← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وفي هذا الكلام تسرية عن هموم النّبي ﷺ مما لقيه من أذى قومه، ووعد له وللمؤمنين بأن يغلّبهم وينصرهم، ووعيد للأعداء الكافرين بأن يخذلهم ويهزمهم، ويطوي صفحتهم من التاريخ إلى الأبد.

стр. 1017

تفسير سورة هود عبادة الله تعالى في أوائل سورة هود المكّية ركّزت الآيات على إحكام القرآن الكريم، فهو لا يشتمل على أي نقض أو تناقض، كما أمرت بعبادة الله وحده باعتبار أن العبادة هي المقصود الديني الأعظم من خلق الإنسان كما في قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذّاريات: ٥١/ ٥٦] . وقوله سبحانه: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) [البيّنة: ٩٨/ ٥] . والعبادة الخالصة لله تعالى تتطلب الاستغفار والتوبة من الذنوب السابقة وعلى رأسها الكفر، قال الله تعالى مبيّنا هذه الأصول المبدئية والتكليفية في مطلع سورة هود المكّية: [سورة هود (١١) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) «١» «٢» [هود: ١١/ ١- ٤] . افتتحت سورة هود بالحروف المقطعة الر للتنبيه وتحدّي العرب بأن يأتوا بمثل القرآن، ما دام مكوّنا من حروف لغتهم التي ينطقون بها ويكتبون بها. ثم قررت هذه

стр. 1018

الآيات أصول الدين: وهي إحكام القرآن وتفصيله، والدعوة إلى عبادة الله وتوحيده والإنابة إليه، والإيمان بالبعث والجزاء في عالم الآخرة. والمعنى: هذا القرآن كتاب عظيم الشأن، جليل القدر، محكم النظم والمعنى، لا خلل فيه ولا نقص، فهو كامل الصورة والمبنى والمعنى لأنه صادر من عند الله الحكيم في أقواله وأفعاله، الخبير بحوائج عباده، وبعواقب الأمور. نزل هذا الكتاب بألا تعبدوا غير الله، ولا تشركوا به شيئا، فالعبادة لله تحقق معنى العبودية والانقياد لله تعالى، مع قيامها على الحبّ، لا على القهر والقسر، وإنني أنا رسول الله مرسل من عند الله، نذير من العذاب إن عصيتموه أو خالفتموه، وبشير مبشّر بالثواب إن أطعتموه. وفي هذا تبيان مهمة الرسول ﷺ ووظيفته وهي الإنذار لمن عصاه بالنّار، والتّبشير لمن أطاعه بالجنة. ومن مهامي أنا النّبي المرسل أن آمركم بالاستغفار من الذنوب السابقة، وهي الشّرك والكفر والمعاصي والمنكرات، وأن تتوبوا منها إلى الله بالإقلاع عنها وبالنّدم على ما مضى، والعزم على عدم العودة إلى أي ذنب في المستقبل، فإن استغفرتم وندمتم، وتبتم من كفركم وشرككم، يمتّعكم الله متاعا حسنا في الدنيا، بإطالة النفع فيها بمنافع حسّية مرضية، وعيشة طيبة هنيّة، ورزق واسع متتابع، ويظل هذا التمتع الهني في الدنيا إلى أن يأتي الأجل المعين وهو الموت. فالمطلوب للتّخلي عن سيرة الكفر السابقة أمران: الاستغفار من الشّرك، ثم التوبة المخلصة والرجوع إلى الله بالطاعة والعبادة، فتصفو النفس من آثار الشّرك، وتقبل على حياة الدنيوية لله بالانقياد لأوامره وعبادته على وفق مراده. وثمرة إطاعة الله لا تقتصر على توفير الحياة الهانئة السعيدة في الدنيا، وإنما تشمل أيضا في الآخرة إعطاء كل ذي فضل في العمل جزاء فضله وإحسانه، لا يبخس منه

стр. 1019

شيء، فيجمع الله بين الجزاءين: التّمتيع في الدنيا، والثواب في الآخرة. ولكن متاع الدنيا قليل فان، ومتاع الآخرة كثير خالد. فإن أعرضتم أيها الناس عما دعوتكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، فإني أخشى عليكم وأحذّركم من عذاب يوم كبير هو يوم القيامة. ووصف هذا اليوم بالكبر، لما فيه من السّعة والأهوال، كما وصف بالعظم والثّقل لما فيه من العظائم والشدائد، والأثقال والآلام. وهذا توعّد بيوم القيامة. وأضاف الله تعالى إليه توعّدا آخر وهو تفرّد الله بسلطان الحساب في الآخرة، فجميع الناس مرجعهم وطريقهم إلى الله، أي إلى عقابه وجزائه، وهو سبحانه القادر الذي لا يضرّه شيء، ولا يجير عليه مجير، ولا وقاية من قضائه وحكمه، فالله قادر تمام القدرة على ما يشاء من الإحسان إلى أوليائه وأحبّائه وعبّاده، والانتقام من أعدائه. وقوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله، لا إلى غيره. فضل الله وعلمه وقدرته عجيب أمر هذا الإنسان، إنه مغمور بأفضال الله التي لا تحصى، مضمون له رزقه، محوط بعلم الله في سرّه وعلانيته، مقدور عليه في كل تحرّكاته، لا يستطيع النّفاذ أو الهرب من سلطان الله وعزّته، وإنما مصيره ومرجعه إلى الله، يحاسبه على كل ما قدم وأخّر، وهو مع ذلك معرض عن ربّه المنعم عليه، القادر الرّازق. وما ذلك إلا لضعفه وقصور عقله وسوء تقديره في فهم الأشياء. وهذه دلائل قدرة الله على كل مخلوق وفضله عليه في قوله سبحانه:

стр. 1020

[سورة هود (١١) : الآيات ٥ الى ٧] أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) «١» » «٣» «٤» [هود: ١١/ ٥- ٧] . نزلت الآية الأولى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ.. في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله ﷺ ثنوا صدورهم، أي طووها على الحقد والعداوة والحسد، كالمستتر، وردّوا إليه ظهورهم، وغطّوا وجوههم بثيابهم تباعدا عنه، وكراهية للقائه، وهم يظنّون أن ذلك يخفى عليه وعلى الله . والمعنى: ألا إن الكفار المشركين حين يسمعون الدعوة إلى الله وتوحيده، يعرضون عن النّبي ﷺ بصدورهم، كيلا يراهم هو ولا غيره، إمعانا في العناد والكفر. ألا حين يتغطون بثيابهم ليستخفوا أو يتواروا من محمد أو من الله، يظنّون أن الله لا يراهم، مع أن الله تعالى يعلم ما يسرّونه في قلوبهم، وما يعلنونه من أقوال وأفعال، إنه سبحانه علّامة بالأسرار ذات الصدور، وبخواطر القلوب، ويرصد الله عليهم كل أمورهم، كما جاء في آية أخرى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النّساء: ٤/ ١٠٨] . ومن مظاهر علم الله وفضله أنه سبحانه تكفل برزق كل ما يدب على الأرض أو في البحر أو في الجو، ويعلم مستقر كل دابّة ومستودعها، أي يعلم منتهى سيرها في

стр. 1021

الأرض حيث تأوي إليه، وهو مستقرّها، وموضع إيوائها ومكان موتها ودفنها، وهو مستودعها، وكل ما يتعلق بمخلوقات الأرض من أحوال وأرزاق وتحرّكات وسكنات: ثابت مكتوب في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع مقادير المخلوقات، وتوضّح فيه كل شؤونها. وهذا دليل واضح على تكفل الله بأرزاق المخلوقات كلها، غير أن ذلك مرتبط بقانون السببية أو مبدأ ارتباط الأسباب بالمسبّبات والغايات، أي إن تحصيل الرزق منوط بالسّعي والعمل، موجه بالإلهام الإلهي، مشمول بهداية الله إلى الطلب والتحصيل، كما قال الله تعالى: قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) [طه: ٢٠/ ٥٠] . وبعد إثبات كون الله عالما تمام العلم بالمعلومات، أثبت تعالى كونه قادرا قدرة تامة بخلقه السماوات والأرض، خلقها في ستة أيام بمقدار أيام الدنيا في رأي أكثر المفسرين. وكان العرش: وهو أعظم المخلوقات، فوق الماء، وكان موجودا قبل أن يخلق الله شيئا. ومقتضى استواء الله على العرش أنه صاحب السلطان المطلق في التّصرف والملك والأمر والحكم. قال جماعة من العلماء: خلق الله تعالى هذه المخلوقات في ستة أيام، مع قدرته على خلقها في لحظة، نهجا إلى طريق التّؤدة والمهلة في الأعمال، ليحكم البشر أعمالهم. وعلّة الخلق الإلهي العجيب للسماوات والأرض: هي نفع العباد الذين خلقهم الله ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وليعاملهم معاملة المبتلي المختبر لأحوالهم، لينظر كيف تعملون، ويظهر أيّكم أحسن عملا، فيقوم الدليل الواقعي على أفعال الإنسان ومعرفة من يقابل النّعم بالشكران أو بالكفران. ولئن أقمت يا محمد الأدلة على البعث بعد الموت، وذكرت ذلك للمشركين، لقال الكافرون: ما هذا إلا سحر واضح، أي غرور باطل، لأن السّحر في مفهومهم

стр. 1022

باطل. فهم يرون أن التحدث عن البعث كالسحر في الخديعة أو البطلان. وهذا موقف متناقض، فهم يقرّون بأن الله خالق السماوات والأرض، ثم ينكرون ما هو أيسر من ذلك، وهو البعث من القبور، لأن البداءة للخلق أعسر من الإعادة، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. موقف الإنسان من النعمة الإلهية أو النقمة لا يدرك الإنسان إدراكا كافيا مدى نعم الله تعالى عليه، ولا يقدرها حقّ قدرها، ولا يشكر ربّه المنعم بها، وقد يستبدّ به الغرور والطيش فيطلب نزول العذاب، وربما تكبّر وبطر وتفاخر وقت النعمة. وإذا تعرّض لنقمة أو محنة، جحد وجود الإله القادر، ويئس من رحمة الله، إلا القليل من الناس الذين يصبرون في وقت المحنة، ويشكرون الله على أي حال. وهذا هو خلق الإنسان، كما صوّره القرآن الكريم في قوله تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٨ الى ١١] وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [هود: ١١/ ٨- ١١] . تصوّر هذه الآيات سوء طبع الإنسان، فإنه يجهل سنّة الله وحكمته، ويطلب أن يكون كل شيء على وفق هواه، فتراه كما أقسم الحقّ سبحانه، إذا أخّر الله العذاب

стр. 1023

وقتا من الزمان عن بعض الكفار، بحسب توعّد الله إياهم، بادر إلى القول استهزاء وتكذيبا: ما يحبس هذا العذاب؟ أي ما الذي يؤخّره عنّا؟ فأجاب الله تعالى بأنه إذا حان الوقت وحلّ الأجل الذي حدّده الله لنزول العذاب الذي يستهزئون به، لم يصرفه عن الكفار صارف، وسيحيط بهم من كل جانب، جزاء بما كانوا يستهزئون به من العذاب قبل وقوعه. وعلى الجميع أن يعلموا أن وعد الله بالخير كائن حتما، ووعيده بالجزاء واقع قطعا، كما قال تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرّعد: ١٣/ ٣٨] ، وقال سبحانه: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) [الطّور: ٥٢/ ٧- ٨] . ومن صفات الإنسان الذّميمة إلا من رحم ربّك: أنه إذا منحه الله نعمة من صحة ورزق وأمن وولد بارّ، رحمة منه، ثم سلبه تلك النّعمة، وأبدله بها نقمة من مرض أو فقر أو خوف أو موت أو كارثة، إذا أنعم الله عليه، ثم تغيّر حاله، يئس وتحرّج وسخط، وجحد وكفر، ونسي النّعمة، ولم يذكر إلا المحنة والمصيبة، ولو تأمل قليلا، ونظر إلى نعمة الله الباقية عليه في عقله وحواسه وغير ذلك، أو قارن المصاب بغيره، لهان عليه الأمر، ولم يكفر ولم يجحد. وإذا منح الله الإنسان (أي جنس الإنسان) نعمة من بعد ضرّاء، كشفاء من مرض، وقوة من بعد ضعف، ويسر من بعد عسر، لقال: ذهب ما كان يسوؤني من المصائب، ولن ينالني بعد اليوم ضيم ولا سوء، وأصبح شديد الفرح والبطر بتلك النعمة، وتفاخر وتعاظم على غيره، محتقرا من دونه. فكان في موقفه هذا أيضا مخطئا خطأ شديدا، لأنه لا يقابل النعمة بالشكر عليها، بل تفاخر على الناس، وقصر في حقوق الله عليه. والسّيئات في قوله تعالى: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي كل ما يسوء في الدنيا. وقوله سبحانه: إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ أي متماد في الفرح والبطر، متفاخر على غيره.

стр. 1024

وكل من هذين الموقفين خطأ وسوء طبع ومرض شديد، ففي حال المحنة أو النقمة يجب على الإنسان الصبر وطلب الفرج والرّضا بالقضاء والقدر، لأن الصبر مفتاح الفرج، وفي حال النعمة يلزمه الشكر والاعتراف بالجميل والوفاء بالمعروف، لأن بالشكر تدوم النّعم، وبالحمد لله والتفويض له يظهر الإيمان، ويتم الإحسان. ثم استثنى الله تعالى من جنس الإنسان إذا ساء طبعه غالبا جماعة تميّزوا بالصبر على الشدائد والمكاره، كالجهاد والفقر والمصيبة، وعملوا الأعمال الصالحة، أي الأفعال الطيبة المفيدة، كأداء الفرائض وشكر النعمة، وعمل الخير والإحسان للناس، والتّقرب إلى الله بصالح الأعمال، أولئك لهم مغفرة لذنوبهم بسبب عملهم الصالح أو بصبرهم على الضرّ، ولهم ثواب كبير في الآخرة على ما عملوا من أعمال الخير، وما أسلفوا في زمن الرخاء، وأقل مراتب هذا الثواب الظفر بالجنة. وفي معنى الآية قوله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) [العصر: ١٠٣/ ١- ٣] . كل هذا يذكرنا بأن الإنسانية السّوية والأصول الرشيدة تقتضي من كل إنسان الصبر عند الشدائد ومثابرة عبادة الله، والشكر عند النعم، حتى لا يتعرض المرء للسخط الإلهي أو العذاب الرّبّاني. والذي يحمل على الصبر هو حبّ الله وخوف الدار الآخرة. والعمل الصالح لا ينفع إلا مع هداية وإيمان. تحدي العرب بالقرآن وقف العرب في مكة من القرآن والنبي ودعوة الإسلام موقف المعاند والمكابر، وحاولوا أن يدافعوا عن أنفسهم بأساليب ملتوية، والمطالبة بأمور تعجيزية غير مقنعة ولا متفقة مع أصول المنهج العقلاني أو الخصام السياسي الشريف، وتجاوز التمرد

стр. 1025

والغلوّ بهم إلى أن يزعموا أن القرآن افتراه محمد من عند نفسه، فكان القرآن يرصد لهم هذه المواقف الشاذة ويتحداهم بالقرآن أن يأتوا بمثله إن صدقوا في افترائهم وزعمهم الباطل أن القرآن كلام بشر. وهذا تصوير لمواقف التّعنت والاستكبار عند مشركي قريش في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ١٢ الى ١٤] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) [هود: ١١/ ١٢- ١٤] . سبب نزول الآية: ما روي عن ابن عباس ﵄: أن رؤساء مكة قالوا: يا محمد، اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا. وقال آخرون: ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوّتك، فقال: لا أقدر على ذلك، فنزلت هذه الآيات. ومن أسبابها أيضا أن كفار قريش قالوا: يا محمد، لو تركت سبّ آلهتنا وتسفيه آبائنا، لجالسناك واتّبعناك، وقالوا: ايت بقرآن غير هذا أو بدّله، ونحو هذا من الأقوال، فخاطب الله تعالى نبيّه ﷺ على هذه الصورة من المخاطبة، وردّ على أقوالهم مبطلا لها، وليس المعنى أنه ﷺ هم بشيء من هذا، فزجر عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه، ولا ضاق صدره، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان. والمعنى: لعلك أيها الرسول تارك بعض ما يوحى إليك أن تلقيه إليهم، وتبلغه إياهم مخافة ردّهم له وتهاونهم به، بسبب تسفيه أحلامهم والتّنديد بعبادتهم الأوثان، وضائق به صدرك بأن تتلوه عليهم، أو لأجل أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز، أي لا

стр. 1026

تتضايق لأجل قولهم: هلا أنزل عليه كنز من ربّه يغنيه عن التجارة والكسب، ويدلّ على صدقه. أو هلا جاء ملك من السماء يؤيد دعوته. والقائل: هو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي. ثم أوضح الله تعالى بمناسبة الرّد على المشركين في مطالبهم التعجيزية مهمة النّبي الرّسول، وهي إنذار من عصاه بالنار، فليس عليك أيها النّبي إلا إنذارهم بالوحي، من غير مبالاة بما يقولون، ولا آت بما يقترحون، ولك أسوة بالرّسول السابقين قبلك، فإنهم كذّبوا وأوذوا، فصبروا حتى نصرهم الله، والله هو الرقيب على أعمالهم، الحفيظ للأمور، فتوكّل عليه، ولا تبال بهم، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أعمالهم. ثم تحدى الله العرب بالإتيان بمثل القرآن أو سور معدودات منه، ردّا على موقفهم، فقال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ... أي بل يقول مشركو مكة: افترى محمد القرآن واختلقه من عند نفسه. والافتراء أخصّ من الكذب، فهو الزعم بما ليس موجودا أصلا. فإن كان ما يزعمون صحيحا فليأتوا بعشر سور مثله مفتريات، تحاكيه في الفصاحة والبلاغة، وإتقان الأحكام والتشريعات الناظمة لشؤون الحياة. والمختار عند أكثر المفسرين أن القرآن معجز بسبب الفصاحة والمعاني. وطالبهم القرآن وترك لهم المجال بأن يستعينوا بمن استطاعوا من الإنس والجن إن كانوا صادقين في زعمهم أن القرآن مفترى. ولكنهم عجزوا أن يأتوا بمثل أقصر سورة من القرآن، لأن كلام الله لا يشبه كلام المخلوقين. وبعد هذا التّحدي إن لم يستجيبوا لكم، أي إن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن القرآن إنما نزل من عند الله وبإذنه وعلمه، وبما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق، وإخبار بمغيبات لا معرفة لهم

стр. 1027

بها، ووعد ووعيد منجز، ومعان عالية، وتشريع بأمر ونهي لا يبلغون مستواه. وأن الله واحد لا شريك له، فهل أنتم أيها البشر منقادون خاضعون لأمر الله وحكمه، وهل أنتم أيها المسلمون مخلصون في تدينكم وعبادتكم لله؟ من أراد الدّنيا ومن أراد الآخرة وازن القرآن المجيد بين جزاء من قصد العمل للدنيا وحدها، من جاه ولباس، وزينة وأثاث، وثروة ومال، وطعام وشراب، وبين من قصد بعمله تعمير الآخرة وبناء مستقبل الخلود. الأول يجازى بعمله وثمرة جهده، فيعيش بمشيئة الله مترفا منعما بالصحة والسيادة والرزق الوفير وكثرة الأولاد، وطالب الآخرة يحظى بنعيم الخلود وتأتيه الدنيا مع ذلك صاغرة منقادة له. وما أجمل هذه المقارنة في القرآن بين عامل الدنيا وعامل الآخرة، فقال الله تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ١٥ الى ١٧] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) «١» «٢» «٣» [هود: ١١/ ١٥- ١٧] . إن سبب معارضة المشركين وتكذيبهم بالقرآن هو الهوى والشهوة، ومحض الحسد والرغبة في حظوظ الدنيا، لذا قارن الله بين قاصد الدنيا وقاصد الآخرة. أما قاصد الدنيا: فهو من كانت إرادته متجهة لحبّ الدنيا وزينتها ومتاعها، وكان يريد بأعماله

стр. 1028

الدنيا فقط، إذ لا يعتقد الآخرة، فإن الله يجازيه على حسن أعماله في الدنيا بالنّعم والحواس وغير ذلك، فمنهم مضيّق عليه، ومنهم موسّع له، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم يوم القيامة إلا النار، ولا تكون لهم حال سواها. والسبب أنهم استوفوا حقوقهم في الدنيا ثمرة إحسان عملهم، وبقي لهم في الآخرة وزر العمل السيء لأنهم لم يريدوا وجه الله تعالى، والمطلوب في الثواب الأخروي هو الإخلاص لله . ولقد أحبط الله في ميزان الآخرة ثواب عمل أهل الدنيا فقط، وتبدد وذهب عنهم أثر عملهم الدنيوي، وبطل ثواب عملهم في الآخرة. وهذا وارد في آية أخرى هي: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) [الإسراء: ١٧/ ١٨- ١٩] . وأما قاصد الآخرة بعمله فهو على حق وخير من أمره. ومعنى الآية: أفمن كان على نور وبصيرة من الله تدّله على الحق والصواب، ويؤيده شاهد له على صدقه، وهو كتاب الله من إنجيل أو توراة أو قرآن، كمن كان يريد زينة الحياة ومتاعها؟! وهذا فريق المؤمنين بأنه لا إله إلا الله، المصدقين باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب. وخصّ الله تعالى بالذّكر بعد التعميم كتاب موسى وهو التوراة، لأنه يشبه ما جاء في القرآن من تشريعات وأحكام، ولا يقتصر على مجرد الآداب والأخلاق كالإنجيل. وأولئك الذين يؤمنون بما في التّوراة من التبشير برسالة محمد ﷺ يؤمنون بالقرآن إيمانا حقّا عن يقين وإذعان، كما قال النّجاشي ﵀: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة» .

стр. 1029

ومن يكفر بالقرآن من أهل مكة، ومن تحزّبوا على الإسلام ونبيّه من جميع الأمم، فالنار مورده، لا ريب في وروده إياها، والمعنى: أن مآله حتما إلى جهنم، وهو من أهل النار جزاء تكذيبه. فلا تكن أيها المكلف السامع، في شكّ من أمر هذا القرآن، فإنه حقّ من الله لا ريب ولا شكّ فيه، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بهذا القرآن، كما جاء في آية أخرى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) [يوسف: ١٢/ ١٠٣] . والسبب: أن المشركين مستكبرون مقلّدون زعماءهم، وأن أتباع الأديان حرّفوا كتبهم ودين أنبيائهم. والخلاصة: في آية أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ معادلة محذوفة، يقتضيها ظاهر اللفظ، تقديرها: «أفمن كان على بيّنة من ربّه، كمن كفر وكذّب أنبياءه؟ وإن ثمرة المقارنة أوضحت البون الشاسع بين مريد الدنيا، فيوفى منها، ومن يريد الآخرة فيعطاها وزيادة عليها وهو الدنيا» . والقصد من آية مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ذمّ الحريصين على الدنيا ونسيان الآخرة. والقصد من آية: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ الرّد على منكري نبوّة الرسول ﵇ والطعن في معجزاته. جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين ليس من المنطق ولا من العدل أن يتساوى المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمحسن والمسيء، وإنما لا بدّ من جزاء متفاوت لكل صنف، وهذا التفاوت ناشئ من الأعمال الاختيارية الإرادية التي يمارسها كل منهم، فأهل الإيمان هم أهل الجنة خالدين فيها، وأصحاب الجحود والكفر والظلم هم الملعونون في الدنيا، الخاسرون

стр. 1030

في الآخرة، المعذبون في نيران الجحيم عذابا مضاعفا، وهذا ما أبانه القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ١٨ الى ٢٤] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [هود: ١١/ ١٨- ٢٤] . المراد من آية وَمَنْ أَظْلَمُ.. الرّد على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وهذا محض الافتراء على الله تعالى، ومعنى الآية: لا أحد أشد ظلما ممن افترى الكذب على الله تعالى في صفته أو حكمه أو وحيه، أو زعم وجود شفعاء له من دون إذنه، أو ادّعى أن لله ولدا من الملائكة أو من البشر الأنبياء أو الرّسل أو الأولياء. أولئك الواقعون في الكفر يعرضون على ربّهم، أي يحاسبهم ربّهم حسابا شديدا، ويقول الشهود من الأنبياء والملائكة: هؤلاء الذين كذبوا على ربّهم وافتروا عليه، فلعنة الله على الظالمين، أي إنهم مطرودون من رحمة الله تعالى. وإن هؤلاء الظالمين يردّون الناس عن اتّباع الحق والإيمان والطاعة، ويريدون أن

стр. 1031

تكون طريقهم معوجة غير معتدلة، والحال أنهم جاحدون بالآخرة مكذبون بوجودها. إن أولئك الظالمين الذين يصدون الناس عن سبيل الله الحق، سبيل القيم العليا والحياة الطيبة، لا يعجزون ربّهم أن يعاقبهم بالدمار والخسف، كما فعل بغيرهم، وإنما هم تحت قهره وسلطانه، وهو سبحانه قادر على تعذيبهم، وليس لهم أولياء، أي أنصار ينصرونهم من دون الله، ويمنعون عنهم العذاب، ويضاعف لهم العقاب بسبب إضلالهم غيرهم، كما ضلّوا بأنفسهم، وكانوا صمّا عن سماع الحق، عميا عن اتّباع سبيل الهدى والرّشاد. أولئك المتّصفون بهذه الصفات خسروا أنفسهم وأهليهم، وضلّ عنهم ما كانوا يفترون، أي ذهب عنهم ما كانوا يفترونه من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئا، بل ضرّتهم كل الضّرر: كما جاء في آية أخرى: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) [الأحقاف: ٤٦/ ٦] . لا جرم، أي حقّا إنهم في الآخرة هم أخسر الناس صفقة، لأنهم استبدلوا بنعيم الجنة ودرجاتها عذاب جهنم ودركاتها. أما المؤمنون المصدقون بالله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، فأقاموا الصلاة، وآتوا الزّكاة، وأدّوا الطاعات، وتركوا المنكرات، وخشعوا لله وأنابوا إليه، فلهم جنان الخلد ذات النعم التّليدة، وهم ماكثون فيها على الدوام، لا يموتون ولا يمرضون، ولا تلازمهم نقائص الدنيا وعيوبها، وإنما هم متبرئون منها. مثل هذين الفريقين المذكورين وهم الأشقياء الكفرة، والمؤمنون البررة، كمثل الأعمى والأصم، والسميع والبصير، أي إن الكافر كالأعمى، لتعاميه عن إدراك الحق، وكالأصم لعدم سماع الحجج والأدلة الدّالة على النّور والهدى. والمؤمن مثل

стр. 1032

المبصر السّامع لكل شيء، لاستفادته بما يرى في الأكوان، ويسمع من القرآن، والسمع والبصر، وسيلتا العلم والهدى، وطريقا تكوين العقل والمعرفة، وإقامة الثقافة الصحيحة التي ترقى بالأمة والمجتمع، وبالوطن والدولة. قصة نوح ﵇ مع قومه - ١- دعوته ونقاش قومه أورد الله تعالى في قرآنه مجموعة من قصص الأنبياء السابقين للعظة والعبرة، وتمثيل الأوضاع لقريش وكفار العرب، والاعلام بأن محمدا ﷺ ليس ببدع من الرّسل، وإنما هو كغيره دعا إلى عبادة الله وحده، فعارضه قومه، فناقشهم وجادلهم. وهذا أنموذج من قصة نوح ﵇ أول رسول إلى الناس بدعوة إلهية. أذكر هنا طائفة من القصة، قال الله تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٢٥ الى ٣١] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 1033

«١» [هود: ١١/ ٢٥- ٣١] . كان قوم نوح ﵇ يعبدون الأوثان ونحوها، فأرسل الله إليهم نوحا يدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده، فقال لهم: إني لكم منذر واضح، أنذركم عذاب الله وبأسه إن أنتم عبدتم غير الله، فآمنوا به وأطيعوا أمره، ولا تعبدوا غيره، ولا تشركوا به شيئا، إني أخشى عليكم الوقوع في عذاب يوم شديد الألم، هو يوم القيامة. فأوردوا عليه أربع شبهات: الشبهة الأولى- بشرية الرسل: قال أشراف القوم وزعماؤهم: ما أنت يا نوح إلا بشر مثلنا، ولست بملك، فلا مزية لك علينا حتى نطيعك في أمرك. الشبهة الثانية- أتباعك أراذل القوم. لم يتبعك إلا الأخسّاء أصحاب الحرف الخسيسة كالزّرّاع والصّنّاع، وهم الفقراء والضعفاء، في بادي الأمر وظاهره دون تأمل ولا تفكر ولا تدبّر في عواقب الأمور، ولو كنت صادقا لاتّبعك الأشراف والكبراء. الشبهة الثالثة- لا فضل لك علينا: ما رأينا لكم علينا امتيازا في فضيلة أو قوة أو نروة أو علم أو عقل أو جاه أو رأي، يحملنا على اتّباعك. الشبهة الرابعة نتهمك بالكذب: يترجح لدينا كذبكم في ادّعائكم الصلاح والسعادة في الآخرة. ويلاحظ أنهم خاطبوه بصيغة الجمع لإشراك أتباعه معه في التّهم. أجابهم الله عن شبهاتهم فيما حكاه عن نوح ﵇ قائلا: أخبروني يا قوم

стр. 1034

عماذا أفعل إن كنت على يقين وحجة ظاهرة فيما جئتكم به من ربّي، وآتاني رحمة من عنده وهي النّبوة والوحي، فخفيت عليكم، فلم تهتدوا بها، ولا عرفتم قدرها، أنكرهكم على قبولها، وأنتم لها كارهون، معرضون عنها؟! ويا قوم، لا أطلب منكم مالا على نصحي لكم، أي أجرا آخذه منكم، وإنما أجري على الله . وليس من شأني طرد المؤمنين برسالتي، وتنحيتهم من مجلسي. وهذا إعلان المساواة في الكرامة بين الناس من غير امتياز للأغنياء. إن هؤلاء الأتباع سيلقون ربّهم، ويحاسبهم على أعمالهم، كما يحاسبكم، ويعاقب من طردهم، وأراكم قوما جهلة في مطالبتكم بطردهم من مجلسي، فإن المفاضلة بين الناس إنما هي بالعمل الطيب الصالح، لا بالثروة والجاه كما تزعمون. ويا قوم من ينصرني من عذاب الله إن طردتهم، فذلك ظلم عظيم، أفلا تتعظون وتتفكرون فيما تقولون؟! وتوابع النّبوة وتملك الثروة غير متوافرين لدي، فلا أقول لكم بموجب النّبوة: إني أملك خزائن رزق الله، وأتصرّف فيها، ولا أعلم من الغيب إلا ما أطلعني الله عليه، ولست أحد الملائكة، ولا أستطيع القول لهؤلاء الذين تحتقرونهم: لن ينالهم خير، وليس لهم ثواب على أعمالهم، الله أعلم بما في صدورهم وبواطنهم من القصد الحسن والنّية الطيبة، فإن تطابق باطنهم مع ظاهرهم، كان لهم الحسنى، وإن حكمت على سرائرهم بغير دليل ظاهر، كنت ظالما قائلا ما لا أعلم به. والخلاصة: إن نوحا قصر مهمته على تبليغ الوحي بالنّبوة، وأخبرهم عن تواضعه أمام الله .

стр. 1035

- ٢- استعجال العذاب من قوم نوح يقع أتباع الرّسل وأقوامهم في الحماقة والطيش حينما يعادون رسولهم، ويصفونه بأوصاف كاذبة، ويلصقون به التّهم الباطلة، لتسويغ ضلالهم وزيغهم، ومن هؤلاء الحمقى: قوم نوح حينما انهزموا أمام حجته الدامغة، أوردوا عليه أمرين: الأول- أنه أكثر جدالهم، والثاني- مطالبتهم بالعذاب الذي توعدهم به. وأدى هذان الأمران إلى إعلان نوح اليأس من إجابتهم لدعوته، وزعمهم أن نوحا افترى هذا التوعد بالعذاب، وأراد الإرهاب عليهم بذلك. وهذا ما سجّله القرآن الكريم عليهم في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٣٢ الى ٣٥] قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) «١» «٢» «٣» [هود: ١١/ ٣٢- ٣٥] . الكلام عن قوم نوح تصوير دائم لأحوال مشابهة للكفرة في كل زمان ومكان، فما صدر من قوم نوح متجسد في أحداث التاريخ، وعقلية الأقوام المتلاحقة، فليست القضية إذن مجرد تاريخ للعبرة، وإنما هي صورة متكررة معادة لدى بعض الناس في أفكارهم وسلوكهم، ما دام خطاب القرآن واحدا. والمعنى: قال قوم نوح له: قد طال منك هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة ومقابلة الأقوال ومناقشتها حتى تقع الغلبة، فأتنا بما تعدنا به من العذاب والهلاك

стр. 1036

المعجل في الدنيا، إن كنت صادقا في ادّعائك أن الله يعذبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة. والجدال نوعان: محمود ومذموم مكروه، أما المحمود: فهو ما كان بالحسنى مع إنسان يطمع بالجدال أن يهتدي، ومنه قوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النّحل: ١٦/ ١٢٥] . وأما الجدال المذموم أو المكروه: فهو ما يقع بين المسلمين بعضهم مع بعض في طلب علل الشرائع، وتصور ما يخبر به الشرع من قدرة الله. وقد نهى النّبي ﷺ عن ذلك، وكرهه العلماء. أجاب نوح قومه عن اتّهامه بكثرة الجدال قائلا: ليس إنزال العذاب أو العقاب بيدي، وليس لي توقيته، وإنما ذلك بيد الله، وهو الآتي به إن شاء وإذا شاء، ولستم من المنعة بحال من يفلت أو يعتصم لتنجوا، وإنما أنتم في قبضة القدرة الإلهية، وتحت سلطان الملك الإلهي، وليس نصحي بنافع، ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك، الله ربّكم، أي خالقكم والمتصرّف في أموركم، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، وإليه ترجعون في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم تعملون في هذا العالم من خير أو شرّ. ومعنى قوله تعالى: إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ بيان ربط الأسباب بالمسببات، فمن تسبب في الضّلال والغواية أضلّه الله، وليس معنى الآية: أن الله يخلق الغواية والشقاوة فيهم، فذلك منوط بالعمل والكسب، والنتائج متوقفة على المقدمات. وقوله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ.. إما اعتراض في قصة نوح، كما ذكر الطّبري وغيره، وهي في شأن محمد ﷺ مع كفار قريش الذين قالوا: افترى محمد القرآن، وافترى هذه القصة على نوح، فنزلت الآية في ذلك. ويحتمل كون الكلام في شأن نوح ﵇، فإن قومه زعموا أن العذاب الذي توعّدهم به أمر مفترى

стр. 1037

بقصد إرهابهم، فيصبح اتّساق الآية مطّردا غير معترض. فأجابهم الله تعالى بأن النّبي إن افترى هذا الادّعاء بنزول العذاب، فعليه تبعة قوله وهو مسئول عن ذنبه وجرمه، وهو بريء من جرائم قومه وآثامهم، وسيجزيهم الله على أعمالهم، والنبي أعلم بما عند الله من عقوبة المكذبين، وكل إنسان مسئول عن ذنبه، كما جاء في آية أخرى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) [يونس: ١٠/ ٤١] . والراجح أن آية أَمْ يَقُولُونَ هو من محاورة نوح لقومه، كما قال ابن عباس، لأنه ليس قبل هذا الكلام ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، والخطاب منهم ولهم، وهم يقولون: افترى ما أخبركم به من دين الله، وعقاب من أعرض عنه. والحقيقة أن حكاية هذه الأوضاع ستظل في سجلّ التاريخ صورة للمعارضين دعوة الأنبياء، وستكون عاقبة المعارضة أو الاتّهام بالباطل لنبي هي التعرض للعذاب. - ٣- يأس نوح من قومه وصنعه السفينة تجاوز قوم نوح الحدود المعقولة، وتغالوا في الإعراض عن نوح ﵇، ورفضوا دعوته رفضا عنيدا، واستبدادا وتكبّرا، فيئس نوح من هدايتهم وإجابتهم لدعوته، فمهّد ذلك لإغراقهم وإهلاكهم، بسبب سخريتهم وتهكمهم، وبدأ الإعداد بصنع السفينة لنجاة نوح ومن آمن معه. وهذا ما وصفه القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٣٦ الى ٤١] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) «١»

стр. 1038

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [هود: ١١/ ٣٦- ٤١] . أخبر الله تعالى بوحيه إلى نوح ﵇ أنه لن يؤمن أحد من قومك بدعوتك إلا من قد آمن سابقا، وهم قلّة قليلة، فلا تحزن عليهم، ولا يهمنك أمرهم، فدعا عليهم نوح بإذن ربّه وبعد هذا الوحي قائلا: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٧١/ ٢٦] . واصنع السفينة برعايتنا وحفظنا وحراستنا وبتعليمنا لك ما تصنعه لتنجو بها مع المؤمنين، وكيلا تخطئ، ولا تراجعني يا نوح ولا تدعني في شأن قومك ودفع العذاب بشفاعتك، فقد وجب عليهم العذاب، وتم الحكم عليهم بالإغراق. وبدأ نوح ﵇ بصنع السفينة، وكلما مرّ عليه جماعة من أشراف قومه، استهزءوا به ومن صناعته، وكذبوا بما توعّدهم به من الغرق، فقال نوح على سبيل الوعيد والتهديد الأكيد: إن تسخروا منا لصنع هذه السفينة، فإنا سنسخر منكم في المستقبل حين الغرق، كما تسخرون منا الآن، فسوف تعلمون قريبا بعد تمام العمل من يأتيه عذاب يهينه في الدنيا، وهو عذاب الغرق، ويحل عليه عذاب مقيم، أي دائم مستمر.

стр. 1039

حتى إذا حان وقت مجيء أمرنا بالهلاك من المطر الغزير، ونبع الماء من التّنور: موقد الخبز أو وجه الأرض، وارتفع كما تفور القدر بغليانها، وكان ذلك علامة لنوح ﵇، كما جاء في آية أخرى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) [القمر: ٥٤/ ١١- ١٣] . وقلنا لنوح: احمل في السفينة من كل نوع من الحيوان زوجين اثنين: ذكرا وأنثى، حفاظا على أصل النوع الحيواني، واحمل فيها أهل بيتك إلا امرأتك وابنك: كنعان، وهما من سبق عليه القول واستقرّ عليه الحكم بأنه من أهل النار، لاختياره الكفر وإبائه الإيمان، لا لتقديره عليه. وخذ معك من آمن من قومك، وإن لم يؤمن إلا عدد قليل، أو نزر يسير، مع طول المدة واستمرار دعوتهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما. وكان المؤمنون ثمانين نفسا، منهم نساؤهم. وأخبر الله تعالى نوحا ﵇ أنه قال لمن حملهم في السفينة أن يدعوا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود: ١١/ ٤١] . أي باسم الله وبركته يكون جريها على سطح الماء، وباسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رسوها على مرفأ آمن، بتسخير الله وقدرته، إن ربي غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم، فلولا مغفرته لذنوب عباده ورحمته بهم لما نجاكم. وذكر المغفرة والرحمة بعد ذكر حكم الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين هو شأن القرآن في بيان الأضداد والمتقابلات، كما في آية: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف: ٧/ ١٦٧] . وآية المغفرة والرحمة في هذا المقام الخطير وقت الإهلاك والغرق في غاية الإشعار بفضل الله ورحمته على عباده المؤمنين الذين نجاهم.

стр. 1040

أما الطوفان: ففي ظاهر الروايات وكتب التفاسير أنه نال جميع أهل الأرض المأهولة قديما، وعم الماء جميع المعمورة، كما ذكر ابن عباس وغيره، ويوجب ذلك أمر نوح بحمل الأزواج من الحيوان، خوف فناء أجناسها من جميع أنحاء الأرض. - ٤- رحلة سفينة نوح كانت سفينة نوح أول سفينة في التاريخ، وكانت رحلتها أول رحلة بحرية لمسافة طويلة، تكتنفها المخاطر، وتحيط بها الجهالة والغموض، والتّكهنات، لكن أمان الله ووعده بنجاة المؤمنين كان بردا وسلاما، وحماية من القلق والخوف. وتم أمر الله ومراده ونجت السفينة، وهبطت في مكان آمن، وكان ابن نوح من امرأته مثلا للجحود والعناد ومحاولة الإفلات من الغرق، فطالته بسهولة إرادة الله، وكان من الهالكين. صوّر القرآن الكريم هذه الرحلة الأولى لسفينة نوح ﵇ في الآيات التّالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٤٢ الى ٤٧] وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) «١» » «٣» «٤» «٥» «٦»

стр. 1041

[هود: ١١/ ٤٢- ٤٧] . هذه أول رحلة بحرية في التاريخ، تسير بها سفينة نوح ﵇، تمخر عباب البحر، وتشقّ أوساط الأمواج العظيمة بسبب الرياح الشديدة العاصفة، فسارت بركّابها بإذن الله ورعايته، وهي تجري بهم بسرعة على وجه الماء الذي ارتفعت أمواجه، كالجبال الشاهقة، وطالت قمم الجبال ورؤوسها العالية، ونادى نوح ابنه كنعان- وكان ابن امرأته- وكان في معزل- أي ناحية- عنه، وكافرا برسالة نوح، فطالبه بالإيمان والركوب معه، حتى لا يغرق ويكون مع الكافرين الهالكين. فردّ الابن الجاحد العاصي على نوح قائلا: سآوي وأصير إلى جبل يحفظني من الغرق في الماء، ظنّا منه أنه ماء سيل عادي، يمكن النّجاة منه بالتّحصّن في مكان عال أو جبل شامخ. فأجابه نوح ﵇: ليس شيء يعصم اليوم من الماء وأمر الله وعذابه الذي يعاقب به الكافرين، لكن يحفظ من رحم الله، ومن رحمه فهو المعصوم. وحال الماء الذي بدأ يرتفع بين الوالد والولد أثناء النقاش، فكان من المغرقين الهالكين. وتم الحدث الرهيب، وغمر الماء الأرض كلها، ولما تحقق المراد ونجى الله أصحاب السفينة، أمر الله الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تكفّ عن نزول المطر، ونادى الرّبّ : يا أرض ابلعي ماءك الذي تفجر منك، ويا سماء كفّي عن المطر، فغاض الماء، أي نقص، امتثالا للأمر الإلهي، وقضي الأمر، أي أنجز ما وعد الله به نوحا من هلاك قومه الظالمين، واستقرّت السفينة بمن فيها على جبل الجودي بالجزيرة شمالي العراق، في الموصل، وقيل: هلاكا وخسارا للقوم الظالمين، وبعدا من رحمة الله.

стр. 1042

وكرّر نوح سؤال ربّه قائلا: ربّ إن ابني من أهلي، وقد وعدتني بنجاتهم، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فما مصيره؟ وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم بالحق. وهذه الآية تقتضي أن نوحا ﵇ ظنّ أن ابنه مؤمن. فأجابه ربّه: يا نوح إن ابنك ليس من ولدك ولا من أهلك الذين وعدت بإنجائهم، إنما وعدتك بإنجاء من آمن، وابنك ذو عمل غير صالح، أي تنكّر لدعوة الهدى والرّشاد والصّلاح، وانضم إلى فئة الكافرين، فلا تطالب مني شيئا ليس لك به علم صحيح، ولا تعرف مدى صوابه، وأنهاك أن تكون من جماعة الجاهلين الذين يطلبون إبطال حكمة الله وحكمه، فلا تكن من الآثمين. وهذا دليل على أن العبرة بقرابة الدين، لا بقرابة النّسب، وأن حكم الله في خلقه قائم على السواء والعدل المطلق دون محاباة أحد. وأن المخالف يستوجب التقريع، وأن الجهل كناية عن الذنب. فقال نوح: ربّ إني ألتجئ إليك وأستعيذ بك وبجلالك أن أسألك ما ليس لي به علم صحيح، وإن لم تغفر لي ذنب سؤالي هذا، وترحمني بقبول توبتي وإنابتي، أكن من الخاسرين أعمالا. وهذا طريق الصالحين بالتّذلل والانقياد لربّ العالمين، وإن كان العبد نبيّا أو رسولا. وفي قصة نوح عبرة وعظة شديدة التأثير لكل من كفر بالله وكذب رسله. فائدة قصة نوح ﵇ إن في إيراد قصص الأنبياء السابقين فوائد جليلة وحكما تشريعية ودينية عظيمة، ففيها ربط الماضي بخاتمة الرسالات السماوية، ودفعة قوية دائمة إلى الأمام بالإفادة من تاريخ الأنبياء، ومعرفة مدى مؤازرة الله لهم لأنهم دعاة الحق، والعلم بمواطن العبرة والعظة البالغة من القصة القرآنية التي هي منار الطريق، وبيان السبيل لكل من

стр. 1043

أراد الخير للأمة والمجتمع، والإنسان ذاته. وقصة نوح ﵇ نبراس القصص القرآني، ومنطلق كل التوجّهات والتحرّكات الدّعوية لعبادة الله وتوحيده، وإعلان هزيمة الشّرك والوثنية، وإنهاء تاريخ العتاة والطّغاة وعبدة الأوثان باستئصالهم وتطهير ساحة الأرض من أرجاسهم. لذا أورد القرآن آيات بليغة تصوّر مواطن العظة والعبرة من قصة نوح ﵇ في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٤٨ الى ٤٩] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) «١» [هود: ١١/ ٤٨- ٤٩] . بعد أن نجى الله تعالى نوحا ومن آمن معه برسوّ سفينته على جبل الجودي في أرض الموصل بالعراق، في ديار بكر، وأهلك الظلمة الوثنيين الكفار بالغرق في الطوفان، أبان تعالى العبرة من القصة، ممثّلة في أمرين: الأمر الأول: تكريم نوح ﵇ والمؤمنين معه بالخروج من السفينة بسلام، ثم بالبركة بعدئذ له وللمؤمنين معه. والأمر الثاني: الإخبار عن أمور غائبة مجهولة عن الناس، تكون بمثابة الإنذار لمن كفر بالله، وبيان فائدة الصبر لأهل الإيمان. والمعنى: قيل لنوح ﵇ إما بالوحي المباشر من الله تعالى أو بواسطة الملائكة بعد انتهاء الطوفان وحبس المطر وابتلاع الأرض ماءها: اهبط من السفينة إلى الأرض على جبل الجودي بسلام وأمان وحفظ من جهتنا، ومصحوبا ببركات: وهي النّعم الثابتة والخيرات النامية، والبركات: تغمرك وتعمّ بهذا الوعد جميع

стр. 1044

المؤمنين إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: مِمَّنْ مَعَكَ تعني ذرّية من معك ومن نسلهم. وقوله سبحانه: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ تعني: وممن معك أمم سنمتعهم في الدنيا: وهم الكفار إلى يوم القيامة، وهذا يشمل كل كافر إلى يوم القيامة. فيصير المعنى: إن السّلام منا، والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين، ينشأون ممن معك. وممن معك أمم ممتعون في الدنيا، منقلبون إلى النار. وكان نوح ﵇ أب الأنبياء، والمخلوقات البشرية بعد الطوّفان منه وممن كان معه في السفينة. وهكذا عم السّلام الإلهي والتّبريك كل المؤمنين، ولله الحمد. لكن سيكون بعض نسل المؤمنين جماعة آخرين من بعدهم، كفرة، يمتّعهم الله في الدنيا بالأرزاق والبركات، ثم يصيبهم العذاب الأليم في الآخرة. ويصير الناس بعد نوح قسمين: قسم مؤمنون صالحون ممتّعون في الدنيا والآخرة، وقسم ممتّعون في الدنيا فقط، معذّبون في الآخرة. ثم أورد الله تعالى العبرة من قصة نوح بقوله: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ.. أي تلك الأخبار عن نوح وقومه من أخبار الغيبيات التي تقادم العهد عليها، ولم يبق علمها إلا عند الله تعالى، ولا تعلم بها أيها النّبي، كما لا يعلم بها قومك. ونحن نوحيها إليك لتكون لك هداية وأسوة فيما لقيه غيرك من الأنبياء، وتكون لقومك مثالا وتحذيرا، لئلا يصيبهم إذا كذّبوك مثل ما أصاب هؤلاء وغيرهم من الأمم المعذّبة. فاصبر على تكذيب قومك وأذاهم لك، واجتهد في تبليغ رسالتك، وجدّ في إيضاح الرسالة القرآنية، واصبر على الشدائد، كما صبر نوح ﵇ على أذى الكفار، واعلم أن العاقبة والنصر والنجاة لك، كما كانت لنوح في هذه القصة، كما أن النصر يكون من بعدك لأهل التقوى الذين يطيعون الله، ويتجنّبون المعاصي. وهذه سنّة الله الدائمة بنصر المرسلين على أعدائهم الكافرين، كما أخبر الله تعالى في

стр. 1045

قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) [غافر: ٤٠/ ٥١] . هود ﵇ مع قومه - ١- دعوته إلى عبادة الله هذه قصة عجيبة أخرى تثير الوجدان والضمير بعد قصة نوح ﵇ أبي البشر الثاني وأول رسول إلى الناس، وهي قصة هود ﵇ أول من تكلم بالعربية من ذرّية نوح، وفي القصّتين تشابه غريب، ففي كل منهما تبليغ القوم الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده، وردّهم على رسولهم أسوأ ردّ، ونهاية متشابهة وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين. قال الله تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٥٠ الى ٥٦] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [هود: ١١/ ٥٠- ٥٦] .

стр. 1046

وكما أرسلنا نوحا إلى قومه، أرسلنا هودا إلى قبيلة عاد العربية التي كانت تسكن الأحقاف (شمالي حضرموت وغربيّ عمان) وكانت ذات قوة وبأس وزراعة وماشية، وزادهم الله بسطة في الجسم والمال، وهم خلفاء قوم نوح. دعاهم هود ﵇ إلى نوعين من التكاليف: النوع الأول- دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده، مبيّنا لهم بالدليل أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فلا تعبدوا وثنا ولا صنما، ولا تشركوا به شيئا، ما لكم من إله غيره، هو الخالق والرّزاق، وما أنتم إلا مفترون على الله الكذب باتّخاذ الشّركاء لله وأنها شفعاء لكم. ويا قوم، لا أطلب على دعوتي إياكم لعبادة الله وترك عبادة الأوثان أجرا أو مالا ينفعني، فما أجري أو ثوابي إلا على الله الذي خلقني على الفطرة السليمة- فطرة التوحيد- أفلا تعقلون قول من يدعوكم إلى صلاحكم في الدنيا والآخرة، وتدركون أنه ليس غير الله الفاطر الخالق إلها. والنوع الثاني من التكاليف التي دعا إليها هود: الاستغفار والتوبة. والاستغفار: طلب المغفرة بالإيمان، والتّوبة: الاعتراف بالذّنب والنّدم عليه والرجوع عنه. وإيمان الكافر: هو توبته من كفره، لأنه هو نفسه رجوعه عنه. يا قوم، اطلبوا المغفرة على الشّرك والكفر والمعاصي السابقة، وأخلصوا التوبة له، فإذا استغفرتم وتبتم، يرسل الله عليكم مطرا غزيرا متتابعا- وكانوا بأشد الحاجة إلى المطر بعد منعه عنهم ثلاث سنين، لأنهم أصحاب زروع وبساتين- ويزدكم قوة إلى قوتكم بالأموال والأولاد، وعزّا إلى عزّكم- وقد كانوا أقوياء أشدّاء يهمهم التّفوق على الناس- ولا تعرضوا عن دعوتي، مصرّين على إجرامكم وآثامكم، فلا تتولوا عن الحق ولا تعرضوا عن أمر الله تعالى.

стр. 1047

فأجابه القوم بمطالب أربعة: وهي تقديم البيّنة على صدق قوله، والإصرار على عبادة الأصنام الآلهة المزعومة بالرغم من قوله ودعوته، وعدم التّصديق برسالته (أي رسالة هود) حفاظا على الموروثات والتقليد، وما نقول إلا أن بعض الآلهة لما سببتها وضلّلت عبدتها، أصابك بجنون، وفسد عقلك. فأجابهم هود معتصما بالله ربّه: أشهد الله واشهدوا على أني بريء من شرككم ومن عبادة الأصنام. وإذا كنت بريئا من جميع الأصنام التي تشركونها مع الله، فاجمعوا كل ما لديكم من أنواع الكيد لي، ولا تمهلوني طرفة عين، إني فوّضت أمري كله لله ربّي وربّكم، وتوكّلت عليه، مع ضعفي وانفرادي، وقوتكم وكثرتكم، إنه هو الذي يمنعني منكم، ويحجز بيني وبينكم. ثم وصف قدرة الله ﵎ بقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، والتعبير بالنّاصية لأنها في العرف حيث يسيطر عليها المالك، أي ما من دابّة تدبّ على الأرض إلا وهي تحت سلطان الله وقهره، فهو مصرف أمرها ومسخّرها، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، إنّ ربّي على صراط مستقيم، أي على الحق والعدل. وهذا الجواب من هود ﵇ فيه تحد وقلّة مبالاة بالقوم لعدة أمور هي: البراءة من الشّرك، وإشهاد الله على ذلك، وإشهادهم على براءته من شركهم، وطلبه المكايدة له، وإظهار قلة المبالاة بهم، وعدم خوفه منهم ومن آلهتهم المزعومة. - ٢- نهاية قبيلة عاد وقوم هود إن نهاية الطّغاة الذين يعارضون دعوة الرّسل ﵈ نهاية وخيمة، لأنهم هم الذين يحجبون الخير والصلاح عن أمتهم، ويبقونها في حالة من المذلّة والتّخلف

стр. 1048

والهوان. وما كان أسعدهم وأنفعهم لمجتمعهم لو أخذوا بأيديهم نحو القيم العليا، فأقرّوا بتوحيد الله، والتزموا الأخلاق السوية، وتسبّبوا في إمداد الله لهم بالنّعم الوفيرة، والخيرات الكثيرة، فاستحقّوا البقاء والعزّة والتّفوق، وكانوا أمثولة الأمم والشعوب. وفي القرآن الكريم بيان لنهاية أقوام عتاة، تمرّدوا على أنبيائهم، ومن أشهرهم قبيلة عاد قوم هود، الذين عادوا رسولهم وأعرضوا عن دعوته، قال الله تعالى واصفا موقفهم العنيد ونهايتهم السّيئة: [سورة هود (١١) : الآيات ٥٧ الى ٦٠] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) «١» «٢» «٣» «٤» [هود: ١١/ ٥٧- ٦٠] . يمتلئ قلب النّبي عادة بعاطفة الحبّ لقومه، مريدا لهم الهداية، ويكون مهموما مغموما إذا أعرضوا عن رسالته، منكّد العيش، كاسف (عابس) الوجه، حزين البال (القلب أو الحال) . وهذا ما نراه في نفس هود ﵇ فإنه قال لقومه: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ.. أي إن تتولّوا وتعرضوا عما جئتكم به من عبادة الله ربّكم وحده لا شريك له، فقد بلّغتكم رسالة ربّي التي بعثني بها إليكم، وبقدرة الله أن يهلككم ويستخلف قوما غيركم في دياركم وأموالكم، ويكونون أطوع لله منكم، ولا تضرّونه شيئا بتولّيكم وكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم، ولا تضرّونه شيئا، وإنما تضرّون أنفسكم، إن ربّي على كل شيء رقيب، مهيمن عليه، فما تخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم.

стр. 1049

وتحقق ما توعّدهم به هود، ونزل العذاب بهم، ولما حان وقت نزول أمر الله بالعذاب، ووقع العذاب فعلا، وهو تدميرهم بريح صرصر عاتية، نجى الله هودا والمؤمنين معه من عذاب شاق شديد، برحمة من الله ولطف، وأهلك الله القوم الظالمين، فجعل ديارهم- عاليها سافلها، ودمّرت الريح كل شيء من منازل القوم وممتلكاتهم. وأسباب ذلك العقاب الشامل ثلاثة أمور: هي جحود عاد دلائل المعجزات على صدق نبيّهم هود، وأدلّة المحدثات المخلوقات على وجود الصانع الحكيم، وعصيان رسولهم، ومن عصى رسولا واحدا، فقد عصى جميع الرّسل، لذا قال تعالى: وَعَصَوْا رُسُلَهُ. وتقليدهم رؤساءهم واتّباعهم أوامر كل جبّار عات، عنيد مكابر. ولم يقتصر العقاب على الإهلاك والتدمير، وإنما أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة لعنة دائمة، واللعنة: الإبعاد والخزي، فلحقتهم لعنة الله وعباده المؤمنين في الدنيا كلما ذكروا، وتجوز لعنة الذين ماتوا على الكفر، ولا يلعن معين حي، لا من كافر ولا من فاسق ولا من بهيمة، وكل ذلك مكروه بالأحاديث. وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الخلائق: ألا إن عادا كفروا بربّهم وبنعمه، وجحدوا بآياته، وكذبوا رسله، ألا بعدا وطردا من رحمة الله لعاد قوم هود. فعلّة لعنهم هي كفرهم بربّهم، وهذا دعاء عليهم بالهلاك والدّمار والبعد عن الرحمة. لو علم هؤلاء قبل هذه النهاية الوخيمة ما يحلّ بهم، لفكّروا وراجعوا حسابهم، وأصلحوا أمورهم، وصحّحوا عقائدهم، واستقاموا على أمر الله ربّهم. وإذا لم يفعلوا كانوا حمقى، ولم يكونوا مأسوفا عليهم، لقد طواهم التاريخ، وأنهى ذكرهم إلا من طريق التذكير والاعتبار للأجيال اللاحقة بهم، حتى لا يتورّطوا بمثل ما فعلوا، فيعاقبوا بمثل ما عوقبوا. وهذه هي الفائدة والعبرة التي نستفيدها من تكرار تلاوة الآيات القرآنية في شأنهم إلى يوم القيامة، لنعلم علم اليقين أن الجزاء العادل

стр. 1050

حق وواجب، حقّ للضعفاء، وواجب على الأقوياء الذين تسبّبوا إضلال أتباعهم، وإنهاء وجودهم في الحياة. وفائدة قوله تعالى: لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ هو تعيين عاد القديمة، تمييزا لهم عن عاد التي هي إرم ذات العماد، فهما قومان مختلفان، ومتشابهان في عقاب الدنيا. صالح ﵇ مع قومه - ١- دعوته إلى عبادة الله إن دعوة الأنبياء والرّسل ﵈ لأقوامهم واحدة الجوهر، متشابهة الرّد والقبول، متماثلة في الغايات والنتائج، مقرونة بالمعجزات الدّالة على صدقهم بترتيب الله تعالى وإذنه. ومن هؤلاء الرّسل: صالح ﵇ دعا قبيلة ثمود في مساكن الحجر بين الحجاز والشام إلى عبادة الله وتوحيده، فقاوموه وعادوه بالرغم من تأييد الله له بمعجزة النّاقة، فاستحقّوا عقاب الله وتعذيبه. وهذا مضمون دعوته الأصلية، قال الله سبحانه: [سورة هود (١١) : الآيات ٦١ الى ٦٣] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) «١» «٢» «٣» [هود: ١١/ ٦١- ٦٣] .

стр. 1051

هناك تشابه في النّظم بين قصة هود وقصة صالح ﵉، إلا أن صالحا لما أمر قومه بالتوحيد في مساق إيراد القصة هنا ذكر دليلين على وجود الله ووحدانيته: هما الإنشاء من الأرض، والاستعمار فيها، أي جعلهم عمارا لها. ومعنى الآيات: وأرسلنا إلى قبيلة ثمود الذين كانوا يسكنون الحجر بين تبوك والمدينة المنورة رجلا منهم، أخاهم في النّسب والقبيلة، وهو صالح ﵇، فأمرهم بعبادة الله وحده، فلا إله غيره، وأقام لهم دليلين على توحيد الإله: الدليل الأول- قوله: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ابتدأ خلقكم منها، إذ خلق منها أباكم آدم ﵇، فهو أبو البشر، ومادة التراب هي المادة الأولى التي خلق منها آدم، ثم خلقكم أنتم من سلالة من طين بوسائط النطفة والعلقة والمضغة، وأصل النطفة من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء إما من نبات الأرض أو من اللحم الذي يرجع إلى النبات. والدليل الثاني- قوله: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها أي جعلكم عمّارا تعمرونها وتستغلونها بالزراعة والصناعة والبناء والتّعدين، فتكون الأرض قابلة للعمارة النافعة للإنسان، وكون الإنسان قادرا عليها دليل على وجود الصانع الحكيم الذي قدّر فهدى، ومنح الإنسان القدرة على التّصرف، والعقل على تنظيم الإدارة والاستثمار. وإذا كان الله هو المستحق للعبادة وحده، فاستغفروه لسالف ذنوبكم من الشّرك والمعصية، ثم توبوا إليه بالإقلاع عن الذنب في الماضي، والعزم على عدم العودة إليه، والنّدم على ما حدث. إن ربّي قريب من خلقه بالرحمة والعلم والسمع، ومجيب دعوة الدّاعي المحتاج المخلص، بفضله ورحمته. كما جاء في آية أخرى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) [البقرة: ٢/ ١٨٦] .

стр. 1052

فأجابه قومه جهلا وعنادا بقولهم: يا صالح قد كنت فينا مرجوّا، أي مسوّدا، نؤمل فيك أن تكون سيّدا من الأكابر، قبل دعوتك هذه، فهي محل تعجّب لأنك تنهانا عن عبادة الآباء والأسلاف، وهي عبادة الأوثان والأصنام، وإننا نشك كثيرا في صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده، وترك التّوسّل إليه بالشّفعاء المقرّبين عنده. والشّك: التّوقف بين النّفي والإثبات. والمريب: هو الذي يظن به السوء. والمقصود التزام التقليد ومتابعة الآباء والأجداد في عبادة الأوثان. فأجابهم صالح ﵇ مبيّنا ثباته على منهج النّبوة بقوله: كيف أعصي الله في ترك ما أنا عليه من البيّنة، أخبروني عماذا أفعل، إن كنت على برهان وبصيرة ويقين فيما أرسلني به إليكم، وآتاني منه رحمة، أي نبوّة ورسالة تتضمن وجوب تبليغ ما أوحى الله به إلي. وبما أنني نبي مرسل من عند الله، فانظروا من الذي ينصرني ويمنعني من عذاب الله إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره؟ وإذا تابعتكم وتركت دعوتكم إلى عبادة الله وحده، لما نفعتموني، ولما زدتموني حينئذ غير الوقوع في الخسارة والضلال، بأخذ ما عندكم، وترك ما عند الله الذي يريد الخير لكم. إن الفرق واضح في الأسلوب بين القوم والنّبي، فالقوم ثمود قابلوا صالحا ﵇ بما يفيد التوبيخ والاتّهام، ويدلّ على التصميم على الكفر، والنّبي صالح يتلطّف بهم ويحاول إقناعهم بصحة دعوته إلى توحيد الله، معتمدا على أسلوب النّقاش العقلي الهادئ، والمثير كوامن التفكير والتأمل فيمن هو أجدر بالعبادة، أهي الأصنام الصّماء التي لا تضرّ ولا تنفع، أم الإله الخالق الرّازق، الممكّن عباده من الانتفاع بخيرات الأرض وثمارها؟! إن العاقل البصير هو الذي يختار عبادة الأحقّ والأنفع، وترك غيره مما لا يشبهه في شيء من صفاته.

стр. 1053

- ٢- معجزة النّاقة علم الله تعالى ما في طبع البشر من العناد والاستبداد، والمطالبة بالدليل على صدق الدعوة، فأيّد رسله وأنبياءه الكرام بالمعجزات لتدلّ على صدقهم، والمعجزة: هي الأمر الخارق للعادة والإمكانات البشرية المألوفة. ومن غرائب المعجزات: ناقة صالح ﵇، سواء في طريقة إيجادها، أم في نتاجها ولبنها، فهي بخلق مباشر من الله تعالى من غير تناسل ولا توالد، وتدرّ لبنا غزيرا لا ينفد ولا ينقطع، تكفي جميع أبناء القبيلة الذين يحلبون منها ما شاؤوا، دون أن يجفّ الضّرع أن ينضب اللبن. وهذا ما أخبر به القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة هود (١١) : الآيات ٦٤ الى ٦٨] وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [هود: ١١/ ٦٤- ٦٨] . هذه معجزة النّاقة. روي أن قوم صالح طلبوا منه آية تضطرهم إلى الإيمان، فأخرج الله جلّت قدرته لهم النّاقة من الجبل. وخرجت عشراء، ووضعت بعد خروجها، فمنحها صالح ﵇ لهم قائلا: هذه آية على صدقي ناقة الله، التي تتميز عن سائر الإبل بأكلها وشربها وغزارة

стр. 1054

لبنها، كما في آية أخرى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) [القمر: ٥٤/ ٢٧- ٢٨] . فاتركوها تأكل ما شاءت في أرض الله من المراعي، دون أن تتحملوا عبء مؤنتها، وإياكم أن تمسّوها بسوء من أي نوع كان، فيقع بكم عذاب عاجل، لا يتأخر عن إصابتكم، فقالوا: عياذا بالله أن نفعل ذلك. فلم يمعوا نصحه، وكذّبوه وعقروا النّاقة، عقرها بتواطؤ معهم أشقاهم وهو قدار بن سالف، كما قال الله تعالى: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) [القمر: ٥٤/ ٢٩] . فقال لهم صالح: تمتعوا بالعيش في بلدكم (دياركم) مدة ثلاثة أيام، أي هذا ميعاد ثلاثة أيام للعذاب، ذلك وعد صادق مؤكد غير مكذوب فيه. ثم وقع ما أوعدهم به، فلما حان وقت أمر الله بالعذاب والهلاك، ونزلت الصاعقة، نجى الله تعالى صالحا والمؤمنين معه، برحمة سابغة منه، نجاهم من عذاب شديد، ومن ذلّ ومهانة حدثت يومئذ، أي يوم وقوع الهلاك: يوم التعذيب. والخزي: الذّلّ العظيم البالغ حدّ الفضيحة، إن ربّك هو القوي القادر الغالب على كل شيء، العزيز، أي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وأصبح أمرهم أنه أخذتهم صيحة العذاب، وهي الصاعقة ذات الصوت الشديد المهلك، التي تزلزل القلوب، وتصعق عند سماعها النفوس، فصعقوا بها جميعا، وأصبحوا جثثا هامدة ملقاة على الأرض. وكأنهم لسرعة هلاكهم لم يوجدوا في الدنيا، ولم يقيموا في ديارهم، بسبب كفرهم وجحودهم بآيات ربّهم، ألا إنهم كفروا بربّهم، فاستحقّوا عقابه الشديد، ألا بعدا لهم عن رحمة الله، وسحقا لثمود، وهلاكا لهم ولأمثالهم. وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا من غني في المكان: إذا أقام فيه في خفض عيش، وهي المغاني.

стр. 1055

قد يتعجب سائل فيسأل: كيف يهلك قوم من أجل قتل ناقة؟ والجواب: أن المعادلة أو المساواة لا يصح أن تكون هي أساس الحكم هنا، لأن تواطؤ قبيلة ثمود وأمرهم أشقاها بعقر الناقة دليل على الإصرار على الكفر، والتّمسّك بعبادة الأوثان والأصنام، ورفض دعوة الأنبياء والمرسلين هداة البشرية إلى الحقّ والنّور والخير، فاذا قورنت هذه المساوئ ممثّلة بعقر النّاقة مع ما تؤول إليه من خسارة اجتماعية كبري، ومأساة إنسانية عامّة، هان الأمر، وأدرك الناس عن وعي وتقدير أن معاداة الرسالات الإلهية تنبئ عن معان مثيرة ومواقف مدهشة، وأوضاع قلقة مليئة بالفوضى والمنازعات، فيكون عقر الناقة موجبا لمثل هذا العذاب الاستئصالي ليدرك البشر أن الحقّ والخير في دعوة الأنبياء، ولا يصلح لأحد الوقوف أمامها وتحدّيها. بشارة إبراهيم ﵇ بولد عند الكبر تتعدد مظاهر قدرة الله في خلق الإنسان، فإما أن يخلقه الله مباشرة من غير أب ولا أم كآدم ﵇، وإما أن يخلقه من غير أب كعيسى ﵇، وإما أن يخلقه من غير أم كحواء أم البشرية، وإما أن يحدث الخلق في الوقت المعتاد زمن الشباب كأغلب الناس، أو يحدث الخلق في حال العجز والشيخوخة والكبر، كخلق يحيى وإسحاق ﵉. وتصف لنا آي القرآن المجيد كيفية ولادة إسحاق من أبوين كبيرين عجوزين هما إبراهيم ﵇ وامرأته سارّة الآيسة من الحيض، فقال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٦] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) «١» «٢» «٣» .
следующие страницы →