← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[التفسير الوسيط للزحيلي]ـ المؤلف: د وهبة بن مصطفى الزحيلي الناشر: دار الفكر - دمشق الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة تفاسير]

стр. 2

[الجزء الاول] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله تعالى المتفضّل المنعم، حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فإني وتالله لمدين بالنعم الوافرة الكثيرة لله ، ولا أملك إلا لسان الحمد والشكر بكل ما أوتيت من قوة، وما أملك من حواس وأعصاب وعقل ووعي، وفي كل حين وآن، وفاء ببعض الواجب لشكر نعم الله سبحانه. والصّلاة والسّلام الأتمان الأكملان على النّبي المنقذ من الضّلالة والجهالة والرّدى، إلى نور الحق والإيمان والهدى، وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، الذين هم قدوتنا، ولهم الفضل على جميع الأمة إلى يوم القيامة، وبعد: ما كنت لأحسب أني في حياتي أخطّ كلمة واحدة في تفسير كتاب الله وكلامه الذي أوحاه لنبيّه لأنه لا يمكن لأي عالم مهما أوتي من العلم أن يجزم بما هو المراد من كلام الله، لأن مراد الله تعالى لا يحصره بيان، ولا يقطع أحد على الإطلاق بما هو المقصود من شرع الله تعالى، ولكنها المحاولة في التبيان والتبسيط والتيسير وتقريب البعيد، وجمع المفيد، وتحقيق المتلابسات، وربط التالي لكتاب الله تعالى بما هو المطلوب منه، والمفروض شرعا عليه، من العمل بما أنزل الله حكما عربيّا «١» قائما بين الناس، وصلة بالله تعالى، وحفاظا على أمة القرآن إلى يوم الدّين.

стр. 3

وبما أن أقدار الناس وهممهم تتفاوت، ومستويات العلم تختلف، فقد يسّر الله الكريم لي أن أفسّر القرآن الكريم ثلاث مرات متعاقبة، ليأخذ كل إنسان بأي مستوى يتفق مع رغباته وإمكاناته، وكانت ولله الحمد التفاسير الثلاثة، وأصبحت لأول مرة هذه التفاسير في متناول الناس في كل مكان: - التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (١٦ مجلدا) ، لأهل الاختصاص. - التفسير الوجيز، للعامة وأكثرية الناس. - التفسير الوسيط، لمتوسطي الثقافة (٣ مجلدات) . والتفسير الوسيط هذا هو الأحاديث الإذاعية التي سجّلتها، وأذيعت في الإذاعة السورية العامة، ثم في إذاعة صوت الشعب، صباح كل يوم من أيام الأسبوع ما عدا يوم الجمعة في مبدأ الأمر، لمدة ست دقائق، بعنوان (قصص من القرآن) ثم في أيام السبت والاثنين والأربعاء في إذاعة صوت الشعب، الساعة السادسة والربع، لمدة عشرة دقائق في زاوية (القرآن والحياة) . وكان كل موضوع في هذا التفسير يقرع آذان السامعين، لمدة سبعة أعوام من عام (١٩٩٢- ١٩٩٨ م) شاغلا حديث الصباح بمقدار الزمن المخصص له، لكني ابتدأت الأحاديث بالقصة القرآنية، وطبع بعنوان مستقل: (القصة القرآنية- هداية وبيان) ، ثم شرعت في التفسير الشامل حتى نهاية القرآن الكريم. وربما يتساءل بعض الناس عن أوجه الشبه والاختلاف بين هذه التفاسير الثلاثة، فأقول: - تتفق التفاسير الثلاثة في بيان مدلول الآيات بدقة وشمول، وأسلوب مبسط ميسّر، وفي معرفة أسباب نزول الآيات الصحيحة الثابتة، والاستشهاد ببعض الآيات والأحاديث الصحيحة، المناسبة في موضوعها ومغزاها مع الآية المفسّرة،

стр. 4

وفي البعد عن القصص والرّوايات الإسرائيليّة التي لا يخلو منها تفسير قديم، وفي التزام أصول التفسير بالمأثور والمعقول معا، وبالاعتماد على أمهات كتب التفسير الكبرى، بمختلف مناهجها. - وينفرد (التفسير المنير) ببيان أوسع وأجلى للآيات، وبالتعرف على مضامين كل سورة في بدء تفسيرها في الجملة، وعلى فضائل السّور القرآنية مما يصح من أخبارها، واستبعاد الموضوع والضعيف، وعلى مناسبات السّور القرآنية والآيات بعضها مع بعض، وعلى تفصيل وتحقيق القصص والأحداث التاريخية القديمة، ووقائع السّيرة النّبوية، واستنباط الأحكام الشّرعية بالمعنى الواسع للحكم بحيث يشمل العقيدة والعبادة، والأخلاق والآداب، والعبر والعظات، ونظام الحياة والمعاملات، وأصول الحياة الإسلامية العامة. كما يمتاز ببيان المفردات اللغوية بيانا كافيا شافيا، وبمعرفة وجوه البلاغة والإعراب، وكل ذلك مع تعقيبات وملاحظات ومقارنات وتنويه بالمعجزات، والإعجاز العلمي للقرآن الكريم بحسب تقدم العلوم العصرية. - ويقتصر (التفسير الوجيز) على بيان المقصود بكل آية، بعبارة شاملة غير مخلّة بالمعنى المراد، ولا مبتورة، ومن غير استطراد ولا تطويل، وشرح بعض الكلمات الغامضة غموضا شديدا، وبيان أسباب النزول مع كل آية أثناء شرحها. - وأما (التفسير الوسيط) هذا، فقد يزاد فيه تفسير بعض الآيات عما هو مذكور في (التفسير المنير) ، ويشتمل على إيضاح معاني أهم الكلمات الغامضة، مع التّعرض لأسباب النزول مع كل آية. وحينئذ قد تتطابق عبارات التفاسير الثلاثة، وقد تختلف بحسب الحاجة، وبما يقتضيه المقام في تسليط الأضواء على بعض الألفاظ والجمل، وقد يذكر الوجه الإعرابي الضروري للبيان. وتميّز هذا التفسير ببساطته وعمقه في آن واحد، وبإيراد مقدمة عن كل مجموعة من الآيات، تكوّن موضوعا واحدا.

стр. 5

إن ما عملته في مجال التفسير، وفي غيره من المصنفات العلمية الكثيرة، إنما هو بقصد تيسير العلم بأسلوب واضح متّزن، وبعبارات لا إشكال فيها ولا غموض. وقد سعدت كل السعادة أن أقبل الناس على التفسيرين السابقين: المنير والوجيز، لأنهم وجدوا فيهما ما يحقق بغيتهم، وما تصبو إليه نفوسهم. والله أسأل أن يديم النفع بما يعلّمنا من فضله، وأن يزيدنا علما، فإن على العالم أمانة البيان والتبليغ، على قدر الوسع والطاقة، وهو خادم العلم، وتقريبه للناس، تقبّل الله منا، وجعله في ميزان حسناتنا، وثقّل به الموازين، والله لا يضيع أجر المحسنين. أ. د.: وهبة مصطفى الزحيلي

стр. 6

فاتحة القرآن الكريم [سورة الفاتحة (١) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة: ١- ٧] الفاتحة المعروفة، المكّية النزول (النازلة قبل الهجرة) ، من أوائل ما نزل من القرآن الكريم، قال ابن عباس: «أول ما نزل به جبريل ﵇ على النّبي ﷺ : يا محمد، استعذ، ثم قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . والاستعاذة مستحبة في بداية تلاوة القرآن وفي بداية الصلاة، قال الله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) [النّحل: ١٦/ ٩٨] وكان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل، فاستفتح صلاته وكبّر، قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله- ثلاثا-، ثم يقول: أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم من همزه ونفخه ونفثه» والهمز: الخنق، والنفخ والنفث بالشيء الضّال. ثم يقرأ الإنسان البسملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) وهي آية فاصلة بين السّور القرآنية، ونزلت مع كل سورة كما ورد عن ابن عمر ﵄، ولم

стр. 7

توضع في أول سورة التّوبة (براءة) بأمر الوحي لأن هذه السورة نزلت في الحرب والجهاد والبراءة من المشركين بعد غزوة تبوك. ثم يقرأ المصلّي الفاتحة، عن أبي ميسرة عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع مناديا يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هاربا، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، قال: فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: قل: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ «١» الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «٢» ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «٣» صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ «٤» » . نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش، فهي سورة مكّية بالإجماع، لعظم مكانتها وعلوّ شرفها، من بين سور القرآن، قال الرسول ﷺ لأبي بن كعب، ﵁، بعد أن قرأ أمّ القرآن: «والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها لهي السّبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» . وكان رسول الله ﷺ لا يصلّي إلا بفاتحة الكتاب. وسميت (الفاتحة) لأنها أول ما يفتتح بها كتابة القرآن الكريم في المصاحف، وبها تفتتح القراءة في جميع الصلوات، ولها أربعة عشر اسما منها: أم الكتاب، وأساس القرآن، وسورة الحمد، والسّبع المثاني، أي تثنى وتعاد كل ركعة.

стр. 8

جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : قسمت الصّلاة (أي قراءة الفاتحة) بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قال الله: مجدني عبدي أو فوّض إلي عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» . ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) أي اللهم استجب لنا. قال ﷺ في فضل الفاتحة: «إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، فقد أمنت من كل شيء إلا الموت» .

стр. 9

تفسير سورة البقرة موقف الناس من القرآن الكريم ابتدأ الله تعالى سورة البقرة، المدنيّة النزول (ما بعد الهجرة ولو في مكّة) ، ببيان موقف الناس من القرآن الكريم، وذكر أنهم ثلاثة أصناف، فمنهم من آمن به وعمل صالحا، وأولئك هم المفلحون، ومنهم من كفر به واستكبر عن الحق قولا وعملا، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ومنهم من آمن بالله وباليوم الآخر قولا باللسان فقط، وبقي قلبه مملوءا بالكفر والضّلال، وأولئك لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون، وهم المنافقون. قال مجاهد: أربع آيات من أول البقرة نزلت في المؤمنين، وآيتان في الكفار، وثلاث عشرة آية في المنافقين. أما المؤمنون المتّقون فلهم أوصاف أربعة: الإيمان الصادق بالغيب الذي أخبر الله عنه، وقام الدليل عليه، فلا يقتصرون على المادّيات والمحسوسات، وإنما يؤمنون بما وراء المادة، ويقيمون الصلاة باعتبارها عماد الدين، ويؤتون الزكاة للفقراء والمساكين، والزكاة أساس بناء المجتمع، كما أن الصلاة أساس بناء الفرد، ويؤمنون بجميع ما أنزل الله على رسله من الكتب السماوية ويؤمنون بالآخرة إيمانا يقينيا لا شبهة فيه، ولا شك.

стр. 10

قال الله تعالى مبيّنا منزلة القرآن السامية وأنه الكتاب الكامل، وواصفا هؤلاء المؤمنين: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) «١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١- ٥] . ثم ذكر الله صفات الكافرين كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما ممن جاهر بتكذيب القرآن، فاستوى عندهم الإنذار وعدمه، إذ لا ينتفعون به، فقلوبهم مغلقة لا يصل إليها النور الإلهي المتمثل في آيات القرآن، ويحجبون أسماعهم وأبصارهم عن هذه الآيات ويتعامون عنها، فأولئك لهم عذاب عظيم شديد خاص بهم، وكان العيب فيهم وفي أطباعهم لا في القرآن، لذا ختم الله على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم بكفرهم وعنادهم، قال الله تعالى مبينا صفات هؤلاء الكافرين: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦ الى ٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٦- ٧] . إن البصير العاقل هو الذي يتأمل في مستقبله وفي الحق الذي ينفعه، وينفر من الباطل والضلال، ويوازن بين صفات المؤمنين البنّاءة التي هي إيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإيمان باليوم الآخر، وصفات الكفار الهدامة التي هي دمار وخراب، وابتعاد عن هداية الله الحقّة، وانكباب في نار جهنم، والمؤمن هو المواطن الصالح الأمين، والكافر هو العدو الخائن لنفسه وأمته ومجتمعة.

стр. 11

أوصاف المنافقين في أوائل سورة البقرة نزلت ثلاث عشرة آية في المنافقين (٨- ٢٠) والنفاق جبن وخيانة، وكذب وضلال، ومرض وخداع، لذا سرعان ما ينكشف شأن المنافقين، ويحتقرهم المجتمع، وتنبذهم الأمة. والنفاق واليهودية شيئان متلازمان لأنه ينشأ عن جبن وضعف حقيقي ولؤم طبعي، فالمنافق يلتوي مع الناس في أقواله وأفعاله، واليهودي يخادع الناس ويتآمر عليهم. وكثيرا ما لاقى النّبي ﷺ من النفاق والمنافقين، وكم كان للنفاق في المجتمعات من أضرار بالغة، والجاسوس المتآمر على وطنه وأمته منافق، والتّجسس الذي يخدم العدو مظهر من مظاهر النفاق. والمنافقون أشد خطرا على الإسلام من الكفار صراحة لأنهم أعداء في داخل الأمة، ولا يقتصر وجود المنافقين على عصر النّبي ﷺ فقط، بل يمكن ظهور المنافقين ووجودهم في كل عصر ومكان. ذكر الله صفات المنافقين، وأولها إظهار الإيمان بالله واليوم الآخر، وإبطان الكفر والضلال، ومخادعة الله، مع أن الله عالم بهم لا تجوز عليه مخادعتهم، وليس خداعهم إلا وبالا عليهم، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٨ الى ١٠] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٨- ١٠] . والمنافقون قوم يثيرون الفتن والتجسس لحساب الأعداء وتأليبهم على المسلمين فهم مفسدون في الأرض ويزعمون أنهم مصلحون، فهم لا يدركون الواقع

стр. 12

المحسوس، ولا يشعرون بحالهم. وإذا دعوا إلى الإيمان سخروا من المؤمنين وو صفوفهم بأنهم سفهاء ضعفاء العقول جهلاء، وهم السفهاء في الواقع. قال تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١ الى ١٦] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) [البقرة: ٢/ ١١- ١٣] . ومن صفات المنافقين: إظهار الإيمان استهزاء، وإذا خلوا إلى شياطينهم وزعمائهم من اليهود وأهل الفساد قالوا لهم: إنا معكم. قال ابن عباس: «توجه أبو بكر وعمر وعلي، ﵃، إلى عبد الله بن أبي وأصحابه من اليهود، فلما رآهم ابن أبي قال لأصحابه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم بمعسول القول، فلما حضروا أخذ يمدحهم الواحد بعد الآخر في الدين والسّبق إلى الإسلام، فقال لأبي بكر: مرحبا بالصّدّيق شيخ الإسلام، وقال لعمر: مرحبا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دين الله، وقال لعلي: مرحبا بابن عم رسول الله وختنه (صهره) سيد بني هاشم، ثم قال لأصحابه بعد أن انصرف هؤلاء الصحابة: كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا «١» ، فأنزل الله: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ «٢» «٣» [٢/ ١٤- ١٦] ثم ضرب الله مثلين للمنافقين:

стр. 13

المثل الأول شبّههم بحال جماعة استضاؤوا بنار زمنا يسيرا ثم أطفأها الله. والمثل الثاني صوّر انتهازيتهم وشبّههم بحال جماعة أصابهم مطر غزير، وفرحوا بالبرق والنور وقتا ما، ثم وقعوا حيارى مبهوتين حينما أظلم الأفق. فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧ الى ٢٠] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ١٧- ٢٠] . إثبات الألوهية ورسالة النّبي ﷺ أوضح القرآن الكريم الفرق بين عبادة المؤمنين وعبادة المشركين، أما المشركون الذين يتخذون مع الله إلها آخر من الأصنام والأوثان، فيعبدون ما لا يضرّ ولا ينفع، ولا يغني من الحق شيئا، ويتركون عبادة الله الرّب الذي خلقهم، وخلق آباءهم من قبل، وأوجد هذا الكون سماءه وأرضه، برّه وبحره، فهل يليق بهم أن يتخذوا أندادا أو أمثالا لله ، مع أنه خلقهم وأمدّهم بنعم لا تعدّ ولا تحصى؟! أما المؤمنون فيتميزون بالعقل والبصيرة، والوفاء وعرفان الحق والجميل، ففي عبادتهم لله وحده تتحقق عبوديتهم المطلوبة لله، ومحبّتهم إياه، وتقواهم واستقامتهم على النّهج الصحيح، وشكرهم لربّهم الذي جعل لهم الأرض ممهدة للإقامة عليها

стр. 14

مع أنها تتحرك وتدور، وجعل السماء كالقبة تظلّهم بالخير والبركة، وهي بناء محكم مع ما فيها من ملايين النجوم والكواكب، وعوالم الأفلاك والأجرام السماوية، لا يسقط منها شيء، ولا يختلّ لها نظام، وأنزل الله لخير العباد في صحتهم وزراعتهم ماء مباركا طيّبا ينبت به لهم الكلأ والزرع والشجر، ويغسل الجو من الغبار والجراثيم، فإله خالق هذا شأنه، ومنعم متفضل هذا ديدنه، هو المستحق للعبادة والخضوع والانقياد له لأنه مصدر الخلق والتكوين والرزق. قال الله تعالى دالّا على ألوهيّته: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١ الى ٢٢] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) «١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٢١- ٢٢] . ثم أثبت الله صحة رسالة محمد ﷺ بما أنزل الله عليه من معجزة القرآن، وأن القرآن معجز، وأنه من عند الله، ودليل إعجازه: أن الله تحدى العرب الذين نزل بلغتهم أن يأتوا بسورة تماثله في البلاغة والفصاحة، ومتانة التشريع الصالح لكل زمان ومكان، ومطابقته لمكتشفات العلوم المختلفة، وإخباره بالمغيبات في الماضي والمستقبل. فإذا شك إنسان في أن القرآن ليس من كلام الله فليأت بمثله، والقرآن كلام عربي من جنس ما يتكلم به العرب في خطبهم وأشعارهم وكلامهم العادي، وهم فرسان البلاغة والفصاحة، وأعلام البيان. وإذا عجزوا عن الإتيان بمثل سورة من القرآن، وهم عاجزون إلى الأبد، فليرجعوا إلى الحق، وليؤمنوا بمحمد وبما أنزل الله عليه من القرآن، وفي ذلك وقاية لهم من النار. قال الله تعالى مبيّنا إعجاز القرآن وإثبات رسالة النّبي محمد ﷺ : [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٤] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)

стр. 15

«١» [البقرة: ٢/ ٢٣- ٢٤] . فائدة ضرب الأمثال للناس يحرص القرآن الكريم على توضيح المعاني الدينية وأصول الإيمان بإيراد الأمثال والتشبيهات بالأمور المادية المحسوسة، لترسيخ المعاني في الأذهان، فإن كان المضروب له المثل عظيما كالحق والإسلام ضرب مثله بالنور والضياء، وإن كان ضعيفا حقيرا كالأصنام، ضرب مثله بما يشبهه كالذباب والبعوض والعنكبوت، فيكون المثل لكشف المعنى وتوضيحه بما هو معروف مشاهد لا سبيل إلى إنكاره. فأما المؤمنون الذين في قلوبهم نور، فيهديهم الله إلى التصديق بأن هذا كلام الله، ويكون جزاؤهم جنان الخلد، والاستمتاع بنعيمها، ففيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها أنهار جارية تحت الأشجار، وفيها الثمار اليانعة الشهية مما لم يروه في الدنيا أبدا، وإن كان متشابها ليأنسوا به ويأكلوه، وفي الجنة حور عين، مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جانّ، مطهرات من كل دنس ورجس كالحيض والنفاس وشرور النفس والهوى، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) [البقرة: ٢/ ٢٥] .

стр. 16

وأما موقف الكفار الجاحدين من أمثال القرآن، فهم في حيرة من أمرهم، فيتعجبون ويقولون: ماذا يريد الله بهذا المثل؟ ككل متخبّط لا يدري ماذا يفعل. قال ابن عباس: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين، في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة: ٢/ ١٧] وقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ «١» قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين المثل، ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) [البقرة: ٢/ ٢٦- ٢٧] . فالتمثيل بالبعوضة ونحوها ضلّ به كثير من الناس، واهتدى به كثير من الناس، ولا يضلّ به إلا الخارجون عن طاعة الله، الذين ينقضون ما عاهدوا الله عليه من الإيمان بمحمد والتصديق به، وهمّ هؤلاء الضّالّين الإفساد بين الناس، وإثارة الفتن والشكوك، وقلب الحقائق، وتصديع جبهة الأمة الداخلية، والتآمر مع الأعداء، إذ لا مبدأ عندهم يردعهم عن موالاة الأعداء، فخسروا الدنيا بافتضاحهم والآخرة بغضب الله عليهم، وذلك هو الخسران المبين.

стр. 17

بعض مظاهر قدرة الله يناقش القرآن الكريم أولئك الكفار الذين أنكروا ربوبية الله تعالى مرة بعد مرة، لأن موقفهم وحالهم مدعاة للعجب والاستغراب، والله تعالى يريد أن يرشدهم إلى سواء الصراط، ويدلهم على طريق النجاة، وطريق الإقناع بسيط مادي محسوس، مأخوذ من الواقع القريب المشاهد، ومن التأمل في وضع الإنسان ومراحل تغيره وانتقاله من عالم إلى عالم آخر. فلو فكر الإنسان في نفسه وبمقتضى فطرته الصحيحة السوية، لعرف أن سبب وجوده في هذا العالم هو قدرة الله، وأن الله أنعم علينا بنعمة الوجود، ووهب لنا عقلا، وكرّمنا فجعل حدّا لآجالنا، وتركنا أحرارا في هذه الحياة لنعمل بقناعة ووعي بما يرضي الله، ويحقق الخير لأنفسنا وأمتنا، ثم نرجع إلى الله ليجزي كلّا منا على ما قدّمت يداه، ويحاسبنا على النّعمة التي أنعم بها علينا. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا، ثم خلقتم وأخرجتم إلى الدنيا، فأحياكم، ثم أماتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة. فهناك إماتتان، وإحياءان، الإماتة الأولى قبل الوجود في الدنيا، والإماتة الثانية بعد الحياة، والحياة الأولى بعد الولادة، والحياة الثانية بعد البعث يوم القيامة، قال الله تعالى: قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ «١» (١١) [المؤمن: ٤٠/ ١١] . وقال الله سبحانه: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) [البقرة: ٢/ ٢٨] .

стр. 18

وهذا التّنقل بين موتتين وحياتين دليل على قدرة الله تعالى، ودليل على وجود ما يسمى بالبرزخ: وهو الحدّ الفاصل بين الدنيا والآخرة، والبرزخ حياة ذات طبيعة خاصة في عالم القبور. ثم ذكّرنا القرآن الكريم بمظهر آخر من مظاهر قدرة الله، ، وهو خلق جميع ما في الأرض لخدمة الإنسان، بما فيها من كنوز وخيرات وتمكّن من استخدام موجودات الدنيا من ذرة وكهرباء وأثير، نمتطي به عالم الطيران ونحلّق في سفن الفضاء، ونكتشف عوالم النجوم والكواكب السّيارة كالقمر والزهرة والمريخ. ومن مظاهر قدرة الله وعظمته خلق السموات السبع التي رفعها الله بقدرته، وأودع فيها دقائقه وأسراره، وعلّم الله مخلوقاته تلك الأسرار، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٩] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٩] . وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلقت قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء. وعلى الناس أن يتأملوا في عظمة الكون ليتوصلوا إلى الإيمان بربّ السماوات والأرض وما فيهن، وأن الله على كل شيء قدير. الإنسان خليفة الأرض وسجود الملائكة لآدم كرّم الله تعالى الإنسان باختيار آدم خليفة في الأرض، وتعليمه اللغات التي لا تعلمها الملائكة، وأمر الملائكة بالسجود له سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة وتعظيم. وكل ذلك لتكريم النوع الإنساني، وتكليفه وتشريفه بعمارة الدنيا وتقدم

стр. 19

الحياة البشرية. وقد جرى حوار صوّره القرآن الكريم بين الله تعالى والملائكة لإظهار دور آدم وذريته في الأرض، وجعلهم خلفاء فيها، يخلف بعضهم بعضا. قال الله تعالى واصفا ذلك: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٤] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) «١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ٣٠- ٣٤] . اذكر أيها النّبي لقومك قصة خلق أبيهم آدم، حين قال الله للملائكة: إني متخذ في الأرض خليفة، يقوم بعمارتها وسكناها، وينفذ أحكامي فيها بين الناس، فتساءل الملائكة مستعلمين: كيف تستخلف هذا الخليفة، وفي ذرّيته من يفسد في الأرض بالمعاصي، ويريق الدماء عدوانا وبغيا لأن أفعالهم عن اختيار وإرادة، وقد خلقوا من طين، والمادة جزء منهم، ومن كان كذلك فهو إلى الخطأ أقرب. وقد عرفوا ذلك لأنهم هم المعصومون، وكل من عداهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا ذلك الخلق وهم الإنس على الجن الذين سكنوا الأرض، فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة. ونحن الملائكة أولى وأحق بالاستخلاف، لأن أعمالنا مقصورة على تسبيحك وتقديسك، وطاعتك وتمجيدك، والثناء عليك والحمد لك. فأجابهم الله تعالى: إني

стр. 20

أعلم من المصلحة في استخلافه ما هو خفي عنكم، وأعلم كيف تصلح الأرض وكيف تعمر، ومن هو أصلح لعمارتها. وعلّم الله آدم أسماء الأشياء والأجناس المادية، من نبات وجماد وإنسان وحيوان، مما تعمر به الدنيا، ثم عرض مجموع المسميات على الملائكة، أو عرض نماذج منها، لقوله ثُمَّ عَرَضَهُمْ لأن العرض لا يصح في الأسماء. وقال لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين في ادّعائكم أنكم أحقّ بالخلافة من غيركم، فعجزوا، وقالوا: يا ربّ سبحانك، لا علم لنا إلا ما علّمتنا، إنك أنت العليم بكل شيء، الحكيم في كل صنع وتدبير. وهذا يدلّ على تفضيل آدم على الملائكة واصطفائه، بتعليمه ما لم تعلمه الملائكة، فلا يكون لهم فخر عليه. ثم طلب الله من آدم، ﵇، بقوله: أخبرهم يا آدم بأسماء الأشياء التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بقصورهم عن معرفتها، فلما أخبرهم بكل الأسماء، أدركوا السّرّ في خلافة آدم وذرّيته، وأنهم لا يصلحون للاشتغال بالماديات، والدنيا لا تقوم إلا بها، فإنهم خلقوا من نور، وآدم من طين، والمادة جزء منه. وحينئذ قال الله تعالى للملائكة: ألم أقل لكم: إني أعلم ما غاب في السموات والأرض عنكم، وما حضر أيضا، ولا أجعل الخليفة الأرضية عبثا، وأعلم ما ظهر وما بطن، وأعلم بما تظهرون وما تكتمون في صدوركم. واذكر أيضا أيها النّبي لقومك حين قلنا للملائكة الأطهار: اسجدوا لآدم سجود خضوع وتحية، لا سجود عبادة وتأليه، كما يفعل الكفار مع أصنامهم، فسجد الملائكة جميعا له غير إبليس، فإنه امتنع من السجود وتكبر عنه قائلا: أأسجد له،

стр. 21

وأنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين؟! فصار بإبائه واستكباره، وتعاليه، وغروره من الكافرين، الذين استحقّوا اللعنة والطّرد من رحمة الله إلى يوم الدين. سكنى آدم وحواء الجنة من ألوان التكريم الإلهي للإنسان إسكان آدم وحواء في الجنة في بدء الخلق، ليكون تمهيدا لمصير أهل الاستقامة في نهاية الخلق. ولكن الحكمة الإلهية اقتضت إعاشة الإنسان في الأرض، لتعمير الكون، وتكاثر النوع الإنساني، وإظهار مزيته في جهاد النفس والهوى والشيطان. وهذه قصة آدم وحواء في الجنة والأرض: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٣٥ الى ٣٩] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٣٥- ٣٩] . واذكر أيها النّبي لقومك حين أمر الله تعالى آدم وزوجه حواء بسكنى الجنة- الجنة الحقيقية العلوية، والتمتع فيها حيث شاءا، والأكل منها أكلا هنيئا لا عناء فيه، أو واسعا لا حدّ له. ونهاهما عن الأكل من شجرة معيّنة، ويكون الأكل منها ظلما لأنفسهما، وتجاوزا لأمر الله ومخالفة نهيه.

стр. 22

- ولكن الشيطان عدوهما أزلهما عنها، أي أذهبهما وأبعدهما عن الجنة، وأخرجهما من ذلك النعيم، بعد أن أغواهما بالأكل من الشجرة، فحوّلهما من الجنة، قائلا لهما: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) [الأعراف: ٧/ ٢٠- ٢١] . فتغلبت عليهما ووساوس الشيطان، وخرجا من الجنة إلى الأرض، وشقاء الدنيا، وقد نشأت بعدها العداوة بين البشر والشيطان: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) [فاطر: ٣٥/ ٦] . وقال الله لهما: اهبطوا من الجنة إلى الأرض، بعضكم عدوّ بعض، ولكم استقرار في الأرض وتمتّع بنعمها وخيراتها إلى مدة معينة من الزمان. فألهم الله آدم كلمات، فعمل بها هو وزوجته، فقالاها، وتابا توبة خالصة، والكلمات هي قوله تعالى: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) [الأعراف: ٧/ ٢٣] . وتقبل الله منهما التّوبة، لأنه كثير القبول لتوبه عباده، واسع الرحمة بالعباد، والمغفرة لهم. وكرر الله تعالى الأمر بالهبوط من الجنة هو وزوجه للتأكيد، وصار الناس في الأرض صنفين: صنف المؤمنين بالله العاملين بطاعته، المتبعين هداه وشرائعه، فهؤلاء آمنون في جنان الخلد في الآخرة، ولا خوف عليهم من مخاوفها وعذابها، ولا يجدون فيها حزنا أو كآبة، أو كربا على ما فاتهم من النعيم في الدنيا.

стр. 23

وصنف الكافرين المكذبين بما أنزل الله في كتبه، الجاحدين برسالات الله وأنبيائه، فهؤلاء لا غيرهم مخلدون في نار جهنم، مقيمون فيها على الدوام، لا يموتون فيها ولا يحيون حياة طيبة، ولا يخرجون منها. إن هذه القصة تثير تساؤلات ومشكلات عديدة، عن مكان الجنة والأكثرون على أنها في السماء، وعن نوع الشجرة وهي إما الكرم من العنب أو الحنطة أو التين، وعن عصيان آدم مع أن الأنبياء معصومون من الذنوب، والواقع أنها خطيئة من الصغائر، لا من الكبائر، صدرت من آدم قبل النبوة، وعن دخول إبليس الجنة بعد طرده منها، ولكن الخروج لا يمنع وصول وسوسته ابتلاء لآدم وحواء، وعن أفعال العباد أهي مخلوقة؟ والصحيح أنها من خلق الله تعالى، لقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً وعن التفضيل بين الملائكة والبشر، والظاهر أن عموم الملائكة أفضل من عموم البشر، وخواص البشر وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة، كما قال جماعة. والتوقف عن الخوض في ذلك أولى وأكثر أدبا وتسليما لله تعالى. مطالبة بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن لقد طالب الله الناس جميعا بالإيمان بشريعة القرآن وبما أنزل فيه، ومنهم بنو إسرائيل الذين أنعم الله عليهم بنعم كثيرة. ذكّر الله بني إسرائيل المعاصرين للنّبي محمد ﷺ بهذه النعم العشر ليبادروا إلى الإيمان بالله وكتبه وبمحمد الذي أخبر عن هذا كله بوحي الله في قرآنه، فقال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٠ الى ٤٣] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) «١»

стр. 24

«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٤٠- ٤٣] . ثم عدّد الله تعالى نعما عشرا عليهم تحملهم إذا أنصفوا وعقلوا على الإيمان بما أنزل الله في كتابه الذي صدّق ما أنزل عليهم في التوراة. وقد عدّد الله هذه النعم العشر في سورة البقرة في الآيات (٤١- ٦٠) وهي: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤١ الى ٦٠] وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)

стр. 25

[البقرة: ٢/ ٤١- ٦٠] . وهي إنجاؤهم من فرعون وقومه، وعبورهم البحر سالمين من تهديد فرعون وجنوده، وقبول توبتهم وعفو الله عنهم، وإيتاء موسى التوراة الأصلية الفارقة بين الحق والباطل، والحلال والحرام ليهتدوا بها، وأمر موسى لهم بالتّخلي عن عبادة العجل التي فعلوها في مدة صومه وغيابه عنهم أربعين يوما (ميقات ربّه) ، وإحياؤهم بعد موتهم ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم بعد أن طلبوا من موسى أن يروا الله جهرة عيانا، فأماتهم الله يوما وليلة ثم بعثهم من بعد الموت، وإظلالهم بسحاب رقيق يقيهم حرّ الشمس حين مكثوا أربعين سنة حيارى تائهين في وادي التّيه بين الشام ومصر، وإنزال المنّ والسّلوى عليهم، وهو طعام مكوّن من حلوى وطير مطهو يقيهم غائلة الجوع، وأمرهم بدخول القرية المعلومة لهم للسكنى والأكل والشرب الهني فيها، ودخول الباب خاضعين مبتهلين إلى الله وحده، وطالبين المغفرة وحطّ الذنوب عنهم، فخالفوا وعصوا وقالوا بدل كلمة حِطَّةٌ: حبة في شعرة أي حنطة في زكائب شعر، ودخلوا زاحفين على مقاعدهم غير خاضعين لله، فعذبهم الله عذابا شديدا من السماء بسبب فسقهم وعصيانهم وهلك منهم سبعون ألفا، والنعمة العاشرة انفجار الحجر والصّخر اثنتي عشرة عينا بضرب موسى عصاه الحجر، فكان لكل جماعة منهم عين يشربون منها.

стр. 26

ولم يمتثل علماء بني إسرائيل لأمر الله بالإيمان بالقرآن، وكانوا يأمرون غيرهم بالصدقة والثبات على الإسلام، ودين محمد- فإنه حق-، وينسون أنفسهم، فلامهم الله، وحذّرهم وعلّمهم أن يستعينوا على أنفسهم الأمارة بالسوء وشياطينهم بالصبر والصلاة، فإنهما جلاء القلوب والأرواح، وأمرهم باتّقاء مخاطر يوم القيامة، حيث لا تقبل شفاعة شافع، ولا فداء من أحد ولا هم ينصرون. قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ «١» وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ «٢» وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ «٣» إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ «٤» أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ «٥» (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي «٦» نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ «٧» وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) [البقرة: ٢/ ٤٤- ٤٨] بعض قبائح اليهود وجزاؤهم لقد أنصف القرآن الكريم أهل الكتاب، فأثاب أهل الإيمان والعمل الصالح منهم، وبشّرهم بأنهم لا خوف عليهم أبدا، ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة، فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) [البقرة: ٢/ ٦٢] . نزلت هذه الآية في سلمان الفارسي وأشراف قومه الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وآمنوا بالقرآن وبالنّبي محمد ﷺ ، وفي مقابل الثناء على مؤمني أهل الكتاب،

стр. 27

ذكر الله تعالى بعض قبائح اليهود، ومنها أنهم قالوا لموسى: لا يمكننا أن نستمرّ على طعام واحد، وهو المنّ والسّلوى، وطلبوا أطعمة أخرى من الخضروات والبقول كالحنطة والعدس، والبصل والقثاء، ومن قبائحهم كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، كزكريا ويحيى وغيرهما، فجعل الله الذّلة والمسكنة محيطة بهم كما تظلل الخيمة من فيها، ولا يعدّ وجودهم في فلسطين متناقضا مع إذلال الله لهم لأنه وجود عنصري متعصّب قائم على الحقد والبغضاء والكراهية، وعلى الاغتصاب والظلم والشّر والتّآمر مع قوى البغي والعدوان، وزوال كل ذلك سريع بإذن الله. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٦١] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) «١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٦١] . وهدّد الله بني إسرائيل برفع جبل الطور فوقهم كأنه ظلّة تخويفا وإرهابا، حينما لم يؤمنوا بالتوراة ورفضوا العمل بها، فقبلوا ذلك إلى حين، ثم أعرضوا بعد ذلك عن التوراة ونبذوها وراء ظهورهم. وكانوا يعظّمون يوم السبت، فلا يعملون أي عمل فيه، فاحتالوا على ذلك بحيلة مفضوحة وهي بناء حواجز وأحواض تمنع ردّ السمك إلى الماء في حال الجزر، بعد أن كان السمك يأتي كثيرا يوم السبت قرب الساحل في أثناء المدّ البحري، وكان لا يأتيهم السمك في غير يوم السبت، فارتكبوا خطيئة الصيد يوم السبت بالحيلة المذكورة، فحكم الله عليهم أن يكونوا كالقردة مبعدين عن رحمة الله والناس لأنهم لم يحترموا العهد ولم يلتزموا الطاعة، وتخلوا عن شرف

стр. 28

الإنسانية والكرامة وعزة النفس، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦٢ الى ٦٦] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) «١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ٦٢- ٦٦] . الأمر بذبح البقرة اختبر الله تعالى بني إسرائيل بأمرهم بذبح بقرة، ليظهر مدى مصداقيتهم وامتثالهم أوامر الله تعالى، وذلك بسبب قتل رجل عمه الذي كان ابن الأخ الوارث الوحيد له، ومن أجل التعرف على القاتل، بدلا من اقتتال بعضهم مع بعض، وكان يجزئهم ذبح أي بقرة، إلا أنهم تشدّدوا في بيان أوصاف البقرة، فشدّد الله عليهم، بعد أن اشتروها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها متردّدين، ثم ضربوا القتيل ببعضها، فعاش حيّا، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا، لابن أخيه، ثم عاد ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، لأنه قاتل، وصار ذلك حكما دائما. وهذه هي قصة ذبح البقرة. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦٧ الى ٧٤] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) «٥»

стр. 29

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [البقرة: ٢/ ٦٧- ٧٤] . واذكروا أيها الإسرائيليون وقت قول موسى لقومه أسلافكم أمر الله لكم بذبح أي بقرة، فلم يمتثلوا، وشدّدوا، فشدّد الله عليهم، وقالوا: أتهزأ أو تسخر منا يا موسى؟ نسألك عن أمر القتل، فتأمرنا بذبح بقرة! قال: ألتجئ إلى الله من الهزء والسخرية بالناس في موضع الجد وتبليغ أحكام الله تعالى، فأكون من الجهلة المفرطين بأمر الله.- قالوا: ادع الله لنا لبيان لونها فقال: إنها بقرة صفراء اللون، شديدة الصفرة، تبهج الناظرين إليها. فسألوه عن سنّها، فقال: إنها ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين الأمرين، فامتثلوا الأمر ولا تشددوا، قالوا: ادع الله لنا يبين حقيقتها ومزاياها، لتشابه البقر علينا، وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى الصواب والمطلوب. قال: إن الله يقول: إنها بقرة لم تذلل بالعمل في الحراثة والسّقي، وهي سالمة من

стр. 30

العيوب، لا يخالطها لون آخر غير الصفرة، قالوا: إنك الآن جئت بإظهار الحقيقة الواضحة، فطلبوها، فلم يجدوها إلا عند يتيم صغير بارّ بأمه، فساوموه، فتغالى، حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا، وما كان امتثالهم قريب الحصول. واذكروا أيها اليهود المعاصرون حين قتل أسلافكم نفسا، وأنتم تنتسبون إليهم، راضون بفعلهم، وأسند القتل للأمة والقاتل واحد، لتضامن الأمة، وهي في مجموعها كالشخص الواحد، فيؤخذ المجموع بجريرة الواحد. وفيه توبيخ ولوم. وكنتم تتخاصمون وتتدافعون في شأن القتل، فكل واحد يدرأ القتل عن نفسه، ويدّعي البراءة، ويتّهم سواه، والله مظهر حتما ما كنتم تكتمونه وتسترونه من أمر القتل. فقلنا لكم: اضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة المذبوحة، فضربوه، فأحياه الله، وأخبر عن القتلة، ومثل ذلك الإحياء العجيب، يحيي الموتى يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله، وكذلك يريكم الله آياته الواضحة الدّالة على صدق القرآن والنّبي، الذي يخبر بالغيبيات، لكي تعقلوا وتؤمنوا بالله ورسوله. ثم قست قلوبكم وامتنعت عن قبول الحق، فهي تشبه الحجارة في الصلابة، بل هي أشد قسوة منها، لأن بعض الحجارة قد يتفجر الماء منه، ويسيل أنهارا تحيي الأرض وتنفع النبات، وقد يتشقق بعضها، فيسيل منها ماء، يكون عينا لا نهرا، وفي هذه منفعة للناس، وقد يتساقط بعضها من أعالي الجبال، بالرياح الشديدة ونحوها من الزلازل، فتكسر الصخور، وتدمّر الحصون، وليس في هذا منفعة للناس. ولكن لم يزدد اليهود إلا عنادا وفسادا، والله تعالى حافظ لأعمالهم ومحصيها لهم، ثم يجازيهم بها، ولا يغفل عن شيء منها، صغيرا كان أو كبيرا.

стр. 31

تناقضات اليهود وأكاذيبهم لا خير ولا أمل في قوم متناقضين يفترون على الله الكذب، ويحرّفون كلام الله ويغيّرونه ويبدّلونه على وفق أهوائهم وشهواتهم، لذا استبعد الله الخير والإيمان من اليهود برسالة محمد ﷺ ، فقد كان منافقوهم حين يتقابلون مع المؤمنين يقولون: نحن مؤمنون بالله والنّبي محمد، إذ هو المبشّر به عندنا فنحن معكم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: كيف تحدّثون أتباع محمد بما أنزل الله عليكم في التوراة؟ كيف تفعلون هذا فيحتجّون به عليكم، ويخاصمونكم به عند ربّكم يوم القيامة؟ أتذيعون أسراركم فهذا خطأ وضرر؟ فيردّ الله عليهم أيحسبون أن هذا سرّ لا يطّلع عليه أحد؟ أو لا يعلمون أن الله سبحانه يعلم السّر وأخفى، ويعلم ما يقولون، سواء أضمروا الحقائق أم أعلنوها؟ وسيجازيهم على ذلك كله. هذا موقف علماء اليهود وأحبارهم، أما الأمّيون فلا يعرفون عن دينهم إلا أكاذيب سمعوها ولم يعقلوها مثل الزعم القائل بأنهم شعب الله المختار وأن الأنبياء منهم يشفعون لهم، وأن النار لا تمسهم إلا أياما قليلة. قال مجاهد: قام النّبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم فقال: يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت، فقالوا: من أخبر بهذا محمدا، ما خرج هذا إلا منكم، أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم ليكون لهم حجة عليكم، فنزلت الآية: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٧٥ الى ٧٨] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) «١» «٢» «٣»

стр. 32

«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٧٥- ٧٨] . وروي أن أوصاف الرسول ﷺ كانت مكتوبة عندهم في التوراة فغيروها وكتبوا بدلها، فإذا سئلوا من العوام عن وصف محمد المعروف لديهم، ذكروا ما كتبوه هم، فيكذّب العوام النبي ﷺ . وتجرؤوا أكثر من هذا، فافتروا على الله ما لم يقله، ليأخذوا على كذبهم ثمنا دنيويا حقيرا من مال أو رياسة أو جاه، فويل لهم مما كسبوا. ومن مخازيهم وافتراءاتهم: أنهم ادعوا أن النار لا تمسهم إلا في أيام قليلة معدودة هي أربعون يوما مدة عبادتهم العجل، فرد الله عليهم بأنه لا أصل لهذا الادعاء، ولا عهد لهم من الله فيه، وسيخلدون في النار بسبب معاصيهم الشنيعة، كقتل الأنبياء بغير حق، وعصيان أوامر الله، وتكذيبهم برسالة النبي محمد. أما من آمن منهم وعمل صالحا، فلهم الجنة خالدين فيها، قال الله تعالى في أحبار اليهود: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٧٩ الى ٨٢] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢) «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٧٩- ٨٢] .

стр. 33

مخالفات اليهود ومنكراتهم سجّل القرآن الكريم على اليهود مخالفات خطيرة ومنكرات شنيعة، مع أنهم يدعون الإيمان بالتوراة، وأول هذه المخالفات: نقضهم المواثيق والمعاهدات التي واثقهم الله بها، وهي عبادة الله وحده، والإحسان إلى الوالدين والقرابة واليتامى والمساكين، والقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم تخلى أكثرهم عن هذه الأوامر والوصايا التي تكفل سعادة المجتمع، وتحقق له الحياة الهادية الهنيئة. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٨٣] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) [البقرة: ٢/ ٨٣] . ومن مخالفاتهم المواثيق: سفكهم دماء بعضهم بعضا، وإيمانهم ببعض التوراة وكفرهم بالبعض الآخر، وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم، مع أنهم إخوانهم في الدين واللغة والنسب، متعاونين مع الغير على ارتكاب الذنب والعدوان ومعصية الرسول، والإخراج والقتل محرّم عليهم في التوراة، فكيف يفعلونه؟ وليس لهم جزاء على هذه المخالفات والأعمال الشنيعة إلا ذلّ وهوان في الدنيا، وعذاب أليم دائم في الآخرة. وهذا جزاء كل أمة تؤدي بعض أحكام دينها كالصلاة والصوم والحجّ، ولا تؤدي بعض أحكامه الأخرى كالامتناع عن الزّنا والرّبا والرّشوة والسّرقة وخيانة الأمانة، ولم تتعاون على الخير والمعروف، ولم تؤدّ الزكاة بسبب بخل أغنيائها على فقرائها. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٨٤ الى ٨٦] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) «١»

стр. 34

«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٨٤- ٨٦] . ومن مخالفات اليهود ومنكراتهم: تكذيبهم بالرّسل، وقتلهم رسلا آخرين، وكفرهم برسالة خاتم النّبيين مع أنهم كانوا يقولون: اللهم انصرنا بالنّبيّ المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، فهم يعرفون حقّا أن محمدا ﷺ هو النّبي المبشّر به في التوراة، قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة: ٢/ ١٤٦] ولكنهم لم يؤمنوا حسدا وبغيا، فقد باعوا حظّهم الحقيقي وهو الإيمان بالله ورسوله، وأخذوا بدله كفرهم بما أنزل الله، وسبب ذلك كله: حرصهم على الرياسة والمال في أيديهم. ومن مخالفاتهم: كفرهم بغير التوراة، وعبادتهم العجل واتخاذه إلها، وحرصهم الشديد على الحياة الدنيا أشد من حرص المشركين بالله، يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة حتى يجمع ذهب العالم. ومن طبائعهم: حبّهم الاستعلاء على العالم، وإثارتهم الفتن والشرور بين الناس، ومن سوء مواقفهم: معاداتهم جبريل وميكال والملائكة والرّسل الكرام، كما سيأتي بيانه، قال الله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) [البقرة: ٢/ ٩٧- ٩٨] .

стр. 35

موقف اليهود من الرسل والكتب والأنبياء من أعظم جرائم اليهود: تكذيب الرسل والكتب الإلهية المنزلة، وقتل الأنبياء بغير حق، وكفرهم بجميع ما أنزل الله على الرسل الآخرين غير رسولهم، مع أنهم قبل بعثة النّبي ﷺ كانوا يستنصرون بنبي آخر الزمان، فلما بعث وجاءهم ما عرفوا صفاته، كفروا به وتنكروا له. وهذا ما دوّنته الآيات التالية: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٨٧ الى ٩١] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [البقرة: ٢/ ٨٧- ٩١] . الآيات تذكير لبني إسرائيل بإعطاء موسى الكتاب (التوراة) وأن الله أتبعه بالرسل من بعده، وهم يوشع، وداود، وسليمان، وعزير، وإلياس، واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى ﵈، وكانوا كلهم يحكمون بشريعة موسى ﵇. إلا أن الله آتى عيسى ﵇ الإنجيل، مخالفا التوراة في بعض الأحكام، وأيّده الله

стр. 36

بالمعجزات الباهرات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، كما أيّده بروح القدس جبريل ﵇. أفكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم، ولا تميل إلى الخير دائما، كفروا به واستكبروا عليه تجبّرا وبغيا، فمنهم من كذبوه كعيسى ومحمد ﵉، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى ﵉، فلا يستغرب ترك إيمانهم بدعوة محمد ﷺ . ومن قبائحهم أو مثالبهم: قولهم للنّبي ﷺ : قلوبنا مغطاة بأغشية، فلا تعي ما تقول، ولا تفقه ما تتكلم به، فيردّ الله عليهم: لستم كذلك، فقلوبكم خلقت مستعدة بالفطرة للإقرار بالحق، لكن الله أبعدهم عن رحمته، بسبب كفرهم بالأنبياء وعصيانهم التوراة، وقليلا جدّا اتجاههم للإيمان، أو أنهم لم يؤمنوا أصلا. ولما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، مصدق لما معهم من التوراة، وكانوا من قبل ذلك يستنصرون ببعثة نبي آخر الزمان، لما جاءهم كفروا برسالته حسدا للعرب، وجحدوا ما كانوا يقولون به، وتبشّر به توراتهم، فالطرد والإبعاد أو اللعنة من الله على كل كافر من اليهود وأمثالهم، لكفرهم بدعوة الإسلام. قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا، هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: (اللهم إنا نسألك بحق محمد النّبي الأمّي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم) فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النّبي ﷺ ، كفروا به، فأنزل الله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي بك يا محمد، إلى قوله: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بئسما باعوا به أنفسهم باختيارهم الكفر على الإيمان، وبذل أنفسهم فيه، وجحودهم برسالة النّبي محمد ﷺ حسدا للعرب، وكراهة أن ينزل الله الوحي من

стр. 37

فضله على من يختاره من عباده، فرجعوا متلبّسين بغضب من الله جديد، لكفرهم بهذا النّبي، بعد كفرهم بموسى ﵇، وبمن جاء بعده من الأنبياء، وللكافرين جميعا عذاب فيه إهانة وإذلال في الدنيا والآخرة. وإذا قال النّبي ﷺ وأصحابه ليهود المدينة: آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله، قالوا: إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة، ونكفر بما سواه، وهو القرآن الذي جاء مصدقا لها، وهو الحق الذي لا شك فيه، فيرد الله عليهم: إن القرآن مصدق للتوراة، وكلاهما من عند الله، فكيف تكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض؟ بل إنكم لم تؤمنوا بالتوراة التي فيها تحريم القتل، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق، فلم قتلتموهم إن كنتم بالتوراة مؤمنين؟! عبادة العجل عند اليهود وحبّ الحياة وعداوة الملائكة والرّسل تمكّن الكفر والطغيان، والمادية الطاغية، وحبّ الحياة، وعداوة جبريل والملائكة والرّسل من قلوب اليهود، فهم أعداء الدين الإلهي كله، وأعداء الرّسل جميعا، وأحرص الناس على الحياة الدنيوية، وتراهم لا يهمهم إلا أهواؤهم وعنصريتهم ومزاعمهم أنهم أولياء الله ومحبوبوه، والناجون في الآخرة، وأنهم الشعب المختار لله تعالى، فكذب الله جميع ادّعاءاتهم، بل إنهم وقعوا في الوثنية والشرك، وعبدوا العجل، كما تقرر الآيات التالية: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٢ الى ٩٨] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) «١»

стр. 38

«١» [البقرة: ٢/ ٩٢- ٩٨] . تالله لقد جاءكم يا بني إسرائيل موسى بالمعجزات القاطعة الدّالة على صدق نبوّته ورسالته، كالعصا واليد، وبقية الآيات التّسع: وهي الطوفان والجراد والقمّل والدّم والضّفادع، وفرق البحر، والسّنون (القحط) ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلا في الشّرك والوثنية، ولم تشكروا نعمة الله، وإنما على العكس قابلتموها بالجحود والإنكار، واتّخاذ العجل إلها معبودا من دون الله، والعجل: هو الذي صنعه لهم السّامري من حليّهم التي أخذوها من مصر، وجعلوه إلها يعبد، وهم ظالمون كافرون بوضع الشيء في غير موضعه، وأي ظلم أعظم من الإشراك بالله تعالى؟! واذكر أيها النّبي لليهود وقت أن أخذ الله على أصولهم العهد بأن يعملوا بما في التوراة، ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى خوّفهم الله برفع جبل الطور فوقهم كأنه مظلّة إرهابا لهم، فقبلوه، ثم خالفوه، وقالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا في المخالفة ووقعوا في الشّرك، واتخذوا العجل إلها، وخالط حبّه

стр. 39

قلوبهم، فقل لهم أيها النّبي: بئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى هذه الأعمال التي تفعلونها، كعبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق، إن كنتم تدعون الإيمان الصحيح برسالة موسى ﵇ وبالتوراة. قل أيها النّبي لليهود: إذا صدقتم في ادّعائكم أن الآخرة والجنة لكم خالصة عند الله من دون الناس، وأن النار لن تمسّكم إلا أياما معدودات، وأنكم شعب الله المختار، فاطلبوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم الذي لا ينازعكم فيه أحد، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء. قال ابن عباس: ولو تمنّوا الموت لشرق أحدهم بريقه. أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، فأنزل الله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً.. [البقرة: ٢/ ٩٤] . ولن يتمنى الموت أحد منهم أبدا، بسبب ما اقترفوا من الكفر والفسوق والعصيان، كتحريف التوراة، وقتل الأنبياء والأبرياء، وإنكار رسالة النّبي محمد ﷺ ، مع البشارة به في كتابهم، والله يعلم أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم. وتالله لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة طويلة، بل وأحرص من جميع الناس، حتى المشركين بالله، فإن أحدهم يتمنى أن يعيش ألف سنة أو أكثر- والعرب تضرب الألف مثلا للمبالغة في الكثرة- لأنه يتوقع عقاب الله في الآخرة، فيرى أن الدنيا خير من الآخرة، وما بقاؤه في الدنيا وإن طال بمبعده عن العذاب الأليم، والله عليم بما يصدر عنهم من أعمال، ومجازيهم عليه. قل أيها النّبي: من كان عدوّا لجبريل، فهو عدوّ لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها، فإن الله نزله بالوحي والقرآن على قلبك أيها النّبي بإذن الله وأمره، مؤيدا

стр. 40

وموافقا لما تقدمه من الكتب، كالتوراة والإنجيل وغيرهما التي تدعوا إلى توحيد الله وأصول الأخلاق والعبادات، وهداية من الضلالة، وبشرى لمن آمن به بالجنة، فكيف يكون طريق الخير سببا للبغض والكراهية؟ أخرج الترمذي أن اليهود قالوا للنّبي ﷺ : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربّه بالرّسالة والوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال: جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدوّنا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية، إلى قوله: لِلْكافِرِينَ. من كان عدوّا لله بمخالفة أوامره، وعدم إطاعته، وللملائكة بكراهة العمل بما ينزلون به من وحي، وعدوّا للرّسل الكرام بتكذيبهم في رسالاتهم، وعدوّا لجبريل وميكائيل، بادّعاء أن جبريل يأتي بالإنذارات، فإن الله عدوّ لكل كافر، ومجازيه. كفر اليهود بالقرآن ونقضهم العهد واشتغالهم بالسّحر من عادات اليهود واعتقاداتهم، بالإضافة لما سبق، التكذيب بآيات الله ومنها القرآن الكريم، وترك الوفاء بالعهود أو المعاهدات، وتكذيب الرّسل، والإعراض عن القرآن، كما أنهم يشتغلون بالسّحر والشّعوذة والطّلاسم، مما يدل على تجاوز الدين الحق والمبادئ الصحيحة، وهذا ما أثبته القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠٣] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) «١»
следующие страницы →