِهِ وَالْحَاجَةُ فِي حَقِّهِ إلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ وَفِي حَقِّهِمْ إلَى إثْبَاتِ الْيَدِ ابْتِدَاءً فَكَانَتْ يَدُهُ أَوْلَى
وَلَوْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ عَبْدًا حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يُخَلِّهِ أَيْ قَالَ لَهُ أَخْذًا بِيَدِهِ أَنْتَ حُرٌّ لَا يُعْتَقُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ وَالْعَبْدُ عِنْدَهُ فَهُوَ مِلْكُهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يُعْتَقُ لِصُدُورِ رُكْنِ الْعِتْقِ مِنْ أَهْلِهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إعْتَاقِهِ عَبْدًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي مَحَلِّهِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ مُعْتِقٌ بِلِسَانِهِ مُسْتَرِقٌّ بِبَنَانِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمِلْكَ كَمَا يَزُولُ يَثْبُتُ بِاسْتِيلَاءٍ جَدِيدٍ وَهُوَ أَخْذُهُ لَهُ بِيَدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ عَبْدًا لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ التَّمَلُّكِ بِالِاسْتِيلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَقَالَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ) فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا خَرَجَ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ يَكُونُ حُرًّا وَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ عَلَى دَارِهِمْ بَعْدَ إسْلَامِ الْعَبْدِ يَكُونُ حُرًّا لِأَنَّهُ لِمَا الْتَحَقَ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَارَ كَأَنَّهُ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَكُونُ عَبْدًا لِلْغُزَاةِ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يَمْلِكُوهُ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ يَحْتَاجُ أَنْ يُحْرِزَ نَفْسَهُ لِيَنَالَ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ وَإِحْرَازُهُ أَسْبَقُ مِنْ إحْرَازِهِمْ فَصَارَ أَوْلَى لِأَنَّهُ صَارَ صَاحِبَ يَدٍ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَا يُؤَكِّدُ يَدَهُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى إثْبَاتِ الْيَدِ ابْتِدَاءً فَكَانَ اعْتِبَارُ يَدِهِ أَوْلَى قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ مِنْ أَحَدٍ لِأَنَّ هَذَا عِتْقٌ حُكْمِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَيْنَا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى الدَّارِ لَمْ يُعْتَقْ إلَّا إذَا عَرَضَهُ الْمَوْلَى عَلَى الْبَيْعِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ عَتَقَ الْعَبْدُ قَبِلَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ لِأَنَّ الْعَبْدَ اسْتَحَقَّ حَقَّ الْعَتَاقِ بِالْإِسْلَامِ لَكِنَّا نَحْتَاجُ إلَى سَبَبٍ آخَرَ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ وَلَمَّا عَرَضَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَلَأَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِزَوَالِهِ إلَى عَبْدِهِ أَوْلَى لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ حَقُّ الزَّوَالِ وَعَبْدُهُ اسْتَحَقَّ حَقَّ الزَّوَالِ إلَى هُنَا لَفْظُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ مُرَاغِمًا) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَقَدْ رَاغَمَهُ إذَا فَارَقَهُ عَلَى رَغْمِهِ وَمِنْهُ إذَا خَرَجَ مُرَاغِمًا أَيْ مُغَاضِبًا اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ مُرَاغِمًا لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ إلَيْنَا غَيْرَ مُرَاغِمٍ فَهُوَ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ يَبِيعُهُ الْإِمَامُ وَيَقِفُ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ فَصَارَ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي دَخَلَ بِهِ مُسْتَأْمِنًا إلَى دَارِنَا كَذَا فِي الْإِيضَاحِ. اهـ. دِرَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا فِي الْمَجْمَعِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ. اهـ.
стр. 892
(بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ) قَالَ ﵀ (دَخَلَ تَاجِرُنَا ثَمَّةَ حَرُمَ تَعَرُّضُهُ لِشَيْءٍ مِنْهُمْ) أَيْ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانِ مُسْلِمٌ تَاجِرٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الْغَدْرِ» عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ إلَّا إذَا غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُهُمْ بِأَخْذِ الْأَمْوَالِ أَوْ الْجَيْشُ أَوْ غَيْرُهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِهِ فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ حِينَئِذٍ كَالْأَسِيرِ وَالْمُتَلَصِّصِ فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ وَقَتْلُ نُفُوسِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ فُرُوجَهُمْ فَإِنَّ الْفُرُوجَ لَا تَحِلُّ إلَّا بِالْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ عَلَى مَا بَيَّنَّا إلَّا إذَا وَجَدَ امْرَأَتَهُ الْمَأْسُورَةَ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ مُدَبَّرَتِهِ وَلَمْ يَطَأْهُنَّ أَهْلُ الْحَرْبِ لِأَنَّهُنَّ لَا يَمْلِكُهُنَّ أَهْلُ الْحَرْبِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَهُنَّ بَاقِيَاتٌ عَلَى مِلْكِهِ غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إنْ وَطِئُوهُنَّ يَكُونُ شُبْهَةً فِي حَقِّهِنَّ فَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْعِدَّةُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ بِخِلَافِ أَمَتِهِ الْمَأْسُورَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا الْحَرْبِيُّ لِأَنَّهَا مَلَكُوهَا فَصَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِمْ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهَا بِشَيْءٍ إنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ وَلَمْ يُنْتَقَضْ الْأَمَانُ وَيَجُوزُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِزَوْجَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرَتِهِ لِمَا ذَكَرْنَا
قَالَ ﵀ (فَلَوْ أَخْرَجَ شَيْئًا مَلَكَهُ مِلْكًا مَحْظُورًا) (فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) يَعْنِي لَوْ غَدَرَهُمْ وَأَخَذَ شَيْئًا وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ مِلْكًا مَحْظُورًا لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ وَالْحَظْرُ لِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ الْمَشْرُوعِيَّةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ كَالِاصْطِيَادِ بِقَوْسٍ مَغْصُوبٍ غَيْرَ أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ الْغَدْرِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ خُبْثًا فِيهِ فَيُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ
قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَدَانَهُ حَرْبِيٌّ أَوْ أَدَانَ حَرْبِيًّا أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَخَرَجَا إلَيْنَا لَمْ يَقْضِ بِشَيْءٍ) أَيْ التَّاجِرُ الَّذِي دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ إذَا أَدَانَهُ حَرْبِيٌّ أَيْ بَاعَهُ بِالدَّيْنِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَخَرَجَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحَاكَمَا عِنْدَ حَاكِمٍ لَمْ يَقْضِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَسْتَدْعِي الْوِلَايَةَ وَيَعْتَمِدُهَا وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ أَصْلًا إذْ لَا قُدْرَةَ لِلْقَاضِي فِيهِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ فِي حَقِّ أَحْكَامٍ يُبَاشِرُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْغَصْبُ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبٌ يُفِيدُ الْمِلْكَ لِأَنَّهُ اسْتِيلَاءٌ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَصَارَ كَالْإِدَانَةِ فَإِذَا مَلَكَهُ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ بِالْحُكْمِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ]
ِ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ الِاسْتِيلَاءِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمَحَلِّ قَهْرًا وَغَلَبَةً شَرَعَ فِي بَابِ الِاسْتِئْمَانِ لِأَنَّ طَلَبَ الْأَمَانِ إنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يَكُونُ فِيهِ قَهْرٌ وَقَدَّمَ اسْتِئْمَانَ الْمُسْلِمِ تَعْظِيمًا لَهُ اهـ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: حَرُمَ تَعَرُّضُهُ لِشَيْءٍ مِنْهُمْ) أَيْ وَهَذَا لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مَكَّنُوهُ مِنْ الدُّخُولِ فِي دَارِهِمْ بَعْدَ الِاسْتِئْمَانِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِذَا تَعَرَّضَ لِذَلِكَ كَانَ غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ لِمَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السِّيَرِ الصَّغِيرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا بَعَثَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً أَوْصَى صَاحِبَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَأَوْصَاهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ اُغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» الْحَدِيثُ فِيهِ طُولٌ وَرَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَوْ غَدَرَ التَّاجِرُ بِهِمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَأَحْرَزَهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكَهَا مِلْكًا مَحْظُورًا إلَّا أَنَّ الْمَحْظُورَ لَا يُنَافِي وُقُوعَ الْمِلْكِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ وَقَدْ شَرَطَ بِالِاسْتِئْمَانِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ فَالتَّعَرُّضُ بَعْدَهُ غَدْرٌ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ إلَّا إذَا غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُهُمْ) أَيْ بِالتُّجَّارِ مَلِكُ أَهْلِ الْحَرْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ) أَيْ هُمْ الَّذِينَ يَعْنِي الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِهِ اهـ (قَوْلُهُ فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ حِينَئِذٍ كَالْأَسِيرِ) قَالَ فِي الْكَافِي بِخِلَافِ الْأَسِيرِ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ وَإِنْ أَطْلَقُوهُ طَوْعًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمِنٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الِالْتِزَامُ بِعَقْدٍ أَوْ عَهْدٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْحَظْرُ لِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ الْمَشْرُوعِيَّةَ) يَعْنِي أَنَّ مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْحَظْرُ جَاءَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَالِ وَهُوَ الْأَمَانُ فَلَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ سَبَبِ الْمِلْكِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ أَدَانَهُ حَرْبِيٌّ) الْإِدَانَةُ الْبَيْعُ بِالدَّيْنِ وَالِاسْتِدَانَةُ الِابْتِيَاعُ بِالدَّيْنِ اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ أَصْلًا) أَيْ لَا عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ وَلَا عَلَى الْحَرْبِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ فِي حَقِّ أَحْكَامٍ يُبَاشِرُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فَلَمَّا انْتَفَتْ الْوِلَايَةُ لَمْ يَقْضِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ بِدُونِ الْوِلَايَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَكِنَّهُ يُفْتِي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقْضِيَ اهـ أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَقِّ أَحْكَامٍ يُبَاشِرُهَا مَا نَصُّهُ الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ فِي حَقِّ حُكْمٍ يُبَاشِرُهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْغَصْبُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ لَا يَقْضِي لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّ غَصْبَ أَحَدِهِمَا مَالَ صَاحِبِهِ صَادَفَ مَالًا لَا عِصْمَةَ لَهُ فِي حَقِّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ فَإِذَا اسْتَوْلَى أَحَدُهُمَا عَلَى مَالِ الْآخَرِ فَقَدْ مَلَكَهُ وَلَا يُحْكَمُ بِالرَّدِّ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُسْتَأْمِنَ لَمَّا غَصَبَ مَالَهُمْ صَارَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ لِأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ فَيُؤْمَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ لِيَرْتَفِعَ الْغَدْرُ اهـ
стр. 893
وَلَكِنْ يُفْتِي الْمُسْلِمَ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَيَأْمُرُهُ بِهِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْأَمَانِ أَنْ لَا يَغْدِرَهُمْ وَهَذَا غَدْرٌ وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي بِالدَّيْنِ عَلَى الْمُسْلِمِ دُونَ الْغَصْبِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ حَيْثُ كَانَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ يَحْكُمُ عَلَيْهِمَا بِالدَّيْنِ فَكَذَا هَذَا وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ امْتَنَعَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَيْضًا تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا قَالَ ﵀ (وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا حَرْبِيِّينَ وَفَعَلَا ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْمَنَا) لِمَا ذَكَرْنَا
قَالَ ﵀ (وَإِنْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ قَضَى بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا لَا بِالْغَصْبِ) يَعْنِي الْحَرْبِيَّيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ بَعْدَ مَا أَدَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ غَصَبَ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَقْضِي بِالدَّيْنِ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً لِوُقُوعِ الْمُدَايَنَةِ بِتَرَاضِيهِمَا وَلِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ حَالَةَ الْقَضَاءِ لِالْتِزَامِهِمَا الْأَحْكَامَ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا لَا يَقْضِي بِالْغَصْبِ لِأَنَّ الْغَاصِبَ مَلَكَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ وُرُودِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ وَلَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ لِأَنَّ مِلْكَ الْحَرْبِيِّ بِالْغَصْبِ صَحِيحٌ لَا خَبَثَ فِيهِ وَإِطْلَاقُ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمِنِ إذَا غَصَبَ مِنْهُمْ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ لِخَبَثٍ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْخِيَانَةِ وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ لِمَا بَيَّنَّا
قَالَ ﵀ (مُسْلِمَانِ مُسْتَأْمَنَانِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ) أَيْ مُسْلِمَانِ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الْعَمْدِ عِنْدَنَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ أَمَّا الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ لَا تَبْطُلُ بِالدُّخُولِ الْعَارِضِ بِالْأَمَانِ وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الصِّيَانَةِ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ تَرْكِهَا وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَالْقِصَاصُ قَدْ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الدِّيَةِ صِيَانَةً لِلدَّمِ الْمَعْصُومِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِدُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ لَا تَبْطُلُ عِصْمَتُهُ وَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ كَانَ وَالْقِصَاصُ حَقُّ الْوَلِيِّ يَنْفَرِدُ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ فَيَسْتَوْفِيه قُلْنَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِمَنَعَةٍ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُقَاوِمُ الْقَاتِلَ ظَاهِرًا وَلَا مَنَعَةَ دُونَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَجِبْ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْوُجُوبِ بِدُونِ الِاسْتِيفَاءِ فَصَارَ كَالْحَدِّ وَلِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ إبَاحَةٍ لِلدَّمِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً مُسْقِطَةً لِلْعُقُوبَةِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ صُورَةِ الْإِبَاحَةِ يَكْفِي لِسُقُوطِ الْعُقُوبَةِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِقَوْلِهِ اُقْتُلْنِي
قَالَ ﵀ (وَلَا شَيْءَ فِي الْأَسِيرَيْنِ سِوَى الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ كَقَتْلِ مُسْلِمٍ مُسْلِمًا أَسْلَمَ ثَمَّةَ) يَعْنِي إذَا قَتَلَ أَحَدُ الْأَسِيرَيْنِ الْآخَرَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ سِوَى الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ وَكَذَا إذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ مُسْتَأْمَنٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ مَعْصُومًا مُتَقَوِّمًا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْأَسْرِ الْعَارِضِ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالدُّخُولِ لِدَارِهِمْ بِأَمَانٍ بَلْ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا وَالْمُسْتَأْمَنُ بِاخْتِيَارِهِ وَعَدَمُ الْقِصَاصِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْمَنَعَةُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَسِيرَ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ بِالْقَهْرِ حَتَّى صَارَ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ كَعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا أَتْبَاعًا لَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا كَانَ تَبَعًا لَهُمْ فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ كَأَصْلِهِ وَهُوَ الْحَرْبِيُّ فَصَارَ كَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَقَتْلِ مُسْلِمٍ مُسْلِمًا أَسْلَمَ ثَمَّةَ أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ أَنْ لَا يَغْدِرَهُمْ) غَدَرَ بِهِ غَدْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ نَقَضَ عَهْدَهُ. اهـ. مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ فِيهِ بِالْأَخْذِ اهـ قَالَ فِي الْكَافِي وَالْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَالْقَاضِي يَقْضِي عَلَى الْمُسْلِمِ بِالدَّيْنِ وَقَوْلُهُمَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا فَصَارَ كَمَا لَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ إلَيْنَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَدْيُونَ إذَا كَانَ حَرْبِيًّا لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِذَلِكَ فَإِذَا كَانَ مُسْلِمًا وَجَبَ أَنْ لَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَيْضًا لَا لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ وَلَكِنْ لِتَحْقِيقِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَإِنَّ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ فِي أَنْ يَبْطُلَ حَقُّ أَحَدِهِمَا بِلَا مُوجِبٍ لِوُجُوبِ إبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ بِمُوجِبٍ بَلْ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِقَامَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ أَيْ ضَعْفُ هَذَا الْجَوَابِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكَذَلِكَ) أَيْ لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ فِي صُورَةِ الْإِدَانَةِ وَالْغَصْبِ جَمِيعًا اهـ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَفَعَلَا ذَلِكَ) أَيْ أَدَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا مَالَ الْآخَرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَأَمَّا الْقَوَدُ فَلَا يَجِبُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ لِمَا بَيَّنَّا. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُقَاوِمُ الْقَاتِلَ ظَاهِرًا) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ لِسُقُوطِهِ بِعَارِضٍ مُقَارِنٍ لِلْقَتْلِ يَنْقَلِبُ كَقَتْلِ الرَّجُلِ ابْنَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِقَوْلِهِ اُقْتُلْنِي) ذَكَرَ الشَّارِحُ ﵀ فِي بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ لَوْ قَالَ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَلَا يَصِحُّ إذْنُهُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْوَرَثَةِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمْ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالْقَتْلِ خَطَأً فَإِنَّهُ قَتْلٌ وَلَيْسَ يَجِبُ بِهِ قِصَاصٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْمَعْنَى أَيْضًا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَقَتْلِ مُسْلِمٍ مُسْلِمًا أَسْلَمَ ثَمَّةَ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ هُنَاكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ
стр. 894
فِي الْخَطَأِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.
فَكَذَا هَذَا لِبُطْلَانِ الْإِحْرَازِ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُمْ فِي دَرَاهِمِ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا الْمُسْتَأْمِنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْهُورٍ فَيُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْمُسْلِمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ عَمْدًا وَتَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِ خَطَأً لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً لِوُجُودِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» أَثْبَتَ الْعِصْمَةَ بِالْإِسْلَامِ لَا غَيْرُ وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ نِعْمَةً وَكَرَامَةً فَتَتَعَلَّقُ بِمَا لَهُ أَثَرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَةِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَهَذَا لِأَنَّ الْعِصْمَةَ أَصْلُهَا الْمُؤَثِّمَةُ لِحُصُولِ أَصْلِ الزَّجْرِ بِهَا وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِالْإِسْلَامِ ثَابِتَةٌ بِهِ حَتَّى يَأْثَمَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْمُقَوِّمَةُ كَمَالٌ فِيهَا لِيَحْصُلَ كَمَالُ الِامْتِنَاعِ لِأَنَّ بَعْضَ السُّفَهَاءِ لَا يَتْرُكُ التَّعَرُّضَ لَهُ إلَّا بِالْمُقَوِّمَةِ خَوْفًا مِنْ التَّبِعَةِ فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ وَصْفًا لَهَا فَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَصْلُ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] جَعَلَ التَّحْرِيرَ كُلَّ الْمُوجِبِ رُجُوعًا إلَى حَرْفِ الْفَاءِ فَإِنَّهَا لِلْجَزَاءِ وَهُوَ الْكِفَايَةُ أَوْ إلَى كَوْنِهِ كُلَّ الْمَذْكُورِ فَيَنْتَفِي غَيْرُهُ كَمَا انْتَفَى فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى.
وَهَذَا لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ فِي الْقَتْلِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ فَأَوْجَبَ أَوَّلًا فِي الْمُؤْمِنِ الْمُطْلَقِ دِيَةً وَكَفَّارَةً ثُمَّ أَوْجَبَ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا كَفَّارَةً ثُمَّ أَوْجَبَ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ دِيَةً وَكَفَّارَةً فَلَا يُزَادُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَصْلَ الْعِصْمَةِ بِالْإِسْلَامِ بَلْ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا لِأَنَّهُ خُلِقَ لِإِقَامَةِ الدِّينِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِعِصْمَةِ نَفْسِهِ بِأَنَّ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ أَحَدٌ وَإِبَاحَةُ قَتْلِهِ عَارِضٌ بِسَبَبِ إفْسَادِهِ بِالْقِتَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَا يُقَاتِلُ مِنْ الْكُفَّارِ كَالذِّمِّيِّ وَذَرَارِيِّ الْحَرْبِيِّ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ لِعَدَمِ الْإِفْسَادِ، وَالْمُقَوِّمَةُ تَحْصُلُ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّمِّيَّ مَعَ كُفْرِهِ يَتَقَوَّمُ بِالْإِحْرَازِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلْإِسْلَامِ فِي تَحْصِيلِ الْعِصْمَةِ لِأَنَّ الدِّينَ مَا وُضِعَ لِاكْتِسَابِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا وُضِعَ لِاكْتِسَابِ الْآخِرَةِ وَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ مَعْصُومَةً بِالْآدَمِيَّةِ فَالْمَالُ يَتْبَعُهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَحَمُّلِ أَعْبَاءِ التَّكَالِيفِ وَإِنْ خُلِقَ عُرْضَةً فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَا يُقَدَّرُ إلَّا بِهِ فَيَكُونُ مَعْصُومًا بِعِصْمَتِهِ وَأَمَّا الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ فَالْأَصْلُ فِيهَا لِلْأَمْوَالِ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ يُؤْذِنُ بِجَبْرِ الْفَائِتِ بِالتَّمَاثُلِ فَيَسُدُّ مَسَدَّهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي النَّفْسِ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْمَالِ فَكَانَتْ النُّفُوسُ تَابِعَةً لِلْأَمْوَالِ فِيهَا ثُمَّ الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ فِي الْأَمْوَالِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ مَعَ كَوْنِهِ أَصْلًا فِيهَا فَفِي النَّفْسِ أَوْلَى لِأَنَّهَا تَبَعٌ فِيهَا وَلَيْسَ فِيمَا رَوَاهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ لِأَنَّهُمْ عَصَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَرْكِ الْقِتَالِ وَلِهَذَا لَمْ يُعْصَمُوا بِهِ بِغَيْرِ تَرْكِهِ وَنَظِيرُهُ أَدَاءُ الْجِزْيَةِ يَعْصِمُ الْكَافِرُ بِهِ نَفْسَهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْإِفْسَادَ عِنْدَ أَدَائِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(فَصْلٌ) قَالَ ﵀ (لَا يُمَكَّنُ مُسْتَأْمَنٌ فِينَا سَنَةً وَقِيلَ لَهُ إنْ أَقَمْت سَنَةً وُضِعَ عَلَيْك الْجِزْيَةُ) أَيْ إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا سَنَةً وَيَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ إنْ أَقَمْت سَنَةً كَامِلَةً وُضِعَتْ عَلَيْك الْجِزْيَةُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةٍ دَائِمَةٍ فِي دَارِنَا إلَّا بِاسْتِرْقَاقٍ أَوْ جِزْيَةٍ لِأَنَّهُ يَبْقَى ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِكَوْنِهِ عَيْنًا لَهُمْ وَعَوْنَا عَلَيْنَا وَيُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ الْيَسِيرَةِ لِأَنَّ فِي مَنْعِهَا قَطْعَ الْمَنَافِعِ مِنْ الْمِيرَةِ وَالْجَلَبِ وَسَدِّ بَابِ التِّجَارَاتِ كُلِّهَا فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِسَنَةٍ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ ثُمَّ إنْ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ بَعْدَ مَقَالَةِ الْإِمَامِ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ قَالَ ﵀ (فَإِنْ مَكَثَ سَنَةً فَهُوَ ذِمِّيٌّ) لِالْتِزَامِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ لَا دِيَةَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ أُضَمِّنُهُ الدِّيَةَ وَأَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ الْكَفَّارَةَ وَأَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ وَأَدَعُ الْقِيَاسَ وَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ لِأَجْلِ إسْلَامِهِ وَكَوْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَنْفِي تَقَوُّمَ دَمِهِ كَالتَّاجِرِ وَوَجْهُ الظَّاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ اهـ (قَوْلُهُ خَوْفًا مِنْ التَّبِعَةِ) التَّبِعَةُ وِزَانُ كَلِمَةٍ مَا تَطْلُبُهُ مِنْ ظُلَامَةٍ وَنَحْوِهَا. اهـ. مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ أَوْجَبَ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا كَفَّارَةً) فَإِنْ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢] الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَاغِي فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا وَالشَّافِعِيُّ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْبَاغِي أَيْضًا قُلْت الْمُرَادُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ وَقَدْ دَلَّ إطْلَاقُ اسْمِ الْعَدُوِّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَدُوَّ الْمُطْلَقَ لَنَا هُوَ الْكَافِرُ لَا الْبَاغِي فَإِنَّ الْبَاغِيَ إنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا مِنْ حَيْثُ الدُّنْيَا لَكِنْ مِنْ قَوْمٍ أَصْدِقَاءَ لَنَا مِنْ حَيْثُ الدِّينُ وَالدَّارُ وَالْكَافِرُ عَدُوُّنَا دِينًا وَدَارًا. اهـ.
[فَصْلٌ إقَامَة الْمُسْتَأْمَنُ فِي دارنا إقَامَة دائمة]
(فَصْلٌ) قَوْلُهُ (لِكَوْنِهِ عَيْنًا لَهُمْ) الْعَيْنُ جَاسُوسُ الْقَوْمِ كَذَا فِي الْجَمْهَرَةِ وَالْعَوْنُ الظَّهِيرُ عَلَى الْأَمْرِ وَالْجَمْعُ أَعْوَانٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ فَيَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَيُنْهِي الْخَبَرَ إلَى دَارِهِمْ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ الْمِيرَةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الطَّعَامُ يَمْتَارُهُ الْإِنْسَانُ فَأَمَّا الْمِئْرَةُ بِالْهَمْزِ فَهِيَ النَّمِيمَةُ قَالَ فِي الْجَمْهَرَةِ وَكُلُّ شَيْءٍ جَلَبْته مِنْ إبِلٍ وَخَيْلٍ وَسَائِرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانِ لِلتِّجَارَةِ فَهُوَ جَلَبٌ وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَإِنْ مَكَثَ سَنَةً) أَيْ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ إلَيْهِ أَيْ قَوْلُهُ لَهُ مَا يَعْتَمِدُ فِي ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ. اهـ. كَمَالٌ وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ فِي مَنْعِهِ الْعَوْدَ إذَا أَقَامَ سَنَةً وَبِهِ صَرَّحَ الْعَتَّابِيُّ فَقَالَ لَوْ أَقَامَ سَنَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فَلَهُ الرُّجُوعُ قِيلَ وَلَفْظُ الْمَبْسُوطِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الْإِمَامِ لَيْسَ شَرْطًا لِصَيْرُورَتِهِ ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ قَالَ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فَيَأْمُرَهُ إلَى أَنْ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ مُدَّةً فَالْمُعْتَبَرُ الْحَوْلُ
стр. 895
الْجِزْيَةَ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ لَا مِنْ وَقْتِ دُخُولِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إذَا رَأَى كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ فَإِذَا أَقَامَهَا بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ ذِمِّيًّا وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا عِنْدَ إقَامَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَنَةً وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الْإِمَامُ مُدَّةً فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْحَوْلُ لِأَنَّهُ لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ وَالْحَوْلُ حَسَنٌ لِذَلِكَ كَمَا فِي تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ ثُمَّ إذَا صَارَ ذِمِّيًّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ لَهُ اسْتَأْنَفَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ لِحَوْلٍ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ مَكَثَ سَنَةً أَخَذَهَا مِنْهُ فَيَأْخُذَهَا مِنْهُ حِينَئِذٍ كُلَّمَا تَمَّتْ السَّنَةُ
قَالَ ﵀ (فَلَمْ يُتْرَكْ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ كَمَا لَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجَ أَوْ نَكَحَتْ ذِمِّيًّا لَا عَكْسُهُ) يَعْنِي لَا يُتْرَكُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَمَا مَكَثَ فِي دَارِنَا سَنَةً كَمَا لَا يُتْرَكُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ بَعْدَمَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَوْ إذَا تَزَوَّجَتْ الْحَرْبِيَّةُ ذِمِّيًّا لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِذَلِكَ ذِمِّيَّةً لِالْتِزَامِهَا الْمَقَامَ مَعَهُ لَا عَكْسُهُ وَهُوَ مَا إذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيَّةً لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ ذِمِّيًّا لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ الْمَقَامَ فِي دَارِنَا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ طَلَاقِهَا فَلَا يُمْنَعُ إذَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِذَا صَارَ ذِمِّيًّا يُمْنَعُ لِأَنَّ فِي عَوْدِهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ بِعَوْدِهِ حَرْبًا عَلَيْنَا وَبِتَوَالُدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَطْعِ الْجِزْيَةِ وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ أَرْضِ الْخَرَاجِ حَتَّى يُوضَعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهَا وَحَكَمَ الشَّرْعُ فِيهَا بِوُجُوبِ الْخَرَاجِ صَارَ مُلْتَزِمًا حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَالْمُرَادُ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ الْتِزَامُهُ بِمُبَاشَرَةِ الزِّرَاعَةِ أَوْ تَعْطِيلِهَا عَنْهَا مَعَ التَّمَكُّنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الشِّرَاءَ قَدْ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ فَلَا يَدُلُّنَا عَلَى الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الزِّرَاعَةُ أَوْ تَرْكُ الْأَرْضِ عَلَى مِلْكِهِ إلَى أَوَانِ الْخَرَاجِ فَدَلِيلٌ عَلَى الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهِ وَمَنْعِهِ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ حَتَّى إذَا لَزِمَهُ الْخَرَاجُ تَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ لِسَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ لِصَيْرُورَتِهِ ذِمِّيًّا بِلُزُومِهِ وَقَوْلُهُ أَوْ نَكَحَتْ ذِمِّيًّا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَصِيرُ ذِمِّيَّةً بِنَفْسِ التَّزَوُّجِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِلرَّجُلِ فِي السُّكْنَى حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا حَيْثُ شَاءَ وَتَصِيرُ مُقِيمَةً بِإِقَامَتِهِ فَتَصِيرُ رَاضِيَةً بِالْمَقَامِ مَعَهُ فِي دَارِنَا فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً بِمُجَرَّدِ التَّزَوُّجِ وَقَوْلُهُ لَا عَكْسُهُ أَيْ لَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ ذِمِّيَّةً لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا لِانْعِكَاسِ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا
قَالَ ﵀ (فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِمْ وَلَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِمَا حَلَّ دَمُهُ) أَيْ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ دَيْنًا عَلَيْهِمَا حَلَّ دَمُهُ بِالْعَوْدِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ أَمَانَهُ بِهِ فَعَادَ حَرْبِيًّا وَمَا كَانَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ أَوْ الذِّمِّيِّينَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَامُ التَّنَاوُلِ لِأَنَّ حُكْمَ أَمَانِهِ فِي حَقِّ مَالِهِ لَا يَبْطُلُ قَالَ ﵀ (فَإِنْ أُسِرَ أَوْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلَ سَقَطَ دَيْنُهُ وَصَارَتْ وَدِيعَتُهُ فَيْئًا) أَمَّا الْوَدِيعَةُ فَلِأَنَّهَا فِي يَدِهِ حُكْمًا لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِهِ تَقْدِيرًا فَتَصِيرُ فَيْئًا تَبَعًا لِنَفْسِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُودَعِ لِأَنَّ يَدَهُ فِيهَا أَسْبَقُ فَكَانَ بِهَا أَحَقَّ وَأَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّ الْيَدَ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْمُطَالَبَةِ وَقَدْ بَطَلَتْ لِبُطْلَانِ مَالِكِيَّتِهِ إذْ مَمْلُوكِيَّتُهُ بِالْأَسْرِ تُنَافِي مَالِكِيَّتَهُ الدَّيْنَ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مَمْلُوكًا لَهُ صَارَ مِلْكًا لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِأَنَّ يَدَهُ أَسْبَقُ إلَيْهِ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ وَلَا طَرِيقَ لِجَعْلِهِ فَيْئًا لِأَنَّ الْفَيْءَ هُوَ الَّذِي يُمْلَكُ قَهْرًا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِقَوْلِهِ إنْ أَقَمْتَ طَوِيلًا مَنَعْتُك مِنْ الْعَوْدِ فَإِنْ أَقَامَ سَنَةً مَنَعَهُ وَفِي هَذَا اشْتَرَطَ التَّقَدُّمَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ لَهُ مُدَّةً خَاصَّةً وَالْوَجْهُ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ وَلَا أَنْ يُؤَقِّتَ مُدَّةً قَلِيلَةً كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْحَقَهُ عُسْرٌ بِتَقْصِيرِ الْمُدَّةِ جِدًّا خُصُوصًا إذَا كَانَ لَهُ مُعَامَلَاتٌ يَحْتَاجُ فِي اقْتِضَائِهَا إلَى مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ نَكَحَتْ ذِمِّيًّا) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا دَخَلَتْ حَرْبِيَّةٌ بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا صَارَتْ ذِمِّيَّةً قَالَ الْأَتْقَانِيُّ اعْلَمْ أَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا تَصِيرُ ذِمِّيَّةً تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ الْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى دَارِهِمْ وَأَخْذِ الْخَرَاجِ مِنْ أَرْضِهَا وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ الْتِزَامُهُ بِمُبَاشَرَةِ الزِّرَاعَةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ وَالزِّرَاعَةِ حَتَّى لَوْ بَاعَ الْأَرْضَ قَبْلَ وُجُوبِ الْخَرَاجِ لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا وَبِهِ صَرَّحَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشَّامِلِ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا إذَا وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَرْضِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ لِسَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ مِنْ وَقْتِ وَضْعِ الْخَرَاجِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إذَا وَضَعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجَ أَيْ وَظَّفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا وَظَّفَ عَلَيْهِ فَقَدْ لَزِمَهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَقَامِ فِي دَارِنَا فَصَارَ فِي ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا ثُمَّ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَكَذَا لَوْ لَزِمَهُ عُشْرٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٌ إذَا اشْتَرَى أَرْضًا عُشْرِيَّةً يَكُونُ ذِمِّيًّا أَيْضًا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِنْ مُؤَنِ الْأَرْضِ وَلَوْ اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ أَرْضَ الْعُشْرِ صَارَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَكُونُ ذِمِّيًّا إذَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الْخَرَاجَ وَهِيَ وَأَرْضُ الْخَرَاجِ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ الْحَرْبِيُّ أَرْضَ خَرَاجٍ فَزَرَعَهَا وَخَرَاجُهَا عَلَى صَاحِبِهَا لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا إلَّا إذَا كَانَتْ أَرْضًا بِالْمُقَاسَمَةِ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ فَزَرَعَهَا الْحَرْبِيُّ بِقَدْرِهَا فَحَكَمَ الْإِمَامُ بِالْخَرَاجِ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِ الْأَرْضِ يَكُونُ ذِمِّيًّا فَيُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجُ رَأْسِهِ وَلَا يَنْظُرُ إلَى مِلْكِ الرَّجُلِ بَلْ إلَى وُجُوبِ الْخَرَاجِ وَلِهَذَا إذَا ادَّعَى الْحَرْبِيُّ أَرْضَ خَرَاجٍ بِالْمُقَاسَمَةِ فَآجَرَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى مَا رَآهُ الْإِمَامُ فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَنَعَهُ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ) أَيْ وَجَرَيَانُ الْقِصَاصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَضَمَانُ الْمُسْلِمِ قِيمَةَ خَمْرِهِ وَخِنْزِيرِهِ إذَا أَتْلَفَهُ وَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ خَطَأً وَوُجُوبُ كَفِّ الْأَذَى عَنْهُ فَتَحْرُمُ غِيبَتُهُ كَمَا تَحْرُمُ غِيبَةُ الْمُسْلِمِ فَضْلًا عَمَّا يَفْعَلُهُ السُّفَهَاءُ مِنْ صَفْعِهِ وَشَتْمِهِ فِي الْأَسْوَاقِ ظُلْمًا
стр. 896
وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ عَلَى التَّحْقِيقِ بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُوبِ تَمْلِيكِ الْمَالِ فَلَمْ يَكُنْ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِكِهِ اسْتِيلَاءً عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ رَهْنٌ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَأْخُذُهُ الْمُرْتَهِنُ بِدَيْنِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُبَاعُ وَيُوَفَّى بِثَمَنِهِ الدَّيْنُ وَالْفَاضِلُ لِبَيْتِ الْمَالِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ قُتِلَ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ أَوْ مَاتَ فَقَرْضُهُ وَوَدِيعَتُهُ لِوَرَثَتِهِ) لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَاقٍ لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ فَيُرَدُّ عَلَى وَرَثَتِهِ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ نَفْسَهُ لَمَّا كَانَتْ مَغْنُومَةً تَبِعَهَا مَالُهُ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ مُودَعِهِ كَيَدِهِ وَهُنَا نَفْسُهُ لَمْ تَصِرْ مَغْنُومَةً فَكَذَا مَالُهُ فَكَأَنَّهُ مَاتَ وَالْمَالُ فِي يَدِهِ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَالُهُ فَيْئًا كَمَا إذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ يَكُونُ فَيْئًا فَلَا تَكُونُ يَدُ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمُودِعِ قُلْنَا يَدُ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَالْعِصْمَةُ مَا كَانَتْ ثَابِتَةً فِي الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ لِمَا أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِدَارِ عِصْمَةٍ فَلَا تَصِيرُ مَعْصُومَةً بِالشَّكِّ وَفِي هَذِهِ الْعِصْمَةُ كَانَتْ ثَابِتَةً فِيهَا وَقْتَ الْإِيدَاعِ إذْ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارُ عِصْمَةٍ وَلَمْ يُظْهَرْ عَلَى دَارِهِمْ فَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا مَعْصُومَةً فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ
قَالَ ﵀ (وَإِنْ جَاءَنَا حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَلَهُ زَوْجَةٌ ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (وَوَلَدٌ) أَيْ صِغَارٌ وَكِبَارٌ (وَمَالٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَحَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ هُنَا ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ فَالْكُلُّ فَيْءٌ) أَمَّا الْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهُ وَمَا فِي بَطْنِهَا وَالْعَقَارُ فَلِمَا بَيَّنَّا فِي بَابِ الْغَنَائِمِ وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّ الصَّغِيرَ إنَّمَا يَتْبَعُ أَبَاهُ وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ وَمَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ وَأَمْوَالُهُ لَمْ تَصِرْ مُحْرَزَةً بِإِحْرَازِ نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَبَقِيَ الْكُلُّ فَيْئًا وَغَنِيمَةً وَلَوْ سُبِيَ الصَّبِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَصَارَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ إخْرَاجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا لِمَا بَيَّنَّا مِنْ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ ثُمَّ هُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَوْنُهُ مُسْلِمًا لَا يُنَافِي الرِّقَّ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَجَاءَنَا) أَيْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (فَظُهِرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ (فَوَلَدُهُ الصَّغِيرُ حُرٌّ مُسْلِمٌ وَمَا أَوْدَعَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لَهُ وَغَيْرُهُ فَيْءٌ) وَهُوَ أَوْلَادُهُ الْكِبَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَقَارُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَبِعَهُ أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ لِاتِّحَادِ الدَّارِ وَإِحْرَازِ مَا فِي يَدِهِ أَوْ وَدِيعَةً عِنْدَ مَنْ ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ فِي يَدٍ صَحِيحَةٍ مُحْتَرَمَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُودَعًا عِنْدَ حَرْبِيٍّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْغَنَائِمِ فِي حَرْبِيٍّ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ إذْ الْإِسْلَامُ حَصَلَ فِيهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكُلُّ حُكْمٍ عُرِفَ فِي تِلْكَ فَهُوَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ
قَالَ ﵀ (وَمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ حَرْبِيًّا جَاءَنَا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْإِمَامِ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً فَتَتَنَاوَلُهَا النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِلْإِمَامِ إنَّ الْأَخْذَ لَهُ لِيَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ النَّظَرِ قَالَ ﵀ (وَفِي الْعَمْدِ الْقَتْلُ أَوْ الدِّيَةُ لَا الْعَفْوُ) أَيْ لَوْ قَتَلَ عَمْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ قِصَاصًا أَوْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَعُدْوَانًا. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ اسْتِيلَاءً عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الدَّيْنِ اهـ
(قَوْلُهُ فَالْكُلُّ فَيْءٌ) أَيْ غَنِيمَةٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ لِأَنَّ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ قَاطِعٌ لِلْعِصْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] أَمَّا الزَّوْجَةُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ فَلِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ بِالْبُلُوغِ وَأَمَّا الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَكُونُوا فِي يَدِهِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُعْتَبَرُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِأَبِيهِمْ فَصَارُوا فَيْئًا أَيْضًا وَكَذَا الْجَنِينُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْأُمِّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَكَذَا وَدِيعَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ حِينَ فَارَقَ دَارَ الْحَرْبِ كَانَ الْمَالُ مَالَ حَرْبِيٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ فِي دَارِنَا لَمْ يُحْرِزْهُ فَلَمْ تَثْبُتْ الْيَدُ عَلَيْهَا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَبَقِيَ الْمَالُ غَيْرَ مَعْصُومٍ فَكَانَ فَيْئًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَا أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ إلَخْ) قُيِّدَ بِالْإِيدَاعِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَصْبًا فِي أَيْدِيهِمْ يَكُونُ فَيْئًا لِعَدَمِ النِّيَابَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ فَيْئًا إلَّا مَا كَانَ غَصْبًا عِنْدَ حَرْبِيٍّ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. اهـ. كَاكِيٌّ وَقَوْلُهُ لِعَدَمِ النِّيَابَةِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْلَادُهُ الْكِبَارُ) أَيْ لَا زَوْجَتُهُ، وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ حَرْبِيُّونَ وَكَذَا مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأُمِّ اهـ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُودَعًا عِنْدَ حَرْبِيٍّ) أَيْ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِمُحْتَرَمَةٍ فَكَانَتْ فَيْئًا. اهـ.
(قَوْلُهُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْإِمَامِ) أَيْ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. اهـ. هِدَايَةُ قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَالْمُسْتَأْمَنُ لَمَّا أَسْلَمَ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِيَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ لِعَدَمِ الْوَارِثِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ لَا أَنَّهَا تَكُونُ مِلْكًا لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ لَوْ قُتِلَ عَمْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ قِصَاصًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَمَّا إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ إذَا رَضِيَ الْقَاتِلُ بِالدِّيَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ أَمَّا وُجُوبُ الْقِصَاصِ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» فَإِذَا كَانَ السُّلْطَانُ وَلِيًّا كَانَ لَهُ وِلَايَةُ أَخْذِ الْقِصَاصِ وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى الدِّيَةِ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا قُتِلَ رَأَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هُرْمُزَانَ وَفِي يَدِهِ خِنْجَرٌ فَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ عُمَرَ فَقَتَلَهُ فَلَمَّا وُلِّيَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِعُثْمَانَ اُقْتُلْ عُبَيْدَ اللَّهِ فَقَالَ عُثْمَانُ قُتِلَ أَبُوهُ بِالْأَمْسِ وَأَنَا أَقْتُلُهُ الْيَوْمَ لَا أَفْعَلُ وَلَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يَعْنِي أَنَّ هُرْمُزَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَنَا وَلِيُّهُ فَأَعْفُو عَنْهُ وَأُؤَدِّي دِيَتَهُ وَلِأَنَّ الدِّيَةَ أَنْفَعُ لِلْعَامَّةِ مِنْ الْقَوَدِ وَالْحَقُّ لِلْعَامَّةِ وَالْإِمَامُ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى الدِّيَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِأَنَّهُ اصْطِنَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا وِلَايَتُهُ بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَلَا نَظَرَ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ شَيْءٍ اهـ
стр. 897
الدِّيَةُ بِالصُّلْحِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ فَأَيُّهُمَا رَأَى أَصْلَحَ فَعَلَ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ مَجَّانًا لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّظَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَقِيطًا لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْقَاتِلَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ هُوَ يَقُولُ الْمَوْلُودُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَخْلُو عَنْ الْوَارِثِ غَالِبًا وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ أَوْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَكَانَ فِيهِ احْتِمَالُ عَدَمِ الْوِلَايَةِ لِلْإِمَامِ فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْقِصَاصُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَلَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَلِيِّ بِطَرِيقِ قِيَامِهِ مَقَامَ الْمَيِّتِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَالْمَجْهُولُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ فَلَا يَصْلُحُ وَلِيًّا فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَتَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَى السُّلْطَانِ أَوْ إلَى الْعَامَّةِ كَمَا فِي الْإِرْثِ وَلَا يُقَالُ تَرَدُّدُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ يُوجِبُ سُقُوطَ الْقِصَاصِ كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُتِلَ عَنْ وَفَاءٍ وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ السُّلْطَانُ هُنَا نَائِبٌ عَنْ الْعَامَّةِ فَصَارَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُكَاتَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ) قَالَ ﵀ (أَرْضُ الْعَرَبِ وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عُشْرِيَّةٌ) أَمَّا أَرْضُ الْعَرَبِ فَلِأَنَّهُ ﵊ وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ فَلَا يَثْبُتُ فِي أَرْضِهِمْ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي رِقَابِهِمْ وَهَذَا لِأَنَّ الْخَرَاجَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا عَلَى الْكُفْرِ كَمَا فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ وَمُشْرِكُو الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «آخِرُ مَا عَهِدَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَالَ لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَدُّهَا طُولًا مَا وَرَاءَ رِيفِ الْعِرَاقِ إلَى أَقْصَى صَخْرٍ بِالْيَمَنِ وَعَرْضًا مِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ السَّاحِلِ إلَى حَدِّ الشَّامِ، وَأَمَّا مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ
فَلِأَنَّ الْحَاجَةَ
إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرُ أَلْيَقُ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ حَتَّى يُصْرَفَ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ وَأَرْفَقُ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْخَرَاجِ لِتَعَلُّقِهِ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ
قَالَ ﵀ (وَالسَّوَادُ وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهِ أَوْ فُتِحَ صُلْحًا خَرَاجِيَّةٌ) لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ حِينَ فَتَحَ السَّوَادَ وَضَعَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَوَضَعَ عَلَى مِصْرَ حِينَ فَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الشَّامِ
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ
إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْخَرَاجُ أَلْيَقُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالتَّغْلِيظِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حَقِيقَةُ الْإِخْرَاجِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْعُشْرِ أَيْضًا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَوَصَلَ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ وَمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ وَاسْتُخْرِجَ مِنْهَا عَيْنٌ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ لِأَنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ مُعَلَّقَانِ بِالْأَرْضِ النَّامِيَةِ وَنَمَاؤُهَا بِمَائِهَا فَيُعْتَبَرُ السَّقْيُ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَوْ بِمَاءِ الْخَرَاجِ وَالْمُرَادُ بِالْأَنْهَارِ الْأَنْهَارُ الَّتِي احْتَفَرَتْهَا الْأَعَاجِمُ كَنَهْرِ يَزْدَجْرِدْ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةً لِأَنَّ الْأَنْهَارَ الْعِظَامَ كَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ فِيهَا خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ وَكَذَا مُرَادُهُ فِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَقِيطًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ لَقِيطًا فَقَتَلَهُ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ لِيَثْبُتَ الْمَالُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا وَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ صَالَحَهُ عَلَى الدِّيَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَلَا أَقْتُلُهُ مِنْ قِبَلَ أَنِّي لَا أَعْرِفُ لَهُ وَلِيًّا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ وَلِيٍّ كَالْأَبِ وَنَحْوِهِ إنْ كَانَ ابْنَ رِشْدَةٍ وَكَالْأُمِّ إنْ كَانَ ابْنَ زَنْيَةٍ فَاشْتَبَهَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْقِصَاصِ فَلَا يُسْتَوْفَى وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا قَوْلُهُ ﵊ «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» فَيَكُونُ السُّلْطَانُ وَلِيَّهُ لِأَنَّ اللَّقِيطَ لَا وَلِيَّ لَهُ. اهـ.
[بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ]
(بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ) قَالَ الْكَمَالُ لَمَّا ذَكَرَ مَا يَصِيرُ بِهِ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا ذَكَرَ مَا يَنُوبُهُ مِنْ الْوَظَائِفِ الْمَالِيَّةِ إذَا صَارَ ذِمِّيًّا وَذَلِكَ هُوَ الْخَرَاجُ فِي أَرْضِهِ وَرَأْسِهِ وَفِي تَفَارُقِهِمَا كَثْرَةً فَأَوْرَدَهُمَا فِي بَابَيْنِ وَقَدَّمَ خَرَاجَ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ كَانَ بِقُرْبٍ قَرِيبٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْعُرْفِيَّةَ أَيْضًا تَتْمِيمًا لِوَظِيفَةِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا السَّبَبُ فِي الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ جَمِيعًا وَقَدَّمَ ذِكْرَ الْعُشْرِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُشْرُ لُغَةً وَاحِدٌ مِنْ الْعَشَرَةِ وَالْخَرَاجُ مَا يَخْرُجُ مِنْ نَمَاءِ الْأَرْضِ أَوْ نَمَاءِ الْغُلَامِ وَسُمِّيَ بِهِ مَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْ وَظِيفَةِ الْأَرْضِ وَالْغِرَاسِ وَحَدَّدَ الْأَرَاضِيَ الْعُشْرِيَّةُ وَالْخَرَاجِيَّةَ أَوَّلًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَضْبَطُ فَقَالَ. اهـ. (قَوْلُهُ لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ) أَيْ وَالْأَرْضُ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عُشْرِيَّةٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا أَرْضُ عُشْرٍ وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَالطَّائِفِ وَالْبَرِّيَّةِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَالْحِجَازُ هُوَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ سُمِّيَ جَزِيرَةً لِأَنَّ بَحْرَ الْحَبَشِ وَبَحْرَ فَارِسَ وَالْفُرَاتِ أَحَاطَتْ بِهَا وَتُسَمَّى حِجَازًا لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَحَدُّهَا) أَيْ حَدُّ أَرْضِ الْعَرَبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ حِينَ فَتْحِ السَّوَادِ) أَيْ عَلَى يَدِ سَعْدٍ عَنْوَةً اهـ (قَوْلُهُ وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الشَّامِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَكَذَا وَضْعُهُ عَلَى مِصْرَ أَيْ وَضْعُ عُمَرَ الْخَرَاجَ عَلَى مِصْرَ حِينَ اُفْتُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى يَدِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكَذَا وَضْعُهُ عَلَى الشَّامِ حِينَ افْتَتَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَمُدُنَ الشَّامِ كُلَّهَا صُلْحًا دُونَ أَرَاضِيهَا وَأَمَّا أَرَاضِيهَا فَفُتِحَتْ عَنْوَةً عَلَى يَدِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَشُرَحْبِيلَ بْنِ أَبِي حَسَنَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَأَمَّا أَجْنَادِينُ مِنْ الشَّامِ فَقَدْ اُفْتُتِحَ صُلْحًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. اهـ. (قَوْلُهُ وَجِيحُونَ) أَيْ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِيهَا خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) أَيْ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عُشْرِيٌّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خَرَاجِيٌّ اهـ
стр. 898
هَذَا التَّفْصِيلِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَمَّا الْكَافِرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ مِنْ أَيِّ مَاءٍ سَقَى لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُبْتَدَأُ بِالْعُشْرِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي حَالَةِ الِابْتِدَاءِ إجْمَاعًا.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فِيمَا إذَا مَلَكَ أَرْضًا عُشْرِيَّةً هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَوْ الْعُشْرُ أَوْ الْعُشْرَانِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الزَّكَاةِ وَلَا يُقَالُ إذَا وُضِعَ الْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِاعْتِبَارِ الْمَاءِ يَكُونُ ابْتِدَاءُ الْمُسْلِمِ بِالْخَرَاجِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ هَذَا بِابْتِدَاءِ وَضْعٍ عَلَى الْمُسْلِمِ بَلْ الْأَرْضُ لَمَّا لَمْ تَنْمُ إلَّا بِالْمَاءِ اُعْتُبِرَ الْمَاءُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْعَدُوِّ فَجَعَلْنَا وَظِيفَتَهُ الْخَرَاجَ وَالْمُسْلِمُ إذَا سَقَى أَرْضَهُ بِهِ فَقَدْ الْتَزَمَ الْخَرَاجَ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ وَمِثْلُهُ لَا يَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الْخَرَاجِيَّةَ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا لِمَا قُلْنَا وَإِنَّمَا «لَمْ يُوَظِّفْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَرَاضِي مَكَّةَ» مَعَ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا يُوضَعُ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ الْخَرَاجُ كَمَا لَا يُوضَعُ عَلَى رِقَابِهِمْ الْجِزْيَةُ وَالرِّقُّ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ أَرْضُ السَّوَادِ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ لَهُمْ وَإِنَّمَا هِيَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلُهَا مُسْتَأْجِرُونَ لَهَا لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ فَآجَرَهَا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ هَذَا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَسْتَطِبْ قُلُوبَهُمْ فِيهِ بَلْ نَاظَرَهُمْ عَلَيْهِ وَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ عَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ وَامْتَنَعَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ وَأَيْنَ الِاسْتِرْضَاءُ، ثَانِيًا: أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَمْ يَحْضُرُوا الْغَانِمِينَ عَلَى تِلْكَ الْأَرَاضِي فَلَوْ كَانَ إجَارَةً لَاشْتُرِطَ حُضُورُهُمْ، ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ رِضَا أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَوْ كَانَتْ إجَارَةً لَاشْتَرَطَ رِضَاهُمْ وَرَابِعُهَا أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَمْ يَصْدُرْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عُمَرَ وَلَوْ كَانَتْ إجَارَةً لَوَجَبَ الْعَقْدُ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّ جَهَالَةَ الْأَرَاضِي تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ وَسَادِسُهَا أَنَّ جَهَالَةَ الْمُدَّةِ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهَا أَيْضًا وَسَابِعُهَا أَنَّ الْخَرَاجَ مُؤَبَّدٌ وَتَأْبِيدُ الْإِجَارَةِ بَاطِلٌ وَثَامِنُهَا أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْخَرَاجُ يَسْقُطُ عِنْدَهُ وَتَاسِعُهَا أَنَّ عُمَرَ قَدْ أَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ النَّحْلِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهَا وَعَاشِرُهَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ اشْتَرَوْهَا فَكَيْفَ يَبِيعُونَ الْأَرْضَ الْمُسْتَأْجَرَةَ وَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُمْ شِرَاؤُهَا
قَالَ ﵀ (وَلَوْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ) أَيْ قُرْبُ مَا أَحْيَا فَإِنْ كَانَتْ إلَى الْخَرَاجِ أَقْرَبَ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ إلَى الْعُشْرِ أَقْرَبَ فَهِيَ عُشْرِيَّةٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ حَيِّزَ الشَّيْءِ يُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ كَفِنَاءِ الدَّارِ يُعْطِي لَهُ حُكْمَ الدَّارِ حَتَّى يَجُوزَ لِصَاحِبِهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ إنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِ كَالْأَنْهَارِ الَّتِي احْتَفَرَتْهَا الْأَعَاجِمُ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ وَإِلَّا فَعُشْرِيَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ مُطْلَقًا
قَالَ ﵀ (وَالْبَصْرَةُ عُشْرِيَّةٌ) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً لِأَنَّهَا اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا مِنْ جُمْلَةِ أَرَاضِي الْعِرَاقِ وَلَكِنْ تَرَكَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِهِمْ وَهَذَا يُورِدُ إشْكَالًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرْ فِيهَا الْحَيِّزُ وَلَيْسَ هَذَا بِظَاهِرٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْحَيِّزُ فِي الْأَرَاضِي الْمُحْيَاةِ لَا فِي الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً ثُمَّ الْخَرَاجُ عَلَى نَوْعَيْنِ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الْخَارِجِ كَالرُّبُعِ وَالْخُمُسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَخَرَاجُ وَظِيفَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ مَا وَضَعَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فَجَعَلْنَا وَظِيفَتَهُ) أَيْ وَظِيفَةَ الْمَاءِ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ ﵀ (قَوْلُهُ ثُمَّ أَرْضُ السَّوَادِ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا عِنْدَنَا) أَيْ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا بِالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ أَرْضًا عَنْوَةً لَهُ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ وَعَلَى رُءُوسِهِمْ الْجِزْيَةَ فَتَبْقَى الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لِأَهْلِهَا وَقَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِهَا هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ. اهـ. كَمَالٌ ﵀
(قَوْلُهُ حَتَّى يَجُوزَ لِصِحَابِهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفِنَاءُ مِلْكًا لَهُ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ اعْتِبَارُ الْأَرْضِ الْمُحْيَاةِ بِالْحَيِّزِ خَرَاجِيًّا كَانَ أَوْ عُشْرِيًّا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اسْتَثْنَى الْبَصْرَةَ مِنْ ضَابِطِهِ فَإِنَّهَا عُشْرِيَّةٍ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى جَعْلِهَا عُشْرِيَّةً كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ فَتَرْكُ الْقِيَاسِ فِيهَا كَذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا وَضَعَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخَرَاجُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ قَفِيزٌ هَاشِمِيٌّ وَهُوَ الصَّاعُ وَدِرْهَمٌ وَمِنْ جَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَمِنْ جَرِيبِ الْكَرْمِ الْمُتَّصِلِ وَالنَّخْلِ الْمُتَّصِلِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْقَفِيزَ الْوَاجِبَ فِي الْخَرَاجِ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الْهَاشِمِيِّ وَالْحَجَّاجِيِّ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْفِقْهِ كَالْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَالشَّامِلِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوَاهُ الْقَفِيزُ هُوَ الْحَجَّاجِيُّ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَهُوَ صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا نُسِبَ إلَى الْحَجَّاجِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بَعْدَمَا فُقِدَ وَأَنَّهُ يَسَعُ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى قُلْت هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْخَرَاجِ مِنْ الْأَصْلِ فَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنْ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ مِمَّا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ فَفِي كُلِّ جَرِيبٍ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ زَرَعَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا أَوْ لَمْ يَزْرَعْهُ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَفِي كُلِّ سَنَةٍ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ فِي كُلِّ جَرِيبٍ زُرِعَ وَالْقَفِيزُ قَفِيزُ الْحَجَّاجِ وَهُوَ رُبْعُ الْهَاشِمِيِّ وَهُوَ مِثْلُ الصَّاعِ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ وَلِأَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ يَمُنُّ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ بِصَاعِ عُمَرَ وَصَاعُ عُمَرَ هُوَ صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا كَانَ صَاعُ عُمَرَ هُوَ الْحَجَّاجِيُّ الَّذِي هُوَ صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ
стр. 899
عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ
قَالَ ﵀ (وَخَرَاجُ جَرِيبٍ صَلُحَ لِلزَّرْعِ صَاعٌ وَدِرْهَمٌ وَفِي جَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَفِي جَرِيبِ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ الْمُتَّصِلِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَمَسَحَا سَوَادَ الْعِرَاقِ فَبَلَغَتْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ وَوَضَعَاهُ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ الْمُؤَنَ مُتَفَاوِتَةٌ فَيَجِبُ عَلَى أَخَفِّهَا الْأَكْثَرُ وَعَلَى أَشَدِّهَا الْأَقَلُّ وَعَلَى الْوَسَطِ الْوَسَطُ وَالْجَرِيبُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ كِسْرَى وَأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى ذِرَاعِ الْعَامَّةِ بِقَبْضَةٍ وَقِيلَ جَرِيبُ سَوَادِ الْعِرَاقِ وَفِي غَيْرِهِمْ يُعْتَبَرُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَهُمْ وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ وَالْمَنُّ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَيُعْطَى الدِّرْهَمُ مِنْ أَجْوَدِ النُّقُودِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الْقَفِيزَ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ وَقَالَ فِي الْكَافِي هُوَ يَكُونُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَقَالَ كَذَا فِي كِتَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيَكُونُ هَذَا الْقَفِيزُ مِمَّا يُزْرَعُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَا لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ ﵁ مِمَّا سِوَى مَا ذَكَرْنَا كَالزَّعْفَرَانِ وَالْبُسْتَانِ يُوضَعُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ اعْتِبَارًا بِمَا وَضَعَهُ عُمَرُ ﵁ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اعْتَبَرَ الطَّاقَةَ حَيْثُ قَالَ لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ فَقَالَا لَا بَلْ حَمَّلْنَاهَا مَا تُطِيقُ وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ قَالُوا وَنِهَايَةُ الطَّاقَةِ أَنْ يَبْلُغَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الْخَارِجِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ لَمَّا كَانَ لَنَا أَنْ نَقْسِمَ الْكُلَّ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ
قَالَ ﵀ (وَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وَظَّفَ نُقِضَ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ) يَعْنِي لَا تَجُوزُ وَإِنْ أَطَاقَتْ لِأَنَّ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ وَقَوْلَهُمَا لَا بَلْ حَمَّلْنَاهَا مَا تُطِيقُ وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النُّقْصَانِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّاقَةِ وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الطَّاقَةِ لِلزِّيَادَةِ لِأَنَّ مُرَادَ عُمَرَ ﵁ أَنْ يَنْقُصَهُ عِنْدَ عَدَمِ الطَّاقَةِ لِمَا وُضِعَ فَلَوْلَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَمَا قَصَدَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَاهُ بِأَنَّهَا تُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَزِدْ فَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَزَادَ ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ ﵁ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ لِأَنَّهُ خِلَافُ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَمَا وَظَّفَهُ إمَامٌ آخَرُ فِي أَرْضٍ فَتَحَهَا هُوَ كَتَوْظِيفِ عُمَرَ ﵁ فِي الْعِرَاقِ لِأَنَّهُ بِاجْتِهَادٍ فَلَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُوَظِّفَ ابْتِدَاءً عَلَى أَرْضٍ بِقَدْرِ طَاقَتِهَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
يُقَدِّرُ عُمَرُ الْخَرَاجَ بِالصَّاعِ الْهَاشِمِيِّ الَّذِي لَيْسَ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ تَصْنِيفُهُ حَدَّثَنِي السَّرِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَرَضَ عَلَى الْكَرْمِ عَشَرَةً وَعَلَى الرَّطْبَةِ خَمْسَةً وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ يَبْلُغُهَا الْمَاءُ دِرْهَمًا وَمَخْتُومًا قَالَ عَامِرٌ هُوَ الْحَجَّاجِيُّ وَهُوَ الصَّاعُ إلَى هُنَا لَفْظُ أَبِي يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ فَعُلِمَ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالنَّافِعِ مُقَيَّدًا بِالْهَاشِمِيِّ نَظَرٌ أَوْ الصَّاعُ الْهَاشِمِيُّ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا اهـ مَا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ قَوْلُهُ قُلْت هَذَا أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ مِنْ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ اهـ وَقَوْلُهُ قَالَ عَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمُؤَنَ مُتَفَاوِتَةٌ) هِيَ جَمْعُ مُؤْنَةٍ يَعْنِي أَنَّ تَفَاوُتَ الْمُؤَنِ لَهُ أَثَرٌ فِي تَفَاوُتِ الْوَاجِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيمَا سُقِيَ سَيْحًا مِنْ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةُ هُوَ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ فَلَمَّا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا لَمَّا كَانَ مُؤْنَةُ الْكَرْمِ أَخَفَّ وَرِيعُهُ أَكْثَرَ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ أَعْلَى وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَهَذَا لِأَنَّهُ يَبْقَى دَهْرًا مَدِيدًا مَعَ قِلَّةِ الْمُؤْنَةِ وَمُؤْنَةُ الزَّرْعِ أَثْقَلُ فَجُعِلَ الْوَاجِبُ فِيهِ أَدْنَى وَهُوَ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ وَهَذَا لِأَنَّ الزَّرْعَ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْكِرَابِ وَإِلْقَاءِ الْبَذْرِ وَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كُلَّ سَنَةٍ وَمُؤْنَةُ الرِّطَابِ بَيْنَ بَيْنَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي كُلِّ عَامٍ وَلَا تَذْرِيَةٍ فِيهَا أَصْلًا وَتَدُومُ أَعْوَامًا لَكِنْ لَيْسَ كَدَوَامِ الْكَرْمِ فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَجِبُ عَلَى أَخَفِّهَا) أَيْ الْكَرْمِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَلَى أَشَدِّهَا) أَيْ الْمَزَارِعِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَلَى الْوَسَطِ) أَيْ الرِّطَابِ اهـ (قَوْلُهُ أَمْنَاءٌ) جَمْعُ مَنَا لُغَةٌ فِي الْمَنِّ اهـ (قَوْلُهُ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ) أَيْ بِأَوْ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْبُسْتَانُ) أَيْ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَقَالُوا الْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يُحَوِّطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ حَيْثُ قَالَ) أَيْ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ. اهـ. (قَوْلُهُ لَمَّا كَانَ لَنَا أَنْ نَقْسِمَ) يَعْنِي لَمَّا ظَفِرْنَا عَلَيْهِمْ وَسِعَنَا أَنْ نَسْتَرِقَّهُمْ وَنَقْسِمَ أَمْوَالَهُمْ فَإِذَا قَاطَعْنَاهُمْ كَانَ التَّنْصِيفُ عَيْنَ الْإِنْصَافِ اهـ كَيْ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وُظِّفَ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَظَّفْت عَلَيْهِ الْعَمَلَ تَوْظِيفًا قَدَّرْته اهـ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُوَظِّفَ ابْتِدَاءً عَلَى أَرْضٍ بِقَدْرِ طَاقَتِهَا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ لَا تُطِيقُ قَدْرَ خَرَاجِهَا الْمَوْضُوعَ نَقَصَ وَأَخَذَ مِنْهَا قَدْرَ مَا تُطِيقُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الطَّاقَةُ بِالْأَثَرِ بَيَانُهُ فِيمَا قَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَا تُطِيقُ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ بِأَنْ كَانَ الْخَارِجُ لَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يَجُوزُ أَنْ يُنْتَقَصَ حَتَّى يَصِيرَ الْخَرَاجُ مِثْلَ نِصْفِ الْخَارِجِ أَمَّا إذَا كَانَتْ تُطِيقُ ذَلِكَ وَزِيَادَةً فَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَجْمَعُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى وَظِيفَةِ عُمَرَ ﵁ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ وَفِي بَلْدَةٍ وَظَّفَ الْإِمَامُ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ لَا يَجُوزُ فَأَمَّا فِي بَلْدَةٍ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَبْتَدِئَهَا بِالتَّوْظِيفِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَزِيدُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَزِيدُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ النُّقْصَانَ عِنْدَ قِلَّةِ الرِّيعِ جَائِزٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ زِيَادَةُ التَّوْظِيفِ عِنْدَ زِيَادَةِ الرِّيعِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَزِدْ فِي التَّوْظِيفِ فَلَوْ جَازَ لَزَادَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ حُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ وَقَالَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِي خِلَافِ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ بِتَوْظِيفِ الْإِمَامِ وَإِنْ أَطَاقَتْ الْأَرْضُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ وَهَذَا يَرُدُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مِنْ مُدَّعِيهِ اهـ
стр. 900
زِيَادَةً عَلَى مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ جَازَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ إنْشَاءُ حُكْمٍ بِاجْتِهَادٍ وَلَيْسَ فِيهِ نَقْضُ حُكْمٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ خَرَاجَ التَّوْظِيفِ مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَاتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ - فِيهِ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ إلَّا تَوْقِيفًا وَالتَّقْدِيرُ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ لِأَنَّ النُّقْصَانَ يَجُوزُ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ مَنْعُ الزِّيَادَةِ لِئَلَّا يَخْلُوَ التَّقْدِيرُ عَنْ الْفَائِدَةِ
قَالَ ﵀ (وَلَا خَرَاجَ إنْ غَلَبَ عَلَى أَرْضِهِ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ) أَمَّا فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلِفَوَاتِ النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ الْمُعْتَبَرِ فِي الْخَرَاجِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ فِي كُلِّ الْحَوْلِ وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْأَصْلُ الَّذِي كَانَ التَّمَكُّنُ قَائِمًا مَقَامَهُ سَقَطَ الْخَلَفُ وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْأَصْلِ فَإِذَا هَلَكَ بَطَلَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ وَصَارَ كَالْعُشْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَسَلِمَ بِسَلَامَةِ الْخَارِجِ وَبَطَلَ بِهَلَاكِهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ مَنَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَالتَّمَكُّنُ شَرْطٌ فِيهِ وَقَالُوا فِي الِاصْطِلَامِ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ ثَانِيًا وَأَمَّا إذَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ قَدْرُ ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ وَالْمُرَادُ بِالِاصْطِلَامِ أَيْضًا أَنْ يَذْهَبَ كُلُّ الْخَارِجِ أَمَّا إذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ فَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ الْخَرَاجِ وَمِثْلُهُ بِأَنْ بَقِيَ مِقْدَارُ دِرْهَمَيْنِ وَقَفِيزَيْنِ يَجِبُ الْخَرَاجُ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ الْخَارِجِ وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ نِصْفُهُ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ عَلَى مَا مَرَّ
قَالَ ﵀ (وَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا أَوْ أَسْلَمَ أَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ أَرْضَ خَرَاجٍ يَجِبُ) أَيْ يَجِبُ الْخَرَاجُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَمَّا إذَا عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا فَلِأَنَّ التَّمَكُّنَ كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فَلَا يُعْذَرُ فِي التَّقْصِيرِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ جَازَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) أَيْ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ. اهـ. كَيْ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ) مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 901
وَالْمَالِكُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَزْرَعْهَا وَأَمَّا إذَا عَجَزَ الْمَالِكُ عَنْ الزِّرَاعَةِ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ وَأَسْبَابِهِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَيُمْسِكَ الْبَاقِيَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ أُجْرَتِهَا وَإِنْ شَاءَ زَرَعَهَا بِنَفَقَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ ذَلِكَ بَاعَهَا وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهَا الْخَرَاجَ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هَذَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْوَاحِدِ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَدْفَعُ إلَى الْعَاجِزِ كِفَايَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا لِيَعْمَلَ فِيهَا وَلَوْ انْتَقَلَ إلَى أَخَسَّ مِمَّا كَانَ يَزْرَعُهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ الزِّيَادَةَ وَهَذَا يُعْرَفُ وَلَا يُفْتَى بِهِ كَيْ لَا يَتَجَرَّأَ الظَّلَمَةُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالدَّعَاوَى الْبَاطِلَةِ بِأَنْ يَقُولَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ قَبْلَ هَذَا كَيْتَ وَكَيْتَ لِشَيْءٍ هُوَ أَحْسَنُ مِمَّا فِيهَا فَنَسُدُّ هَذَا حَتَّى لَا يَنْفَتِحَ لَهُمْ بَابُ الظُّلْمِ وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ فَلِأَنَّ الْخَرَاجَ فِيهِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ وَمَعْنَى الْعُقُوبَةِ فَيُعْتَبَرُ مُؤْنَةً فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فَيَبْقَى عَلَى الْمُسْلِمِ وَعُقُوبَةً فِي الِابْتِدَاءِ فَلَا يُبْتَدَأُ الْمُسْلِمُ بِهِ وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ مِنْ أَثَرِ الْكُفْرِ فَجَازَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالرِّقِّ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَا مُؤْنَةَ فِيهِ فَيَسْقُطُ وَالْأَرْضُ لَا تَخْلُو عَنْ مُؤْنَةٍ فَلَوْ سَقَطَ الْخَرَاجُ لَاحْتَجْنَا إلَى إيجَابِ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ الْمُؤَنِ وَلِأَنَّ فِي الْجِزْيَةِ صَغَارًا أَيْضًا فَلَا تَبْقَى بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ اشْتَرَوْا الْأَرْضَ الْخَرَاجَ وَأَدَّوْا خَرَاجَهَا فَدَلَّ عَلَى بَقَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَجَوَازِ شِرَائِهِ وَأَدَائِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَرْضَ الْخَرَاجِ فَلِمَا بَيَّنَّا ثَمَّ إنْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ الزِّرَاعَةِ فَالْخَرَاجُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْبَائِعِ
قَالَ ﵀ (وَلَا عُشْرَ فِي خَارِجِ أَرْضِ الْخَرَاجِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ مَعَ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ ذَاتًا وَمَحَلًّا وَسَبَبًا وَمَصْرِفًا فَإِنَّ الْخَرَاجَ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَالْعُشْرَ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْخَرَاجُ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَالْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ وَيَجِبُ الْخَرَاجُ بِالتَّمَكُّنِ وَالْعُشْرُ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ وَيُصْرَفُ الْخَرَاجُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُشْرُ لِلْفُقَرَاءِ فَوُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا يُنَافِي الْآخَرَ. وَلَنَا قَوْلُهُ «﵊ لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» وَلِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْجَوْرِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَصَارَ إجْمَاعًا عَمَلًا وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ فِي أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا وَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا وَالْعُشْرُ فِي أَرْضً أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا طَوْعًا أَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَالْوَصْفَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَسَبَبُ الْحَقَّيْنِ وَاحِدٌ وَهِيَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ إلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْعُشْرِ تَحْقِيقًا وَفِي الْخَرَاجِ تَقْدِيرًا وَلِهَذَا يُضَافَانِ إلَى الْأَرْضِ وَالْإِضَافَةُ تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَهُوَ بِالسَّبَبِيَّةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤْنَةُ أَرْضٍ نَامِيَةٍ وَلَا يَجْتَمِعُ وَظِيفَتَانِ بِسَبَبِ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الزَّكَاةُ مَعَ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا عُشْرِيَّةً أَوْ خَرَاجِيَّةً لِلتِّجَارَةِ فَفِيهَا الْعُشْرُ أَوْ الْخَرَاجُ دُونَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ مَعَ أَحَدِهِمَا وَمُحَمَّدٌ ﵀ مَعَهُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ مَحِلِّهِمَا لِأَنَّ الْعُشْرَ مَحَلُّهُ الْخَارِجُ.
وَكَذَا الْخَرَاجُ لَكِنْ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً وَفِي الْآخَرِ تَقْدِيرًا وَالزَّكَاةُ مَحَلُّهَا مَالُ التِّجَارَةِ وَهِيَ الْأَرْضُ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا كَدَيْنِ ثَمَنِ الْأَرْضِ مَعَهُمَا بِخِلَافِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا وَاحِدٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا قُلْنَا إنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ وَلِهَذَا يُضَافَانِ إلَيْهَا وَكَذَا الزَّكَاةُ وَظِيفَةُ الْمَالِ النَّامِي وَكَذَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ مِلْكِ مَالٍ وَاحِدٍ حَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا لَا تَجِبُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ بِاعْتِبَارِ مَالٍ وَاحِدٍ فَصَارَ كَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ بِخِلَافِ دَيْنِ ثَمَنِ الْأَرْضِ مَعَ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ لِلْعَبْدِ وَالْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَنَافَيَانِ بَلْ يَجْتَمِعَانِ وَإِنْ كَانَا بِسَبَبِ مِلْكِ مَالٍ وَاحِدٍ ثُمَّ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ كَانَ الْعُشْرُ أَوْ الْخَرَاجُ أَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ بِالْوُجُوبِ لِأَنَّهُمَا صَارَا وَظِيفَةً لَازِمَةً لَهَا وَلَا يَسْقُطَانِ بِعُذْرِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ وَالرِّقِّ وَهُمَا أَسْبَقُ وُجُوبًا مِنْ الزَّكَاةِ فَتُتْرَكُ عَلَى حَالِهَا ثُمَّ الْخَرَاجُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي سَنَةٍ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُوَظِّفْهُ مُكَرَّرًا بِخِلَافِ الْعُشْرِ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ عُشْرًا إلَّا بِوُجُوبِهِ فِي كُلِّ الْخَارِجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فَلَا يُعْذَرُ فِي التَّقْصِيرِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ بِخِلَافِ مَا إذَا عَطَّلَهَا وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ حَيْثُ يَكُونُ الْخَرَاجُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لِتَعَلُّقِ الْخَرَاجِ بِالنَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ حِينَئِذٍ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا أَوْ حَانُوتًا فَعَطَّلَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ فَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِأَنْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ هُنَا سُؤَالًا وَجَوَابًا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقَالَ فَإِنْ قِيلَ لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ أَرْضًا يَزْرَعُهَا فَاصْطَلَمَتْ الزَّرْعَ آفَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ يَجِبُ إلَى وَقْتِ هَلَاكِ الزَّرْعِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْأَجْرُ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ لِأَنَّ الْخَرَاجَ وُضِعَ عَلَى مِقْدَارِ الْخَارِجِ إذَا صَلُحَتْ الْأَرْضُ لِلزِّرَاعَةِ فَإِذَا لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا جَازَ إسْقَاطُهُ وَالْأَجْرُ لَمْ يُوضَعْ عَلَى مِقْدَارِ الْخَارِجِ فَجَازَ إيجَابُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَخَرَاجُ الْوَظِيفَةِ وَالْمُقَاسَمَةِ لَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْخَارِجِ بَعْدَ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبِ الْخَارِجِ، وَقَبْلَ الْحَصَادِ يَسْقُطُ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْمَالِ لَا فِي الذِّمَّةِ اهـ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَأَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَهَلَكَ أَوْ غَرِقَ وَلَمْ يَنْبُتْ كَانَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ كَأَنَّهُ قَدْ زَرَعَ وَلَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ غَصَبَهَا رَجُلٌ وَزَرَعَهَا لَا أَجْرَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَزْرَعْهَا حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ كَانَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ.
وَكَذَا لَوْ زَرَعَ الْبَعْضَ وَلَمْ يَزْرَعْ الْبَعْضَ اهـ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَإِنْ زَرَعَهَا فَأَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَذَهَبَ لَمْ يُؤْخَذْ الْخَرَاجُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُصَابٌ فَيَسْتَحِقُّ الْمَعُونَةَ وَإِنْ أَخَذْنَاهُ بِالْخَرَاجِ كَانَ فِيهِ اسْتِئْصَالٌ وَمِمَّا حُمِدَ مِنْ سِيَرِ الْأَكَاسِرَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ يَرُدُّونَ عَلَى الدَّهَاقِينِ مِنْ خَزَائِنِهِمْ مَا أَنْفَقُوا فِي الْأَرْضِ وَيَقُولُونَ التَّاجِرُ شَرِيكٌ فِي الْخُسْرَانِ كَمَا هُوَ شَرِيكٌ فِي الرِّبْحِ فَإِنْ لَمْ نَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَجْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِقَدْرِ مَا كَانَتْ الْأَرْضُ مَشْغُولَةً بِالزَّرْعِ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الْمَنْفَعَةِ فَبِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى مِنْ الْمَنْفَعَةِ يَصِيرُ الْأَجْرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَأَمَّا الْخَرَاجُ فَإِنَّهُ صِلَةٌ وَاجِبَةٌ بِاعْتِبَارِ رِيعِ الْأَرْضِ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا بَعْدَمَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ اسْتِغْلَالِ الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَطَّلَهَا اهـ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ وَفِي الْمُزَارَعَةِ الصَّغِيرَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَزَرَعَهَا فَأَصَابَتْ الزَّرْعَ آفَةٌ فَهَلَكَ أَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ وَلَمْ تُنْبِتْ فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ وَلَوْ غَرِقَتْ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَهَا فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا أَجْرَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ هَلَاكِ الزَّرْعِ إلَّا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ إعَادَةِ زَرْعٍ مِثْلِهِ أَوْ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ بِالْأَرْضِ وَكَذَا لَوْ مَنَعَهَا غَاصِبٌ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ آخَرَ وَإِنْ غَرِقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ وَلَوْ قَبَضَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَزْرَعْهَا حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمَامُ الْأَجْرِ اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَزَرَعَهَا فَأَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَهَلَكَ أَوْ غَرِقَ فَلَمْ يَنْبُتُ فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ تَامًّا لِأَنَّهُ قَدْ زَرَعَ هَكَذَا فِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ وَلَوْ غَرِقَتْ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَهَا فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِانْتِفَاعِ اهـ ثُمَّ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ بَعْدَ هَذَا مَا نَصُّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ سَنَةً ثُمَّ اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَمَا وَجَبَ مِنْ الْأَجْرِ قَبْلَ الِاصْطِلَامِ لَا يَسْقُطُ وَمَا وَجَبَ بَعْدَ الِاصْطِلَامِ يَسْقُطُ لِأَنَّ الْأَجْرَ إنَّمَا يَجِبُ بِإِزَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَمَا اسْتَوْفَى مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَمَا لَمْ يَسْتَوْفِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي حَقِّهِ فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْخَرَاجِ فَإِنَّهُ إذَا زَرَعَ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً فَأَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَذَهَبَ لَمْ يُؤْخَذْ الْخَرَاجُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ النَّمَاءُ حَقِيقَةً وَلَا اعْتِبَارًا لِأَنَّ الْفَوَاتَ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ حَتَّى يَصِيرَ سَالِمًا اعْتِبَارًا فَكَانَ سَبَبُ وُجُوبِ الْخَرَاجِ مِلْكَ أَرْضٍ نَامِيَةٍ حَوْلًا كَامِلًا إمَّا حَقِيقَةً أَوْ اعْتِبَارًا فَإِذَا فَاتَ النَّمَاءُ فِي مُدَّةِ الْحَوْلِ ظَهَرَ أَنَّ الْخَرَاجَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا عَلَى خِلَافِ هَذَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ اهـ مَا قَالَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ (قَوْلُهُ وَلَوْ انْتَقَلَ إلَى أَخَسَّ مِمَّا كَانَ يَزْرَعُهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) أَيْ كَمَنْ لَهُ أَرْضُ الزَّعْفَرَانِ فَتَرَكَهَا وَزَرَعَ الْحُبُوبَ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الزَّعْفَرَانِ وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ كَرْمٌ فَقَلَعَ وَزَرَعَ الْحُبُوبَ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْكَرْمِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَعْلَى) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ غَرَسَ حَرْبِيٌّ مِنْ أَرْضِهِ كَرْمًا فَلَمْ يُطْعِمْ سِنِينَ كَانَ عَلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ لِأَنَّ وَظِيفَةَ هَذِهِ الْأَرْضِ قَبْلَ الْغَرْسِ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ فِي كُلِّ جَرِيبٍ فَتَبْقَى كَذَلِكَ مَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ الْكَرْمِ وَإِنْ أَدْرَكَتْ خَارِجًا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا أَخَذَ مِنْهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُ صَارَ كَرْمًا صُورَةً وَمَعْنًى. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيُعْتَبَرُ مُؤْنَةً فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا خَرَاجِيَّةً بَعْدَ إسْلَامِ صَاحِبِهَا وَلَا تَتَغَيَّرُ إلَى الْعُشْرِ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ وَضَعَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ الْخَرَاجَ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَبَقِيَ الْخَرَاجُ كَمَا كَانَ. اهـ. (قَوْلُهُ فَيَبْقَى عَلَى الْمُسْلِمِ) أَيْ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِالْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ الْأَرْضُ الْخَرَاجُ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْعُشْرِ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَخْ) قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي وَلَا يُؤْخَذُ خَرَاجُ الْأَرْضِ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَإِنْ أَغَلَّهَا صَاحِبُهَا مَرَّاتٍ وَالْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عُمَرُ ﵁ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الْخَرَاجَ مُكَرَّرًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ لِأَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُشْرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعُشْرِ وَالْعُشْرُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَارِجٍ فَكَذَلِكَ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 902
(فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ) قَالَ ﵀ (الْجِزْيَةُ لَوْ وُضِعَتْ بِتَرَاضٍ وَصُلْحٍ لَا يُعْدَلُ عَنْهَا) لِأَنَّهَا تَتَقَرَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهُمَا وَعَارِيَّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانُوا نَصَارَى وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْكُمْ دِينَارًا كُلَّ سَنَةٍ أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ
قَالَ ﵀ (وَإِلَّا يُوضَعْ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ فِي كُلِّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَعَلَى وَسَطِ الْحَالِ ضِعْفُهُ وَعَلَى الْمُكْثِرِ ضِعْفُهُ) يَعْنِي إذَا لَمْ تُوضَعْ بِالتَّرَاضِي بَلْ وُضِعَتْ بِالْقَهْرِ بِأَنْ غَلَبَ الْإِمَامُ عَلَى الْكُفَّارِ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ فَيُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٌ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَانِ وَعَلَى الْمُكْثِرِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الظَّاهِرِ الْغِنَى ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَصَارَ إجْمَاعًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَضَعُ الْإِمَامُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا لِمَا رَوَيْنَا قُلْنَا كَانَ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ وَلَفْظُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ دِينَارًا وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْكُلِّ إلَّا بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ وَأَمَّا الْجِزْيَةُ الَّتِي يَضَعُهَا الْإِمَامُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ «قَالَ لِمُعَاذٍ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا» وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا كَانَتْ بِالصُّلْحِ لِأَنَّ الْحَالِمَةَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا بِهِ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ نُصْرَةً عَلَى الْمُقَاتِلَةِ فَتَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَهَذَا لِأَنَّ نَصْرَ الدِّينِ وَاجِبٌ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَنَفْسُهُ لَا تَصْلُحُ بِخِلَافِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ ذِكْرِ خَرَاجِ الْأَرْضِ شَرَعَ فِي خَرَاجِ الرُّءُوسِ وَهُوَ الْجِزْيَةُ وَقَدَّمَ خَرَاجَ الْأَرْضِ لِقُوَّتِهِ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي أَرْضِ الْكُفَّارِ إذَا فُتِحَتْ أَسْلَمُوا أَوْ لَمْ يُسْلِمُوا وَخَرَاجُ الرَّأْسِ لَا يَجِبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَوْ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ وَالْعُشْرُ مُقَدَّمٌ عَلَى خَرَاجِ الرَّأْسِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُبْتَدَأُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَدَّمَ خَرَاجَ الْأَرْضِ أَيْضًا لِأَنَّ سَبَبَهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ نَجْرَانَ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَنَجْرَانُ بِلَادٌ أَهْلُهَا نَصَارَى كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ اهـ وَفِي الْمِصْبَاحِ وَنَجْرَانُ بَلْدَةُ هَمْدَانَ مِنْ الْيَمَنِ قَالَ الْبَكْرِيُّ سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَانِيهَا نَجْرَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. اهـ. (قَوْلُهُ حُلَّةٌ) وَالْحُلَّةُ إزَارٌ وَرِدَاءٌ كَذَا قَالُوا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ الْمَعَافِرِ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ ثَوْبٌ مَعَافِرِيٌّ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ بْنِ مُرٍّ وَعَلَيْهِ حَدِيثُ مُعَاذٍ «أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» أَيْ مِثْلَهُ بُرُدًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَمَعَافِيرُ بِزِيَادَةِ الْيَاءِ وَمَعَافِرِيٌّ بِالضَّمِّ وَمَعَافِرِيُّ - غَيْرُ مُنَوَّنٍ - كُلُّهُ لَحْنٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ تُوضَعْ بِالتَّرَاضِي) قَالَ الْكَمَالُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ وَمِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ اهـ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ثُمَّ تَفَاوُتُ مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِ الطَّبَقَاتِ مَذْهَبُنَا وَقَالَ مَالِكٌ الْجِزْيَةُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ كَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ دِينَارًا وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ لَهُ مَا رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَلَّاهُ الْيَمَنَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ يَعْنِي مُحْتَلِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِيِّ» وَلَنَا مَا رَوَى أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَجَّهَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى السَّوَادِ فَمَسَحَا أَرْضَهَا وَوَضَعَا عَلَيْهَا الْخَرَاجَ وَجَعَلَا النَّاسَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ عَلَى مَا قُلْنَا فَلَمَّا رَجَعَا إلَى عُمَرَ أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَمِلَ عُثْمَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ عَلِيٌّ كَذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ كَانَ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ وَلَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ.
وَكَلَامُنَا إذَا وَظَّفَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ لِأَنَّ السَّوَادَ فُتِحَ عَنْوَةً لَا صُلْحًا وَالْمَعْقُولُ أَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ يُبْتَدَأُ بِهِ الْكَافِرُ فَوَجَبَ فِيهِ التَّفَاوُتُ كَمَا فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ فَنَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْنَا لِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ كَانُوا أَهْلَ فَاقَةٍ فَعَلَى الْمُعْسِرِ عِنْدَنَا اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَدِينَارُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ قَالَ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ قُلْت هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى مُعَاذٍ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ اهـ (قَوْلُهُ حَالِمٍ) أَيْ بَالِغٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ يَعْنِي مُحْتَلِمٍ. اهـ. (قَوْلُهُ «قَالَ لِمُعَاذٍ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا») أَيْ أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ اهـ هِدَايَةٌ وَالْعَدْلُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ وَبِالْكَسْرِ الْمِثْلُ مِنْ الْجِنْسِ وَالْمَعَافِرُ ثَوْبٌ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ بْنِ مُرٍّ ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلثَّوْبِ بِغَيْرِ نِسْبَةٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمُغْرِبِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَاكِيُّ وَحَدِيثُ مُعَاذٍ مُنْقَطِعٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ نُصْرَةً) أَيْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ الَّتِي فَاتَتْ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ الْقِيَامُ بِنَصْرِهِ اهـ دِرَايَةٌ.
(قَوْلُهُ وَالْمَالِ وَنَفْسُهُ لَا يَصْلُحُ) أَيْ لِمَيْلِهِمْ إلَى أَهْلِ الدَّارِ الْمُعَادِيَةِ فَيُشَوِّشُونَ عَلَيْنَا فِي الْحَرْبِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْمَالُ أَيْ الْجِزْيَةُ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَلِهَذَا صُرِفَتْ إلَى الْمُقَاتِلَةِ دُونَ الْفُقَرَاءِ وَضُرِبَتْ عَلَى الصَّالِحِينَ لِلْقِتَالِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ الْقِتَالُ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ فَتَخْتَلِفُ
стр. 903
الْمَالِ فَيَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ أَوْ نَقُولُ إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ النُّصْرَةِ بِهِمَا وَالنُّصْرَةُ بِهِمَا تَتَفَاوَتُ بِقُوَّةِ النَّفْسِ وَكَثْرَةِ الْوَفْرِ فَالْفَقِيرُ يَنْصُرُ رَاجِلًا وَالْمُتَوَسِّطُ يَنْصُرُ رَاكِبًا وَالْفَائِقُ يَرْكَبُ وَيُرْكِبُ غُلَامَهُ فَكَذَا بَدَلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْفَائِقَ فِي الْغِنَى هُوَ صَاحِبُ الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى الْعَمَلِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدِّرَ بِشَيْءٍ فِي الْمَالِ بِتَقْدِيرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَعْصَارِ فَفِي الْعِرَاقِ مَنْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ أَلْفًا لَا يُعَدُّ وَسَطَ الْحَالِ وَفِي دِيَارِنَا مَنْ يَمْلِكُ عَشَرَةَ آلَافٍ يُعَدُّ غَنِيًّا فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَالْمُتَوَسِّطُ الَّذِي لَهُ مَالٌ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي بِمَالِهِ عَنْ الْكَسْبِ وَالْفَقِيرُ الْمُعْتَمِلُ هُوَ الَّذِي يَكْسِبُ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ لَوْ مَرِضَ الذِّمِّيُّ السَّنَةَ كُلَّهَا فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَعْمَلَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ خَرَاجُ رَأْسِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمِلِ وَكَذَا لَوْ مَرِضَ أَكْثَرَهَا إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ وَكَذَا لَوْ مَرِضَ نِصْفَ السَّنَةِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِسْقَاطِ فِي الْعُقُوبَةِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارِ
قَالَ ﵀ (وَتُوضَعُ عَلَى كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ عَجَمِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَوَضَعَ ﵊ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمَجُوسِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَجَمَاعَةٌ أُخَرُ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ أَنِّي «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِعَامِلِ كِسْرَى «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَكَانُوا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَكَذَا وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ اسْتِرْقَاقٌ مَعْنًى إذْ بِهِ يَلْحَقُهُ الصَّغَارُ وَالذُّلُّ وَيُؤَدِّي كَسْبَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ وَأَيُّ رِقٍّ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ
قَالَ ﵀ (لَا عَرَبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ) أَيْ لَا تُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ لَا عَلَى الْمُرْتَدِّ لِتَغَلُّظِ كُفْرِهِمَا أَمَّا مُشْرِكُو الْعَرَبِ فَلِأَنَّهُ ﵊ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِمَعَانِيهِ وَبِوُجُوهِ الْفَصَاحَةِ فَغُلِّظَ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلِأَنَّهُ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَ مَا رَأَى مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَ مَا هُدِيَ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ فِي حَقِّهِمْ وَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَنِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ فَيْءٌ لِأَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَسْتَرِقُّ ذَرَارِيَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ» وَأَبُو بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانَهُمْ وَكَانُوا مُرْتَدِّينَ وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بِاخْتِلَافِ حَالِهِمْ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى اعْتِبَارًا بِأَصْلِ النُّصْرَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَكَثْرَةُ الْوَفْرِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْوَفْرُ فِي اللُّغَةِ الْمَالُ الْكَثِيرُ وَأَرَادَ هُنَا مُطْلَقَ الْمَالِ فَلَوْ قَالَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ كَانَ أَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْفَقِيرُ الْمُعْتَمِلُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْمُعْتَمِلُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَالْمُعْتَمِلُ الْمُكْتَسِبُ وَالِاعْتِمَالُ الِاضْطِرَابُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ وَقَيَّدَ بِالِاعْتِمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَصَاعِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمَّا لَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَهُوَ قَادِرٌ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ كَمَنْ عَطَّلَ الْأَرْضَ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتُوضَعُ عَلَى كِتَابِيٍّ) أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَجَائِزٌ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْعَجَمِ فَلِأَجْلِ هَذَا ذَكَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ مُطْلَقًا حَتَّى يَشْمَلَ الْفَرِيقَيْنِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلَخْ) قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ حَدَّثَنَا بَعْضُ الشِّيخَةِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النِّيرَانَ لَيْسُوا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا أَهْلَ كِتَابٍ فَقَالَ عُمَرُ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِهَؤُلَاءِ فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» إلَى هُنَا لَفْظُ أَبِي يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ اهـ أَتْقَانِيٌّ قَالَ فِي السُّنَنِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَعْنِي فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ) ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ كَمَا لَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ هُوَ يَقُولُ إنَّ الْقِتَالَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣] إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَ تَرْكِهِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَفِي حَقِّ الْمَجُوسِ بِالْخَبَرِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ) أَيْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَكَذَا وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ) أَيْ كَالْكِتَابِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيُؤَدِّي كَسْبَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَتُهُ) أَيْ وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ قَبْلَ ذَلِكَ أَيْ قَبْلَ وَضْعِ الْجِزْيَةِ فَهُمْ فَيْءٌ وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا عَرَبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَجَمِ أَوْ الْعَرَبِ وَلَا خِلَافَ فِي الْمُرْتَدِّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لَا تُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ) قَيَّدَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ لِمَا أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ ذَكَرَهُ فِي جَامِعَيْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] لَمْ يُفَصِّلْ. اهـ. كَيْ (قَوْلُهُ ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أَيْ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَالْآيَةُ فِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ. اهـ. كَيْ (قَوْلُهُ وَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ. اهـ. كَيْ (قَوْلُهُ وَكَانُوا مُرْتَدِّينَ) أَيْ وَقَسَمَهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ حَتَّى وَقَعَ فِي سَهْمِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيَّةُ فَوُلِدَ مِنْهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ. اهـ. كَاكِيٌّ
стр. 904
رِجَالِهِمْ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَرَقَّ لِمَا ذَكَرْنَا وَكُفْرُ الْمُرْتَدِّ أَغْلَظُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَلِهَذَا تُجْبَرُ نِسَاءُ الْمُرْتَدِّينَ وَذَرَارِيُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا تُجْبَرُ نِسَاءُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَذَرَارِيِّهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ
قَالَ ﵀ (وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَمُكَاتَبٍ وَزَمِنٍ وَأَعْمَى وَفَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ وَرَاهِبٍ لَا يُخَالِطُ) أَيْ لَا تُوضَعُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهَا خَلَفٌ عَنْ النُّصْرَةِ وَعُقُوبَةٌ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ النُّصْرَةُ بِالْقِتَالِ وَلَوْ أَدْرَكَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ بَرَأَ الْمَرِيضُ قَبْلَ وَضْعِ الْإِمَامِ الْجِزْيَةَ وَضَعَ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَ وَضْعِ الْجِزْيَةِ لَا تُوضَعُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَهْلِيَّتُهُمْ وَقْتَ الْوَضْعِ إذْ الْإِمَامُ يَخْرُجُ فِي تَعَرُّفِ حَالِهِمْ فَيَضَعُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ الْفَقِيرِ إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْوَضْعِ حَيْثُ يُوضَعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْجِزْيَةِ وَإِنَّمَا سَقَطَتْ عَنْهُ لِعَجْزِهِ وَقَدْ زَالَ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارِ
قَالَ ﵀ (وَتَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْمَوْتِ) أَيْ الْجِزْيَةُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَسْقُطُ بِهِمَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ لِأَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ عَنْ السُّكْنَى وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْعِوَضُ كَمَا فِي الْأُجْرَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ حَيْثُ لَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ وَلَا بِالْمَوْتِ وَلَنَا أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ أَوْ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ وَلَا تَبْقَى الْعُقُوبَةُ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا يُقِيمُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ قَدَرَ بِالْإِسْلَامِ عَلَى النُّصْرَةِ بِبَدَنِهِ فَلَا يَجِبُ عِوَضُهَا وَبِالْمَوْتِ عَجَزَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَلَا يَجِبُ الْخَلَفُ إذْ شَرْطُهُ تَصَوُّرُ الْأَصْلِ وَالْعِصْمَةُ تَثْبُتُ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهُوَ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ بَدَلِهِمَا وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَلِهَذَا تُجْبَرُ نِسَاءُ الْمُرْتَدِّينَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالُوا إنَّ نِسَاءَ الْمُرْتَدِّينَ وَصِبْيَانَهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتَفْسِيرُهُ الْحَبْسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ إلَى الْإِسْلَامِ وَسَيَجِيءُ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّينَ أَمَّا صِبْيَانُهُمْ فَإِنَّمَا يُجْبَرُونَ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ حَيْثُ تُجْبَرُ آبَاؤُهُمْ وَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ فَإِنَّمَا يُجْبَرْنَ لِسَبْقِ الْإِسْلَامِ مِنْهُنَّ بِخِلَافِ نِسَاءِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَصِبْيَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا جَبْرَ عَلَى آبَائِهِمْ فَكَذَا عَلَى صِبْيَانِهِمْ وَكَذَا عَلَى نِسَائِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُنَّ الْإِسْلَامُ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمُكَاتَبٍ) أَيْ وَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَأَعْمَى وَفَقِيرٍ) أَيْ وَكَذَا الْمَفْلُوجُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرِ لِمَا بَيَّنَّا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَرَاهِبٍ لَا يُخَالِطُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا تُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَوَجْهُ الْوَضْعِ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَهَا فَصَارَ كَتَعْطِيلِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ وَوَجْهُ الْوَضْعِ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَالْجِزْيَةُ فِي حَقِّهِمْ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَسْقُطُ بِهِمَا إلَخْ) وَهَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ عَمِيَ أَوْ صَارَ مُقْعَدًا أَوْ زَمِنًا أَوْ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ أَوْ صَارَ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَبَقِيَ مِنْ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَسْقُطُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُمْ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ) أَيْ الَّتِي تَثْبُتُ لِلذِّمِّيِّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ أَوْ عَنْ السُّكْنَى) أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ لَهُ آخَرُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ) أَيْ وَهُوَ حَقْنُ دَمِهِ وَسُكْنَاهُ إلَى الْمَوْتِ أَوْ إلَى الْإِسْلَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ) أَيْ فِيمَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ حَيْثُ لَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ) يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْجِزْيَةُ بَدَلًا عَنْ السُّكْنَى تَكُونُ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامُ كَالْأُجْرَةِ وَإِنْ كَانَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ تَكُونُ فِي مَعْنَى بَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْمَوْتِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ) فَإِنْ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنْ النُّصْرَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ اسْتَعَانَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ سَنَةً فَقَاتَلُوا مَعَهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ جِزْيَةُ تِلْكَ السَّنَةِ فَلَوْ كَانَتْ بَدَلًا لَسَقَطَتْ قُلْت إنَّمَا لَمْ تَسْقُطْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَغَيُّرُ الْمَشْرُوعِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ طَرِيقَ النُّصْرَةِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْمَالَ دُونَ النَّفْسِ فَإِنْ قُلْت الْجِزْيَةُ حَقٌّ مَالِيٌّ وَجَبَ عَلَى الْكَافِرِ عَلَى كُفْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِالْإِسْلَامِ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ قُلْت خَرَاجُ الرَّأْسِ فِيهِ صَغَارٌ بِالنَّصِّ وَلِهَذَا لَا يُوضَعُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَصْلًا بِخِلَافِ خَرَاجِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صَغَارٌ وَلِهَذَا يُؤْخَذُ فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ لِلْمُسْلِمِ فَافْتَرَقَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀ (قَوْلُهُ وَالْعِصْمَةُ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ السُّكْنَى بَيَانُهُ أَنَّ الْآدَمِيَّ خُلِقَ مَعْصُومًا مَحْقُونَ الدَّمِ لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْقِيَامُ بِأُمُورِ التَّكْلِيفِ إلَّا بِكَوْنِهِ مَعْصُومًا وَإِنَّمَا بَطَلَتْ عِصْمَتُهُ بِعَارِضِ الْكُفْرِ ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ عَادَتْ الْعِصْمَةُ فَصَارَتْ الْعِصْمَةُ بَدَلًا بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ وَالذِّمِّيُّ يَمْلِكُ مَوْضِعَ السُّكْنَى بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ الْبَدَلِ عَلَيْهِ لِسُكْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ مَمْلُوكٍ لَهُ فَلَوْ كَانَتْ الْجِزْيَةُ أُجْرَةً كَانَ وُجُوبُهَا بِالْإِجَارَةِ لَا مَحَالَةَ وَالْإِجَارَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّأْقِيتُ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ يُبْطِلُهَا وَحَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّأْقِيتُ فِي السُّكْنَى دَلَّ أَنَّ الْجِزْيَةَ مَا كَانَ بِسَبِيلِ الْأُجْرَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
قَالَ الْكَمَالُ وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» قَالَ أَبُو دَاوُد سُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هَذَا فَقَالَ يَعْنِي إذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَبِاللَّفْظِ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ» وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَابُوسًا وَلَيْسَ قَابُوسٌ فِي سَنَدِ الطَّبَرَانِيِّ فَهَذَا لِعُمُومِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ مَا كَانَ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ إذْ عَدَمُ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ فَالْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفَائِدَةِ لَيْسَ كَالْإِخْبَارِ بِسُقُوطِهَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ وَهَذَا يَخُصُّ السُّقُوطَ بِالْإِسْلَامِ وَالْوَجْهُ يَعُمُّ مَوْتَهُ وَإِسْلَامَهُ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ
стр. 905
الرِّقُّ حَيْثُ يَبْقَى بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ حَتَّى يَسْرِيَ إلَى الْوَلَدِ تَبَعًا بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ قَالَ ﵀ (وَالتَّكْرَارُ) أَيْ تَسْقُطُ بِالتَّكْرَارِ وَمَعْنَاهُ إذَا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا تَسْقُطُ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ سَنَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّهَا عِوَضٌ وَالْأَعْوَاضُ لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَصَارَ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَتْ هِيَ فِيهِ وَهُوَ الصَّغَارُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُوَقَّرُ وَلَا يُحَقَّرُ وَالْمَشْرُوعُ بِصِفَةٍ لَا يُوجَدُ بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَسَقَطَتْ لِلتَّعَذُّرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا عُقُوبَةٌ وَجَبَتْ عَلَى الْكُفْرِ تُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْإِذْلَالِ وَلِهَذَا لَوْ بَعَثَهَا عَلَى يَدِ غُلَامِهِ أَوْ نَائِبِهِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَحْضُرَ بِهَا بِنَفْسِهِ فَيُعْطِي وَاقِفًا وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ وَفِي رِوَايَةٍ يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَهُزُّهُ هَزًّا وَيَقُولُ لَهُ أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ، وَالْعُقُوبَاتُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ إذَا تَرَاكَمَتْ تَدَاخَلَتْ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْحُدُودِ أَلَا تَرَى أَنَّ كَفَّارَاتِ الْإِفْطَارِ تَتَدَاخَلُ وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَةً لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ فَالْعُقُوبَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ السُّقُوطَ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَكُونُ فِي حِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ وَكَذَا النُّصْرَةُ تَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي لِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّكْرَارُ وَالْكَثْرَةُ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ أَوْ قَبْلَ التَّمَامِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ قِيلَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَقِيلَ لَا تَدَاخُلَ فِيهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَجِبُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ قَائِمًا مَقَامَ الْعُشْرِ وَلِهَذَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَالْعُشْرُ يَتَكَرَّرُ فَكَذَا هَذَا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فَحَمَلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى الْمُضِيِّ مَجَازًا وَقَالَ الْوُجُوبُ بِآخِرِ السَّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُضِيِّ لِيَتَحَقَّقَ الِاجْتِمَاعُ وَيَتَدَاخَلُ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَنَا فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ وَأَنَّهُ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ الِاجْتِمَاعُ بِمُجَرَّدِ الْمَجِيءِ وَظَاهِرٌ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْإِعْطَاءَ غَايَةً يَنْتَهِي إلَيْهِ الْقَتْلُ وَيَجِبُ تَرْكُ الْقَتْلِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَلَا يَنْتَظِرُ فِيهِ إلَى حَوَلَانِ الْحَوْلِ فَكَذَا الْإِعْطَاءُ وَهَذَا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ فَتَجِبُ لِلْحَالِ كَالْوَاجِبِ بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَلِأَنَّ الْمُعَوَّضَ قَدْ سُلَّمَ لَهُمْ لِلْحَالِ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْعِوَضُ كَذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْقِيَاسُ عَلَى خَرَاجِ الْأَرْضِينَ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ فَمَا لَمْ تُسَلَّمْ لَهُمْ الْمَنْفَعَةِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأُجْرَةُ وَلَا تَلْزَمُنَا الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا إنَّمَا وَجَبَتْ فِي آخِرِ الْحَوْلِ لِيَتَحَقَّقَ النَّمَاءُ إذْ هِيَ لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْمَالِ النَّامِي
قَالَ ﵀ (وَلَا تُحْدَثُ بِيعَةٌ وَلَا كَنِيسَةٌ فِي دَارِنَا) لِقَوْلِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بِالْإِسْلَامِ فَلَا يَرِدُ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ الِاسْتِرْقَاقُ بِالْإِسْلَامِ وَكَذَا خَرَاجُ الْأَرْضِ وَتَرْتَفِعُ الْجِزْيَةُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ عَقَلْت حِكْمَةً فَذَاكَ وَإِلَّا وَجَبَ الِاتِّبَاعُ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ وَاضِحٌ إذْ لَا إذْلَالَ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ كَيْ تَبْقَى فِي أَيْدِينَا وَالْمُسْلِمُ مَنْ يَسْعَى فِي بَقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهَا ذُلٌّ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَلِأَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ مِلْكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِرَقَبَتِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مِلْكُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ اسْتِحْقَاقٌ لِلْعُمُومِ وَالْحَقُّ الْخَاصُّ فَضْلًا عَنْ الْعَامِّ لَيْسَ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا عِوَضٌ وَالْأَعْوَاضُ لَا تَسْقُطُ) قَالَ الْكَمَالُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَوْنَهَا وَجَبَتْ عِوَضًا وَكَوْنَ الْمُتَّصِلِ مِنْهَا أَعْوَاضًا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَلْيَقُ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَعْوَاضِ الْأَجْزِيَةُ الْوَاقِعَةُ عُقُوبَةً تَمَّ عَلَيْهَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ: وَالْعُقُوبَاتُ تَتَدَاخَلُ. اهـ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ عَلَى قَوْلِهِمَا) أَيْ أَوْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَهُوَ الصَّغَارُ) أَيْ وَالْعُقُوبَاتُ الْوَاجِبَةُ لِلْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ وَبِالْمَوْتِ وَصَلَ إلَى الْعِقَابِ الْأَكْبَرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَدْنَى قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀ (قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَهُزُّهُ) التَّلْبِيبُ بِالْفَتْحِ مَا عَلَى مَوْضِعِ اللَّبَبِ مِنْ ثِيَابِهِ وَاللَّبَبُ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ وَالْهَزُّ التَّحْرِيكُ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْفَافِ لَهُ حَتَّى يُصْفَعَ أَيْضًا حَالَةَ الْأَخْذِ. اهـ. مِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ (قَوْلُهُ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ قِيلَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) أَيْ فَإِذَا مَضَتْ سُنُونَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا مَضَى اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَالْعُشْرُ) بِالْفَاءِ فِي خَطِّ الشَّارِحِ وَفِي الْكَافِي بِالْوَاوِ وَهُوَ أَوْلَى اهـ (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ) أَيْ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَجِيءِ وَهُوَ الدُّخُولُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَمَا لَمْ تُسَلَّمْ لَهُمْ الْمَنْفَعَةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأُجْرَةُ) أَيْ فَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا تُحْدَثُ بِيعَةٌ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ الْجِزْيَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُتَعَبَّدَاتِهِمْ مَا يَجُوزُ مِنْهَا وَمَا لَا يَجُوزُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا كَنِيسَةٌ) الْكَنِيسَةُ مَعْبَدُ الْيَهُودِ وَالْبِيعَةُ مَعْبَدُ النَّصَارَى قِيلَ فِي وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْخِصَاءِ وَالْكَنِيسَةِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخِصَاءَ نَوْعُ ضَعْفٍ لَيْسَ فِي الْفَحْلِ وَكَذَا بِنَاءُ الْكَنِيسَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُورِثَ الضَّعْفَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ فِي الْخِصَاءِ تَغْيِيرٌ عَمَّا عَلَيْهِ أَصْلُ الْخِلْقَةِ وَكَذَا فِي بِنَاءِ الْكَنِيسَةِ تَغْيِيرٌ عَمَّا عَلَيْهِ بِنَاءُ دَارِ الْإِسْلَامِ. اهـ. مِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ الْكَنِيسَةُ لِمُتَعَبَّدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَكَذَلِكَ الْبِيعَةُ اسْمٌ لِمُتَعَبَّدِهِمْ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ غَلَبَ فِي الْكَنِيسَةِ لِمُتَعَبَّدِ الْيَهُودِ وَفِي الْبِيعَةِ لِمُتَعَبَّدِ النَّصَارَى اهـ
стр. 906
- ﵊ «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» أَيْ لَا يُخْصَى إخْصَاءٌ يُقَالُ خَصَاهُ يُخْصِيه خِصَاءً عَلَى فِعَالٍ بِمَعْنَى الْإِخْصَاءِ وَقِيلَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ التَّبَتُّلُ وَالْعُزْلَةُ وَالِامْتِنَاعُ عَنْ النِّسَاءِ كَمَا يَفْعَلُهُ رُهْبَانُ النَّصَارَى فَكَأَنَّهُ خِصَاءٌ مَعْنًى وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْكَنِيسَةِ إحْدَاثُهَا أَيْ لَا تُحْدَثُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَنِيسَةٌ فِي مَوْضِعٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَبَيْتُ النَّارِ كَالْكَنِيسَةِ
قَالَ ﵀ (وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ مِنْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ الْقَدِيمَةِ) لِأَنَّهُ جَرَى التَّوَارُثُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا بِتَرْكِ الْكَنَائِسِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَقُومُ الْبِنَاءُ دَائِمًا فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْإِعَادَةِ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَقَرَّهُمْ عَهِدَ إلَيْهِمْ الْإِعَادَةَ لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ لَا تَبْقَى دَائِمًا وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَقْلِهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالصَّوْمَعَةُ بِمَنْزِلَةِ الْكَنِيسَةِ لِأَنَّهَا تُبْنَى لِلتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ كَالْكَنِيسَةِ بِخِلَافِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلسُّكْنَى وَهَذَا فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَمْصَارَ هِيَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ فَلَا يُعَارَضُ بِإِظْهَارِ مَا يُخَالِفُهَا وَلِهَذَا يُمْنَعُونَ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ وَضَرْبِ النَّاقُوسِ خَارِجَ الْكَنِيسَةِ فِي الْأَمْصَارِ لِمَا قُلْنَا وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَرْيَةٍ لَا تُقَامُ فِيهَا الْجُمَعُ وَالْحُدُودُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا عَدَدٌ كَثِيرٌ لِأَنَّ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ فِيهَا غَيْرُ ظَاهِرَةٍ وَقِيلَ يُمْنَعُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَشِعْ فِيهِ شَعَائِرُهُمْ لِأَنَّ فِي الْقُرَى بَعْضَ الشَّعَائِرِ فَلَا تُعَارَضُ بِإِظْهَارِ مَا يُخَالِفُهَا مِنْ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَانَ فِي قُرَى الْكُوفَةِ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَا يُدْخِلُونَ فِيهَا الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ وَيُمْنَعُونَ مِنْ اتِّخَاذِهَا الْمُشْرِكُونَ مَسْكَنًا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إلَّا مُسْلِمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ آخِرُ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَالَ «لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ قَالَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَأَجْلَى عُمَرُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
قَالَ ﵀ (وَيُمَيَّزُ الذِّمِّيُّ عَنَّا فِي الزِّيِّ وَالْمَرْكَبِ وَالسَّرْجِ فَلَا يَرْكَبُ خَيْلًا وَلَا يَعْمَلُ بِالسِّلَاحِ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجَ وَيَرْكَبُ سَرْجًا كَالْإِكَافِ) إظْهَارًا لِلصَّغَارِ عَلَيْهِمْ وَصِيَانَةً لِضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ يَقِينًا لِأَنَّ مَنْ هُوَ ضَعِيفُ الْيَقِينِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ لَا خِصَاءَ) الْخِصَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ عَلَى فِعَالٍ مَصْدَرُ خَصَاهُ أَيْ نَزَعَ خُصْيَتَيْهِ وَالْإِخْصَاءُ فِي مَعْنَاهُ خَطَأٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَوْلُهُ وَالْمَدُّ عَلَى فِعَالٍ مَصْدَرُ خَصَاهُ أَيْ مِنْ بَابِ رَمَاهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ مِنْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ الْقَدِيمَةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَدِيمَةِ مَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ الْإِمَامِ بَلَدَهُمْ وَمُصَالَحَتَهُمْ عَلَى إقْرَارِهِمْ عَلَى بَلَدِهِمْ وَأَرَاضِيهمْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَا مَحَالَةَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَقَوْلُهُ الْقَدِيمَةِ أَيْ عَلَى قَدْرِ الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ وَيُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ. اهـ. قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يُمْنَعُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَشِعْ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ فِي قُرَى الْكُوفَةِ أَنَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ عَدَمِ الْمَنْعِ عَنْ إحْدَاثِ الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ فِي الْقُرَى فِي قُرَى الْكُوفَةِ لَا قُرَى بِلَادِنَا لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِهَا كَانُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ فَلَمْ تَكُنْ قُرَاهَا مَوْضِعَ تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ لِغَلَبَتِهِمْ فَلَمْ يَرِدْ الْمَنْعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ بِخِلَافِ قُرَى بِلَادِنَا فَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِيهَا مَعْدُودُونَ فَمُنِعُوا مِنْ الْإِحْدَاثِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى إذَا أَرَادُوا إحْدَاثَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ فِي الْأَمْصَارِ يُمْنَعُونَ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا فِي السَّوَادِ ذَكَرَ فِي الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ وَفِي الْإِجَارَاتِ أَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ يُمْنَعُ وَقَالَ الْفَضْلِيُّ وَمَشَايِخُ بُخَارَى لَا يُمْنَعُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي بَابِ إجَارَةِ الدُّورِ وَالْبُيُوتِ مِنْ شَرْحِ الْإِجَارَاتِ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ عَنْ ذَلِكَ فِي السَّوَادِ وَذَكَرَ هُوَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَقَالَ إنْ كَانَتْ قَرْيَةً غَالِبُ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُمْنَعُونَ وَأَمَّا الْقَرْيَةُ الَّتِي سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا وَهَلْ تُهْدَمُ الْبِيَعُ الْقَدِيمَةُ فِي السَّوَادِ؟ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا لَا، أَمَّا فِي الْأَمْصَارِ ذَكَرَ فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّهُ لَا تُهْدَمُ الْبِيَعُ الْقَدِيمَةُ بَلْ تُتْرَكُ وَذَكَرَ فِي الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ أَنَّهَا تُهْدَمُ قَالَ النَّاطِفِيُّ فِي الْوَاقِعَاتِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ كَنِيسَةٌ وَلَا بِيعَةٌ وَلَا بَيْتُ نَارٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ فِي أَمْصَارِهَا وَقُرَاهَا. اهـ. هِدَايَةٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ فَلَا تُحْدَثُ فِيهَا كَنِيسَةٌ وَلَا تُقَرُّ لِأَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ السُّكْنَى فَلَا فَائِدَةَ فِي إقْرَارِهَا إلَّا أَنْ تُتَّخَذَ دَارَ سُكْنَى وَلَا تُبَاعُ بِهَا خَمْرٌ وَلَا فِي قَرْيَةٍ مِنْهَا وَلَا فِي مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَيُمْنَعُونَ مِنْ اتِّخَاذِهَا الْمُشْرِكُونَ مَسْكَنًا) بِخِلَافِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَيْسَتْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ يُمَكَّنُونَ مِنْ سُكْنَاهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. اهـ. كَمَالٌ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ اتِّخَاذِهَا مَا نَصُّهُ أَيْ أَرْضِ الْعَرَبِ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ مَسْكَنًا مَا نَصُّهُ أَيْ وَوَطَنًا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُمَيَّزُ الذِّمِّيُّ عَنَّا فِي الزِّيِّ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالزِّيُّ بِالْكَسْرِ الْهَيْئَةُ وَأَصْلُهُ زِوْيٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَصِيَانَةً لِضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ يَقِينًا) أَيْ فَرُبَّمَا يَمْرُقُونَ بِجَهْلِهِمْ فَيَقُولُونَ الْكُفَّارُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَّا فَإِنَّهُمْ فِي خَفْضِ عَيْشٍ وَنِعْمَةٍ وَنَحْنُ فِي كَدٍّ وَتَعَبٍ. اهـ. فَتْحٌ وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَمَّا كَانُوا مُخَالِطِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا بُدَّ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ مِنْ الْكَافِرِ كَيْ لَا يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ مِنْ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِذْ وَجَبَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَغَارٌ
стр. 907
إذَا رَآهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي النِّعَمِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي مِحْنَةٍ وَشِدَّةٍ يُخَافُ أَنْ يَمِيلَ إلَى دِينِهِمْ وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] الْآيَةَ وَحِكَايَةُ قَارُونَ مَعَ الضَّعَفَةِ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ﵇ مَعْرُوفَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُوَقَّرُ وَالذِّمِّيَّ يُحَقَّرُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ وَلَا يُبْدَأُ بِالسَّلَامِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَامَةٌ يُمَيَّزُ بِهَا لَمَا وَقَعَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَوَّلُ مَنْ أَخَذَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالْعَلَامَةِ عُمَرُ ﵁ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فِي أَيَّامِهِ فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ تَقَعْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إلَّا بِالْعَلَامَةِ وَقَالَ ﵊ «أَيْنَمَا دَارَ عُمَرُ فَالْحَقُّ مَعَهُ وَلَمْ يَأْمُرْ ﵊ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَلَا نَصَارَى نَجْرَانَ وَلَا مَجُوسَ هَجَرَ بِالْعَلَامَةِ» لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ وَحَالُهُمْ لَا يَشْتَبِهُ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْعَلَامَةِ وَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ وَلَا يَلْبَسُونَ طَيَالِسَةً مِثْلَ طَيَالِسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَرْدِيَةً مِثْلَ أَرْدِيَتِهِمْ وَلَا كُلَّ لِبَاسٍ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ وَإِنْ رَكِبُوا الضَّرُورَةَ مِنْ سَفَرٍ وَنَقْلِ مَرِيضٍ نَزَلُوا فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ لُبْسِ زَنَانِيرِ الْإِبْرَيْسَمِ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْكُسْتِيجِ وَهُوَ الْخَيْطُ الْغَلِيظُ وَيُؤْمَرُ بِتَمْيِيزِ نِسَائِهِمْ عَنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الطَّرِيقِ وَالْحَمَّامِ وَتُجْعَلُ عَلَى دُورِهِمْ عَلَامَةٌ كَيْ لَا يَقِفَ عَلَيْهَا السَّائِلُ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ
قَالَ ﵀ (وَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِالْإِبَاءِ عَنْ الْجِزْيَةِ وَالزِّنَا بِمُسْلِمَةٍ وَقَتْلِ مُسْلِمٍ وَسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُنْتَقَضُ أَمَانُهُ بِالسَّبِّ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الْأَيْمَانَ فَكَذَا الْأَمَانُ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ دُونَهُ وَهُوَ خَلَفٌ عَنْهُ وَلَنَا «أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّامُ عَلَيْك فَقَالَ أَصْحَابُهُ ﵊ نَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ فَلَمْ يَنْتَقِضْ ﵇ عَهْدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَعَلَى مَالِكٍ فِي وُجُوبِ الْقَتْلِ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّ السَّبَّ كُفْرٌ مِنْهُ فَالْكُفْرُ الْمُقَارِنُ لَا يَمْنَعُ الْعَهْدَ فَكَذَا الطَّارِئُ لَا يَرْفَعُهُ وَهَذَا لِأَنَّ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ وَقَبُولُهَا لَا أَدَاؤُهَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
لَا إعْزَازٌ لِأَنَّ إذْلَالَهُمْ وَاجِبٌ بِغَيْرِ أَذًى مِنْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ بِلَا سَبَبٍ يَكُونُ مِنْهُ بَلْ الْمُرَادُ اتِّصَافُهُ بِهَيْئَةٍ وَضِيعَةٍ وَكَذَا لَوْ أُمِرُوا بِالْكُسْتِيجَاتِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] تَنْبِيهًا عَلَى خِسَّةِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ . اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ وَيَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ الذِّمِّيُّ فَجْأَةً فِي الطَّرِيقِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَلَامَةٌ يُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَاجِبٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ لُبْسِ زَنَانِيرِ الْإِبْرَيْسَمِ) قَالَ الْكَمَالُ وَإِذَا مُنِعُوا مِنْ شَدِّ زُنَّارٍ وَهُوَ حَاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ فَمَنْعُهُمْ مِنْ لِبَاسِ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ الَّتِي تُعَدُّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فَاخِرَةً سَوَاءٌ كَانَتْ حَرِيرًا أَوْ غَيْرَهُ كَالصُّوفِ الْمُرَبَّعِ وَالْجُوخِ الرَّفِيعِ وَالْأَبْرَادِ الرَّفِيعَةِ أَوْلَى وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِ هَذَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ وَلَا شَكَّ فِي مَنْعِ اسْتِكْتَابِهِمْ وَإِدْخَالِهِمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُعَظَّمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ رُبَّمَا يَقِفُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ خَاطِرُهُ مِنْهُ فَيَسْعَى بِهِ عِنْدَ مُسْتَكْتِبِهِ سِعَايَةً تُوجِبُ لَهُ مِنْهُ الضَّرَرَ وَكَذَا يُؤْخَذُونَ بِالرُّكُوبِ عَلَى سُرُوجٍ فَوْقَ الْحُمُرِ كَهَيْئَةِ الْإِكَافِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ بَلْ اخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنْ لَا يَرْكَبُوا أَصْلًا إلَّا إذَا أُخْرِجُوا إلَى أَرْضِ قَرْيَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ كَانَ مَرِيضًا أَيْ إلَّا أَنْ تَلْزَمَ الضَّرُورَةُ فَيَرْكَبُ ثُمَّ يَنْزِلُ فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرَّ بِهِمْ وَلَا يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ وَتُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقُ وَلَا يُبْدَأُ بِالسَّلَامِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ فَقَطْ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ زَنَانِيرَ مَا نَصُّهُ الزُّنَّارُ لِلنَّصَارَى وِزَانُ تُفَّاحٍ وَالْجَمْعُ زَنَانِيرُ. اهـ. مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْخَيْطُ الْغَلِيظُ) أَيْ فِي غِلَظِ الْأُصْبُعِ مِنْ الصُّوفِ يَشُدُّهُ فَوْقَ ثِيَابِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ كَيْ لَا يَقِفَ عَلَيْهَا السَّائِلُ فَيَدْعُوَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ) أَيْ أَوْ يُعَامِلَهُمْ بِالتَّضَرُّعِ كَمَا يَتَضَرَّعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَتُجْعَلُ مَكَاعِبُهُمْ خَشِنَةً فَاسِدَةَ اللَّوْنِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ إلَخْ) ذَكَرَ الشَّارِحُ ﵀ فِي بَابِ الْبُغَاةِ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا أَعَانُوا أَهْلَ الْبَغْيِ عَلَى الْقِتَالِ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْبَغْيِ حَتَّى لَا يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُهُمْ وَلَا أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّ عَهْدَهُمْ لَا يُنْتَقَضُ بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الْإِيمَانُ) يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا كَانَ سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ يَنْقُضُ إيمَانَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَعَلَى مَالِكٍ فِي وُجُوبِ الْقَتْلِ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﵊) أَيْ إنْ لَمْ يُسْلِمْ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ قَالَ الْكَمَالُ فَيَصِيرُ مُبَاحَ الدَّمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ عِنْدَنَا وَقَيَّدَ بِأَدَائِهَا لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا نُقِضَ عَهْدُهُ ثُمَّ قَالَ الْكَمَالُ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ سَبَّهُ ﵊ أَوْ نِسْبَةُ مَا لَا يَنْبَغِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كَنِسْبَةِ الْوَلَدِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ وَلَكِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَكْتُمُهُ فَلَا وَهَذَا لِأَنَّ دَفْعَ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ عَنْهُمْ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِمْ صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ بِالنَّصِّ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِمْرَارُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عِنْدَ مُجَرَّدِ الْقَبُولِ وَإِظْهَارِ ذَلِكَ مِنْهُ يُنَافِي قَيْدَ كَوْنِ قَبُولِ الْجِزْيَةِ رَافِعًا لِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ جَارِيًا عَلَى الْعَقْدِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَاغِرًا ذَلِيلًا وَهَذَا الْبَحْثُ مِنَّا يُوجِبُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهِ حَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ يَرْجِعُ إلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ اهـ قَالُوا إذَا طَعَنَ الذِّمِّيُّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ طَعْنًا ظَاهِرًا جَازَ قَتْلَهُ لِأَنَّ الْعَهْدَ مَعْقُودٌ مَعَهُ عَلَى أَنْ لَا يَطْعَنَ فَإِذَا طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وَخَرَجَ مِنْ الذِّمَّةِ ذَكَرَهُ حَافِظُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢]. اهـ.
стр. 908
وَهُوَ بَاقٍ فَلَا يُنْتَقَضُ
قَالَ ﵀ (بَلْ بِالِالْتِحَاقِ ثَمَّةَ أَوْ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ لِلْحِرَابِ) أَيْ بَلْ يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِالِالْتِحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ لِلْحِرَابِ لِأَنَّهُمْ صَارُوا بِذَلِكَ حَرْبًا عَلَيْنَا فَلَا يُفِيدُ بَقَاءُ الْعَهْدِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ دَفْعُ الْفَسَادِ بِتَرْكِ الْقِتَالِ قَالَ ﵀ (وَصَارُوا كَالْمُرْتَدِّ) أَيْ وَصَارُوا بِالْتِحَاقِهِمْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ بِالْغَلَبَةِ صَارُوا كَالْمُرْتَدِّ فِي حِلِّ قَتْلِهِمْ وَدَفْعِ مَالِهِمْ لِوَرَثَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ الْتَحَقُوا بِالْأَمْوَاتِ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى قَبُولِ الذِّمَّةِ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ حَيْثُ لَا يُسْتَرَقُّ وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّ كُفْرَ الْمُرْتَدِّ أَغْلَظُ فَأَوْجَبَ الزِّيَادَةَ فِي الْعُقُوبَةِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَبِاسْتِرْقَاقِ الذِّمِّيِّ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَهُوَ دَفْعُ فَسَادِهِ وَحِرَابِهِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ فَلَا يَحْصُلُ بِاسْتِرْقَاقِهِ فَصَارَ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمَالُ الَّذِي لَحِقَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ يَكُونُ فَيْئًا وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ كَالْمُرْتَدِّ بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَلَحِقَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ حَيْثُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ لِأَنَّهُ حِينَ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَلَكُوهُ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مَجَّانًا أَوْ بِعِوَضٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَوْلُهُ بَلْ بِالِالْتِحَاقِ ثَمَّةَ إلَخْ يُفِيدُ اخْتِصَاصَ مَا يُنْتَقَضُ بِهِ الْعَهْدُ حَتَّى لَوْ قَالَ نَقَضْت بِالْقَوْلِ لَا يُنْتَقَضُ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ
قَالَ ﵀ (وَيُؤْخَذُ مِنْ تَغْلِبِيٍّ وَتَغْلَبِيَّةٍ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (ضِعْفُ زَكَاتِنَا) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ ﵁ هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ وَلِهَذَا تُصْرَفُ مَصَارِفُ الْجِزْيَةِ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَمَا لَا جِزْيَةَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ ﵁ صَالَحَهُمْ عَلَى ضِعْفِ الزَّكَاةِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَالزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ دُونَ الصِّبْيَانِ فَكَذَا ضِعْفُهَا وَالنِّسَاءُ أَهْلٌ لِوُجُوبِ الْمَالِ بِالصُّلْحِ وَالْمَصْرِفُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِزْيَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَرْفِهِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ جِزْيَةً وَكَيْفَ يَكُونُ جِزْيَةً وَشَرَائِطُهُ مِنْ وَصْفِ الصَّغَارِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ مِنْ النَّائِبِ وَالْإِعْطَاءِ قَائِمًا وَالْقَابِضُ قَاعِدٌ وَأَخْذِ التَّلْبِيبِ وَالْهَزِّ لَا يُرَاعَى فِيهِ
قَالَ ﵀ (وَمَوْلَاهُ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) أَيْ فِي حَقِّ عَدَمِ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَوْلَى فَإِنَّهُمَا لَا يَتْبَعَانِ مَوْلَاهُمَا فِي الْجِزْيَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ أَوْ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ) أَيْ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ حِصْنٍ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَصَارُوا كَالْمُرْتَدِّ) أَيْ فِي الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ بِاللَّحَاقِ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْأَمْوَاتِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ) قَالَ الْكَمَالُ وَإِذَا تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَعُودُ ذِمَّتُهُ وَلَا يَبْطُلُ أَمَانُ ذُرِّيَّتِهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ وَتَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ الذِّمِّيَّةُ الَّتِي خَلَفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إجْمَاعًا وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَمَّا إذَا الْتَحَقَتْ هِيَ مَعَهُ بِدَارِهِمْ ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِنَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا لِعَدَمِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ كَالْمُرْتَدِّ) أَيْ إذَا حَمَلَ مَالَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مَجَّانًا) أَيْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ اهـ (قَوْلُهُ أَوْ بِعِوَضٍ) أَيْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُمْ حِينَ أَخْذِهِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَغْلِبِيٍّ وَتَغْلَبِيَّةٍ إلَخْ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ بِإِسْنَادِهِ إلَى دَاوُد بْنِ كَرْدُوسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ التَّغْلِبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ بَنِي تَغْلِبَ مَنْ قَدْ عَلِمْت شَوْكَتَهُمْ وَإِنَّهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَإِنْ ظَاهَرُوا عَلَيْك الْعَدُوَّ اشْتَدَّتْ مُؤْنَتُهُمْ فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تُعْطِيَهُمْ شَيْئًا فَافْعَلْ قَالَ فَصَالَحَ عُمَرُ عَلَى أَنْ لَا يَغْمِسُوا أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَتُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ وَعَلَى أَنْ تَسْقُطَ الْجِزْيَةُ عَنْ رُءُوسِهِمْ فَكُلُّ نَصْرَانِيٍّ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ لَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ سَائِمَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا زَادَتْ شَاةٌ فَفِيهَا أَرْبَعٌ مِنْ الْغَنَمِ وَعَلَى هَذَا الْحِسَابِ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْإِبِلُ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ فَعَلَى النَّصْرَانِيِّ التَّغْلِبِيِّ مِثْلُهُ مَرَّتَيْنِ وَنِسَاؤُهُمْ كَرِجَالِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ وَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ أَرْضُهُمْ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ يَوْمَ صُولِحُوا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الضِّعْفُ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَرَوْنَ أَنْ يُؤْخَذَ ضِعْفُ الصَّدَقَةِ مِنْ أَرْضِهِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَاشِيَتِهِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مَاشِيَتِهِ وَسَبِيلُ ذَلِكَ سَبِيلُ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْجِزْيَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ هَذَا لَفْظُ أَبِي يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ يُرِيدُ بِهِ إذَا لَمْ يَمُرُّوا عَلَى عَاشِرٍ أَمَّا إذَا مَرُّوا بِمَالٍ عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ مَنْ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ وَلَوْ مَرَّ الصَّبِيُّ أَوْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ بِمَالٍ فَلَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ شَيْءٌ وَعَلَى الْمَرْأَةِ مَا عَلَى الرَّجُلِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي السَّوَائِمِ اهـ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ أُفْرِدُ أَحْكَامُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ بِفَصْلٍ لِأَنَّ حُكْمَهُمْ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ النَّصَارَى وَتَغْلِبُ مِنْ بَنِي غَالِبٍ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ رَبِيعَةَ تَنَصَّرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ثُمَّ زَمَنُ عُمَرَ دَعَاهُمْ عُمَرُ إلَى الْجِزْيَةِ فَأَبَوْا وَأَنِفُوا وَقَالُوا نَحْنُ عَرَبٌ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ الصَّدَقَةَ فَقَالَ لَا آخُذُ مِنْ مُشْرِكٍ فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالرُّومِ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنْ الْجِزْيَةِ فَلَا تُعِنْ عَلَيْك عَدُوَّك بِهِمْ وَخُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ فَبَعَثَ عُمَرُ ﵁ فِي طَلَبِهِمْ وَضَعَّفَ عَلَيْهِمْ فَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ الْفُقَهَاءُ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَوْلَاهُ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) يَعْنِي لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ مِنْ الْقُرَشِيِّ وَتُؤْخَذُ مِنْ مَوْلَاهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا اهـ
стр. 909
وَالْخَرَاجِ حَتَّى يُوضَعَا عَلَيْهِمَا وَإِنْ كَانَ الْقُرَشِيُّ وَالتَّغْلِبِيُّ لَا يُوضَعَانِ عَلَيْهِمَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀ يُضَاعَفُ عَلَى مَوْلَى التَّغْلِبِيِّ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِمَوْلَاهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَلِهَذَا حُرِّمَتْ الزَّكَاةُ عَلَى مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ وَلَنَا أَنَّهُ لَوْ الْتَحَقَ بِالْمَوْلَى هُنَا كَانَ تَخْفِيفًا إذْ التَّضْعِيفُ أَخَفُّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وَصْفُ الصَّغَارِ وَالْمَوْلَى لَا يُلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِي التَّخْفِيفِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى مَوْلَى الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ كَافِرًا وَلَوْ لَحِقَهُ فِيهِ لَمَا وُضِعَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَأُلْحِقَ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ فِي حَقِّهَا بِالْهَاشِمِيِّ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُلْحَقَ الْمَوْلَى بِأَصْلِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ مَوْلَى الْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ وَلَكِنْ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ «أَبَا رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَتَحِلُّ لِي الصَّدَقَةُ قَالَ ﵊ لَا، أَنْتَ مَوْلَانَا وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَمَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يُلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ لِإِظْهَارِ فَضِيلَةِ قَرَابَتِهِ ﵊ وَفَضِيلَةِ مَنْ يَنْتَمِي إلَيْهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ مَوْلَى الْغَنِيِّ لَا يُلْحَقُ بِأَصْلِهِ فِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ إذْ لَا يُوَازِي الْهَاشِمِيَّ فِي اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْكَرَامَةِ أَوْ لِأَنَّ الْغَنِيَّ أَهْلٌ لَأَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْهُ غِنَاهُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ
قَالَ ﵀ (وَالْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ وَمَالُ التَّغْلِبِيِّ وَهَدِيَّةُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ بِلَا قِتَالٍ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِنَا كَسَدِّ الثُّغُورِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ وَكِفَايَةِ الْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَيُصْرَفُ إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ عَمَلَةُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَلَوْ لَمْ يُعْطُوا لَاحْتَاجُوا إلَى الِاكْتِسَابِ وَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَةُ الذَّرَارِيِّ عَلَى الْآبَاءِ فَيُعْطُونَ كِفَايَتَهُمْ كَيْ لَا يَشْتَغِلُوا بِهَا عَنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا خُمُسَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُخَمِّسْ الْجِزْيَةَ وَلِأَنَّهُ مَالٌ أُخِذَ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا قِتَالٍ بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ بِالْقَهْرِ وَالْقِتَالِ فَشَرْعُ الْخُمُسِ فِيهَا لَا يَدُلُّ عَلَى شَرْعِهِ فِي الْآخِرِ وَمِنْ جُمْلَةِ هَذَا النَّوْعِ مَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا مَرُّوا عَلَيْهِ وَمَالُ أَهْلُ نَجْرَانَ وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ قَبْلَ نُزُولِ الْعَسْكَرِ بِسَاحَتِهِمْ كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا يَجِيءُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ مَصْرِفِهِ وَالثَّانِي الزَّكَاةُ وَالْعُشْرُ وَمَصْرِفُهَا مَا ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ وَهُمْ سَبْعَةُ أَصْنَافٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالثَّالِثُ خُمُسُ الْغَنَائِمِ وَالْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ وَمَصْرِفُهُ مَا ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ السِّيَرِ وَالرَّابِعُ اللُّقَطَاتُ وَالتَّرِكَاتُ الَّتِي لَا وَارِثَ لَهَا وَدِيَاتُ مَقْتُولٍ لَا وَلِيَّ لَهُ وَمَصْرِفُهَا اللَّقِيطُ الْفَقِيرُ وَالْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ يُعْطُونَ مِنْهُ نَفَقَتَهُمْ وَأَدْوِيَتَهُمْ وَتُكَفَّنُ بِهِ مَوْتَاهُمْ وَتُعْقَلُ بِهِ جِنَايَتُهُمْ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ بَيْتًا يَخُصُّهُ وَلَا يَخْلِطُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ لِأَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمًا يَخْتَصُّ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَعْضِهَا شَيْءٌ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ عَلَيْهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ وَيَصْرِفُهُ إلَى أَهْلِ ذَلِكَ ثُمَّ إذَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ شَيْءٌ رَدَّهُ فِي الْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ مِنْ الصَّدَقَاتِ أَوْ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَهُمْ فُقَرَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِلصَّدَقَاتِ بِالْفَقْرِ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ إذَا صَرَفَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَصْرِفَ إلَى كُلِّ مُسْتَحِقٍّ قَدْرَ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَإِنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ كَانَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَسِيبًا
قَالَ ﵀ (وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ حُرِمَ عَنْ الْعَطَاءِ) يَعْنِي وَمَنْ مَاتَ مِمَّنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ وَنَحْوِهِمْ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْعَطَاءِ شَيْئًا وَالْعَطَاءُ اسْمٌ لِمَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُ صِلَةٌ فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ وَلَهَا نَفَقَةٌ مَفْرُوضَةٌ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَاسْمُ الْعَطَاءِ يُنْبِئُ عَنْ الصِّلَةِ وَإِنَّمَا قَالَ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي آخِرِ السَّنَةِ يُسْتَحَبُّ صَرْفُهُ إلَى قَرِيبِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْفَى عَنَاءَهُ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْوَفَاءِ وَلَوْ عَجَّلَ لَهُ كِفَايَةَ سَنَةٍ ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ قِيلَ يَجِبُ رَدُّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ وَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ يَرْجِعُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْجِعُ هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى امْرَأَةٍ لِيَتَزَوَّجَهَا وَهُمَا يَعْتَبِرَانِهِ بِالْهِبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى مَوْلَى الْمُسْلِمِ) يَعْنِي لَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ مَوْلًى نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ إنَّهُ وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلَمْ يَتَعَدَّ إلَيْهِ التَّخْفِيفُ الثَّابِتُ بِالْإِسْلَامِ فَلَأَنْ لَا يَتَعَدَّى إلَيْهِ التَّخْفِيفُ الثَّابِتُ بِوَصْفِ التَّغْلِبِيَّةِ أَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ) أَيْ عَلَى الْهَاشِمِيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَخْفِيفًا بَلْ تَحْرِيمٌ وَالْحُرُمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ لَا يُلْحَقُ بِأَصْلِهِ فِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا أُعْطِيَ كِفَايَتَهُ مِنْهَا. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ حُرِمَ عَنْ الْعَطَاءِ) أَيْ وَأَمَّا الْمُدَرِّسُ وَالْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ أَوْ عُزِلَ وَقَدْ بَاشَرَ مُدَّةً فَإِنَّهُ لَا يُحْرَمُ نَصَّ عَلَيْهِ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعْ الْوَسَائِلِ فِي مَسْأَلَةِ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَبَسَطَ الْكَلَامَ هُنَاكَ فَلْيُرَاجَعْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ عَجَّلَ لَهُ كِفَايَةَ سَنَةٍ ثُمَّ عُزِلَ) أَيْ أَوْ مَاتَ. اهـ.
стр. 910
(بَابُ الْمُرْتَدِّينَ) قَالَ ﵀ (يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَتُكْشَفُ شُبْهَتُهُ وَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى مَا قَالُوا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ غَيْرَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ اعْتَرَاهُ شُبْهَةٌ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ لِتُزَاحَ وَيَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّ عَوْدَهُ مَرْجُوٌّ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْمُرْتَدُّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْإِمْهَالُ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْإِمْهَالُ وَاجِبٌ لَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِأَنَّ ارْتِدَادَ الْمُسْلِمِ يَكُونُ عَنْ شُبْهَةٍ ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ التَّأَمُّلُ فِيهَا فَقَدَّرْنَاهُ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مُطْلَقًا وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَيُقْتَلُ لِلْحَالِ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ لِإِطْلَاقِ الدَّلَائِلِ فَإِنْ ارْتَدَّ وَتَابَ ثُمَّ ارْتَدَّ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَهَكَذَا دَائِمًا لِأَنَّا نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَكَانَ ﵊ يُقْبَلُ ظَاهِرُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ «وَقَالَ ﵊ لِمَنْ قَتَلَ شَخْصًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ هَلَّا شَقَقْت قَلْبَهُ» وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الِارْتِدَادُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ
قَالَ ﵀ (وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ سِوَى الْإِسْلَامِ أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ) أَيْ كَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأُ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ صَحَّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالْأَوْلَى هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا دِينَ لَهُ
قَالَ ﵀ (وَكُرِهَ قَتْلُهُ قَبْلَهُ) أَيْ كُرِهَ قَتْلُهُ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي قَتْلِهِ تَفْوِيتَ الْعَرْضِ الْمُسْتَحَبِّ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَعْنَى الْكَرَاهَةِ هُنَا تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ قَالَ ﵀ (وَلَمْ يَضْمَنْ قَاتِلُهُ) لِأَنَّ الْكُفْرَ بِوَصْفِ الْحِرَابِ مُبِيحٌ وَالْعَرْضُ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَمْ يَضْمَنْ لِذَلِكَ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»
قَالَ ﵀ (وَلَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ بَابُ الْمُرْتَدِّينَ]
بَابُ الْمُرْتَدِّ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفَّارِ مِنْ الْأَصْلِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفَّارِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْعَارِضَ بَعْدَ الْأَصْلِيِّ فِي الْوُجُودِ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَضْعًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) أَيْ وَأَبُو دَاوُد. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ) أَيْ وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ وَدَعْوَةُ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ. اهـ. كَمَالٌ ﵀ وَفِي الْكَافِي يُقْتَلُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ لِتُزَاحَ) أَيْ تُزَالَ اهـ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ) أَيْ مَكَانَهُ فَيُفِيدُ أَنَّ إنْظَارَهُ لَيْسَ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذِمِّيٍّ وَلَا مُسْتَأْمَنٍ إذْ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْهُ وَمَا طَلَبَ الْأَمَانَ فَكَانَ حَرْبِيًّا لِإِطْلَاقِ النَّصِّ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ فَإِنْ ارْتَدَّ وَتَابَ ثُمَّ ارْتَدَّ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) أَيْ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ كَرَّرَ رِدَّتَهُ كَالزِّنْدِيقِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّيْثُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ قُلْنَا رَتَّبَ عَدَمَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى شَرْطِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠]. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَجْهُ قَوْلِ الْعَامَّةِ إنَّ الْآيَةَ فِي حَقِّ مَنْ ازْدَادَ كُفْرًا لَا فِي حَقِّ مَنْ آمَنَ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ». اهـ. (قَوْلُهُ وَهَكَذَا دَائِمًا) أَيْ وَلَا يُقْتَلُ إلَّا إنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا إنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ أَبَدًا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ مُسْتَهْزِئٌ وَلَيْسَ بِثَائِبٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ إلَخْ) وَلَكِنْ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِيضَاحِ وَفِي الْمُنْيَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ تُبْت وَرَجَعْت إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مُسْتَحَبٌّ. اهـ. دِرَايَةٌ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إسْلَامُ النَّصْرَانِيِّ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَتَبَرَّأَ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ، وَالْيَهُودِيُّ كَذَلِكَ يَتَبَرَّأُ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَكَذَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَأَمَّا بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَتَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ خُصُوصَ الرِّسَالَةِ إلَى الْعَرَبِ فَيُصَدِّقُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ إلَّا بِهِ هَذَا فِيمَنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا مِنْهُمْ وَأَمَّا مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ فَقَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ أَوْ قَالَ دَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ فَكَيْفَ إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ضِيقًا. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُرِهَ قَتْلُهُ قَبْلَهُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ قَالَ الْكَمَالُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ كُرِهَ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْقَاطِعِ لِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ وَكُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى الْمُرْتَدِّ هَدَرٌ اهـ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَيْ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أُدِّبَ اهـ قَالَ قَاضِي خَانْ وَرِدَّةُ الرَّجُلِ تُبْطِلُ عِصْمَةَ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ الْقَاتِلُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ أَوَأَتْلَفَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ مَعْنَى الْكَرَاهَةِ هُنَا تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ) أَيْ فَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَعِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الْفَرْضِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ) أَيْ بَلْ تُحْبَسُ أَبَدًا اهـ
стр. 911
بَلْ تُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقْتَلُ لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّ قَتْلَ الرَّجُلِ لِتَغْلِيظِ جِنَايَتِهِ وَقَدْ شَارَكَتْهُ فِيهَا فَتُشَارِكُهُ فِي جَزَائِهَا كَالْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ قُلْنَا الْمُبِيحُ لِلْقَتْلِ كُفْرُ الْمُحَارَبِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ قَتْلِ الْكَافِرَاتِ» بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مُعَلَّقٌ بِالْجِنَايَةِ دُونَ الْحِرَابِ وَجَزَاءُ الْكُفْرِ لَا يُقَامُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهَا دَارُ الِابْتِلَاءِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْمُحَارِبُ لَنَا وَإِلَّا لَوَجَبَ قَتْلُ الشَّخْصِ إذَا أَسْلَمَ لِأَنَّهُ بَدَّلَ دِينَهُ وَهُوَ الْكُفْرُ بِالْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيه ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ الْقَتْلَ عَلَى الْيَهُودِيِّ إذَا تَنَصَّرَ وَبِالْعَكْسِ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَانْتِقَالُهُ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ لَا يَزِيدُهُ خُبْثًا وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْرًا بِأَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْأَمْرُ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ فَلَا يَجُوزُ وَإِذَا لَمْ تُقْتَلْ الْمُرْتَدَّةُ تُحْبَسُ إلَى أَنْ تُسْلِمَ لِأَنَّهَا ارْتَكَبَتْ جَرِيمَةً عَظِيمَةً فَتُحْبَسُ حَتَّى تَتْرُكَ وَتَخْرُجَ مِنْهَا وَتُضْرَبُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُبَالَغَةً فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلشُّبْهَةِ وَالْأَمَةُ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ بِأَنْ يَجْعَلَ مَنْزِلَ الْمَوْلَى سِجْنًا لَهَا وَيُفَوِّضُ التَّأْدِيبَ إلَيْهِ مَعَ تَوْفِيرِ حَقِّهِ فِي الِاسْتِخْدَامِ وَقَالَ فِي الْأَصْلِ دُفِعَتْ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُدْفَعُ إلَيْهِ احْتَاجَ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ طَلَبَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ لِأَنَّ الْحَبْسَ تَصَرُّفٌ فِيهَا وَذَاكَ إلَى الْمَوْلَى
قَالَ ﵀ (وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ زَوَالًا مَوْقُوفًا فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَ مِلْكُهُ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَرِثَ كَسْبَ إسْلَامِهِ وَارِثَهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِ إسْلَامِهِ وَكَسْبُ رِدَّتِهِ فَيْءٌ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِ رِدَّتِهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الرِّدَّةِ يَظْهَرُ فِي إبَاحَةِ دَمِهِ لَا فِي زَوَالِ مِلْكِهِ كَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقَوَدِ وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَيَكُونُ كَامِلَ الْأَهْلِيَّةِ وَذَلِكَ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِمَا كُلِّفَ بِهِ إلَّا بِبَقَاءِ مِلْكِهِ فَيَبْقَى مِلْكُهُ ضَرُورَةَ التَّمْكِينِ وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ وَقَدْ زَالَتْ عِصْمَةُ نَفْسِهِ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهَا حَرْبِيًّا حَتَّى يُقْتَلَ وَكَذَا عِصْمَةُ مَالِهِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا وَلِأَنَّهُ هَالِكٌ حُكْمًا فَصَارَ كَالْهَالِكِ حَقِيقَةً غَيْرَ أَنَّهُ يُدْعَى إلَى الْإِسْلَامِ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقْتَلُ) أَيْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّيْثُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَحَمَّادٌ وَإِسْحَاقُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ قَتْلِ الْكَافِرَاتِ») أَيْ فَقَالَ «لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً» وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْمُرْتَدَّةِ وَالْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَلِأَنَّهَا مَتَى لَا تُقْتَلُ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ فَبِالطَّارِئِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى كَالصَّبِيِّ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ وَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ إذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ يُحْبَسْنَ وَيُدْعَيْنَ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ وَفِي بَلَاغَاتِ مُحَمَّدٍ قَالَ بَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ عَنْ الْإِسْلَامِ حُبِسَتْ اهـ.
(قَوْله لِأَنَّهَا ارْتَكَبَتْ جَرِيمَةً عَظِيمَةً فَتُحْبَسُ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَمْ يَذْكُرْ الضَّرْبَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَلَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُضْرَبُ فِي كُلِّ أَيَّامٍ وَقَدَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ وَعَنْ الْحَسَنِ تُضْرَبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا إلَى أَنْ تَمُوتَ أَوْ تُسْلِمَ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِحُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ وَهَذَا قَتْلٌ مَعْنًى لِأَنَّ مُوَالَاةَ الضَّرْبِ تُفْضِي إلَيْهِ وَلِذَا قُلْنَا فِيمَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حُدُودٌ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ الثَّانِي مَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْحَدِّ الْأَوَّلِ كَيْ لَا يَصِيرَ قَتْلًا وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ اهـ وَلَا تُسْتَرَقُّ الْحُرَّةُ الْمُرْتَدَّةُ مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحِينَئِذٍ تُسْتَرَقُّ إذَا سُبِيَتْ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا قِيلَ وَلَوْ أَفْتَى بِهَذِهِ لَا بَأْسَ بِهِ فِيمَنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ حَسْمًا لِقَصْدِهَا السَّيِّئِ بِالرِّدَّةِ مِنْ إثْبَاتِ الْفُرْقَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا الزَّوْجُ مِنْ الْإِمَامِ لَهُ أَوْ يَهَبَهَا الْإِمَامُ إذَا كَانَ مَصْرِفًا لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالرِّدَّةِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا الزَّوْجُ فَيَمْلِكُهَا وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِالرِّدَّةِ وَحِينَئِذٍ يَتَوَلَّى هُوَ حَبْسَهَا وَضَرْبَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَرْتَدُّ ضَرَرُ قَصْدِهَا عَلَيْهَا قِيلَ وَفِي الْبِلَادِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا التَّتَرُ وَأَجْرَوْا أَحْكَامَهُمْ فِيهَا وَقَهَرُوا الْمُسْلِمِينَ كَمَا وَقَعَ فِي خَوَارِزْمَ وَغَيْرِهَا إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَلَكَهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ فِي الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْإِمَامِ.
وَقَدْ أَفْتَى الدَّبُوسِيُّ وَبَعْضُ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ رَدًّا عَلَيْهَا وَغَيْرُهُمْ مَشَوْا عَلَى الظَّاهِرِ وَلَكِنْ حَكَمُوا بِجَبْرِهَا عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَعَ الزَّوْجِ وَتُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ لِلْفَتْوَى. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَخْ) سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. كَيْ (قَوْلُهُ وَالْأَمَةُ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ) بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ لَا فَائِدَةَ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يَبْقَى لِيُمْكِنَ اسْتِخْدَامُهُ. اهـ. فَتْحٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى مِنْ الِاسْتِخْدَامِ وَحَقُّ الشَّرْعِ وَهُوَ الْجَبْرُ عَلَى الْإِسْلَامِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَلَوْ قَالَ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِلَحَاقِهِ مِثْلُ مَوْتِهِ وَلِهَذَا صَرَّحَ بِذِكْرِهِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَخْ) أَيْ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ جَعَلَ تَصَرُّفَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَجَعَلَهُ مُحَمَّدٌ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ كَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقَوَدِ) أَيْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَتُعْتَبَرُ تَبَرُّعَاتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ إذَا كَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ فَلَا ضَمَانَ فَصَارَ حَالُهُ أَنْحَسَ مِنْ حَالِ الْمَرِيضِ فَاعْتُبِرَ تَصَرُّفُهُ مِنْ الثُّلُثِ وَجَوَابُهُ مِنْ جِهَةِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 912
وَيُرْجَى عَوْدُهُ إلَيْهِ لِوُقُوفِهِ عَلَى مَحَاسِنِهِ فَلَمْ يَتِمَّ سَبَبُ الزَّوَالِ فَتَوَقَّفْنَا فِي أَمْرِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا فَلَمْ يَعْمَلْ السَّبَبُ عَمَلَهُ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فِي رِدَّتِهِ اسْتَقَرَّ كُفْرُهُ فَعَمِلَ السَّبَبُ عَمَلَهُ وَزَالَ مِلْكُهُ وَانْتَقَلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي إسْلَامِهِ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَيْءٌ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ وَعِنْدَهُمَا كِلَاهُمَا لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ إنْ فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كِلَاهُمَا فَيْءٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ لَا سِيَّمَا الْمُرْتَدُّ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَرِثَهُ أَحَدٌ كَالرَّقِيقِ وَهَذَا لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمِلَّةِ سَبَبُ الْإِرْثِ وَاخْتِلَافُهَا سَبَبُ الْحِرْمَانِ وَهَذَا لَا يَرِثُهُ مُوَافِقُهُ فَمُخَالِفُهُ أَوْلَى فَإِذَا انْتَفَتْ الْوِرَاثَةُ وَهِيَ مَالُ حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَنَا أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا مَالِكًا لِمَالِهِ فَإِذَا تَمَّ هَلَاكُهُ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِي مَالِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ مُسْلِمًا وَهَذَا لِأَنَّ الرِّدَّةَ هَلَاكٌ إلَّا أَنَّ تَمَامَهُ بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ فَإِذَا تَمَّ اسْتَنَدَ التَّوْرِيثُ إلَى أَوَّلِ الرِّدَّةِ وَقَدْ كَانَ مُسْلِمًا عِنْدَ ذَلِكَ فَيَخْلُفُهُ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ فِيهِ فَيَكُونُ تَوْرِيثًا مِنْ الْمُسْلِمِ إذْ الْحُكْمُ عِنْدَ تَمَامِ سَبَبِهِ يَثْبُتُ مِنْ أَوَّلِ السَّبَبِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إذَا أُجِيزَ ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ وَلَهُمَا أَنَّ مِلْكَهُ فِي الْكَسْبَيْنِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بَاقٍ لِمَا ذَكَرْنَا فَيَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ بِمَوْتِهِ فَيَسْتَنِدُ إلَى مَا قَبْلَ رِدَّتِهِ فَيَكُونُ تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَيُمْكِنُ اسْتِنَادُ كَسْبِ الرِّدَّةِ إلَى مَا قَبْلَ الرِّدَّةِ نَظَرًا إلَى سَبَبِ الْكَسْبِ وَهُوَ نَفْسُهُ فَجَعَلَ كَأَنَّ الْكَسْبَ مَوْجُودٌ وَلَهُ أَنَّ اسْتِنَادَ التَّوْرِيثِ إلَى أَوَّلِ الرِّدَّةِ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ مُمْكِنٌ لِوُجُودِهِ عِنْدَهَا وَلَا يُمْكِنُ اسْتِنَادُ التَّوْرِيثِ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ لِعَدَمِهِ عِنْدَهَا وَمِنْ شَرْطِ الِاسْتِنَادِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ فَلَوْ ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ التَّوْرِيثِ لَثَبَتَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ وَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ الِاكْتِسَابِ وَالْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ رِدَّتِهِ وَبَقِيَ كَذَلِكَ إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ أَوْ قَتْلِهِ أَوْ الْقَضَاءِ بِلَحَاقِهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ وَارِثُهُ قَبْلَهُ أَوْ حَدَثَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ بِعِتْقٍ أَوْ إسْلَامٍ أَوْ عُلُوقٍ حَادِثٍ لَا يَرِثُ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ وَيُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ إلَى وَقْتِ تَمَامِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ أَوَانُ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ فِيهِ بَقَاءُ الْمَبِيعِ وَالْمُتَعَاقِدِينَ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ وَقْتَ الرِّدَّةِ وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ أَوْ بِشَيْءٍ آخَرَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ رِدَّتَهُ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ إلَّا عِنْدَهَا وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ أَوْ قَتْلِهِ أَوْ الْقَضَاءِ بِلَحَاقِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَحْدُثُ مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ تُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ حَتَّى إذَا قَبَضَهُ مَعَ الْأَصْلِ صَارَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ وَتَرِثُهُ امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِاللَّحَاقِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ صَارَ فَارًّا بِالرِّدَّةِ إذْ الرِّدَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِمَالِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِاللَّحَاقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَوْ ارْتَدَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا إلَّا عِنْدَ الرِّدَّةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ قِيَامِ الْعِدَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْمُرْتَدَّةُ لَا يَرِثُهَا زَوْجُهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِمَالِهَا وَالزَّوْجِيَّةُ قَدْ انْقَطَعَتْ بِالِارْتِدَادِ إلَّا أَنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا) أَيْ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ. اهـ. هِدَايَةٌ قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ فِي إحْبَاط عَمَلِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا وَفِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَفِي فَرْضِيَّةِ تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ لَمْ يَكُنْ ارْتِدَادُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَلْ حَبَطَ عَمَلُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ وَقَوْلُهُ فِي حَقِّ هَذَا أَيْ وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَمْ يَعْمَلْ السَّبَبُ) أَيْ السَّبَبُ الْمُزِيلُ لِلْمِلْكِ وَهُوَ الرِّدَّةُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فِي رِدَّتِهِ) أَيْ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِاللَّحَاقِ مِثْلُ مَوْتِهِ كَمَا سَيَأْتِي. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كِلَاهُمَا فَيْءٌ) أَيْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ الرِّدَّةَ هَلَاكٌ) أَيْ مَوْتٌ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً وَلِهَذَا تَعْتَدُّ امْرَأَةُ الْمُرْتَدِّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ لَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لِأَنَّ زَوْجَهَا حَيٌّ حَقِيقَةً اهـ (قَوْلُهُ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ وَفِي كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ الْقَضَاءُ بِلَحَاقِهِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَلَا يَرِثُ الْوَارِثُ إذَا ارْتَدَّ بَعْدَ رِدَّةِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ وَقْتَ الرِّدَّةِ) وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ كَذَا فِي الشَّامِلِ قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ مَنْ كَانَ مِنْ الْوَرَثَةِ حُرًّا مُسْلِمًا يَوْمَ ارْتَدَّ فَلَهُ الْمِيرَاثُ وَمَنْ كَانَ مِنْ وَرَثَتِهِ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا يَوْمَ ارْتَدَّ فَعَتَقَ بَعْدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَوَأَسْلَمَ الْكَافِرُ بَعْدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ الْقَتْلِ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا يَوْمَ ارْتَدَّ وَلَوْ كَانَ وَارِثُ الْمُرْتَدِّ مُسْلِمًا يَوْمَ ارْتَدَّ فَارْتَدَّ الْوَارِثُ بَعْدَ رِدَّةِ أَبِيهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يَمُوتَ أَوْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ فَلَهُ الْمِيرَاثُ لِأَنَّهُ كَانَ وَارِثًا يَوْمَ ارْتَدَّ وَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاعْتَمَدَ هُوَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ لِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلًا آخَرَ فِي مُخْتَصَرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ) أَيْ اسْتِحْقَاقُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَا تُعْتَبَرُ إلَّا عِنْدَهَا) أَيْ وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ وَلَكِنْ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ وَهَذَا مِثْلُهُ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ قَتْلُهُ أَوْ الْقَضَاءُ بِلَحَاقِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الرِّدَّةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهَا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَارَ فَارًّا بِالرِّدَّةِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَقْتَ الرِّدَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْمَوْتِ) وَهَذَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الْمَرِيضِ أَمَّا إذَا كَانَ وَقْتَ الرِّدَّةِ مَرِيضًا فَلَا إشْكَالَ فِيهِ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ اهـ كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَالْمُرْتَدَّةُ لَا يَرِثُهَا) أَيْ وَالْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ تَرِثُ مِنْ زَوْجِهَا الْمُرْتَدِّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَالرَّجُلُ الْمُسْلِمُ يَرِثُ مِنْ امْرَأَتِهِ الْمُرْتَدَّةِ إذَا مَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ اسْتِحْسَانًا وَلَا يَرِثُ قِيَاسًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَلِزَوْجِ الْمُرْتَدَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا
стр. 913
تَكُونَ مَرِيضَةً فَيَرِثُهَا لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِمَالِهَا فِي مَرَضِهَا فَتَصِيرُ فَارَّةً بِالِارْتِدَادِ كَتَقْبِيلِهَا ابْنَ الزَّوْجِ أَوْ فَسْخِهَا النِّكَاحَ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ وَنَحْوِهِ وَيَرِثُهَا أَقَارِبُهَا جَمِيعَ مَالِهَا حَتَّى الْكَسْبَ فِي رِدَّتِهَا لِأَنَّهُ لَا حِرَابَ مِنْهَا فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْفَيْءِ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا
قَالَ ﵀ (وَإِنْ حَكَمَ بِلَحَاقِهِ عَتَقَ مُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَحَلَّ دِينُهُ) لِأَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ كَمَا انْقَطَعَتْ عَنْ الْمَوْتَى فَصَارَ كَالْمَوْتِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لَحَاقُهُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعُودَ إلَيْنَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ الدَّارُ عِنْدَهُ إذْ الدُّنْيَا كُلُّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيهِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْتٌ ثَبَتَتْ أَحْكَامُ الْمَوْتَى مِنْ عِتْقِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَحُلُولِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ فَيُقْضَى كُلُّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ الرِّدَّةِ وَالْإِسْلَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بِالسَّبَبَيْنِ مُخْتَلِفٌ وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ الَّذِي وَجَبَ فِيهِ الدَّيْنُ فَيُقْضَى كُلُّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ لِأَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ مِلْكُهُ حَتَّى يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِيهِ وَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْخِلَافَةِ الْفَرَاغُ عَنْ حَقِّ الْمَيِّتِ فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَيْهِ أَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بِالرِّدَّةِ عِنْدَهُ فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى دَيْنُهُ بِهِ كَالذِّمِّيِّ إذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُقْضَى مِنْهُ.
كَذَا هَذَا وَعَنْهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِكَسْبِ الرِّدَّةِ فَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ الْوَرَثَةِ وَكَسْبَ الرِّدَّةِ خَالِصُ حَقِّهِ فَكَانَ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ أَوْلَى إلَّا إذَا تَعَذَّرَ بِأَنْ لَمْ يَفِ بِهِ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ تَقْدِيمًا لِحَقِّهِ وَعِنْدَهُمَا تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْكُلَّ مِلْكُهُ حَتَّى يَجْرِيَ الْإِرْثُ فِيهِمَا وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا عِنْدَ لَحَاقِهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ اللَّحَاقَ هُوَ السَّبَبُ وَالْقَضَاءُ لِتَقَرُّرِهِ لِقَطْعِ الِاحْتِمَالِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَوْتًا بِالْقَضَاءِ وَالْمُرْتَدَّةُ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ عَلَى هَذَا لِمَا ذَكَرْنَا وَبَطَلَتْ عَنْهَا الْعِدَّةُ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمَوْتَى وَلَا عِدَّةَ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَلِزَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا مِنْ سَاعَتِهِ لِانْعِدَامِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا كَالْمَيِّتَةِ وَإِنْ عَادَتْ مُسْلِمَةً أَوْ سُبِيَتْ لَمْ يُنْتَقَضْ نِكَاحُ الْأُخْتِ وَالْأَرْبَعِ لِأَنَّ نِكَاحَهَا لَا يَعُودُ وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مِنْ سَاعَتِهَا لِعَدَمِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَلَوْ وَلَدَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الزَّوْجِ وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرَ لَا يَثْبُتُ وَيُسْتَرَقُّ الْوَلَدُ تَبَعًا لَهَا وَكَذَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا قُلْنَا قَالَ ﵀ (وَتُوقَفُ مُبَايَعَتُهُ وَعِتْقُهُ وَهِبَتُهُ فَإِنْ أُمِّنَ نَفَذَ وَإِنْ هَلَكَ بَطَلَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ تَعْتَمِدُ الْأَهْلِيَّةَ وَهِيَ تَثْبُتُ بِالْخِطَابِ وَهُوَ بِالْعَقْلِ وَنَفَاذُ التَّصَرُّفِ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ وَهُوَ ثَابِتٌ وَلَوْ زَالَ الْمِلْكُ لَزَالَ إلَى وَرَثَتِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَلِهَذَا لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُمْ فِي مَالِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ يَرِثُهُ وَلَوْ مَاتَ وَلَدُهُ قَبْلَ حُكْمِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ لَا يَرِثُهُ فَدَلَّ عَلَى قِيَامِ مِلْكِهِ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَيَنْفُذُ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ مِثْلُ مَا يَصِحُّ مِنْ الصَّحِيحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ إذْ الشُّبْهَةُ تُزَاحُ فَلَا يُقْتَلُ فَصَارَ كَالْمُرْتَدَّةِ وَلَا يُجْعَلُ كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا فَيُقْتَلُ لِأَنَّ مِنْ انْتَحَلَ إلَى نِحْلَةٍ قَلَّ مَا يَتْرُكُهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُعْرِضًا عَمَّا نَشَأَ فِيهِ فَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ ظَاهِرًا بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
إذَا لَحِقَتْ بِالدَّارِ كَأَنَّهَا مَاتَتْ فَإِنْ خَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمَةً لَا يَفْسُدُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَإِذَا ارْتَدَّتْ الْمُعْتَدَّةُ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهَا بَطَلَتْ عِدَّتُهَا لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ كَأَنَّهَا مَاتَتْ فَإِنْ رَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْنَا مُسْلِمَةً قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ أَوْ الْحَيْضِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَعُودُ مُعْتَدَّةً وَقَالَ مُحَمَّدٌ تَعُودُ مُعْتَدَّةً كَمَا كَانَتْ. اهـ. قَاضِي خَانْ ﵀.
وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ تَحْقِيقُهُ أَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ تَابِعَةٌ لِعِصْمَةِ النَّفْسِ ثُبُوتًا وَسُقُوطًا فَبِارْتِدَادِ الرَّجُلِ تَسْقُطُ عِصْمَةُ النَّفْسِ لِكَوْنِهِ حَرْبًا عَلَيْنَا فَيُقْتَلُ وَتَسْقُطُ عِصْمَةُ الْمَالِ أَيْضًا تَبَعًا لَهَا فَيَكُونُ كَسْبُ الِارْتِدَادِ أَيْضًا فَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَالِ حَرْبِيٍّ مَقْهُورٍ فِي أَيْدِينَا أَمَّا ارْتِدَادُ الْمَرْأَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِهِ عِصْمَةُ النَّفْسِ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ لِعَدَمِ الْحِرَابِ فَلَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ الْمَالِ أَيْضًا لِأَنَّ كَسْبَهَا فِي الرِّدَّةِ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهَا الْمُسْلِمِينَ كَكَسْبِهَا فِي الْإِسْلَامِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لَا حِرَابَ مِنْهَا) مَعْنَى هَذَا أَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ تَبَعٌ لِعِصْمَةِ النَّفْسِ فَبِالرِّدَّةِ لَا تَزُولُ عِصْمَةُ نَفْسِهَا حَتَّى لَا تُقْتَلَ فَكَذَا لَا تَزُولُ عِصْمَةُ مَالِهَا فَكَانَ الْكَسْبَانِ مِلْكَهَا فَيَكُونُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهَا بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ كَسْبَهُ فِي الرِّدَّةِ فَيْءٌ لِكَوْنِهِ مُحَارِبًا فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ بِاللَّحَاقِ. اهـ. كَاكِيٌّ فَرْعٌ قَالَ قَاضِي خَانْ ﵀ وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ أَسِيرًا وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْمُرْتَدَّةِ بَعْدَمَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتُوقَفُ مُبَايَعَتُهُ وَعِتْقُهُ وَهِبَتُهُ) أَيْ وَكِتَابَتُهُ وَقَبْضُ الدُّيُونِ وَالْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ) أَيْ فَلِهَذَا كَانَتْ عُقُودُ الْمُرْتَدَّةِ كُلُّهَا جَائِزَةً إلَّا مُفَاوَضَتُهَا فَإِنَّهَا مَوْقُوفَةٌ إنْ أَسْلَمَتْ صَحَّتْ وَإِلَّا صَارَتْ عَنَانًا كَمَا قَالَا فِي الْمُرْتَدِّ كَذَا قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ﵀ (فَرْعٌ) أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ عِصْمَةَ النِّكَاحِ وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِنَفْسِ الرِّدَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي. اهـ. قَاضِي خَانْ ﵀ -
стр. 914
مَقْهُورٌ فِي أَيْدِينَا حَتَّى يُقْتَلَ وَكَوْنُهُ حَرْبِيًّا مَقْهُورًا سَبَبٌ لِزَوَالِ مِلْكِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ وَبُطْلَانِ تَصَرُّفَاتِهِ غَيْرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَرْجُوٌّ مِنْهُ لِبَقَاءِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقُلْنَا بِتَوَقُّفِ تَصَرُّفَاتِهِ لِتَرَدُّدِ حَالِهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ حَرْبِيٍّ دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ لِأَنَّهُ صَارَ فَيْئًا بِدُخُولِهِ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ بَلْ يَرُدُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ كَمَا دَخَلَ دَارَنَا وَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ لَهُمْ يَدًا فِي الدَّارِ فَيَرُدُّهُ إلَى مَالِهِمْ أَيْ الْمُسْلِمِينَ وَبِخِلَافِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْقَوَدِ وَالرَّجْمِ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَجِبْ هُنَاكَ لِزَوَالِ سَبَبِ الْعِصْمَةِ.
وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ غَيْرُ مَنْ لَهُ الْقَتْلُ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنَّمَا هُوَ جَزَاءٌ عَلَى الْجِنَايَةِ فَلَمْ يُوجِبْ خَلَلًا فِيهِ وَبِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى تَلْتَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَتَصِيرُ حَرْبِيَّةً حِينَئِذٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ وَقَبُولِ الْهِبَةِ وَتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ وَالْحَجْرِ عَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي الْوِلَايَةَ وَلَا تَعْتَمِدُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ حَتَّى صَحَّتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مِنْ الْعَبْدِ مَعَ قُصُورِ وِلَايَتِهِ وَبَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ وَالْإِرْثِ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ وَمَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْمُفَاوَضَةِ وَالتَّصَرُّفِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَمَالِ وَلَدِهِ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يُسْلِمْ وَمُخْتَلِفٌ فِي تَوَقُّفِهِ وَهُوَ مَا بَيَّنَّاهُ بِدَلِيلِهِ
قَالَ ﵀ (وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ فَمَا وَجَدَهُ فِي يَدِ وَارِثِهِ أَخَذَهُ وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ لَمْ يَجِدْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ بَعْدَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْوَارِثُ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ عَيْنَ مَالِهِ لِأَنَّ الْوَارِثَ كَانَ خَلَفَهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ فَإِذَا عَادَ فَظَهَرَتْ حَاجَتُهُ وَبَطَلَ حُكْمُ الْخَلَفِ وَلَوْ عَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ إنَّمَا يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِرِضًا مِنْ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِطَرِيقِهِ وَلِهَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى بِعِتْقِهِنَّ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَلَوْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا وَمُدَبِّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَنَظِيرُهُ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ إذَا أَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ وَتَمَّ الْفَسْخُ وَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى حَالِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْبَقْ
قَالَ ﵀ (وَلَوْ وَلَدَتْ أَمَةٌ لَهُ نَصْرَانِيَّةٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ ارْتَدَّ فَادَّعَاهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَهُوَ ابْنُهُ حُرٌّ وَلَا يَرِثُهُ، وَلَوْ مُسْلِمَةً وَرِثَهُ الِابْنُ إنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) أَمَّا صِحَّةُ الِاسْتِيلَادِ فَلِمَا بَيَّنَّا وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْإِرْثِ مَعَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهُ فَلِأَنَّ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً يَكُونُ الْوَلَدُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِأَبِيهِ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فَيَرُدُّهُ إلَى مَالِهِمْ أَيْ الْمُسْلِمِينَ) كَذَا مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْقَوَدِ وَالرَّجْمِ إلَخْ) أَخَذَهُ مِنْ النِّهَايَةِ فَرَاجِعْهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ غَيْرُ مَنْ لَهُ الْقَتْلُ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ) أَيْ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِوَلِيِّ الْقَاتِلِ عَلَى قَاتِلِ الْقَاتِلِ إذَا كَانَ قَتَلَهُ عَمْدًا وَلَا يَجِبُ عَلَى قَاتِلِ الْقَاتِلِ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَنَارِ بِقَوْلِهِ وَالْقِصَاصُ لَا يُضْمَنُ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ وَانْظُرْ مَا كَتَبْته فِي الْجِنَايَاتِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ أَيْ بِغَيْرِ إذْنِهِ. اهـ. نِهَايَةٌ.
ذَكَرَ الشَّارِحُ فِي الْحُدُودِ قُبَيْلَ بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ كَالْقِصَاصِ وَالْأَمْوَالِ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ فِيهَا لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَضَاءُ بَلْ لَوْ اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُهُ جَازَ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِمَامِ لَيُمَكِّنَهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ بِالْمَنَعَةِ وَالْإِمَامُ فِيهِ كَغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا عَسَى أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يُقْتَلُ قَاتِلُ الْقَاتِلِ وَقَدْ قَضَى بِقَتْلِهِ وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنْ يُقَالَ الْقَضَاءُ فِي هَذَا إنَّمَا هُوَ إعَانَةٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَلَمْ يُثْبِتْ الْقَضَاءُ لَهُ حَقًّا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بَلْ حَقُّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. (قَوْلُهُ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ) فَإِنْ قُلْت كَيْفَ نَفَذَ طَلَاقُ الْمُرْتَدِّ وَبِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ تَبِينُ الْمَرْأَةُ قُلْت هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَبَانَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا جَازَ فَكَذَا هَذَا وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَارْتَدَّ الزَّوْجُ أَوْ ارْتَدَّتْ فَطَلَاقُ الْوَكِيلِ يَقَعُ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَالْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَسَنُبَيِّنُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخَرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا تَقَعَ الْبَيْنُونَةُ أَيْضًا بِالرِّدَّةِ كَمَا إذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ أَصْلًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يُسْلِمْ) أَيْ إلَّا أَنَّ عِنْدَهُمَا إنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ صَارَتْ عَنَانًا كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَلَا يَرِثُهُ) أَيْ لَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ أَوْ قُتِلَ لَا يَرِثُهُ هَذَا الْوَلَدُ. اهـ. (قَوْلُهُ أَمَّا صِحَّةُ الِاسْتِيلَادِ فَلِمَا بَيَّنَّا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دَعْوَاهُ الْوَلَدَ صَحِيحَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا بِلَا إشْكَالٍ لِأَنَّ عُقُودَ الْمُرْتَدِّ عِنْدَهُمَا جَائِزَةٌ فَكَذَلِكَ دَعْوَتُهُ أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ عُقُودَهُ مَوْقُوفَةً لَكِنْ جَعَلَ دَعْوَتَهُ صَحِيحَةً لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ بَلْ يَثْبُتُ بِتَأْوِيلِ الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ إذَا ادَّعَى النَّسَبَ مِنْ الْجَارِيَةِ الَّتِي مِنْ تِجَارَتِهِ جَازَ وَكَذَلِكَ الْأَبُ إذَا ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَةِ ابْنِهِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَتَأْوِيلُ الْمُرْتَدِّ أَكْثَرُ مِنْ تَأْوِيلِهِمَا فَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ يَثْبُتُ التَّفْرِيعُ الْمَذْكُورُ فِي إرْثِهِ وَعَدَمِهِ. اهـ. (فَرْعٌ) قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ أَوْلَادُ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ إذَا مَاتَ آبَاؤُهُمْ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَلَا تَنْقَطِعُ تَبَعِيَّةُ الْأَبَوَيْنِ بِمَوْتِهِمَا لِأَنَّ بَقَاءَ الْأَصْلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِبَقَاءِ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ وَهَكَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَقَاضِي خَانْ. اهـ. (قَوْلُهُ إذَا كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً) أَيْ أَوْ يَهُودِيَّةً. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ تَبَعًا لِأَبِيهِ) أَيْ لَا لِأُمِّهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
стр. 915
أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْهَا لِكَوْنِهِ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَهَا وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا وَهَذَا فَائِدَةُ تَقْيِيدِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبِكَوْنِهَا نَصْرَانِيَّةً لِأَنَّهُ لَوْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُسْلِمَةً يَرِثُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَيَقُّنِنَا بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلْأَبِ بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِوُجُودِهِ عِنْدَ الرِّدَّةِ حَتَّى يَكُونَ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا لِلدَّارِ حَتَّى يَكُونَ مُسْلِمًا لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الدَّارِ لَا تَظْهَرُ مَعَ الْأَبَوَيْنِ بِخِلَافِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ إذَا ارْتَدَّ أَبَوَاهُ حَيْثُ يُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ مَا لَمْ يَلْحَقَا بِهِ دَارَ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا فَيَبْقَى عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ مَا لَمْ يَلْحَقَا بِهِ دَارَ الْحَرْبِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ مُسْلِمَةً فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لَهَا إذْ هِيَ خَيْرُهُمَا دِينًا وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ وَلَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا فِيهَا وَقْتَ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ الْقَضَاءِ بِاللَّحَاقِ وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرِثَ لِعَدَمِ كَوْنِهِ وَارِثًا عِنْدَ الرِّدَّةِ
قَالَ ﵀ (وَإِنْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِمَالِهِ فَظَهَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ فَيْءٌ) يَعْنِي لَيْسَ لِوَرَثَتِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ لِأَنَّ مِلْكَهُمْ فِيهِ غَيْرُ ثَابِتٍ حَيْثُ أَلْحَقَهُ مَعَهُ ابْتِدَاءً فَسَقَطَتْ عِصْمَتُهُ بِاللَّحَاقِ وَكَذَا عِصْمَةُ مَالِهِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ فَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا إذَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ لَا سَبِيلَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ وَكَذَا إنْ أَخْرَجَهُ تَاجِرٌ لِمَا ذَكَرْنَا بِخِلَافِ نَفْسِهِ حَيْثُ لَا تَكُونُ فَيْئًا لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ
قَالَ ﵀ (فَإِنْ رَجَعَ وَذَهَبَ بِمَالِهِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ فَلِوَارِثِهِ) يَعْنِي لِوَارِثِهِ أَخْذُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَلَكَتْهُ الْوَرَثَةُ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَهَا أَوْ مِنْ التَّاجِرِ بِالْعِوَضِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَمُرَادُهُ إذَا رَجَعَ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِلَحَاقِهِ وَأَمَّا إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهِ وَأَخَذَ مَالَهُ وَلَحِقَ ثَانِيًا فَلَا سَبِيلَ لِوَرَثَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِلَحَاقِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا غَيْرَ مَرَّةٍ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ جَوَابُ هَذَا الْكِتَابِ يَعْنِي الْهِدَايَةَ يَرُدُّ عَلَى الْوَرَثَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَتَى لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ فَكَانَ مَيِّتًا ظَاهِرًا وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْوَرَثَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَضَاءِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ هُنَا وَقَالَ فِي الْكَافِي الْقَضَاءُ مُرَجِّحٌ جَانِبَ عَدَمِ الرُّجُوعِ إلَى دَارِنَا فَيَتَقَرَّرُ مَوْتُهُ وَلَمَّا خَرَجَ إلَيْنَا مُعْتَزًّا وَرَجَعَ بِمَالِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْعَوْدَ إلَى دَارِنَا فَيَتَقَرَّرُ مَوْتُهُ مِنْ حِينِ اللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ السِّيَرِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ لَا يَرِثُ أَحَدًا) أَيْ لَا مِنْ الْمُرْتَدِّ وَلَا مِنْ الْمُسْلِمِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلْأَبِ) أَيْ وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الدَّارِ لَا تَظْهَرُ مَعَ الْأَبَوَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ تَبَعِيَّةَ الدَّارِ لَا تَظْهَرُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ فَلَا وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ. اهـ. (قَوْلُهُ حَيْثُ يُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ) أَيْ وَلَا يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لَهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ فَيَبْقَى عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ) أَيْ يَبْقَى عَلَى إسْلَامِهِ بِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ وَقَدْ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَإِنْ قُلْت هَذَا يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا ارْتَدَّ الْأَبَوَانِ الْمُسْلِمَانِ وَلَهُمَا وَلَدٌ طِفْلٌ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا فَإِنَّهُ يَبْقَى مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ وَلَا يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لَهُمَا قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَبْقَى مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ بَلْ هُوَ كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ بَعْدَ رِدَّتِهِمَا اهـ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ) أَيْ أَصْلًا فَجُعِلَ تَبَعًا لِأَبِيهِ الْمُرْتَدِّ لِقُرْبِهِ إلَى الْإِسْلَامِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَهُوَ فَيْءٌ) أَيْ لِأَنَّهُ مَالُ حَرْبِيٍّ فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا حَقَّ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ فَإِنْ قُلْت الْمَالُ تَابِعٌ لِلنَّفْسِ وَنَفْسُ الْمُرْتَدِّ لَا يَكُونُ فَيْئًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِهِ كَذَلِكَ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَرَيَانِ الْفَيْءِ عَلَى النَّفْسِ عَدَمُ جَرَيَانِ الْفَيْءِ عَلَى الْمَالِ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي الْفَيْءُ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَيَجْرِي الْفَيْءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ) أَيْ بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَإِنْ رَجَعَ) أَيْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ اهـ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَذَهَبَ بِمَالِهِ) أَيْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ فَلِوَارِثِهِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَمَّا إذَا رَجَعَ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ إذَا وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدُوهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَهُمْ بِالْقِيمَةِ إلَّا إذَا كَانَ مِثْلِيًّا فَإِنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِهِ بِالْمِثْلِ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ يَأْخُذُ الْعَدُوُّ مَالَهُ ثُمَّ يَظْهَرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ كَذَا قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَذَا لَا يُشْكِلُ إلَّا إذَا رَجَعَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي فَأَمَّا قَبْلَ الْقَضَاءِ فَجَوَابُ هَذَا الْكِتَابِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ فِي رَدِّ الْمَالِ عَلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ حُكْمَ الرَّدِّ عَلَى مُطْلَقِ اللَّحَاقِ بِدُونِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِاللَّحَاقِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَتَى لَحِقَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ فَكَانَ مَيِّتًا حُكْمًا ثُمَّ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ السِّيَرِ وَقَالَ لَا حَقَّ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ فَيَكُونُ فَيْئًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَضَاءِ يَعْنِي أَنَّ الْحَقَّ لِلْوَرَثَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَذَا إذَا رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ مِنْ الْقَاضِي بِلُحُوقِهِ وَجَعْلِ مَالِهِ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِلُحُوقِهِ فَقَدْ صَارَ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلُحُوقِهِ حَتَّى رَجَعَ وَأَخَذَ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الَّذِي ذَهَبَ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ السِّيَرِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ مُجَرَّدَ اللَّحَاقِ كَالْمَوْتِ حَتَّى يُعْتَبَرَ كَوْنُ الْوَارِثِ عِنْدَ اللَّحَاقِ وَلَا يَجْعَلُ أَبُو يُوسُفَ ذَلِكَ كَالْمَوْتِ بَلْ يُجْعَلُ الْقَضَاءُ بِاللَّحَاقِ كَالْمَوْتِ حَتَّى يُعْتَبَرَ كَوْنُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْقَضَاءِ لَا عِنْدَ اللَّحَاقِ. اهـ.
следующие страницы →