ولما دخل أولاد يعقوب مصر التي كان لها أبواب أربعة، من حيث أمرهم أبوهم، من أبواب متفرقة، ما كان توجيه يعقوب على هذا النحو يفيدهم شيئا قطّ، إذا أصيبوا بسوء، ولا يردّ عنهم قدرا لأنه لو قضي أن تصيبهم عين، لأصابتهم مفترقين أو مجتمعين. وإنما طمع يعقوب أن تصادف وصيته ورجاؤه قدر السلامة، فوصّى، وأن يظهر شيئا في نفسه، وهي شفقته عليهم، وتلك رغبة أو حاجة ذاتية في نفس يعقوب أراد إظهارها.
ثم أثنى الله على يعقوب بأنه لقّن ما علّمه الله من هذا المعنى، وهو يعلم بأن الحذر لا يمنع من القدر لتعليم الله إياه بالوحي، ولكن أكثر الناس وهم المشركون والكفار لا يعلمون ذلك، أي لا يعلمون مثل ما علم يعقوب ﵇، ولا يدركون كيف أرشد الله أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة، ومن تلك العلوم: الأخذ بالأسباب الظاهرة، وتفويض الأمر لله تعالى.
والخلاصة: نحن البشر مأمورون باتخاذ الاحتياطات والأسباب الظاهرية، ونفوّض الأمر في تحقيق النتائج إلى الله تعالى، مع ثقتنا التامّة بعدله وفضله ورحمته وإحسانه، ومع توكلنا عليه سبحانه في إنجاز الأمور وتفويض المشيئة لله تعالى.
لقاء الأخوين يوسف وبنيامين
لم يطلب يوسف ﵇ الإتيان بأخيه بنيامين إلا لإبقائه عنده، تمهيدا لجمع الشّمل ولمّ الأسرة، والعيش مع الشيخ الكبير يعقوب ﵇ الذي اعتصر الأسى قلبه بفقد يوسف، ثم تلاه بنيامين. وتمت الخطة بكيد يسّره الله ليوسف ﵇، واستسهل الأمر على ما فيه من رمي أبرياء بالسرقة، وإدخال الهمّ على
стр. 1122
يعقوب ﵇ وعليهم، لما علم في ذلك من الصلاح في الآجل، وبوحي لا محالة، وإرادة من الله محنتهم بذلك. وهذا محكي في القرآن، قال الله تعالى:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣)
قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [يوسف: ١٢/ ٦٩- ٧٦] .
هذا ما حدث في الرحلة الثانية لأولاد يعقوب من فلسطين إلى مصر لجلب الطعام، فقد ضمّ يوسف ﵇ أخاه بنيامين واختلى به، وأطلعه على شأنه، وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس أي لا تأسف ولا تحزن على ما صنعوا بي، وأمره ألا يطلع إخوته على ما أسرّ به إليه، وتواطأ معه أن يبقيه عنده معزّزا مكرّما.
فلما جهّزهم يوسف بجهازهم، أي لما أعدّ لهم الطعام، وحمّل لهم أبعرتهم طعاما، أمر بعض فتيانه (غلمانه أو خدمه) أن يضع السّقاية (الصّواع أو مكيال الطعام من فضة أو ذهب) في رحل أخيه بنيامين، دون علم أحد.
стр. 1123
ثم أذّن مؤذّن، أي نادى مناد حينما عزموا على الخروج: أيتها العير، أي يا أصحاب العير، إنكم قوم سارقون، فقفوا، فبهتوا وذهلوا. ثم التفتوا للمنادي، وقالوا: أي شيء تفقدونه؟ فأجابوهم: نفقد صواع الملك الذي يكيل به، ولمن أتى به حمل بعير من القمح، وأنا به زعيم، أي كفيل ضامن. مما يدلّ على مشروعية الجعالة أو الوعد بالجائزة.
قال إخوة يوسف بعد اتّهامهم بالسرقة: والله لقد خبرتمونا في المرة الأولى، وعلمتم علم اليقين أننا ما جئنا لنفسد في أرضكم بالسرقة أو غيرها من التّعدي على حقوق الناس، ولم نكن يوما ما سارقين، فليست سجايانا على هذه الصفة.
فقال فتيان يوسف: فما جزاء السارق إن كان فيكم، إن كنتم كاذبين في نفي التّهمة عنكم؟ فأجابوا: جزاؤه في شرعنا أخذ من وجد في رحله، ومثل هذا الجزاء نجزي الظالمين للناس بسرقة أموالهم في شريعتنا أن يسترقّوا، أي أن يتملّك السّارق كما تملك هو الشّيء المسروق. وهي شريعة إبراهيم ويعقوب ﵉، وهذا مراد يوسف. وإتماما لتنفيذ الخطة، بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه للتورية وحتى لا يتّهم، ثم استخرج السّقاية من وعاء أخيه بنيامين، فأخذه منهم بمقتضى اعترافهم، وإلزاما لهم بمقتضى شريعتهم.
ومثل ذلك الكيد، أي التدبير الخفي، كدنا ليوسف، أي دبّرنا له في الخفاء، وأوحينا إليه أن يفعل لأخذ أخيه، وهذا من الكيد المشروع، لما فيه من المحبة والمصلحة المطلوبة، وهي حيلة مشروعة، يترتب عليها خير ومصلحة في المستقبل، دون إضرار أحد. ولولا هذا التدبير ما كان يتمكّن يوسف ﵇ من أخذ أخيه في نظام أو قانون ملك مصر، الذي لا يبيح استرقاق السارق، وكان يوسف يعلم بشريعة يعقوب، فما كان ليأخذ أخاه في نظام الملك في حال من الأحوال إلا في حال
стр. 1124
مشيئة الله، فإنه فعل ذلك بإذن الله ووحيه، مما يدلّ على أن تلك الحيلة مشروعة مأذون بها من الله العلي الحكيم.
وفوق كل عالم من هو أعلم منه، والمعنى: أن البشر في العلم درجات، فكل عالم لا بدّ من وجود من هو أعلم منه، فإما من البشر، وإما الله . قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله . فإذا كان إخوة يوسف علماء، فإن يوسف كان أعلم منهم.
الحوار الحادّ بين يوسف وإخوته، وبينهم وبين أبيهم
تفجّرت الأزمة الخانقة بين أولاد يعقوب في مصر، وبينهم وبين أبيهم في فلسطين، ووقعوا في كمين أو فخ شائك، وظهرت الطبائع على حقيقتها، بالرغم من كون الأولاد أبرياء من السرقة، والملك يعرف ذلك. لكن الحادث أغاظهم، وبدأت الاتّهامات الباطلة ومخاوف اللقاء مع الأب، وما يتعرّض له من ألم وأسى جديد حين عودتهم من دون بنيامين. فماذا فعلوا في ساحة الاتّهام؟ قال الله تعالى واصفا وقائع الحوار وصدمة يعقوب وشكواه إلى الله وصبره.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧٧ الى ٨٧]
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١)
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦)
يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)
«١» «٢» «٣»
стр. 1125
«١» «٢» «٣» »
«٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [يوسف: ١٢/ ٧٧- ٨٧] .
عبّر إخوة يوسف عن طبعهم ونظرتهم السّيئة نحو يوسف، فاتّهموه بالسّرقة وهو صغير، وأن الأخوين سارقان، فقالوا: إن يسرق بنيامين الصواع، فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهما في العادة والطبع سواء. وقصة سرقة يوسف في الصغر: أن عمته ربته، فلما شبّ أراد يعقوب أخذه منها، فولعت به، وأشفقت من فراقه، فأخذت منطقة إسحاق المتوارثة عندهم، فنطّقته بها من تحت ثيابه، ثم صاحت وقالت: إني قد فقدت المنطقة، ويوسف قد خرج بها، ففتّش فوجدت عنده، فاسترقّته- حسبما كان في شرعهم- وبقي عندها حتى ماتت، فصار عند أبيه.
فأسر يوسف الحزازة التي حدثت في نفسه من قولهم، ولم يظهر ما في نفسه من مؤاخذتهم بمقالتهم، بل صفح عنهم، وقال لهم في نفسه دون إعلان: أنتم شرّ مكانا
стр. 1126
ومنزلة ممن تتهمونه بالسّرقة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم، وطرحتموه في البئر، لإهلاكه والتخلص منه. والله أعلم بما تذكرون وتصفون.
ثم استشفعوا لدى يوسف قائلين: يا أيها العزيز، إن له أبا شيخا كبيرا، هرما، يحب هذا الولد حبّا شديدا، فخذ أحدنا بدله، إنا نراك من المحسنين لنا في عطائنا وضيافتنا، بل وفي جميع أفعالك معنا ومع غيرنا.
قال: نعوذ بالله ونلجأ إليه أن نأخذ غير من وجدنا الصواع عنده، فإنا إن فعلنا ذلك كنا من جملة الظالمين، لأن ذلك أخذ بريء بمتهم. والمراد أن الله أمرني بما فعلت، واحتبست بنيامين لمصلحة في ذلك.
فلما يئس إخوة يوسف من إطلاق سراح أخيهم بنيامين الذي التزموا وعاهدوا أباهم أن يردوه إليه، اعتزلوا الناس يناجي بعضهم بعضا، فقال كبيرهم شمعون رأيا وتدبيرا وعلما، وإن كان روبيل أسنّهم: ألم تعاهدوا أباكم بردّ بنيامين، وكنتم سابقا قد فرطتم بيوسف، فلن أغادر أرض مصر أبدا، حتى يأذن لي أبي، أو يحكم الله لي بأن يمكنني من أخذ أخي بنيامين، والله خير الحاكمين بالحق والعدل، ارجعوا إلى أبيكم، وقولوا له: يا أبانا لقد سرق ابنك صواع الملك، فاسترقّه عزيز مصر، وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمناه وشاهدناه، ولم نعلم بالغيب أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق بردّه. واسأل يا أبانا أهل القرية التي كنا فيها وهي مصر، واسأل أصحاب العير الذين كانوا يأتون بالميرة (الطعام) معنا، ونحن صادقون فيما أخبرناك به.
قال يعقوب: بل زيّنت لكم أنفسكم أمرا آخر أردتموه، وكيدا جديدا فعلتموه، فأصبر صبرا جميلا: وهو الذي لا جزع ولا شكاية فيه لأحد غير الله، لعل الله أن يأتيني بأولادي الثلاثة جميعا، إن الله عليم بحالي، حكيم في فعله وقضائه وقدره.
وأعرض بوجهه عن أولاده وجعل يتفجع ويتأسّف، وأصيبت عيناه بغشاوة بيضاء
стр. 1127
حجبت الرؤية بسبب الحزن الشديد، ولكنه كظم غيظه، وحبس همه في نفسه وصدره، فقال أولاده له: والله لا تزال تذكر يوسف، حتى تقع في مرض مشرف على الهلاك، أو تكون من الهالكين الميتين. قال: لا أشكو بثّي أي ما انطوت عليه نفسي، وحزني إلا إلى الله وحده، وأعلم من الله ما لا تعلمون، أي أرجو منه كل خير وفضل. يا أولادي، اذهبوا إلى مصر، وتعرّفوا أخبار يوسف وأخيه بنيامين، ولا تيأسوا من رحمة الله وفرجه، إنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون الجاحدون قدرة الله وحكمته ورحمته.
لقاء التّعارف الفريد
لقد نجحت خطة يوسف ﵇ في استدراج مجيء إخوته وأسرته مرة بعد مرة، فهو بتعليم الله له وإرشاده، يسير على خطة محكمة، ومنهج متقن، وإخوته لجهلهم وتفريطهم وتآمرهم السابق على يوسف، لم يدركوا شيئا من هذه الخطة إلا في مرة ثالثة قدموا بها من فلسطين إلى مصر، وبعد أن رقّ قلب يوسف لاستعطافهم واسترحامهم، وحدثت المفاجأة العجيبة حيث عرّفهم يوسف بنفسه، وتم اجتماع الإخوة الاثني عشر في بيت يوسف وسلطانه، فاعترفوا بالذنب السابق، وقابلهم يوسف النّبي بالعفو والصفح عنهم، وتجدد الحبّ الأخوي، وتهيأ الجو لاستقبال الوالد يعقوب ﵇. قال الله تعالى واصفا هذا اللقاء الأخوي والتعارف الفريد في التاريخ:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٨ الى ٩٣]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)
«١» «٢»
стр. 1128
«١» «٢» «٣» [يوسف: ١٢/ ٨٨- ٩٣] .
أمر يعقوب ﵇ أن يذهب أولاده إلى أرض مصر التي جاؤوا منها، وتركوا أخويهم: بنيامين وروبيل، وأن يستقصوا أخبار يوسف وأخيه، فساروا من أرض الشام ووصلوها، فلما دخلوا على يوسف ﵇ أرادوا اختباره وإثارة عواطفه بذكر سوء حالهم وتضرّعهم له، وكان أبوهم يرجح أن هذا العزيز في مصر هو يوسف، فقالوا له: أيها العزيز العادل الرحيم، قد مسّنا وأهلنا الضّرّ، أي الجوع والمسغبة التي كانوا بسبيلها، ووضع أخيهم الذي أهمّ أباهم وغمّ جميعهم، وجئنا ببضاعة مزجاة، أي قطعة من المال ناقصة غير تامة، يتسامح في أخذها، وهي قليلة لا تروج إلا بالدفع وطول العرض وحسنه. فإن الدراهم المدفوعة إذا كانت نازلة القدر تحتاج أن يعتذر معها ويشفع لها، فهي مزجاة، فأتم لنا الكيل كما كنت تفعل، فقد عودتنا الجميل، وتصدّق علينا بالزائد، إن الله يجزي المتصدقين، ويكافئهم على أعمالهم. وكانت الصدقة بالفرق بين الدراهم الجياد وهذه المزجاة. وقالوا هذا تجوّزا واستعطافا منهم في البيع.
فقال يوسف ﵇ لما أخبروه بما مسّهم وأهلهم الضّرّ، واستعطفوه، فرقّ قلبه ورحمهم، قال لهم مستفهما عن استقباح فعلهم السابق بيوسف: هل علمتم قبح
стр. 1129
ما فعلتم بيوسف وأخيه بنيامين من التفريق بينهما في الصّغر، وألقيتم يوسف في البئر وعرضتموه للهلاك، وما عاملتموه به من معاملة خشنة قاسية، حال كونكم جاهلين قبح ما فعلتم، من عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم والقرابة، وذلك جهل المعصية، أو جهل الشباب وقلّة الحنكة، وكأنه ببشره وتبسّمه لقّنهم الجواب، وقرّبهم من الظّن القوي أنه يوسف.
فخاطبوه مستفهمين استفهام تقرير وتثبّت ومعرفة: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ فقد عرفوه بعلامات كانت فيه. فقال على الفور: أنا يوسف المظلوم العاجز الذي نصرني الله، وحفظني، وصيّرني إلى ما ترون، وهذا أخي بنيامين الذي فرّقتم بيني وبينه، فكان مظلوما أيضا كما كنت، ثم صار منعما عليه من قبل الله تعالى، كما ترون. قد أنعم الله علينا بالاجتماع، بعد الفرقة وبعد طول المدة، وأعزّنا في الدنيا والآخرة، إنه من يتق الله في ترك المعصية، ويصبر على المحن التي يتعرّض لها كالرّمي في البئر والسجن، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا في الدنيا والآخرة. وهذه شهادة من الله بأن يوسف من المتقين الصابرين المحسنين.
أجابوه إعلانا للحق واعترافا له بالفضل: والله لقد فضّلك الله علينا، وآثرك بالعلم والحلم والخلق، والسلطان والسعة، والنّبوة والرّسالة، وإن كنا مخطئين مذنبين في حقّك، فقال يوسف بعد هذا الاعتذار والتوبة، معلنا الصفح والعفو عنهم: لا لوم ولا تعيير ولا توبيخ أو تأنيب لأحد منكم فيما صنعتم، يغفر الله لكم ذنوبكم وظلمكم، وهو أرحم الراحمين لمن تاب إليه وأناب إلى طاعته. وهذا مثل عال في العفو الجميل والصفح الكريم، فعل نبينا ﵊ مثله مع أهل مكة بعد فتحها، مستشهدا بقول يوسف نفسه.
ثم جاءت معجزة القميص، قال يوسف لإخوته: اذهبوا بقميصي هذا، فألقوه على
стр. 1130
وجه أبي، يعد بصره إليه بعد أن عمي بسبب شدة الحزن، وأتوني بجميع أهليكم من الرجال والنّساء والأولاد، وكانوا سبعين رجلا وامرأة وولدا. وكان هذا كله بوحي وإعلام من الله ﵎. ويروى أن هذا القميص كان لإبراهيم ﵇، حين كساه الله إياه بعد خروجه من النار.
معجزة القميص
يختلف أفق النّبوة غير المعتاد عن الأحوال المعروفة المعتادة للناس، فإن في النّبوة أعمالا خارقة للعادة، تسمى معجزات، وكانت معجزة قميص يوسف من أبهر المعجزات النّبوية في تاريخ الرّسل، وكان الخبر العجيب من يعقوب ﵇ أنه يشمّ ريح يوسف ابنه المفقود من زمان طويل. وتحقّقت نبوءة يوسف وأبيه يعقوب، وتمت الفرحة الغامرة باكتشاف وجود يوسف ﵇، وأنه ما زال حيّا، وأنه ذو مكانة وسلطان، وعمت البهجة والسرور أرض مصر وفلسطين معا، وكان البشير المبشر بهذا هو الابن الأكبر ليعقوب، وهو يهوذا الذي اعتصم بمصر، والذي كان قد جاء بقميص الدم. وصف القرآن المجيد هذه المعجزة في قوله سبحانه:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٤ الى ٩٨]
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)
«١» «٢» «٣» [يوسف: ١٢/ ٩٤- ٩٨] .
стр. 1131
أحسّ يعقوب ﵇ برائحة يوسف ابنه الحبيب، وأشعره الله به، حين أقبل به إليه ابنه الأكبر يهوذا من مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية، إذ حملته إليه ريح الصّبا، فلما خرجت إبل أولاده من مصر، وانفصلوا عنها، قال يعقوب- وهو النّبي الرسول الصادق- لأهله: إني لأشمّ رائحة يوسف وقميصه، لولا أن تنسبوني إلى الفند (أي الخرف وضعف العقل) والكبر.
أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: لما خرجت العير، هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. قال الإمام فخر الدين الرازي: والتحقيق أن يقال:
إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات لأن وصول الرائحة من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة، فيكون معجزة ليعقوب ﵇ على الأظهر أو الأقرب.
وهذا هو الراجح بتقدير الله وإرادته وقدرته حيث يطلع أنبياءه على عجائب الأمور على سبيل إظهار المعجزات على أيديهم.
قال الحاضرون في مجلس يعقوب له: والله، إنك لفي ضلالك القديم أي حيرتك أو خطئك القديم الذي طال أمده، بظنّك أن يوسف حيّ يرزق، ويرجى لقاؤه.
وليس هو بالضّلال الذي هو في العرف ضدّ الرشاد لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به. وكان حزن يعقوب قد تجدّد بقصة بنيامين، فلذلك يقال له:
ذو الحزنين.
فلما أن جاء البشير المبشّر، وهو يهوذا، يحمل قميص يوسف، مبشّرا له ببقائه حيّا، هو وأخوه بنيامين، ألقاه على وجه يعقوب، فانقلب فورا بصيرا كما كان، من شدّة الفرح. وتلك معجزة أخرى، وقال يعقوب حينئذ لمن حوله: ألم أقل لكم يا
стр. 1132
أولادي، إني أعلم من الله أشياء لا تعلمونها. ألم أقل لكم حين ذهبتم إلى مصر:
ابحثوا عن يوسف، ولا تيأسوا من روح الله ورحمته، وإني لأعلم يقينا أن الله تعالى سيردّ يوسف إلي.
وحين ذاك قال الأولاد لأبيهم يعقوب مترفّقين معتذرين: اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي اطلب من الله أن يغفر لنا ذنوبنا، فإنا كنا مذنبين عاصين، وقد تبنا وندمنا على ما فعلنا معك ومع أخوينا: يوسف وبنيامين.
روي أن يوسف ﵇ لما غفر لإخوته، وتحقّقوا أيضا أن والدهم يعقوب يغفر لهم، قال بعضهم لبعض: ما يغني عنا هذا، إن لم يغفر الله لنا، فطلبوا حينئذ من يعقوب أن يطلب لهم المغفرة من الله تعالى، واعترفوا بالخطإ.
فقال لهم يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي أي في المستقبل القريب، في وقت السّحر آخر الليل، لأنّ ربي غفور ستّار للذنوب، رحيم بالعباد. وهذا الوقت- وقت السّحر- هو وقت يجاب فيه الدعاء، لقوله تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران:
٣/ ١٧] .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي والموطأ والإمام أحمد (أي الجماعة ما عدا النّسائي) عن النّبي ﷺ قال: «ينزل ربّنا كل ليلة إذا كان الثلث الآخر- أي من الليل- إلى سماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له؟» .
وروى ابن عباس- فيما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ- عن النّبي ﷺ قال: «أخّرهم يعقوب، حتى تأتي ليلة الجمعة» .
والتوفيق بين الرّأيين: أنه أخّرهم لسحر ليلة الجمعة، ووافق ذلك ليلة عاشوراء، وهو رأي أكثر المفسّرين.
стр. 1133
اللقاء المبارك لأسرة يعقوب كلها
كانت قصة يوسف ﵇ مع أبيه وإخوته من العجائب، وتمت فصولها ومشاهدها على مدى طويل، لتعليم الناس وإرشادهم إلى ضرورة التصديق أولا بأخبار الأنبياء الذين يخبرون عن الله بالوحي، وإلى لزوم الاعتصام بالإيمان بالله ، وبالصبر الجميل على الأحداث، وإلى تفويض الأمر لله تعالى دون تعجيل بالثأر أو الانتقام أو اقتراف الخطأ والذنب، كما حدث من إخوة يوسف. وأدّت فصول هذه القصة إلى الهدف المرجى، وهو لقاء الأسرة اليعقوبية لقاء كريما مباركا فيه، وذلك في المرة الرابعة من رحلات أولاد يعقوب إلى مصر، وتم في هذا اللقاء تأويل رؤيا يوسف من قبل بسجود أحد عشر كوكبا له، وهم أهله وإخوته، قال الله تعالى موضحا هذا التأويل وذلك اللقاء العظيم:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)
«١» «٢» «٣» [يوسف: ١٢/ ٩٩- ١٠٠] .
بعد أن طلب يوسف ﵇ من إخوته أن يأتوه بأهله أجمعين، فرحلوا من بلاد كنعان- فلسطين- إلى مصر، للإقامة معه فيها، فحضر يعقوب أبوه وخالته وإخوته وأسرهم، فلما أخبر يوسف ﵇ باقترابهم من أرض مصر، خرج لتلقّيهم ومعه الأمراء وأكابر الناس، فلما دخلوا على يوسف في أبهة الملك
стр. 1134
والسلطان، ضمّ إليه أبويه وعانقهما، على ما رجح ابن جرير، أو أباه وخالته لأن أمه كانت قد ماتت، فتزوج يعقوب بهذه الخالة.
وقال يوسف لأسرته جميعا: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ أي تمكّنوا واسكنوا واستقرّوا في بلاد مصر، بمشيئة الله، آمنين على أنفسكم وأموالكم وأهليكم، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
ورفع يوسف أبويه على سرير ملكه، بأن أجلسهما معه، تكريما لهما، وسجد له الإخوة الأحد عشر والأبوان سجود تحية وإكرام له، لا سجود عبادة وتقديس، وكان سجود الانحناء هو تحية الملوك والعظماء في زمنهم.
وبعد هذه التحية قال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ أي إن هذا السجود هو تأويل رؤياي القديمة حال صغري، وهي: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ١٢/ ٤] . وتأويل رؤياي: ما آل إليه الأمر.
إن تلك الرؤيا العجيبة الغريبة، أصبحت حقيقة واقعة، وصحيحة صدقا فإن رؤيا الأنبياء حقّ ثابت، فكما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده إسماعيل، صارت سببا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة والواقع، فكذلك صارت هذه الرؤيا ليوسف سببا لوجوب ذلك السجود: سجود التّحية.
وأضاف يوسف قائلا: وقد أحسن الله تعالى إلي وأفاض علي من نعمه وأفضاله، وعبّر بقوله: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي أوقع وناط إحسانه بي، إذ أطلق سراحي من السجن، ورزقني الملك، وجاء بكم من البادية، وكانوا أهل بادية وماشية وشظف عيش، فنقلكم من الشقاوة إلى النعمة، ومن البادية لسكون الحاضرة والمدينة ذات الترف والسعة والرفاه.
ولم يذكر يوسف قصة إخراجه من البئر، تكريما لإخوته، وحفظا لحيائهم،
стр. 1135
وحدث كل هذا من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، أي فعل فعلا أفسد به، وأغوى وأساء العلاقة بيني وبين إخوتي، ونسب النّزغ للشيطان لأنه سبب الإفساد.
وإنما ذكر يوسف هذا القدر من أمر إخوته ليبيّن حسن موقع النّعم لأن النعمة إذا جاءت إثر شدة وبلاء، فهي أحسن موقعا. وأما نزغ الشيطان فهو حقيقة واقعة
لقول النّبي ﷺ فيما يرويه البخاري عن أبي هريرة-: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري، لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» .
والمعنى: يرمي به في يده ويحقق ضربته. ومن رواه «ينزغ» فمعناه الإغراء، أي يزيّن له الشيطان تحقيق الضربة.
ثم قال يوسف: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أي إن الله إذا أراد أمرا، قيّض له أسبابا، وقدّره ويسّره، إنه هو العليم بمصالح عباده، الحكيم في أقواله وأفعاله، وقضائه وقدره، وما يختاره ويريده.
نهاية قصة يوسف والعبرة منها
تضمنت قصة يوسف ﵇ مجموعة من المبادئ الاعتقادية والأخلاقية والدينية، كوّنت همزة وصل وجسور التقاء بين رسالة يوسف ورسالة النّبي محمد ﷺ ، أساسها شكر النعمة لخالق الأرض والسماء، ومبناها الإيمان بالغيب، وفيها براهين لإثبات وجود الله تعالى وتوحيده تقوم على أساس التّفكر والتأمل في آيات الله الكونية، وتتضمن وصف أكثر الناس بعدم الإيمان، وتهديدهم بإتيان العذاب أو مجيء القيامة، مما يجعل دعوة خاتم الأنبياء تقوم على هذه الأسس القديمة القويمة، وعلى الإقناع والعقل والتبصّر في الأمور، وإثبات توحيد الله، ورفض الشّرك والوثنية. وصف الله تعالى هذه الجسور بين رسالات الأنبياء بقوله تعالى:
стр. 1136
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠١ الى ١٠٨]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥)
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [يوسف: ١٢/ ١٠١- ١٠٨] .
ختمت قصة يوسف بخاتمة مؤثرة تصلح عبرة للملوك والحكام، حيث جمع الله ليوسف بين الملك والسلطة، والنّبوة، وأنعم عليه بنعم كثيرة نقلته من السجن والبئر إلى عزّة الإدارة والحكم والسلطة في مصر، فبادر إلى شكر ربّه، بهذا الدعاء الجامع الذي سأل الله فيه أن يجزل له ثواب الآخرة كما أجزل له العطاء في الدنيا. فقال: يا ربّ، قد آتيتني ملك مصر، وعلّمتني بعض التأويلات للأحاديث وتعبير الرّؤيا، ومعرفة أسرار كلامك. يا ربّ يا فاطر السماوات والأرض (أي خالقهما ومبدعهما في أبدع نظام وأحكم ترتيب) أنت ناصري ومتولّي أمري في الدنيا والآخرة، توفّني مسلما خاضعا لك منقادا لأمرك، وألحقني بالصالحين من آبائي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فأنت الرحيم الكريم، القادر على كل شيء.
ذلك الإيراد لقصة يوسف ﵇ وأخباره من أخبار الغيب التي أوحاها الله لنبيه محمد ﷺ ، ولم يكن موجودا في وقت أحداثها، ولا مشاهدا لها، حين عزم
стр. 1137
إخوة يوسف على إلقائه في البئر، وهم يمكرون به، أي يدبّرون شيئا به وبأبيه، وإنما ذلك من تعليم الله تعالى له.
علما بأنه ليس أكثر الناس بمصدّقين بدعوتك ورسالتك يا محمد، ولو كنت حريصا على إيمانهم، لتصميمهم على الكفر وعنادهم. وما تسأل منكري نبوّتك يا محمد على تبليغ الرسالة ونصحهم ودعوتهم إلى الخير والرّشد أجرا ولا عوضا، وإنما تفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله وإفادة خلقه، فما عليهم بعد هذا البيان إلا قبول دعوتك، فإن هذا القرآن الذي أرسلك به ربّك هو محض تذكير وموعظة لكل العالمين من الجنّ والإنس.
والسبب في أن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين: أنهم في غفلة عن التفكّر في الآيات الكونية والدلائل الدّالة على وجود الله الصانع وتوحيده، وكمال علمه وقدرته، في أنحاء السماوات والأرض من الكواكب والنجوم، والجبال والسهول، والبحار والنباتات والأشجار، والأحياء والأموات، يمرون على تلك الآيات والدلائل ويشاهدها أكثرهم، وهم غافلون عنها، لا يتفكرون بما فيها من عبر وعظات، وكلها تشهد بوجود الله ووحدانيته.
وما يكاد يؤمن أو يصدّق أكثر المشركين بوجود الله إلا وهم ملازمون للشّرك، عاكفون على عبادة الأصنام والأوثان. هذه الآية نزلت بسبب قول قريش في الطّواف والتّلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. فأنذرهم الله بقوله: أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن تأتيهم عقوبة تغشاهم وتشملهم، أو يأتيهم يوم القيامة فجأة، وهم لا يحسّون أو لا يشعرون بذلك. وهذا كما في آية أخرى فيها إنذار وتوبيخ وتهديد: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ
стр. 1138
أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)
[الأعراف: ٧/ ٩٧- ٩٩] .
ثم أمر الله نبيّه أن يعلن مضمون دعوته للثّقلين: الإنس والجنّ بأن طريقته التي يتّبعها، ودعوته إلى توحيد الله، يدعو فيها هو أتباعه على تبصّر ويقين، وتأمّل وإقناع، وبرهان ساطع وحجة دامغة، وسبحان الله، أي أنزّه الله وأقدّسه من أن يكون له شريك أو نظير، وأنا بريء من جميع المشركين على اختلاف أنواعهم.
والخلاصة: إن آية قُلْ هذِهِ سَبِيلِي إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة الإلهية بأسرها.
العبرة من القصة القرآنية
يتذرّع أعداء الرّسالات الإلهية بذرائع واهية وشبهات قديمة من أجل تسويغ ضلالهم وكفرهم، والتماس العذر لسلوكهم ومنهاجهم، ومن شبهاتهم إنكارهم بشرية الرّسل، وأن الرسول في زعمهم ينبغي أن يكون ملكا نورانيّا، كما حكى القرآن عنهم: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [فصّلت: ٤١/ ١٤] . ونسوا ما يرون في الكون من آيات دالّة على صدق الرّسل، وثبوت الوحي الإلهي لهم. فإذا ما أصرّوا على كفرهم جاءهم العذاب الشامل. وعلى الناس أن يدركوا أن في إيراد القصص القرآنية عبرة وعظة لذوي العقول، وليس حديثا مفترىّ أو مكذوبا. وهذا ما أبانته الآيات التالية:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
стр. 1139
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [يوسف: ١٢/ ١٠٩- ١١١] .
الآية الأولى:.. إِلَّا رِجالًا ... تتضمن الرّد على مستغربي إرسال الرّسل من البشر، كالطائفة التي قالت: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ١٧/ ٩٤] ، وكالطائفة التي اقترحت ملكا وغيرهما. والمعنى: وما أرسلنا يا محمد من قبلك رسلا إلا رجالا، لا ملائكة ولا إناثا، فهم من العنصر البشري القوي الكامل، وكانوا من أهل المدن مدنيّين، لا أعرابا من البوادي، وكنا ننزل عليهم الوحي والتشريع. وهذا يدلّ على أن الرّسل من البشر، لا من الملائكة، ومن أهل المدن المتحضّرين لا من البدائيين، ومن الذّكور الرجال، لا من النّساء، فلم تكن امرأة قطّ نبيّا ولا رسولا، ولم يبعث الله رسولا من أهل البادية، لأن فيهم عادة الجهل والجفاء، ولتتبعهم المدن الأخرى، ولأن أهل المدن أرقّ طبعا وأكثر خبرة وتلطّفا من أهل البوادي.
ثم هدّد الله المشركين على تكذيبهم بالرسول محمد ﷺ ، أفلم يسر هؤلاء المكذّبون لك يا محمد في الأرض، فينظروا ويروا كيف كان مصير الأمم المكذّبة للرّسل، كيف دمّر الله عليهم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈، وللكافرين أمثال تلك الألوان من العذاب، فإن عاقبة الكافرين الهلاك، وعاقبة المؤمنين النّجاة. ثم حضّ الله تعالى على العمل للدار الآخرة والاستعداد لها، فهي خير للذين خافوا لقاء الله، فلم يشركوا به ولم يعصوه، فهي أفضل من دار الدنيا لأولئك المشركين المكذّبين
стр. 1140
بالرّسل، أجهلتم أيها الناس الضّالّون المكذّبون بالآخرة، فلا تعقلون مصائركم، فإنكم لو عقلتم ذلك، لآمنتم واستقمتم.
ثم بشّر الله نبيّه بالنّصر بإخباره بسنّة إلهية دائمة: وهي مجيء النصر الإلهي للرّسل ﵈، عند اشتداد الأزمة وانتظار الفرج الرّباني، وتيقن الرّسل أن المشركين كذبوهم تكذيبا لا إيمان بعده، وصمموا على ذلك، وألا انحراف عنه، وتكون العاقبة هي الإتيان بنصر الله فجأة، فينجّي الله من يشاء، وهم النّبي والمؤمنون معه، ويحلّ العقاب بالمكذّبين الكافرين، ولا يردّ بأس الله، أي لا يمنع عقاب الله وبطشه عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله، وكذّبوا رسله. وهذا تهديد ووعيد لكفار قريش وأمثالهم، لإعراضهم عن الإيمان بالنّبي ﷺ وبدعوته، وبما أنزل الله من القرآن المجيد لأن في قوله تعالى: وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا أي عذابنا وعيدا بيّنا، وتهديدا صريحا لمعاصري محمد ﵊.
ثم أبان الله تعالى الهدف العام من قصص القرآن الكريم، فلقد كان في سرد أخبار الأنبياء المرسلين مع أقوامهم، وإنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين عبرة وعظة وذكرى لأولي العقول السّوية، والأفكار الصحيحة، ولم يكن هذا القرآن المبين لقصة يوسف وغيرها حديثا مختلقا مكذوبا من دون الله لأنه كلام أعجز البلغاء والفصحاء، وإنما هو كلام الله من طريق الوحي والتّنزيل، لتصديق ما تقدمه من الكتب السماوية في صورتها الأولى الصحيحة، كالتّوراة والإنجيل والزّبور، أي تصديق ما جاء فيها من عند الله من الصحيح والحق، ونفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، فالقرآن مصدق أصولها الصحيحة، وهو أيضا مهيمن عليها، وحارس لها. وفي القرآن أيضا تفصيل كل شيء من العقائد والأحكام والحلال والحرام، والمحبوب والمكروه، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، وهو أيضا هدى وإرشاد للعالمين إلى طريق الحق والاستقامة، وهو كذلك رحمة عامّة من الله ربّ العالمين للمؤمنين في الدنيا والآخرة.
стр. 1141
تفسير سورة الرّعد
أدلّة قدرة الله تعالى
تعدّدت البراهين الدّالة على قدرة الله تعالى من إنزال القرآن المجيد، وإبداع السماوات والأرض، وتدبير الخلق، وتسخير الشمس والقمر، وإيجاد أنواع الجبال والأشجار والزروع والثمار وكروم العنب وبساتين النّخيل ذات الطعوم والألوان المختلفة. وهذه أدلّة حسّية مشاهدة تثبت القدرة الإلهية لمن كان له عقل أو فكر أو سمع أو بصر، أشار إليها القرآن في آيات ومناسبات متعددة، كما في مطلع سورة الرّعد المدنيّة:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)
«١» «٢» «٣» »
«٥» «٦» «٧» [الرّعد: ١٣/ ١- ٤] .
стр. 1142
افتتحت هذه السورة كسورة البقرة بأحرف هجائية للتّنبيه والتّحدي والدّلالة على إعجاز القرآن المتكوّن من حروف هجائية هي مادّة لغة العرب التي يتفاخرون أنهم سادة البيان فيها. وآيات هذه السورة وآيات القرآن كلها آيات عظام القدر والشّأن، أنزلها الله تعالى على قلب نبيّه محمد ﷺ ، وهي حقّ لا شكّ فيه، تمثّل جميع الشريعة القرآنية، ولكن أكثر الناس لا يصدّقون بالمنزل إليك من ربّك، ولا يقدرون ما في القرآن من سمو التشريع والأحكام، ورعاية المصالح المناسبة لكل عصر وزمان. وهذا إخبار واقعي عن علم إلهي غيبي دالّ على إعجاز القرآن، ينبئ عن أحوال الناس.
وإنزال القرآن مظهر من مظاهر القدرة الإلهية.
ومن مظاهر قدرة الله تعالى وعظيم سلطانه: أنه سبحانه هو الذي خلق السماوات بغير أعمدة نشاهدها بالعين المجردة، ثم استوى الله على أعظم المخلوقات وهو العرش استواء يليق به، وسخّر أي ذلّل الشمس والقمر، وجعلهما طائعين لما أريد منهما من المنافع للناس، من دوران وضياء، وظهور واختفاء، وكل منهما كغيرهما من الكواكب السّيارة يجري لأجل مسمى، أي لمدة معينة، هي نهاية الدنيا ومجيء القيامة، أو أن الشمس تتم دورتها في خلال سنة، والقمر في أثناء الشهر، قال الله تعالى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحجّ: ٢٢/ ٦٥] .
يدبّر الله أمر الكون ويصرّفه على وفق إرادته ومقتضى حكمته، فيحيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويغني ويفقر، ويهيّئ الأسباب للنتائج والمسبّبات، يفصّل الآيات، أي يبيّن الدلائل الدّالة على وجوده تعالى، ووحدانيته، وقدرته، وحكمته وعلمه ورحمته، رجاء أن تتيقّنوا أيها الناس، أو لتعلموا علم اليقين أن القرآن حقّ، وأن الله قادر على البعث والإعادة، والحساب والجزاء يوم القيامة. فالذي قدر على خلق السماوات والأرض وما بينهما، ودبّر نظام الكون والحياة وشؤون الخلق بدقّة
стр. 1143
فائقة، قادر على إحياء الموتى، وإعادة الأرواح إلى أجسادها مرة أخرى، وحساب أصحابها.
والله تعالى أيضا هو الذي بسط الأرض وفرشها ومهّدها، وجعل فيها رواسي، أي جبالا شامخة، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون، لسقاية ما فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والرّوائح. وجعل في كل صنف من أصناف الثمار زوجين اثنين، أي ذكرا وأنثى، ليتم التّلاقح وحمل الثمرات، يغطّي الله ضوء النهار بظلمة الليل، ويطرد ظلام الليل بنور النهار، كما في آية أخرى:
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) [النّبأ: ٧٨/ ٩- ١١] ، إن في مخلوقات الله، وعجائب خلقه لدلائل وبراهين لمن يتفكّر فيها، ويتأمّل في عظمتها، فيستدلّ بها على وجود الله تعالى، وقدرته، وكمال علمه وإرادته.
ومن الآيات الأرضية أجزاء فيها يجاور بعضها بعضا، ويقترب بعضها من بعض، تربتها واحدة، وماؤها واحد، وهي مع تجاورها مختلفة متغايرة الخواص، فيها بساتين الأعناب، والزروع المختلفة ذات الحبوب المتنوعة للإنسان والحيوان، وفيها أنواع النّخيل المتماثلات وغير المتماثلات صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يسقى كله بماء واحد، ويتغذى بغذاء واحد، ويتفاضل بعضها على بعض في الأشكال والطّعوم ومذاق الأكل، إن في هذا التّفاوت مع وجود مصادر التّشابه لأدلّة باهرة على قدرة الله، لقوم يتدبّرون ويفكّرون فيها ويعقلون أنّ لها خالقا أوجدها ورتّبها. والتّفضيل في الأكل يشمل الأذواق والألوان والملمس وغير ذلك.
стр. 1144
إنكار البعث
من المشكلات الكبرى عند الماديين والملحدين والمشركين إنكار وجود عالم آخر بعد عالم الدنيا، لظنهم أن الإنسان مخلوق مادي بالطبيعة، وينتهي وجوده من العالم بالموت، والموت فناء لا رجعة بعده في زعمهم، قائلين كما حكى القرآن عنهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) [المؤمنون: ٢٣/ ٣٧] .
ونسوا أن الله الذي خلقهم أول مرة قادر على إعادة خلقهم وإحيائهم مرة أخرى، كما جاء في قول الله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [الأحقاف: ٤٦/ ٣٣] .
وتعددت ألوان التقريع والتهديد بالعذاب والاستغراب في آي القرآن من مواقف هؤلاء المنكرين ليوم البعث، كما جاء في الآيات التالية:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٥ الى ٧]
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)
«١» «٢» [الرّعد: ١٣/ ٥- ٧] .
المؤمن في هذا العالم مطمئن مستقر مرتاح، والكافر قلق متردد يحس بالضيق ويشعر بالمرارة والتأنيب الداخلي، فلا عجب أن يصدر من الكفار حماقات ومكابرات وألوان من العناد، فتراهم كما تصور هذه الآيات، بالإضافة لإنكارهم البعث والقيامة، يستعجلون العذاب والانتقام في الدنيا، ويطالبون بآيات تعجيزية.
стр. 1145
لذا بدئت هذه الآيات بأنه إن تعجب أيها الرسول النبي من تكذيب المشركين لك، وعبادتهم مالا يضر ومالا ينفع من الأصنام، مع ما يشاهدونه في واقعهم من آيات الله الكونية الدالة على قدرته التي لا حدود لها، فالأدعى للعجب والأغرب تكذيبهم بالبعث والقيامة، وقولهم: هل تمكن الإعادة بعد الفناء، أو التفتت ترابا؟ وهل يمكن أن نعود لخلق جديد؟! فحكم الله تعالى عليهم بأحكام ثلاثة لا نجدها في غير هذه الآيات:
الحكم الأول: أنهم أولئك الكافرون الذين جحدوا بربهم وكذبوا رسله، وتمادوا في عنادهم وضلالهم، لأن إنكار قدرة الله تعالى إنكار لوجوده ووحدانيته.
والحكم الثاني: وصف لأحوال عذابهم، فهم أولئك المقيدون بالسلاسل والأغلال، يسحبون بها سحبا في غاية القهر والذل والمهانة.
والحكم الثالث: زجهم في نار جهنم، أولئك هم أصحاب النار خالدون فيها في الآخرة، ملازمون لها، يمكثون فيها على الدوام، لا يحولون عنها ولا يزولون، بسبب كفرهم، وإنكارهم البعث وتكذيبهم الرسول.
ولم يقتصر إنكارهم على عذاب الآخرة، وإنما تهكموا وأنكروا أيضا عذاب الدنيا، فقال الله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي ويستعجلك هؤلاء المكذبون بالعقوبة في دار الدنيا، وهذا غاية الحماقة والتحدي والإمعان في الكفر، فهم يكذبونك أيها النبي بالعذاب الذي أنذرتهم به استهزاء، قبل الحسنة من الإمهال أو الإيمان، والسلامة والعافية من البلاء.
علما بأن هناك أمثلة واقعية يعرفونها، فقد خلت من قبلهم المثلات، وأوقعنا أنواع النقم، وشدائد العقاب بالأمم الخالية، وجعلناهم عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن اتعظ. وهذا تبيين لخطئهم في أن يتمنوا المصائب، ويطلبوا إنزال أو إسقاط جزء من
стр. 1146
السماء، أو إرسال حجارة تمطر عليهم، ولو كان ذلك لم يحدث قط، لكان لهم العذر.
ثم فتح الله لهم باب الأمل، ورجّاهم بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ أي إن الله تعالى صاحب عفو وصفح وستر للناس على ذنوبهم في الآخرة، مع أنهم ظلموا أنفسهم، وأخطئوا بالليل والنهار، ولكن الله حليم رؤف بالناس، فهو سبحانه يمهل مع ظلم الكفرة، ويعفو عند التوبة، وهو أيضا شديد العقاب للعصاة الذين أصروا على الكفر والعصيان.
قال ابن المسيب: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ : «لولا عفو الله لما تمنى أحد عيشا، ولولا عقابه لا تكل كل أحد» .
وقال ابن عباس: «وليس في القرآن أرجى من هذه الآية» .
ث م ازداد إمعان المشركين في الكفر والعناد، فطلبوا معجزات مادية على وفق هواهم، وميولهم، وقالوا: لولا يأتينا محمد بآية حسية من ربه، كما أرسل الأولون، مثل عصا موسى، وناقة صالح، ومائدة عيسى، فيجعل لنا جبل الصفا ذهبا، وأن يزيح عنا الجبال، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا. فرد الله عليهم متجاوزا مطالبهم، بأن النبي مجرد منذر لقومه من العذاب، وهاد للخير والسداد، ولكل قوم داعية من الأنبياء، يدعوهم إلى الله وإلى الدين الحق، وسبيل الخير والرشاد، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٣٥/ ٢٤] .
علم الغيب
هناك صفات تختصّ بالله ، لا يعلم بها البشر، ولا يقدرون على علمها، بسبب كون عقولهم محدودة، وأفكارهم قاصرة، ومن أهم تلك الصفات التي تحدّى الله بها البشر، وأثبت عجزهم وضعفهم: هو علم الغيب في المستقبل القريب أو
стр. 1147
البعيد، فالله سبحانه عالم الغيب (ما وراء الطبيعة) والشهادة (عالم المحسوسات المرئية والمسموعة) ليكون ذلك دليلا على ألوهية الله ووحدانيته، دون شريك ولا منافس أو معارض أو شبيه ونظير، قال الله تعالى مبيّنا بعض مظاهر علمه الغيبي:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٨ الى ١١]
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الرّعد: ١٣/ ٨- ١١] .
أبانت هذه الآيات تمام علم الله تعالى وعلمه بدقائق الأشياء وعظائمها، فهو سبحانه يعلم ما في بطون الأجنّة من ذكورة وأنوثة، ووحدة وتعدّد، وأوصاف وخصائص، وآجال لها، وكل ما يطرأ على ما في الأرحام من بدء تخلّق الحمل، وولادة، وهو ما تغيض به الأرحام، أي ما تنقصه في زمن أو جسم، وما تزداد من نموّ الجنين ومدة مكثه في البطن ووقت ولادته، وكل شيء يدخله التقدير، عند الله تعالى، بأجل معيّن، وبمقدار محدد، لا يزيد عنه ولا ينقص. وجمهور المتأوّلين على أن غيض الرحم إرسال الدّم على الحمل. وقال الضّحاك: غيض الرّحم: أن تسقط المرأة الولد، والزيادة: أن تضعه لمدة كاملة، تامّا في خلقه. ودلّ الإحصاء العلمي على أن الجنين لا يزيد بقاؤه في بطن أمه عن ٣٠٥ أو ٣٠٨ أيام.
والله سبحانه عالم الغيب، أي ما غاب عن الإدراكات، وعالم الشهادة: ما
стр. 1148
شوهد من الأمور، وهو الكبير الأكبر من كل شيء، المتعال على كل شيء، قد أحاط بكل شيء علما، أي شمل علمه كل شيء، وقهر كل شيء، فخضعت له الرّقاب، وذلّ له العباد طوعا وكرها.
والآية تشمل علم الله بالجزئيات والمفردات والدقائق، وتشمل علم الله بمقادير الأشياء وحدودها، وما يتخصص به كل شيء من أوصاف، ويعلم أشياء خفية لا يعلمها إلا هو، وهو ما غاب عن الحس، وما حضر من المحسوسات.
والله تعالى عالم علما تامّا بأحوال جميع مخلوقاته، سواء ما أسرّوه منها وأخفوه، أو ما أعلنوه وأظهروه، وما هو مختف في ظلام الليل في قعر البيت وجوانبه، وما هو ظاهر ماش بسرعة في ضوء النهار، فإن كلاهما في علم الله على السواء. فكل ما هو بالليل في غاية الاختفاء، وما هو متصرّف بالنهار، ذاهب لوجهته، سواء في علم الله تعالى وإحاطته بهما.
ولله تعالى وسائل تخزين للمعلومات والمعارف وهم الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم، فمن حكمته ورحمته تعالى أن جعل للإنسان ملائكة حفظة، يتعاقبون على حفظ الإنسان في الليل والنهار، لحمايته وصونه من المضارّ والطوارئ الجسام، وملائكة آخرون يتعقّبون أعمال العباد ويتّبعونها بالحفظ والتّدوين وكتابة كل ما يصدر عنهم من خير أو شرّ. فالمعقّبات: الجماعات التي يعقب بعضها بعضا، وهم الملائكة.
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربّهم وهو أعلم بهم:
كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلّون» .
ثم أوضح الله تعالى مبدءا إلهيّا عظيما: وهو أنه لا عقاب بدون جريمة، فقال:
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ... أي إن الله لا يبدّل ما بقوم من
стр. 1149
نعمة وعافية، وراحة وسلامة، فيزيلها عنهم إلا بتغيير ما بأنفسهم، بأن يصدر منهم الظلم والعصيان والفساد وارتكاب الشرور والآثام.
وإذا أراد الله تعالى بقوم سوءا من فقر أو مرض أو احتلال وغير ذلك من أنواع البلاء، فلا يستطيع أحد أن يدفع ذلك عنهم، وما لهم من غير الله تعالى ناصر يلي أمورهم، ويدفع عنهم الضّرر، فلا أحد يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الضّرّ. وهذا دليل واضح على أن الله قادر على كل شيء، ومتمكّن من إيقاع العذاب بالناس في أي زمن ومكان، فليس من الحكمة والمصلحة في شيء استعجال العذاب، فلكل أجل كتاب، ولكل عمل ميعاد. والشّر والخير بمنزلة واحدة، إذا أرادهما الله بعبد لم يردّ، وهذا تخويف وإنذار.
قدرة الله تعالى
أقام الله تعالى في قرآنه أدلّة واضحة قاطعة على قدرته وحكمته، منها نعمة وإحسان أحيانا، ومنها عذاب ونقمة وقهر أحيانا أخرى، والتّردد بين الحالين: حال النعمة وحال النقمة دليل على الشمول والعموم، لكل حال من الأحوال، ليعرف العبد أن الله ربّ العالمين صاحب السلطان المطلق، والإرادة النافذة التامّة في كل أمر من الأمور، وفي كل شأن من الشؤون. والتذكير بهذا لفت نظر إلى أن الله تعالى لا يغيب وجوده وتأثيره عن أي شيء. قال الله تعالى مبيّنا هذا التّلازم بين الوجود الإلهي في جميع الأشياء وبين مختلف الأشياء:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٢ الى ١٥]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)
«١»
стр. 1150
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الرّعد: ١٣/ ١٢- ١٥] .
هذه ألوان ملموسة محسوسة من مظاهر وآثار القدرة الإلهية، وتنبيه عليها وتذكير بها، فالله بإرادته وتدبيره يري الناس ظاهرة البرق والرّعد، تخويفا وتحذيرا، أما البرق: فهو ما يرى من النّور اللامع ساطعا من خلال السحاب، بسبب تقارب سحابتين في الشحنة الكهربائية، فيحدث الخوف من صواعق البرق، ويظهر الطمع في المطر. والله سبحانه هو الذي يوجد السّحب المحملة المترعة بالماء، فهي ثقال ببخار الماء وما يعقبه من أمطار.
وأما الرّعد: فهو الصوت المسموع خلال السحاب بسبب احتكاك الأجرام السماوية، وتصادم سحابتين مختلفي الشحنة الكهربائية. والرعد بصوته الهادر المخيف يسبح الله تعالى وينزهه، ويعلن بلسان الحال خضوعه لله، وانقياده لقدرته وحكمته.
وتسبّح الملائكة ربّهم وتنزهه عن الصاحبة والولد، لما يرون من جلال الله وهيبته.
روى الإمام أحمد والبخاري في الأدب وغيرهما عن ابن عمر ﵄ عن النّبي ﷺ : أنه كان إذا سمع الرّعد قال: «اللهم لا تهلكنا بغضبك، ولا تقتلنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» .
فالرّعد والبرق إما بشير خير أو نذير شرّ.
والله تعالى يرسل الصواعق للتّنبيه على القدرة والتّذكير بالنقمة، ينتقم الله بها
стр. 1151
ممن يشاء. وسبب الصواعق: أن السّحب قد تمتلئ بكهربة شديدة، والأرض بكهربة أخرى مخالفة، فإذا قاربت السّحب من الأرض، حصل احتكاك كهربائي تنشأ عنه صاعقة، إذا صادفت شيئا أحرقته. فالله يصيب بالصواعق من يشاء، وعلى الرغم من هذه الأدلة الدالة على قدرة الله وألوهيته، يجادل الكفار، ويشكّون في عظمة الله تعالى وفي توحيده، والله سبحانه هو شديد المحال، أي شديد القوة والأخذ، وهو قادر على مكايدة الأعداء، وعلى إنزال العذاب في أي وقت يشاء.
ولله وحده دعوة الحق، أي لا إله إلا الله أي التوحيد، وله دعوة العباد بالحق، ودعوة الصدق والدعاء والتّضرع، لا لغيره من الأصنام والأوثان، والملائكة والبشر الذين اتّخذهم الناس آلهة، فدعاء غير الله من الأوثان باطل.
والذين يدعون الأصنام والأوثان والمعبودات الباطلة: لا يجيبونهم إطلاقا، ولا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء، ولا يحقّقون لهم نفعا، ولا يدفعون عنهم ضرّا. وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفّيه إليه من بعيد، ليشرب منه وهو عطشان فهو لا يبلغ فمه أبدا. وليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسار وضياع وبطلان لأن دعاءهم لهم غير مجاب، كما أن دعاءهم الله غير مجاب أيضا لأنهم مشركون، وتكون إجابة الأصنام ونحوها والانتفاع بها غير واقعة.
ومن كمال الله وقدرته وتسخير الأشياء له فقط أنه يسجد له أي يخضع وينقاد له كل شيء طوعا من المؤمنين والملائكة في حال الشّدة والرّخاء، وكرها من الكافرين في حال الشّدة، بل كل شيء في الكون خاضع منقاد لله الخالق الموجد، طواعية واختيارا أو قهرا وإكراها. وكذلك تسجد وتخضع لله ظلال الأشياء كلها بالغدوّ والآصال، أي في الصباح الباكر، وفي المساء المتأخّر.
والسّجود لله دالّ على الرّبوبية، فلا يستحقّ العبادة سوى الله تعالى. قال مجاهد:
стр. 1152
«ظلّ الكافر يسجد طوعا وهو كاره» وقال ابن عباس: «يسجد ظلّ الكافر حين يفيء عن يمينه وشماله» .
وجود الله ووحدانيته
لا سبيل للعقلاء إلا الإقرار أو الاعتراف بوجود الله وتوحيده، فلو تأمّل الإنسان بفكر هادئ، وموازنة بسيطة بين الأشياء، وحال الكون، لأدرك في النهاية الحتمية، أن الله موجود متصرّف في العالم، قادر على كل شيء، واحد لا إله غيره، ولا سلطان في السماوات والأرض لأحد سواه. وعلى الرغم من أن الله تعالى يسجد له جميع من في السماوات والأرض ويخضع لقدرته وعظمته، فإن عبدة الأصنام ينكرون الوحدانية، فناقشهم القرآن لإثبات وحدانية الألوهية والرّبوبية، حتى لا يجدوا مناصا من إعلان التصديق بها، قال الله تعالى واصفا هذا النقاش:
[سورة الرعد (١٣) : آية ١٦]
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)
[الرّعد: ١٣/ ١٦] .
إن من أبسط الأمور والبديهيات أن الله وحده هو خالق السماء والأرض وما فيهما، وكل شيء في الوجود يعلن أنه مربوب لله، خاضع لسلطانه. ومع هذا جاء السؤال للتقرير والتثبيت، يأمر الله رسوله بسؤال المشركين، من خالق السماوات والأرض؟ وبما أن السؤال عن أمر وتقرير الجواب عنه واضح كل الوضوح، لا مجال لأحد بدفعه والجدال فيه، وإلزام الحجة به، جاء الجواب من غير انتظار:
الله هو ربّ السماوات والأرض، كما قال تعالى في آية أخرى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٣١/ ٢٥] . وقل لهم: آن لكم إذن أن تقولوا:
стр. 1153
الله خالقهما وربّهما ومدبّرهما، وهو الإله الواحد فيهما لا ندّ له ولا شريك ولا نظير.
ثم أمر الله رسوله أن يقول للمشركين بعد هذا التقرير وإثبات ألوهية الله ووحدانيته: فلم اتّخذتم لأنفسكم من دون الله معبودات جوفاء هي جمادات، لا حركة فيها ولا عقل ولا وعي، ولا تفعل شيئا، ولا تمنع شيئا؟ ومع ذلك تجعلونها أنصارا؟! وإذا كانت تلك الآلهة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا، فهي لا تملك لعابديها بطريق الأولى نفعا ولا ضرّا. فهل يستوي من عبد هذه الآلهة المزيفة مع الله الخالق القادر، ومن عبد الله وحده لا شريك له، فهو على نور من ربّه، وهو البصير المتفتح على الأشياء، المدرك حقائق الأمور. وأما من عبد غير الله فهو أعمى القلب والبصيرة، فاقد العقل والوعي، وهو في ظلمات يتخبّط، وفي متاهات يدور.
وكيف يتساوى الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير الذي يدرك الحق، ويهدي الأعمى إليه، وهل يعقل أن تتساوى الظلمات الدامسة العمياء، والنّور الأبلج الواضح، وما مثل الكافر إلا كالأعمى والكفر كالظّلمات، وأما مثل المؤمن فهو كالبصير المدرك، والإيمان كالنّور المبين الذي يضيء الآفاق ودروب الحياة.
ثم قال تعالى: أَمْ جَعَلُوا أي بل جعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرّبّ وتماثله في الخلق، فيتشابه خلق الشركاء بخلق الله، وهذا محض الباطل، ومجرد الوهم القاتم، فإن معبودات المشركين إذا زعموا أنها تخلق شيئا، وهم يعبدونها، فإنهم ضالّون مخطئون، إنهم لا يخلقون شيئا، وهم يخلقون، فكيف يشركونها في العبادة؟
أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون. هل رأوا خلقا لغير الله، فحملهم ذلك ودعاهم اشتباهه بما خلق الله، على أن جعلوا إلها غير الله؟!
стр. 1154
ليس الأمر كما زعموا، فإن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه، ولا يماثله شيء، ولا ندّ له ولا وزير، ولا نظير ولا شبيه، ولا والد له ولا ولد ولا صاحبة، وهؤلاء المشركون عبدوا آلهة مزيّفة عاجزة، وهم معترفون أنها مخلوقة لله، وهم عبيد له، بإقرارهم وقولهم كما حكى القرآن عنهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزّمر: ٣٩/ ٣] . ثم أمر الله نبيّه محمدا ﵊ أن يعلن بكل فصاحة عن صفات الله تعالى في أنه خالق كل شيء، خالق السماء والأرض، والإنسان والحيوان، والأشياء الحيّة والجامدة، وهو الإله الواحد، الغالب على كل شيء، فكيف تعبدون أصناما لا تنفع ولا تضرّ؟!
مثل الحقّ والباطل
على الرغم من أن الحقّ قوي واضح ومطابق للواقع، والباطل واه ضعيف مغاير للواقع، فإن بعض الناس- جهلا وحماقة منهم أو ضعف إدراك أو مكابرة وعنادا، أو تأثّرا بأهواء وميول ومصالح معينة- يتنكرون للحق والإيمان وأهل كلّ منهما، ويؤازرون الباطل والضّلال والشّك في الدين والإيمان وحقائق كلّ منهما بسبب سوء الاستعداد وتأييد الانحراف والميل مع أهواء الشيطان. ولقد أحسن القرآن العظيم حين جعل مثل الحق وأهله في ثباته وبقائه وشبّهه بالماء النازل من السماء، الذي ينفع الأرض والناس، وشبّهه أيضا بالمعدن الذي ينتفعون به في صياغة الحلي المعتاد واتّخاذ الأواني والآلات المختلفة، وجعل مثل الباطل في اضمحلاله وفنائه وسرعة زواله وانعدام منفعته، وشبّهه بزبد السّيل أو رغوته الذي يرمي به، وزبد المعدن أو شوائبه، الذي يطفو فوقه إذا أذيب. قال الله تعالى:
стр. 1155
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٧ الى ١٩]
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الرّعد: ١٣/ ١٧- ١٩] .
هذه الآيات مثال واضح للحقّ والباطل، والإيمان والكفر، والشّك في الشّرع واليقين به، والحقّ هو القرآن والإيمان في ثباته ونفعه، والباطل هو الكفر في الاضمحلال والفناء. ومثل الحق كالمطر النازل من السماء الذي تسيل منه الأودية غزارة وضعفا بحسب صغرها وكبرها أو مقدارها، والقلوب كهذه الوديان تتفاوت في استيعاب الإيمان سعة وضيقا، وهذا هو الثابت النافع، وأما زبد السّيل الطّافي فوقه، فهو مثل الباطل في زواله وانعدام نفعه.
والمثل الثاني: هو أن الحقّ كالمعدن النافع من ذهب أو فضّة ونحوهما من المعادن التي يستفاد منها فوائد كثيرة، والباطل: هو ما يعلو تلك المعادن من شوائب وأخلاط طافية عند انصهارها أو إذابتها في النار.
وعقّب الله تعالى على المثلين بقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي إن التشبيه المذكور مثل الحقّ والباطل إذا اجتمعا، فالحق في استقراره ونفعه كالماء المستقرّ النافع، وكالمعدن النّقي الصّافي. والباطل في زواله وعدم نفعه كالرغوة التي يقذفها السّيل على جوانبه، وكشوائب المعدن التي يطرحها ويتخلّص منها عند انصهاره،
стр. 1156
فيبقى الحقّ ويثبت، ويزول الباطل ويتبدّد. وما أجمل وأحكم هذا التشبيه وبيان النتائج، فأما الزّبد الطّافي فوق الماء فيزول ويقف على جانبي السّيل وفوق قدور المراجل، وأما النافع من الماء والمعدن فيبقى مستقرّا في الأرض، فيشرب الإنسان والحيوان والنبات والزرع من الماء، وتستفيد البشرية من المعادن الصافية بالحلي والصناعات المختلفة.
وعقّب الله تعالى على استقرار النافع وتبدّد الضّار بقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ أي إنه تعالى كما بيّن لكم هذه الأمثال، فكذلك يضربها بيّنات واضحات، لإيضاح الفارق المتميّز بين الإيمان والكفر، والحق والباطل.
والقرآن الكريم يجسّد الحق ونور الإيمان بإحياء القلوب، كما يحيي الماء الأرض بعد موتها ويبسها، وكما ينفع المعدن النّقي الناس في منافع كثيرة. وأما الكفر والضّلال والشّرك، فهو عديم النفع سريع الزوال، ويتبدّد فورا. وما ضرب هذا المثل إلا لخير الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل ليختار النافع وهو الإيمان، ويترك الضّارّ المتلاشي وهو الكفر، فيكثر أهل الحق والإيمان بالحق والنّور، ويضعف أهل الضلال والكفران بالباطل والظلام.
ثم ذكر الله تعالى مصير أهل الحق وأهل الباطل، ومآل السعداء والأشقياء، ترغيبا وترهيبا، فقال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى أي إن الذين يطيعون الله ورسوله، وينقادون لأوامره، ويصدّقون أخباره، لهم الجزاء الحسن ونعيم الجنة، والخلود الأبدي في دار النعيم. والذين لم يستجيبوا لربّهم، فلم يطيعوا الله ورسوله، لا ينفعهم الفداء في الآخرة بجميع ما في الدنيا من أموال وأضعاف ما فيها، فلا يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه. ولو كان لهم كل ما في الدنيا، وقدّموا فداء من العذاب، لا يتقبّله الله منهم على الإطلاق. أولئك الذين
стр. 1157
لم يطيعوا الله، لهم سوء الحساب والعذاب، ومرجعهم إلى النار ومستقرّهم فيها، وبئس المستقرّ والفراش تلك النار الموقدة التي تفوق بحرارتها كل ما عرفته البشرية من أفران عادية وذرّية عالية التّوتر تصهر كل شيء.
بعد هذا البيان الرهيب والواضح سلفا لا يستوي من يعلم أن المنزل إليك من ربّك يا محمد هو الحقّ الثّابت الذي لا شكّ فيه، فأخباره وشرائعه كلها حقّ وعدل، لا يستوي هذا ومن لم يصدّق برسالتك يا محمد، وكان أعمى لا يبصر الحق ولا يدرك المصلحة الحقيقية، ولا يختار ما فيه خير وهداية، وسعادة وإنقاذ. قال تعالى:
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) [الحشر:
٥٩/ ٢٠] .
الأوصاف الاجتماعية لأولي الألباب
عني القرآن الكريم بتربية الفرد والجماعة تربية فاضلة متماسكة، يعود خيرها وانعكاساتها على الناس جميعا، لأن القرآن والإسلام رسالة إصلاح وإنقاذ، وتقدّم وبناء، وعطاء وإحسان. وكل من يسهم في هذا البناء الاجتماعي للأمة فهو ترجمان القرآن والإيمان الصحيح، وكل من يشذّ أو ينحرف أو يسيء لأسرته ومجتمعة، فهو تلميذ الشيطان وعدو الأمة، لذا وصف الله أهل الإيمان والاستقامة بأنهم أولو الألباب والعقول الرشيدة، ووصف أهل الضّلال والانحراف بأنهم ذوو الجهالة والحماقة، فقال الله تعالى:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)
стр. 1158
«١» «٢» [الرّعد: ١٣/ ٢٠- ٢٤] .
يصف الله تعالى في هذه الآيات أولي الألباب الذين يسّرهم للإيمان برسالة النّبي والقرآن، واعتقدوا أن ما أنزل الله هو الحقّ بالصفات التالية:
١- الوفاء بالعهد: فالمؤمنون الصادقون يوفون بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بربوبيّته وبالمواثيق والعهود كلها بينهم وبين ربّهم، وهي أوامر الله ونواهيه التي وصّى بها عبيده، وهذا يشمل جميع الفرائض والواجبات والشرائع والأحكام والآداب والأخلاق، والامتناع عن جميع المخالفات والمعاصي.
٢- عدم نقض الميثاق: أي إنهم يلازمون أداء الأوامر واجتناب النّواهي مدى الحياة، ولا يخلّون بواجبات العهد والتزاماته، ولا ينقضون أي بند من بنود العهد الإيماني مع ربّهم، ولا بالعقود التي يبرمونها مع الناس من بيع وشراء وإيجار واستئجار وشركة ونحوها، على عكس ما نشاهده اليوم أن كثيرا من الناس، يبرمون العقود مع غيرهم، ويتّفقون على الشروط، ثم يتحلّل الواحد منهم من العقد كله أو بعضه، ضاربا بكلامه الذي التزم به عرض الحائط. وهذا اللون من نقض العقد أو فسخه ينقلهم من حديقة الإيمان ونور الحقّ والقرآن إلى دائرة النفاق الاجتماعي،
قال ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما-: «آية المنافق ثلاث:
إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» .
٣- صلة ما أمر الله بوصله: من حقوق الله ومؤازرة النّبي والقرآن، وحقوق العباد التي من أهمها وأولاها: صلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والمحتاجين
стр. 1159
والفقراء لأن من شأن المؤمن أن يعمّ خيره ويدوم نفعه، ويؤدي واجبه نحو غيره لإرضاء ربّه، دون أن يقصد نفعا مادّيا لنفسه أو طمعا في مال أو جاه أو وظيفة، فإن الله ربّ العباد هو الميسّر للخير والمانع من الشّر، والعبد مجرد أداة ووسيلة.
٤- الخوف من الله وخشية عذابه: أي إن أولي الألباب هم الذين يخافون ربّهم فيما يأتون، وما يتركون من أعمال، ويراقبون الله في السّرّ والعلن، يخلصون النّية والقصد لوجه الله، ويحذرون من شدّة العذاب، وسوء الحساب في الآخرة لأن عاقبة ذلك وخيمة وهي الزّج في نيران جهنم.
٥- الصّبر: يصبر العاقل الرشيد على طاعة ربّه، واجتناب معصيته لأن في الطاعة عزّ النفس ونجاتها، وفي المعصية الذّلّ والانكسار، والندم والخسران. ويشمل الصبر لوجه الله جميع الأحوال من الرّزايا والأسقام والعبادات.
٦- إقام الصّلاة المفروضة: فالعقلاء هم الذين يؤدّون ما أوجب الله عليهم من الصلاة كاملة الأركان تامّة الشروط والأوصاف، مع خشوع القلب لله، وخضوع النفس لربّ العباد.
٧- الإنفاق في وجوه الخير: إن المؤمنين الصادقين هم الذين ينفقون بعض أموالهم في السّر والعلن في مرضاة الله، من غير قصد الشهرة والرّياء، والتّباهي والسّمعة، ويفعلون ذلك بقصد التقرب إلى الله، وجب الخير، والرفاه لعباد الله جميعا، من غير تفرقة بين مؤمن وغير مؤمن لأن الإنسان يتخلّق بأخلاق الله في إمداد العباد بالرّزق، سواء آمنوا أو كفروا. وذلك هو السّمو بذاته والرّفعة بعينها.
٨- مقابلة الإساءة بالإحسان: إن المؤمن الصادق هو الذي يترفّع عن الأخذ بالثّأر والانتقام، ويردّ السّيئة ويدفعها بالحسنة، فيقابل الجهل بالحلم، والأذى بالصبر، والضّرر بالنّفع، والإساءة بالعفو والصّفح وكظم الغيظ.
стр. 1160
هؤلاء العقلاء (أولو الألباب) الموصوفون بالصفات السابقة، هم لا غيرهم لهم العاقبة الحسنة والسعادة في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا ينتصرون على الأعداء، وفي الآخرة يدخلون الجنة بفضل من الله وإحسان. تلك العاقبة الحسنى هي الظفر بجنان الخلد، التي يقيم فيها الصالحون والأنبياء والمرسلون، يدخلونها هم وصالحو المؤمنين من آبائهم وأجدادهم وفروعهم وذرّياتهم، يتنعّمون بخيراتها. وتدخل عليهم الملائكة من أبواب الجنة المختلفة تحييهم وتسلّم عليهم قائلين لهم: سلام دائم عليكم، ورحمة سابغة من ربّكم، بسبب صبركم في دنياكم على الطاعة، وتجنّب المعصية، والرّضا في المصاب بالقضاء والقدر، والحمد والشكر على نعم الله، فنعم عقبى الدنيا الجنة. وما أسعد العمال الذين أحسنوا العمل، وأتقنوا الصنعة، إذا ظفروا بالجزاء الحسن: من تقدير وحبّ، وسمعة واحترام، ومكافأة مجزية، تجعلهم راضين رضا كاملا في نفوسهم، مطمئنين مرتاحي البال والضمير لأن غيرهم قدّر عملهم.
أوصاف الأشقياء
واقع الحياة الدنيا وأحوال الناس فيها عجيب غريب، فمنهم أهل الحق والاستقامة وهم السعداء بالفعل، ومنهم أهل الباطل والانحراف، وهم الأشقياء بالفعل، وكل امرئ بما كسب رهين، وبحسب ما يزرع كل إنسان يحصد في الدنيا والآخرة، فمن زرع نباتا طيّبا، استفاد منه وأفاد الآخرين، ومن زرع نباتا خبيثا، أضرّ نفسه وأضرّ الآخرين، ولا غرابة بعدئذ أن يجازى المحسنون أعمالهم بجنان الخلد، ويجازى الأشرار والفجّار بنيران الجحيم، وذلك هو مقتضى العدل. وقد وصف الله تعالى أهل الشقاوة بما يأتي:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٥ الى ٢٩]
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)