بالمعجزات الباهرات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، كما أيّده بروح القدس جبريل ﵇. أفكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم، ولا تميل إلى الخير دائما، كفروا به واستكبروا عليه تجبّرا وبغيا، فمنهم من كذبوه كعيسى ومحمد ﵉، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى ﵉، فلا يستغرب ترك إيمانهم بدعوة محمد ﷺ .
ومن قبائحهم أو مثالبهم: قولهم للنّبي ﷺ : قلوبنا مغطاة بأغشية، فلا تعي ما تقول، ولا تفقه ما تتكلم به، فيردّ الله عليهم: لستم كذلك، فقلوبكم خلقت مستعدة بالفطرة للإقرار بالحق، لكن الله أبعدهم عن رحمته، بسبب كفرهم بالأنبياء وعصيانهم التوراة، وقليلا جدّا اتجاههم للإيمان، أو أنهم لم يؤمنوا أصلا.
ولما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، مصدق لما معهم من التوراة، وكانوا من قبل ذلك يستنصرون ببعثة نبي آخر الزمان، لما جاءهم كفروا برسالته حسدا للعرب، وجحدوا ما كانوا يقولون به، وتبشّر به توراتهم، فالطرد والإبعاد أو اللعنة من الله على كل كافر من اليهود وأمثالهم، لكفرهم بدعوة الإسلام. قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا، هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: (اللهم إنا نسألك بحق محمد النّبي الأمّي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم) فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النّبي ﷺ ، كفروا به، فأنزل الله تعالى:
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي بك يا محمد، إلى قوله: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ.
بئسما باعوا به أنفسهم باختيارهم الكفر على الإيمان، وبذل أنفسهم فيه، وجحودهم برسالة النّبي محمد ﷺ حسدا للعرب، وكراهة أن ينزل الله الوحي من
стр. 37
فضله على من يختاره من عباده، فرجعوا متلبّسين بغضب من الله جديد، لكفرهم بهذا النّبي، بعد كفرهم بموسى ﵇، وبمن جاء بعده من الأنبياء، وللكافرين جميعا عذاب فيه إهانة وإذلال في الدنيا والآخرة.
وإذا
قال النّبي ﷺ وأصحابه ليهود المدينة: آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله، قالوا:
إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة، ونكفر بما سواه،
وهو القرآن الذي جاء مصدقا لها، وهو الحق الذي لا شك فيه، فيرد الله عليهم: إن القرآن مصدق للتوراة، وكلاهما من عند الله، فكيف تكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض؟ بل إنكم لم تؤمنوا بالتوراة التي فيها تحريم القتل، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق، فلم قتلتموهم إن كنتم بالتوراة مؤمنين؟!
عبادة العجل عند اليهود وحبّ الحياة وعداوة الملائكة والرّسل
تمكّن الكفر والطغيان، والمادية الطاغية، وحبّ الحياة، وعداوة جبريل والملائكة والرّسل من قلوب اليهود، فهم أعداء الدين الإلهي كله، وأعداء الرّسل جميعا، وأحرص الناس على الحياة الدنيوية، وتراهم لا يهمهم إلا أهواؤهم وعنصريتهم ومزاعمهم أنهم أولياء الله ومحبوبوه، والناجون في الآخرة، وأنهم الشعب المختار لله تعالى، فكذب الله جميع ادّعاءاتهم، بل إنهم وقعوا في الوثنية والشرك، وعبدوا العجل، كما تقرر الآيات التالية:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٢ الى ٩٨]
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)
«١»
стр. 38
«١» [البقرة: ٢/ ٩٢- ٩٨] .
تالله لقد جاءكم يا بني إسرائيل موسى بالمعجزات القاطعة الدّالة على صدق نبوّته ورسالته، كالعصا واليد، وبقية الآيات التّسع: وهي الطوفان والجراد والقمّل والدّم والضّفادع، وفرق البحر، والسّنون (القحط) ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلا في الشّرك والوثنية، ولم تشكروا نعمة الله، وإنما على العكس قابلتموها بالجحود والإنكار، واتّخاذ العجل إلها معبودا من دون الله، والعجل: هو الذي صنعه لهم السّامري من حليّهم التي أخذوها من مصر، وجعلوه إلها يعبد، وهم ظالمون كافرون بوضع الشيء في غير موضعه، وأي ظلم أعظم من الإشراك بالله تعالى؟! واذكر أيها النّبي لليهود وقت أن أخذ الله على أصولهم العهد بأن يعملوا بما في التوراة، ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى خوّفهم الله برفع جبل الطور فوقهم كأنه مظلّة إرهابا لهم، فقبلوه، ثم خالفوه، وقالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا في المخالفة ووقعوا في الشّرك، واتخذوا العجل إلها، وخالط حبّه
стр. 39
قلوبهم، فقل لهم أيها النّبي: بئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى هذه الأعمال التي تفعلونها، كعبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق، إن كنتم تدعون الإيمان الصحيح برسالة موسى ﵇ وبالتوراة.
قل أيها النّبي لليهود: إذا صدقتم في ادّعائكم أن الآخرة والجنة لكم خالصة عند الله من دون الناس، وأن النار لن تمسّكم إلا أياما معدودات، وأنكم شعب الله المختار، فاطلبوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم الذي لا ينازعكم فيه أحد، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء. قال ابن عباس: ولو تمنّوا الموت لشرق أحدهم بريقه. أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، فأنزل الله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً.. [البقرة: ٢/ ٩٤] .
ولن يتمنى الموت أحد منهم أبدا، بسبب ما اقترفوا من الكفر والفسوق والعصيان، كتحريف التوراة، وقتل الأنبياء والأبرياء، وإنكار رسالة النّبي محمد ﷺ ، مع البشارة به في كتابهم، والله يعلم أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم.
وتالله لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة طويلة، بل وأحرص من جميع الناس، حتى المشركين بالله، فإن أحدهم يتمنى أن يعيش ألف سنة أو أكثر- والعرب تضرب الألف مثلا للمبالغة في الكثرة- لأنه يتوقع عقاب الله في الآخرة، فيرى أن الدنيا خير من الآخرة، وما بقاؤه في الدنيا وإن طال بمبعده عن العذاب الأليم، والله عليم بما يصدر عنهم من أعمال، ومجازيهم عليه.
قل أيها النّبي: من كان عدوّا لجبريل، فهو عدوّ لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها، فإن الله نزله بالوحي والقرآن على قلبك أيها النّبي بإذن الله وأمره، مؤيدا
стр. 40
وموافقا لما تقدمه من الكتب، كالتوراة والإنجيل وغيرهما التي تدعوا إلى توحيد الله وأصول الأخلاق والعبادات، وهداية من الضلالة، وبشرى لمن آمن به بالجنة، فكيف يكون طريق الخير سببا للبغض والكراهية؟
أخرج الترمذي أن اليهود قالوا للنّبي ﷺ : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربّه بالرّسالة والوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال:
جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدوّنا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية، إلى قوله: لِلْكافِرِينَ.
من كان عدوّا لله بمخالفة أوامره، وعدم إطاعته، وللملائكة بكراهة العمل بما ينزلون به من وحي، وعدوّا للرّسل الكرام بتكذيبهم في رسالاتهم، وعدوّا لجبريل وميكائيل، بادّعاء أن جبريل يأتي بالإنذارات، فإن الله عدوّ لكل كافر، ومجازيه.
كفر اليهود بالقرآن ونقضهم العهد واشتغالهم بالسّحر
من عادات اليهود واعتقاداتهم، بالإضافة لما سبق، التكذيب بآيات الله ومنها القرآن الكريم، وترك الوفاء بالعهود أو المعاهدات، وتكذيب الرّسل، والإعراض عن القرآن، كما أنهم يشتغلون بالسّحر والشّعوذة والطّلاسم، مما يدل على تجاوز الدين الحق والمبادئ الصحيحة، وهذا ما أثبته القرآن الكريم في الآيات التالية:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠٣]
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)
«١»
стр. 41
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٩٩- ١٠٣] .
تالله لقد أنزلنا إليك أيها الرسول آيات ودلائل واضحات تدلّ على صدق رسالتك، ولا يكفر بها إلا المتمرّدون على آياتها وأحكامها من الفسقة المتجاوزين الحدود، والذين استحبّوا العمى على الهدى، حسدا وعنادا ومكابرة.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن عبد الله بن صوريا قال للنّبي ﷺ : يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بيّنة، فأنزل الله في ذلك:
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ.
إنهم كفروا بالله، وكلما عاهدوا عهدا مع الله، أو مع رسول الله، نقضه فريق منهم، بل نقضه أكثرهم ولم يوفوا به، وأكثرهم لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، ولن يؤمنوا بالقرآن ونبي الإسلام.
وسبب نزول هذه الآية: أن مالك بن الصيف حين بعث رسول الله، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد قال: والله ما عهد إلينا في محمد، ولا أخذ علينا ميثاقا، فأنزل الله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا.. الآية.
стр. 42
ولما جاءهم النّبي ﷺ بكتاب مصدق ومؤيد للتوراة في أصول الدين العامة، كتوحيد الله، وإثبات البعث، والتصديق بالوحي والرّسل، ترك فريق من اليهود كتاب الله وراء ظهورهم، وهو تمثيل لتركهم وإعراضهم عنه، ولم يؤمنوا به بحق، كأنهم لا يعلمون أن من لم يؤمن بالقرآن الموافق للتوراة لا يكون مؤمنا بكل منهما.
واتبع فريق من أحبار اليهود وعلمائهم الذين نبذوا التوراة، السّحر والشّعوذة في زمن ملك سليمان، لأن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، ويضمون إليه أكاذيب، ثم يلقنونها الكهنة، فيعلّمونها الناس، ويقولون: هذا علم سليمان، وقام ملك سليمان بهذا. فردّ الله تعالى عليهم بأن سليمان ما فعل ذلك، وما عمل سليمان بالسّحر، ولكن الشياطين هم الذين كفروا باتّباع السّحر وتدوينه وتعليمه الناس على وجه الإضرار والإغواء، ونسبته إلى سليمان على وجه الكذب وجحد نبوته.
قال ابن إسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان كان نبيّا، والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ.
ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ببلدة بابل (في العراق في أرض الكوفة) والملكان:
بشران صالحان قانتان، صاحبا هيبة ووقار يجلّهما الناس وشبّهوهما بالملائكة، وهما هاروت وماروت.
وكان هذان الرجلان الملكان يعلّمان الناس السّحر الذي كثرت فنونه الغريبة في عصرهم، وكانت معرفتهم بالسّحر بالإلهام دون معلم، وهو المقصود بالإنزال، وما ألهموا به كان من جنس السّحر، لا عينه.
وكان هذان الملكان يتبعان في تعليم السّحر طريق الإنذار والتحذير، فلا يعلّمان أحدا من الناس، حتى يقولا له: إنما نحن ابتلاء واختبار من الله، فلا تعمل بالسّحر وإلا كنت كافرا، وذلك حفاظا على حسن اعتقاد الناس فيهما.
стр. 43
ويتعلم الناس منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه، وليس للسحر ونحوه من الحسد والعين والمرض المعدي ضرر بذاته، إلا بإذن الله ومراده، وذلك على وفق قانون السببية، أي إنه مجرد وسيلة أو سبب قد يرتبط المسبب أو النتيجة به، ويتحقق الأذى، إذا شاء الله، فالله هو الذي يوجد المسببات، حين حصول الأسباب، وقد لا تتحقق النتائج بمراد الله تعالى. قال الحسن البصري: من شاء الله منعه، فلا يضرّه السّحر، ومن شاء خلّى بينه وبينه فضرّه.
ومن تعلم السّحر وعمل به، فإنه يتعلم ما يضرّه ولا ينفعه، لأنه سبب في إضرار الناس، ولأنه قصد الشّر، فيكرهه الناس لإيذائه، ويعاقبه الله في الآخرة لإضرار غيره، وإفساده المصالح.
وتالله لقد علم اليهود بأنّ من ترك كتاب الله، وأهمل أصول الدين وأحكام الشريعة التي تسعد في الدارين، واستبدل به كتب السّحر، ليس له في الآخرة إلا العذاب، وكأن هذه عملية بيع الآخرة بالدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب من الخير.
ولبئس ما باعوا به أنفسهم باتخاذ السّحر محل التوراة، فهم جهلة لا يعلمون حرمة السّحر علما صحيحا.
ولو أن اليهود آمنوا الإيمان الحق بالتوراة، وفيها البشارة بنبي آخر الزمان، وآمنوا بالقرآن، وتركوا كتب السّحر والشّعوذة، واتّقوا الله بالمحافظة على أوامره واجتناب نواهيه، لاستحقّوا الثواب العظيم من عند الله، جزاء على أعمالهم الصالحة، وهو خير لهم لو كانوا يعلمون العلم الصحيح النافع.
стр. 44
مصدر النّبوة والأدب مع النّبي ﷺ
اليهود قوم مخادعون، يتلاعبون بالألفاظ، وينشرون الأذى على الناس كما تنشر الأفعى سمومها، ويحقدون على الآخرين، ولا سيما العرب، وكانوا يتوقعون أن يكون نبي آخر الزمان منهم، فلما بعث من العرب عادوه وآذوه. وقد حذّر القرآن الكريم المؤمنون من محاكاة ألفاظهم واتّباع أساليبهم، وهذا ما صرّحت به الآيات التالية:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٠٤- ١٠٥] .
قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعهم اليهود يقولونها للنّبي ﷺ أعجبهم ذلك، وكان قول (راعنا) في كلام اليهود سبّا قبيحا، فقالوا: إنا كنا نسبّ محمدا سرّا، فالآن أعلنوا السّبّ لمحمد، فإنه من كلامه، فكانوا يأتون نبي الله ﷺ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن معاذ، وكان عارفا بلغة اليهود، وقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنّ عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا الآية.
كان اليهود يستعملون كلمة (راعنا) بقصد السّبّ ونسبة الجهل والحمق للمخاطب، وكانوا يقولون إذا ألقى عليهم النّبي ﷺ شيئا من العلم: راعنا سمعك،
стр. 45
أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه، ونراجعك القول لنفهم عنك. وهم يقصدون بها معنى السّب والشّتم، وأصلها في العبرية: (راعينو) أي شرّير، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، وأمرهم بكلمة تماثلها في المعنى، وتختلف في اللفظ، وهي (انظرنا) التي يراد بها النظر إلينا، أو الإنظار والإمهال، أي أقبل علينا وانظر إلينا.
واسمعوا أيها المؤمنون القرآن سماع قبول وتدبّر وإمعان، وللكافرين ومنهم اليهود عذاب مؤلم شديد. وهذا دليل على أن ما صدر منهم من سوء أدب في خطاب النّبي ﷺ كفر، لأن من يصف النّبي بأنه (شرير) فقد أنكر نبوّته، فصار هذا أدبا للمؤمنين، وتشنيعا على اليهود.
واحذروا أيها المؤمنون خبائث اليهود وألوان مكرهم وكيدهم، فما يودّ أهل الكتاب ومشركو العرب أن ينزل عليكم من خير، من ربّكم، كالقرآن والرّسالة النّبوية، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، وبه جمع الله شملكم ووحّد صفوفكم، وطهّر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وهم يودّون نزول الشّر بكم، وانتهاء أمركم، وزوال دينكم.
وحسد الحاسد لا يمنع نعم الله، والله العليم القدير الحكيم يختص بالنّبوة والرحمة والخير من يشاء من عباده، لقوله تعالى في آية أخرى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ٦/ ١٢٤] ويعلم من يؤدي واجبه بشأنها خير أداء، فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا على خير أصابه، وفضل أوتيه من عند ربّه، فالله وحده صاحب الفضل العظيم.
قال المفسّرون في بيان سبب نزول هذه الآية: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ ، قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه، ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم.
стр. 46
هذا اللفظ المستخدم (راعنا) وهذا الحسد في منح النّبوة لعربي: يدلان على أن اليهود ذوو مشاعر حاقدة وبغيضة نحو غيرهم من قديم الزمان، فينبغي الحذر منهم ومن نواياهم العدوانية، وأفعالهم القبيحة، ولا يتوقع منهم خير، لا في فلسطين ولا في غيرها من بلاد العالم، ولا يفهمون بغير لغة القهر والرّعب، والكبت والنّيل منهم بمختلف الوسائل.
نسخ بعض الأحكام الشرعية في حال حياة النّبي
هناك طائفة قليلة من الأحكام الشرعية قررت لزمان معين وظرف محدد، ثم نسخت وأبطلت، مراعاة لمصالح الناس، وانسجاما مع ظروف التطور والتبدل التي تطرأ على المجتمع، وتذكيرا بنعمة الله حيث ينتقل بالتشريع من حكم إلى حكم أفضل، ويتدرج بالناس تبعا للظروف والأحوال، فلم يكن النسخ لجهل المشرّع الحكيم بالحكم الأخير الذي يستقرّ تشريعا دائما إلى يوم القيامة، وإنما يعالج الشّرع الأمور حسبما تقتضي الحكمة ويلائم الأوضاع والحاجات الآنية والمستقبلية، والله وحده هو القادر على كل شيء، فيقرر حكما لفترة زمنية محددة، ثم يقرر حكما آخر لترويض المكلفين وإعدادهم لتحمّل التكليف تدريجا. قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١٠٦- ١٠٧] .
ثم ردّ الله على اليهود الذين ينكرون وجود النسخ في الشريعة فقال:
стр. 47
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٨]
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)
[البقرة: ٢/ ١٠٨] .
أي بل أيها اليهود المنكرون للنّسخ أتريدون أن تطلبوا من رسولكم كما طلب آباؤكم اليهود من موسى ﵇؟ فقد طلبوا منه أن يريهم الله جهرة. ومن يترك الثقة في القرآن ويشكّ في أحكامه، ويطلب غيرها فقد ضلّ السّبيل السّوي.
ومن أمثلة النّسخ في الشريعة: أن الصلاة شرعت أولا ركعتين بالغداة (صباحا) وركعتين بالعشي (مساء) رأفة بالناس ورحمة بهم، لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يكونوا قد تذوقوا حلاوة الصلاة، ولا عرفوا لذّة المناجاة فيها، فلما اطمأنّت نفوسهم بالصلاة، زادها الله على النحو التالي المعروف على حسب ما اقتضته الحكمة الإلهية العالية.
وأول ما نسخ من القرآن: القبلة، قال الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فصلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق.
ومن أمثلة النّسخ: تحريم الخمر على مراحل أربع، فقد نفّر القرآن منها أولا بقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النّحل: ١٦/ ٦٧] فوصف تناول العنب والتمر على سبيل التفكّه بالحسن، ولم يوصف الشراب المسكر بتلك الصفة. ثم وصف الله الخمر والميسر (القمار) بأن فيهما إثما كبيرا، وإن كان فيهما منافع مادّية تجارية ومكاسب رابحة، ثم منع الله السّكارى من الصلاة حال السّكر، ثم حرّم الله الخمر تحريما قاطعا دائما إلى يوم القيامة.
وكانت عقوبة الزّانيات الحبس في البيوت حتى الموت، وعقوبة الزّناة التعيير
стр. 48
باللسان والتوبيخ والضرب بالنّعال، ثم قرر الله الحكم الأخير وهو جلد الزانية والزاني مائة جلدة.
ولما كان عدد المسلمين في بدء الإسلام قليلا، وهم ضعاف لا يقوون على قتال المشركين، أمروا بالعفو والصفح، والصبر على الأعداء والإعراض عنهم، وترك مقاتليهم، حسبما تقتضي المصلحة، قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف: ٧/ ١٩٩] .
ثم شرع الله القتال وأباح الجهاد للدفاع عن النفس وحرمات الإسلام، وإدراك لذّة النصر والظفر، قال الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) [الحج: ٢٢/ ٣٩] .
موقف أهل الكتاب من المؤمنين ومن بعضهم بعضا
لا يقتصر اليهود على كراهية العرب والشعوب الأخرى، وإنما يتمنّون أن يرتدّ المسلمون عن دينهم، وأن يعودوا لفوضويّتهم وضلالاتهم، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا هم، وقابلهم النصارى بالمقولة نفسها بأنه لن يدخل الجنة إلا هم. وطعن كل من اليهود والنصارى بالآخرين، ونفوا أن يكون كل فريق على شيء صحيح من الدين، ونحو ذلك من الاتهامات المتبادلة، وإنكار الثقافات الأخرى. وهذا ما قررته الآيات التالية:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٠٩ الى ١١٣]
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)
стр. 49
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١٠٩- ١١٣] .
تمنّى كثير من اليهود والنصارى أن يصرفوا المسلمين عن دينهم، وأن يعودوا كفّارا بعد أن كانوا مؤمنين، حسدا لهم، عن طريق التشكيك في الدين، وإلقاء الشبهات على المؤمنين، وطلب بعضهم من بعض أن يؤمنوا أول النهار، ويكفروا آخره، ليتأسى بهم ضعاف الإيمان.
فاعفوا أيها المسلمون واصفحوا عن أفعالهم، واصبروا حتى يأتي نصر الله لكم، ويأذن الله بالقتال، ويأتي أمره فيهم: وهو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، والله هو القادر على تحقيق النصر.
قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق، ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم.
ومن أهم موجبات النصر: أداء الصلاة على وجه التمام والكمال، وإيتاء الزكاة للمستحقين، وتقديم الخير، فكل ما تعملونه من خير، تجدون جزاءه الوافي عند ربّكم، والله عالم بجميع أعمالكم، بصير بقليلها وكثيرها، لا تخفى عليه خافية، من خير أو شرّ، فالصلاة والزكاة من أهم أسباب النصر في الدنيا، وكذلك من أسباب السعادة في الآخرة.
стр. 50
وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيّا، وكل فئة تكفّر الأخرى، تلك تمنّياتهم الباطلة التي لا أساس لها، ولا فائدة منها، وإلا فهاتوا البرهان على ما تزعمون أيها الفريقان، إن كنتم صادقين في ادّعائكم.
ثم ردّ الله تعالى عليهم بقوله: (بلى) جوابا لإثبات نفي سابق، وردّا لما زعموه، فإن الذي يدخل الجنة: هو كل من انقاد لله تعالى، وأخلص في عمله، وهو محسن في عبادته وعمله واعتقاده، وهؤلاء لهم الأجر عند ربّهم، بلا خوف ولا حزن في الآخرة، خلافا لعبدة الأوثان والأصنام الذين هم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم.
وحدث الخصام بين أهل الكتاب، فلم يكتفوا بما سبق، بل قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين يعتدّ به، فلا يؤمنون بالمسيح الذي بشرت به التوراة، والمسيح المبشّر به لمّا يأت بعد، وينتظرون ظهوره، وإعادته الملك لشعب إسرائيل.
وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء من الدين الصحيح، فأنكروا كون المسيح متمما لشريعة اليهود. قالوا ذلك، والحال أنهم أصحاب كتاب، يدّعون تلاوته ويؤمنون به، وقال المشركون الوثنيون الذين لا يعلمون شيئا مثل هذا القول لأهل كل دين: لستم على شيء، والله يحكم بين الجميع يوم القيامة، بقضائه العدل، فيما اختلفوا فيه، وتنازعوا في شأنه.
نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، ونصارى أهل نجران، وذلك أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، فكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 51
تخريب المساجد وهدمها وأدب الخطاب
دأب اليهود على الاعتداء على حرمات المساجد وترويع المصلّين الآمنين ومحاولة هدمها من قديم، فلم تكن محاولتهم إحراق المسجد الأقصى في ٢١ آب سنة ١٩٦٩ م والحفريات حوله منذ عام ١٩٤٨ أمرا جديدا، فهم يريدون تدمير كل معالم الإسلام، وصروحه ومبانيه لتهويد المناطق العربية الإسلامية، ومنع أداء الصلاة في المساجد، كما فعل مشركو العرب في مبدأ الدعوة الإسلامية، حيث منعوا النّبي وأصحابه من دخول مكة ومن ذكر الله تعالى في المسجد الحرام، وقد غزا بختنصّر والروم فلسطين وخرّبوا بيت المقدس، وأغار الصليبيون على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين والعرب، وصدوا المسلمين عن المسجد الأقصى، وخرّبوا كثيرا من المساجد، واستمر اليهود في تخريب المساجد في فلسطين بعد الاحتلال، مع أنه ليس هناك ظلم أكبر من تخريب المساجد ومنع الناس من الصلاة فيها، ولا أحد أظلم ممن منع ذكر الله في المساجد بأي طريق من الطرق، وسعى في تعطيلها عن القيام بوظائفها، وأولئك لهم الذّل والخزي في الدنيا، وفي الآخرة عذاب شديد عظيم.
قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)
«١» [البقرة: ٢/ ١١٤- ١١٥] .
فإذا منع الناس من الصلاة في المساجد ففي أي مكان تصح الصلاة فيه، ويتم التوجه فيه إلى الله، فإن الله مع عباده، لا يحدّه مكان.
стр. 52
وكان من سوء أدب خطاب اليهود مع النّبي ﷺ كما تقدم أنهم يقولون له:
(راعنا) اسم فاعل من الرّعونة، وكان ذلك سبّا قبيحا عند اليهود، فقالوا: إنا كنّا نسبّ محمدا سرّا، والآن نعلن سبّه، فكانوا يأتون نبي الله ﷺ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن معاذ، وكان عارفا بلغة اليهود، وقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنّ عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) [البقرة: ٢/ ١٠٤] .
وكان المسلمون إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ ، قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم:
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) [البقرة: ٢/ ١٠٥] .
الادّعاءات الفارغة والافتراءات الكاذبة
الألوهية والربوبية صفتان تقتضيان الكمال المطلق والتّفرد الذاتي والقدرة الشاملة على كل شيء من الخلق والإبداع، والرزق والإنعام، والدقة المتناهية والإحكام، وذلك لا يعقل أن يتصف به بشر من جنس الناس لأنه عاجز مثلهم، وقاصر غير قادر، وناقص غير كامل، وإنما الذي يحق أن يوصف بهذه الصفات الفريدة هو الله ﷻ الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، وله جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، وتخضع لهيمنته وسلطانه كل شيء، أبدع السماء والأرض
стр. 53
والوجود كله من غير سابقة شيء، ولا استعانة بأحد، إذا أراد أمرا، أوجده في الحال من غير امتناع ولا إباء.
ومن كان هذا شأنه، فلا يحتاج إلى الوالد والولد، ولا يشبهه شيء من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يوجد شيء من جنسه في الوجود، هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد (المقصود في الحوائج على الدوام) لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
هذا ما يقرره العقل الإنساني في أبسط محاكماته، فهل يعقل أن يتخذ هذا الإله ولدا له من خلقه؟ وهو خالق الخلق المتصف بالكمال والمنزه عن كل نقص، وهو الرّازق المنعم عليهم بجلائل المنعم وصغائرها، وإن أساؤوا له وجحدوا به،
روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النّبي ﷺ قال: «ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا ويجعلون له أندادا «١» ، وهو مع ذلك يعافيهم ويرزقهم» .
لذا ارتكب بعض البشر خطأ كبيرا حين نسبوا إلى الله الولد، فهذا مجرد ادّعاء أجوف، وحين طلبوا أن يكلمهم الله مباشرة كما يكلم الملائكة وموسى ﵇ استكبارا منهم وعتوّا وعنادا، وطلبوا أن تأتيهم آية مادّية محسوسة استخفافا منهم بآيات القرآن البيّنات، فهذا من الافتراءات الكاذبة، تنزه الله عن طلبهم، وأبان الآيات أحسن بيان وأتمه، ولكن لا يفهمها إلا العقلاء المنصفون.
ردّ الله تعالى على هذه الادّعاءات الفارغة والافتراءات الواهية، فقال سبحانه:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٦ الى ١٢٠]
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)
«٢» «٣»
стр. 54
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١١٦- ١١٩] .
نزلت هذه الآيات في اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. أسأل الله الهداية لجميع البشرية وأن يوفقهم لما فيه خيرهم ونجاتهم. ثم أنزل الله في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلا من الحبشة وأهل الشام:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢١]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)
[البقرة: ٢/ ١٢١] .
ثم أكّد الله تعالى تذكير اليهود بالنعم التي أنعم بها عليهم، لتجديد ثقتهم ونشاطهم، وأمرهم بالخوف من الآخرة في قوله سبحانه:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٣]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
«٤» «٥» [البقرة: ٢/ ١٢٢- ١٢٣] .
أيها الإسرائيليون الجاحدون: اذكروا نعمي الكثيرة الدينية والدنيوية التي أنعمت بها عليكم وعلى آبائكم، من الإنقاذ من أيدي الأعداء، وإنزال المنّ والسّلوى، والتمكّن في البلاد بعد المذلّة والقهر، وإرسال الأنبياء والرّسل منكم، والتفضيل على عالمي زمانكم، حتى تطيعوا الرّسل، وتتركوا الضّلال.
стр. 55
واتّقوا الله ربّكم وخافوا من عذاب يوم القيامة، بسبب تحريف التوراة، والتكذيب برسالة النّبي ﷺ ، ذلك اليوم الذي لا تؤدي نفس عن نفس شيئا من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤاخذ بذنب نفس أخرى، ولا تدفع عنها شيئا، ولا يؤخذ منها فدية لتنجو من النار، ولا تنفعها شفاعة أحد ولا نصرة ناصر.
خصائص البيت الحرام وتكريم أهله
رغّب القرآن الكريم قبيلة قريش وغيرها من أهل الكتاب بالإيمان برسالة النّبي ﷺ ، وزجرهم عن الكفر والعصيان، ببيان فضائل البيت الحرام حيث جعله الله مثابة للناس (أي مرجعا ومآبا لهم) وقت الحج يجتمعون فيه ويتفرقون عنه، وجعله الله آمنا مطمئنا، من دخله كان آمنا، ويتخطف الناس من حوله، وأمر الله المسلمين أمر ندب لا وجوب باتخاذ مكان إقامة إبراهيم مصلّى مفضّلا على غيره في الصلاة لشرفه بقيام إبراهيم فيه. وأمر سبحانه إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الأوثان والأدناس والأرجاس لمن يطوف به، ويقيم عنده، ويركع فيه ويسجد.
ودعا إبراهيم ربّه أن يجعل مكة البلد الحرام في أمن وطمأنينة، وأن يرزق أهله أطيب الثمرات وأحسن خيرات الأرض، وخصّ إبراهيم طلب الرزق بالمؤمنين، فأجابه الرّب تعالى بأنه أيضا يرزق الكافر ويمتعه زمنا قليلا، ثم يلجئه إلى عذاب النار، قال الله تعالى مكافئا بالإمامة إبراهيم الذي كلفه بأداء تكاليف أدّاها خير أداء، ومبيّنا ما دعا لأهل مكة:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٦]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 56
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١٢٤- ١٢٦] .
ويلاحظ أن إبراهيم خصّ طلب الرزق بالمؤمنين، فأجابه الله بأنه يرزق الكافر أيضا ويمتّعه في الدنيا زمانا ثم يعذّبه في النار. وكان من دعاء إبراهيم ﵇ أثناء بنائه البيت الحرام مع ابنه إسماعيل أن يتقبّل الله منهما، وأن يجعلهما منقادين لله خاضعين له، ومخلصين، وأن يجعل من ذرّيتهما جماعة مخلصة منقادة، وأن يبصرهما بأسرار العبادة ومناسك الحج، وأن يقبل توبتهما، وأن يرسل في ذرية إبراهيم رسولا منهم يتميز بالصدق والأمانة، يتلو عليهم آيات الدين، ويعلمهم كتاب الله، والحكمة (وهي كل ما تكمل به النفوس من العلوم والمعارف وأحكام الشرع) وأن يطهرهما من رجس الوثنية والشرك، فإنك يا ربّ العزيز الذي لا يغلب، الحكيم في كل صنع، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)
«٤» «٥» «٦» [البقرة: ٢/ ١٢٧- ١٢٩] .
قال النّبي ﷺ موضحا معنى هذه الآية الأخيرة: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى
стр. 57
أخي عيسى، ورؤيا أمي»
وقد تحققت هذه الدعوة الكريمة من إبراهيم ﵇، وكان النّبي ﷺ هو موضع تحقيق هذه الدعوة، وأهل الكتاب يعرفون ذلك، لولا بغيهم وحسدهم وظلمهم.
اتّباع ملّة إبراهيم ﵇
كان أبو الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم ﵇ على ملّة التوحيد الخالصة لله، وهي الملّة الحنيفية، وكان نبيّنا ﷺ قبل البعثة يتعبّد على ملّة إبراهيم، واستمر على اتّباع تلك الملّة بعد البعثة بأمر الله في قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً «١» وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) [النّحل: ١٦/ ١٢٣] .
روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه: سلمة ومهاجرا إلى الإسلام، فقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيّا، اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة، وأبى مهاجر، فنزلت فيه الآية:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٢]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)
«٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ١٣٠- ١٣٢] .
لقد أمر الله إبراهيم بالانقياد والطاعة لله، فما كان منه إلا أن أسرع بالانقياد والامتثال شأن المصطفين الأخيار، قال: أسلمت لله ربّ العالمين ومالك يوم الدّين.
стр. 58
ولقد كان إبراهيم متكملا بالملّة الحنيفية وأرادها لأولاده، فوصّى بها بنيه، وكذلك يعقوب قائلا: يا بني إن الله اختار لكم هذا الدين، وهو كدين محمد ﷺ في أصول الدين العامة، فاثبتوا على الإسلام ولا تفارقوه.
فهل يتبع اليهود آباءهم إبراهيم ويعقوب أو لا؟! ثم قال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٣]
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)
[البقرة: ٢/ ١٣٣] .
نزلت في اليهود حين قالوا للنبي ﷺ : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية. فرد الله تعالى عليهم:
ما كنتم أيها اليهود المكذبون بالنبي محمد ﷺ حاضرين حين احتضر يعقوب، فلا تكذبوا عليه، فإني ما أرسلت إبراهيم وبنيه إلا بالحنيفية وهي ملة التوحيد والإسلام، وبه أوصوا ذرياتهم، بدليل أن يعقوب قال لأولاده: أي شيء تعبدون بعد موتي؟
فقالوا: نعبد إلهك الله الواحد وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ونحن له منقادون خاضعون لحكمه.
وقد ردّ الله على اليهود ادّعاءهم أنهم نسل الأنبياء وحفدتهم، فلا يدخلون النار إلا أياما معدودات، ومضمون الرّد أن كل إنسان مسئول مسئولية شخصية عن نفسه، والأمة الماضية لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، لا ينتفع بعملها أحد ولا يتضرّر: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: ٣٥/ ١٨] فلا ينفع السابقين إلا عملهم، كذلك من بعدهم لا ينفعهم إلا عملهم، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٤]
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)
«١» حدث مرة أن رؤوس يهود المدينة (كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وأبو
стр. 59
ياسر بن أخطب) ونصارى أهل نجران، خاصموا المسلمين في الدين، كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها. فقالت اليهود: نبيّنا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان. وقالت النصارى: نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا، فلا دين إلا ذلك، ودعوهم إلى دينهم، فأنزل الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٥]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)
«١» [البقرة: ٢/ ١٣٥] .
ثم أمر الله المؤمنين باتّباع جميع الأنبياء دون تفريق بين أحد منهم فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٦ الى ١٣٧]
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)
«٢»
صبغة الله (شريعته وسنّته وفطرته)
أمر الله المسلمين بأمرين أساسيّين جوهريّين وهما: أن يقولوا: إنما نؤمن بالله وكتبه ورسله، لا نفرّق بين أحد من رسله وكتبه، وأن يقولوا: صبغنا الله بصبغة الإيمان والدين الذي فطر الناس عليه، وبتطهير النفوس من أدران الوثنية والشرك، والرياء والأحقاد والضغائن، فالمسلم يعلن التزامه بوحدانية الله دين الفطرة، ويصفي نفسه من كل ما يؤدي إلى زرع الحقد والضغينة في القلوب، فهو
стр. 60
صافي النفس والفؤاد، مهذّب المشاعر والإحساسات، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٨]
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)
«١» [البقرة: ٢/ ١٣٨] .
ثم أمر الله نبيّه بأمر خاص به: وهو أن يقول لأتباع الأديان الأخرى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، وادّعوا أنهم أولى بالله من المسلمين، لقدم أديانهم وكتبهم: أتجادلوننا في دين الله، والدين واحد، وتدّعون أن دينه الحق ما أنتم عليه، وتظنون أن دخول الجنة والاهتداء مقصور عليكم، فالله ربّ الجميع، ودخول الجنة مرتبط بالأعمال الصالحة الصادرة من أي إنسان دون تعصب ولا تفريق ولا حجر على فضل الله ورحمته، الله ربّنا وربّكم، لا فرق بيننا وبينكم في العبودية لله، فهو مالك أمرنا وأمركم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم الحسنة والسّيئة، ونحن لله مخلصون في تلك الأعمال، لا نقصد بها إلا وجهه، فكيف تدّعون أن لكم الجنة والهداية دون غيركم؟
قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٩]
قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)
[البقرة: ٢/ ١٣٩] .
ثم حدّد القرآن هوّية الأنبياء السابقين، وأنهم يلتقون مع خاتم النّبيّين على دعوة واحدة هي دعوة التوحيد الخالص لله ، وعبادة الله وحده، والعمل بالفضائل، والبعد عن الرّذائل، وكل أمة مسئولة عن أعمالها الحسنة والسيئة، والجيل المتأخر لا يسأل عن أعمال الجيل المتقدم، ولا داعي للافتخار بالآباء والاتّكال على الماضي، فهذا شأن العاجز الضعيف الذي ينظر إلى الماضي، ولا يتّجه إلى المستقبل. وأما العاقل فهو الذي يبني مجده بنفسه، وينجز الأعمال الطيّبة بذاته، ويعيش عصاميّا معتمدا على ما يقدم، لا عظاميّا يعيش على أمجاد غيره. هذا طريق
стр. 61
البناء والتّحضر، وسبيل التفوق والاحترام وكسب السمعة وتحقيق مجد الأمة والوطن، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٠ الى ١٤١]
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
«١» [البقرة: ٢/ ١٤٠- ١٤١] .
إذا كان الآباء أولياء وأصفياء، أو عظماء وعباقرة، وأنت الوارث لم تعمل شيئا، أفينفعك هذا أم لا؟ إن مبدأ الإسلام واضح معروف وهو:
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) [النّجم: ٥٣/ ٣٩- ٤٠] .
وسطية الإسلام
الإسلام وسط بين أمرين، فلا تشديد فيه ولا تساهل، ولا إفراط ولا تفريط، ولا غلو فيه ولا تعصب ولا تهاون، يقرن في تشريعه بين المادة والروح ويحرص على التوازن وتحقيقه في جميع الأمور، فيشرع ما يحقق التواءم والانسجام بين مطالب الروح ومطالب الجسد، ويقيم التوازن بين مصالح الفرد والجماعة، فلا رهبانية في الإسلام، ولا تضييع لمصلحة الفرد والأمة.
والمسلمون أمة وسط عدول خيار، بلا إفراط ولا تفريط في أي شأن من شؤون الدنيا والدين، جاء في الأثر ومعناه صحيح ثابت في الكتاب والسّنة:
(خير الأمور أوساطها)
أي خيارها، وقد أهّلت هذه الوسطية المسلمين العدول أن يكونوا شهداء
стр. 62
على الأمم يوم القيامة، ويكون الرسول عليهم شهيدا،
روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ﵈ لهم برسالة الله والتوحيد، فيطالب الله الأنبياء بالبيّنة على أنهم قد بلّغوا- والله أعلم بكل شيء- فيؤتى بأمة محمد العدول، فيشهدون، وتقول الأنبياء: أمة محمد تشهد لنا، فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم ذلك؟ فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق، على لسان نبيّه الصادق، فيؤتى عند ذلك بالنّبي ﷺ ، ويسأل عن حال أمته، فيزكّيهم، ويشهد لهم، وذلك قوله تعالى:
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) [النّساء:
٤/ ٤١] .
ويقول الله للأمة الإسلامية العادلة: كيف شهدتم على ما لم تحضروا؟ فيقولون:
أي ربّنا جاءنا رسولك، ونزل إلينا كتابك، فنحن نشهد بأنك عهدت إلينا، وأعلمتنا به، فيقول الله تعالى: صدقتم.
وهذا معنى قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «١» لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ٢/ ١٤٣] .
وردت هذه الآية بين آيتين تدلان على مقدمات تحويل القبلة، لأن صلاة المسلمين أولا إلى بيت المقدس ثم تحويلهم إلى الكعبة المشرفة، دليل على هذا التوسط والجمع بين أحكام الدين قديمه وجديدة، والربط بين مشاعر المؤمنين الأولين والمتأخرين، فالدين واحد لله تعالى، والجهات كلها ملكه، فلا اختصاص لناحية دون أخرى، ولا مزية لها، وإنما الأمر بيده يختار ما يشاء، فأينما تولوا فثم وجه الله، قال الله
стр. 63
تعالى منكرا الاعتراض على حكم تحول القبلة:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٢]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)
«١» [البقرة: ٢/ ١٤٢] .
ثم بعد أن ذكر تعالى في الآية التالية مزية وسطية المسلمين والإسلام، قال مبيّنا الحكمة من التّوجه إلى الكعبة:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
«٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ١٤٣] .
ومعنى الجزء الأخير من الآية بيان قاطع بقبول عبادة الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، ردّا على المرجفين القائلين: ما حال المسلمين قبل التحويل، وكيف نحكم على صلاتهم وإيمانهم؟ فأجابهم الله بأنه يقبل صلاتهم وثباتهم على الإسلام، ولا يضيع أعمالهم وعبادتهم، لأن الله بالناس رؤف رحيم بهم.
حكمة تحويل القبلة
بيّنا في حديث سابق أن النّبي ﷺ ، كان يتشوّف لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، لتثبيت ذاتية الإسلام، ولأنها قبلة أبيه إبراهيم، ولأنها أدعى إلى إيمان العرب المعوّل عليهم في نشر الرسالة، ولا يعد تطلّعه إلى تحويل القبلة متعارضا مع أمر ربّه لأن صفاء روحه وقوة يقينه يجعله يتطلع إلى ما يظنه خيرا، ويعتقد أن فيه الرّضا والخير والمصلحة، لذا أجابه الله إلى طلبه، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٤]
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)
стр. 64
«١» [البقرة: ٢/ ١٤٤] .
ثم ذكر الله تعالى سبب الفتنة وإعراض أكثر أهل الكتاب عن الإسلام وإيمان بعضهم فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٧]
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
«٢» [البقرة:
٢/ ١٤٥- ١٤٧] .
ولئن جئت اليهود والنصارى بكل برهان وحجة على أن الحق وهو تحويل القبلة من ربّهم، أملا في اتّباع قبلتك، ما اقتنعوا ولا صدّقوا به، ولا اتّبعوك، عنادا منهم ومكابرة، فهم لن يتبعوا قبلتك، ولست أنت بتابع قبلتهم بعد اليوم، قطعا لأطماعهم في الاتجاه إلى بيت المقدس، وكيف يرجى ذلك؟ فهم ليست لهم قبلة واحدة، ولئن اتّبعت أهواءهم أيها النّبي، مداراة لهم، وحرصا على اتّباعك والإيمان بك، بعد ما جاءك من الحق الثابت والعلم القاطع: وهو الدلائل الدّالة على اليقين، لتكونن من الظالمين أنفسهم، المستحقّين للعقاب في الدنيا والآخرة.
والدليل على أن أهل الكتاب يعرفون الحق: أنهم يعرفون النّبي ﷺ بما بشّرت به كتبهم، وذكرته من صفات لا تنطبق على غيره، فهم يعرفون النّبي ﷺ كمعرفتهم التامة بأبنائهم، وإن فريقا منهم عاندوا وكتموا الحق الواضح الذي يعلمونه من
стр. 65
كتبهم، وهو نبوّة محمد ﷺ ، وأن الكعبة قبلة له. والحق ما كان من عند الله وحده، لا من غيره، وذلك ما أمر الله به في قرآنه، فلا تكونن من الشّاكّين في صدق ما أنت عليه، وهو ما أتاك من ربّك من الوحي. نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب:
عبد الله بن سلام وأصحابه، كانوا يعرفون رسول الله ﷺ بنعته وصفته وبعثه في كتبهم، كما يعرف أحدهم ولده، إذا رآه مع الغلمان.
ثم أبان الله تعالى أن لكل فريق من الأمم قبلة هو موليها، فلليهود قبلة، وللنصارى قبلة، وللمسلمين قبلة، فليس هناك جهة واحدة قبلة لكل الأمم، وليست القبلة ركنا من أركان الدين، وإنما المهم هو وجود التسابق إلى الخيرات، وإعلان الإيمان بما أنزل الله، واحترامه والدفاع عنه، سواء نزل في شريعة قوم أم في شريعة أخرى، فقال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)
[البقرة: ٢/ ١٤٨- ١٤٩] .
ثم بيّن الله تعالى ثلاث حكم لتحويل القبلة، الحكمة الأولى: لئلا يحتج أحد على الله، فأهل الكتاب يعرفون أن النّبي المبشّر به عندهم، قبلته الكعبة، فجعل القبلة إلى البيت المقدس دائما على مدى الزمان طعن في نبوّته. وكان المشركون العرب يرون أن نبيّا من ولد إبراهيم ﵇ جاء لإحياء ملّته، فلا يعقل أن يتّجه إلى غير قبلته وبيت ربّه الذي بناه إبراهيم، فكان التحويل متفقا مع ما يرى كلا الفريقين: أهل الكتاب والمشركون. ثم استثنى الله سبحانه الذين ظلموا أنفسهم، فهم سفهاء لا يهتدون بكتاب، ولا يقتنعون بحجة وبرهان، وهؤلاء لا يخشاهم أحد، لأن الخشية تكون لأصحاب الحق والمنطق السليم.
стр. 66
والحكمة الثانية في تحويل القبلة: هي إتمام النعمة على العرب المسلمين، فإن محمدا ﷺ عربي من ولد إبراهيم، والقرآن المنزل عليه عربي، وإذا آمن العرب أحبّوا أن تكون وجهتهم الكعبة، وأن يحيوا سنّة إبراهيم الخليل في تعظيم الكعبة، لأنه معبدهم وموطن عزّهم وفخارهم.
والحكمة الثالثة: إعداد المسلمين بتحويل القبلة للاهتداء إلى الطريق الأقوم، والثبات على الحق، وقبول ما يريده الله.
قال الله تعالى مبيّنا هذه الحكم الثلاث:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٠]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)
[البقرة: ٢/ ١٥٠] .
ثم ذكّر الله تعالى المؤمنين بأن إتمام نعمته عليهم بتحويل القبلة، كإتمام نعمته بإرسال رسول من العرب يتلو عليهم القرآن بلسان عربي مبين، فقال سبحانه:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥١ الى ١٥٢]
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
«١» [البقرة:
٢/ ١٥١- ١٥٢] .
الصّبر والقتل في سبيل الله
يتعرّض دائما أهل الحق والفضيلة والدين لإيذاء غيرهم واعتداء أعدائهم عليهم بقصد تغليب الشّر على الخير، ونصرة الفساد على الصلاح، والضّلال على الهدى،
стр. 67
وتأييد الباطل على الحق، والانحراف عن جادة الاستقامة والرشاد. وبما أن هذا الصراع بين الخير والشّر يدوم طويلا، ويريد الله لمصلحة الناس إعلاء كلمة الحق والخير، أمر الله المؤمنين في مسيرة الحياة أن يستعينوا بأمور ثلاثة: هي الصبر، والصلاة، والشهادة في سبيل الله.
أما الصبر فهو نصف الإيمان، ودرع أهل العزيمة والإرادة القوية، وهو طريق النصر والغلبة والفلاح، والله أكّد في آيات كثيرة أنه مع الصابرين، يؤيدهم بولايته ورعايته، وينصرهم بتوفيقه وتثبيته، ويجيب دعاءهم، ويعزّز موقفهم ويحميهم من الأذى.
وأما الصّلاة والاستعانة بها فلأنها أمّ العبادات، وصلة العبد بالله تعالى، وطريق الفرج بعد الكرب، واليسر بعد العسر، وهي تعصم المؤمنين من الانحراف، وتهذّب النفوس، وتنهى أصحابها الخاشعين فيها عن الفحشاء والمنكر.
وأما القتال في سبيل الله فهو طريق الحفاظ على الحقوق، والظفر بالجنة والشهادة، وأساس تحقيق المجد والعزة والكرامة واستقلال الأوطان، وصدّ عدوان المعتدين، واسترداد الحقوق المغتصبة كاغتصاب الصهاينة بلاد فلسطين العزيزة. وقد صحح القرآن الكريم مفاهيم الناس عن الشهداء، فهم خالدون على مدى التاريخ، ولهم الدرجات العليا عند الله تعالى. لما قتل بضعة عشر رجلا من قتلى بدر، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، كان الناس يقولون للرجل يقتل في سبيل الله:
مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا ولذّتها، فأنزل الله في قرآنه بيانا قاطعا بأن الشهداء أحياء في قلوب الناس والتاريخ، وأحياء في قبورهم، وأرواحهم الطاهرة في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة. وجمع الله في آيات خمس بين الصبر والصلاة والاستشهاد في سبيل الله، فقال سبحانه:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٣ الى ١٥٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
стр. 68
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٥٣- ١٥٧] .
أخبر الله بأن المؤمنين يتعرضون للمصاب بشيء قليل من الخوف والجوع ونقص الأموال بضياعها، والأنفس بموتها، والثمرات بقلّتها، لتهدأ القلوب وتسكن، وتستسلم إلى الله، راضين بقضائه وقدره إذا ما أصابهم شيء من ذلك في الدنيا، محتسبين الأجر والثواب عند الله، قائلين: إنا لله وإنا إليه راجعون. والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، والشهداء تنزل عليهم المغفرة والرحمة من ربّهم الذي ربّاهم وتولّى أمورهم، وأولئك هم المهتدون إلى الأفعال النافعة وخير البلاد والوطن.
السّعي بين الصّفا والمروة وحكم كتمان آيات الله
من المعلوم أن السّعي بين الصّفا والمروة من شعائر الحج ومناسكه، وهو ركن لدى بعض الفقهاء
لقوله ﷺ فيما رواه الحاكم وغيره: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السّعي» .
وهو أيضا من أعمال العمرة، فمن قصد البيت الحرام للحج أو العمرة، فلا إثم عليه أن يسعى بين الصّفا والمروة، ويسنّ أن يدعو الله متّجها إلى الكعبة، ويرتفع الحاجّ والمعتمر فوق الصّفا الذي كان عليه في الجاهلية صنم على صورة رجل يقال له: (إساف) وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى (نائلة) . زعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله تعالى حجرين، ووضعهما على الصّفا والمروة
стр. 69
ليعتبر بهما، فلما طالت المدة، عبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام وكسّرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصّنمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٨]
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١٥٨] .
وقد فهم عروة بن الزبير خطأ أن السّعي بين الصّفا والمروة غير مطلوب شرعا، فقال لخالته عائشة ﵂: «أرأيت قول الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: بئس ما قلت يا بن أختي، إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه، كانت (فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما) ولكنها إنما أنزلت لأن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلّون لمناة الطاغية «٤» ، وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرّج أن نطوف بالصّفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إلى آخر الآية.
ثم بيّن الله تعالى جزاء أحبار اليهود وأمثالهم على كتمان ما أنزل الله وإخفائه على الناس مع شدة الحاجة إليه، أو وضع شيء مكذوب من عندهم مكانه، وذلك الجزاء هو الطّرد من رحمة الله وغضب الله عليهم، إلا من تاب منهم ورجع عن كتمان كلام الله، وأصلح ما أفسده بأن أزال ما وضعه من عنده، وأعلن الأصل الصحيح،
стр. 70
وبلّغ ما أنزل الله من غير تحريف ولا تبديل، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ١٥٩- ١٦٢] .
وهذا حكم عام في كل من كتم حكما شرعيّا أو علما نافعا، أو رأيا خالصا لوجه الله ولمصلحة الوطن لأن كتمان المعارف والعلوم خيانة للأمة والمجتمع.
وحدانية الله ورحمته وبرهان ذلك
أقام الله تعالى الأدلة الكثيرة على وحدانيته ورحمته وفضله، بما لا يدع مجالا للشّك والشّبهة، ويعرف العقلاء المتأملون فيها صحة البراهين وصدق الأدلّة. قال عطاء: أنزلت بالمدينة على النّبي ﷺ :
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٣]
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)
فقالت كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٤]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)
«٥» [البقرة: ٢/ ١٦٤] .
стр. 71
وقال أبو الضحى: لما نزلت هذه الآية: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ تعجّب المشركون، وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقا فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية المذكورة.
أرشدت آية التوحيد السابقة إلى أن الإله الذي يعبد هو واحد لا شريك له، فلا معبود بحق في الوجود إلا هو، وهو الرّحمن الرّحيم بخلقه، اللطيف بعباده، الذي يتولى شأن مخلوقاته من النشأة أو الولادة إلى العدم أو الموت. ولا يدرك عظمة الله ورحمته إلا إنسان عاقل يدرك مدى عجزه وحاجته إلى ربّه، فإذا كان المريض يسعد سعادة عظمي بمساعدة غيره من الأطباء والممرضات، فكيف بعون الله ورعايته للإنسان في كل لحظة وثانية من لحظات وثواني العمر المديد، وفي تقلّبات الحياة الخطيرة الرّهيبة.
وأدلّة وحدانية الله ورحمته ملموسة واضحة في الكون المشاهد، ألم ير الإنسان أن الله هو الذي خلق السموات وما فيها من عوالم وأفلاك، وكواكب ومجرّات، ذات نظام دقيق، تسير في مداراتها دون تصادم مع غيرها بقدرة الله الذي أودع فيها ما يسمى بالجاذبية؟
والله هو الذي خلق الأرض وما فيها من إنسان وحيوان ونبات، ومعادن وأنهار وجبال ووديان، تسير فينا كأننا في سفينة، وتدور بنظام محكم، لا اضطراب فيه، مما يدلّ على وحدانية الله ورحمته الواسعة. والله الذي أوجد الليل والنهار، وجعلهما متعاقبين، متفاوتين طولا وقصرا على مدى العام، ومختلفين برودة وحرارة، وحركة وهدوءا، وأوجد فصول السّنة، مما يدلّ على وحدانية الرّحمن الرّحيم.
والله الذي ألهم الإنسان صناعة السفن، وعلّمه كيفية تسييرها في البحر بعد معرفة
стр. 72
طبيعة الماء وقانون ثقل الأجسام، وطبيعة الهواء والرياح والبخار والكهرباء، مما يرشد إلى وجود إله واحد رحمن رحيم.
والله أنزل المطر لإحياء الأرض بعد موتها، فأنعش النبات والإنسان، فمن تأمّل في تكاثف البخار، وتكوّن السّحب ومناظرها الخلابة التي يراها كل من ركب الطائرات، وتسييرها بالرياح لإنزال المطر بحكمة الله وتقديره، مما يدل على الإله الواحد الأحد الرّحمن الرّحيم.
إن هذه الظواهر والمخلوقات والأسرار المودعة في المواد آيات دالات على الوحدانية والرحمة بالعباد، ولا يعرفها إلا العقلاء.
علاقة المشركين بآلهتهم
الشّرك بالله وثنية وخرافة ووهم، والشّرك وكر الخرافات والأباطيل، وعلاقة المشركين بآلهتهم من الأصنام والأوثان والملائكة والجنّ علاقة ضعيفة واهية أوهن من بيت العنكبوت، لا تفيدهم شيئا ولا تضرّهم، وتتبدّد جميع الآمال المعقودة عليهم في الآخرة، وتنقطع الصلات والأنساب، ويتبرأ المتبوعون من الأتباع، والأتباع من المتبوعين، يتبرأ كل معبود من الملائكة والجنّ المتبوعين من الذين اتّبعوهم وعبدوا غير الله.
ويظهر المشركون حبّا وتعاطفا وتفانيا في خدمة آلهتهم المزعومة ويحبونهم كحب الله، مع أن الله واحد لا شريك له، لا إله إلا هو ولا ندّ ولا نظير له، ولا شريك معه، فعلاقة المشركين علاقة واهية كاذبة. على عكس علاقة المؤمنين المخلصين بربّهم، فهم أشد حبّا لله، وأكثر حبّا لله، ومن تمام محبّتهم وتعظيمهم لربّهم أنهم لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده، ويلجأون إليه في جميع أمورهم قائلين دائما:
стр. 73
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) [الفاتحة: ١/ ٥] .
والمشرك متناقض مع نفسه، عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضّرر والسوء، فتراه إذا وقع في محنة أو أزمة لجأ إلى الله، ثم نسيه، وإذا ركب المشركون في السفن دعوا الله مخلصين لكي ينجيهم من المخاطر والأهوال، فإذا ما نزلوا على الأرض، اتجهوا إلى آلهتهم، وقالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فهم في الشّدة مع الله، وفي الرّخاء يسوّون بالله غيره، فإذن هم يحبّون آلهتهم كحبّ الله، والذين آمنوا لا يحبّون إلا الله وحده لا شريك له.
حكى القرآن أحوال المشركين مع آلهتهم في الدنيا والآخرة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦٥ الى ١٦٧]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
«١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ١٦٥- ١٦٧] .
وأتبع ذلك بمناسبة كون أوضاع المشركين خبيثة المنافع، أمر الله بالطيب النافع فقال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦٨ الى ١٦٩]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)
стр. 74
يا أيها الناس كافّة كلوا مما يوجد في الأرض حلالا أحلّه الله لكم، طيبا لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق الغير، وألا تأكلوا الخبائث التي منها ما يأخذه الرؤساء من الأتباع، فهو حرام خبيث لا يحل أكله. وألا تتبعوا طرق الشيطان بالإغواء والإضلال والوسوسة، فهو يوسوس بالشّر والمنكر، وهو لكم عدوّ ظاهر العداوة من عهد أبينا آدم ﵇، فلا يأمر بالخير أصلا، ولا يأمر إلا بالقبيح من الذنوب، فاحذروه ولا تتبعوه، ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون يقينا أنه شرع الله في العقائد والشعائر الدينية، أو تقدموا على تحليل الحرام وتحريم الحلال، للتوصل لإفساد العقيدة وتحريف الشريعة.
ثم حكى الله عن المشركين وبعض اليهود ما هم عليه من التقليد الأعمى،
قال ابن عباس: دعا رسول الله اليهود إلى الإسلام، ورغّبهم فيه، وحذّرهم عذاب الله ونقمته، فقال رافع بن حرملة ومالك بن عوف: بل نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرا منا، فأنزل الله في ذلك:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٠ الى ١٧١]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٧٠- ١٧١] .
أي إن هؤلاء الكفار في تقليدهم الأعمى آباءهم كالببغاوات وكرعاة السّوائم التي لا تعي ولا تفقه ما يقال لها، فكل من الفريقين لا يعي شيئا مما يسمع، وإنما يسمع بجرس اللفظ ورنينه فقط لأن الله قد ختم على قلوب الكفار، وجعل على أسماعهم وأبصارهم غشاوة.
стр. 75
إباحة الطّيبات وتحريم الخبائث
أذن الله لعباده المؤمنين وغير المؤمنين أن يتناولوا الحلال الطيب المفيد الذي لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق للغير مهما كان، ونهاهم عن اتّباع الأهواء والشياطين الذين يوسوسون بالشّر، ويزيّنون المنكر، ويوقعون الناس في الإثم والضلال، فالشيطان لا يأمر إلا بالقبيح، فكل ما يأباه الطبع السليم والعقل الراجح وينكره الشّرع هو من أعمال الشيطان وأماراته، فيجب الحذر منه وتجنّب ما يوهمه من الخير، والشيطان يأمر الناس عادة أن يقولوا على الله ما لا يعلمون من أمور الشرع والدين، قال الله تعالى مبيّنا هذا كما تقدّم:
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) [البقرة: ٢/ ١٦٨- ١٦٩] .
ثم أكّد الله تعالى في الآيات التالية إحلال الطّيبات بلا إسراف ولا تقتير، وأمر عباده بشكر نعمة الله، وإخلاص الشكر لله إن كانوا يعبدونه حقّا، فذلك غذاء الروح ووفاء المعروف. قال الله سبحانه:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)
[البقرة: ٢/ ١٧٢] .
ثم أبان القرآن الكريم تحريم المضارّ والخبائث مما لا يفيد الجسم، وإنما يضرّه ويؤذيه، إما في صحته وعافيته، وإما في روحه وعقيدته، فقال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٣]
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)
«١» «٢»