← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

هناك تشابه في النّظم بين قصة هود وقصة صالح ﵉، إلا أن صالحا لما أمر قومه بالتوحيد في مساق إيراد القصة هنا ذكر دليلين على وجود الله ووحدانيته: هما الإنشاء من الأرض، والاستعمار فيها، أي جعلهم عمارا لها. ومعنى الآيات: وأرسلنا إلى قبيلة ثمود الذين كانوا يسكنون الحجر بين تبوك والمدينة المنورة رجلا منهم، أخاهم في النّسب والقبيلة، وهو صالح ﵇، فأمرهم بعبادة الله وحده، فلا إله غيره، وأقام لهم دليلين على توحيد الإله: الدليل الأول- قوله: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ابتدأ خلقكم منها، إذ خلق منها أباكم آدم ﵇، فهو أبو البشر، ومادة التراب هي المادة الأولى التي خلق منها آدم، ثم خلقكم أنتم من سلالة من طين بوسائط النطفة والعلقة والمضغة، وأصل النطفة من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء إما من نبات الأرض أو من اللحم الذي يرجع إلى النبات. والدليل الثاني- قوله: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها أي جعلكم عمّارا تعمرونها وتستغلونها بالزراعة والصناعة والبناء والتّعدين، فتكون الأرض قابلة للعمارة النافعة للإنسان، وكون الإنسان قادرا عليها دليل على وجود الصانع الحكيم الذي قدّر فهدى، ومنح الإنسان القدرة على التّصرف، والعقل على تنظيم الإدارة والاستثمار. وإذا كان الله هو المستحق للعبادة وحده، فاستغفروه لسالف ذنوبكم من الشّرك والمعصية، ثم توبوا إليه بالإقلاع عن الذنب في الماضي، والعزم على عدم العودة إليه، والنّدم على ما حدث. إن ربّي قريب من خلقه بالرحمة والعلم والسمع، ومجيب دعوة الدّاعي المحتاج المخلص، بفضله ورحمته. كما جاء في آية أخرى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) [البقرة: ٢/ ١٨٦] .

стр. 1052

فأجابه قومه جهلا وعنادا بقولهم: يا صالح قد كنت فينا مرجوّا، أي مسوّدا، نؤمل فيك أن تكون سيّدا من الأكابر، قبل دعوتك هذه، فهي محل تعجّب لأنك تنهانا عن عبادة الآباء والأسلاف، وهي عبادة الأوثان والأصنام، وإننا نشك كثيرا في صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده، وترك التّوسّل إليه بالشّفعاء المقرّبين عنده. والشّك: التّوقف بين النّفي والإثبات. والمريب: هو الذي يظن به السوء. والمقصود التزام التقليد ومتابعة الآباء والأجداد في عبادة الأوثان. فأجابهم صالح ﵇ مبيّنا ثباته على منهج النّبوة بقوله: كيف أعصي الله في ترك ما أنا عليه من البيّنة، أخبروني عماذا أفعل، إن كنت على برهان وبصيرة ويقين فيما أرسلني به إليكم، وآتاني منه رحمة، أي نبوّة ورسالة تتضمن وجوب تبليغ ما أوحى الله به إلي. وبما أنني نبي مرسل من عند الله، فانظروا من الذي ينصرني ويمنعني من عذاب الله إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره؟ وإذا تابعتكم وتركت دعوتكم إلى عبادة الله وحده، لما نفعتموني، ولما زدتموني حينئذ غير الوقوع في الخسارة والضلال، بأخذ ما عندكم، وترك ما عند الله الذي يريد الخير لكم. إن الفرق واضح في الأسلوب بين القوم والنّبي، فالقوم ثمود قابلوا صالحا ﵇ بما يفيد التوبيخ والاتّهام، ويدلّ على التصميم على الكفر، والنّبي صالح يتلطّف بهم ويحاول إقناعهم بصحة دعوته إلى توحيد الله، معتمدا على أسلوب النّقاش العقلي الهادئ، والمثير كوامن التفكير والتأمل فيمن هو أجدر بالعبادة، أهي الأصنام الصّماء التي لا تضرّ ولا تنفع، أم الإله الخالق الرّازق، الممكّن عباده من الانتفاع بخيرات الأرض وثمارها؟! إن العاقل البصير هو الذي يختار عبادة الأحقّ والأنفع، وترك غيره مما لا يشبهه في شيء من صفاته.

стр. 1053

- ٢- معجزة النّاقة علم الله تعالى ما في طبع البشر من العناد والاستبداد، والمطالبة بالدليل على صدق الدعوة، فأيّد رسله وأنبياءه الكرام بالمعجزات لتدلّ على صدقهم، والمعجزة: هي الأمر الخارق للعادة والإمكانات البشرية المألوفة. ومن غرائب المعجزات: ناقة صالح ﵇، سواء في طريقة إيجادها، أم في نتاجها ولبنها، فهي بخلق مباشر من الله تعالى من غير تناسل ولا توالد، وتدرّ لبنا غزيرا لا ينفد ولا ينقطع، تكفي جميع أبناء القبيلة الذين يحلبون منها ما شاؤوا، دون أن يجفّ الضّرع أن ينضب اللبن. وهذا ما أخبر به القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٦٤ الى ٦٨] وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [هود: ١١/ ٦٤- ٦٨] . هذه معجزة النّاقة. روي أن قوم صالح طلبوا منه آية تضطرهم إلى الإيمان، فأخرج الله جلّت قدرته لهم النّاقة من الجبل. وخرجت عشراء، ووضعت بعد خروجها، فمنحها صالح ﵇ لهم قائلا: هذه آية على صدقي ناقة الله، التي تتميز عن سائر الإبل بأكلها وشربها وغزارة

стр. 1054

لبنها، كما في آية أخرى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) [القمر: ٥٤/ ٢٧- ٢٨] . فاتركوها تأكل ما شاءت في أرض الله من المراعي، دون أن تتحملوا عبء مؤنتها، وإياكم أن تمسّوها بسوء من أي نوع كان، فيقع بكم عذاب عاجل، لا يتأخر عن إصابتكم، فقالوا: عياذا بالله أن نفعل ذلك. فلم يمعوا نصحه، وكذّبوه وعقروا النّاقة، عقرها بتواطؤ معهم أشقاهم وهو قدار بن سالف، كما قال الله تعالى: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) [القمر: ٥٤/ ٢٩] . فقال لهم صالح: تمتعوا بالعيش في بلدكم (دياركم) مدة ثلاثة أيام، أي هذا ميعاد ثلاثة أيام للعذاب، ذلك وعد صادق مؤكد غير مكذوب فيه. ثم وقع ما أوعدهم به، فلما حان وقت أمر الله بالعذاب والهلاك، ونزلت الصاعقة، نجى الله تعالى صالحا والمؤمنين معه، برحمة سابغة منه، نجاهم من عذاب شديد، ومن ذلّ ومهانة حدثت يومئذ، أي يوم وقوع الهلاك: يوم التعذيب. والخزي: الذّلّ العظيم البالغ حدّ الفضيحة، إن ربّك هو القوي القادر الغالب على كل شيء، العزيز، أي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وأصبح أمرهم أنه أخذتهم صيحة العذاب، وهي الصاعقة ذات الصوت الشديد المهلك، التي تزلزل القلوب، وتصعق عند سماعها النفوس، فصعقوا بها جميعا، وأصبحوا جثثا هامدة ملقاة على الأرض. وكأنهم لسرعة هلاكهم لم يوجدوا في الدنيا، ولم يقيموا في ديارهم، بسبب كفرهم وجحودهم بآيات ربّهم، ألا إنهم كفروا بربّهم، فاستحقّوا عقابه الشديد، ألا بعدا لهم عن رحمة الله، وسحقا لثمود، وهلاكا لهم ولأمثالهم. وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا من غني في المكان: إذا أقام فيه في خفض عيش، وهي المغاني.

стр. 1055

قد يتعجب سائل فيسأل: كيف يهلك قوم من أجل قتل ناقة؟ والجواب: أن المعادلة أو المساواة لا يصح أن تكون هي أساس الحكم هنا، لأن تواطؤ قبيلة ثمود وأمرهم أشقاها بعقر الناقة دليل على الإصرار على الكفر، والتّمسّك بعبادة الأوثان والأصنام، ورفض دعوة الأنبياء والمرسلين هداة البشرية إلى الحقّ والنّور والخير، فاذا قورنت هذه المساوئ ممثّلة بعقر النّاقة مع ما تؤول إليه من خسارة اجتماعية كبري، ومأساة إنسانية عامّة، هان الأمر، وأدرك الناس عن وعي وتقدير أن معاداة الرسالات الإلهية تنبئ عن معان مثيرة ومواقف مدهشة، وأوضاع قلقة مليئة بالفوضى والمنازعات، فيكون عقر الناقة موجبا لمثل هذا العذاب الاستئصالي ليدرك البشر أن الحقّ والخير في دعوة الأنبياء، ولا يصلح لأحد الوقوف أمامها وتحدّيها. بشارة إبراهيم ﵇ بولد عند الكبر تتعدد مظاهر قدرة الله في خلق الإنسان، فإما أن يخلقه الله مباشرة من غير أب ولا أم كآدم ﵇، وإما أن يخلقه من غير أب كعيسى ﵇، وإما أن يخلقه من غير أم كحواء أم البشرية، وإما أن يحدث الخلق في الوقت المعتاد زمن الشباب كأغلب الناس، أو يحدث الخلق في حال العجز والشيخوخة والكبر، كخلق يحيى وإسحاق ﵉. وتصف لنا آي القرآن المجيد كيفية ولادة إسحاق من أبوين كبيرين عجوزين هما إبراهيم ﵇ وامرأته سارّة الآيسة من الحيض، فقال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٦] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) «١» «٢» «٣» .

стр. 1056

«١» «٢» «٣» «٤» [هود: ١١/ ٦٩- ٧٦] . لما ولد لإبراهيم أبي الأنبياء ﵇ إسماعيل من هاجر، تمنّت زوجته الثانية أن يكون لها ابن، وأيست لكبر سنّها، فبشّرت بولد يكون نبيّا، ويلد نبيّا، وكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها. والقصة في الآيات التي معناها: تالله لقد جاءت رسلنا الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، أو عزرائيل ملك الموت إلى إبراهيم الخليل تحمل له البشارة بولده إسحاق، فلما دخلوا عليه قالوا له: سلاما عليك، قال: سلام عليكم. وهذا أحسن مما حيّوه، لأن صيغة الرفع تدلّ على الثبوت والدوام. فما لبث، أي أبطأ وذهب سريعا، فأتاهم بالضيافة بعجل حنيذ، أي مشوي يقطر ماؤه على الحجارة المحماة. فلما رأى إبراهيم ﵇ هؤلاء الأضياف لا تمتد أيديهم إلى الطعام، أنكر ذلك منهم، وملأه الذعر والخوف، إذ أدرك أنهم ليسوا بشرا، وربما كانوا ملائكة عذاب. قال ابن عطية: وفي هذه الآية من أدب الطعام أن للمضيف أن ينظر نظرة لطيفة غير محددة النظر إلى ضيفه، هل يأكل أم لا؟ قالوا له: لا تخف، فنحن لا نريد سوءا بك، وإنما أرسلنا لإهلاك قوم لوط، وكانت ديارهم قريبة من دياره. ونحن نبشّرك بولادة غلام عليم لك، يحفظ نسلك،

стр. 1057

ويبقي ذكرك، وهو إسحاق، وبلد من بعده يعقوب الذي من ذرّيته أنبياء بني إسرائيل، ويسمى ولد الولد الولد من الوراء. وكانت امرأة إبراهيم ابنة عمه (سارّة بنت هارون بن ناحور) واقفة تخدم القوم، وراء ستار، بحيث ترى الملائكة وتسمع محاورة إبراهيم مع أضيافه، فضحكت سرورا بزوال الخوف ونشر الأمن. قال الجمهور: وهو الضحك المعروف، وكان الضحك من البشارة بإسحاق. بشّرتها الملائكة بولد هو إسحاق، وسيلد له ولد هو يعقوب، فقالت لما بشرت بالولد: عجبا كيف ألد، وأنا عجوز كبيرة عقيم، وزوجي في سنّ الشيخوخة لا يولد لمثله، إن هذا الخبر لشيء عجيب، غريب عادة. وكلمة فَبَشَّرْناها أضيف الضمير إلى الله تعالى، وإن كانت البشارة من فعل الملائكة لأن ذلك بأمر الله ووحيه. وروي أن سارّة كانت في وقت هذه البشارة بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة. فأجابتها الملائكة: كيف تعجبين من قضاء الله وقدره بأن يرزقكما الله الولد وهو إسحاق، فإن الله لا يعجزه شيء في الكون، وهو على كل شيء قدير. ورحمة الله الواسعة وبركاته الكثيرة عليكم يا أهل بيت النّبوة، وقد حدث توارث النّبوة في نسل إبراهيم إلى يوم القيامة، إنه تعالى المحمود في جميع أفعاله وأقواله، المستحقّ لجميع المحامد، الممجّد في صفاته وذاته، فهو محمود ماجد. ولما ذهب الخوف من الملائكة عن إبراهيم ﵇ حين لم يأكلوا، وبشّروه بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يجادل الملائكة وهم رسل الله في هؤلاء القوم، وجعلت مجادلتهم مجادلة لله لأنهم جاؤوا بأمره، وينفذون الأمر، وجداله لأن إبراهيم حليم غير متعجل بالانتقام من المسيء إليه، كثير التّأوّه مما يسوء الناس ويؤلمهم، ويرجع إلى الله في كل أموره، فهو رقيق القلب، مفرط الرحمة. فأجابته

стр. 1058

الملائكة: يا إبراهيم أعرض عن الجدال في أمر قوم لوط، إنه قد جاء أمر ربّك بتنفيذ القضاء والعذاب فيهم، وإنهم آتيهم عذاب غير مصروف ولا مدفوع عنهم أبدا، لا بجدال ولا بدعاء ولا بشفاعة ونحوها. قصة لوط ﵇ مع قومه انتقل الملائكة الرسل المكلفون بتعذيب قوم لوط أضياف إبراهيم ﵇ من عند إبراهيم إلى قرى قوم لوط، وهم أهل سدوم وما جاورها من القرى في غور الأردن، وبينهم وبين بلد إبراهيم ثمانية أميال، ولما وصلوا بدأت مأساة عجيبة من قوم لوط بالنسبة لهؤلاء الملائكة الحسان، فأرادوا بهم سوءا، قال ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط (ابن أخي إبراهيم) وبين القريتين أربعة فراسخ، ودخلوا عليه، على صورة شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله. كما لم يعرفهم إبراهيم عند أول مقدمهم. وصف القرآن العظيم ماذا حدث في هذه الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) «١» » «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨»

стр. 1059

«١» «٢» [هود: ١١/ ٧٧- ٨٣] . قدم وفد الملائكة إلى بلد لوط، بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاك قوم لوط في ليلة قريبة، وكانوا في أجمل صورة بهيئة شباب حسان الوجوه، ابتلاء من الله، فساء لوطا ﵇ مجيئهم، وضاقت نفسه بسببهم لأنه خاف عليهم شذوذ قومه الجنسي، وخبثهم، وعجزه عن مقاومتهم، وقال: هذا يوم عصيب، أي شديد البلاء والشر، مشيرا إلى ما كان يتخوفه من تعدي قومه على أضيافه، واحتياجه إلى المدافعة، مع ضعفه عنها. وجاء قوم لوط حينما سمعوا بقدوم الضيوف، بإخبار امرأته إياهم، مسرعين مهرولين من فرحهم بذلك، لارتكاب الفاحشة معهم، وكانوا قبل مجيئهم يعملون السيئات، ويرتكبون الفواحش، وشهد عليهم لوط بقوله: أشهد بالله لهم شر قوم في الأرض، وعدّدت آية أخرى جرائمهم: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) [العنكبوت: ٢٩/ ٢٩] . فقام لوط إليهم مدافعا وقال: هؤُلاءِ بَناتِي أي بنات القوم ونساؤهم جملة، إذ نبي القوم أب لهم، والنبي للأمة بمنزلة الوالد. وهن أكرم وأطهر لكم، أي تحت طلبكم وأحلّ لكم. وأَطْهَرُ هنا ليس على سبيل المفاضلة، وليس معناها أن إتيان الرجال شيء طاهر، وكذلك مثل قولنا: أحمر، وأسود، أي ذو حمرة، وسواد. فاخشوا الله، وخافوه، وأقبلوا ما آمركم به من التمتع بالنساء دون الرجال بعقد الزواج، ولا تفضحوني أو لا تخجلوني في ضيوفي، فإن إهانتهم إهانة لي، أليس منكم رجل ذو رشد وحكمة وعقل وخير، يرشد إلى الطرق القويم.

стр. 1060

قالوا: لقد علمت سابقا ألا حاجة لنا في النساء ولا نميل إليهن، فلا فائدة فيما تقول، وليس لنا غرض إلا في الذكور، وأنت تعلم ذلك، فأي فائدة في الوعظ؟ قال لوط لقومه متوعدا: لو كان لدي قوة تقاتل معي، أو عشيرة تؤازرني، لقاتلتكم ومنعتكم من تحقيق مرادكم السيّئ. والمراد بالركن الشديد: العشيرة والمنعة بالكثرة بحسب العرف، يعاجلهم به، وهو يعلم أن الله تعالى من وراء عقابهم. قالت الملائكة بعد هذا الحوار الشديد: يا لوط، إنا رسل ربك، أرسلنا إلى نجاتك من شرهم، وإهلاكهم، ولن يصلوا إليك بسوء، فاخرج مع أهلك بجزء من الليل يكفي لتجاوز حدودها، ولا ينظر أحد منكم إلى ما وراءه أبدا، حتى لا يصيبه شيء من العذاب. امض بأهلك إلا امرأتك. فلا تأخذها معك، إنه مصيبها ما أصابهم من العذاب، لكفرها وخيانتها بدلالة قومها على المنكر. إن موعد عذابهم هو الصبح، من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، أليس موعد الصبح بموعد قريب؟ واختيار هذا الوقت لتجمعهم فيه في مساكنهم. فلما جاء أمر الله بالعذاب، عند طلوع الشمس، ونفذ قضاؤه في قوم لوط، جعل ديارهم وهي قرى سدوم عاليها سافلها، وخسف بهم الأرض، وأمطر عليهم حجارة من طين متحجر، منظم متتابع، معلمة للعذاب، عليهم علامة خاصة عند ربك، أي في خزائنه، وليست هي من الكفار الظالمين أي قريش ونحوهم بمكان بعيد، فهي تشمل كل ظالم، ويمرون على تلك الديار في الأسفار، ويشاهدون آثار الدمار والخراب، سواء في الليل أو في النهار.

стр. 1061

شعيب ﵇ مع قومه - ١- دعوته لعبادة الله والإصلاح الاجتماعي في وسط غنّاء من الحدائق والثمار، والزروع والأشجار، والأرزاق والأنهار، قام النّبي شعيب ﵇ خطيب الأنبياء في مدين قرب معان بين الحجاز والشام بدعوة قومه إلى عبادة الله وتوحيده، وإلى إصلاح الحياة الاجتماعية بإقامة القسط والعدل في الموازين والمكاييل، والحفاظ على الحقوق، وترك الإفساد في الأرض، واستئصال سبب المنازعات والخلافات بين الناس، وإشاعة المحبة والمودة بينهم. وهذه صفحة مشرقة من حياة هذا النّبي مصورة في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٨٤ الى ٨٨] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [هود: ١١/ ٨٤- ٨٨] . هذا مقطع من قصة شعيب ﵇ في تبليغ دعوته لأهل مدين، ومناقشتهم له وردّه عليهم. والمعنى: ولقد أرسلنا إلى مدين أخاهم في القبيلة شعيبا، الذي كان

стр. 1062

من أشرفهم نسبا، فقال: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، وإياكم نقص الناس حقوقهم في المكيال والميزان، فلا حاجة لكم للظلم، وأراكم بخير، وهذا عام في جميع نعم الله تعالى، أي أراكم بثروة وسعة في الرزق ورفاه في المعيشة، تغنيكم عن الطمع والدناءة في بخس الناس حقوقهم، وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله تعالى، وأخشى عليكم عذاب يوم يحيط بكم جميعا، فلا يترك أحدا منكم، وهو إما عذاب الاستئصال في الدنيا، وإما عذاب الآخرة في نار جهنم. ويا قوم، وفّوا الكيل والوزن بالعدل، أخذا وعطاء، والأمر بالإيفاء زيادة على النهي عن البخس (أي إنقاص الحقوق) للتأكيد والتنبيه على أنه لا يكفي الامتناع عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم الإكمال والإيفاء ولو بزيادة قليلة. ثم نهاهم شعيب ﵇ عن النقصان في كل شيء، بإلحاق الظلم والجور في حقوق الناس، كما نهاهم عن السعي في الفساد في أمر الدنيا والدين، مثل قطع الطريق، وقوله بعد النهي عن الإفساد مُفْسِدِينَ تكرار على جهة التأكيد، أو قصد الإفساد. وعلل شعيب دعوته إلى إيفاء الحقوق بأن بقية الله خير لهم، أي ما يبقى لهم من الربح الحلال بعد إيفاء الكيل والميزان خير لهم من الحرام، وأكثر بركة، وأرجى عاقبة مما يأخذونه بطريق الحرام، بشرط أن يكونوا مؤمنين، لأن تحقيق الخيرية وثمرتها إنما يكون في حال الإيمان، لا في حال الكفر، والإيمان حافز باعث على الطاعة. ثم قال لهم: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي لست عليكم برقيب على أعمالكم، ولا مستطيع منعكم من القبائح، فالأمر ينبغي أن يصدر عن قناعة ذاتية منكم، ولست أنا إلا ناصحا أمينا، فافعلوا ما فيه الخير لذاته، لا ليراكم الناس. فردّ أهل مدين على شعيب ﵇ عما أمرهم به، أما الرّد على عبادة الله

стр. 1063

وحده فقالوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أي هل صلاتك التي تكثر منها تأمرك بترك عبادة آبائنا وأجدادنا، وهي عبادة الأوثان والأصنام، وهذا منهم على سبيل الاستهزاء والسخرية، فهم مصرّون على تقليد أسلافهم في الوثنية. وأما الرّد على ترك البخس (النقصان) في الكيل والميزان فقالوا: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا أي وهل صلاتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نريد فعله؟ ومقصودهم أن مطلبه بالعدل وأداء الزكاة مناف لسياسة تنمية المال وتكثيره، وهو حجر وتقييد لحريتهم الاقتصادية. وهذا هو الفكر المادي الذي لا يميز بين الحلال والحرام، والإفراط في الطمع المادي. وأكّدوا سخريتهم وهزءهم بقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ أي إنّك لصاحب الحلم والأناة، والرشد والاستقامة، وأرادوا بذلك وصفه بأضداد هذه الصفات من الجهالة والطيش والغواية. أجابهم شعيب بما يحسم أطماعهم بقوله: أخبروني يا قوم إن كنت على بصيرة من ربي فيما أدعو إليه، ورزقني منه رزقا حسنا، وهو النّبوة والحكمة، ولا أنهاكم عن الشيء وأقع في المنهي عنه، ولا أريد إلا إصلاحكم بمقدار استطاعتي، وليس توفيقي في إصابة الحق فيما أريده إلا بالله وهدايته وعونه، وعليه توكلت في جميع أموري، ومنها تبليغ رسالتي، وإليه أنيب وأرجع. وهذا دليل على ثبات شعيب على المبدأ وإخلاص الدعوة، دون أن يخشى من قومه سوءا. - ٢- إنذار شعيب قومه بالعذاب ووقوعه بالفعل لم تجد وسائل الإصلاح اللينة والكلمة الطيبة بقوم شعيب، فتحول أسلوبه من ليّن القول إلى الإنذار بالعذاب، وطلب المغفرة من الله والتوبة إليه، فازداد تعنّتهم

стр. 1064

وإعراضهم، وأمهلهم ليصلحوا شأنهم أو يترقبوا إنزال العقاب بهم، فلم يبدّلوا حالهم، فكانت النتيجة عقابهم بالصيحة التي دمّرتهم، وإنجاء المؤمنين. وهذا ما سجّله القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٨٩ الى ٩٥] وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [هود: ١١/ ٨٩- ٩٥] . اشتدّ حال المعارضين المعاندين لدعوة شعيب، فأنذرهم بالتعرّض للعقاب قائلا: يا قوم، لا يحملنكم خلافي معكم، ولا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب غيركم وأمثالكم من العذاب والنقمة، كإغراق قوم نوح، وإهلاك قوم هود بالرّيح الصّرصر العاتية، وقوم صالح بالرّجفة أو الزّلزلة، وقوم لوط بالصيحة المدمرة، وهذا ليس ببعيد عنكم زمانا ولا مكانا.

стр. 1065

واطلبوا المغفرة من ربّكم على سالف الذنوب من عبادة الأوثان وبخس المكيال والميزان، ثم توبوا إليه فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، وارجعوا إلى طاعته، فإن ربي رحيم بمن تاب إليه وأناب، كثير الود والحب، يحب التائب ويرحم المذنب. وهذا يدل على أن الاستغفار والتوبة يسقطان الذنوب. لم ينفعهم هذا الأسلوب أيضا، فلجئوا إلى الإهانة والتهديد، قائلين: يا شعيب، ما نفهم كثيرا من قولك، مع أنه خطيب الأنبياء، وأنت واحد ضعيف، ولولا رهطك أو عشيرتك وقرابتك لرجمناك بالحجارة، وليس لك معزّة ولا تكريم. والرّهط: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة. فأجابهم شعيب ﵇ بحلم وأناة قائلا: يا قومي أرهطي أعزّ وأكرم عليكم من الله القوي القادر القاهر، واتّخذتموه وراءكم ظهريّا، أي تركتموه خلفكم، لا تطيعونه ولا تعظمونه، ولا تخافون بأسه وعقابه، إن ربي محيط علمه بعملكم، عالم بأحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم على أفعالكم. ولما يئس شعيب ﵇ من إجابتهم دعوته، حسم الموقف قائلا: يا قوم، اعملوا على طريقتكم، واعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم من إلحاق الشّرّ بي، فإني عامل أيضا على طريقتي بما آتاني الله من القدرة، أي فأنتم ثابتون على الكفر والضّلال، وأنا ثابت على الدعوة إلى عبادة الله والثقة بقدرته. ولسوف تعلمون من ينزل به عذاب يخزيه ويذله في الدنيا والآخرة، ومن هو كاذب في قوله مني ومنكم، وانتظروا ما أقول لكم من إيقاع العذاب، إني معكم رقيب منتظر. وهذا وعيد وتهديد لمن يفهم ويدرك المقال. وبعد نفاد كل محاولات الإصلاح لأهل مدين، نزل بهم العقاب على كفرهم وفسادهم، فلما جاء أمر الله بعذابهم، ونفذ قضاؤه فيهم، نجى الله تعالى رسوله

стр. 1066

شعيبا ﵇ ومن آمن معه، برحمة إلهية خاصة بهم، وأخذت الظالمين الصيحة: وهي صوت من السماء، شديد مهلك مرجف، فأصبحوا قعودا ميتين لا يتحركون. كأنهم لم يقيموا في بلادهم طويلا في رغد عيش، ولم يعيشوا فيها قبل ذلك، وصدر بحقهم الدعاء المرجّى تنبيها للسامع في كلمة: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ أي ألا هلاكا ودمارا لهم، كما هلكت ودمرت من قبلهم قبيلة ثمود، وكانوا جيرانهم بقرب منهم في الدار، وبينهم تشابه في الكفر وقطع الطريق، وكانوا عربا مثلهم. هذه هي نهاية الظالمين العتاة، الذين أفسدوا الدين والحياة الاجتماعية، فكانوا عبرة للأجيال. قال ابن عباس ﵄: لم يعذب الله تعالى أمّتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم. عافانا الله من البلاء، وجعل نفوسنا لينة لأمر الله، واعية دروس الماضي، وعبرة الأمم السالفة، وهذا درس بليغ لا يتغير أثره ونفعه في كل زمان ومكان. إرسال موسى ﵇ إلى فرعون كان من أخطر وأعقد مهام الأنبياء والرسل بعثة موسى ﵇ إلى فرعون ملك مصر وطاغيتها ومدّعي الألوهية فيها، ولم تختلف هذه البعثة عن غيرها من البعثات، فمضمونها الدعوة إلى وجود الله تعالى ووحدانيته، وترك عبادة الأصنام والأوثان أو تأليه البشر، وغايتها بيان العبرة والعظة بإنجاء المؤمنين، وإهلاك الظالمين الذين أعرضوا عن دعوة رسلهم. وهذا ما أوجزته الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٩٦ الى ٩٩] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)

стр. 1067

«١» «٢» «٣» «٤» [هود: ١١/ ٩٦- ٩٩] . تأكيد وقسم تضمنته هذه الآيات للدلالة على عظمة المهمة، وتأييد صاحبها بما يؤيد رسالته ويدعو إلى تصديق دعوته. والمعنى: تالله لقد أرسلنا موسى بآيات تسع، أي بعلامات ظاهرة، وسلطان مبين، أي برهان وبيان في الحجّة، دالّ على توحيد الله وعبادته، إلى فرعون ملك القبط في مصر وملئه: أشراف قومه وأتباعها. وتلك الآيات والأدلة والبراهين المؤيدة بالحس المشاهد والواقع القائم كافية في إثبات صدق نبوة موسى ورسالته، بالإيمان بالله تعالى. والآيات التسع: هي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الثمرات، والسنون القاحلة. وكان المصريون الأقباط والملأ: أشراف القوم قد اتّبعوا أوامر فرعون ومناهجه، وصدّهم عن الإيمان بالله، وكفروا، ولم يكن أمر فرعون وتصرفه ومنهجه برشيد، أي ليس بمصيب ولا معقول ولا بعيد عن السفاهة، وإنما هو محض الجهل والضلال. لذا أخبر الله تعالى في هذه الآية: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عن فرعون أنه يأتي يوم القيامة متقدما قومه وقائدا لهم إلى نار جهنم، فيدخلهم فيها، لأنه كما اتبعوه في الدنيا، وكان مقدّمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدم يوم القيامة إلى النار، فأوردهم إياها، وله فيها الحظ الأوفر من العذاب الأكبر، وبئس المورد (موضع الورود) الذي يردونه، وهو ورود الدخول، والمدخول فيه وهو النار لأن وارد الماء يرده للتبريد وإطفاء حرّ الظمأ، ووارد النار يزداد احتراقا بلهبها ويتلظى بسعيرها. وسبب ذلك

стр. 1068

عصيان فرعون وقومه، كما جاء في آية أخرى: فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا (١٦) [المزمل: ٧٣/ ١٦] . وفرعون القائد إلى النار يضاعف له العذاب، وهو أول من تلتقطه ألسنة النار يوم القيامة في المحشر الرهيب لادّعائه أنه إله من دون الله، ومضاعفة العذاب هو شأن المتبوعين من كل أمة، يحملون راية العذاب، كما جاء في قوله تعالى: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٧/ ٣٨] . وثبت في القرآن الكريم أيضا أن آل فرعون يعذبون أيضا في الدنيا قبل الآخرة في قبورهم، منذ ماتوا وإلى يوم القيامة، صباحا ومساء، كل يوم، كما قال تعالى: وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) [غافر: ٤٠/ ٤٥- ٤٦] . ومن ألوان تعذيب آل فرعون تتابع لعنة الله عليهم في عالم الدنيا والآخرة معا، لقوله تعالى: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي ألحق الله بهم زيادة على عذاب النار لعنة عظيمة في الدنيا، من الأمم الآتية بعدهم، وكذلك في يوم القيامة، يلعنهم أهل الموقف جميعا، وهم من المقبوحين. وقوله: فِي هذِهِ يريد دار الدنيا. وقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي يلعنون أيضا بدخولهم جهنم. قال مجاهد: فهما لعنتان. أي في الدنيا والآخرة فوق عذابهم، كما جاء في آية أخرى: وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) [القصص: ٢٨/ ٤٢] . ومعنى قوله سبحانه بعدئذ: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي قبح وبئس العون المعان والعطاء المعطى هذه اللعنة اللاحقة بهم في الدنيا والآخرة، فقد سميت اللعنات رفدا تهكّما بهم. والرّفد في كلام العرب: هو العطية، قال ابن عباس مبينا المراد من هذه الجملة: هو اللعنة بعد اللعنة.

стр. 1069

إن تجنّب سوء المصير لكل إنسان أمر يسير، وهو إعلان الإيمان بالله تعالى، فذلك ليس أمرا صعبا ولا محرجا، وأما التسبب في العذاب فهو طيش وحماقة، وما أشد عذاب المتكبرين الرافضين دعوة الإيمان بالله ربّا هاديا، كما جاء في قوله تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) [الحج: ٢٢/ ١٩- ٢٢] . العبرة من قصص العذاب الشامل لا بد لكل نظام من مؤيدات مدنية وجزائية، حتى يحترم النظام، وتسود كلمته وتعلو هيبته، لأنه ليس كل الناس يستجيبون لنداء الحق والضمير، والوعي والعقل والتفكير، فيكون الجزاء الرادع مرهبا ومؤدبا العصاة، وحاملا مجموع الناس على الالتزام بقواعد النظام. وهذا هو المنهج المتّبع في كل تشريع إلهي أو وضعي بشري. لذا اشتمل القرآن الكريم على قصص الأمم السابقة الذين رفضوا دعوة الإيمان بالله تعالى، وآذوا الرسل والأنبياء، واتبعوا الأهواء والشهوات، وكان في إيراد هذه القصص عبرة واضحة وعظة بليغة. قال الله تعالى مصورا هذه الغاية: [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) «١» «٢» [هود: ١١/ ١٠٠- ١٠٢] .

стр. 1070

ذكر الله تعالى في سورة هود سبع قصص للأنبياء: وهي قصة نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى ﵈، ثم عقبها ببيان جلي لما فيها من العظة والعبرة. وهي دليل على صدق نبوة محمد ﷺ لإخباره عن تلك القصص الغائبة أو المجهولة، من غير مطالعة كتاب، ولا مدارسة مع معلم، وهي معجزة عظيمة تثبت النّبوة، كما قال تعالى: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ... [يوسف: ١٢/ ١١١] . ومعنى الآيات: ذلك النبأ المذكور عن العقوبات النازلة بالأمم المتقدمة،- والأنباء: الأخبار- مقصوص عليك أيها النّبي، لتخبر به الناس، ويتلوه المؤمنون إلى يوم القيامة، تبليغا عنك. ومن تلك القرى الظالمة المهلكة ماله أثر باق قائم كالزرع القائم على ساقه كقوم صالح، ومنها ما اندرس وباد، حتى لم يبق له أثر كالزرع المحصود، مثل قرى قوم لوط. هذا وصف لأوضاع تلك القرى، وأعقبه بيان مبدأ العقاب الجوهري: أنه قائم على العدل وعدم الظلم، فذكر الله تعالى أنه ما ظلمناهم بإهلاكهم من غير ذنب، ولكن ظلموا أنفسهم بتكذيبهم الرسل وكفرهم بهم، وشركهم وإفسادهم في الأرض، وادّعائهم أن آلهتهم المزعومة تدفع عنهم المخاوف والمخاطر المستقبلية، ولكنها في الواقع ما نفعتهم شيئا، ولا دفعت عنهم بأس الله، بل ضرّتهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويدعونها من دون الله، إنها لم تنقذهم من الهلاك. والمراد بقوله تعالى: الَّتِي يَدْعُونَ أي التي كانوا يعبدون من دون الله، حينما جاء أمر ربك بالعذاب، وَما زادُوهُمْ أي ما زادتهم عبادة الأصنام غير الوقوع في العنت والخسران والهلاك لأن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتّباعهم تلك الآلهة الباطلة، فخسروا الدنيا والآخرة.

стр. 1071

ومثل ذلك الأخذ بالعذاب وإهلاك الأمم الظالمة المكذبة لرسل الله، كذلك نفعل أي الإله بأشباههم، فنأخذ القرى ونهلكها، وهي في حالة الظلم الشديد، إن أخذ ربّك وجيع شديد، لا يرجى منه الخلاص، وهو إنذار وتحذير من سوء عاقبة الظلم في الدين والانحراف عن مقتضى اليقين بالله تعالى. وقوله تعالى: وَهِيَ ظالِمَةٌ أي إن أهل تلك البلدان ظالمون، مثل قوله سبحانه: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ١٢/ ٨٢] . أي أهلها. ومعنى قوله سبحانه: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ أي إن عقابه لأهل الشّرك موجع شديد الألم. ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. فالقرآن والسّنة النّبوية مجمعان دالان على أن الظلم المقترن بالشرك والكفر، موجب للعقاب والعذاب في نار جهنم. وقد يمهل الله تعالى عقاب بعض الكفرة، وأما الظلمة في الغالب فمعاجلون، وإن أملى الله لبعضهم وأجّل عذابهم فهو لحكمة: وهي ترك الفرصة لهم أن يتوبوا ويصلحوا أحوالهم، ويقلعوا عن ظلمهم وشركهم، وذلك بمقتضى الرحمة الإلهية الشاملة، وهو منهاج التربية الأقوم. الاعتبار في قصص القرآن بعذاب الآخرة الاعتبار والاتّعاظ في بيان قصص الأمم الظالمة السابقة وما حلّ بها مفيد في الدنيا، ومفيد أيضا في تربية الإنسان واهتدائه للخوف من أمر الآخرة، والترهيب من عصيان الله والكفر به، لئلا يكون الإنسان من الأشقياء الذين يصلون النار. وفيه أيضا الترغيب بالإيمان بالله وطاعته، ليكون المؤمن التّقي الطائع مع السعداء الذين

стр. 1072

يتمتعون بالجنة. وهذه آيات تحدد بدقة موضع العبرة بالنسبة للآخرة وتبين مصير السعداء والأشقياء: [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٩] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) «١» «٢» » «٤» [هود: ١١/ ١٠٣- ١٠٩] . معنى الآيات: إن في بيان قصص أمر أهل القرى الظالمة وما تعرضت له من عقاب لعبرة وعلامة اهتداء لمن خاف أمر الآخرة، وتوقع أن يناله عذابها، فنظر وتأمل. يعلم بعد نظره أن وعد الله صادق في مجيء الآخرة، وأن ما أخبر به الأنبياء من البعث والجزاء حقّ مؤكد لا شك فيه. وأن من عذّب الظالمين في الدنيا قادر على أن يعذبهم في الآخرة. وأن ما أصاب المجرمين في الدنيا ما هو إلا شيء يسير بالنسبة لعذاب الآخرة. ذلك اليوم يوم عذاب الآخرة يجمع فيه الناس جميعا، أولهم عن آخرهم، ليحاسبوا عن أعمالهم، ثم يجازوا عليها، وذلك يوم مشهود، تحضره الخلائق جميعا، من الإنس والجنّ والدّواب، وتحضره الملائكة والرسل، ويحكم فيه الملك العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها.

стр. 1073

وما تأخير يوم القيامة وما فيه من أهوال وعذاب إلا لمضي مدة محددة في علم الله تعالى، لا زيادة عليها ولا نقص، وهي عمر الدنيا، لإعطاء الفرصة الكافية للناس لإصلاح أعمالهم، وتصحيح عقيدتهم، كما هو قانون الله وسنّته في صريح قرآنه: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) [الكهف: ١٨/ ٥٨] . ثم وصف الله المهابة يوم القيامة، وذهاب العقل، وهول القيامة، وذلك في قوله سبحانه: يوم يأتي يوم القيامة لا يتكلم أحد إلا بإذن الله تعالى، فهو صاحب الأمر والنهي المطلق، ويكون أهل المحشر صنفين: شقي معذب لكفره وعصيانه، وسعيد منعّم في الجنان لإيمانه واستقامته، كما قال تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشّورى: ٤٢/ ٧] . فمن اختار الغواية والشّر فهو من أهل الشقاوة، ومن أراد الهداية والخير، فهو من أهل السعادة، وكلّ ميسّر لما خلق له. وأحوال الفريقين ما يلي: فأما الأشقياء فهم مستقرون في جهنم، بسبب اعتقادهم الفاسد وعملهم السيّئ، ولهم من الهمّ والكرب وضيق الصدر وشدة العذاب زفير تنفّسهم، شهيق نفسهم، على عكس المعتاد، لما يعانون من العذاب. وهم ماكثون في النار على الدوام مدة بقاء السماوات والأرض، وهذا مجرد تمثيل لإفادة التأبيد ونفي الانقطاع. والمراد بالاستثناء في قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ بيان أن الخلود في النار بمشيئة الله تعالى، لا يخرج فيها شيء عن إرادته ومشيئته. قال ابن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت: هذا دائم دوام السماوات والأرض، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار. أو أن الله يبدل السماء والأرض يوم القيامة، ويتأبد ذلك. إن ربّك يفعل ما يشاء، على وفق علمه ومقتضى حكمته.

стр. 1074

وأما أهل السعادة أتباع الرّسل، فمأواهم الجنة، ماكثين فيها أبدا، مدة دوام السماء والأرض بمشيئة الله، والمراد الأبدية، ونعيمهم فيها عطاء غير منقطع ولا ممنوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٨٤/ ٢٥] . ثم خاطب الله نبيّه، والمعنى له ولأمّته، موجّها إنذاره الدائم، ومضمونه: فلا تكن يا محمد وكل سامع في شك في عاقبة ما يعبد المشركون وفي نهايتهم، فكل ما يعبدون باطل وجهل وضلال، وتقليد للأسلاف من غير وعي، وعذابهم محقق لا شك فيه، والله موفّيهم نصيبهم من العذاب غير منقوص منه شيء، وهو العقوبة التي تقتضيها أعمالهم. وهذا وعيد وتهديد. سبب الاختلاف في التوراة وطريق الاتّفاق أراد الله تعالى التّسرية عن هموم النّبي ﷺ بسبب إعراض قومه عن دعوته، من طريق إيراد سوابق تاريخية من سيرة الأنبياء ﵈، ومنها ما تعرّض له موسى ﵇ من صدود وإعراض قومه عن دعوته، فلا يعظم عليك أيها النّبي أمر من كذّبك، فهذه هي سيرة الأمم، فقد جاء موسى بكتاب، فاختلف الناس عليه. ثم حدّد القرآن سبيل إنقاذ الأمة من طريق الاستقامة والعمل بأوامر الله تعالى، فقال الله تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٠ الى ١١٣] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) «١» «٢»

стр. 1075

«١» [هود: ١١/ ١١٠- ١١٣] . والمعنى: والله لقد آتينا موسى الكتاب الذي هو التوراة، فاختلف فيه بنو إسرائيل من بعده، ظلما وبغيا، وتنازعا على الزعامة والمصالح المادية، فآمن به قوم، وكفر به آخرون. مع أن الكتاب الإلهي نزل لتوحيد الكلمة وجمع الناس على منهج واحد، فلا تبال أيها النّبي محمد باختلاف قومك في القرآن، فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك أسوة، فلا تحزن ولا تهتم لتكذيبهم. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي لولا سبق القضاء والقدر بتأخير العذاب إلى أجل مسمى، لقضي بينهم في الدنيا، بإهلاك العصاة، وإنجاء المؤمنين، كما حدث لأم آخرين. وإن المكذّبين لفي شكّ موقع في الريبة والقلق، سواء أكانوا من قوم موسى أم من قوم محمد عليهما الصّلاة والسّلام. والكلمة من ربك هنا: عبارة عن الحكم والقضاء. وقوله تعالى: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي لفصل بين المؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا. وإن كلّا من المؤمنين والكافرين المختلفين في كتاب الله، ليوفينّهم الله جزاء أعمالهم، وما وعدوا به من خير أو شرّ لأنه خبير بتلك الأعمال كلها، ولا يخفى عليه شيء منها. وهذا تهديد ووعيد لقوم النّبي ﷺ وكل مكذب برسالته. وبعد هذا التهديد والتقريع للمختلفين في توحيد الله والنّبوة، أمر الله رسوله ﷺ ، ويقصد بالخطاب الأمر بالدوام والثبات، أمره بالاستقامة مثلما أمر بها غيره، والاستقامة شاملة كل ما يتعلق بالعقيدة والعلم والعمل والأخلاق.

стр. 1076

والمعنى: فالزم وثابر يا محمد ومن آمن معك على طريق الاستقامة في الاعتقاد والأعمال، وتطبيق أوامر القرآن في العبادات والمعاملات، وهي درجة تتطلب جهاد النفس، والترفع عن الأهواء والشهوات. ولا يعني أمر الرسول ﷺ بالاستقامة أنه لم يكن مستقيما، وإنما كان على العكس في غاية الاستقامة، وإنما المقصود كما ذكرت في هذا الموضوع: هو الدوام والاستمرار على ما هو عليه، وذلك طريق النصر على الأعداء. وفي هذا دليل على وجوب اتّباع النصوص الشرعية من غير تصرّف ولا انحراف، ولا تقليد وعمل برأي فاسد غير صحيح، ومن حاد عن ذلك زاغ وأزاغ. والتزام جادة الاستقامة ليس بالأمر الهيّن، وإنما يتطلب جهادا متواصلا. روى الطبراني في الكبير في حديث صحيح عن عقبة بن عامر وأبي جحيفة: أن النّبي ﷺ قال: «شيّبتني هود وأخواتها» فقال له بعض العلماء: فما الذي شيّبك من هود؟ قال له: قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ. وبعد الأمر بالاستقامة، نهى الله تعالى عن ضدّها وهو الطغيان، وهو البغي وتجاوز حدود الله في قوله سبحانه: وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي إن الطغيان مزلقة إلى الهلاك، والله تعالى بصير بأعمال العباد، لا يخفى عليه شيء، فيجازي عليه. وهذا تحذير واضح من الانحراف والمخالفة. ثم نبّه الله تعالى إلى خطر الميل مع الظالمين، فقال: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي ولا تميلوا مع الظالمين بمودة أو مداهنة أو رضا بأعمالهم، أو استعانة بهم، أو اعتماد عليهم، فتصيبكم النار بركونكم إليهم، فذلك ظلم، وليس لكم من غير الله أنصار أبدا ينفعونكم، ويمنعون العذاب عنكم، ثم لا ينصركم الله في حال الظلم، لأن الله سبحانه لا يحب الظلم لأحد، ولا ينصر الظالمين، كما قال تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [البقرة: ٢/ ٢٧٠] . وقال أيضا: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [الحج: ٢٢/ ٧١، فاطر: ٣٥/ ٣٧] .

стр. 1077

الأمر بالصلاة والصبر الطريق لتقوية الإيمان والإرادة، وامتثال أوامر الله وتكاليفه شيئان مهمّان، يقرن القرآن بين الأمر بهما أحيانا، وهما إقامة الصلاة، والصبر في الحياة. أما الصلاة فهي معراج المؤمن، وصلة الوصل بالله ، والاستمتاع بالتوجّه نحو الذات العليّة في أوقات منتظمة. وأما الصبر فهو فولاذ الإرادة الحازمة، وإعداد القوة اللازمة للتغلب على مصاعب الحياة ومتاعب الدنيا، وبغير الصلاة لا تسعد النفس، وبغير الصبر لا يكتب النجاح. لذا أمر القرآن الكريم بهما في مناسبات متعددة، منها في سورة البقرة: [الآية ٢/ ١٥٣] . ومنها في سورة هود: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٤ الى ١١٥] وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) «١» [هود: ١١/ ١١٤- ١١٥] . سبب نزول هاتين الآيتين: ما رواه البخاري ومسلم وابن جرير عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فأنزل الله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ فقال الرجل: إلي هذه؟ قال: لجميع أمتي كلهم. وتكررت روايات أخرى في معنى ذلك. موضوع الآيتين الاستعانة بالصلاة والصبر. أما ما يتعلق بالصلاة فالآية الأولى في تحديد أوقاتها الخمسة، ولا خلاف في أن المراد بها الصلوات المفروضة. والمعنى: أقم الصلاة أيها النبي وكل مؤمن تامة الأركان والشروط والأوصاف، باعتبارها صلة بين العبد وربه، مطهرة للنفس، مرضاة لله، مانعة عن الفحشاء والمنكر، في جميع أجزاء اليوم. فقوله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ يشمل ثلاث صلوات:

стр. 1078

وهي الصبح، والظهر والعصر، وقوله تعالى: وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ يشمل صلاتي المغرب والعشاء. فتكون الآية شاملة جميع أوقات الصلاة. وتنوع فرضية الصلاة في الليل والنهار تعليم لضبط الوقت، وربط المؤمن بالله تعالى في جميع أجزاء الوقت العامل المتحرك، لا في حال السكون والنوم. وفائدة الصلاة بانت بعد تحديد الأوقات في قوله سبحانه: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ أي إن فعل الخيرات ومنها الصلوات الخمس تكفّر الذنوب السالفة الواقعة في جميع أجزاء النهار، وتغسل آثار السيئات الصغائر، كالنظر الحرام والقبلة والضرب باليد أو الرجل. والحسنات: جميع الأعمال الصالحة، والسيئات: الذنوب الصغائر، أما الكبائر فلا يكفّرها إلا الحد (العقوبة المقدرة) أو التوبة لقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) [النساء: ٤/ ٣١] . ويؤكد مدلول الآية الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينهن، إن اجتنبت الكبائر» . قال جمهور أهل السنة في شرط: «إن اجتنبت الكبائر» هو شرط في معنى الوعد كله، أي إن اجتنبت الكبائر، كانت العبادات المذكورة كفارة للذنوب، فإن لم تجتنب لم تكفّر العبادات شيئا من الصغائر. والأولى أن يقال: الشرط موضح أن الصلاة تسقط الذنوب الصغائر بشرط اجتناب الكبائر، بدليل حديث خروج الخطايا مع قطر ماء الوضوء وغيره. ويعدّ الإصرار على الصغائر من الكبائر. ثم قال الله تعالى: ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ أي إن أداء الصلوات، والنصح بفعل الحسنات، والاستقامة على أمور الدين، وعدم الركون إلى الظلمة عظة للمتعظين الذين يعقلون الأحداث، ويخشون الله .

стр. 1079

والأمر الثاني هو الصبر، ومعنى الآية: والزم الصبر على الطاعة ومشاقّها، وعن المعصية ومغرياتها، وابتعد عن المنكر والمحرّمات، وفي حال الشدائد والمصائب، فإن الله لا يهدر ثواب المحسنين أعمالا، الصابرين على مراد الله وقدره. وهذا دليل على أن الصبر إحسان وفضيلة. والصبر مطلوب في الصلاة وسائر الطاعات، لقوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [طه: ٢٠/ ١٣٢] . وقال النبي ﷺ فيما رواه أبو نعيم والبيهقي من حديث ضعيف: «الصبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله» . وجاءت هذه الآيات في أواخر سورة هود في نمط واحد، أعلم الله نبيه أنه يوفي جميع الخلائق أعمالهم، المسيء والمحسن، ثم أمره بالاستقامة والمؤمنين معه، ثم أمره بإقامة الصلوات ووعد على ذلك، ثم أمره بالصبر على التبليغ والمكاره في ذات الله ﵎، ثم وعد بقوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. سبب هلاك الأمم السابقة لا ظلم ولا جور في حكم الله تعالى على الإطلاق، وإنما العدل الذي تطوقه الرحمة أساس القضاء في شرع الله، وذلك لأن الله غني عن العالمين، ولا مصلحة له مع أحد، وهو ربّ العباد جميعا، ولا يخشى أحدا من الخلائق حتى يحابيه على حساب غيره، ولا حاجة له لبشر أبدا حتى يتقرب إليه في حكمه، وإنما خير القضاء وعدل الحكم يرجع إلى العباد أنفسهم. وقد ذكر الله سبحانه سبب إيقاع عذاب الاستئصال وهلاك الأمم السابقة، وهو أمران: الأول- أنه لم يكن فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض. والثاني- أن الظالمين اتّبعوا طلب الشهوات واللذات، واشتغلوا بتحصيل

стр. 1080

الرياسات والزعامات. والظالمون: هم متقرفو المنكر، تاركو المعروف. قال الله تعالى مبيّنا هذين السببين: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٦ الى ١١٩] فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) «١» «٢» «٣» «٤» [هود: ١١/ ١١٦- ١١٩] . حضّ الله بكلمة فَلَوْلا التي هي للتحضيض والحثّ على الفعل على وجود جماعة من الأقوام والجماعات الماضية التي أهلكها الله بسبب ظلمها، يتصفون برجاحة العقل والرأي، والبصيرة والخير، والحزم والثبات في الدين، ينهون أقوامهم عما كان يقع منهم من فساد في الأرض، وهو الكفر وما اقترن به من المعاصي. والآية تنبيه لأمة محمد وحضّ على تغيير المنكر، والنّهي عن الفساد. ثم استثنى الله تعالى القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم، وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم، أي لكن قد وجد قليل من المصلحين، نهوا عن الفساد في الأرض. وهذا كما يقول اللغويون: استثناء منقطع. والأكثرية هم الظالمون الذين اتّبعوا أنفسهم وشهواتهم، وما أترفوا فيه من نعيم وعزة وسلطان. والمترف: الذي أبطرته النعمة وسعة العيش. والذين ظلموا: هم تاركو النهي عن المنكر. واتّباعهم التّرف: اشتغالهم بالشهوات والمال واللذات

стр. 1081

والرياسات، واستمرارهم على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات، وعدم التفاتهم إلى إنكار المصلحين منهم والناصحين لهم. والحال أنهم كانوا مجرمين، أي ظالمين، فالله تعالى لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، كما قال تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود: ١١/ ١٠١] . وفي الآية إشارة إلى أن الترف مدعاة إلى الإسراف، والإسراف يفضي إلى الفسوق والعصيان، والظلم والانحراف. ثم أوضح الله تعالى قانونه العام وسنته في البشرية بقوله: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) أي ليس من شأن الله تعالى أن يهلك أهل القرى ظالما لها، وأهلها قوم مصلحون، تنزيها لله تعالى عن الظلم، وإعلاما بأن إهلاك المصلحين من الظلم. والمراد أن الله تعالى لا ينزل عذاب الاستئصال على مجرد كون القوم مشركين أو كافرين، بل إنما ينزل العذاب إذا أساؤوا في المعاملات، وسعوا في الإيذاء والظلم، كما فعل قوم شعيب في مدين، وقوم هود في الأحقاف شمال حضرموت، وقوم فرعون في مصر، وقوم لوط في ديار سدوم في الأردن، وقوم صالح في الحجر بين الحجاز والشام. ويؤيد ذلك أن الأمم تبقى مع الكفر، ولا تبقى مع الظلم. وهناك قانون إلهي عام آخر وهو أن الله تعالى قادر على جعل الناس على ملة واحدة من الإيمان أو الكفر، ولكنه سبحانه ترك لهم الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق، وبعضهم الباطل، فوقع الانقسام والاختلاف بينهم، وظلموا مختلفين متنازعين في الدين والاعتقاد والمذهب والرأي بسبب من أنفسهم، إلا من رحم ربّك، أي إلا أناسا هداهم الله ولطف بهم وهم أتباع الرسل، فاتفقوا على دين الحق، غير مختلفين فيه.

стр. 1082

ولذلك المذكور من تمكين الناس من ممارسة حرياتهم، والاختيار الذي كان عنه الاختلاف، خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره كما قال الزمخشري في الكشاف. وذكر أهل السّنة أن اللام في قوله تعالى: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ليست لام التعليل، فليس الاختلاف والرحمة علة الخلق، وإنما هي لام الصيرورة، أي خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف، وإن لم يقصد بهم الاختلاف، فهذا تعبير عن ثمرة الأمر ومقتضاه. وسبق في قضاء الله وقدره لعلمه التّام وحكمته النافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النار، وأنه لا بد من أن يملأ جهنم من الجنّ والإنس أجمعين، وهم الذين تمردوا وعصوا أوامر الله، ولم يهتدوا بما أرسل الله به الرسل من الآيات والأحكام. فائدة القصة القرآنية للنّبي ﷺ بعد أن أخبر الله تعالى في سورة هود بقصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم، ذكر فائدة تلك القصص بالنسبة للنّبي ﷺ ، وحصرها في فائدتين: الأولى- تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى. والثانية- بيان ما هو حق وعظة وذكرى للمؤمنين. ثم ختم الله تعالى السورة بما بدأها به وهو الأمر بالعبادة والتوكل على الله، وعدم المبالاة بعداوة المشركين. وهذه هي الآيات المبينة لهذه الأهداف: [سورة هود (١١) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٣] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)

стр. 1083

«١» [هود: ١١/ ١٢٠- ١٢٣] . والمعنى: وكلّا من السورة والآيات التي ذكر فيها قصص الأنبياء المتقدمين نقصّها عليك أيها النّبي بقصد تحقيق فائدتين: الفائدة الأولى- ما به يقوى الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى، لأن الأنبياء السابقين من قبلك تحملوا في جدال أقوامهم الأذى الكثير، فصبروا على ما كذّبوا به، فنصرهم الله، وخذل أعداءهم الكافرين، فلك بالمرسلين السابقين أسوة حسنة وقدوة تقتدي بها. الفائدة الثانية- وتبيّن لك في هذه السورة وفي قصص الأنبياء ما هو الحق والصدق واليقين: وهو وحدانية الله وعبادته وحده، وإثبات البعث، وفضل التقوى والأخلاق الكريمة. كما أن في تلك الأنباء عظة وعبرة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون. وخصّ الله هذه السورة- سورة هود بوصفها بالحق- والقرآن كله حق- لأن ذلك يتضمن الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر، لما فيها من أخبار الأنبياء ووصف الجنة والنار وبيان المستحق لكل منهما. والحقّ: ما تضمنت سورة هود من وعيد الكفرة وبيان الأدلة الدّالة على التوحيد والعدل والنّبوة. والموعظة: التنفير من هيمنة الدنيا ومتاعها على النفس وإيثارها على الآخرة وسعادتها. والذكرى: الإرشاد إلى الأعمال الصالحة الباقية. وبعد هذه التذكرة المشتملة على الترغيب والترهيب، ذكر الله آية وعيد، وهي:

стр. 1084

وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ.. الآية، أي وقل أيها الرسول للكافرين الذين لا يؤمنون بما جئت به من ربّك، على سبيل التهديد: اعملوا على حالاتكم وطريقتكم التي أنتم عليها من كفركم، وافعلوا ما تريدون من إيقاع الشّرّ بي، فنحن أيضا عاملون على طريقتنا ومنهجنا وهو الإيمان الصحيح والدعوة إلى الخير، وهذه مقولة تشبه مقالة شعيب ﵇ لقومه في مدين. وانتظروا بنا نهاية أمرنا، إما بموت أو غيره مما تأملون، إنا منتظرون عاقبة أمركم، وما ينزل بكم من عقاب نزل بأمثالكم، إما من عند الله بالاستئصال الشامل، أو بأيدي المؤمنين بالحروب والمعارك. وانتظار مصير الفريقين له شبيه بقوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٦/ ١٣٥] . وألفاظ هذه الآية تصلح للموادعة، وتصلح أن تقال على جهة الوعيد المحض والحرب قائمة. ثم ختم الله تعالى سورة هود بآية تدلّ على انفراد الخالق بالعظمة وبما لا يمكن للبشر معرفته، وهو علم الغيب، وتبيين أن الخير والشّر وجليل الأشياء وحقيرها، متعلّق بأحكام المالك الحقيقي: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أي إن الله تعالى مختص بعلم الغيب في السماوات والأرض في كل زمان من الماضي والحاضر والمستقبل، ومرجع جميع الخلائق والكائنات إلى الله تعالى لأنه مصدر الكل ومبدأ الكل، وصاحب القدرة الشاملة، والمشيئة النافذة. وإذا كان الله هو المتّصف بما ذكر، فاعبده وحده ومن معك من المؤمنين، وفوّض أمرك كله لله، وثق به تمام الثقة في كل شيء، وليس بخفي على الله كل ما يعمل به المكذّبون والمصدقون، وما عليه أحوالهم، وما تصدر عنه أقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك الله أيها النّبي على أعدائك، ويكتب لرسالتك ودعوتك الخلود والفوز، فلا تبال بهم.

стр. 1085

تفسير سورة يوسف الوحي القرآني يظل الوحي القرآني الإلهي حجة الله تعالى على خلقه، ومنار السبيل إلى عباده، وطريق الإنقاذ من الضلالة والرّدى إلى الهداية والحياة السوية، وتميز هذا الوحي بالبيان العربي الواضح المشرق، وبالثروة المعرفية الخصبة التي تزداد نموّا واتّساعا كلما تقدم العلم والمدنية، وكلما ازداد التأمل والتفكر في عظمة البيان الإلهي واتّساعه وشموله، وخلوده مع ممرّ الزمان، وإعرابه وإفصاحه عن أسرار الكون والإنسان والحياة. ولقد تبدلت حياة الأمة العربية تبدّلا جذريّا وشاملا بالهدي القرآني والبيان الرّباني الرفيع، فقال الله تعالى مبيّنا خواص هذا التبدل السريع في مطلع سورة يوسف المكية على المعتمد: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) «١» [يوسف: ١٢/ ١- ٣] . روى ابن جرير عن ابن مسعود: أن أصحاب رسول الله ﷺ ملّوا ملّة، فقالوا: لو قصصت علينا يا رسول الله، فنزلت هذه الآية: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ

стр. 1086

ثم ملّوا ملّة أخرى، فقالوا: لو حدثتنا يا رسول الله، فنزلت: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزّمر: ٣٩/ ٢٣] . سمي القرآن قرآنا لأنه يقرأ، وهو اسم جنس يقع على القليل والكثير، وقال أبو عبيد: سمّي قرآنا لأنه يجمع السور، فيضمّها. وسميت سورة يوسف بأنها أحسن القصص لأسباب ذكرها العلماء منها: أن كل من ذكر فيها كان مآله إلى السعادة، يتبين ذلك من أحوال يوسف وأبيه وإخوته وامرأة العزيز والملك والساقي مستعبر الرؤيا. ومنها: انفراد السورة بما فيها من أخبار لم تتكرر في غيرها، ومنها أنها ذكرت جملة من الفوائد التي تصلح الدنيا والدين، كالتوحيد، والفقه، والسّير، والسياسة، والمعاشرة، وتعبير الرؤيا، وتدبير المعاش. ومعنى الآيات في مطلع سورة يوسف: التنبيه بحروف الر إلى إعجاز القرآن، وتحدّي العرب بالإتيان بمثله، ما دام مكونا من الحروف نفسها التي تتألف منها لغتهم، ويصوغون بها بيانهم الفصيح خطابة وشعرا ونثرا. والآيات التي أنزلت عليك أيها النّبي في هذه السورة آيات ظاهرة الإعجاز، وهي آيات القرآن البيّن في نفسه، الظاهر في إعجازه، الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبيّنها، ويوضح الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والهدى والبركة والنور. يقرر الله تعالى أنا أنزلنا هذا القرآن على النّبي محمد العربي الهاشمي، بلغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، لتتعلموا ما لم تكونوا تعلمون من قصص وأخبار، وآداب وأخلاق، وأحكام وتشريعات،

стр. 1087

ومناهج سياسة واجتماع واقتصاد، ولتتدبروا وتتأملوا ما فيها من معان وأهداف، تبني الفرد والجماعة على أقوم بنيان، وأثبت أساس. قال ابن كثير: فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرّسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة، فكمل من كل الوجوه. ثم يتابع الله إخباره لنبيّه بأنا نحن نخبرك بأحسن الأخبار، بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن، الذي جاء تامّا كاملا، مفصّلا كل شيء، وجاءت قصة يوسف كاملة تامة، مفصلة، ذات أهداف سامية، وعبر كثيرة، وإن كنت من قبل ما أوحينا، أي من قبل إيحائنا إليك، من الغافلين عما عرّفناك به من القصص وأعلمناك من شؤون الأمم، أي من الجاهلين به، فلا علم لك به قط، شأنك شأن قومك، لا يعلمون من قصص الماضين وأخبارهم شيئا. إن قصة يوسف قصة جامعة، شاملة للدين والدنيا، والحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والأدبية الخلقية، الملأى بالعبر والعظات، ومن أهمها الصبر على الأذى، والعفو عند المقدرة. رؤيا يوسف ﵇ قد تكون الرؤيا المنامية الروحانية عجيبة جدا، لا مثيل لها في الكتب المدونة، ويصعب تصورها في اليقظة والوجود الواعي، ومن الرؤى ما هو إخبار عن مشاهد ستقع حتما، أو تصورات عن كوارث مستقبلية، يستغربها الرّائي والسامع، ويتخوف منها صاحبها، إذ يرى ما لا تتصوره العقول البشرية أو الأفكار العلمية، لأنها غير خاضعة لموازين الحس الواقع أو الأمر المشاهد. ومن غرائب الرؤى ما رآه يوسف

стр. 1088

عليه السّلام في طفولته ليلة القدر، ليلة الجمعة، ثم تحققت رؤياه بعد أربعين سنة أو بعد ثمانين سنة. أخبر القرآن الصادق: كلام الله اليقيني عن رؤيا يوسف في هذه الآيات، فقال تعالى: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤ الى ٦] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) «١» «٢» [يوسف: ١٢/ ٤- ٦] . تتحدث هذه الآيات عن رؤيا يوسف الطفل، وقد نزل بها وحي دائم لما فيها من العظات والعبر للأمم والآباء والأبناء، لذا بدئت بالتذكير، فاذكر أيها الرسول محمد لقومك قصة يوسف حين قال لأبيه يعقوب ﵇: إني رأيت في منامي أن أحد عشر كوكبا أو نجما، والشمس والقمر تسجد لي، سجود احترام وتقدير، لا سجود عبادة وتقديس، والأحد عشر كوكبا تبيّن فيما بعد: أنهم إخوة يوسف الأحد عشر نفرا، والشمس والقمر أبوه وأمه، لأن الكواكب لا تسجد في الحقيقة، فيحمل الكلام على الرؤيا، لذا قال يعقوب ﵇: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ. وقد أخبر نبيّنا ﵊ بتعليم جبريل عن أسماء هذه الكواكب التي طالب يهودي ببيان أسمائها. والظاهر الراجح أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء، لما وقع منهم من صفات لا تتفق مع عصمة الأنبياء، كالحسد الدنيوي، وعقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك والقتل. وبما أن هذه الرؤيا غريبة عجيبة، وتحتاج إلى وقت طويل لتحققها في

стр. 1089

الواقع، وهو أربعون سنة أو أكثر، قال يعقوب لابنه يوسف حين قصّ عليه ما رأى: لا تخبر إخوتك بما رأيت، حتى لا يحسدوك، ويحتالوا لك حيلة توقعك في مكروه، فإن الشيطان عدوّ واضح العداوة للإنسان. وقد أدرك يعقوب من هذه الرؤيا أنه سيكون ليوسف شأن عظيم، ويسود قومه حتى أباه وأمه وإخوته، فحذر يوسف من التحدث بهذه الرؤيا. روى الإمام أحمد وغيره عن معاوية القشيري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبّر، فإذا عبّرت وقعت» . وأضاف يعقوب مبشرا ابنه يوسف ببشارة عظيمة، وهي النّبوة وتعبير الرؤيا، فقال له: وكما اختارك ربّك، وأراك هذه الكواكب، مع الشمس والقمر ساجدة لك، يختارك لنفسه ويصطفيك لنبوّته على آلك وغيرهم، ويعلّمك تعبير الرؤيا. والرؤيا: وإن كان مصدرا في الأصل، لكن كثر إطلاقه على المتخيّل في النوم، فجرى مجرى الأسماء. وتعبير الرؤيا: الإخبار بما تؤول إليه في الوجود، وتعليم الله يوسف التأويل: إلهامه الصواب فيها، أو صدق الفراسة. والله سبحانه يتم نعمته عليك يا يوسف، بإرسالك رسولا، وجعلك نبيّا وإيحائه إليك، ويتم هذه النعمة أيضا على آل يعقوب وأسرته، وهم أبوك وإخوتك وذريتك، فآل الإنسان: أهله، وهو خاص بمن لهم مجد وشرف، وإتمام هذه النعمة على آل يعقوب، كإتمامها من قبل هذا الوقت على جدّك إسحاق وجدّ أبيك إبراهيم، وقدّم إبراهيم في البيان الإلهي على إسحاق لأنه الأشرف وأبو الأنبياء، إن ربّك عليم بخلقه وبمن يستحق الاجتباء والاصطفاء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، إنّ ربّك حكيم في صنعه وتدبيره، يفعل الأشياء على ما ينبغي ويتفق مع المناسبات والأوضاع الصحيحة.

стр. 1090

والنعمة على يوسف: تخلصه من السجن وعصمته، والملك الذي نال، وعلى إبراهيم: اتّخاذه خليلا، وعلى إسحاق: فديته على قول ضعيف بالذّبح العظيم، مضافا ذلك كله إلى النّبوة. مؤامرة إخوة يوسف إن ضعف الإنسان وعجزه، وقلقه ومخاوفه، وحرصه على حبّ الذات والظفر بأعظم المغانم وأكثرها، يجعله يقع في أحوال لا تتفق مع أصول الأخلاق، ولا تنسجم مع الطبائع السوية. وهكذا كانت تصرفات إخوة يوسف معه مثلا غريبا في الكيد والحسد والتآمر الدنيء، فلم يتورعوا أن عرّضوا أخاهم للموت البطيء، أو القتل بالتسبب، فتآمروا على إلقائه في بئر، فإما أن يموت أو يلتقطه مسافر، فيجعله عبدا خادما لسيّده، وينتهي في كلا الحالين وجوده. وهذا تصوير المؤامرة، قال الله تعالى: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧ الى ١٠] لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» . [يوسف: ١٢/ ٧- ١٠] . والمعنى: تالله، لقد كان في قصة يوسف مع إخوته لأبيه آيات وعبر وعظات للسائلين الذين سألوا عنهم، دالّة على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء، ودالّة
следующие страницы →