فيبقى الحقّ ويثبت، ويزول الباطل ويتبدّد. وما أجمل وأحكم هذا التشبيه وبيان النتائج، فأما الزّبد الطّافي فوق الماء فيزول ويقف على جانبي السّيل وفوق قدور المراجل، وأما النافع من الماء والمعدن فيبقى مستقرّا في الأرض، فيشرب الإنسان والحيوان والنبات والزرع من الماء، وتستفيد البشرية من المعادن الصافية بالحلي والصناعات المختلفة.
وعقّب الله تعالى على استقرار النافع وتبدّد الضّار بقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ أي إنه تعالى كما بيّن لكم هذه الأمثال، فكذلك يضربها بيّنات واضحات، لإيضاح الفارق المتميّز بين الإيمان والكفر، والحق والباطل.
والقرآن الكريم يجسّد الحق ونور الإيمان بإحياء القلوب، كما يحيي الماء الأرض بعد موتها ويبسها، وكما ينفع المعدن النّقي الناس في منافع كثيرة. وأما الكفر والضّلال والشّرك، فهو عديم النفع سريع الزوال، ويتبدّد فورا. وما ضرب هذا المثل إلا لخير الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل ليختار النافع وهو الإيمان، ويترك الضّارّ المتلاشي وهو الكفر، فيكثر أهل الحق والإيمان بالحق والنّور، ويضعف أهل الضلال والكفران بالباطل والظلام.
ثم ذكر الله تعالى مصير أهل الحق وأهل الباطل، ومآل السعداء والأشقياء، ترغيبا وترهيبا، فقال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى أي إن الذين يطيعون الله ورسوله، وينقادون لأوامره، ويصدّقون أخباره، لهم الجزاء الحسن ونعيم الجنة، والخلود الأبدي في دار النعيم. والذين لم يستجيبوا لربّهم، فلم يطيعوا الله ورسوله، لا ينفعهم الفداء في الآخرة بجميع ما في الدنيا من أموال وأضعاف ما فيها، فلا يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه. ولو كان لهم كل ما في الدنيا، وقدّموا فداء من العذاب، لا يتقبّله الله منهم على الإطلاق. أولئك الذين
стр. 1157
لم يطيعوا الله، لهم سوء الحساب والعذاب، ومرجعهم إلى النار ومستقرّهم فيها، وبئس المستقرّ والفراش تلك النار الموقدة التي تفوق بحرارتها كل ما عرفته البشرية من أفران عادية وذرّية عالية التّوتر تصهر كل شيء.
بعد هذا البيان الرهيب والواضح سلفا لا يستوي من يعلم أن المنزل إليك من ربّك يا محمد هو الحقّ الثّابت الذي لا شكّ فيه، فأخباره وشرائعه كلها حقّ وعدل، لا يستوي هذا ومن لم يصدّق برسالتك يا محمد، وكان أعمى لا يبصر الحق ولا يدرك المصلحة الحقيقية، ولا يختار ما فيه خير وهداية، وسعادة وإنقاذ. قال تعالى:
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) [الحشر:
٥٩/ ٢٠] .
الأوصاف الاجتماعية لأولي الألباب
عني القرآن الكريم بتربية الفرد والجماعة تربية فاضلة متماسكة، يعود خيرها وانعكاساتها على الناس جميعا، لأن القرآن والإسلام رسالة إصلاح وإنقاذ، وتقدّم وبناء، وعطاء وإحسان. وكل من يسهم في هذا البناء الاجتماعي للأمة فهو ترجمان القرآن والإيمان الصحيح، وكل من يشذّ أو ينحرف أو يسيء لأسرته ومجتمعة، فهو تلميذ الشيطان وعدو الأمة، لذا وصف الله أهل الإيمان والاستقامة بأنهم أولو الألباب والعقول الرشيدة، ووصف أهل الضّلال والانحراف بأنهم ذوو الجهالة والحماقة، فقال الله تعالى:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)
стр. 1158
«١» «٢» [الرّعد: ١٣/ ٢٠- ٢٤] .
يصف الله تعالى في هذه الآيات أولي الألباب الذين يسّرهم للإيمان برسالة النّبي والقرآن، واعتقدوا أن ما أنزل الله هو الحقّ بالصفات التالية:
١- الوفاء بالعهد: فالمؤمنون الصادقون يوفون بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بربوبيّته وبالمواثيق والعهود كلها بينهم وبين ربّهم، وهي أوامر الله ونواهيه التي وصّى بها عبيده، وهذا يشمل جميع الفرائض والواجبات والشرائع والأحكام والآداب والأخلاق، والامتناع عن جميع المخالفات والمعاصي.
٢- عدم نقض الميثاق: أي إنهم يلازمون أداء الأوامر واجتناب النّواهي مدى الحياة، ولا يخلّون بواجبات العهد والتزاماته، ولا ينقضون أي بند من بنود العهد الإيماني مع ربّهم، ولا بالعقود التي يبرمونها مع الناس من بيع وشراء وإيجار واستئجار وشركة ونحوها، على عكس ما نشاهده اليوم أن كثيرا من الناس، يبرمون العقود مع غيرهم، ويتّفقون على الشروط، ثم يتحلّل الواحد منهم من العقد كله أو بعضه، ضاربا بكلامه الذي التزم به عرض الحائط. وهذا اللون من نقض العقد أو فسخه ينقلهم من حديقة الإيمان ونور الحقّ والقرآن إلى دائرة النفاق الاجتماعي،
قال ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما-: «آية المنافق ثلاث:
إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» .
٣- صلة ما أمر الله بوصله: من حقوق الله ومؤازرة النّبي والقرآن، وحقوق العباد التي من أهمها وأولاها: صلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والمحتاجين
стр. 1159
والفقراء لأن من شأن المؤمن أن يعمّ خيره ويدوم نفعه، ويؤدي واجبه نحو غيره لإرضاء ربّه، دون أن يقصد نفعا مادّيا لنفسه أو طمعا في مال أو جاه أو وظيفة، فإن الله ربّ العباد هو الميسّر للخير والمانع من الشّر، والعبد مجرد أداة ووسيلة.
٤- الخوف من الله وخشية عذابه: أي إن أولي الألباب هم الذين يخافون ربّهم فيما يأتون، وما يتركون من أعمال، ويراقبون الله في السّرّ والعلن، يخلصون النّية والقصد لوجه الله، ويحذرون من شدّة العذاب، وسوء الحساب في الآخرة لأن عاقبة ذلك وخيمة وهي الزّج في نيران جهنم.
٥- الصّبر: يصبر العاقل الرشيد على طاعة ربّه، واجتناب معصيته لأن في الطاعة عزّ النفس ونجاتها، وفي المعصية الذّلّ والانكسار، والندم والخسران. ويشمل الصبر لوجه الله جميع الأحوال من الرّزايا والأسقام والعبادات.
٦- إقام الصّلاة المفروضة: فالعقلاء هم الذين يؤدّون ما أوجب الله عليهم من الصلاة كاملة الأركان تامّة الشروط والأوصاف، مع خشوع القلب لله، وخضوع النفس لربّ العباد.
٧- الإنفاق في وجوه الخير: إن المؤمنين الصادقين هم الذين ينفقون بعض أموالهم في السّر والعلن في مرضاة الله، من غير قصد الشهرة والرّياء، والتّباهي والسّمعة، ويفعلون ذلك بقصد التقرب إلى الله، وجب الخير، والرفاه لعباد الله جميعا، من غير تفرقة بين مؤمن وغير مؤمن لأن الإنسان يتخلّق بأخلاق الله في إمداد العباد بالرّزق، سواء آمنوا أو كفروا. وذلك هو السّمو بذاته والرّفعة بعينها.
٨- مقابلة الإساءة بالإحسان: إن المؤمن الصادق هو الذي يترفّع عن الأخذ بالثّأر والانتقام، ويردّ السّيئة ويدفعها بالحسنة، فيقابل الجهل بالحلم، والأذى بالصبر، والضّرر بالنّفع، والإساءة بالعفو والصّفح وكظم الغيظ.
стр. 1160
هؤلاء العقلاء (أولو الألباب) الموصوفون بالصفات السابقة، هم لا غيرهم لهم العاقبة الحسنة والسعادة في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا ينتصرون على الأعداء، وفي الآخرة يدخلون الجنة بفضل من الله وإحسان. تلك العاقبة الحسنى هي الظفر بجنان الخلد، التي يقيم فيها الصالحون والأنبياء والمرسلون، يدخلونها هم وصالحو المؤمنين من آبائهم وأجدادهم وفروعهم وذرّياتهم، يتنعّمون بخيراتها. وتدخل عليهم الملائكة من أبواب الجنة المختلفة تحييهم وتسلّم عليهم قائلين لهم: سلام دائم عليكم، ورحمة سابغة من ربّكم، بسبب صبركم في دنياكم على الطاعة، وتجنّب المعصية، والرّضا في المصاب بالقضاء والقدر، والحمد والشكر على نعم الله، فنعم عقبى الدنيا الجنة. وما أسعد العمال الذين أحسنوا العمل، وأتقنوا الصنعة، إذا ظفروا بالجزاء الحسن: من تقدير وحبّ، وسمعة واحترام، ومكافأة مجزية، تجعلهم راضين رضا كاملا في نفوسهم، مطمئنين مرتاحي البال والضمير لأن غيرهم قدّر عملهم.
أوصاف الأشقياء
واقع الحياة الدنيا وأحوال الناس فيها عجيب غريب، فمنهم أهل الحق والاستقامة وهم السعداء بالفعل، ومنهم أهل الباطل والانحراف، وهم الأشقياء بالفعل، وكل امرئ بما كسب رهين، وبحسب ما يزرع كل إنسان يحصد في الدنيا والآخرة، فمن زرع نباتا طيّبا، استفاد منه وأفاد الآخرين، ومن زرع نباتا خبيثا، أضرّ نفسه وأضرّ الآخرين، ولا غرابة بعدئذ أن يجازى المحسنون أعمالهم بجنان الخلد، ويجازى الأشرار والفجّار بنيران الجحيم، وذلك هو مقتضى العدل. وقد وصف الله تعالى أهل الشقاوة بما يأتي:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٥ الى ٢٩]
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)
стр. 1161
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» »
[الرّعد: ١٣/ ٢٥- ٢٩] .
وصف الله تعالى في الآية الأولى الأشقياء بصفات ثلاث وهي:
١- نقض عهد الله: أي إنهم ينكثون بعهد الله الذي ألزم عباده به وأمرهم بفعله، سواء فيما يتعلق بالإيمان بوجود الله ووحدانيته وقدرته وعلمه وإرادته، أو بالإيمان بالأنبياء والرّسل والكتب المنزلة من عند الله، أو يتعلق بحقوق الناس.
٢- قطع ما أمر الله به أن يوصل: أي قطع كل ما أوجب الله وصله، من الإيمان بالله وبرسله وكتبه، وقطع الرحم والقرابة، وعدم صلة المؤمنين وأصحاب الحقوق.
روي: «إذا لم تمش إلى قريبك برجلك، ولم تواسه بمالك، فقد قطعته» .
٣- الإفساد في الأرض: أي ويفسدون في الدنيا بأعمالهم الخبيثة، من الظلم والجور، والدعوة إلى غير دين الله، وخيانة الأمانة، وتخريب الديار، وإفساد الأخلاق، وإثارة الفتن والضّلالات، وإيقاد نيران الحروب ظلما وعدوانا.
أصحاب هذه الصفات يستحقون اللعنة، أي الطّرد من رحمة الله والإبعاد من خيري الدنيا والآخرة، ولهم سوء العاقبة والمآل، وهو عذاب جهنم.
ثم أبان الله تعالى أن تقدير الأرزاق في الدنيا بين العباد منوط بإرادة الله وحكمته، لأن الدنيا دار امتحان، وليس لها قيمة تذكر عند الله تعالى، فقد يبسط
стр. 1162
الله الرّزق للكافر، ويقتّره على المؤمن، وذلك لا يدلّ على تكريم الكافر وإهانة المؤمن، فإن سعة الرزق قد تكون دليلا على التّورّط والاستدراج والإضرار، وتضييق الرزق قد يكون زيادة في الأجر والثواب. والمعنى إن هذا كله بمشيئة الله، يهب الكافر المال ليهلكه به، ويقدره على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره. لهذا عاب الله الأغنياء الأشقياء وحقّر شأنهم وشأن أموالهم، فلا يصح لهم أن يفهموا أن زيادة الرزق والغنى ووفرة المال لكونهم يستحقون ذلك، وإنما قد يكون ذلك تعذيبا لهم، فإذا فرح المشركون والكافرون فرح بطر وتكبّر بالحياة الدنيا ومتعها، وجهلوا ما عند الله من الخير الدائم الخالد في الآخرة والسعادة الأبدية، فإن فرحتهم يعقبها الغصّة والألم، لأن الحياة الدنيا في ميزان الآخرة مجرد متاع زائل، وشيء قليل ذاهب، يزول بسرعة كالبرق الخاطف، لمن تأمل ووعى.
روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما أن النّبي ﷺ قال: «ما الدّنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم يرجع، وأشار بالسّبابة» .
وقد يتمادى أهل الثروة والطغيان فيطالبون بمطالب مادّية تعجيزية لا فائدة منها، مثلما فعل مشركو مكة الذين اغتروا بمتاع الحياة الدنيا، وطمست المادة وحبّ الدنيا قلوبهم ومشاعرهم، فاقترحوا على النّبي ﷺ إنزال آيات مادّية غريبة كإسقاط السماء عليهم كسفا، أي قطعا، أو تسيير جبال مكة من أماكنها، وجعل البطاح محارث وبساتين ومغارس، وإحياء الماضين والأسلاف، علما بأن مثل هذه المقترحات لا تكون عادة إلا إذا أراد الله تعذيب قوم، فردّ الله عليهم بأن نزول هذه الآيات لا يؤدي بالضرورة إلى إيمانهم ولا هداهم، وإنما الأمر بيد الله يضلّ من يشاء بسبب علمه بفساد الضّال، ويهدي من يشاء إلى طاعته والإيمان به بسبب إيمانه بالآيات الدّالة على حقيقة الإيمان، وإنابته لطاعة الرحمن.
стр. 1163
إن هؤلاء الذين يستحقون الهداية هم الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، وسكنت قلوبهم إلى توحيد الله ووعده، وسرّوا بذكر الله واطمأنت قلوبهم إلى ربّهم، ورضوا بالثواب الإلهي والفضل والإحسان الرّبّاني، ولم يشكّوا بشيء من أصول الإيمان، ولم يتبرموا أو يستخطوا على مراد الله وقدره، وتلك هي السعادة الحقيقية: سكون القلب، وهدوء البال، والبعد عن القلق والاضطراب مصدر أكثر الأمراض، ألا بذكر الله تطمئن القلوب وتهدأ، وتلتزم باليقين ويستقرّ فيها الإيمان الكامل، وتفيض بنور الإيمان، وتشعر براحة النفس.
إن هؤلاء المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان الصحيح وبرد اليقين، وعملوا صالح الأعمال بأداء الفرائض وترك المعاصي لهم العيش الطيب الهنيء، والنعمة والخير، وحسن المرجع والثواب، وهذا هو المراد بقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) [الرعد: ١٣/ ٢٩] . والمآب: المرجع والمآل. وكلمة (طوبى) إما اسم أو مصدر، فهي اسم شجرة في الجنة، أو هي بمعنى الخير والنعمة والغبطة والعيش الطّيب للمؤمنين.
النّبي ﷺ والقرآن الكريم
إن علاقة الرّسل ﵈ بأقوامهم علاقة صعبة وشائكة ودقيقة، لأن أولئك الأقوام قوم عتاة أشداء، وتوارثوا عادات معينة، وألفوا البدائية والفوضى وممارسة الأهواء والشهوات، والأنبياء والرّسل ذوو رسالة إصلاحية شاملة في العقيدة والشريعة والآداب القويمة، يريدون أن ينقلوا الأقوام من همجيات أفعالهم إلى نور المعرفة والإيمان والمدنية والنور، وذلك الانتقال يحتاج لجهود كبيرة وتضحيات جسمية، فيقع الصّراع والتّحدي بين النّبي وقومه، وهكذا كانت الحال مع رسول
стр. 1164
الله ﷺ ومشركي قريش في مكة المكرمة: حال قائمة على الصّراع الحادّ والتّحدي، كما وصف الله في الآيات التالية:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّعد: ١٣/ ٣٠- ٣٢] .
لقد أبان الله تعالى في هذه الآيات قيمة وأهمية إرسال النّبي ﷺ وقيمة ما أرسل به وعظمة القرآن الكريم المنزل عليه، فمثل ذلك الإرسال للأنبياء السابقين أرسلناك أيها الرسول محمد إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات، كما قال الزمخشري، ومهمتك في هذا الإرسال واضحة، أرسلناك بكتاب تبلّغه للناس وتقرؤه عليهم، كما أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك، ولما كذّب الرّسل، انظر كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم، ولأتباعهم في الدنيا والآخرة. وأما المرسل إليهم فكانوا يكفرون بالرّحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، لا يقرّون به، ولا يشكرون نعمه وفضله، وأخطر ما يقولون: إن لله شريكا، فكان الرّد المأمور به عليهم: قل لهم أيها الرسول: إن الرّحمن الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقرّ له بالرّبوبية والألوهية، فهو متولّي أمري وخالقي، لا إله غيره ولا معبود سواه، توكّلت عليه في جميع أموري، وفوّضتها إليه، وإليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحقّ ذلك أحد سواه.
стр. 1165
ثم بيّن الله تعالى عظمة القرآن وفضله على سائر الكتب المنزلة قبله، فلو كان هناك في الكتب الماضية كتاب تسيّر بتلاوته الجبال عن أماكنها، أو تقطّع به الأرض وتشقق وتجعل أنهارا وعيونا، أو تكلّم به الموتى في قبورهم لإحيائهم بقراءته، لكان هذا القرآن هو المتّصف بتلك الصفات، دون غيره، بل هو الأولى، لما فيه من الإعجاز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لاشتماله على الآيات الكونية الدّالة على وجود الله، والشرائع والأحكام المنظمة لعلاقات الناس، والكفيلة بإسعادهم في الدّارين.
وكان هذا الوصف ردّا على مشركي قريش الذين طالبوا بآية تعجيزية مادّية تثبت نبوّة النّبي ﷺ .
روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إن كنت نبيّا كما تزعم، فباعد جبلي مكة أخشبيها (جبلين فيها) هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة، فإنها ضيقة، حتى نزرع فيها ونرعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى، حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجي، في ليلة، كما زعمت أنك فعلته، فنزلت هذه الآية.
ردّ الله عليهم بقوله: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي بل مرجع الأمور كلها إلى الله ، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو صاحب الأمر والإرادة في إنزال الآيات المادّية وغيرها، وهو القادر على كل شيء.
أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً أي ألم يعلم (أي أن ييأس في لغة هذيل بمعنى يعلم) المؤمنون أن الله قادر لو شاء على هداية الناس جمعيا إلى الإيمان بالقرآن، أو أن ييأس بمعناها المعروف من اليأس، والمعنى: أفلم ييأس المؤمنون من إيمان هؤلاء الكفرة، مع العلم بأن الله لو شاء لهدى الناس جميعا.
ثم أخبر الله تعالى عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من
стр. 1166
سرايا رسول الله ﷺ وغزواته، من القتل والأسر وأخذ الأموال، أو تحلّ القارعة الدّاهية قريبا من ديارهم، فتصيب من حولهم ليتّعظوا ويعتبروا، حتى يأتي وعد الله أي حتى ينجز الله وعده لك أيها الرسول فيهم، بنصرك عليهم، إن الله ينجز وعده الذي وعدك به حتما، ولا يتخلف الله الميعاد، بالنصر عليهم. وهذه هي حال الكفار أبدا إلى يوم القيامة، حتى يتّعظوا ويقلعوا عن كفرهم.
ثم أورد تعالى آية تأنيس ومواساة للنّبي ﷺ ، مفادها: لا يضيق صدرك يا محمد بما ترى من قومك وتلقى منهم، فليس ذلك ببدع ولا نكير، فإن كذّبك بعض قومك، واستهزأ بك المشركون منهم، وطلبوا آيات منك عنادا ومكابرة، فاصبر على أذاهم، فلك في الرّسل المتقدمين أسوة، حيث أنظرت أولئك الكافرين وأجّلتهم مدة من الزمان، ثم أوقعت بهم العذاب، فانظر كيف كان عقابي لهم حين عاقبتهم. وقوله سبحانه: فَكَيْفَ كانَ عِقابِ تقرير وتعجيب، وفي ضمنه وعيد للكفار المعاصرين لمحمد ﵊، ولكل من جحد برسالته وأعرض عن دعوته إلى يوم القيامة.
من الأحقّ بالعبادة ؟
إن الحرب المركزة والعنيفة الشعواء على الشّرك والوثنية في منهج الإسلام وجميع الأديان، إنما كانت من أجل إنهاء هذه الظاهرة الشاذة التي لا تتفق مع العقل السّوي والكرامة الإنسانية، ولتوجيه الإنسان نحو ما ينفعه ويدفع عنه الضّرّ بالفعل، وليترفع عن عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ بحال من الأحوال، وهذا يحقق سموّ الإنسان. لذا وبّخ القرآن الكريم أولئك المشركين الوثنيين الذين عبدوا جمادات صماء، لا حركة فيها ولا حياة، ولا تفيد شيئا، ولا تمنع شرّا، فقال الله سبحانه:
стр. 1167
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٥]
أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
«١» «٢» [الرّعد: ١٣/ ٣٣- ٣٥] .
هذا لون من النّقاش والحجاج الهادئ مع المشركين يتضمن توبيخا لهم وتعجيبا من عقولهم، ونفي الدليل النقلي والدليل العقلي على استحقاق تلك الشركاء أي لون من العبادة. والمعنى: إن الله مطّلع على كل نفس، عالم بما يكسب كل إنسان من أعمال الخير والشّر، ولا يخفى عليه خافية، قادر على كل شيء، فكيف يجعلون القادر العالم، كمن لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرّا، وكيف يتّخذونه ربّا يطلبون منه النّفع ودفع الضّرر، والمراد نفي المماثلة المطلقة. وقوله سبحانه: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ معناه: أفمن هو هكذا أحقّ بالعبادة أم الجمادات التي لا تضرّ ولا تنفع؟! كيف يقبل الوثنيون بشيء من التّفكر والتّأمل عبادة الأوثان، وكيف يتخذون شركاء لله، عبدوها معه، من أصنام ونحوها، عاجزة مخلوقة لا شيء لديها من مقومات الفاعلية والحركة؟! وهذا يستتبع توبيخا وتحدّيا لهم، كما في قوله سبحانه: قُلْ سَمُّوهُمْ.. أي صفوهم لنا، وأعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، وليسوا أهلا للعبادة، لعدم تصوّر أي نفع منهم أو دفع ضرّ أو جلبه منهم، أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ يراد به: أتخبرونه بشركاء معبودين لا وجود لهم لأنه
стр. 1168
لو كان لها وجود في الأرض، لعلمها الله الذي لا تخفى عليه خافية، وهذا نفي لوجودها، والاستفهام استفهام توبيخ. وهو إضراب عن قولهم وتقرير مضمونه: هل تعلمون الله بما لا يعلم؟! وكلمة أَمْ بمعنى بَلْ وألف الاستفهام، على مذهب سيبويه.
بل أتسمّونهم شركاء بظنّ ظاهر أجوف من القول أنهم ينفعون ويضرّون، أم بباطل من القول، والمعنى: إنما عبدتم هذه الأصنام بظنّ منكم أنها تنفع وتضرّ، وسميتموها آلهة، وهو ظنّ فاسد، ووصف باطل، وتصوّر خطأ محض، لا أساس له من الصحة والواقع. هل يريدون تجويز ذلك بظاهر من الأمر؟ لأن ظاهر الأمر فيه التباس وموضع احتمال؟ وما لم يكن إلا بظاهر من القول فقط، فلا شبهة له.
بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ الواقع أنه لا فائدة من نقاش المشركين ومحاجتهم، فإنهم قوم زيّن لهم كفرهم وكيدهم وسخفهم، وهو ما هم عليه من الضّلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار. ومَكْرُهُمْ لفظ يعمّ أقوالهم وأفعالهم المناقضة للشرع. وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ أي وتأكيد للواقع أنهم صرفوا عن سبيل الحقّ وسبيل الله والدّين الأقوم، بما زيّن لهم من صحة ما هم عليه.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ومن يخذله الله لكفره وعصيانه وضلاله، فماله من أحد يوفقه إلى الهداية وسلوك طريق النجاة والسعادة.
ثم جاءهم الوعيد الإلهي الرهيب والإنذار بالجزاء الشديد، وهو أن لهم عذابا مؤلما في الدنيا بأيدي المؤمنين، بالقتل والأسر والذّلّ والدّمار، والبلاء ألوان:
المصائب في أجسامهم وغير ذلك، ولهم عذاب الآخرة وهو الاحتراق في نيران الجحيم الذي هو أشدّ وأصعب وأنكى من عذاب الدنيا، وليس لهم ساتر يقيهم أو يحميهم من ذلك العذاب.
стр. 1169
وأما أتقياء المؤمنين المبتعدين عن كل ألوان الشّرك، فلهم ثواب الجنة ذات الجمال المطلق والراحة الأبدية، ونعت الجنة أو وصفها الذي يشبه المثل في الغرابة، تلك الجنة التي وعدها الله للمتقين ذات أنهار تجري في أنحائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجّرونها تفجيرا، ويوجّهونها حيث أرادوا، ما يؤكل فيها من المطاعم والمشارب دائم مستمر لا ينقطع، وكذلك ظلّها دائم، لا ينسخ ولا يزول، فليس فيها شمس ولا حرّ ولا برد، تلك الجنة هي عاقبة ومصير أهل التقوى، وعاقبة الكافرين النار، بسبب كفرهم وذنبهم. والمراد أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب، موصوفة بصفة الدوام. والآية إطماع للمؤمنين المتّقين، وإقناط للكافرين، قال الله تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) [مريم: ١٩/ ٦٣] . وقال سبحانه:
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [الزّخرف: ٤٣/ ٧١] .
موقف أهل الكتاب والمشركين من نبوّة محمد ﷺ
كان المعارضون لدعوة النّبي ﷺ فريقين: فريق المؤمنين المؤيدين، وفريق الجاحدين المنكرين الذين يتمسكون بشبهات واهية وأعذار ساقطة، لتسويغ انحرافهم بتأويلات لا يمكن قبولها أو الحماس لها، فاستحقت أن تطوى من تاريخ الفكر والعلوم. وهكذا أصبحت أفكارهم منقولة على سبيل التعجب من انحدار العقل البشري، والاتّعاظ من آفة الضلال التي تعصف بأصحابها وتهوي بهم في دركات الجحيم. قال الله تعالى واصفا موقف بعض أهل الكتاب والمشركين المعترضين على تصرّفات النّبي ﷺ وأحكام دينه:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)
стр. 1170
«١» «٢» [الرّعد: ١٣/ ٣٦- ٣٩] .
هذه الآيات وصف لأحوال المعاصرين للنّبي ﷺ ، فهناك مؤمنو أهل الكتاب الذين يفرحون بما ينزل على النّبي ﷺ في القرآن من تصديق شرائعهم وما يألفونه من أحكام ربّهم، وهم جماعة من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه، وسلمان الفارسي وجماعة، من نصارى الحبشة واليمن ونجران، وعددهم ثمانون رجلا.
وهناك جماعة أخرى من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمجوس الذين تحزّبوا على رسول الله ﷺ ، مثل كعب بن الأشرف اليهودي والسيد والعاقب أسقفي نجران وأتباعهم، هؤلاء ينكرون بعض ما جاءك أيها النّبي من الحقّ، وهو ما لم يوافق شرائعهم أو ما حرّفوه منها.
فجاء الرّد الإلهي عليهم، وأمر الله تعالى رسوله أن يطرح اختلافهم، وأن يصدع بأنه إنما أمر بعبادة الله، وترك الإشراك والدعاء إليه، واعتقاد المآب إليه، وهو الرجوع عند البعث إلى الله يوم القيامة. وهذا إعلان صريح بأن دعوة الإسلام تقوم على مبدأ التوحيد ورفض الشّرك، وإثبات البعث والحساب يوم القيامة.
ثم أوضح الله تعالى منهج القرآن وأسلوبه في الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله، بأسلوب عربي فصيح، واضح، سهل الفهم، وقريب التّلقي. فكما أرسلنا قبلك المرسلين أيها النّبي، وأنزلنا عليهم الكتب، كذلك سهلنا عليهم في ذلك وتفضّلنا في
стр. 1171
تفصيل أصول الاعتقاد، فأنزلنا عليك القرآن الكريم محكما لا زيغ فيه، معربا بلسان قومك: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا.. ليسهل عليهم فهمه وحفظه، ويبين لهم الأمور، ويفصل بين الحقّ والباطل، فيوضح الحلال والحرام، والشرائع والأحكام والأنظمة المؤدية لسعادة الدنيا والآخرة. والحكم في قوله تعالى: حُكْماً عَرَبِيًّا: ما تضمنه القرآن من المعاني بلغة العرب الفصحى.
ولئن اتّبعت يا محمد- على سبيل الافتراض- آراء تلك الفرق الضّالة، وهذا يتناول المؤمنين إلى يوم القيامة، مثل مجاملتهم في باطل عقائدهم وأهوائهم، بعد ما عرفت الحق، وجاءك العلم الصحيح، فليس لك ناصر ينصرك من الله، ولا حافظ ولا مانع يمنع عنك العقاب، وينقذك من العذاب. وهذا وعيد شديد لأهل العلم أن يتّبعوا سبيل أهل الضّلالة، بعد ما عرفوا الدين الحق، وهو أيضا حسم وقطع لأطماع المعارضين الكفرة في إقرار ما هم عليه، وتهييج للمؤمنين للثبات على دينهم.
ثم ردّ الله تعالى على طعن اليهود والمشركين بتعدّد زوجات النّبي ﷺ ومضمون الرّد: كما أرسلناك يا محمد رسولا بشرا، كذلك جعلنا الأنبياء المرسلين قبلك من البشر، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق ويتزوجون النساء، وينجبون الذّرّية والأولاد، فليس شأنك بدعا جديدا، فقد تقدّم هذا في الأمم، ثم زجر المقترحين من قريش بإنزال الملائكة، المتعجبين من كون الرسول بشرا، بأنه ليس في وسع النّبي محمد وغيره أن يأتي بمعجزة خارقة للعادة إلا بإذن وتمكين من الله، ليس ذلك إليه، بل إلى الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكل حادث أو كتاب أو كائن وقت معين وزمن محدد، ولكل وقت حكم يقرر على العباد، بحسب المصالح والأحوال يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ أي يبدل في الأشياء وينقلها كغفر الذنوب بعد تقريرها، ونسخ آية بعد تلاوتها واستقرار حكمها، وعند الله أصل الكتاب
стр. 1172
الدائم: وهو اللوح المحفوظ وعلم الله الشامل الذي لا يتغير في حقّه، وإن تبدّل في حقّ بني آدم، فتلك الأشياء المقدرة في الأزل، التي دونت في أم الكتاب، لا يصح فيها محو ولا تبديل لأن القضاء سبق بها وهي ما استقرّ في نهاية الأمر، وإن تغيّرت مسيرته. فأمّ الكتاب: هو ديوان الأمور المخزونة التي سبق القضاء فيها بما هو كائن من غير تبديل.
الأمر بتبليغ الرّسالة
لكل رسول من الرّسل الكرام مهمة واضحة ووظيفة محددة، من أجل صالح البشرية، وتصحيح مسيرتها، ووضع الأنظمة الملائمة لحياتها، وإذا تحققت هذه المهمة أو الوظيفة، أصبح مضمونها حجة على البشر، ووجب عليهم العمل بها، والتزام ما جاء فيها، لخيرهم وإسعادهم. وفي عالم الآخرة: الحساب والجزاء على ما يقدمه الناس من خير أو شرّ، ولا ينفع مكر أو كيد، أو إنكار وإهمال، أو هروب من المسؤولية. قال الله تعالى:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٤٠ الى ٤٣]
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)
«١» [الرّعد: ١٣/ ٤٠- ٤٣] .
يحدّد الله تعالى في هذه الآيات موقف الرسول ﷺ من ألوان طلبات المشركين
стр. 1173
العنادية، تبيانا للواقع، وتهدئة لنفس النّبي، ووعدا بنصره. وهذا الموقف يتجلى في أنه إن أريناك يا محمد في حياتك بعض وعيد المشركين من خزي ونكال، أو توفيناك قبل إرادتك ذلك، فما عليك إلا تبليغ رسالة ربّك، فمهمتك تبليغ رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به، وليس عليك تحقيق النتائج والتوصل إلى صلاحهم، وعلينا حسابهم ومجازاتهم على ما قدموا من خير أو شرّ. وقوله سبحانه: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ بتخصيص البعض بالذّكر: مفهومه أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي به الأقدار، مما يوعد به الكفار، وأن فتوحات المسلمين تأتي في المستقبل.
ألم ير أولئك المشركون في مكة أن الله يأتي إلى أرض الكفر، فينقصها شيئا فشيئا، ويفتحها المسلمون تدريجا، أرضا بعد أرض، ويتحقق لهم النصر، وتتسع أرض الإسلام على التوالي، حتى يعمّ الدنيا. والله يقضي القضاء المبرم، ولا يردّ حكمه النافذ، وليس لأحد أن يتعقّب أحكام الله، أي ينظر في أعقابها، فيناقشها أو يبطلها، وينظر أهي مصيبة أم لا؟ والله محاسب عباده قريبا في الآخرة، وعقابه آت لا محالة، فلا تستعجل عقابهم أيها النّبي، فإن الله محاسبهم ومعذّبهم في الآخرة بعد أن عذّبهم في الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة. وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة والشمول، وليست بعدد قليل أو كثير.
وأما مكائد قومك قريش أيها النّبي فاصبر عليها ولا تأبه بها، فلقد مكر الكفار السابقون برسلهم، وأرادوا طردهم من بلادهم، وعذّبوهم، كما فعل النمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، وكما فعلت عاد وثمود وإخوان لوط، فمكر الله بهم، أي أحاط بمكرهم وأحبط خططهم وتدابيرهم. والمكر: ما يتمرّس بالإنسان، ويسعى عليه، سواء علم بذلك أو لم يعلم. وقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ
стр. 1174
جَمِيعاً
أي العقوبات التي أحلّها بهم، وسماها مكرا على ما عرف: تسمية المعاقبة باسم الذنب، كقوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ٢/ ١٥] .
وفي قوله تعالى: يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ تنبيه وتحذير في طيّ إخبار، والمعنى:
أن الله تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر، وسيجزي كل عامل بعمله، فينصر أولياءه، ويعاقب الماكرين. ثم توعّدهم الله سبحانه بقوله: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
أي سيتحقق الكفار لمن تكون العاقبة المحمودة والنهاية الحسنة من الفريقين:
المؤمنين والكافرين، حيث تكون تلك العاقبة لأتباع الرّسل في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا النصر، وفي الآخرة الجنة.
ثم ردّ الله على منكري نبوّة محمد ﷺ بقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا.. أي يقول الجاحدون النّبوة: لست نبيّا مرسلا من عند الله، تدعو الناس لعبادة الله وحده، وهجر الأصنام والأوثان، وترك الظلم والفساد. فقل يا محمد:
حسبي الله وكافيني أنه شاهد لي بصدق رسالتي، ومؤيد دعوتي، بما أنزله علي من القرآن المعجز، ومن الآيات البيّنة الدالة على صدقي. وكفاني أيضا بعد شهادة الله:
شهادة علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام اليهودي وأصحابه وتميم الداري وسلمان الفارسي، بما وجدوه لديهم في التوراة والإنجيل من بشارة برسالتي، وأوصاف لا تنطبق على من سواي.
стр. 1175
تفسير سورة إبراهيم
نعمة القرآن ولغة كل رسول
إنزال القرآن الكريم أعظم نعمة على الإنسانية في تاريخها الطويل لأنه كلام الله تعالى، ودستور العقيدة والشريعة ومنهاج الحياة والآداب والأخلاق، ولولا هذا القرآن لكان الناس في عماية (غواية) وضلال وجهالة، فبالقرآن وحده عرف كل إنسان ربّه، وثاب إلى رشده، وتربّت النفوس في مدرسة القرآن، فصارت من طراز آخر على منهج الحق واليقين والإحسان.
وكان من فضل الله على العرب أن أنزل القرآن المجيد بلغتهم العربية، كما أرسل كل رسول بلسان قومه، ليفهموا رسالته ويتّبعوا دعوته، قال الله تعالى مبيّنا هذه النعمة العظمى في مطلع سورة إبراهيم المكّية:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [إبراهيم: ١٤/ ١- ٤] .
стр. 1176
افتتحت هذه السورة بالحروف المقطعة كسورة البقرة وأمثالها للتّنبيه والتّحدي وتذكير العرب بأن هذا القرآن كلام من عند الله، بدليل أنه مكوّن من حروف لغتهم ومادة كلامهم، وهم عاجزون عن الإتيان بمثله.
والقرآن كتاب كريم أنزله الله رب العالمين، على رسوله الأمين، لإخراج الناس من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الإيمان الحق والهدى والرشاد، بتوفيق الله وتيسيره وإذنه، وبواسطة الداعية والمبلّغ له، وهو النّبي ﷺ ، يبلّغ شريعة الله، ويرشد إلى الطريق القويم، طريق الله القوي الغالب القاهر المدرك، المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وخبره.
فحقيقة الهداية: إنما هي راجعة لله بالاختراع والإيجاد، والرسول مشارك في التوجيه والإنذار والدعوة إلى سبيل الهداية. وقوله سبحانه عن نبيّه لِتُخْرِجَ النَّاسَ تشريف للنّبي ﷺ . وعم النَّاسَ إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق والعالم كله، فبعثته عامة للأحمر والأسود، كما ثبت بالتواتر وبآيات كثيرة من القرآن، وبما شاهده الصحابة وآل البيت الكرام.
وكلمة الظُّلُماتِ استعارة للكفر، وكلمة النُّورِ استعارة للإيمان وطريق طاعة الله ورحمته، على سبيل التشبيه والمماثلة. وكلمة بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بعلمه وقضائه وتمكينه لهم.
وإنزال القرآن من عند الله العزيز الحميد، وهما صفتان لائقتان في هذا الموضع، للدلالة على قدرة الله، واستيجاب الحمد على نعمة الإنزال على العالم كله، في هدايتهم، ومن أدلة القدرة الإلهية: أنه سبحانه له كل ما في السماوات والأرض خلقا وملكا وعبيدا وتصريفا وتدبيرا، وويل، أي هلاك وعذاب شديد يوم القيامة للكافرين برسالتك أيها النّبي، الذين جحدوا بوحدانية الله. وهذا وعيد وإنذار وتهديد.
стр. 1177
ووصف الله تعالى هؤلاء الكافرين الجاحدين بالرسالة النّبوية بصفات ثلاث:
- فهم الذين يحبّون الدنيا ويؤثرونها على الآخرة، ويعملون للدنيا ومتعها فقط.
- وهم الذين يمنعون من اتّباع الرّسل ويعرقلون مسيرة الإيمان بالله والقرآن والنّبي.
- وهم يحبّون أن تكون سبيل الله معوجة مائلة عن الحق، لتوافق أهواءهم.
وسبيل الله: طريقة هداه وشرعه الذي جاء به رسوله ﷺ .
أولئك الجاحدون الموصوفون بتلك الصفات السابقة في ضلال بعيد عن الحق، وفي جهل عميق، لا يرجى منهم عودة إلى الصلاح والفلاح.
وإذا كانت مقاصد القرآن هذه وهي التنوير والهداية، فإن الله يسّر سبيل معرفتها للعرب حاملي رسالة الإسلام لتبليغها للعالم بجعل القرآن بلغتهم العربية لفهمه وإدراك غاياته ومعرفة شرائعه وأحكامه، كما أن من لطف الله وإحسانه أن يرسل كل رسول بلغة قومه، ليقع التّكلم بالبيان والعبارة المفهومة، ثم يكون غير أهل تلك اللغة أتباعا في التبيين لأهل اللسان، وهذه ضرورة متعيّنة إذ لا يعقل كون الكتاب الإلهي بكل لغات العالم.
وبعد هذا البيان وإقامة الحجة على الناس، يكون الناس فريقين: فريق الضّلال لإصراره على الكفر واجتراح السّيئات، وفريق الهداية لمبادرته إلى الإيمان، وتقتصر مهمة الرّسول على التّبليغ والبيان، وأما إيجاد الهداية والوقوع في الضّلال فهو بيد الله، ينفذ فيه سابق قضائه، ويعمل بمقتضى حكمته التي لا تعلّل، ولا يعترض عليها، ولا يفعل الله شيئا إلا بسابق علمه بحال كل إنسان، فيوفّقه للهداية أو يحجبه عنها، وهو سبحانه القوي الذي لا يغلب، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو الحكيم في صنعه وأفعاله.
стр. 1178
وما أوضح وأحكم قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أي إن الإرسال للبيان، لا للإضلال أو الإيقاع في المتاهات.
مهمة موسى ﵇
الأنبياء والرّسل ﵈ هم الصفوة المختارة، والفئة العليا من البشر، وهم أشدّ الناس إخلاصا لربّهم، وحبّا لأقوامهم، فيحرصون أشد الحرص على هدايتهم، وإنقاذهم وتصحيح عقائدهم وأخلاقهم، وتقويم طبائعهم وتهذيب نفوسهم، فاستحقّوا من الله الرّضوان، وبوّأهم أعلى منازل الجنان. وكان موسى ﵇ أحد الخمسة أولي العزم، الذي دأب على إرشاد قومه إلى طريق الحق والاستقامة على طاعة الله، وذكّرهم بنعم الله الكثيرة عليهم ليتّعظوا، وحذّرهم من عاقبة المخالفة والعصيان، وأعلمهم أن منفعة الطاعة تعود عليهم، وأن الله غني عن العالمين. قال الله تعالى واصفا جهود موسى في أداء رسالته:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٥ الى ٨]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» [إبراهيم: ١٤/ ٥- ٨] .
هذه لوحة مشرّفة لقافلة الإيمان ومسيرة الحق، يتصدّرها موسى ﵇،
стр. 1179
موصولة النّسب والمتابعة إلى نبيّنا محمد ﵊، فكما أرسل الله نبيّه محمدا بالهدى ودين الحق، وأنزل الله عليه القرآن لإخراج الناس من الظّلمات إلى النّور، كذلك أرسل نبيّه موسى إلى بني إسرائيل بالآيات التّسع «١» لإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، داعيا إياهم إلى الخير، والانتقال من دائرة الظّلمة والجهل إلى نور المعرفة والهدى والإيمان الحق.
وذكّرهم ووعظهم بأيام الله، أي وقائعه ونقمه التي أحلّها بالأمم الكافرة الظالمة قبلهم، وبتعديد نعم الله عليهم وعلى غيرهم من أهل طاعة الله، إن في ذلك التذكير لدلائل واضحة على وحدانية الله وقدرته، وبيّنات وعبرا لكل كثير الصبر على الطاعة والبلاء، مؤمن ناظر لنفسه، شكور في حال النعمة والرخاء. والتعبير عن النّعم والنّقم بأيام الله: تعظيم لهذه الكوائن المذكّر بها.
ألحّ موسى ﵇ على قومه الإسرائيليين أن يتذكروا عظائم النّعم الإلهية عليهم، ونجاتهم من النّقم، حيث أنجاهم من ظلم آل فرعون وما كانوا يذيقونهم من ألوان وآلام العذاب والإذلال، وتكليفهم بالشّاق من الأعمال، وكانوا فوق ذلك يذبّحون أبناءهم المولودين الصّغار، خوفا من ظهور ولد إسرائيلي يكون سببا في تدمير ملك فرعون، بحسب تفسير رؤيا فرعون مصر، وكانوا يتركون الإناث أحياء ذليلات مستضعفات، للمتعة والخدمة والمهانة، وفيما ذكر اختبار عظيم من الله لهؤلاء القوم الأشرار، سواء في حال النقمة، أو في حال النعمة، ليعرف مدى شكر الإنسان منهم ومدى كفره وجحود نعمة الله عليه، كما قال الله تعالى في بيان منهاج اختبار البشر:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) [الأنبياء: ٢١/ ٣٥] .
стр. 1180
وأبان موسى ﵇ لقومه منهاج الإله الحق في إمداد البشر بالنّعم، وإرهابهم بالنّقم، وإنذارهم بالعذاب، فلقد أعلم الله علما مقترنا بإنفاذ وقضاء قد سبقه: أنكم يا بني إسرائيل أي وغيركم، لئن شكرتم نعمة الله عليكم ليزيدن لكم النّعم، ويديمها عليكم، ولئن جحدتم النّعم وسترتموها، فلم تؤدّوا حقّها من الشكر، ومقابلتها بالوفاء والطاعة، فإن عقاب الله أليم، شديد التأثير والألم، في الدنيا بزوال النّعم وسلبها عنكم، وفي الآخرة بالعقاب على كفران النعم.
جاء في الحديث الثابت الذي رواه الحاكم عن ثوبان: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» .
ثم هدّد موسى قومه ووبّخهم بقوله: إن تجحدوا نعمة الله عليكم أنتم وجميع من في الأرض من الثّقلين: الإنس والجنّ، فإن الله غني عن شكر عباده، وهو المحمود بكل حال، حتى وإن كفر به من كفر، كما قال الله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزّمر: ٣٩/ ٧] .
وإيراد هاتين الصّفتين لله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ اللتين وصف بهما نفسه ﵎ في آخر الآية: يتضمن بيان عظمة الله تعالى، وتحقير المخاطبين العصاة وتوبيخهم على المخالفة وجحود النّعمة، فالله متّصف بصفة توجب المحامد كلها دائما، كذلك في ذاته، لم يزل ولا يزال، وكفر بعض الناس بإله هذا حاله: غاية التّخلف والخذلان، وإغراق في الضّلال والبعد عن الحق.
بعض ألوان التّذكير بأيام الله
أغلب الناس لا يكتفون بالأمور النظرية، والتهديدات الشفهية، وإنما يحتاجون إلى الأدلة الحسّية والأمثال الواقعية، والتجارب الفعلية، لذا لم يكتف القرآن الكريم والرّسل المصلحون بتوجيه الإنذارات، وإنما من أجل التصديق بواقعيتها يقينا
стр. 1181
وحسّا، قرن هذا التوجيه بالتذكير بأيام الله ووقائعه في الانتقام من الأمم الكافرة الظالمة، فقال الله سبحانه مبيّنا خطابه العام لقوم النّبي ﷺ وسائر الأمم:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٩ الى ١٢]
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [إبراهيم: ١٤/ ٩- ١٢] .
هذا تذكير بأحوال الأمم السابقة الذين كذبوا بكل وقاحة وجرأة برسالات الرّسل، وتذكير أيضا بدور هؤلاء الرّسل في محاولة إقناع أقوامهم بتوحيد الله وقدرته وسلطانه وتصرّفه في كل شيء، وبحاجة البشر إلى التوكّل على الله والتفويض لمشيئته.
ومفاد هذا التذكير والخطاب العام: ألم يأتكم يا أهل مكة وأمثالكم خير الأقوام السابقين من قبلكم، وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذّبة للرّسل، مما لا يحصي عددهم إلا الله . قال ابن عباس: «كان بين زمن موسى وبين زمن نوح قرون ثلاثون لا يعلمهم إلا الله» .
جاءت هذه الأقوام رسلهم بالمعجزات والأدلة الواضحة على توحيد الله وصدق
стр. 1182
رسالاتهم، ولكن هؤلاء الأقوام اغتاظوا من الرسل وعادوهم وبالغوا في تكذيبهم والنفرة منهم، وقالوا للرّسل تعنّتا وعنادا وتبجّحا: إنا كفرنا بما أرسلتم به من الآيات الدالة على صدق رسالتكم.
فقالت لهم رسلهم: أفي وجود الله ووحدانيته شك؟ إن الفطرة والعقل يقرّان بذلك، والواقع والحسّ يؤيّدان هذا، فكيف تشكّون بالله؟ والله هو مبدع السماوات والأرض وخالقهما على غير مثال سابق.
والله تعالى عدا كونه خالقا موجدا هو كامل الرحمة، يدعوكم إلى الإيمان الكامل به، من أجل أن يغفر لكم في الآخرة ذنوبكم، ويؤجّلكم في حياتكم إلى وقت محدد في علم الله تعالى، وهو منتهى العمر، إن آمنتم، وإلا عاجلكم بالهلاك والعذاب على كفركم، فردّ الأقوام على رسلهم بردود وشبهات ثلاث وهي:
١- ما أنتم أيها الرّسل إلا بشر مثلنا في البشرية، ولا فضل لكم علينا، فلم تختصون بالنّبوة دوننا؟ وفي هذا استبعاد لبعثة البشر.
٢- وأنتم أيها الرّسل تريدون أن نترك ما وجدنا عليه آباءنا، بهذه الدعوة غير الصحيحة.
٣- فأتونا بسلطان مبين، أي بحجة واضحة ظاهرة على صدق نبوّتكم، فنحن لا نؤمن إلا بالحسّيات.
فأجابهم الرّسل: لسنا نحن إلا بشر مثلكم، نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق، واختصاصنا بالنّبوة أمر متروك لله يتفضّل بها على من يشاء من عباده، وتقليدكم للآباء لا يتفق مع العقل والكرامة الإنسانية، ولا نستطيع الإتيان بمعجزة أو دليل حسّي لإثبات نبوّتنا إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته، وعلى جميع المؤمنين الاتّكال على الله في كل أمورهم، لدفع الشّر أو جلب الخير أو الصبر على العداوة.
стр. 1183
وكيف لا نتوكّل على الله نحن معاشر المؤمنين؟! وقد هدانا إلى سبل المعرفة والحق والخير والرشاد، ولنصبرن على ألوان أذاكم لنا بالقول أو بالفعل، وليستمرّ المؤمنون، ويثبتوا على توكّلهم على الله، وليثقوا به، وليتحملوا كل أذى في سبيل مرضاته، ففي ذلك الخير كله والنّجاة الأبدية في عالم الآخرة.
تهديد الأقوام لرسلهم
لقد تعرّض الرّسل الكرام في التاريخ من أقوامهم المرسلين إليهم لأسوإ أنواع المعاملة، وأقسى الكلام، والتهديد بالطرد أو الإبعاد من البلاد أو الإعادة إلى الوثنية الموروثة والجاهلية الفوضوية، معتمدين في هذا التهديد على مالهم من قوة وسلطان ونفوذ، إما بسبب الكثرة العددية والأتباع أو الثروة والمال، أو الجاه والظلم الطبقي، ويستغلون ضعف الدّعاة إلى الله وقلّة أتباعهم، إلا أن العبرة بالنتائج، ففي نهاية الأمر تكون الغلبة والتفوق والنصر لأهل الحق والإيمان، والهزيمة والمذلّة لأهل الكفر والباطل والضلال. وهذه صورة الفريقين في القرآن الكريم:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٣ الى ١٨]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»
стр. 1184
«١» [إبراهيم: ١٤/ ١٣- ١٨] .
حينما انهزم أهل الضّلال في النّقاش والحجاج العقلي أمام رسلهم، لجؤوا إلى التهديد والوعيد والإيذاء بالقول والفعل، وتوعّد الرّسل إما بالطّرد والإبعاد من بلادهم، وإما بالعودة إلى الوثنية الملّة الموروثة عن الآباء والأجداد، فأوحى الله لرسله قائلا لهم: لنهلكنّ الظالمين المشركين، ولنسكننكم أنتم وذرّيتكم أرضهم وديارهم من بعد هلاكهم، عقوبة لهم على تهديداتهم، ذلك الإعلان للحكم الموحى به بإهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم، لمن خاف موقفه بين يدي ربّه، وهاب وعيده بالعذاب والعقاب.
ثم أبان الله تعالى بقوله: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) أي إن الرّسل سألوا إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة، فأجابهم ربّهم لما طلبوا، ولم ينجح كل جبّار، أي متعظم في نفسه، لا يرى لأحد عليه حقّا، معاند للحق، منحرف عنه، فهو عنيد، أي يعاند ولا ينقاد للحق، ولا ينصاع لنداء الله بالإيمان.
وكان أمام هذا الجبار العنيد جهنم بانتظاره، بعد حذره وتحفظه، ويسقى في النار من ماء صديد، أي مما يسيل من أجساد أهل النار من قيح ودم، فهو ليس بماء في الحقيقة، وإنما ماؤه هذا الصديد المتغير الذي يخرج من الجوف. يتحسّاه جرعة بعد جرعة، ولا يكاد يبتلعه، لكراهته، وسوء طعمه ولونه وريحه، مما يدل على التّألم حين ابتلاعه، كما جاء في آية أخرى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ٤٧/ ١٥] .
ويروى أن الكافر يؤتى بالشربة من شراب أهل النار، فيتكرهها، فإذا أدنيت منه، شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطّعت أمعاءه.
стр. 1185
ويأتيه ألم الموت، وشدة نزع الروح من كل مكان، من غير إبقاء شعرة في بدنه، ولا يراح بالموت، فلا يموت، كما جاء في آية أخرى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [فاطر: ٣٥/ ٣٦] .
وله من وراء ذلك كله عذاب غليظ، أي شديد صعب مؤلم، أشد غلظة مما سبقه، وهو دائم غير منقطع.
ويتأسف الكفار على أعمالهم الصالحة في الدنيا التي ضاعت هدرا، ولم تنفعهم في الآخرة، ويكون لهم مثل أو صفة عجيبة، فالذين كفروا أعمالهم الصالحة من صدقات وصلة أرحام وبرّ والدين، كمثل الرماد الذي اشتدت به الريح العاصفة، في يوم عاصف، أي ذي ريح شديدة قوية عاتية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد، في يوم القيامة، ذلك هو الضلال البعيد، أي ذلك السّعي والعمل على غير هدى ولا استقامة ولا إيمان:
مغرق في البعد عن الحق والنجاة، حتى فقدوا ثوابه، لفقدهم شرط قبوله: وهو الإيمان. وشبّهت أعمال الكفار ومساعيهم- في فسادها وقت الحاجة وتلاشيها- بالرماد الذي تذروه الرياح وتفرقه، لشدّتها حتى لا يبقى لها أثر، ولا يجتمع منه شيء.
وتبديد ثمرة أعمال الكفار مقرر في القرآن الكريم في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٥/ ٢٣] .
حوار أهل النار
أوضح الله تعالى في قرآنه صورة متوقعة بين أهل النار وهي الجدال والحوار الحادّ بين الضعفاء والمستكبرين، وبين الأتباع والسادة، يدلّ على النّدم الشديد والتّأسف العميق، لما آل إليه الفريقان من عذاب شديد، بسبب قصر النظر وضعف الإدراك
стр. 1186
وقلّة الوعي، واتّباع الأهواء والشهوات، على الرغم من إقامة الأدلة القاطعة على وضوح الرؤية والمصير، وعلى قدرة الله ووجوده ووحدانيته، وتتابع، التحذيرات والتهديدات بتبدّل الأوضاع وانقلاب الأحوال. قال الله تعالى واصفا هذا الوضع:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٩ الى ٢١]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)
»
«٢» [إبراهيم: ١٤/ ١٩- ٢١] .
أخبر الله تعالى عن قدرته في إعادة الأرواح للأبدان وبعث الناس أحياء من القبور يوم القيامة، بدليل قدرته على خلق السماوات والأرض وما فيها من كواكب ومجرّات ونجوم ذات أحجام تبلغ مئات الملايين من المساحات. فمن قدر على هذا الخلق البديع، قادر على إفناء الناس والإتيان بخلق جديد، ومخلوقات ذات صفات مختلفة. ومعنى كون السماوات والأرض مخلوقة بالحق، أي بما يحق في وجوده، من جهة مصالح عباده، وإنفاذ سابق قضائه، للإدلال على وجود الخالق وعلى قدرته. ثم توعّد الله ﵎ بقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أي إن يرد الله يعدمكم ويطمس آثاركم، ويأت بمخلوقات أخرى جديدة من بني آدم أو غيرهم، وليس ذلك على الله بممتنع.
وبعد جمع الناس في المحشر وبعثهم من القبور، وبروزهم أمام الله جميعا في ساحة واحدة، وموقف حساب واحد، تظهر الحقيقة الناصعة، ويبدو الندم الذي يأكل الأكباد، ويشتدّ الحوار والجدال بين أهل النار، فيقول الضعفاء، أي الأتباع، للسادة القادة المستكبرين في الرأي والمواقف المعاندة والتّنكّر لعبادة الله: إنا كنا لكم
стр. 1187
تابعين، مقلّدين في الأعمال، نأتمر بأمركم، ونفعل فعلكم، فكفرنا بالله، وكذّبنا الرّسل، وهجرنا كلام الله متابعة كلام الله متابعة لكم وتأثّرا بآرائكم، فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء، أي هل أنتم تدفعون عن اليوم بعض عذاب الله، كما كنتم تعدوننا وتمنّوننا؟! فأجابهم المستكبرون القادة: لو هدانا لله لدينه الحق، ووفقنا لاتّباع أوامره، وأرشدنا إلى الخير، لهديناكم وأرشدناكم إلى سلوك الطريق الأقوم، ولكنه لم يهدنا، فحقت كلمة العذاب على الكافرين.
ثم أعلنوا يأسهم من النجاة فقالوا: ليس لنا خلاص ولا منجى مما نحن فيه، سواء صبرنا على العذاب، أو جزعنا وتضجرنا منه، فيكون الصبر والجزع سواء، فلا نجاة لنا من عذاب الله تعالى.
عن محمد بن كعب أن أهل النار يقولون: إنما نال أهل الجنة الرحمة بالصبر على طاعة الله تعالى، فلنصبر، فيصبرون خمس مائة سنة، فلا ينتفعون، فيقولون:
فلنجزع، فيضجّون ويصيحون، ويبكون خمس مائة سنة أخرى، فلا ينتفعون، فيقولون هذا القول الذي في الآية: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ.
وظاهر الآية أنهم يقولون ذلك في موقف العرض، وقت البروز، بين يدي الله ﵎.
ويتكرر هذا الحوار بعد دخول الكفار في النار، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) [غافر: ٤٠/ ٤٧- ٤٨] .
стр. 1188
وإيراد هذا الحوار سلفا في الدنيا ليكون حافزا على العظة والعبرة، وتحذيرا للناس من الوقوع فيه قبل أن يفوت الأوان، وييأس كل واحد من النجاة.
حوار آخر بين الشيطان وأتباعه
يجري حوار حاد يوم القيامة بين فئتين من أهل الضلال: بين الضعفاء الأتباع، وبين المتبوعين السادة، كما تقدم، وبين الشيطان وأتباعه من الإنس، نبّه الله تعالى سلفا في قرآنه على بنود هذا الحوار بنوعيه ليحذر العاقل، ويتجنّب الانزلاق من دعاة السوء، وهذا الحوار الثاني أضعف من الحوار الأول لأنه يشتمل على تبرؤ الشيطان من وساوسه، أما الحوار الأول فيتذرع فيه السادة خطأ بأن الله لم يهدهم إلى سواء الصراط. ويستوي الفريقان بتبرؤ المتبوعين من الأتباع. وصف القرآن الكريم مضمون حوار الشيطان مع أتباعه:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)
«١» «٢» «٣» [إبراهيم: ١٤/ ٢٢- ٢٣] .
هذا تصريح خطير بضعف كيد الشيطان ووساوسه، وبكذبه وخيانته في الدنيا، واعترافه بتحمّل أتباعه مسئولية ذنبهم وخطيئتهم، فإنهم هم الذين استجابوا لدعوة الشيطان من غير وجود سلطان له عليهم، فهو أي إبليس يقوم خطيب السوء، ولكنه
стр. 1189
صادق بهذه الآية فيما يقول يوم القيامة. على عكس حوار البشر الضعفاء مع سادتهم، كان للسادة نوع من السلطة والنفوذ على أتباعهم، وكانوا أيضا مخطئين في الفهم والإدراك.
والمراد بالشيطان هنا: إبليس الأقدم نفسه، قال لأتباعه بعد أن تم القضاء بين العباد، فأدخل الله المؤمنين الجنة، وأسكن الكافرين النار: إن الله وعدكم بالبعث والجزاء وعد الحق الثابت الأكيد على ألسنة رسله، وأما أنا فوعدتكم ألا بعث ولا جزاء، ولا جنّة ولا نار، فأخلفتكم موعدي، إذ لم أقل إلا باطلا من القول وزورا.
ولم يكن لي عليكم فيما دعوتكم إليه سلطان، أي غلبة وقدرة وملك، أي ما أكرهتكم على شيء ولا خوّفتكم بقوة مني، بل عرضت عليكم شيئا، فأتى رأيكم عليه. فلا تلوموني، أي لا ذنب لي، ولوموا أنفسكم في سوء نظركم وقلة تثبتكم، فإنكم إنما أتيتم وصرتم أتباعي عن بصيرة منكم وتكسب ومصلحة، فأنتم الذين أسرعتم إلى إجابتي باختياركم، فيكون الذنب ذنبكم، لكونكم لم تسمعوا إلى دعاء ربكم الذي دعاكم دعوة الحق بالحجج والبينات، فخالفتم مقتضى العقل والحكمة والبرهان الداعي إلى الصواب.
ما أنا بمصرخكم ولا أنتم بمصرخي، أي ما أنا بمغيثكم ولا نافعكم ولا منقذكم من العذاب، وما أنتم بمغيثّي لا نافعيّ بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال.
ويتابع الشيطان إبليس خطابه لأتباعه بقوله: إني كفرت، أي إني أنكرت وجحدت اليوم إشراككم إياي من قبل في الدنيا مع الله تعالى في الطاعة التي ينبغي أن يفرد الله بها. إن الظالمين، أي الكافرين في إعراضهم عن الحق، واتباعهم الباطل، لهم عذاب مؤلم.
стр. 1190
والمقصود كما تبين: تنبيه الناس إلى تبرؤ الشيطان من وساوسه في الدنيا، وحضهم على الاستعداد ليوم الحساب، وتذكر أهوال الموقف يوم القيامة. وهذا حال الأشقياء.
وتذكيرا بأحوال السعداء، أتبع الله تعالى ذلك ببيان ما يلقونه من فضل إلهي في موقف الحساب والجزاء بين يدي الله تعالى، فقال سبحانه: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا.. أي ويدخل الملائكة الذين صدّقوا بالله ورسوله، وأقروا بوحدانيته، واتبعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، يدخلونهم جنات (بساتين) فيها الأنهار الجارية في كل مكان، وهم ماكثون فيها إلى الأبد، لا يحوّلون عنها ولا يزولون منها، بإذن ربهم، أي بتوفيقه وفضله وأمره. وتحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم، والإذن هنا عبارة عن القضاء والإمضاء. وتحية السلام من الملائكة تكريم للمؤمنين والمؤمنات، كما جاء في آيات أخرى، منها: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: ٣٩/ ٧٣] .
والسلام: رمز الأمان والاطمئنان، والإشعار بالنعمة والاستقرار، وإفادة الرضا والقبول من الله، والإظلال بالرحمة والفضل الإلهي.
الكلمة الطّيّبة والكلمة الخبيثة
الكلمة أمانة، والمقصد الأسمى من التشريع الإلهي والوحي الرّباني: هو تهذيب الإنسان وتربيته، بالقول والفعل، فقوله أو كلامه ينبغي أن يكون طيّبا ليّنا مجاهرا بالحق، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، وفعله يلزم أن يكون صالحا حسنا، يتفق مع أوامر الله تعالى، ويكون للكلمة الطيبة تأثير السّحر في النفس، ومفعولها دائم شامل، يصدر عنها كل فضيلة وخير وإحسان، وأما الكلمة الخبيثة فلها مردود
стр. 1191
عكسي وتأثير سلبي، تضرّ ولا تفيد، وهي كالوباء، ولا خير فيها ولا بقاء. والله سبحانه يثبّت أهل الحق، ويضلّ أصحاب الظّلم والجور، قال الله تعالى واصفا ومقارنا بين الكلمة الطيّبة كلمة الحق، والكلمة الخبيثة: كلمة الباطل ومبيّنا مثل كلّ منهما:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
«١» «٢» «٣» [إبراهيم: ١٤/ ٢٤- ٢٧] .
هذه مجموعة من المعارف المتعلقة بالكلام وضرب الأشباه والأمثال لكل نوع منه، سواء أكان كلاما حسنا وحقّا ثابتا، أم كلاما سيّئا وباطلا زائلا. وهو تشبيه المعنويات بالحسّيات المشاهدات، لترسيخ المعاني في الأذهان، كما هو الشأن في بيان القرآن الوصفي البليغ المحكم. والمعنى:
ألم تعلم أيها المخاطب العاقل كيف ضرب الله لك مثل الكلمة الطيّبة ومثل الكلمة الخبيثة، إن الكلمة الطيّبة وهي كلمة الحق والتوحيد والإسلام ودعوة القرآن كالشجرة الطيبة وهي النخلة ذات الأوصاف الأربعة:
- فهي شجرة طيبة الرائحة والطعم والمذاق، جميلة المنظر والشكل. وطيبة المنفعة، يستلذّ بها الآكل، وينتفع بها الإنسان نفعا شاملا.
- وأصلها ثابت، أي راسخ باق متمكّن في الأرض، لا ينقلع، يدوم صيفا وشتاء.
стр. 1192
- وفرعها في السماء، أي شامخة مرتفعة في الجو الأعلى، بعيدة عن العفونات الأرضية، خالية عن الشوائب.
- تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها، أي تثمر في أدوار متعاقبة، كل وقت وقّته الله لإثمارها، بإرادة ربّها وإيجاده، وذلك في كل عام مرة.
قال ابن عباس ﵄ وغيره: الكلمة الطّيبة: هي (لا إله إلا الله) مثّلها الله بالشجرة الطّيّبة، وهي النّخلة في قول أكثر المتأوّلين، فكأن هذه الكلمة أصلها ثابت في قلوب المؤمنين، وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية، وما يتحصل منها من عفو الله ورحمته، هو فرعها يصعد في السماء من قبل العبد، ويتنزل منها من قبل الله ﵎، وهي نافعة في كل وقت.
وهكذا يضرب الله الأمثال للناس، فإن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير، وعظة، وتصوير للمعاني، وما أرسخ تشبيه المعنويات والمعقولات بالحسيات المشاهدة.
وبعضهم جعل المؤمن هو مثل الشجرة الطّيبة، فهو في جميع أيامه في عمل، وإذا كانت الشجرة لا تخلّ بالإتيان بالأكل أو الثمر في الأوقات المعلومة، فكذلك هو المؤمن لا يخلّ بما يسّر له من الأعمال الصالحة. وهذا مقبول فأصحاب الكلمة الطيّبة هم المؤمنون.
ومثل الكلمة الخبيثة، أي صفتها وهي كلمة الكفر وما قاربها من الكلام السوقي في الظلم ونحوه، كشجرة خبيثة وهي شجرة الحنظل أو الثوم، وتتصف بأوصاف ثلاثة هي:
- أنها خبيثة الطعم، ضارّة الرائحة.
- وأنها اقتلعت واستؤصلت، وليس لها أصل ثابت ولا عرق دائم.
стр. 1193
- وليس لها استقرار ولا دوام، وتقلبها الريح بعد اقتلاعها.
وأصحاب الكلمة الخبيثة هم الكافرون والعصاة، فالكافر لا يستقر بيده شيء، ولا يغني عنه كفره، كهذه الشجرة التي يظن من بعد أنها شيء نافع، وهي خبيثة الثمرة، غير باقية.
وأصحاب الكلمة الطّيبة: هم الفائزون بمرادهم في الدنيا. والله تعالى يثبّت أهل الإيمان بكلمة الإخلاص والنجاة من النار: (لا إله إلا الله) والإقرار بالنّبوة، يثبّتهم الله في الدنيا، أي مدة حياة الإنسان، ووقت السؤال في القبر بأن يخلق الله للإنسان في قبره إدراكات وتحصيلا. وفي يوم القيامة يثبّتهم عند العرض على الله. والتثبيت بحمايتهم من التّعرض للفتنة في دينهم في دار الدنيا، وبالتصريح بصحة المعتقد دون تلعثم ولا تحيّر من أهوال الحشر يوم القيامة. وكل هذا جائز في قدرة الله تعالى.
ويضلّ الله الظالمين أي يمنع الله الكافرين عن الفوز بثوابه، أو يتركهم وضلالهم لعدم استعدادهم للإيمان، وتجاوبهم مع الأهواء والشهوات.
ولله المشيئة المطلقة في الفريقين، يفعل الله ما يشاء، من هداية بعض وإضلال بعض، عملا بماله من حق الملك والسلطان.
والخلاصة: إن الآيات دعوة قوية صريحة للإيمان، وتحذير ورفض للكفر والضّلال.
أفعال الكفار والمؤمنين ومصير كلّ
إن رسالة القرآن رسالة تصحيح وتقويم، ونصح وإرشاد، وتحذير وترهيب، فترى آيات القرآن تحمل حملة عنيفة شديدة على الكفر وأهله، وما يصدر عنهم من أفعال ضارّة بأنفسهم وأمّتهم، وما يستحقونه من عذاب وعقاب في النار، وفي الواجهة
стр. 1194
الأخرى تمدح الإيمان والمؤمنين، وتزكّي أعمالهم الصالحة، وتدعوهم دائما إلى فعل الخير الفردي والجماعي، وتعدهم بجنان الخلد والعاقبة الطيبة، وهذا أنموذج للحالتين، قال الله تعالى:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٨ الى ٣١]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)
«١» «٢» «٣» «٤» [إبراهيم: ١٤/ ٢٨- ٣١] .
هذا في الآية الأولى تنبيه على مثال عملي من الظالمين، حيث بدّلوا شكر نعمة الله كفرا، كقوله سبحانه: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) [الواقعة: ٥٦/ ٨٢] .
ونعمة الله المشار إليها في هذه الآية: هو محمد ﵊ ودينه. أنعم الله به على قريش، فكفروا النعمة، ولم يقبلوها، وتبدّلوا بها الكفر، والمراد بالذين كفروا: قريش جملة، بحسب ما اشتهر من حالهم.
الآيات دعوة إلى التعجب من أمر كفار مكة وأمثالهم، الذين صدرت منهم أفعال عجيبة غريبة:
أولها- أنهم بدّلوا شكر نعمة الله كفرا وجحودا، وتسّببوا في إنزال قومهم الذين شايعوهم وأطاعوهم في الضّلال والتّبديل دار البوار، أي الهلاك في الآخرة الذي لا مثيل له، وهو إصلاؤهم وإدخالهم في نار جهنم، وبئس المستقرّ قرارهم.
وثانيها- أنهم جعلوا لله أندادا، أي اتّخذوا لله شركاء عبدوهم معه، ودعوا الناس إلى عبادة الشركاء من الأصنام والأوثان.
стр. 1195
وثالثها- أنهم اتّخذوا الشركاء ذات الصفة الوثنية، لتكون عاقبة أمرهم وصيرورته إضلال من شايعهم واتّبعهم، وصرفهم عن دين الله، وإبقاءهم في مستنقع الكفر والضّلال.
والأنداد جمع ندّ: وهو المثل والشّبيه المناوئ، والمراد الأصنام. واستوجب هذا كله أن يهدّدهم الله ويتوعّدهم بقوله: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ أي استمتعوا بما قدرتم عليه من نعيم الدنيا، فإن جزاءكم ومصيركم إلى النار، كما قال الله تعالى في آية أخرى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) [لقمان:
٣١/ ٢٤] .
ونظير هذه الآية في التهديد: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصّلت: ٤١/ ٤٠] وقوله سبحانه:
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ [الزّمر: ٣٩/ ٨] .
وبعد هذا التهديد للكفار، أمر الله نبيّه بأن يبلّغ الناس ويأمرهم بإقام الصلاة التي هي صلة بين العبد وربّه وأجلّ العبادات البدنية، ويأمرهم أيضا في سبيل المجتمع بالإنفاق في سبيل الله الذي هو عبادة مالية، وذلك مما رزقهم الله، بأداء الزكوات، والنفقة على الأقارب، والإحسان إلى الأباعد، والتّصدق على المحتاجين.
وإقامة الصلاة: أداؤها مستكملة الأركان والشروط، مع المحافظة على وقتها، والخشوع لله في جميع أجزائها.
ويكون الإنفاق مما رزق الله، في السّر (أي في الخفاء) وفي العلانية جهرا، قال البيضاوي: والأحب إعلان الواجب (أي في النفقة) وإخفاء المتطوع به.
وتكون المبادرة للصلاة والإنفاق وغيرهما من الطاعات، للخلاص بالأنفس والنّجاة من الهلاك، من قبل أن يأتي يوم القيامة، الذي لا بيع فيه ولا تجارة ولا فدية، ولا تنفع فيه صداقة ومخالّة، للصّفح والعفو والإنقاذ من العذاب، بل إنه يوم