[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٦ الى ١٧]
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ١٦- ١٧] .
المعنى: إذا دنا وقت إهلاك قوم بعذاب الاستئصال، أمر الله المترفين (أي المتنعمين) بالطاعة والخير أمرا فعليا، فإذا عصوا ذلك الأمر وفسقوا، وخرجوا عن حدود الطاعة وتمردوا، وجب عليهم العذاب جزاء وفاقا لعصيانهم فدمرهم الله تدميرا، وأبادهم إبادة تامة. وخص الله المترفين لأنهم الواجهة، وأنهم أولى بالشكر من غيرهم ولأن فسقهم هو المؤثر في فساد القرية، وسواهم تبع لهم، وفي قراءة أخرى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها
أي ملّكناهم على الناس، وليس المراد إمارة الملك، وإنما جعلهم يأمرون ويؤتمر لهم. وقوله تعالى: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
أي وعيد الله الذي قاله رسولهم، وهو التدمير: أي الإهلاك مع طمس الآثار وهدم البناء.
ثم أنذر الله تعالى كفار قريش وأمثالهم في تكذيبهم رسوله محمدا ﷺ ، بأن كثيرا من الأمم وجب عليهم العذاب بذنوبهم، ومفاد الآية: كثيرا ما أهلكنا أمما من بعد نوح ﵇، إلى زمانكم، لما بغوا وعصوا، وجحدوا آيات الله، وكذّبوا رسله، كما أنتم الآن معشر قريش، وأنتم أيها المكذبون، لستم أكرم على الله منهم، وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وألزم.
وهذا وعيد لمكذبي الرسول ﷺ في كل زمان بشديد العقاب، وفيه دلالة على أن القرون التي مضت بين آدم ونوح، كانت على الإسلام، قال ابن عباس ﵄: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. ثم ذكر الله تعالى ما معناه:
стр. 1332
وكفى بالله خبيرا بذنوب خلقه، مطلعا عليها، يحصي عليهم أعمالهم ومعاصيهم، فلا يخفى عليه شيء من أفعال المشركين وغيرهم، وهو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية. والخبير: العليم بأحوال الناس، والبصير: الذي يبصر أعمالهم. وفي هذه الآية تنبيه واضح على أن الذنوب: هي أسباب الدمار والهلاك، لا غير، وأن الله عالم بها، ومعاقب عليها.
وهذه الآيات تحضّ العقلاء على العمل الصالح النافع في الدنيا والآخرة، وتدفعهم إلى الجدّ وترك الكسل، والجهاد في سبيل الله حقّ جهاده.
إن العلاقة بين الله تعالى وبين الناس أمرها عجب، فالناس ينسبون إلى الله تعالى الشرك، وهو سبحانه يرزقهم ويعافيهم.
قال النبي ﷺ فيما يرويه أحمد وغيره: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنه يشرك به، ويجعل له الولد، ثم هو يعافيهم ويرزقهم» «١» .
وفي رواية أخرى: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندا، ويجعلون له ولدا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» . «٢»
والإحسان والرزق يقتضيان مقابلة المعروف بمثله، إلا أن الإنسان مع الأسف يتنكر للمعروف، ولا يقابل الإحسان بمثله، جاء في أثر إلهي: «ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفّلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتّك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء» .
ويحلم الله على الإنسان، فلا يعجل له العقاب، حتى يترك له الفرصة الكافية للتوبة والإصلاح، وهو سبحانه يمهل ولا يهمل، وجعل الله سنوات العمر متدرجة
стр. 1333
بين الضعف والقوة، ثم الهرم والشيخوخة، ليتذكر الإنسان ويعتبر، ويعود إلى جادة الاستقامة وإصلاح شؤونه وأعماله من أقرب الطرق، فإذا استبد العناد والجحود بالإنسان، ووقف موقف التحدي، استحق الجزاء العادل.
أهل الدنيا وأهل الآخرة
تتجه الهمم والعزائم بحسب المقاصد والنيات والأغراض إما إلى الدنيا ومحبتها وإيثارها على كل شيء، وهذه هي طبيعة الماديين وعشاق المال والثراء والجاه، وإما إلى الآخرة، وتفضيلها على الدنيا لأنها النعيم الأبدي الخالد، وحذرا من الجحيم والعذاب الدائم، ويكون الجزاء بمقتضى العدل الإلهي أن يجازى كل امرئ بما كسب، ويكون هذا الجزاء من جنس العمل، وهذا ما أوضحته الآيات الآتية، قال الله في كتابه العزيز:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٨ الى ٢١]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ١٨- ٢٠] .
تصنّف هذه الآيات الناس صنفين، وتجعلهم فريقين: فريق يعمل للدنيا وحدها، وفريق يعمل للآخرة في الغالب، أما الفريق الأول أهل الدنيا العاجلة: فهم يقصرون جهدهم وعملهم على تحصيل ملذات الدنيا وشهواتها وينسون المستقبل والآخرة، ولا يؤمنون بها، فتكون النتيجة أن الله تعالى يعجل لمن يريد الدنيا
стр. 1334
مرادهم، ويعطي من أراد الله ما يشاء بحسب علمه وحكمته، أي إن العطاء بحسب مشيئة الله، لا بحسب محبة العبد، ولمن يشاء الله، لا لكل من أراد الدنيا، ثم يجعل الله جهنم لجميع من يريد العاجلة وهو كافر بالله وبالآخرة، سواء من أعطاه فيها ما يشاء، ومن حرمه، فأهل الدنيا لا يعطون كل ما يريدون، وإنما يعطون بعض ما يتمنون. ومن يحرم من نعيم الدنيا يجمع بين فقر الدنيا وفقر الآخرة. إنهم أي أهل الدنيا يصلون، أي يدخلون جهنم، مذمومين، أي ملومين، مدحورين، أي مطرودين من رحمة الله تعالى، فيكون عذابهم متصفا بصفات ثلاث: الدوام، والإذلال، والطرد من رحمة الله.
وأما الفريق الثاني: فهم المؤمنون الأتقياء أهل الآخرة، الذين يعملون لها ما استطاعوا من القرب والطاعات، وهم مؤمنون مصدّقون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهؤلاء أهل الكمال المشكورون على طاعتهم المثابون على أعمالهم من ربهم، بسبب ملازمتهم أعمال الخير، والتزام حكم الشرع وطرقه. هذا هو قانون الجزاء الأخروي، أما الرزق في الدنيا فلا يرتبط بالإيمان أو الكفر، وإنما يرزق الله ﵎ في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين، ومريدي العاجلة الكافرين، ويمدهم بعطائه منها، وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، لأنها خير من الدنيا وأدوم وأخلد، أما الدنيا فهي فانية، ولا شأن لها عند الله تعالى، فيكون الرزق المادي فيها لجميع العباد، ولا يضيق رزق الله عن مؤمن ولا عن كافر، فلينظر الإنسان كيف يمدّ الله تعالى بعطائه الدنيوي كلا الفريقين: مريدي الدنيا ومريدي الآخرة، فيمنحهم الله المال والأولاد والصحة والشرف والجاه، والزينة والحظ، والعز في الدنيا، لأنّ الدنيا عند الله تعالى لا تساوي جناح بعوضة.
غير أن الرزق والعطاء الدنيوي متفاوت، متفاضل، يفضّل بعض الناس على بعض في الرزق والمتاع، فقد يعطي الله المال والثروة لكافر، ويمنعه عن كافر آخر،
стр. 1335
ويحجبه عن مؤمن، لحكمة بالغة، ومصلحة للعبد نفسه، كما قال الله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف: ٤٣/ ٣٢] . أي ليخدم بعضهم بعضا، وقال الله سبحانه أيضا: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشورى: ٤٢/ ٢٧] .
ثم أخبر الله تعالى أن التفضيل الأكبر والتفاوت الأعظم بين المؤمنين إنما يكون في الآخرة، فتكون الدرجات أكبر، والتباين أعظم، أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «إن بين أعلى أهل الجنة درجة، وأسفلهم، كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها» وكذلك التفاوت كبير بين أهل النار، فهم في دركات، بعضها أسفل من بعض، أي إن النار دركات، والجنة درجات، وفي الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين، كما بين السماء والأرض، قيل: وقد رضّى «١» الله الجميع، فما يغبط أحد أحدا، ولا يتمنى عن ذلك بدلا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» .
التوحيد وبر الوالدين
يعلّمنا القرآن الكريم الأدب الجم، والوفاء للجميل ورد المعروف، وتقدير النعمة، فليس هناك للإنسان مصدر للنعمة سوى الله تعالى، فهو المتفضل المحسن، والوالدان بحكم عاطفتهما يبذلان أقصى ما في وسعهما لتربية الأولاد والحفاظ على حياتهم وصحتهم، وإمدادهم بكل ما يحتاجون، حتى إن الوالدين يفضلان مصلحة
стр. 1336
الولد على أنفسهما، فكان مقتضى هذا الإحسان والتضحية مقابلة الولد لوالديه بالبر ورد الجميل، والأدب والرعاية ولا سيما في سنّ الكبر والشيخوخة، أو المرض، أو الحاجة، قال الله تعالى قارنا بين الأمر بتوحيده وعبادته، وبر الوالدين:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٥]
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٢٢- ٢٥] .
خاطب الله نبيه محمدا ﷺ باعتباره نبي الإنسانية بقوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ..
والمراد: جميع الخلق، فلا تجعل أيها الإنسان المكلف شريكا مع الله تعالى في ألوهيته وعبادته، وأنما أفرد الله بالألوهية والعبادة، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا معبود بحق إلا هو، فإن جعلت أيها الإنسان مع الله إلها آخر، كنت ملوما على الشرك، مذموما من الله وكل عاقل، مخذولا لا ينصرك ربك الذي خلقك، والذم من الله ومن ذوي العقول في أن يجعل الإنسان عودا أو حجرا أفضل من نفسه، ويخصّه بالتكريم، وينسب إليه الألوهية، ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه.
ولذا أمر الله تعالى، أي ألزم أو أوجب عليكم أيها البشر عبادة الله، والاقتصار على عبادته، دون إشراك غيره فيها، وأمركم أيضا ببر الوالدين والإحسان إليهما إحسانا تاما في المعاملة.
стр. 1337
وإذا بلغ الوالدان أو أحدهما سن الكبر، أو صارا في حال ضعف وعجز، فعلى الولد واجبات خمسة، وهي:
أولا- ألا تقول لهما أفّ: وهي كلمة تضجر وتبرم، فلا تسمعهما أدنى مراتب القول السيئ، بتوجيه كلمة إيذاء مكونة من حرفين، تدل على التضجر والمضايقة فتلك الكلمة الصغيرة ذات إساءة بالغة، حتى ولو صدر منهما ما يضايق.
ثانيا- لا تنهرهما بفعل قبيح، والنّهر: الزجر والغلطة، والانتهار: إظهار الغضب في الصوت واللفظ، أما التأفف فهو الكلام الرديء الخفي، ويراد به المنع من إظهار الضجر، وأما الانتهار فيراد به المنع من إظهار المخالفة في القول، بالردّ أو التكذيب.
ثالثا- وقل لهما قولا كريما، والقول الكريم: الجامع للمحاسن، من اللّين وجودة المعنى، والتوقير والتعظيم والحياء، ويلاحظ أن الله تعالى قدم النهي عن المؤذي، ثم أمر بالقول الحسن والكلام الطيب.
رابعا- وتواضع لهما بفعلك، وألن الجانب لهما، وقف معهما موقف الخاشع المتذلل، كحال الطائر إذا ضم إليه فرخه، فيخفض له جناحه، وينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في حال ذلّة، في أقواله وسكناته ونظره، من غير حملة أو نظرة غاضب، رحمة بهما وشفقة عليهما، تنبع تلك الرحمة من النفس، لا من أجل امتثال الأمر، وخوف العار والنقد فقط.
خامسا واطلب لهما الرحمة من الله في حال الكبر بعد الوفاة. وهذا الأدب الخامس دليل على أن بر الوالدين لا يكون بالأقوال فقط، بل بالأفعال أيضا، وهو الدعاء لهما بالرحمة الجامعة لكل الخيرات في الدين والدنيا، وليقل الولد في دعائه:
رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً أي أفض عليهما فيض الرحمات، كالرحمة التي شملتني
стр. 1338
بتربيتهما لي في حال الصغر. وهذا التذكير بتربية الصغر مما يزيد الإنسان إشفاقا وحنانا عليهما.
ثم حذر الله تعالى من التهاون في بر الوالدين، فقال: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ أي إن المطلوب من الولد هو البر ظاهرا وباطنا، حقيقة وفعلا، لا رياء ومجاملة ظاهرية، والعبرة بما في القلب من الإخلاص في الطاعة، لأن الله مطلع على ما في النفوس، وهو سبحانه أعلم بأحوال الولد في البر، والوعد للأولاد بغفران الذنوب في حال البر: مشروط بشرط الصلاح والرجوع (أو الأوبة) إلى طاعة الله، فإنه سبحانه كثير المغفرة للتائبين الراجعين إلى الخير، العادلين عن المعصية إلى الطاعة، وإلى ما يحبه الله ويرضاه، والمقصود من الآية: التحذير من ترك الإخلاص.
منهاج الإنفاق على القرابة والمحتاجين والأسرة
الإسلام دين التوسط والرحمة والاعتدال في النفقة على النفس والقريب والأهل والمحتاجين، فلا يصح البخل والتقتير، ولا الإسراف والتبذير، وليعتمد الإنسان على رزق الله الذي لا ينقطع ولا ينفد، وليتكل على الله الذي لا يضيع أحدا من خلقه وعباده، إذا أحسنوا العمل وقاموا بالكسب والسعي، ولم يعطلوا مواهبهم في الإنتاج والبحث واكتشاف خزائن الأرض، والإفادة من خيرات السماء، قال الله مبينا دستور الإنفاق على القرابة والمحتاجين والأهل جميعا:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٦ الى ٣٠]
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠)
стр. 1339
«١» «٢» «٣» «٤» [الإسراء: ١٧/ ٢٦- ٣٠] .
نزلت الآيات في كل من كان يسأل النبي ﷺ من المساكين، وتأمره بالإنفاق من غير تقتير ولا بسط يد، فموضوعها الإحسان إلى ذوي القرابة والمساكين وأبناء السبيل، والاعتدال في الإنفاق من غير إقلال ولا إسراف.
ومطلع الآية الأولى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي ﷺ ، والمراد الأمة. وإيتاء حق القرابة: ما يتعين له من صلة الرحم، وسدّ الخلّة، والمواساة عند الحاجة بالمال، والمعونة بكل وجه. وعطف على القرابة: المسكين ومثله الفقير، وهما لا يجدان الكفاية، وابن السبيل وهو هنا يعم الغني والفقير، إذ لكل واحد منهما حق، وإن اختلفا في مدى العطاء، وابن السبيل في آية الصدقة أو الزكاة: أخص.
وتنهى الآية عن التبذير: وهو إنفاق المال في وجوه الفساد، أو الإسراف في المباحات، فالإسراف مذموم، والمطلوب: التوسط والاعتدال في الإنفاق، وهي سياسة الإسلام المالية والاجتماعية والدينية، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) [الفرقان: ٢٥/ ٦٧] .
ثم نبّه الله تعالى على قبح التبذير، جاعلا المبذرين المنفقين أموالهم في المعاصي يشبهون الشياطين، فهم قرناء المبذرين في الدنيا والآخرة، في الصفة والفعل، وكان الشيطان لنعمة ربه جحودا لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل
стр. 1340
على معصيته ومخالفته، والتبذير كما ذكرت: النفقة في معصية، لا في مباح، قال مجاهد: لو أنفق الإنسان ماله كله في حق لم يكن تبذيرا، ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا.
ثم أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية، إذا سأله أحد من المساكين وبني السبيل، فلم يجد عنده ما يعطيه، واستحى من التصريح بالرد بسبب الفقر والقلة، وأعرض عنه تأدبا منه، في أن يرده تصريحا، وانتظارا لرزق من الله تعالى يأتي، فيعطي منه، ويعده وعدا حسنا، ويؤنسه بالقول الميسور: وهو عقد الرجاء على فضل الله، والتأنيس بالميعاد الحسن، والدعاء بتوسعة الله تعالى وعطائه.
روي أنه ﵊ كان يقول كما ذكر القرطبي ١٠/ ٢٤٩ بعد نزول هذه الآية- إذا لم يكن عنده ما يعطي-: «يرزقنا الله وإياكم من فضله» .
فالمراد من الرحمة في آية ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ: الرزق الحسن.
وسياسة الإنفاق من الأموال: هي القصد والاعتدال، فلا تجعل أيها النبي، وكل إنسان، يدك مغلولة إلى عنقك، أي تمسكها عن الإنفاق، وتبخل على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات، ولا تسرف ولا تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا، فتعطي فوق طاقتك، فتقع في الملامة والحسرة والندم، حين لا تجد في يدك شيئا.
ثم أبان الله تعالى منهاج المدد الإلهي ورزق العباد، مخاطبا رسوله: كن أنت يا محمد على ما رسم لك من الاقتصاد والاعتدال، ولا يهمنك فقر من تراه فقيرا، فإنه بمرأى من الله وبمسمع وبمشيئة، فإنه تعالى يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيّقه (يقدر) على من يشاء، ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء، لما له من الحكمة في ذلك، يعلم مصلحة قوم في الفقر، ويعلم مصلحة آخرين في الغنى.
стр. 1341
يوضح ذلك ما
جاء في الحديث الذي ذكره السيوطي في الجامع الكبير «١» : «إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته، لأفسدت عليه دينه»
فقد يكون الغنى استدراجا إلى النار، والفقر عقوبة، وقد يكون المؤمن الصالح فقيرا، فليس تضييق الرزق على بعض الناس لسوء حالهم عند الله تعالى، ولا الإمداد والتوسعة على آخرين لحسن حالهم.
تحريم القتل والزنى وأكل مال اليتيم
لقد صان القرآن الكريم حق الحياة العزيزة الكريمة، من أجل بقاء النوع الإنساني الطاهر النظيف، وجعل الاعتداء على الأولاد والأنفس جريمة، ووأد البنات عارا ورذيلة، ووصف العلاقات غير المشروعة بأنها فاحشة وسبيل سيئ، وطريق محفوف بالمخاطر والعواقب الوخيمة، وجعل أكل أموال اليتامى ظلما وعدوانا، والوفاء بالعهد أو العقد فضيلة ومحل مسئولية ومطالبة، قال الله تعالى مبينا هذه القواعد:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٣١ الى ٣٤]
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤)
«٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٣١- ٣٤] .
стр. 1342
نهى الله تعالى في هذه الآيات عن ثلاثة أشياء: وهي القتل إلا بالحق، والزنا، وقربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وابتدأ الله تعالى بالنهي عن قتل الأولاد، وهو وأد البنات في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) [التكوير: ٨١/ ٨] يقال: كان جهل بعض العرب يبلغ أن يعز واحد منهم كلبه ويقتل ولده. نهى القرآن عن الوأد الذي كانت العرب تفعله، خشية الإملاق (أي الفقر وعدم المال) فإن رازق الأولاد وآباءهم هو الله تعالى، وقتلهم إثم عظيم وذنب كبير، وهذا دليل على أن تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل الأولاد.
جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّا، وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» .
ثم حرم الله الزنا «١» وحذّر من الاقتراب منه ومن تعاطي أسبابه ودواعيه، لأن تعاطي الأسباب مؤد إليه، والزنا فعلة فاحشة شديدة القبح، وذنب عظيم كقتل الأولاد، وساء طريقا ومسلكا، لأن فيه هتك الأعراض، واختلاط الأنساب، واقتحام الحرمات، والاعتداء على حقوق الآخرين، وتفويض دعائم المجتمع بهدم الأسرة، ونشر الفوضى، وانتشار الأمراض الفتاكة، والوقوع في الفقر والذل والهوان.
ثم حرم الله تعالى قتل النفس المعصومة المصونة إلا إذا وجد حق أو مسوغ للقتل، وهو أي الحق ما فسّره
النبي ﷺ في قوله: «لا يحلّ دم المسلم إلا إحدى ثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى» .
فالقتل بغير حق جريمة عظمي، لأنه اعتداء على حق الحياة، وإفساد، والله تعالى لا يحب الفساد.
стр. 1343
ومن قتل ظلما وعدوانا بغير حق يوجب قتله، فقد جعل الله لمن يلي أمره من قريب كأب أو أخ، أو سلطان حاكم عند عدم وجود القريب الوارث، سلطة على القاتل، فيختار أحد أمرين: إما القصاص بعد إصدار حكم قضائي وبإشراف القاضي، وإما العفو عنه على الدية أو مجانا، والسلطة لولي الدم مقيدة بألا يسرف في القتل، بأن يمثّل بالمقتول، أو يقتل غير القاتل، أو يقتل أكثر من واحد من قبيلة القاتل، ووعد الله قريب القتيل بالعون والنصر على القاتل، فلا يسرف في القتل، فإن الله تعالى أوجب له القصاص، ويعوضه الله خيرا في الدنيا والآخرة بتكفير الخطايا، وتعذيب القاتل في النار. ويكون الأولى ترك القصاص، وأخذ الدية أو العفو مجانا.
ثم حرم الله تعالى أكل مال اليتيم، أو إتلافه، فلا يجوز الاقتراب من مال اليتيم إلا لفائدة أو مصلحة، وهي الطريقة الحسنة بحفظ ماله وتثميره، وتنميته والأكل منه حال الفقر أو الحاجة، حتى يبلغ رشيدا، ويبلغ أشده، أي يبلغ مبلغ الرجال، وحينئذ يسلّم له ماله. وهذا خطاب للأوصياء المشرفين على أموال اليتامى. والمراد من قوله تعالى: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: إلا بأحسن الحالات.
وانتهت الآية بالأمر بالوفاء بالعهد، وهو لفظ عام يشمل كل عهد ووعد وعقد بين الإنسان وربه، أو بينه وبين المخلوقين في طاعة، فالوفاء بالعهد وتنفيذ شروط العقد من الإيمان، وإن تنفيذ العهد مطلوب ممن عوهد أو عهد إليه، هل وفّى به أم لا؟
إن الوفاء بالعهد أو العقد: معناه تنفيذ مقتضاه، والحفاظ عليه على الوجه الشرعي، وبحسب التراضي الذي لا يصادم أصول الشرع، خلافا لمن يتهاون بالعقود ويتخلص منها وينقضها إذا تبدل وجه المصلحة، فذلك ذنب عظيم وجرم كبير، يتساهل به من لا دين له ولا خلق ولا كرامة.
стр. 1344
إيفاء الكيل والميزان والتثبت من المعلومات والتواضع
نظّم الله تعالى العلاقات الاجتماعية المالية، على أساس من الحق والعدل، والثقة والأمانة، وصحة المعلومات والبيانات، والتواضع في القول والكلام والفعل، حتى لا تنشأ مشكلات، أو تثار منازعات وخصومات، ولا يفتئت أحد على حقوق الآخرين، ولا يلحق به ضررا أو شرا، في معارفه، أو أخلاقه، وكرامته. وتلك أصول الحياة السوية، وميزان المبادلات والمعاملات الصحيحة، قال الله تعالى موضحا هذه الأصول:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٩]
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩)
»
«٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٣٥- ٣٩] .
بعد أن أمر الله تعالى بالوفاء بالعهود والعقود والشروط الصحيحة، أمر بثلاثة أشياء أخرى، هي الوفاء بالحق، والصدق في القول، والتواضع وترك التكبر.
أمر الله تعالى في هذه الآية أهل التجارة والوزن والكيل أن يعطوا الحق في كيلهم ووزنهم، فيجب إتمام الكيل وإتمام الوزن، من غير نقص، وأخذ الحق بالعدل دون جور أو زيادة، فإذا كال التاجر أو وزن لغيره، فلا ينقص المكيال والميزان، وإذا كال الإنسان لنفسه أو وزن فلا يزيد في الكيل أو الوزن، ولا مانع حينئذ من النقص عن الحق، فإن عاقبة العدل في الكيل والوزن خير للناس في الدين والدنيا في المعاش
стр. 1345
والمعاد، وأحسن وأجدى مآلا وعاقبة في الآخرة، فلا يكون هناك اتهام بالخيانة أو مؤاخذة أو عقوبة يوم القيامة. ويرغب الناس في معاملة أهل العدل والإنصاف، ويثنون عليهم، فتكثر زبائنهم، وتصير سمعتهم طيبة، ويقبل الناس عليهم، وذلك أفضل من نقص لا يبارك الله فيه، أو زيادة ظالمة لا خير فيها، والغرض من الكيل والوزن: تحرّي الحق، ولا يضر التطفيف الشاذ أو اليسير، أو غير المقصود، فذلك لا إثم فيه.
ثم أمر الله تعالى بالتثبيت من المعلومات والأخبار والأحاديث، ونهى أن يقول الإنسان شيئا غير صحيح أو غير ثابت، أو يتتبع شيئا معتمدا على مجرد التخمين وسوء الظن، فهذا عيب في السلوك، وتشوية للحقائق، وإضرار بالآخرين عن غير حق، وإهدار لقدسية العلم والمعرفة والحقيقة. فيكون المراد من قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ألا يحكم الإنسان على الأشياء حكما غير صحيح، أو يعتمد على معلومات لا دليل عليها. وهذا يشمل المشركين الذين يعتقدون اعتقادا فاسدا في الإله أو النبي أو الآباء والأجداد، ويتبعون الهوى. ويشمل أيضا شهادة الزور وقول الزور، وقذف المحصنات (العفائف) بالأكاذيب والاتهامات الباطلة، والطعن في الآخرين بسوء الظن وتتبع العورات، وتزييف الحقائق العلمية والأخبار وغير ذلك، فلا يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، أو يذم أحدا بما لا يعلم الحق فيه.
ومن أجل كل ذلك وصحة المعلومات والمعارف، جعل الله تعالى مفاتيح العلوم والمعارف من السمع والبصر والقلب، يسأل عنها صاحبها يوم القيامة، وتسأل عنه، فإذا سمع الإنسان حراما أو أبصره أو قرره في قلبه، كان مسئولا عنه معاقبا عليه.
ثم أمر الله تعالى بالتواضع وحرّم الكبر والخيلاء أو التبختر في المشي، فمن مشى
стр. 1346
متكبرا متعاظما، فإنه لن يستطيع خرق الأرض أو نقبها بقدمه، ومن تطاول على الناس لن يصل بتطاوله وتمايله وتفاخره إلى قمم الجبال، وهذا تهكم بالمتكبر والمختال.
كل ما تقدم من الخصال المكروهة القبيحة المفهومة من أضداد الأوامر، واقتراف النواهي، كان قبيحه وخبيثه مكروها ومبغوضا عند ربك، ومنهيا عنه، ومعاقبا عليه.
وكل ذلك الذي أمرناك به يا محمد من الأخلاق الحميدة، ونهيناك عنه من الخصال الرذيلة، هو مما أوحينا إليك من الأفعال والأصول المحكمة التي تقتضيها حكمة الله ﵎ في عباده، وخلقه لهم محاسن الأخلاق. وقوله تعالى: مِنَ الْحِكْمَةِ هي قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة.
ولا تتخذ أيها النبي وكل من سمع من البشر إلها آخر شريكا مع الله، فتلقى في جهنم، ملوما من نفسك وربّك والخلق قاطبة في الآخرة، مطرودا مبعدا من رحمة الله تعالى ومن كل خير، والمدحور: المهان المبعد. وهذا غاية الإذلال والإهانة.
نسبة الولد والشريك لله تعالى
ليس هناك في تاريخ البشرية أعظم فرية ومنكرا وكذبا من نسبة الولد والشريك لله ، فقد تجاوز الناس حدودهم، وأفرطوا في الزعم والوهم، وحكموا حكما باطلا لا يستند إلى أي دليل أو شبهة دليل، سوى ما قاسوه على أنفسهم، ولم يدركوا حقيقة الفرق الكبير والبون الشاسع بين الإنسان المخلوق العاجز المحتاج إلى الولد والصاحبة والمشارك، وبين الإله القادر الخالق المستغني عن الصاحبة والولد والشريك، قال الله سبحانه مبطلا هذه الافتراءات:
стр. 1347
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٠ الى ٤٤]
أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٤٠- ٤٤] .
هذه الآيات تنبيه وتقريع على ما تصوّره المشركون من نسبة الولد أو البنات أو الشريك لله تعالى، والآية الأولى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ خطاب للعرب التي كانت تقول: الملائكة بنات الله، وكان الرد مفحما ومنطقيا في غاية البساطة: كيف تقبلون أيها المشركون هذه النسبة، لكم الأعلى من النسل وهم الذكور، ولله البنات؟! كيف يصح أن يجعلكم الله أصحاب الصفوة بإعطاء البنين، ويتخذ لنفسه الملائكة إناثا، وأنتم تئدون البنات ولا ترضونهن لأنفسكم، فكيف ترضون نسبتهن إلى الله؟ إنكم بهذا تقولون على الله قولا عظيما إثمه، ومعاقبا عليه، بنسبة الضعيف للقوي، والقوي للضعيف.
ولقد بينا في هذا القرآن الحجج والبينات، وحذرنا وأنذرنا ليتعظوا وينزجروا عن الافتراء والظلم، وهم في غاية الغرابة، ما يزيدهم التذكير إلا نفورا عن الحق، وبعدا عنه.
ثم أبطل الله تعالى افتراء آخر: وهو نسبة الشريك لله، والمعنى: قل لهم يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يجعلون لله شريكا في الألوهية: لو كان الأمر كما تقولون، لاحتاج هؤلاء الشركاء إلى التقرب إلى الله، وطلبوا من ذي العرش القربة إليه بطاعته
стр. 1348
للحاجة إليه، فاعبدوا الله وحده، كما يعبده هؤلاء الشركاء المحتاجون لإنقاذ أنفسهم وسلامة وجودهم، لأنهم ضعفاء فقراء إلى ربهم.
تنزه الله، وتعاظم وعلا علوا شاسعا عما يقول هؤلاء المشركون المعتدون، الزاعمون أن مع الله آلهة أخرى، بل هو الله الإله الواحد، الذي لم يتخذ شريكا ولا صاحبة ولا ولدا.
تقدسه وتنزهه السماوات السبع والأرض ومن فيهن من المخلوقات، عما يقول هؤلاء المشركون، ويشهدون له بالوحدانية في الربوبية والألوهية، وما من شيء إلا يسبّح بحمد الله تعالى، أي يشهد ويدل بخلقه من غيره على وجود الخالق الواحد، وينزه الله ويمجّده عن هذه المقالة التي لكم، والإشراك الذي تعتقدون به. والتسبيح من الناس: هو قولهم: سبحان الله، وهذا حقيقة، ومن الجمادات ونحوها: معناه الدلالة على تنزيه الله ، فكل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه، وهذا مجاز، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر المتعظ. وقال جماعة: هذا التسبيح من الشجر والجمادات حقيقة، ولكن لا يسمعه البشر ولا يفهمونه.
ولكن لا تفهمون أيها البشر معاني تسبيحهم لأنه بخلاف لغاتكم. إن الله تعالى كان وما يزال حليما على الناس، لا يعاجل بالعقوبة من عصاه، وإنما يمهل ويؤجل، ويغفر لمن تاب منكم. وهذا فضل من الله وإحسان.
فإذا كانت الأكوان كلها من السماوات والأرض وما فيها من المخلوقات تسبح الله وتنزهه، إقرارا بوجوده وتوحيده، فإن البشر أولى بمداومة التسبيح والتنزيه، فعليهم الإذعان لعظمة الله واعتقاد وحدانيته، والتفرغ لعبادته، من غير أي لوثة في الاعتقاد، أو تأثر بصنع المشركين.
إن الشرك، أي إسناد وجود شريك لله هو دليل القصور والتخلف العقلي،
стр. 1349
وسيطرة الخرافة والوهم على الذهن البشري، فأجدر به أن يصحو من غفلته، ويستيقظ من جهله وسباته العميق.
أخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إن نوحا ﵇، لما حضرته الوفاة، قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء» .
وعلى الإنسان أن ينتهز الفرصة قبل فوات الأوان، وأن يعلم أن الله حليم عن ذنوب عباده، كثير المغفرة للمؤمنين في الآخرة إذا تابوا وأنابوا إليه.
حماية النبي ﷺ من الأذى
تعددت ألوان الأذى من الكفرة أهل مكة التي ارتكبوها في حق النبي ﷺ ، فلم تقتصر مؤذياتهم على شخصه وصدّ الناس عن دعوته، وإنما كانوا يؤذونه في أخص أحواله الشخصية، في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد الحرام، ولكن الله تعالى حماه من كيدهم وضررهم، وأنقذه في أحيان كثيرة من إصابته بسوء، أو النجاح في ثنية عن رسالته وتبليغ وحي ربه، ولننظر إلى آي القرآن تحدثنا عن بعض هذه المؤذيات، قال الله سبحانه:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٨]
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥»
стр. 1350
«١» [الإسراء: ١٧/ ٤٥- ٤٨] .
أخرج ابن المنذر عن ابن شهاب الزهري قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا القرآن على مشركي قريش، ودعاهم إلى الكتاب، قالوا يهزؤون به: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت: ٤١/ ٥] . فأنزل الله في ذلك من قولهم: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ الآيات.
وآية وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ قيل: نزلت حينما دخل ملأ قريش على أبي طالب يزورونه، فدخل رسول الله ﷺ ، فقرأ ومرّ بالتوحيد، ثم قال: «يا معشر قريش قولوا: لا إله إلا الله، تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، فولّوا» فنزلت هذه الآية.
والمعنى: أن الله تعالى أخبر نبيه ﷺ أنه يحميه من مشركي مكة الذين كانوا يؤذونه، في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد الحرام، ويريدون مدّ اليد إليه، فلا تخف أيها النبي، فإنك إذا قرأت القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدقون بالآخرة، جعلنا بينك وبينهم حجابا مستورا، أي حائلا حاجزا، يمنع قلوبهم من فهم القرآن وتدبر آياته، ومستورا على أعين الخلق، فلا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب بقدرة الله وكفايته.
وجعلنا على قلوبهم أغطية، بحيث لا يتسرب إليها فهم مدارك القرآن ومعرفة أسراره وغاياته، وجعلنا في آذانهم ثقلا، أو صمما يمنع من سماع الصوت، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفّهم الله به، فعبّر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من غطّي قلبه، وصمّت أذنه، والإضلال بسبب الضلال الذي سلكوه، وساروا في فلكه بغيا وعنادا.
стр. 1351
وإذا وحدّت الله في تلاوتك آيات القرآن، وقلت: لا إله إلا الله، ولم تقل:
واللات والعزّى، ولّوا على أدبارهم نفورا، أي رجعوا على أدبارهم نافرين نفورا، تكبّرا من ذكر الله وحده، لإدمانهم على الشرك وعبادة الأوثان، فهذه الآية تصف حال الفارّين عن النبي ﷺ في وقت توحيده في قراءته القرآن. وهذا أولى المعاني وأوفق للفظ.
نحن يا محمد أعلم بالنحو الذي يستمعون به آيات القرآن، حين يستمعون إليه هزءا واستخفافا وإعراضا، ونحن أعلم بما يتناجى به كفار قريش ويتسارّون حين وصفوك بأنك رجل مسحور أو مجنون أو كاهن، أي كأنه قال: نعم نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به، أي هو ملازمهم، يفضح الله بهذه الآية سرهم.
وقوله تعالى: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً الظاهر فيه أن يكون من السحر، فشبّهوا الخبال الذي عنده، بزعمهم وأقوالهم الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبّل السحر عقله، وأفسد كلامهم.
تأمل يا محمد، كيف مثلّوا لك الأمثال، وأعطوك الأشباه، وضربوا لك المثل وهو قولهم: مسحور، ساحر، مجنون، متكهّن لأنه لم يكن عندهم متيقّنا بأحد هذه، فإنما كانت منهم على جهة التشبيه، فحادوا عن سواء السبيل، ووقعوا في الضلال، وحكم الله تعالى عليهم به، فصاروا لا يستطيعون سبيلا إلى الهدى والنظر المؤدّي إلى الإيمان، ولا إلى إفساد أمرك وإطفاء نور الله، بضربهم الأمثال لك. وهنا وعيد لهم وتسرية وإيناس لرسول الله ﷺ .
حكى الطبري: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. فقد رأى الوليد أن أقرب الأمور على تخيل الطارئين عليهم: هو أن النبي ﷺ ساحر، كذبوا ورب الكعبة وضلوا ضلالا مبينا.
стр. 1352
إنكار المشركين البعث
كانت عقائد المشركين كفار مكة فاسدة ملوثة، منها نسبة الشريك والولد والصاحبة لله، ، تشبيها لله بمخلوقاته، ومنها إنكار البعث أو اليوم الآخر، تأثرا بالنزعة المادية، وتصورهم أن المادة إذا صارت فانية كالتراب، لا تحتمل العودة إلى الحياة، وبسبب نقص إدراكهم لقدرة الله الخارقة، وتمكنّه من إحياء الأشياء بمجرد الأمر الإلهي التكويني: كُنْ. وتحكي لنا هذه الآيات إنكارهم للبعث، واستغرابهم حدوثه لضعف عقولهم، قال الله تعالى:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٩ الى ٥٢]
وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (٥٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [الإسراء: ١٧/ ٤٩- ٥٢] .
تصوّر هذه الآيات شبهة المشركين الماديين الوثنيين في إنكار البعث أو القيامة، ويرد الله عليهم ردا مفحما فيه غاية التحدي، فهم يقولون على جهة التعجب والإنكار، والاستبعاد حين سماع القرآن تقرير أمر المعاد: أءذا كنا عظاما بالية في قبورنا، ورفاتا، أي أشياء مرّ عليها الزمن، حتى بلغت غاية البلى، وصارت أقرب شبها بالتراب أو الغبار، أءنا لمبعوثون عائدون يوم القيامة خلقا جديدا، بعد ما بلينا وصرنا عدما لا نذكر؟! وترددت آيات القرآن في هذا المعنى المحكي عن المشركين، مثل: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) [النازعات: ٧٩/ ١٠- ١٢] .
стр. 1353
ومثل آية: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) [يس: ٣٦/ ٧٨- ٧٩] .
أجابهم الحق سبحانه آمرا نبيه أن يقول لهم: إن إعادة الميت إلى الحياة أمر سهل يسير، وهو في تصور البشر وعقولهم أهون على الله من الخلق أول مرة بحسب عقولنا، أما بالنسبة لقدرة الله، فلا فرق في الحالين لأن الله القادر على الخلق بإيجاد الروح في الأشياء الجامدة، قادر على الإعادة والتكوين، فالعبرة إذن بالقدرة الإلهية.
ولو فرض أنكم أيها المشركون كأشد الأشياء صلابة من حجارة أو حديد، فإن الله قادر على إحيائه، ونفح الروح فيه، فيصير حيا متحركا، لأن الله قادر على إيجاد كل الممكنات، وإحياء الأشياء المادية، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وهذا على سبيل المبالغة، وربط الأشياء بأقصى التصورات في الدلالة على قدرة الله على الإحياء والإعادة.
وبعبارة أخرى: قل لهم يا محمد: كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتّي في تصوركم، فلا بد من بعثكم. وفعل (كونوا) هنا هو الذي يسميه المتكلمون:
التعجيز، والأدق أن يقال: كونوا بالتوهّم، والتقدير كذا وكذا.
وبعد أن استبعد المشركون الإعادة من جديد، استبعدوا حدوثها ولم يؤمنوا بالقادر على الإحداث، قائلين: من يعيدنا إلى الحياة إذا كنا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر شديدا، مما يكبر أو يعظم في صدوركم وعقولكم كالسماء والأرض، فالله قادر على بعثه وإحيائه من جديد، والباعث أو الخالق: هو الذي فطركم، أي أوجدكم وخلقكم أول مرة، فهو قادر على إعادتكم وإحيائكم للبعث والجزاء والحساب.
ثم إن المشركين بعد هذا يحركون رؤوسهم تعجبا واستهزاء وتكذيبا، ويقولون:
стр. 1354
متى هذا البعث والإعادة، كما في آية أخرى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) [الملك: ٦٧/ ٢٥] .
قل أيها النبي لهم: عسى أن يكون وقت البعث قريبا، فإنه سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت قريب، كما قال الله سبحانه: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) [المعارج: ٧٠/ ٦- ٧] .
ويكون ذلك البعث الحتمي يوم يدعوكم الرب ﵎ من قبوركم بالنفخ في الصور لقيام الساعة، فتستجيبون له من القبور، حامدين طائعين، منقادين بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة والداعي، إجابة لأمره سبحانه، وطاعة لإرادته، وتحسبون عند البعث أنكم ما لبثتم في الدنيا إلا زمنا قليلا، فقوله تعالى:
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ معناه: بأمره، كما قال ابن عباس وابن جريج، وقال قتادة: بطاعته ومعرفته. وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث. والواقع أن المراد من الحمد هنا: هو إعلان الحمد على صدق الحادث وهو القيامة، أي تقومون من القبور، بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك بحمد الله تعالى على صدق خبره وإعلامه نبيه بوجود البعث.
الأسلوب الأفضل في الجدال
المسلمون أصحاب حق، ودعوة سامية، ورسالة شاملة للبشرية جمعاء، وهذا يقتضيهم أن يسعوا الناس بأخلاقهم اللطيفة، وأقوالهم الحسنة، ومعاملاتهم الطيبة لأن من شأن الداعية الناجح أن يكون على جانب عظيم من الحلم والعلم واللين واللطف، ولأن للكلمة الطيبة جاذبية وسحرا يؤثران في القلوب، فإذا انضم إلى ذلك الفكر الصحيح، والعقل السديد، والرأي الحكيم، أدّى إلى إقناع المخاطب، وتحقّق
стр. 1355
الهدف من النصح وهو الانضمام لراية التوحيد والقرآن المجيد، قال الله تعالى مبينا أسلوب الخطاب مع المخالفين:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٣ الى ٥٥]
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥)
«١» «٢» «٣» [الإسراء: ١٧/ ٥٣- ٥٥] .
روي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ،
وروي أن عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفرة، فسبّه عمر وهم بقتله، فكاد أن يثير فتنة، فنزلت الآية:
يأمر الله تعالى رسوله بأن يبلّغ عباد الله المؤمنين: أن يقولوا في مخاطبات المخالفين من المشركين وغيرهم أثناء حوارهم الكلام الأحسن. والتي هي أحسن: هي المحاورة الحسنة، والكلمة الطيبة: وهي التي لا تختلط بالشتم والسب والأذى، كما جاء في آيات أخرى، مثل: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٦/ ١٢٥] . ومثل: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٢٩/ ٤٦] . والآية هي ما بين العباد المؤمنين وكفار مكة وأمثالهم.
فيكون المطلوب إلانة القول، وحسن الأدب، وخفض الجناح لأن الشيطان يؤجج نيران النزاع، ويثير الفتنة والشر، ويوقع الخصام، ويغري بالمقاتلة، فلا يتحقق المطلوب، وتخيب المساعي، وتقع العداوة، وهو المراد بنزغ الشيطان
стр. 1356
للإنسان، وسبب ذلك: أن الشيطان عدو ظاهر العداوة للإنسان، منذ القديم. ومعنى النزغ: حركة الشيطان بسرعة، ليوجب فسادا.
وعلة الأمر باتباع الطريق الأحسن والمحاورة الحسنة في منهاج الدعوة الذي رسمه الله: هو أن ربكم أيها الناس أعلم بمن يستحق منكم الهداية والتوفيق للإيمان ومن لا يستحق، فإن شاء رحمكم فأنقذكم من الضلالة، ووفقكم للطاعة والإنابة إليه، وإن شاء عذبكم، فلا يهديكم للإيمان، فتموتوا على الشرك. فكأن الله أمر المؤمنين ألا يخاشنوا الكفار في الدين، ثم قال للكفار: إنه أعلم بهم، ورجّاهم وخوّفهم. ومعنى: إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ إن يرد الله يرحمكم بالتوبة من الكفر. وهذه الآية تقوّي أن الآية التي قبلها هي ما بين العباد المؤمنين وكفار مكة.
ثم قال الله لنبيه: فإنما عليك البلاغ، ولست بوكيل على إيمانهم، ولا بد، وإنك غير موكل بأمرهم، وليس لك السلطة في حسابهم على أعمالهم، وإنما عليك الإنذار والتبشير فقط، وترك النتائج لله تعالى، فتلطف في دعوتهم، ولا تغلظ عليهم، ودارهم.
وقال الله أيضا لنبيه: وربك أعلم بجميع من في السماوات والأرض، وهو الذي فضّل بعض الأنبياء على بعض، بحسب علمه فيهم، والتفضيل بحسب المزايا والكتب والخصائص، كاتخاذ إبراهيم ﵇ خليلا، وموسى ﵇ كليما، ومحمد ﷺ خاتم النبيين، وآتى الله داود ﵇ كتاب الزبور. وهذا بالمعنى المراد تعريض بقريش، أي لا تنكروا أمر محمد، وأنه أوتي قرآنا، فقد فضّل النبيون، وكان لكل نبي فضيلة، فموسى أعطي التكليم، وعيسى: الإحياء، وإبراهيم: الخلّة (خليل الله) ، ومحمد القرآن وختم النبوات، وداود: أوتي الزبور، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته. ونظير الآية: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [البقرة: ٢/ ٢٥٣] .
стр. 1357
وآية: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً تنبيه على فضل الزبور وشرفه. وفي الآية إشارة إلى تفضيل رسول الله ﷺ على جميع الأنبياء والمرسلين بالقرآن الكريم، وبالإسراء والمعراج، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام.
ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن الخمسة أولي العزم منهم أفضلهم: وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. ومزية هؤلاء الرسل: أنهم أصحاب رسالات كبري ومزايا عظيمة. وقوله سبحانه: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يقتضي حصر علم الله بهذا، وإنما يعلم الله بذلك وبغيره، وتكون الباء في (بمن) متعلقة بفعل تقديره: علم بمن في السماوات، لأنه لو علّق ب (أعلم) لاقتضى أنه ليس بأعلم بغير ذلك. ونظير هذا قولك: زيد أعلم بالنحو، لا يدل هذا على أنه ليس أعلم بغير النحو من العلوم.
عبدة البشر والأوثان والملائكة
يتدنى العقل الإنساني أحيانا فيعظّم البشر ويقدسه، أو يعبد الوثن ويؤلهه، وكلا الفريقين ليسوا عقلاء، لأن أبسط مبادئ الفكر والعقل أن يكون الإله من غير جنس المخلوقات، ويتميز بصفات تفوق قدرات البشر، ومن أهم هذه الصفات: الخلق والإبداع، والقدرة النافذة على جلب الخير ودفع الضر والشر، وإذا كان المعبود خاليا من هذه الصفات ونحوها لم يستحق جعله إلها، ولا اتخاذه ربا يعبد، ولكن مع الأسف وجد في الدنيا من يعبد البشر أو يعبد الأوثان أو يعبد الملائكة، وهذا ما دوّنه القرآن في هذه الآيات الكريمة:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨)
«١»
стр. 1358
«١» [الإسراء: ١٧/ ٥٦- ٥٨] .
أخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجنّيون، واستمسك الآخرون بعبادتهم، فأنزل الله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ.. الآية.
وعلى الرغم من هذه الرواية، اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس ﵄: هي في عبدة العزير والمسيح وأمه ونحوهم. وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود: هي في عبدة الأوثان والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه، وأي ذلك كان. وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود: هي في عبدة الملائكة.
وقال ابن مسعود أيضا: هي في عبادة شياطين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ، فأسلم أولئك الشياطين، وبقي عبدتهم يعبدونهم، فنزلت الآية في ذلك.
وفي الجملة: هذه الآيات في عبادة غير الله ، والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله، كالأصنام وغيرها، هل يجيبونكم؟ واطلبوا منهم كشف الضرّ عنكم: من فقر ومرض وقحط وغير ذلك! وانتظروا هل يستطيعون كشف الضر عنكم، أو تحويله أو تبديله من مكان لغيره، أو من واحد إلى آخر؟ إنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فلا يقدرون على ذلك لغيرهم. وإنما الذي يقدر عليه: هو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر. أولئك المعبودون من دون الله يطلبون التقرب إلى الله، والتزلف إليه، بالعبادات والطاعات، وهذه حقيقة حالهم، إنهم يبتغون الوسيلة إلى الله وهي
стр. 1359
القربة وسبب الوصول إلى البغية، ويطلب من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله تعالى، فكيف بغير الأقرب؟ فكل من الكفار العابدين والمعبودين ينتظرون أن يكونوا أيهم أقرب، ويرجون رحمة ربهم، ويخافون عذابه، فلا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف يبتعد الإنسان عن المعاصي، وبالرجاء يكثر من الطاعات، وعلة الخوف من العذاب: أن عذاب ربك كان مخوفا لا أمان لأحد منه، فينبغي أن يحذره جميع العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، فكيف أنتم؟
ثم أخبر الله تعالى بخبر عام قهر جميع الخلائق بواسطة ألا وهي الموت والهلاك، ففي قول الله تعالى: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ ... أخبر الله تعالى في هذه الآية: أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، وأخذها جزءا جزءا. وقيل: المراد: كل مدينة ظالمة فهي مهلكة، أو معذبة عذابا شديدا بقتل أو ابتلاء، لا ظلما، وإنما بسبب ذنوب أهلها وظلمهم، كان ذلك الحكم حكما عاما، ثابتا، مدوّنا في علم الله أو في اللوح المحفوظ،
أخرج الترمذي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب المقدّر، وما هو كائن إلى يوم القيامة» .
وعلى أي حال، سواء كان التهديد بالإهلاك لكل قرية أو أهلها عموما، أو قرية ظالمة، فإن الخطر ينتظر الجميع، والمسؤولية والجزاء يعمان الكل، وهذا كاف في تخويف الناس وحملهم على التزام الطاعة، والبعد عن المنكر والمعصية، لأن من علم أنه مسئول ومعرّض للعقاب، اقتصد في إسرافه في المعاصي، وأقبل على ساحات الطاعة، حتى ينجو من العذاب الأليم. والهلاك الدنيوي إما أن يكون بسبب القحط والخسف غرقا، وإما بالاقتتال بالفتن أو بهما معا، وصور الهلاك كثيرة لا يعلمها
стр. 1360
إلا الله تعالى، فأما الإهلاك بالفتنة، فبسبب الظلم من كفر، أو معاص، أو تقصير في دفاع، وأما القحط أو الخسف فيصيب الله به من يشاء، كما نلاحظ في كل زمان ومكان.
طلب الآيات التعجيزية
إن الإصرار على التكذيب أو الإفراط في الكفر والعناد هو الذي يدفع المكذبين والمعاندين إلى المطالبة بشيء بعيد الحصول أو غريب المنال، تمشيا مع مواقفهم المتصلبة، وعقولهم الجامدة، وتحدياتهم السافرة، وهذا شأن قريش في صدر الدعوة الإسلامية، طالبوا نبي الله ﷺ بتحقيق أشياء لا قدرة له عليها، ليظلوا على موقفهم المتعنّت وضلالهم المتأصّل، وهو لا يعد تسويغا لكفرهم، أو نصرا لضلالهم، وإنما يدل ذلك على خروجهم عن الأصول العقلية، واليأس من إيمانهم وصلاحهم، وهذا ما حكاه القرآن ليسجل عليهم هذا الإصرار والعناد، وليسقطوا من حساب العقل وميزان التاريخ، على مدى الزمان، قال الله تعالى:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٠]
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (٥٩) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٥٩- ٦٠] .
سبب نزول الآية الأولى:
أن قريشا اقترحوا على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، واقترح بعضهم أن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا الأرض، فأوحى
стр. 1361
الله تعالى إلى محمد ﷺ : إن شئت أفعل ذلك لهم، فإن تأخروا عن الإيمان، عاجلتهم العقوبة، وإن شئت استأنيت بهم، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين، فقال رسول الله ﷺ : «بل تستأني بهم يا رب» .
فأخبر الله تعالى في هذه الآية: أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة من قريش إلا التمهل أو الاستيناء، لأن عادة الله في الأمم السالفة هي تعجيلهم بالعقاب، بعد أن جاءتهم الآية المقترحة، فلم يؤمنوا.
والمعنى: ما صرفنا عن الإتيان بما يقترحونه من الآيات إلا تكذيب المتقدمين الأولين بأمثالها، فإن أتينا بها، وكذب بها أهل مكة وأمثالهم، عجلنا لهم العذاب، ولم يؤخروا، كما هي سنة الله في خلقه. وسمى الله تعالى سبق قضائه بتكذيب من كذّب وتعذيبه منعا في قوله تعالى: وَما مَنَعَنا أي ما منعنا الإرسال إلا التكذيب.
ومن أمثلة تلك الآيات المقترحة من السابقين الأولين وتكذيبهم بها: ناقة صالح ﵇ لثمود، فلما عقروها وكذبوا نبيهم، عاجلهم الله بعذاب الصيحة، وبقيت آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم، يبصرها الذاهب والعائد، كما قال الله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها أي: وأعطينا قبيلة ثمود الناقة حجة واضحة دالة على وحدانية خالقها، وصدق رسوله. وقوله مُبْصِرَةً أي حجة بيّنة، أو ذات إبصار يدركها الناس، أو معها إبصار لمن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها ووضوح إعجازها.
فَظَلَمُوا بِها أي كفروا بها، ومنعوها حظها من الشرب، وقتلوها، ووضعوا الفعل غير موضعه، أي بعقرها، فأبادهم الله جميعا.
وهذا للعبرة يقاس عليها، لذا قال الله تعالى بعدئذ: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً أي ولا نبعث بالآيات غير المقترحة إلا تخويفا للناس من نزول العذاب
стр. 1362
العاجل، وهي آيات معها إمهال كالكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح وغير ذلك، لعلهم يعتبرون ويتعظون ويتذكرون.
ثم بشر الله نبيه بأنه في حياطة الله ومنعه وحفظه، في قوله: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ بإقداره أي واذكر إذا أوحينا إليك أن الله قادر على عباده، وأنك محفوظ من الكفرة الأعداء، آمن من القتل أو الإصابة بمكروه عظيم، فلتبلّغ رسالة ربك، ولا تتهيب أحدا من المخلوقين، وهذا توطئة لما بعده، وهو:
وما جعلنا الرؤيا البصرية في اليقظة والمعاينة الحقيقية، وهي ما رآه رسول الله ﷺ في ليلة الإسراء، وما أطلعه الله عليه، إلا اختبارا وامتحانا للناس، لمعرفة المؤمنين الصادقين، والكافرين المكذبين، معرفة ينكشف بها حالهم أمام الناس، لا بالنسبة لله ، فالله على علم سابق بكل ما سيحصل، والواقع مطابق لما في علم الله، فقد كذب بالإسراء قوم وكفروا، وصدّق به آخرون.
وما جعلنا أيضا الشجرة الملعونة في القرآن وهي شجرة الزقوم التي هي في أبعد مكان من الرحمة، إلا فتنة للناس، أي اختبارا لهم، مثل حادث الإسراء والمعراج، فمنهم من ازداد إيمانا، فكثير من الأشياء لا تحرقها النار، ومنهم من ازداد كفرا كأبي جهل وعبد الله بن الزّبعرى، وقالوا متهكمين متحدين: وما الزقوم إلا التمر والزّبد؟ فجعلوا يأكلون ويتزقمون. قال النقاش: إن في ذلك نزلت.
ونخوّف الكفار بالوعيد والعذاب والتنكيل في الدنيا والآخرة، فما يزيدهم التخويف إلا تماديا في الطغيان، وإمعانا في الضلال، وهو كفرهم وانهماكهم فيه، فكيف يؤمن قوم، هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات؟!
стр. 1363
أمر الملائكة بالسجود لآدم ﵇
ليس هناك أعظم تكريما للإنسان بأصله وجنسه من أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم ﵇، ليعلم البشر علو منزلتهم، ورفعة مكانتهم عند الله، فيتجاوبوا مع هذا التكريم، ويكونوا على مستوى حسن الظن بهم، والعمل بما يرضي الله من أفعالهم وأقوالهم، وقد تكرر الإخبار بهذا الأمر الإلهي في بدء الخليقة في القرآن سبع مرات للتذكير والعظة، قال الله تعالى:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦١ الى ٦٥]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥)
«١» «٢» »
«٤» «٥» «٦» [الإسراء: ١٧/ ٦١- ٦٥] .
هذه مشكلة البشرية، إنهم في جهاد وكفاح، أمام وسوسة الشيطان وإغوائه.
بدأت المشكلة حين أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية ومحبة وتكريم، لا سجود عبادة وخضوع، فسجدوا كلهم إلا إبليس أبى واستكبر عن السجود، افتخارا على آدم، وتعاليا عليه، قائلا: أأسجد له وهو طين، وأنا مخلوق من عنصر أسمى وأعلى وهو النار؟! وهو في ذلك لجأ إلى القياس فأخطأ حيث رأى الفضيلة لنفسه من جهة أن النار أفضل من الطين، وجهل أن الفضائل في الأشياء لا بأصولها، وإنما بما خصصها الله به. وقال أيضا بجرأة وكفر: أخبرني عن هذا الذي
стр. 1364
فضّلته: لم كرّمته علي، وأنا خير منه؟ وكأنه ينسب الجور لربه، قسما لئن أبقيتني إلى يوم القيامة لأستأصلن ذريته بالإغواء، ولأستولين عليهم بالإضلال إلا قليلا منهم، وهم العباد المخلصون الذين وصفهم الله تعالى بقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ١٥/ ٤٢] . أي إن عبادي الصالحين لا تقدر أن تغويهم، فأجابه الله لطلبه لحكمة يعلمها، وأخره قائلا له: امض لشأنك الذي اخترته لنفسك خذلانا وتخلية، فمن أطاعك واتبعك منهم، فإن جهنم مقركم، ومأواكم، جزاء موفرا محفوظا، كاملا لا ينقص منه شيء.
واستخفّ واستنفر من تريد من العباد بدعوتك إلى المعاصي، بكل ما أوتيت من قوة وإغراء ووسوسة، والمراد بقوله: بِصَوْتِكَ أي بدعائك إلى معصية الله تعالى واجمع عليهم جندك فرسانا ومشاة، وهذا تمثيل يراد به: التسليط عليهم بكل ما تقدر عليه من القوة، واجمع لهم كل مكايدك، ولا تدخر وسعا في إغوائهم، مستخدما كل الأتباع والأعوان.
وشاركهم في الأموال والأولاد بتحريضهم على كسب المال وإنفاقه في المعاصي، من لهو ومجون وربا، وخمور، وفواحش، وقتل وتخريب، ونحو ذلك، وقوله سبحانه وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ عام لكل معصية يصنعها الناس بالمال، فذلك هو حظ إبليس. وقوله وَالْأَوْلادِ عام لكل ما يصنع من أمر الذرية في المعاصي، بالإنجاب الحرام كالزنى وغيره، وبالوأد للبنات الذي كانت بعض العرب تفعله، وصبغ الأولاد في ملل الكفر والضلال.
وعدهم المواعيد الكاذبة الباطلة، من شفاعة الآلهة المزعومة، ومنّهم بما لا يتم لهم، وبأنهم غير مبعوثين، فهذه مشاركة في النفوس. ثم أخبر الله تعالى أنه إنما يعدهم الشيطان غرورا منه، أي كذبا وباطلا في صورة الحق، فمواعيد الشيطان كلها خدعة وتزيين كاذب، لأنه لا يغني عنهم شيئا.
стр. 1365
ثم قال الله لإبليس: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي إن عبادي المؤمنين المخلصين الصالحين لا تقدر أن تغويهم، فهم محفوظون محروسون من الشيطان الرجيم. وكفى بالله حافظا ومؤيدا وقيما على الهداية، ونصيرا للمؤمنين الصالحين المتوكلين عليه، الذين يستعينون به على التخلص من وساوس الشيطان، وهذا دليل على أن المعصوم: من عصمه الله، وأن الإنسان بحاجة دائما إلى عون الله ﷻ .
وفي قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي الإضافة للتعظيم، فتدل على تخصيص العباد بالمخلصين، علما بأن العباد اسم عام لجميع الخلق، وذلك بقصد تشريفهم والتنويه بهم، كما يقول رجل لأحد بنيه، إذا رأى منه ما يجب: هذا ابني. على معنى التنبيه والتشريف له. ومنه
قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص: «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله» . «١»
إن هذا الاختبار والامتحان بين إبليس وآدم، وبين الشيطان وذرية آدم كفيل بمعرفة أهل العزم والجهاد الذين يتخلصون من وساوس الشيطان، وأولئك الذين ينقادون لشياطينهم، فيخسرون الدنيا والآخرة خسرانا مبينا.
نعمة الإبحار
الكرة الأرضية قسمان: بر وبحر، يابس وماء، أودع الله تعالى في كل قسم نعما وفيرة وأفضالا سابغة كثيرة، ففي البر: المعادن السائلة والجامدة، وخيرات الزروع والثمار، وفي البحر: النفط واللؤلؤ والمرجان والأسماك وغيرها، ويسر الله للإنسان الإبحار في البحار بوسائط السفن المسيّرة قديما وحديثا بالرياح وهي السفن الشراعية، وحديثا بالسفن المعتمدة على الطاقة البخارية أو الكهربائية أو الذرية والمحركات
стр. 1366
الآلية، ليتيسر للناس عبور البحر ونقل الركاب والبضائع والنفط وغير ذلك، وهذا يدعو لشكر نعمة الله ، والإقرار بالخالق الموجد الذي يحقق مصالح البشر، فقال الله سبحانه:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦٦ الى ٦٩]
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الإسراء: ١٧/ ٦٦- ٦٩] .
المعنى: الله ربكم أيها البشر كافة: هو الذي يسيّر لكم السفن في الماء الكثير، عذبا كان أو ملحا، للانتقال السياحي والارتزاق في أنحاء الدنيا بالتجارات المختلفة، إنه سبحانه بهذا التيسير كان متفضلا عليكم، رحيما كثير الرحمة بكم جميعا أيها العباد.
ومن رحمته تعالى وفضله العظيم: أنه إذا أصابكم أيها الناس المسافرون في البحر ضر وخوف غرق أو شدة، أو جهد ومشقة، ضلّ من تدعون إلا إياه، أي غاب، عن أذهانكم وتصوراتكم وخواطركم دعاء أحد وطلب نجدته إلا الله تعالى، فلا تتذكرون إلا الله، ولا تلجؤون لكشف الضر عنكم إلا لربكم الذي خلقكم ورزقكم من فضله.
ولكن مع الأسف تقابلون عادة ذلك الفضل الإلهي بالجحود والإنكار، لا الشكر
стр. 1367
وعرفان الجميل، فإذا أمنتم ونجوتم ووصلتم إلى البر والسلامة، نسيتم من دعوتموه فأنقذكم، وأعرضتم عن جانب الله الذي نجاكم، وعدتم إلى الشرك والكفران، وكان الإنسان بطبعه شديد الجحود والإنكار ونسيان نعمة الله تعالى.
وقوله سبحانه: وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً أي جنس الإنسان، فكل واحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، وكل إنسان مهما عمل مقصر في حق الله تعالى.
أفأمنتم أيها المعرضون الناسون الشّدّة، حين صرتم إلى الرخاء والأمن، أن يخسف الله بكم مكانكم من البر وناحية من الأرض، أو يزلزل الأرض من تحتكم أو يرسل عليكم حجارة من السماء، ثم لا تجدوا بعد ذلك ناصرا تكلون إليه أموركم، وينقذكم منه لأنكم في قبضة القدرة الإلهية في البر وفي البحر. فقوله سبحانه: أَنْ يَخْسِفَ الخسف: انهيار الأرض بالشيء، وقوله تعالى أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً الحاصب: المطر العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك.
فهل أمنتم أيها الراكبون في البحر إذا نجاكم الله من الغرق، وأمنتم من أهوال البحار، أن يأتيكم في البر بعذاب آخر من خسف وزلزال أو تفجير بركان أو مطر مصحوب بالحصباء، أي الحجارة الصغار؟! إنها لفتة نظر شديدة التأثير، وتنبيه للعقول والأفكار أن ألوان العذاب مختلفة متنوعة، منها الإغراق في البحار، ومنها الزلازل والبراكين، ومنها الأمطار المحمّلة بالحجارة، ومنها الريح العاتية التي تدمر كل شيء، وترمي بالحصى كل إنسان.
أو هل أمنتم أيها المعرضون عن ربكم بعد ما لجأتم إلى الله للإنقاذ من الغرق في البحر أن يعيدكم إلى البحار مرة ثانية، فيرسل عليكم قاصفا من الريح، والقاصف:
الذي يكسر كل ما يلقي ويقصفه، فيغرقكم في أعماق الماء بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى، ثم لا تجدوا لكم علينا تبيعا، أي نصيرا متابعا يطلب ثأرا، أو دينا أو
стр. 1368
نحو هذا، والمراد: لا تجدون من يتبع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وإنقاذكم مما أوقعناكم فيه.
إن الذي يتأمل بهذه الإنذارات والتهديدات بألوان العذاب في البر والبحر، يدرك إدراكا صحيحا، أن قدرة الله الشاملة لا مفر منها ولا مهرب، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا في البر ولا في البحر، فالله رحيم بالطائعين الشاكرين الحامدين، ولكنه أيضا غضوب شديد العذاب للجاحدين وجوده، المنكرين وحدانيته، المعرضين عن أوامره، المتنكرين لفضله وإحسانه، وكل امرئ يختار لنفسه ما يحلو، فإن أراد السلامة والنجاة من الويلات، عفّ وقنع، وأطاع واستقام، وإن ارتكب طريق الحماقة والطيش، واستبدت به الأهواء والشهوات، وأعرض عن منهاج الحق والإله، أوقع نفسه في مهاوي الردى والهلاك.
تكريم الإنسان
تشمل الرعاية الإلهية الإنسان من جميع أحواله المادية والمعنوية، فالله سبحانه ينجّي الإنسان المسافر من مخاطر البحر والبر، وهو سبحانه يصون كرامة الإنسان، ويحمي حقوق الإنسان، ويجعله خليفة الأرض، ويسخر له جميع ما في السماوات والأرض من منافع وخيرات، وذلك ما لم يحظ به مخلوق آخر ولا جنس آخر، وتلك فضيلة تميز بها الإنسان، وجعلته يختص بخصائص لا مثيل لها، وتظهر ثمار هذه الخصائص في تمكين الإنسان من الإفادة من خيرات الكون، وفي تفضيل البشر على سائر المخلوقات يوم القيامة، إنها النعمة العظمى والفضل الإلهي العميم، قال الله سبحانه مبينا مبدأ التكريم للإنسان:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢)
стр. 1369
«١» [الإسراء: ١٧/ ٧٠- ٧٢] .
لم تقتصر أفضال الله على الإنسان في الدنيا، وإنما في الآخرة أيضا، ففي الدنيا كرم الله بني آدم، بخلقهم على أحسن صورة وهيئة، ومنحهم السمع والبصر والفؤاد للفهم والإدراك، وميزهم عن سائر الحيوان بالعقل الذي يدركون به حقائق الأشياء، ويهتدون به إلى جميع المنافع المادية، وإلى معرفة اللغات، والتمييز بين الخير والشر، والنفع والضرر.
وفي الدنيا حمل الله البشر في البر على الدواب وسائر وسائل النقل والركوب ورزقهم من طيبات الرزق، من زروع وثمار، ولحوم وألبان، وجمّلهم بالمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة، وفضلهم على كثير من المخلوقات، وكل ذلك لنفي النقصان، لا التكريم بالمال.
واختصاص الإنسان بالعقل وتفضيله به على سائر الحيوان إنما هو من أجل معرفة الله تعالى، وفهم كلامه، والتوصل إلى نعيمه، وإعمال الفكر في مكنونات الكون، والإفادة من ذخائر الأرض ودفائنها، ومحاولة إدخال التعديل والتطوير عليها، وكل ذلك إنما يتم بتوفيق من الله ورضوانه، وإلهام وإحسان من الله على عباده.
وارتأى بعض المفسرين أن هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنسان من حيث هم المستثنون، والواقع لا يفهم من الآية شيء من هذا، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تتعرض له الآية، ويحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وفضلت
стр. 1370
الملائكة بأدلة أخرى من الشرع، والظاهر تفضيل الملائكة، فإن قوله تعالى: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) هو ما سوى الملائكة.
والمعوّل في الحقيقة على ما يقدّم الناس من أعمال يوم القيامة، لذا أردف الله آية تكريم الإنسان بما يذكّره من المقصود الجوهري والغاية الأصلية من خلقه، فخاطب الله نبيه بقوله فيما معناه: أذكر أيها النبي اليوم الذي نحاسب فيه كل أمة متجمعة مع إمامهم وقائدهم، فيقال مثلا: يا أمة محمد، يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا أمة فرعون وأتباعه، يا أمة النمروذ، يا أتباع فلان وفلان من زعماء الكفر، وفي ذلك الحساب تصفّى القضايا، فمن أعطي من هؤلاء المدعوين كتابه بيمينه علامة على القبول، فأولئك يتفاخرون، ويقرءون كتابهم بفرح وسرور، بما تضمنه من العمل الصالح، ولا يظلمون فتيلا، أي لا ينقصون أدنى شيء من جزاء أعمالهم الصالحة، ومن ثوابهم لا أقل ولا أكثر من الفتيل. وعبر عن ذلك بالفتيل: وهو الخيط المستطيل في شق النواة، للقلة في عرف الناس وعادتهم. وقوله: يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ عبارة عن السرور بكتابهم، أي يرددون القراءة ويتناقلونها.
ومن كان في هذه الحياة الدنيا أعمى عن حجج الله وبيناته وآياته التي أبانها في الكون، فهو يكون كذلك أشد حيرة وأعمى البصيرة والقلب في الآخرة، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، لا يجد طريق النجاة، بل وأضل سبيلا من الأعمى في الدنيا.
والأعمى لفظ مستعار لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة، أما في الدنيا فلتركه إعمال الفكر والنظر، وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إلى الحق، لأن الآخرة دار جزاء وثواب وحساب، لا دار تكليف وأعمال وأفعال بدنية أو مالية.
ما أدهش ذلك المنظر وتلك الحقيقة حين تتطاير الصحف أو الكتب في الجو