الآلية، ليتيسر للناس عبور البحر ونقل الركاب والبضائع والنفط وغير ذلك، وهذا يدعو لشكر نعمة الله ، والإقرار بالخالق الموجد الذي يحقق مصالح البشر، فقال الله سبحانه:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦٦ الى ٦٩]
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٦٦- ٦٩] .
المعنى: الله ربكم أيها البشر كافة: هو الذي يسيّر لكم السفن في الماء الكثير، عذبا كان أو ملحا، للانتقال السياحي والارتزاق في أنحاء الدنيا بالتجارات المختلفة، إنه سبحانه بهذا التيسير كان متفضلا عليكم، رحيما كثير الرحمة بكم جميعا أيها العباد.
ومن رحمته تعالى وفضله العظيم: أنه إذا أصابكم أيها الناس المسافرون في البحر ضر وخوف غرق أو شدة، أو جهد ومشقة، ضلّ من تدعون إلا إياه، أي غاب، عن أذهانكم وتصوراتكم وخواطركم دعاء أحد وطلب نجدته إلا الله تعالى، فلا تتذكرون إلا الله، ولا تلجؤون لكشف الضر عنكم إلا لربكم الذي خلقكم ورزقكم من فضله.
ولكن مع الأسف تقابلون عادة ذلك الفضل الإلهي بالجحود والإنكار، لا الشكر
стр. 1367
وعرفان الجميل، فإذا أمنتم ونجوتم ووصلتم إلى البر والسلامة، نسيتم من دعوتموه فأنقذكم، وأعرضتم عن جانب الله الذي نجاكم، وعدتم إلى الشرك والكفران، وكان الإنسان بطبعه شديد الجحود والإنكار ونسيان نعمة الله تعالى.
وقوله سبحانه: وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً أي جنس الإنسان، فكل واحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، وكل إنسان مهما عمل مقصر في حق الله تعالى.
أفأمنتم أيها المعرضون الناسون الشّدّة، حين صرتم إلى الرخاء والأمن، أن يخسف الله بكم مكانكم من البر وناحية من الأرض، أو يزلزل الأرض من تحتكم أو يرسل عليكم حجارة من السماء، ثم لا تجدوا بعد ذلك ناصرا تكلون إليه أموركم، وينقذكم منه لأنكم في قبضة القدرة الإلهية في البر وفي البحر. فقوله سبحانه: أَنْ يَخْسِفَ الخسف: انهيار الأرض بالشيء، وقوله تعالى أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً الحاصب: المطر العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك.
فهل أمنتم أيها الراكبون في البحر إذا نجاكم الله من الغرق، وأمنتم من أهوال البحار، أن يأتيكم في البر بعذاب آخر من خسف وزلزال أو تفجير بركان أو مطر مصحوب بالحصباء، أي الحجارة الصغار؟! إنها لفتة نظر شديدة التأثير، وتنبيه للعقول والأفكار أن ألوان العذاب مختلفة متنوعة، منها الإغراق في البحار، ومنها الزلازل والبراكين، ومنها الأمطار المحمّلة بالحجارة، ومنها الريح العاتية التي تدمر كل شيء، وترمي بالحصى كل إنسان.
أو هل أمنتم أيها المعرضون عن ربكم بعد ما لجأتم إلى الله للإنقاذ من الغرق في البحر أن يعيدكم إلى البحار مرة ثانية، فيرسل عليكم قاصفا من الريح، والقاصف:
الذي يكسر كل ما يلقي ويقصفه، فيغرقكم في أعماق الماء بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى، ثم لا تجدوا لكم علينا تبيعا، أي نصيرا متابعا يطلب ثأرا، أو دينا أو
стр. 1368
نحو هذا، والمراد: لا تجدون من يتبع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وإنقاذكم مما أوقعناكم فيه.
إن الذي يتأمل بهذه الإنذارات والتهديدات بألوان العذاب في البر والبحر، يدرك إدراكا صحيحا، أن قدرة الله الشاملة لا مفر منها ولا مهرب، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا في البر ولا في البحر، فالله رحيم بالطائعين الشاكرين الحامدين، ولكنه أيضا غضوب شديد العذاب للجاحدين وجوده، المنكرين وحدانيته، المعرضين عن أوامره، المتنكرين لفضله وإحسانه، وكل امرئ يختار لنفسه ما يحلو، فإن أراد السلامة والنجاة من الويلات، عفّ وقنع، وأطاع واستقام، وإن ارتكب طريق الحماقة والطيش، واستبدت به الأهواء والشهوات، وأعرض عن منهاج الحق والإله، أوقع نفسه في مهاوي الردى والهلاك.
تكريم الإنسان
تشمل الرعاية الإلهية الإنسان من جميع أحواله المادية والمعنوية، فالله سبحانه ينجّي الإنسان المسافر من مخاطر البحر والبر، وهو سبحانه يصون كرامة الإنسان، ويحمي حقوق الإنسان، ويجعله خليفة الأرض، ويسخر له جميع ما في السماوات والأرض من منافع وخيرات، وذلك ما لم يحظ به مخلوق آخر ولا جنس آخر، وتلك فضيلة تميز بها الإنسان، وجعلته يختص بخصائص لا مثيل لها، وتظهر ثمار هذه الخصائص في تمكين الإنسان من الإفادة من خيرات الكون، وفي تفضيل البشر على سائر المخلوقات يوم القيامة، إنها النعمة العظمى والفضل الإلهي العميم، قال الله سبحانه مبينا مبدأ التكريم للإنسان:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢)
стр. 1369
«١» [الإسراء: ١٧/ ٧٠- ٧٢] .
لم تقتصر أفضال الله على الإنسان في الدنيا، وإنما في الآخرة أيضا، ففي الدنيا كرم الله بني آدم، بخلقهم على أحسن صورة وهيئة، ومنحهم السمع والبصر والفؤاد للفهم والإدراك، وميزهم عن سائر الحيوان بالعقل الذي يدركون به حقائق الأشياء، ويهتدون به إلى جميع المنافع المادية، وإلى معرفة اللغات، والتمييز بين الخير والشر، والنفع والضرر.
وفي الدنيا حمل الله البشر في البر على الدواب وسائر وسائل النقل والركوب ورزقهم من طيبات الرزق، من زروع وثمار، ولحوم وألبان، وجمّلهم بالمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة، وفضلهم على كثير من المخلوقات، وكل ذلك لنفي النقصان، لا التكريم بالمال.
واختصاص الإنسان بالعقل وتفضيله به على سائر الحيوان إنما هو من أجل معرفة الله تعالى، وفهم كلامه، والتوصل إلى نعيمه، وإعمال الفكر في مكنونات الكون، والإفادة من ذخائر الأرض ودفائنها، ومحاولة إدخال التعديل والتطوير عليها، وكل ذلك إنما يتم بتوفيق من الله ورضوانه، وإلهام وإحسان من الله على عباده.
وارتأى بعض المفسرين أن هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنسان من حيث هم المستثنون، والواقع لا يفهم من الآية شيء من هذا، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تتعرض له الآية، ويحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وفضلت
стр. 1370
الملائكة بأدلة أخرى من الشرع، والظاهر تفضيل الملائكة، فإن قوله تعالى: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) هو ما سوى الملائكة.
والمعوّل في الحقيقة على ما يقدّم الناس من أعمال يوم القيامة، لذا أردف الله آية تكريم الإنسان بما يذكّره من المقصود الجوهري والغاية الأصلية من خلقه، فخاطب الله نبيه بقوله فيما معناه: أذكر أيها النبي اليوم الذي نحاسب فيه كل أمة متجمعة مع إمامهم وقائدهم، فيقال مثلا: يا أمة محمد، يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا أمة فرعون وأتباعه، يا أمة النمروذ، يا أتباع فلان وفلان من زعماء الكفر، وفي ذلك الحساب تصفّى القضايا، فمن أعطي من هؤلاء المدعوين كتابه بيمينه علامة على القبول، فأولئك يتفاخرون، ويقرءون كتابهم بفرح وسرور، بما تضمنه من العمل الصالح، ولا يظلمون فتيلا، أي لا ينقصون أدنى شيء من جزاء أعمالهم الصالحة، ومن ثوابهم لا أقل ولا أكثر من الفتيل. وعبر عن ذلك بالفتيل: وهو الخيط المستطيل في شق النواة، للقلة في عرف الناس وعادتهم. وقوله: يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ عبارة عن السرور بكتابهم، أي يرددون القراءة ويتناقلونها.
ومن كان في هذه الحياة الدنيا أعمى عن حجج الله وبيناته وآياته التي أبانها في الكون، فهو يكون كذلك أشد حيرة وأعمى البصيرة والقلب في الآخرة، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، لا يجد طريق النجاة، بل وأضل سبيلا من الأعمى في الدنيا.
والأعمى لفظ مستعار لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة، أما في الدنيا فلتركه إعمال الفكر والنظر، وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إلى الحق، لأن الآخرة دار جزاء وثواب وحساب، لا دار تكليف وأعمال وأفعال بدنية أو مالية.
ما أدهش ذلك المنظر وتلك الحقيقة حين تتطاير الصحف أو الكتب في الجو
стр. 1371
وتوضع في الإيمان لأهل الإيمان، وفي الشمائل لأهل الكفر. أما المذنبون المخطئون من المؤمنين فيتسلمون كتبهم بأيمانهم، فيستفيدون منها أنهم غير مخلّدين في النار، ويستفاد من الآيات: أن من عمي عن شكر نعم الله والإيمان بمسديها ومعطيها، فهو في الآخرة وشأنها أعمى بعيد عن نوال ثمرة الإيمان والشكر على أفضال الله تعالى.
وإنما جعل الكافر في الآخرة أضل سبيلا، لأنه في الدنيا ممكن أن يؤمن فينجو، وفي الآخرة لا يمكنه ذلك، فهو أضل سبيلا، وأشد حيرة، وأقرب إلى العذاب.
محاولات المشركين فتنة النبي ﷺ وطرده من مكة
ظن المشركون الوثنيون في مكة أنهم بمكائدهم وممارسة ألوان خداعهم يتمكنون من صرف النبي محمد ﷺ عن شريعة الله وأحكامه من أوامر ونواه، ووعد ووعيد، وحمله على تعديل وحي الله، واختراع ما لم ينزله الله، وإقرار ما هم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فلما خابوا وفشلوا، توعدوا نبي الله بالطرد والإجلاء من موطنه مكة، فلم يفلحوا في النهاية، وكانت الهزيمة والدمار عليهم، والنصر والنجاح للنبي وأتباعه، قال الله تعالى معبّرا عن هذه المحاولات الخائبة:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٧]
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الإسراء: ١٧/ ٧٣- ٧٧] .
стр. 1372
نزلت الآية الأولى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ في شأن قريش أو ثقيف، لأنهم قالوا للنبي: لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تمسّ أوثاننا، وتلمّ بآلهتنا، فنزلت الآية تنهاه عن ذلك.
ونزلت الآية الثانية: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ في اليهود الذين قالوا: إن كنت نبيا فالحق بالشام، فإن الشام أرض الحشر، وأرض الأنبياء، قاصدين بذلك إجلاءه من مكة أو المدينة، فنزلت الآية تهددهم بالإبادة، ونفّذ الله عليهم الوعيد في أنهم لم يلبثوا خلف النبي إلا قليلا، وهو يوم بدر.
والمعنى: همّ المشركون وحاولوا فتنة النبي ﷺ عن دينه، وإقرارهم وثنيتهم، وحينئذ لو اتّبع النبي ما يريدون، وفعل ما يطلبون لاتخذوه خليلا: صديقا لهم، وأظهروا للناس أنه موافق على ما هم عليه من الشرك. ولولا تثبيت الله لنبيه على الحق، وعصمته إياه من الضلال والانحراف لقارب الميل لخداعهم ومكرهم ميلا قليلا.
وإذا فعل ذلك، عاقبه الله بعقوبة مضاعقة في الدنيا والآخرة، وهو المراد بضعف الحياة وضعف الممات، أي ضعف عذاب الدنيا، وضعف عذاب الآخرة، لأن ذنب القائد أو العظيم ذنب شديد، يستحق عقابا أشد وأعظم، وإذا عوقب لن يجد أحدا يناصره ويدفع عنه الأذى، لأن السلطان المطلق في الحساب والعذاب إنما هو لله ﷻ .
ولقد قارب أهل مكة واليهود أيضا أن يزعجوك يا محمد بعداوتهم ومكرهم، ويخرجوك من أرضهم التي أنت فيها، وهي أرض مكة أو أرض المدينة، وإذا طردوك وأخرجوك، لا يبقون بعد إخراجك إلا زمانا قليلا، فإن الله مهلكهم، ومدمرهم بسرعة، ونفّذ هذا الوعيد عليهم، فقد أهلكهم الله في موقعة بدر بعد إخراجه بقليل، وهو ثمانية عشر شهرا هجرية.
стр. 1373
وعبر الله تعالى عن فرحة القرشيين بالإجلاء والطرد للنبي ﷺ بقوله سبحانه في آية أخرى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: ٩/ ٨١] وهو الفرح الذي يسبق العاصفة أو العذاب.
ثم قرر الله تعالى حكما عاما، وأعلمنا بسنة دائمة، فذكر سبحانه: أن من عادة الله وسنته ومنهجه في الذين كفروا برسله، وآذوهم، أن يأتيهم العذاب، بخروج الرسول من بينهم، فكل قوم أخرجوا رسولهم من أراضيهم، فسنة الله أن يهلكهم، ولولا أنه ﷺ الرحمة المهداة لجميع الخلائق، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، ولا تغيير لسنة الله، ونظامه أو قانونه، وعادته، ولا خلف في وعده.
لقد أحبط الله مساعي المشركين الوثنيين في مكة في محاولة فتنة النبي ﷺ عن رسالته ووحي ربه ودينه، ومحاولة تغيير الوحي الإلهي، وهو إنذار لكل من يهادن أئمة الضلال والكفر ويجاملهم في ضلالهم وغيهم، أو يحاول تبديل كلام الله وشرعه، وإعلان لعصمة النبي ﷺ عن التقصير في شيء. والمشركون حين تم لهم إبعاد النبي ﷺ من مكة وإخراجه منها، لم يضمنوا لأنفسهم السعادة والاستقرار والهناءة، وإنما توالت هزائمهم، في بدر والحديبية وفتح مكة وغيرها، وسقطت ألوية الوثنية وراياتها، وتعرضوا للعذاب والتدمير، والقتل والتشريد، ومن آمن منهم برسالة النبي ﷺ ونجا.
تشريع والصلاة وإعلان الحق
إن تماسك الأمة الإسلامية على عقيدتها وتوجهها نحو الله خالقها إنما هو بإقامة الصلاة، والتزام منهج الحق وطرقه، ومقاومة الباطل وجنده، وهذه المقومات الأساسية تجعل من المسلم والمجتمع والأمة قوة صلبة في دينها، وصادقة في عزيمتها
стр. 1374
وتوجهاتها، وما أحوجنا في كل زمان ومكان إلى صلابة الرجال، وصدق العزائم، والخشوع لله ﷻ في الصلوات، والابتهالات والقربات، قال الله تعالى موضحا هذه الخطة:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٨ الى ٨١]
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الإسراء:
١٧/ ٧٨- ٨١] .
إن تربية شخصية المسلم تعتمد على وصله بربه، وتقوية ثقته بخالقه مصرّف الأشياء، ومدبّر الكون، لذا من أجل صبر الرسول ﷺ على أذى قومه ومحاولاتهم الخائبة لفتنته واستفزازه وطرده، أمره الله بالإقبال على عبادة ربه، وألا يشغل قلبه بهم، فأمره بالصلاة. وآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ بإجماع المفسرين إشارة إلى الصلوات الخمس المفروضة. ومعناها أدّ أيها الرسول الصلوات المكتوبة عليك وعلى أمتك تامة الأركان والشروط في أوقاتها الخمسة، من بعد زوال الشمس (ظهرا) إلى ظلمة الليل، وذلك يشمل صلوات الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر المتميزة بإطالة التلاوة للقرآن الكريم، إن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل والنهار، وتشهدها الجماعة الكثيرة، وسميت صلاة الصبح قرآنا وهو القراءة، لأنها ركن كما سميت الصلاة ركوعا وسجودا وقنوتا.
روى أحمد والترمذي وغيرهما عن
стр. 1375
أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً قال: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» .
وفرض آخر على النبي ﷺ وهو صلاة التهجد، فقم للصلاة أيها النبي في جزء أو وقت من الليل، وهو أول أمر للنبي بقيام الليل، زيادة على الصلوات المفروضة الخمس. وقوله سبحانه: نافِلَةً لَكَ أي زيادة لك في الفرض، وكان قيام الليل فرضا على النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون هذا على جهة الندب في التنفل، ويكون الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمته، كخطابه في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ والظاهر أن هذا هو الراجح، لأنه يبعد تسمية الفرض بالنفل.
افعل هذا المأمور أيها النبي، لعل ربك يمنحك المقام المحمود أي المكان المرموق:
وهو الذي يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم ﵎، وهو مقام الشفاعة العظمى الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إلى النبي ﵊ يوم الحشر وأهوال القيامة. ويستفيد من هذه الشفاعة العالم أجمع مؤمنهم وكافرهم، لذا
قال ﷺ فيما يرويه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر ... »
وتمهيدا للأمر بالهجرة من مكة إلى المدينة، قل يا محمد داعيا: رب أدخلني في الدنيا والآخرة مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، وهو دعاء في أن يحسّن الله حال نبيه في كل ما يتناول من الأمور، ويحاول من الأسفار والأعمال، وينتصر من تصرفات المقادير في الموت والحياة، أي أدخلني إدخالا مرضيا حسنا، لا يكره فيه ما يكره، يوصف صاحبه بأنه صادق في قوله وفعله كدخول المدينة والخروج من مكة.
واجعل لي في هذا حجة بينة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا قويا، ينتصر فيه الإسلام على الكفر.
стр. 1376
روى الترمذي وغيره عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة، فنزلت عليه: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
وقل أيها النبي للمشركين: جاء الحق من الله الذي لا شك ولا مرية فيه، وهو الإسلام في جملته، وما قارنه من شعائر الإسلام والإيمان والعلم النافع، وزال الباطل وهو الشرك واضمحل، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق، ولا بقاء للشرك مع الإيمان، إن الباطل كان مضمحلا لا قرار له، وغير ثابت في كل وقت.
وقد تلا النبي ﷺ هذه الآية حين كسّر الأصنام حول الكعبة المشرفة وغيرها حينما فتح مكة المكرمة، وذلك إعلان بهزيمة الشرك والوثنية، وانتصار راية التوحيد لله والإيمان الخالص به.
القرآن والروح
أخبر الله تعالى عن مهمة القرآن الكريم بأنه شفاء ورحمة لأهل الإيمان، وخسران لأهل الظلم والكفر، غير أن الإنسان ظلوم لا يقدّر المعروف ويتنكر للطاعة، وييأس ويتشاءم عند الشر. وأخبر الله أيضا عن حقيقة الروح بأنها من عند الله وحده، وهي دليل على نقص علم الإنسان، فعلمه قليل، محصور بالحسّيات، ويجهل ما وراء ذلك من الغيبيات، ولا قدرة له عليها، وهذا ما أوضحته الآيات الآتية، في قول الله تعالى:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٢ الى ٨٥]
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 1377
«١» [الإسراء: ١٧/ ٨٢- ٨٥] .
هذه الآية بيان خاصية القرآن، فالله يقول عن نفسه: وننزل عليك أيها النبي قرآنا فيه شفاء، فكل شيء نزل من القرآن، فهو شفاء للمؤمنين يزدادون به إيمانا لأنه يزيل الريب، ويكشف غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى، المقرّرة لشرعه، بل فيه الشفاء من الأمراض، والرّقى والتعويذ من الشيطان «٢» ، وهو أيضا رحمة لمن آمن به وصدّقه واتّبعه، لأنه يرشد إلى الإيمان والحكمة والخير، فيؤدي إلى دخول الجنة والنجاة من النار، ولا يزيد سماع القرآن الكافر الظالم نفسه إلا بعدا عن الإيمان وكفرا بالله، لتأصل الكفر في نفسه.
غير أن الإنسان ناقص إلا من عصمه الله، فتراه إذا أمده الله بنعمة من مال وعافية، ورزق، ونصر، وحقق مراده، أعرض عن طاعة الله وعبادته، ونأى بجانبه، أي لوى جانبه، وولى ظهره، قاصدا الاستكبار والتباعد لأن ذلك عادة المتكبرين، وهو عبارة عن التحير والاستبداد.
وإذا أصابه الشر وهو المصائب والحوادث، كان يئوسا قنوطا من رحمة الله ومن الخير بعدئذ. وقل أيها النبي: كل أحد يعمل على طبيعته وطريقته، وناحيته وعلى ما ينوي من الهدى والضلال، والله وحده أعلم بمن هو أرشد سبيلا وأقوم طريقا واتباعا للحق، وسيجزي الله كل عامل بعمله، وفي الآية تهديد ووعيد بيّن للمشركين.
أما الحديث عن الروح: فهو قديم ومتجدد في كل عصر، ويسألك يا محمد المشركون عن حقيقة الروح التي تحيي الأبدان، فقل: الروح من شأن ربي، يحدث
стр. 1378
بتكوينه وإيجاده، وقد استأثر بعلمه، فلا يعلمه إلا هو، ولا يستطيعه إلا هو، وما أوتيتم أيها الناس من العلوم والمعارف إلا علما قليلا، محصورا بالمحسوسات والمرئيات، أما ما وراء ذلك فلا قدرة لكم عليه، ولا اطلاع لأحد على حقيقته.
وسبب نزول هذه الآية: هو ما روي عن عبد الله بن مسعود: أنه كان مع رسول الله ﷺ ، فمرّ على حرث (بستان) بالمدينة- ويروى: على خرب- وإذا فيه جماعة من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فإن أجاب فيه، عرفتم أنه ليس بنبي. فالآية نزلت في اليهود، وهي مدنية، وهذه رواية البخاري.
وفي رواية أخرى تدل على أن الآية مكية كسائر سورة الإسراء، وهي ما أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود، علمونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي والمراد: الأرواح التي في الأشخاص الحيوانية.
قال ابن كثير: يجمع بين الحديثين بتعدد النزول، فقد يكون السؤال من قريش، بتعليم اليهود في مكة فتكون الآية مكية، وقد يتكرر السؤال من اليهود أنفسهم في المدينة، فتكون الآية مدنية. والراجح هو الرأي الأول، فقد حرض اليهود المشركين المكيين على هذا السؤال للتحدي والاستبداد والعناد.
والمهم بيان كون الله مصدر الأرواح جميعا. فهو المانح للروح والقابض لها، وعلم الناس محدود قاصر، لا يدركون إلا ظواهر الأشياء، من وجود حركة الإنسان الجنين في بطن أمه، حينما تدبّ فيه الروح، فيحيا الجسم ويحس ويتحرك.
وذلك أنه كان عندهم في التوراة: أن الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحدا من عباده، فتطابق ما جاء في القرآن مع ما جاء في التوراة، مما يدل على صدق نبوة النبي محمد ﷺ .
стр. 1379
إعجاز القرآن الكريم
ما من نبي أو رسول إلا وهو بحاجة لإثبات صدق نبوته، وطريق التصديق:
إظهار المعجزة (وهي الأمر الخارق للعادة) على يده، لأن الإنسان العادي لا يستطيع الإتيان بالمعجزات، فتكون المعجزة طريقا للتحقق من صدق النبي أو الرسول، ومعجزات الأنبياء كثيرة متنوعة بحسب كل زمان، مثل العصا التي تنقلب حية واليد البيضاء لموسى ﵇ في وقت ساد فيه السحر، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه (المولود أعمى) والأبرص بإذن الله لعيسى ﵇، في وقت تقدم فيه الطب، ومعجزة النبي ﷺ الخالدة هي القرآن الكريم أفصح الكلام، وأبلغ البيان، وأروع الأساليب، في وقت كان فيه العرب يتفاخرون بالبلاغة والفصاحة وروعة الأسلوب.
وهذه المعجزة تحدثت عنها الآيات الآتية:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٦ الى ٨٩]
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩)
«١» »
«٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الإسراء: ١٧/ ٨٦- ٨٩] .
امتن الله على النبي ﷺ بالنبوّة والوحي، وبجعل القرآن شفاء للناس، وبإبقائه محفوظا خالدا إلى يوم القيامة، رحمة بالناس. فما على الرسول إلا التسليم لله، وتفويض التعليم إليه بما شاء، فالله تعالى يعلم من علمه بما شاء، ويدع ما شاء،
стр. 1380
ولئن شاء لذهب بالوحي الذي آتاه الله لنبيه، ثم لا يجد ناصرا له من الله، أو وكيلا.
والوكيل: القائم بالأمر في الانتصار، أو المخاصمة ونحو ذلك من وجوه النفع.
لكن رحمة من ربك، يترك القرآن، ولا يذهب به من صدر نبيه محمد، وهذا امتنان من الله تعالى على جميع العلماء ببقاء القرآن، إن فضل الله عليك أيها الرسول عظيم وكبير، بإرسالك للناس بشيرا ونذيرا، وباختصاصك بالنبوة، وحمايتك من المشركين، وبإنزال القرآن عليك، وحفظه في صدرك وفي المصاحف إلى يوم القيامة.
ثم تحدى الله العرب بأن يأتوا بمثل القرآن الكريم، فقل يا محمد متحديا: والله لئن اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته، وحسن نظمه وبيانه، ومعانيه وأحكامه، وفيهم العرب أرباب البلاغة وفرسان الفصاحة، لعجزوا عن الإتيان بمثله، حتى ولو كان الجميع متعاونين متآزرين، بعضهم لبعض ظهير، أي معين ومساعد.
وسبب نزول هذه الآية: أن جماعة من قريش قالت لرسول الله ﷺ : يا محمد، جئنا بآية غريبة غير هذا القرآن، فإنا نقدر نحن على المجيء بمثل هذا، فنزلت هذه الآية المصرّحة بالتعجيز، المعلمة بأن جميع الخلائق إنسا وجنّا، لو اجتمعوا على ذلك، لم يقدروا عليه.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس: أن جماعة من اليهود جاؤوا للنبي ﷺ ، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا؟ وإن هذا الذي جئت به، لا نراه متناسقا، كما تناسق التوراة، فأنزل علينا كتابا نعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ.. الآية.
والعجز عن معارضة القرآن: إنما وقع في النظم ورصف المعاني، وعلة ذلك:
стр. 1381
الإحاطة التي لا يتصف بها إلا الله تعالى، والبشر عاجزون بسبب الجهل والنسيان، والغفلة، وأنواع النقص.
وكذلك التحدي بالعشر السور، والتحدي بالسورة الواحدة، إنما وقع ذلك كله على حد واحد في النظم خاصة.
ثم نبّه الله تعالى على فضله في إنزال القرآن على العالم، ووبخ الكفار على قبيح فعلهم، وترك إيمانهم بالقرآن، فالله بيّن للناس في القرآن بيانا مترددا ومكررا على وجوه مختلفة، وألوان متعددة، وعبارات متنوعة، مرة بالإيجاز، وتارة بالإطناب، وأوضح الحجج والبراهين القاطعة الدالة على وحدانية الله وصدق نبيه، وأبان الحق، وأتى بالآيات والعبر، ورغّب ورهّب، وأمر ونهى، وشرّع وأحكم، وأتى بالقصص، وأخبر عن الجنة والنار والقيامة، للعظة والعبرة وهذا معنى قوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي من كل معنى، هو كالمثل في الغرابة والحسن، وأتى الله في القرآن بألوان التنبيه والعبر، من كل مثل ضربه، فأبى أكثر الناس، أي أهل مكة وأمثالهم إلا جحودا وإنكارا للحق، وردا للصواب، وبقاء على الكفر، وإعراضا عن الإيمان.
طلب المشركين آيات تعجيزية
لقد عانى النبي ﷺ من قومه في مكة معاناة شديدة، حينما بدأ بدعوتهم إلى توحيد الله تعالى، وهجر عبادة الأوثان، فآذوه وآذوا المستضعفين إيذاء شديدا، وبلغ بهم العناد والاستبداد والتحدي أن طالبوا نبي الله بإحدى ست آيات تعجيزية، كلها غير مقدورة للبشر، حدث هذا في مكة حينما اجتمع عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن
стр. 1382
أبي أمية والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة قريش وساداتها، وعرضوا على النبي ﷺ أن يملّكوه- إن أراد- الملك، ويجمعوا له كثيرا من المال- إن أراد الغنى- أو يطبّوه إن كان به داء، ونحو هذا من الأقاويل،
فدعاهم رسول الله ﷺ عند ذلك إلى الله، وقال: إنما جئتكم من عند الله بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم، فإن سمعتم وأطعتم فحسن، وإلا صبرت لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم بما شاء، فقالوا له حينئذ: فإن كان ما تزعمه حقا، ففجّر ينبوعا ونؤمن لك، ولتكن لك جنة (بستان) إلى غير ذلك مما كلفوه، فقال لهم رسول الله ﷺ : هذا كله إلى الله، ولا يلزمني اقتراح هذا ولا غيره، وإنما أنا مستسلم لأمر الله تعالى «١» .
هذا هو معنى الحديث في سبب نزول الآيات الآتية:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٠ الى ٩٣]
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣)
«٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٩٠- ٩٣] .
لم يكتف المشركون بإعجاز القرآن لإثبات كونه كلام الله، وإثبات نبوة محمد ﷺ ، وبعد أن أفحمتهم الحجة، وعجزوا عن الجواب المقنع، اقترحوا إنزال إحدى ست آيات من النبي ﷺ :
- فقال زعماؤهم كعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبي جهل وأبي سفيان والوليد بن المغيرة
стр. 1383
والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وأبي البختري: لن نصدق برسالتك حتى تفجّر لنا من الأرض ينبوعا من الماء يتدفق، وهو العين الجارية، فإنا في صحراء.
- أو تكون لك جنة (أي بستان) من النخيل والأعناب وبقية الثمار، تتدفق فيها الأنهار وتسقى بها الزروع والأشجار.
- أو تسقط السماء علينا كسفا، أي قطعا قطعا، كما زعمت أن ربك يفعل ذلك إن شاء.
- أو تأتي بالله والملائكة معاينة ومواجهة، فيحدثونا بأنك رسول من عند الله.
ومعنى قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أي مقابلة وعيانا، أو ضامنا وزعيما بتصديقك.
- أو يكون لك بيت من زخرف، أي من ذهب. فإنك يتيم فقير. والزخرف: هو ما يتزين به، من ذهب أو غيره. والمراد به هنا: الذهب.
- أو ترقى (أي تصعد) في السماء على سلّم تضعها، ثم ترقى عليها، ونحن ننظر، ولن نصدق لارتقائك حتى تأتي لنا بكتاب نقرؤه، فيه تصديقك أنك رسول من عند الله. وقائل هذه المقالة: هو عبد الله بن أبي أمية فإنه قال لرسول الله ﷺ : إنا لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب، أي كتاب له، فيه: من الله إلى عبد الله بن أبي أمية. وطلبت جماعتهم مثل هذا الطلب.
فأمر الله نبيه أن يقول: سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا أي تنزيها لله من الإتيان إليكم، مع الملائكة قبيلا، ومن أن يخاطبكم بكتاب، كما أردتم، ومن أن أقترح على الله هذه الأشياء، وهل أنا إلا بشر منكم أرسلت إليكم بالشريعة، فإنما عليّ التبليغ فقط.
وليس للرسل أن يأتوا بشيء إلا بما يظهره الله على أيديهم بحسب الحكمة الإلهية
стр. 1384
وتوافر المصلحة للناس، وما سألتموه أو طلبتموه أمره إلى الله ، إن شاء أجابكم، وإن شاء لم يجبكم.
والواقع أنهم قوم معاندون مكابرون، لن يؤمنوا برسالة النبي ﷺ ، ولو جاءت الآيات كما اقترحوا، كما ذكر الله تعالى في آية أخرى وهي: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) [يونس: ١٠/ ٩٦- ٩٧] .
وهكذا وضحت قضية هؤلاء المعاندين المشركين في مكة وغيرها، فإن من شرح الله صدره للإيمان لا يحتاج لهذه الأسباب، كلها أو بعضها، عافانا الله من التكبر والعناد.
استغراب المشركين من كون الرسل بشرا
المشركون الذين لم يجدوا حجة أو مسوغا مقبولا لشركهم وعنادهم، كلما حوصروا وأفحموا منطقيا وواقعيا، لجؤوا إلى تصيد الشبهات والذرائع لتسويغ شركهم ووثنيتهم، يتخبطون في دياجير الظلام، ويسقطون في متاهات الضلال، ومن شبهاتهم الواهية: أن الرسل لا يصح كونهم بشرا، وإنما ينبغي أن يكونوا ملائكة، وهذا يجافي العقل والمنطق، لأن من أهم شروط الرسول المبلّغ رسالة أو الناقل كلاما أن يكون من جنس المرسل إليه، حتى يأنس به ويفهم كلامه. وتحكي لنا الآيات الآتية شبهة بشرية الرسل، والرد على أفّاكيها:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٤ الى ٩٧]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧)
стр. 1385
«١» «٢» [الإسراء: ١٧/ ٩٤- ٩٧] .
هذه الآيات واردة على سبيل التوبيخ والتعجب من النبي ﷺ كأنه يقول مستغربا متعجبا من المشركين: ما شاء الله كان، ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا هذه العلة التافهة (النّزرة) وهي كون الرسل بشرا، وهذا ليس أمرا بدعا ولا غريبا، فكون الرسل بشرا من جنس المرسل إليهم هو الأمر الصحيح، ليقع الإفهام وتحدث المناقشة المنطقية، والتمكن من النظر، فلو فرض أن في الأرض ملائكة يسكنونها مطمئنين، أي وادعين فيها مقيمين، لكان الرسول إليهم من الملائكة، ليحدث الإفهام بلغة المخاطبين، ولو بعث للبشر ملك، لنفرت طبائعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم، وإنما أجرى الله الأمر على حسب المعتاد والمصلحة، واللطف والرحمة بالعباد.
وهذا ما أمر الله به نبيه أن يقول: إن مقتضى الحكمة ومنطق الأشياء والرحمة بالناس المدعوين للإيمان: أن يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليناقشهم ويخاطبهم، ويفهموا منه، فليس إرسال الرسول لمجرد إلقاء الموحى به إليه، ولو كان الرسول ملكا لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، فإن الشيء يألف جنسه ويأنس به، فطبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر، وعقد حوار معهم حول أحكام التشريع، وتبيان أصول العقيدة، وأداء الرسالة.
بل إن إرسال الرسول من البشر نعمة وحكمة ومنّة عظمي، كما قال الله تعالى:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ٣/ ١٦٤] أي من جنسهم.
ثم أرشد الله تعالى إلى حجة أخرى في الموضوع حين قال المشركون للنبي: فمن
стр. 1386
يشهد لك بصدق نبوتك؟ وتلك الحجة هي أن القول الفصل بيني وبينكم هو أن الله شاهد علي وعليكم، والحاكم بيني وبينكم، وهو العالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا لانتقم مني أشد الانتقام، إن الله سبحانه عالم تامّ العلم بأحوال عباده الظاهرة والباطنة، وخبير بمن يستحق الهداية، ومن هو باق في الضلالة، فهم لا يذكرون شبهة بشرية الرسل وغيرها إلا حسدا وحبا للزعامة، وإعراضا عن دعوة الحق وقبولها.
وفي ذلك تهديد ووعيد وإيناس للنبي ﷺ فيما يلقاه من صدود قومه وعنادهم.
ثم ذكر الله تعالى قانون الهداية والضلالة، ومضمونه: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي إلى الحق، ومن يضلل الله بسبب بعده عن الهداية، فلن تجد لهم أنصارا يهدونهم من دون الله إلى الحق والصواب، ونحشر (نجمع) يوم القيامة في موقف الحساب هؤلاء الضالين عميا لا يبصرون بقلوبهم الحق، بكما لا ينطقون، صما لا يسمعون، أي فكما أنهم كانوا في الدنيا معطّلين هذه الحواس عن الانتفاع بها، فهم في الآخرة لا يبصرون طريق النجاة الذي يقر الأعين، ومصيرهم إلى جهنم، كلما سكن لهيبها، وفرغت النار من إحراقهم، زدناهم لهبا ووهجا وجمرا، فيثور اللهب من جديد، ويتكرر الإفناء والإعادة، زيادة في عقابهم وتحسرهم، فتلك زيادة السعير، كما قال ابن عباس ﵄. قال ابن عطية: فالزيادة في حيّزهم، وأما جهنم فعلى حالها من الشدة، لا يصيبها فتور.
إنكار المشركين البعث
تتركز عقيدة المشركين الوثنيين على أمرين: نسبة الشريك لله تعالى زورا وبهتانا، وإنكار البعث واليوم الآخر، بسبب تصوراتهم المادية المقصورة على الدنيا، وضعف عقولهم، وعدم إدراكهم لقدرة الله تعالى العظمى التي تختلف كل الاختلاف عن
стр. 1387
قدرات البشر وإمكاناتهم، وهم ينسون سبب وجودهم وخلقهم في عالم الحياة، فالله هو الذي خلقهم وسوّاهم، وهو كذلك قادر هيّن عليه أيضا إعادتهم إلى الحياة، حتى وإن صاروا عظاما بالية، ورفاتا بقايا قديمة، وترابا منثورا، قال الله تعالى مبينا فساد عقيدة المشركين في إنكارهم القيامة والبعث:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠]
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠)
«١» «٢» [الإسراء: ١٧/ ٩٨- ١٠٠] .
إن الجزاء الإلهي في الدنيا والآخرة عدل مطلق، وحق تام، فلا يعذب الله أحدا، من دون سبب، ولا يعاقبه من غير وجه مشروع، لذا قال الله تعالى: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا.. أي إن ذلك الجزاء المشار إليه في الآية السابقة، وهو:
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً وذلك الوعيد المتقدم بجهنم، بسبب كفر أولئك المشركين وتكذيبهم بآيات الله وبالدلائل والحجج التي جاء بها محمد ﷺ ، ويعم ذلك آيات القرآن الكريم وما تضمن من خبر وأمر ونهي.
ومن أسباب تعذيبهم بنحو خاص: إنكارهم البعث، ووجه تخصيصه مع أنه داخل في عموم الكفر بآيات القرآن: التعظيم له، والتنبيه على خطر الكفر به وإنكاره.
وكيف أنكروا البعث؟
قالوا: أإذا كنا عظاما بالية، ورفاتا، أي بقايا صيّرها البلى إلى حالة التراب المنتشر، نعود خلقا جديدا آخر، أبعد ما صرنا إلى البلى والهلاك والتناثر والتفرق في أنحاء الأرض، نعاد أو نبعث مرة ثانية إلى الحياة؟!
стр. 1388
والبعث: تحريك الشيء الساكن، وهذا الاستفهام منهم على جهة الاستبعاد للمحال بزعمهم، فرد الله تعالى عليهم فيما استبعدوه من البعث، والرد مأخوذ مما اعترفوا به، فهم لا ينكرون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ومن فيهما من البشر وغيرهم، فكيف يصح لهم أن يقروا بخلق الله لكل هذه الأشياء، ثم ينكرون إعادة بعضها؟ إن الله قادر على البعث بدليل خلقه السماوات والأرض.
ألا يرون في قلوبهم أن الله الذي أوجد السماوات والأرض من العدم، على غير مثال سابق، قادر على أن يخلق أمثالهم، ويعيد أبدانهم، وينشئهم نشأة أخرى، كما بدأهم، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك، كما قال سبحانه: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٤٠/ ٥٧] .
ألا يرون رؤية القلب أيضا أن الله جعل للبشر أجلا محتوما لا شك فيه، وذلك الأجل إما يوم القيامة، وهو الأجل العام، وإما أجل الموت وهو الأجل الخاص بكل نفس مخلوقة، والتقدير بالأجل فيه بيان قدرة الله وملكه لخلقه، فمن قدّر الآجال وجعل للمخلوقات نهاية حتمية، كان هو القادر على إحياء الموتى، وإيقاع البعث من جديد، حين يشاء، لا إله إلا هو، وعلى الرغم من بيان هذا الواقع، أبى الكافرون الظالمون أنفسهم إلا كفورا، أي تماديا في الباطل والضلال، وجحود الثابت الصحيح، وإنكار البعث.
وسبب عدم إجابة المشركين لمقترحاتهم من إيجاد القصور والجنات وعيون الأنهار:
هو الشح والبخل المتمكن في نفوسهم، لذا قل لهم أيها النبي: لو أنكم ملكتم التصرف في خزائن أرزاق الله، لبقيتم على الشح والبخل، ولأمسكتم عن الإنفاق، وهو الفقر، وكان الإنسان قتورا، أي بخيلا منوعا ممسكا، فلو أنهم ملكوا مفاتيح
стр. 1389
الرزق، لأمسكوا عن النفقة، بسبب فقرهم وعجزهم، ولما أعطوا أحدا شيئا بسبب خوفهم من النقص وعدم المال.
والمراد بقوله تعالى: خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي أي خزائن المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، والإنفاق المعروف: هو إذهاب المال، وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى:
تبخلون خشية عاقبة الإنفاق، وكان طبع الإنسان ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فلو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر.
الآيات التسع لموسى ﵇
كان الحجاج عنيفا والصراع قويا على أشده، بين موسى ﵇ وفرعون ملك مصر، وخليفة هذه الصراع واضحة: هي أن فرعون أراد الحفاظ على ملكه وسلطانه ونفوذه في مصر، وخشي أن ينافسه موسى ﵇ السلطة، ويحدّ من هيمنته، وتسلّطه على المصريين، وكان لا بد لموسى من إثبات صدقه في ادعاء النبوة، فآتاه الله تسع آيات مشهورة، وآيات أخرى بلغ مجموعها أكثر من أربع وعشرين، وخص الله تسعا منها بالذكر، ووصفها بالبيان ولم يعينها، وهي الخمس المذكورة في سورة الأعراف، وهي: الطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، والأربع الأخرى كما قال ابن عباس ﵄: هي السنون (القحط) في بواديهم، ونقص الثمرات في قراهم، واليد، والعصا. قال الله تعالى مبينا تأييد رسوله موسى بهذه الآيات التسع:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٤]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)
стр. 1390
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ١٠١- ١٠٤] .
في معرض جواب المشركين عن اقتراحهم ومطالبتهم بالآيات التعجيزية، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ.. أي: لقد أمددنا موسى ﵇، وأعطيناه تسع آيات بينات، أي دلائل قاطعة على صدق نبوته، وتصديقه فيما أخبر به، حين أرسلناه إلى فرعون وقومه، فلم يؤمنوا بها، فاسأل أيها النبي محمد بني إسرائيل المعاصرين لك كعبد الله بن سلام وصحبه سؤال تأكد وتوثق، حين جاءهم موسى بتلك الآيات، فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا، أي سحرك الناس، فكلامك مختل، وما تأتي به غير مستقيم، وصرت مختلط العقل.
قال موسى لفرعون: لقد علمت علم اليقين أن هذه الآيات التسع ما أنزلها خالق السماوات والأرض إلا طرائق يهتدى بها وحججا وأدلة على صدق ما جئتك به، فهي تهدي الإنسان إلى الطريق الحق، وأنها من عند الله، لا من عند غيره.
وإني لأظنك يا فرعون مغلوبا مهلكا. وهذا رد مفحم على اتهام فرعون موسى بأنه قد سحر، ففسد نظره وعقله وكلامه، ومضمون الرد: أن موسى يعلم آيات الله تعالى، وأنه ليس بمسحور، بل محرّر لما يأتي به.
فأراد فرعون أن يستفزهم، أي أن يخرج موسى وقومه بني إسرائيل من أرض مصر
стр. 1391
بالقتل أو الطرد، فأغرقناه ومن معه جميعا، أي فأهلكناه وجنوده جميعا بالإغراق في البحر.
ونجينا موسى وقومه بني إسرائيل، وقلنا لهم بعد هلاك فرعون: اسكنوا الأرض «١» التي أراد فرعون إخراجكم منها، وهي أرض مصر. فإذا جاء يوم القيامة، جئنا بكم أنتم وعدوّكم جميعا، جمعا مختلطا أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم، وحكم الله عدل مطلق، وحق ثابت دائم.
ويلاحظ أن الله تعالى في هذه الآيات ذكر من قصة موسى مع فرعون طرفي القصة، في البدء والنهاية، فقد أراد فرعون غلبة الإسرائيليين وقتلهم، وهذا كان بدء الأمر، فأغرقه الله تعالى مع جنوده، وهذا كان نهاية الأمر.
وتقرير بداية هذه القصة ونهايتها بإيجاز يملأ النفس رهبة ورعبا، ويوقظ أحاسيس العبرة والعظة في المتأملين المفكرين المتعظين، لأن نبي الله موسى الكليم يدعو إلى الحق، وتوحيد الله، وترك الظلم الغاشم للرعية، وفرعون المتسلط يتمسك بعز السلطة وكبرياء الحكم، ويترفع عن التنزل لمستوى موسى وقومه، ولكن الله بالمرصاد بنصر رسله وأنبياءه وأتباعهم أهل الإيمان، ويهزم ويخذل أعداء الرسل وقواعد الظلم وعروش الظلمة، وهذه هي سنة الله في عباده، يؤيد الحق وأهله، ويمحق الباطل وأعوانه وجنده، وأكد التاريخ هذه السنة، حيث يبقى أهل الصلاح والاستقامة، وتطوى من التاريخ صحف المفسدين الظالمين المتكبرين.
стр. 1392
إنزال القرآن ونزوله بالحق
يعلم الله تعالى حاجة البشرية لكتاب ودستور إلهي دائم، يرشد للخير والتوحيد والسعادة، ويحذر من الشر والشرك والشقاوة، ويأمر بالعدل ومكارم الأخلاق، وينهى عن الظلم وقبائح الأقوال والأفعال، لذا أنزل الله القرآن العظيم قائما على الحق والسداد، ومتضمنا الحق في أوامره ونواهيه وأخباره، وملازمة الحق والثبات على الحق أهم خاصية للدوام والخلود، والبعد عن التنازع والخلافات والخصومات، وهذا ما عبّرت عنه الآيات القرآنية التالية:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩)
«١» «٢» «٣» [الإسراء: ١٧/ ١٠٥- ١٠٩] .
المعنى: إننا أنزلنا القرآن بالحق، أي بالواجب الذي هو المصلحة والسداد للناس، وبالحق الثابت في نفسه، ونزل القرآن بالحق في أوامره ونواهيه وأخباره، فيكون تكرار اللفظ لمعنى مختلف غير الأول، وذهب الطبري إلى أنهما بمعنى واحد، أي بأخباره وأوامره، وبذلك نزل. هذه خاصية القرآن.
وأما خصيصة النبي ﷺ فالله أبانها أنه ما أرسل نبيه محمدا إلا مبشّرا لمن أطاعه من المؤمنين بالجنة، ونذيرا مخوفا لمن عصاه من الكافرين بالنار.
وأما كيفية نزول القرآن، فكان منجّما، أي مقسطا بحسب الوقائع والمناسبات، لذا وصف الله تلك الكيفية بأنه أنزله مفرقا في مدى ثلاث وعشرين سنة، على وفق
стр. 1393
المناسبات وأحوال الوقائع والحوادث، وعلى ما تقتضيه الحكمة والمصلحة النافعة في الدنيا والآخرة. ومعنى فَرَقْناهُ بيّناه وأوضحناه وجعلناه فرقانا.
وذلك لتبلّغه أيها النبي الرسول للناس وتتلوه عليهم على مهل وتطاول في المدّة وتأن أو ترسّل في التلاوة، ونزلناه إليك تنزيلا، أي شيئا بعد شيء، وقوله سبحانه:
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا بعد قوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لبيان كون التنزيل على حسب الحوادث.
ثم بعد هذا البيان القرآني، قال تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا ... وهذه آية تحقير للكفار وتوعد، أو أنها للوعيد دون التحقير، والمعنى: أنكم لستم بحجّة، فسواء علينا آمنتم أو كفرتم، وإنما ضرر ذلك على أنفسكم، وسترون ما تجازون به، وإنما الحجة أهل العلم من قبله، كما سيأتي.
وإن علماء أهل الكتاب الصالحين كورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ونحو هما الذين تمسكوا بكتابهم، ولم يبدلوه ولم يحرفوه، إذا يتلى عليهم هذا القرآن، يسجدون على وجوههم تعظيما لله ، وشكرا على ما أنعم به عليهم، وعلى بيانه الحق.
وقوله سبحانه: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ أي لناحيتها. والأذقان: أسافل الوجوه حيث يجتمع اللّحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، ولا سيما عند سجوده. وهذا مبالغة في الخضوع والخشوع لله تعالى والخوف منه.
ويقولون في سجودهم: (سبحان ربنا) أي تنزه الله تعالى وتعاظم، وإن وعد الله آت، والله لا يخلف الميعاد، إن وعده لمنجز، واقع، آت لا محالة.
وصفة سجودهم: أنهم يخرون ساجدين باكين، خاشعين، خاضعين لله ، من خشية الله، وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله ويزيدهم السجود خشوعا، أي إيمانا وتسليما، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) [محمد: ٤٧/ ١٧] .
стр. 1394
وهذه الآية: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ عطف بزيادة صفة.
وقد امتدح النبي ﷺ البكاء أي الذي لا يظهر معه الصوت والكلام في أحاديث كثيرة، منها: ما
رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى» .
وقوله سبحانه: وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً أي يزيدهم القرآن تواضعا لله تعالى. وهذه مبالغة في صفتهم، ومدح لهم، وحض لكل من توسم بالعلم، وحصّل منه شيئا أن يصل إلى هذه الرتبة، وهي رتبة الخشوع والخضوع لله .
والواقع أن العبادة لله تعالى ينبغي أن تكون بقلب خاشع، ونفس خاضعة ذليلة لله ، يظهر منها معنى العبودية الخالصة لرب العزة، ويتجلى بها استحضار عظمة الله وهيبته التي تملأ النفس محبة لله، وخوفا منه، فيصير الإنسان صالح القول والعمل، بالعبادة المرضية لربه تعالى.
الدعاء بأسماء الله الحسنى
تمجّد الله وتعاظم، فله الأسماء الحسنى والصفات العليا، ويصح الدعاء بأي اسم من أسماء الله الحسنى التي هي في الأعم الأشهر تسعة وتسعون اسما، أخرج ابن جرير الطبري، والبخاري في التوحيد والشروط والدعوات، ومسلم في الذكر، والترمذي، وابن ماجه في الدعوات: «إن لله تسعة وتسعين اسما كلهن في القرآن، من أحصاهن دخل الجنة» .
وقد أخبر القرآن في الجملة عن تسمية الله بالأسماء الحسنى في الآيات الآتية:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١١٠ الى ١١١]
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)
стр. 1395
«١» [الإسراء: ١٧/ ١١٠- ١١١] .
نزلت الآية الأولى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ كما
روي الطبري عن ابن عباس أن المشركين سمعوا رسول الله ﷺ يدعو: يا الله، يا رحمن، فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد، وهو يدعو إلهين.
ونزلت آية: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها كما أخرج أحمد والشيخان وغيرهم عن ابن عباس في حال اختفاء الرسول ﷺ بمكة، في بدء الدعوة، وكان المشركون إذا سمعوا القرآن، سبّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله لنبيه: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك، فلا يسمعون، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا.
ونزلت آية: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فيما أخرج ابن جريج عن محمد بن كعب القرظي قال: إن اليهود والنصار قالوا: اتخذ الله ولدا وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذلّ، فأنزل الله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً.. الآية.
رد الله تعالى على اتهامات المشركين ومواقفهم المتعنتة، والرد الأول: أن العرب لما عجزوا عن معارضة القرآن، وحملته على إثبات توحيد الله ورفض تعدد آلهتهم، عدلوا إلى رميه ﷺ بأن ما نهاهم عنه من التعدد رجع إليه، وغاب عنهم أن تعدد الأسماء والصفات غير تعدد الذوات.
فهم أنكروا إطلاق اسم الرحمن على الله ، فأمر الله نبيه أن يقول
стр. 1396
للمشركين: لا فرق في دعاء الله باسم الله أو باسم الرحمن، فإنه تعالى ذو الأسماء الحسنى، وتعدد الأسماء غير تعدد المسمى، فادعوا الله باسم الله، أو باسم الرحمن، فأي اسم تدعونه به فهو حسن، وتقدير الآية: أيّ الأسماء تدعو به فأنت مصيب، له الأسماء الحسنى. وأسماء الله توقيفية، لا يصح وضع اسم لله تعالى إلا بتوقيف من القرآن والحديث النبوي، وقد روي كما تقدم عند الترمذي وغيره بسند صحيح:
«إن لله تسعة وتسعين اسما ... » الحديث.
ثم أرشد الله تعالى إلى كيفية التلاوة والدعاء، وهي القراءة الوسط بين الجهر والإسرار: لا تجهر بقراءة صلاتك، حتى لا يسمع المشركون فيسبوا القرآن، ويسبوا من أنزله، ومن جاء به، ولا تخافت أو تسرّ بها عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلا وسطا، فهذه هي الطريقة المثلى في القراءة، وهي الحد الوسط بين الجهر بالصوت، والإسرار والإخفات فيه، ففي الجهر حتى لا يتفرقوا عنه، ويأبوا أن يسمعوا منه، أو يسبوا القرآن، وفي الإسرار ليسمع من أراد السماع، فينتفع به.
ثم علّمنا الله كيفية حمده وشكره، فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، أي وقل: لله الحمد والشكر على ما أنعم به على عباده، وهو سبحانه الموصوف بالصفات الثلاث الآتية وهي:
- أنه لم يتخذ ولدا: فهو تعالى غير محتاج إليه، واتخاذ الولد من صفات المخلوقين، لا من صفات الله الخالق، فهو منزه عنها.
- وليس لله شريك في الملك والسلطان لأنه أيضا غير محتاج إليه، ولو احتاج إلى شريك لكان عاجزا، ولأن تعدد الآلهة يؤدي إلى الفساد والنزاع واضطراب الأحوال، كما قال الله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢١/ ٢٢] .
стр. 1397
- ولم يكن لله ولي من الذل، أي ليس الله بذليل حتى يوالي أحدا لمذلة، من ولي أو وزير أو مشير، بل هو سبحانه خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدّرها بمشيئته.
ومجموع هذه الصفات مجموعة في سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) [الإخلاص: ١١٢/ ١- ٤] .
ثم قال الله سبحانه في ختام الآية: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً، أي عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا. وهذه اللفظة (الله أكبر) أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، وقد أكدها الله بالمصدر تحقيقا لها، وإبلاغا في معناها. روى مطرّف عن عبد الله بن كعب، قال: «افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام، وختمت بخاتمة هذه السورة» أي سورة الإسراء، وهو ما ذكرناه هنا.
стр. 1398
تفسير سورة الكهف
مهام القرآن العظيم وغاياته
في مطلع سورة الكهف، في منتصف القرآن الكريم تحديد الغايات والأغراض التي من أجلها نزل القرآن، ردا على أسئلة قريش التعجيزية، وتحددت هذه الغايات: في إنذار العصاة والمخالفين المشركين بالبأس الشديد من الله تعالى إذا استمروا في عنادهم، وتبشير المؤمنين الذين يعملون صالح الأعمال بالثواب الحسن الجزيل والتأبيد في جنان الخلد، وهذا ما دوّنته الآيات الآتية من سورة الكهف المكية مبتدئة بحمد الله منزل الكتاب على عبده:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤)
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [الكهف: ١٨/ ١- ٥] .
سبب هذه البداءة في هذه السورة:
أن رسول الله ﷺ لما سألته قريش عن المسائل الثلاث: الروح، والكهف، وذي القرنين- حسبما أمرتهم به يهود- قال لهم رسول الله: «غدا أخبركم بجواب سؤالكم» ولم يقل: «إن شاء الله» فعاتبه الله تعالى بأن أمسك عنه الوحي خمسة عشر يوما، فأرجف به كفار قريش، وقالوا: إن محمدا قد
стр. 1399
تركه رئيّه «١» الذي كان يأتيه من الجن، وقال بعضهم: قد عجز عن أكاذيبه، إلى غير ذلك.
فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، وبلغ منه الجهد، فلما أن قضي الأمر الذي أراد الله تعالى عتاب- محمد ﷺ عليه، جاء الوحي من الله تعالى بجواب الأسئلة وغير ذلك، فافتتح الوحي بحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب، أي بزعمكم أنتم يا قريش، كما تقول لرجل يحب مساءتك، فلا يرى إلا نعمتك: الحمد الله الذي أنعم علي وفعل بي كذا، على جهة النعمة عليه، والتذكير بها.
والمعنى: الشكر والثناء بالجميل على الفعل الجميل الصادر بالاختيار من الله تعالى، والله سبحانه محمود على كل حال، ويحمد نفسه في فاتحة بعض السور وخواتمها، لتعليم العباد كيف يحمدونه على نعمه الجليلة التي أنعم بها عليهم، ومن أهمها نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده ونبيه محمد ﷺ من الكتاب وهو القرآن سبب النجاة والفوز للعالم أجمع.
وليس لهذا الكتاب القرآن اعوجاج عن جادة الاستقامة، وإنما هو قويم معتدل مستقيم، فالله تعالى لم يجعل لقرآنه (كتابه) عوجا، ولكنه جعله قيما، أي مستقيما قائما على الحق والسلامة من الزيغ والانحراف، من أجل تحقيق غاياته، وهي تتلخص في تخويف الذين كفروا بالكتاب من البأس، أي العذاب الشديد في الدنيا، ومن عذاب الآخرة، ونار جهنم، وذلك الإنذار من لدن الله تعالى، أي صادرا عنه سبحانه.
وللقرآن غاية أخرى تقابل الإنذار وهي تبشير المؤمنين بالقرآن، الذين يعملون صالح الأعمال، أن لهم ثوابا جميلا عند الله تعالى، وهو الجنة دار المتقين الأبرار،
стр. 1400
ودار الخلود الأبدي للمحسنين الأخيار، فهم يمكثون أو يستقرون في ذلك الثواب عند الله، وهو الجنة، إلى الأبد، أي إنهم خالدون في النعيم الأبدي، من غير زوال ولا نقصان ولا انقضاء.
والغاية الثالثة: أن القرآن يحذر الكفار الذين زعموا أن لله ولدا وهم مشركو العرب، الذين قالوا: نحن نعبد الملائكة بنات الله، وأمثالهم من الكفرة الآخرين الذي يزعمون أن لله ابنا هو كذا أو كذا، كجعل العزير ابنا لله، أو المسيح ابنا لله تعالى.
وليس لهؤلاء الزاعمين وجود ولد لله ولا لأسلافهم دليل علمي ثابت على هذا القول المفترى، وهو اتخاذ الولد لله، وإنما قولهم صادر عن جهل مفرط، وتقليد للآباء، ومن وساوس الشيطان.
كبرت فريتهم كلمة، وعظمت تلك الكلمة التي ينطقون بها، ويخرجونها من أفواههم، متجرئين على النطق بها، وهي كلمة الكفر، فليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، فما يقولون إلا قولا مجرد كذب وزور وبهتان، ولا حقيقة له أصلا، فقوله تعالى: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً أي ما يقولون إلا كذبا.
هذه حملة شديدة على كلمات الكفر والشرك والوثنية، فهي مجرد كلمات يرددها أصحابها، من دون عقل ولا وعي، ولا حجة ولا برهان، وتضمنت هذه الجملة تبيان أوصاف القرآن التصحيحية لكلمات الناس، وهي تبشير المؤمنين بالجنة وإنذار الكافرين بنار جهنم، ولا سيما الذين يزعمون أن لله ولدا، وبئست وعظمت تلك الكمة المفتراة الصادرة من الأفواه، من غير إدراك ولا وعي ولا علم صحيح، وإنما بسبب الجهل التام المسيطر على أصحاب ذلك الكلام المفترى. لذا آن الأوان لتخرس
стр. 1401
ألسنة السوء والكذب، وتتجه للنطق بالحق والواقع، وهو الإقرار بوحدانية الله تعالى.
تقوية الروح المعنوية للنبي ﷺ
إن المخلصين في دعوتهم يتحرقون ألما على تباعد الناس عن رسالتهم، التي هي محض إسعاد ونجاة للمؤمنين بها، وفي طليعة المخلصين نبينا محمد ﷺ الذي كان يحرص أشد الحرص على هداية قومه قريش ومن جاورهم، لأنه يسعد بسعادتهم، ويتألم لآلامهم، فإذا ظهر منهم الإعراض عن دعوة القرآن والإسلام، خيّم الحزن والأسى والألم على قلبه، وتلك مشاركة وجدانية عاطفية عالية المستوى، ولكن الله تعالى الرؤوف بعبده ونبيه كان يسرّي خواطره ويؤانسه ويبين عذره، ويحمله على الرضا بما قضى الله وقدّر، وبما حدث من كفر وعناد، وذلك كما في هذه الآيات:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦ الى ٨]
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨)
«١» «٢» »
«٤» «٥» [الكهف: ١٨/ ٦- ٨] .
هذه آية تسرية وإيناس للنبي ﷺ من إعراض قومه عن دعوته، وابتعادهم عن قداسة الإيمان وعظمته بالقرآن المجيد الذي هو دعوة إنقاذ وتحرر، وإصلاح وتقدّم، وعزة ومجد وسؤدد.
والمعنى: فلعلّك أيها النبي قاتل نفسك ومهلكها بسبب عدم إيمان قومك بهذا القرآن، أسفا وحسرة عليهم، وهذا تقرير بمعنى الإنكار على النبي، أي لا يكن ذلك
стр. 1402
منك بسبب إدبار قريش وتباعدهم عن الإيمان بالله والقرآن، وإعراضهم عن الشرع، فكأنهم من فرض إدبارهم قد بعدوا، فهو ﵊ في آثار توليهم وإعراضهم عن دعوته في ألم شديد وأسىّ وحزن عميق. والأسف في هذا الموضع:
الحزن، وذلك كما ورد في آيات كثيرة مشابهة، مثل: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٦/ ١٢٧] . ومثل: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) [الشعراء: ٢٦/ ٣] . ومن ذلك: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ. [فاطر: ٣٥/ ٨] .
ثم أخبر الله تعالى عن حقيقة الدنيا، وأنها دار فناء وزوال واختبار، لا دار بقاء وقرار، فقال سبحانه: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها.. الآية، وهي توغل وبسط في الإيناس والتسرية، أي لا تهتم للدنيا وأهلها، فأمرها وأمر قومك وأمثالهم أقل، لفنائه وذهابه، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة ومفاتن زائلة، كما أن أهلها زائلون، لنعاملهم معاملة المختبرين الممتحنين، ليعرف المحسن عمله من الفاسد، فنجازي المحسن بالثواب، والمسيء بالعقاب، ومحسن العمل: الزاهد في الدنيا، وتارك الاغترار بها، وجاعلها وسيلة وجسرا للآخرة، وذلك كما
جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون» .
وأراد بقوله: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها أن كل ما على الأرض زينة، وليس شيء إلا وفيه زينة، من جهة خلقه وصنعته وإحكامه. ومعنى: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي لنختبرهم، وفي هذا وعيد ما.
قال سفيان الثوري: أحسنهم عملا: أزهدهم فيها. والواقع أن حسن العمل:
يشمل الأخذ بحق، والإنفاق في حق مع الإيمان، وأداء الفرائض، واجتناب المحارم، والإكثار من المندوب إليه.
стр. 1403
وسبب هذا التوجيه للنبي بالإعراض عن الكفار ما قاله سبحانه: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) أي وإنا لنصيّر الأرض وما عليها بعد الزينة، إلى الخراب والدمار، والصعيد: وجه الأرض، والأرض الجرز: التي لا شيء فيها من عمارة وزينة، وهي البلقع، أو الأرض البيضاء التي لا نبات فيها ولا ينتفع بها، بعد أن كانت خضراء معشبة.
والمقصود من الآية إيناس النبي ﷺ والقول له: لا تحزن، فإنا سنهلكهم ونبيدهم، وإذا كان هذا هو المصير المحتوم لعالم الدنيا وما فيها من عمائر فخمة، وألوان زاهية، ومباهج فاتنة، فلا تحزن أيها النبي، فإنا سنهلكهم وندمر وجودهم وديارهم. وهذا أقسى تهديد لمن يعقل المصير، ويستعد لتلقي العقاب الذي لا منجاة منه إلا بالإيمان بالله ورسوله وقرآنه وشرعه.
أسباب قصة أهل الكهف
تتعدد مظاهر قدرة الله تعالى في الكون والحياة والإنسان، فمنها المعتاد المألوف المحسوس من خلق الأشياء وولادة الإنسان، وإماتته، ومنها النوم المتكرر الذي هو الموتة الصغرى، ومنها حالات غير مألوفة، مثل السبات الذي يستمر عشرات أو مئات السنوات، كحالة أصحاب الكهف، لإظهار قدرة الله وسلطانه التام على الإنسان وغيره. وكانت سورة الكهف كلها تذكيرا باليوم الآخر والمعاد والحساب وبقدرة الله على البعث. وهذه هي قصة أصحاب الكهف، مطلعها في بيان أسباب القصة، قال الله تعالى:
стр. 1404
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩ الى ١٥]
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الكهف: ١٨/ ٩- ١٥] .
تعجب المشركون وغيرهم من قصة أصحاب الكهف، وسألوا عنها الرسول ﷺ على سبيل الامتحان، فذكر الله تعالى: أم حسبت، أي بل أحسبت، إضرابا عن الحديث الأول، واستفهاما عن الثاني، أطننت أنهم كانوا من آياتنا العجاب فقط، فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا كلها ذات عجب، فليست قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم في حال النوم مدة طويلة، أعجب من حال الدنيا، فإن من قدر على تزيين الأرض، ثم جعلها ترابا، وعلى خلق السماوات والأرض ثم إبادتها، قادر على كل شيء، ومن قدرته أن يحفظ طائفة من الناس من دون طعام وشراب زمانا معلوما.
اذكر أيها الرسول حين لجأ فتية إلى الكهف، وهم الذين فروا من قومهم بدينهم، وكانوا من الروم على دين عيسى ﵇، هربوا لئلا يفتنوهم عن دين التوحيد، ودخلوا في غار جبل، ليختفوا عن قومهم عبدة الأصنام، فقالوا حين ولجوا إلى الغار المتسع طالبين الرحمة واللطف: ربنا هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن
стр. 1405
قومك، واجعل عاقبة أمرنا رشدا، بأن توفر المصلحة لنا، وتجعلنا راشدين غير ضالين، مهتدين غير حائرين.
فألقينا النوم الثقيل عليهم بحيث لا يسمعون أي صوت، وناموا في الكهف سنين كثيرة طويلة الأمد معدودة.
ثم بعثناهم وأيقظناهم من رقدتهم تلك، للتعرف عن أي الطائفتين المتنازعتين فيهم أو الفريقين أحصى مدة لبثهم وغاية بقائهم نياما، فيظهر لهم عجزهم، ويعرفوا ما صنع الله بهم، فيتيقنوا من كمال قدرة الله على البعث وغيره.
نحن نخبرك خبرهم على وجه الصدق، إنهم شباب صدّقوا بتوحيد الله، وزدناهم توفيقا للهداية بالإصرار على العقيدة والإقبال على الله، وإيثار العمل الصالح، فمعنى قوله تعالى: وَزِدْناهُمْ هُدىً أي يسّرناهم للعمل الصالح والانقطاع إلى الله ، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا.
وأعطيناهم شدة عزم، وقوة صبر وإصرار، على عقيدتهم حين قالوا: ربنا رب السماوات والأرض، وهو توحيد الألوهية الذي يقرّ به عبدة الأصنام، ولن ندعو من دون الله إلها: وهو توحيد الربوبية الذي ينفيه عبدة الأصنام، فإننا إذا دعونا غير الله، لقد قلنا شططا، أي باطلا وكذبا وبهتانا، والشطط في اللغة: مجاوزة الحد، والبعد عن الحق، فإن دعونا غير الله لقد قلنا إذن قولا شططا خارجا عن الحق والصواب، ووقعنا في الجور وتعدي الحد.
ثم ندّد هؤلاء الفتية بعبادة قومهم الأصنام، فقالوا: هؤلاء قومنا الذين كانوا في زمان (دقيانوس) الملك الكافر، كانوا يعبدون الأصنام، فهلا يأتون بسلطان بيّن، أي بحجة بيّنة على صحة ما يفعلون، من عبادة تلك الآلهة الباطلة المزعومة، وهلّا