وإن دعوت أيها النبي هؤلاء المشركين إلى دعوة الحق والهداية والاستقامة، فلن تجد لهم استجابة، ولن يهتدوا بهدايتك: هدي القرآن، أبدا، مهما قدّمت من الأدلة، وتأملت الخير منهم. وجعل الأغطية أو الأكنة على القلوب، وصمّ الآذان عن السماع، والبكم من غير نطق بالحق، كلها استعارات تعبر عن بعد الناس عن الهداية.
وذلك كله لفقدهم الاستعداد لقبول الإيمان والرشاد، بما أصروا عليه من الكفر والعصيان.
ومهما بغى أهل الكفر وتنكبوا طريق الهداية، فإن الله تعالى غفار ستار، ذو رحمة واسعة، لو يؤاخذ الناس فورا على ما اقترفوا من الخطايا والسيئات، لعجل لهم العذاب في الدنيا، على حسب أعمالهم، كما جاء في آية أخرى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٣٥/ ٤٥] . ويختص الله المؤمنين بالمغفرة والرحمة، لأنه تعالى الغفور ذو الرحمة، والغفران والرحمة بترك معاجلة العقاب.
وإذا اقتضت الحكمة الإلهية عدم التعجيل بالعقوبة، فذلك لا يعني الإعفاء من العقاب، فإن الله تعالى جعل للعذاب موعدا حدده وهو إما يوم القيامة، وإما يوم العذاب الشديد من ألوان عذاب الدنيا كالحروب والصواعق والزلازل والبراكين والسموم القاتلة والأمراض الفتاكة وغير ذلك.
وتلك القرى أو المدن البائدة وأهلها مثل عاد وثمود ومدين وقوم لوط، أهلكهم الله لما ظلموا وكفروا وعاندوا، وجعل لهلاكهم موعدا لا محيد عنه، ومدة معلومة لا تزيد ولا تنقص، لن يجدوا عنه ملجأ أو منجى، وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا ما أصابهم، فقد كذبتم رسولكم، ولستم بأعز علينا منهم، والمهلك: الإهلاك أو
стр. 1437
وقته. والموعد: وقت العذاب. والمراد: إنا عجلنا هلاكهم، ومع ذلك حددنا له وقتا، رجاء أن يتوبوا.
هذه الآيات الكريمة تتضمن علاقة الإنسان بربه، فهي علاقة ودّ، ومغفرة، ورحمة إن أحسنوا العمل، وآمنوا بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر، وكذا إن تلكؤوا عن الإيمان، فيمهلهم الله، وإن الله يمهل ولا يهمل.
والعقاب مبدؤه وغايته: الإصلاح والهداية، والناس هم الظلمة لأنفسهم إذا عطّلوا وسائل الإيمان والهداية والمعرفة، فلم تتفتح قلوبهم لنور الهداية القرآنية، وأصاخوا السمع والأذن لآيات الله الكونية والحياتية.
والدليل من التاريخ: واقع وملموس، فقد أهلك الله أهل المدن الظالمة الذين لم يستجيبوا لدعوة الرسل، واقتضت الرحمة الإلهية إمهالهم لموعد معين، حتى يؤمنوا، وذلك منتهى العدل والفضل الإلهي.
لقاء موسى ﵇ مع الخضر العبد الصالح
في التاريخ عجائب الحوادث والقصص، ومن هذه العجائب: قصة موسى ﵇ مع الخضر العبد الصالح، التي تعلّمنا كيف يتعلم الأكبر والأعلم من الأصغر والأقل منه رتبة، فإن موسى ﵇ كليم الله، مع كثرة علمه وعمله، أمره الله أن يصحب العبد الصالح وهو الخضر، في رحلة استطلاعية وجولة ميدانية، تدل على أن التواضع خير من العجب والكبر. وهذه هي بداية القصة في الآيات التالية:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٠ الى ٧٠]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤)
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩)
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)
«١» «٢»
стр. 1438
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الكهف: ١٨/ ٦٠- ٧٠] .
سبب هذه القصة فيما
روي عن النبي ﷺ لدى البخاري ومسلم: أن موسى ﵇ جلس يوما في مجلس لبني إسرائيل، وخطب فأبلغ، فقيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: لا، فأوحى الله تعالى إليه: بلى، عبدنا خضر، فقال: يا رب، دلّني على السبيل إلى لقيّه «٩» ، فأوحى الله تعالى إليه أن يسير بطول سيف البحر، حتى يبلغ مجمع البحرين، فإذا فقدت الحوت، فإنه هنالك، وأمر أن يتزود ويرتقب زواله عنه، ففعل موسى ذلك، وقال لفتاه على جهة إمضاء العزيمة: لا أبرح السير (أي لا أزال) .
وإنما قال هذه المقالة، وهو سائر.
ومجمع البحرين: إما في أرض فارس من وراء أذربيجان، وإما عند طنجة أو بأفريقية أو حيث يجتمع بحر ملح وبحر عذب.
هذه قصة ثالثة في سورة الكهف بعد قصة أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين والأموال، وكلها تلتقي في التزهيد بالدنيا ونبذ الافتخار والإيمان بالله واليوم الآخر.
стр. 1439
ومضمونها: اذكر أيها النبي حين قال موسى لفتاه: لا أزال سائرا حتى أصل إلى المكان الذي فيه مجمع البحرين، ولو سرت حقبا، أي دهرا من الزمان، ثمانين أو سبعين سنة، والمراد: زمانا غير محدود. وموسى: هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل، وفتاه: هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف ﵇، وكان خادما لموسى، ومجمع البحرين في رأي الأكثرين: بحر فارس والروم، أي ملتقى البحر الأحمر بالمحيط الهندي عند باب المندب.
فلما وصل موسى وخادمه (فتاه) مجمع البحرين، مكان اللقاء بالعبد الصالح، نسيا حوتهما (وهو السمك) حيث عاد الحوت حيا، واندس في سرب (نفق) من الماء، فكان لموسى وفتاه عجبا، وكانت عودة الحوت حيا معجزة لموسى ﵇.
ولما تجاوز موسى وفتاه يوشع مجمع البحرين، حيث نسيا الحوت فيه، وسارا بقية اليوم والليلة، وفي ضحوة الغد أحس موسى بالجوع، فقال لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا تعبا من ذلك السفر.
فأجابه فتاه: أرأيت، أي أخبرني عما حدث لي، حين لجأنا إلى الصخرة في مجمع البحرين؟ فإني نسيت أن أخبرك بما حدث من قصة الحوت، فإنه اضطرب، وعاد حيا، وسقط في البحر، وما أنساني ذكر ذلك إلا الشيطان، واتخذ الحوت مسلكه في البحر عجبا.
قال موسى: هذا هو الذي نطلب لأنه علامة الفوز بما نقصد. فرجعا على طريقهما يقصان آثار مشيهما، فوجدا عند الصخرة في مجمع البحرين عبدا صالحا من عباد الله، وهو الخضر في رأي الأكثرين. وكان مسجى بثوب أبيض. فسلّم عليه موسى، وكان قد علّمه الله من لدنه علما من غير وساطة معلم بشر.
فطلب موسى من الخضر أن يصحبه ويرافقه ليتعلم منه شيئا يسترشد به في أمره،
стр. 1440
من علم نافع وعمل صالح. والرشد: الصواب. فأجابه الخضر: إنك لن تقدر على مصاحبتي، ولن تطيق صبرا على ما تراه مني لأني على علم من الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من الله، علمكه لا أعلمه، وكل منا مكلف بأمر من الله، فلا تقدر على صحبتي، وكيف تصبر على شيء لم تعلم وجه الحكمة فيه وطريق الصواب. فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا على ما أرى من أمورك، ولا أخالفك في شيء، فقال الخضر مشترطا على موسى: إن سرت معي، فلا تسألني عن أمر يحدث، حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.
أحداث قصة موسى مع الخضر
في مرحلة الاختبار الصعبة لموسى ﵇، لمعرفة مدى صبره على ما قام به العبد الصالح: الخضر، وقعت أحداث غريبة ثلاثة، لا تنسجم مع أصول المعرفة والشريعة الموسوية، مما جعل موسى ﵇ يستنكر كل حادث منها، ناسيا العهد الذي التزمه مع الخضر بألا يعترض على شيء حتى يبين له الأسباب الخفية وما وراء الظواهر، وهذه الأحداث قصها القرآن الكريم علينا فيما يأتي:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧١ الى ٧٨]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥)
قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨)
«١» «٢» «٣» «٤»
стр. 1441
«١» «٢» [الكهف: ١٨/ ٧١- ٧٨] .
أحداث هذه القصة ثلاثة هي السفينة، والغلام، والجدار.
أما قصة السفينة: فحينما انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، يطلبان سفينة، فمرت بهما سفينة، فكلّما أصحابها أن يركبوا (موسى وفتاه والخضر) فيها معهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير أجر، تكرمة للخضر، فلما سارت بهم السفينة في وسط أمواج البحر، قام الخضر بخرقها بفأس، فقلع لوحا من ألواحها، ثم رقّعها. فقال موسى للخضر منكرا عليه: أخرقتها لتغرق أهلها؟ أي ليؤول أمرهم إلى الغرق، لقد جئت شيئا منكرا عظيما. فقال الخضر لموسى: ألم أقل لك سابقا:
إنك لن تتمكن من الصبر معي على ما ترى مني من أفعال. فاعتذر موسى للخضر قائلا: لا تؤاخذني بنسياني، وتركي وصيتك أول مرة، ولا تكلفني أمرا شاقا عسيرا علي.
وأما قصة الغلام: فتمت حينما خرج موسى وفتاه والخضر من السفينة، وسار موسى والخضر على الساحل، فأبصر الخضر غلاما وضيئا حسن الهيئة لم يبلغ الحلم يلعب مع الغلمان، فقتله الخضر باقتلاع رأسه أو ذبحه، فقال موسى: أتقتل نفسا زكية طاهرة من الذنوب، طيبة لم تخطئ، بغير قتل نفس، أي قصاص، لقد أتيت شيئا منكرا لا يقره الشرع، فأجابه الخضر مؤكدا إنكاره عليه وتذكيره بعهد الرفقة:
ألم أقل لك لن تتمكن من احتمال ما أفعله، ولن تسكت على ما أقوم به. فاعتذر موسى ﵇ مرة أخرى قائلا: إن اعترضت على شيء يحدث بعد هذا الفعل أو
стр. 1442
هذه المرة، فلا تتخذني صاحبا لك، قد أعذرت إليّ مرة بعد أخرى، حيث خالفتك مرتين إلى الآن، وهذا كلام يدل على شدة الندم.
روى ابن جرير الطبري عن أبي بن كعب قال: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدا، فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه، لأبصر العجب، ولكنه قال: «إن سألتك عن شيء بعدها، فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرا» .
وأما قصة الجدار: فهي أن موسى والخضر مشيا بعد الحدثين السابقين، حتى إذا وصلا إلى قرية هي أنطاكية، طلبا من أهلها إطعامهما وسد جوعتهما، فرفضوا الضيافة، وذلك إخلال بالمروءة، وبخل وشح. فوجد موسى والخضر في تلك القرية حائطا آيلا إلى السقوط، فرده الخضر كما كان، ونسبة إرادة السقوط للجدار: على سبيل الاستعارة، فقال موسى للخضر: ليتك تطلب أجرة على إصلاح الجدار، لأن أهل هذه القرية لم يضيفونا، فلا يستحقون العمل مجانا، فأجابه الخضر: هذا الإنكار أو الاعتراض الثالث سبب الفراق بيننا، بحسب الشرط الذي بيننا، وسأخبرك ببيان أسباب الأفعال التي أنكرتها علي، ولم تصبر عليها، وهي خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وهذا الموقف من الخضر عتاب لموسى، ولوم له على عدم الصبر.
قال ابن عطية في تفسيره: ويشبه أن تكون هذه القصة أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة أيام، وأيام التلوم ثلاثة، فتأمله.
والواقع أن موسى ﵇ كان معذورا في اعتراضاته، لأنه بحسب قواعد الشريعة مطالب بإنكار المنكر، وأما الخضر فكان أيضا على حق لأنه يفعل بإلهام من الله، وتنفيذ لمراد الله تعالى.
стр. 1443
أسباب أفعال الخضر ﵇
كانت أفعال الخضر في الأحداث الثلاثة غير مقبولة في الظاهر، سواء فيما يتعلق بخرق السفينة، أو قتل الغلام، أو هدم الجدار وبنائه مجانا، ولكنها أجيزت شرعا بإلهام من الله تعالى، وارتكابا لأخف الضررين وأهون الشرين، وزال الإشكال في عقلية موسى ﵇، بعد أن قام الخضر ببيان أسباب ما قام به من أفعال غريبة، لم يصبر عليها موسى لأول وهلة، وهذا البيان جاء في الآيات القرآنية التالية:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [الكهف: ١٨/ ٧٩- ٨٢] .
هذا تفسير الوقائع والأحداث التي قام بها الخضر ﵇ بحضور موسى ﵇، ولم يستطع تقبلها والصبر عليها، لمخالفتها شريعته في الظاهر، لكن الشرائع مبنية كلها على الظواهر العامة، والله وحده من وراء السرائر.
أما حادث خرق السفينة: فكان بقصد تعييبها، من أجل حمايتها والحفاظ عليها لأنها كانت مملوكة لضعفاء أيتام، ليس لهم شيء ينتفعون به غيرها، ولا يقدرون على مقاومة من أراد ظلمهم، وكانوا يكرون تلك السفينة لركاب البحر، ويأخذون الأجرة، فقام الخضر بخرقها ونزع لوح خشبي منها ليعيبها، لأنه كان أمام الركاب
стр. 1444
ملك ظالم، يأخذ كل سفينة صالحة غير معيبة، اغتصابا وظلما من غير وجه حق، فكان عمل الخضر حماية لهذه السفينة، وصونها لأصحابها الضعفاء، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما. والمراد من قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ أي أمامهم، كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ٤٥/ ١٠] وقالوا: «وراء» من الأضداد. وعبر الله عن أصحاب السفينة بلفظ «فكانت لمساكين» أي ضعفاء إشفاقا على حالهم التي كانوا عليها.
وأما حادث قتل الغلام: فلأنه كان كافرا، وكان أبواه مؤمنين يحبانه، فكانت هناك خشية من متابعته في الكفر والوقوع في الظلم والعصيان، حينما يكبر، لأن حب الولد غريزة، ومجاملته من أبويه قد تقع، فكان قتله حماية على عقيدة والديه، من قبيل سد الذرائع، أي منع الوسيلة المفضية إلى ممنوع شرعا.
قال الخضر: أراد الله أن يرزق هذين الوالدين ولدا آخر بدلا عنه وخيرا منه في الصلاح والعقيدة، وبر الأبوين والعطف عليهما. روي عن ابن جريج: «أنهما بدّلا غلاما مسلما» .
وأما حادث بناء الجدار مجانا: فكان في بلدة أنطاكية، وكان آيلا للسقوط، وكان تحته كنز لغلامين يتيمين في تلك المدينة، وكان أبوهما وهو الجدّ السابع رجلا صالحا، فأراد الله إبقاء ذلك الكنز مدفونا محفوظا للغلامين حتى يرشدا، فأمر الله الخضر بإصلاح ذلك الحائط، إذ لو سقط لاكتشف الكنز وأخذ، فهدمه الخضر ثم أعاد بناءه ليحفظ الكنز للغلامين حين الكبر والرشد، أو بلوغ الأشد، فإذا ما كبرا استخرجا الكنز، وانتفعا به، وفي هذا مصلحة واضحة، لا يقدم عليها أحد إلا من آتاه الله علما لدنيّا، وإلهاما ربانيا صادقا.
وكان الخضر في هذه الأفعال ينسب الفعل لنفسه، إلا في حادث بلوغ الحلم الذي
стр. 1445
لا يقدر عليه أحد إلا الله، عملا بمقتضى الأدب، الذي؟؟ يقضي بإسناد الخير إلى الله، والشر إلى العباد.
وكان الكلام الأخير للخضر قرارا حاسما، يلقي الطمأنينة والسكينة في قلب موسى ﵇، ومضمونه: أن الخضر لم يفعل هذه الأمور الثلاثة باجتهاد ورأي شخصي، أو تجرؤ على المخالفة، وإنما فعل ذلك بأمر الله وإرشاده وإلهامه لأن الاعتداء على المال والنفس والقيام بإصلاح الجدار مجانا، إنما كان بدليل قاطع، وهو الإلهام الذي هو أشبه بالوحي، وذلك هو تفسير ما ضاق صبر موسى عنه، ولم يطق السكوت عنه، ولكن موسى ﵇ بعد بيان سبب تلك الأفعال ومعرفة الحكمة فيها، اطمأن قلبه، وهدأ غضبه، وزال ما ثار في نفسه من ضرورة إنكار المنكر في ظاهر الأمر، والله هو الموفق إلى سواء الصراط.
قصة ذي القرنين وبلوغه المشرقين
فيما قبل الميلاد، كان هناك رجل صالح أعطاه الله ملكا واسعا فبلغ مشرق الشمس ومغربها، وهو الملقّب بذي القرنين أي صاحب الضفيرتين من الشعر، وهو كالخضر لم يكن نبيا، وقد ذكر الله تعالى قصته بعد إيراد ثلاث قصص في سورة الكهف، كانت مثار إعجاب واستغراب معا في توقعات البشر، ولكنها هينة سهلة في تقدير الله وقدرته. وتضمنت قصته إيراد ثلاثة أحداث عجيبة، أذكر هنا منها حدثين، قال الله تعالى:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ٩١]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧)
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١)
«١»
стр. 1446
«١» «٢» »
«٤» «٥» «٦» «٧» [الكهف: ١٨/ ٨٣- ٩١] .
هذه هي القصة الرابعة من قصص سورة الكهف. وهي إحدى المسائل الثلاث التي سأل عنها المشركون المكيون بتوجيه من اليهود، بقصد الإحراج والامتحان.
والمعنى: ويسألك المكيون القرشيون عن خبر ذي القرنين، سؤال اختبار وتعنّت، لا سؤال تأدّب وتعلّم، فقل لهم: سأخبركم عنه خبرا مذكورا في القرآن، بطريق الوحي الثابت المنزل عليّ من ربي.
إن الله تعالى مكّن لذي القرنين، وآتاه ملكا عظيما بلغ المشرق والمغرب، وأعطاه من كل ما يتعلق بمطلوبه طريقا (سببا) يتوصل به إلى ما يريده، ويحقق أهدافه، فاتبع طريقا من الطرق المؤدية إلى مراده. حتى إذا وصل نهاية الأرض من جهة المغرب، ولم يبق بعدها إلا البحر المحيط، وهو المحيط الأطلسي، وسار في بلاد المغرب العربي، فوجد الشمس تغرب في عين ذات حمأة أي طين أسود، ووجد في أقصى الغرب عند تلك العين الحمئة قوما كفارا وأمة عظيمة من الأمم، فقال الله له بالإلهام: أنت مخير بين أمرين: إما أن تعذب هؤلاء بالقتل إن أصروا على الكفر، وإما أن تحسن إليهم وتصبر عليهم، بدعوتهم إلى الحق والهداية الربانية، وتعليمهم الشرائع والأحكام.
стр. 1447
قال ذو القرنين لبعض حاشيته: أما من ظلم نفسه بالإصرار على الشرك، ولم يقبل دعوتي إلى الحق والخير، فسنعذبه بالقتل في الدنيا، ثم يرجع إلى ربه في الآخرة، فيعذبه عذابا منكرا شديدا، في نار جهنم.
وأما من آمن بالله ربا واحدا لا شريك له، وعمل العمل الصالح الذي يقتضيه الإيمان، فله الجزاء الحسن، وهو الجنة، وسنطلب منه أمرا ذا يسر وسهولة، ليرغب في دين الله والتزام أوامره.
ثم أتبع ذو القرنين سببا آخر، أي سلك طريقا آخر، متجها من المغرب إلى المشرق، حتى إذا وصل لمكان شروق الشمس من المعمورة، وجد الشمس تطلع على قوم حفاة عراة، لا شيء يسترهم من حر الشمس، ولم يجد عندهم بيوتا، وإنما يعيشون في مفازة أو بيداء، لا مأوى فيها، ولا شجر، يعتمدون في المعيشة على السمك وما جاء به البحر.
ومثل ذلك البلوغ للمشرق والمغرب، علّمنا ذا القرنين علوما نافعة، وأطلعناه أو أخبرناه عن إحاطته بجميع ما يحتاجه من المعارف والخبرات والأفعال، دون أن يخفى على الله منها شيء، وهذا من أجل تحقيق الطمأنينة، والرضا، والله سبحانه عالم الغيب والشهادة، لا يعرف الإنسان شيئا من تلك الغيبيات إلا بتعليم الله وإلهامه وإرشاده. وهذا تصوير لأحوال الأقوام البدائية، وبيان أن الأنبياء والصلحاء والعلماء هم الذين يتمكنون من نقلة هؤلاء البدائيين إلى أرقى مدارج العز والمدنية والحضارة.
بلوغ ذي القرنين ما بين السدّين
لم تنته رحلة الرجل الصالح ذي القرنين في سبيل الله ومرضاته، فهو لم يترك مكانا إلا زاره، حاملا أصول الحضارة والمدنية والأخلاق، ومبلّغا الناس ما يؤمن به،
стр. 1448
ومصلحا ما يمكنه إصلاحه في دائرة ملكه الواسع العريض، وقائما بما منحه إياه ربه من مقتضى الحكمة والعلم النافع، فبعد أن وصل المشرق والمغرب، اتجه من الشرق إلى الشمال، فاستنجد به أقوام الشمال، فأعانهم مخلصا لله من غير أجر ولا عوض.
وهذه الرحلة الثالثة أخبر عنها القرآن الكريم في الآيات الآتية، قال الله تعالى:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٢ الى ٩٨]
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦)
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» [الكهف: ١٨/ ٩٢- ٩٨] .
هذه تتمة الرحلة الشاقة لذي القرنين سلك الطرق المؤدية إلى مقصده، لأنها سبب الوصول، فكان- كما ذكر المؤرخون- يدوس الأرض بالجيوش الثقال، والسيرة الحميدة، وتقوى الله ، فما لقي أمة، ولا مرّ بمدينة إلا دانت له، ودخلت في طاعته وكل من عارضة جعله عظة وآية لغيره. ثم وصل بين السدين (الجبلين العظيمين) بين أرمينية وأذربيجان، فوجد من ورائهما قوما من الناس شرقي البحر الأسود، وهم الصقالبة (السلاف) لا يكادون يفهمون كلام غيرهم، لغرابة لغتهم، وقلة فطنتهم ونباهتهم.
قال ابن عباس ﵄: الجبلان اللذان بينهما السّدّ: أرمينية
стр. 1449
وأذربيجان. فقال سكان السد بين الجبلين: إن يأجوج ومأجوج (وهما قبيلتان من بني آدم) يفسدون في أرضنا بالتخريب والقتل والظلم ونحوه من مفاسد البشر.
فهل توافق على أن نعطيك جعلا من المال، على أن تقيم بيننا وبين هؤلاء المفسدين حاجزا منيعا يمنعهم من الوصول إلينا؟
قال لهم ذو القرنين: ما بسط الله لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، وبعمل الأيدي، أعطوني قطع الحديد، حتى إذا حاذى بالبنيان رؤوس الجبلين طولا وعرضا، قال للعمال المساعدين: انفخوا بالكير على هذه القطع الحديدية، حتى اشتعلت النار المتوهجة، ثم صبّ النحاس المذاب على الحديد المحمى والحجارة، فصار كله كتلة متلاصقة وجبلا صلدا، وانسدت فجوات الحديد. فما قدر المفسدون من يأجوج ومأجوج أن يصعدوا فوق السد، لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا نقبه من الأسفل، لصلابته وشدته، وأراح الله منهم القبائل المجاورة، لفسادهم وسوئهم.
وقال ذو القرنين بعد إقامة السد المنيع الحصين لأهل تلك الديار: هذا السد نعمة، وأثر من آثار رحمة ربي بهؤلاء القوم الضعفاء، فإذا حان أجل ربي وميعاده بخروجهم من وراء السدّ، جعله ربي مدكوكا منهدما، مستويا ملصقا بالأرض، وكان وعد ربي بخرابه، وخروج يأجوج ومأجوج، وبكل ما وعد به حقا ثابتا لا يتخلف، كائنا لا محالة.
إن تطواف ذي القرنين في أنحاء الأرض ذو أثر كبير في التاريخ، فهو تطواف مؤيد بمعونة الله، من أجل مقاومة الفساد الخلقي والفوضى الاجتماعية، وغرس أصول الإيمان والحق والخير، وحمل الناس على منهاجه السديد وخطته الإصلاحية، وبها يعرف ما لذي القرنين الرجل الصالح من آثار طيبة وأعمال صالحة، تشبه أعمال الرسل والأنبياء، وتدل على حب الخير للإنسانية جمعاء.
стр. 1450
أسباب الكفر وجزاؤه
إن ميزان العدل الإلهي في غاية الدقة والاعتدال، فأهل العصيان والكفر إنما يعاقبون في الآخرة عقابا أليما بسبب ضلال سعيهم في الحياة الدنيا وإشراكهم، وتعاميهم عن الحق، وكفرهم بآيات ربهم ولقائه يوم القيامة، واتخاذهم آيات الله هزوا وسخرية، وهذه الأسباب الأربعة مجتمعة هي التي أدت إلى العقاب الشديد في الآخرة للكافرين المعاندين، وذلك حق وعدل مطلق، قال الله تعالى مبينا السبب والجزاء للكفر وأهله:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٩ الى ١٠٦]
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣)
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الكهف: ١٨/ ٩٩- ١٠٦] من علامات الساعة خروج يأجوج ومأجوج (قوم من البشرية) ففي زمن قبل يوم القيامة: يترك الله الناس يضطرب بعضهم ويختلط مع بعض آخر، فيكثر القتل، وتفسد الزروع، وتتلف الأموال، وذلك قبل نفخ الصور، فإذا اقترب موعد القيامة نفخ في الصور: (وهو القرن الذي ينفخ فيه للقيامة) .
وهي النفخة الثانية نفخة الصّعق، ويجمع الله الناس جمعا، بأن يحييهم الله بعد تلاشي أبدانهم وصيرورتها ترابا، ويحضرهم إلى المحشر والحساب جميعا. والنفخات
стр. 1451
ثلاث،
أسند الطبري، ﵀، إلى أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الصور: قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية- نفخة الصّعق، والثالثة- نفخة القيامة» «١» .
ويعرض الله بعد الحشر جهنم ويبرزها إبرازا واضحا لكل من كفر بالله، بعد النفخة الثانية أو الثالثة في الصور، حتى يشاهدوا أهوالها، يوم جمعهم لها.
وأوصاف الكفار وأسباب عقابهم أربعة:
أولا- التعامي عن سماع الحق واتباعه، وترك نظرهم في آيات الله، وعدم تفكرهم فيها، حتى يتوصلوا إلى توحيد الله واتباع أوامره، ولأنهم كانوا لا يطيقون سماع ذكر الله الذي بيّنه لهم في كتابه، أي إنهم يعطلون وسائل المعرفة، من مشاهدة آيات الله بالأبصار، ويعرضون عن سماع الأدلة المذكورة في كتاب الله تعالى.
ثانيا- عبادة معبودات من دون الله، باتخاذهم أولياء ونصراء ومعبودات من غير الله، كالملائكة والشياطين وبعض البشر، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم أو يدفع عنهم العذاب، ونسوا أن الله تعالى أعد لهؤلاء الكافرين العابدين غير الله جهنم منزلا ينزلون به، كما يعدّ النزل للضيف، بسبب اتخاذهم أولياء (أي معبودين) من دون الله. وهذا تهكم بهم وتخطئة لحساباتهم.
ثالثا- الجهل والغباء بظنهم أنهم أحسنوا في الدنيا أعمالهم، وهم في الواقع أخسر الناس أعمالا، وهم الذين ضل سعيهم وعملهم في الدنيا، فعملوا الأعمال الباطلة على غير شريعة مقبولة، وأتعبوا أنفسهم فيما لا نفع فيه، فضيعوا ثمار أعمالهم. وهذا توبيخ شديد لهم وتقريع لهم على سوء اختيارهم.
стр. 1452
رابعا- كفرهم بآيات ربهم ولقائه يوم القيامة، فهم الذين جحدوا في الدنيا بآيات الله التنزيلية، والتكوينية الدالة على توحيده، وهم الذين كذبوا بالبعث والحساب ولقاء الله وما بعده من أمور الآخرة، فحبطت وضاعت أعمالهم التي عملوها، ظانين أنها حسنة، ولا يقام لتلك الأعمال وزن، ولا يكون لها قدر، ولا يعبأ بهم.
ونتيجة لهذه الأسباب الأربعة، كان جزاؤهم الدخول في نار جهنم، بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله، وسخريتهم من رسل الله، ومن معجزاتهم، فإنهم استهزءوا بهم، وكذبوهم أشد التكذيب، والهزء: الاستخفاف والسخرية.
والخلاصة: إن جزاء الكافرين هو: بسبب إنكار البعث والحشر، والإشراك بالله والجهل، والكفر بآيات الله، والاستهزاء بالرسل والآيات الكونية والتنزيلية، والجزاء أنواع ثلاثة: إحباط أعمال الدنيا، وإهدار الكرامة والاعتبار، والعذاب في نار جهنم.
جزاء المؤمنين وأسبابه
في مقابلة بيان أسباب الكفر وجزاء الكافرين، أورد الله تعالى جزاء المؤمنين وأسبابه، وفرق واضح بين الجزاءين وأسبابهما، فجزاء الكفر كما تقدم: الخلود في نيران جهنم، وجزاء الإيمان والعمل الصالح: الخلود في جنان الخلد. وبواعث الإيمان كثيرة أهمها إدراك شيء من عظمة الله وسعة علمه. وجوهر الإيمان: توحيد الله، فمن رجا لقاء الله، عمل العمل الصالح، وعبد الله وحده، دون أن يشرك به أحدا.
قال الله تعالى موضحا هذه الأسس الخالدة:
стр. 1453
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الكهف: ١٨/ ١٠٧- ١١٠] .
يتميز منهج القرآن الكريم ببيان المتقابلات وعقد الموازنة بينها، لتكون الصورة متكاملة والرؤية واضحة، ويظهر الحق من الباطل، ويتخير المرء ما يروق له، فيكون إما جالبا الخير لنفسه ومعتقها من النار، أو جالبا الشر لذاته وموبقها في النار، وهكذا هنا، بعد أن أوضح الله سبحانه ما أعد للكافرين والأخسرين أعمالا، ذكر ما أعدّ للمؤمنين، ليظهر التباين، وتقبل النفوس على الحسن، وهذه الآية الواردة في حق المؤمنين، تبيّن أن أهل السعادة هم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا بما جاء به المرسلون، وعملوا صالح الأعمال، من إقامة الفرائض والمندوبات، ابتغاء رضوان الله، فيكون لهم جنات الفردوس (وهي أعلى الجنة وربوتها وأفضلها) منزلا معدّا لهم، مبالغة في إكرامهم.
جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة» .
ويبقى المؤمنون في الجنة خالدين فيها مقيمين بصفة الدوام، لا يرغبون عنها بديلا ولا يريدون عنها تحولا. ثم أخبر القرآن عن سعة علم الله، فقل لهم أيها الرسول: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته، وكان ماء البحار حبرا، والقلم يكتب، لنفد ماء البحر قبل أن يفرغ من كتابة ذلك، ولو جيء بمثل البحر بحر آخر وآخر، فإن كلمات
стр. 1454
الله وأسراره لا تنفد، ولا تضبطها أقلام. ثم حضّ القرآن على صفة التواضع وإعلان العبودية لله تعالى، فذكر: قل أيها النبي للمشركين في مكة وأمثالهم: ما أنا إلا بشر مثلكم في البشرية، ليس لي صفة الملكية أو شيء من الألوهية، ولا علم لي إلا ما علمني ربي، وعلم الله واسع محيط بكل شيء، لا يحده حد، فمن آمن بلقاء الله وطمع في ثواب الله على طاعته، فليتقرب إلى الله بصالح الأعمال، وليخلص له العبادة، وليجتنب الشرك والوثنية، بعبادة أحد غير الله، فإن الإله المعبود بحق هو الله لا شريك له.
والشرك مرفوض بنوعيه: الشرك الظاهر كعبادة الأوثان، والشرك الخفي كفعل شيء رياء أو سمعة وشهرة، والرياء: هو الشرك الأصغر، كما
جاء في حديث الإمام أحمد عن محمود بن لبيد، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء» .
وسبب نزول آية: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي.. هو ما
رواه الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه: فنزلت: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)
وقالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة، فقد أوتي خيرا كثيرا، فنزلت: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) .
وسبب نزول آية فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً الآية. هو ما
رواه ابن أبي حاتم وغيره عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول
стр. 1455
الله، إني أقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يردّ عليه شيئا، حتى نزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
ضمت الآية بشارة المؤمنين الصالحين بجنان الفردوس العليا، وأخبرت عن سعة علم الله وإحاطته بكل شيء، وعن بشرية محمد والرسل، وعن توحيد الله في الألوهية والربوبية، وحضّ الناس المؤمنين بلقاء الله على العمل الصالح وتجنب الشرك الظاهر والخفي.
стр. 1456
تفسير سورة مريم
قصة زكريا ﵇
الرغبة في الذرية والإنجاب منزع فطري طبيعي، لأن محبة الولد عاطفة متأصلة في النفس الإنسانية، وقد يكون ذلك أيضا لمصلحة من أجل وراثة جهد الأب، والعون على شؤون الحياة ومصالح العمل، وقضايا الزراعة، ومتاعب العجز والمرض والشيخوخة. لذا رغب زكريا، ﵇، في إنجاب الولد، لا لمصلحة دنيوية، وإنما من أجل وراثة النبوة والعلم الإلهي، والتخوّف من العصبات غير المستقيمين على أمر الله وشرعه وآدابه، فدعا زكريا ربه أن يخلفه ولد من أجل هذا، قال الله تعالى حاكيا هذه القصة في مطلع سورة مريم المكية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» »
«٧» [مريم: ١٩/ ١- ٦] .
كان لزكريا ﵇ شركة في خدمة الهيكل، وكانت مريم البتول ﵍
стр. 1457
التي نذرتها أمها لخدمة الهيكل من نصيب كفالة زكريا فهو زوج أختها، فلما رأى إكرام الله تعالى لمريم ورزقها من حيث لا تحتسب، دعا أن يرزقه الله تعالى الولد، وهذه هي القصة.
افتتحت سورة مريم بالأحرف المقطعة (كهيعص) للتنبيه لما يذكر في هذه السورة، وتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن، ما دام الكلام القرآني مركبا من حروف الهجاء العربية التي هي مادة تركيب الجملة والكلام العربي نثرا وخطابة وشعرا، فوجود هذه الحروف لمعان معينة، وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم أعقبت هذه الأحرف بما يلي:
هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك عبده زكريا، الذي كان أحد الأنبياء العظام لبني إسرائيل، وزوجته خالة (عيسى) . والمراد بذكر الرحمة: بلوغها وإصابتها وإجابة الله دعاء زكريا. وذلك حين نادى زكريا، أي نادى بالدعاء والرغبة، في حال من إخفاء النداء، لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد عن الرياء، ومنه
قول النبي ﷺ فيما رواه أحمد وغيره: «خير الذكر الخفي» .
وقال بعض العلماء: يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الدعاء الذي هو في معنى القبول والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير، فإخفاؤه أبعد من الرياء، وأما دعاء زكريا وطلبه، فكان في أمر دنيا، وهو طلب الولد، فإنما أخفاه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون على أول أمره، إن أجيب نال بغيته، وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك. ويقال: وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل.
قال زكريا، ﵇، في دعائه الخفي: يا رب، لقد صرت فاتر العظام، ضعيف البنية والقوى، هرما كثير الشيب، ولم أعهد منك إلا إجابة الدعاء، ولم تردني قطّ فيما سألتك، فما كنت خائبا، بل كنت كلما دعوتك استجبت لي. وإني
стр. 1458
خفت أقاربي العصبات من بني العم ونحوهم إهمال أمر الدين وتضييعه من بعد موتي، فطلبت ولدا نبيا من بعدي، يحرس بنبوته شأن الدين والوحي، وكانت زوجتي عاقرا لا تلد.
فكانت مسوغات الدعاء ثلاثة: ضعف البدن مع عقم امرأته، وكونه مستجاب الدعاء، وخوفه من ورثته من ضياع الدين بعد موته. ولم يكن خوفه من إرث المال، لأن الأنبياء لا يورثون،
جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركناه صدقة» .
وفي رواية: «نحن معشر الأنبياء لا نورث» .
فامنحني وأعطني من جنابك وواسع فضلك وليا يلي أمر الدين، يكون ولدا من صلبي، يرثني النبوة، ويرث ميراث آل يعقوب، وهي وراثة العلم والنبوة، على الراجح، لا وراثة المال، فيرث ما عندهم من العلم، ويقوم برعاية أمورهم في الدين، واجعله يا رب برّا تقيا مرضيا عندك في أخلاقه وأفعاله، ترضاه وتحبه أنت، ويرضاه عبادك ويحبونه، ليكون أهلا لحمل رسالة الدين، وتعليمه وتبليغه، وإقامة شعائره.
وأما يعقوب فهو إسرائيل، وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى يعقوب.
ولهذه الآية نظائر في القرآن الكريم، مثل: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) [آل عمران: ٣/ ٣٨] . ومثل: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) [الأنبياء: ٢١/ ٨٩] .
ويلاحظ أن زكريا ﵇ لما رأى من حاله، إنما طلب وليا أي ناصرا، ولم يصرح بالولد، لبعد ذلك بسبب عقم المرأة، وكبر سنه. ووصف الولي بأن يكون وارثا، يرث من آل يعقوب الحكمة والعلم والنبوة، والميراث في هذا كله استعارة.
стр. 1459
والخلاصة: إن طلب زكريا وجود ولي يرث العلم والنبوة في غاية السمو والإخلاص والحرص على دوام الخير والفضل الإلهي.
قصة يحيى ﵇
من العجائب أو خوارق العادات والمعجزات: ولادة عيسى ﵇ من غير أب، وولادة يحيى بن زكريا ﵇: من أم عاقر، وأب شيخ كبير، وهذا بحسب توقعات البشر المعتادة والقدرات الشائعة، أما على قدرة الله تعالى العظمى فإن الأمر يهون لأن الخلق والأمر والإرادة الإلهية فورية الأثر، لا يتأخر شيء عن مراد الله إذا شاء، حتى ولو كان المعتاد خلاف ذلك، وهكذا ولد يحيى ﵇ ببركة دعاء أبيه زكريا، مع أنه كان شيخا هرما، وامرأته عاقر لا تلد، قال الله تعالى واصفا هذا الحادث:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧ الى ١١]
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [مريم: ١٩/ ٧- ١١] .
استجاب الله تعالى دعاء زكريا ﵇ طلب ولي يرثه العلم والنبوة، فقيل له بإثر دعائه: إنّا نبشرك بغلام يولد لك اسمه (يحيى) لم يسبق أحد تسميته بهذا الاسم.
قال قتادة: سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالنبوة والإيمان. وقال بعضهم: سمي،
стр. 1460
لأن الله أحيا به الناس بالتدين. وقوله تعالى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا معناه في اللغة: لم نجعل له مشاركا في هذا الاسم، أي لم يسمّ قبل بيحيى. وقال ابن عباس:
«لم تلد العواقر قبله مثله» .
فتعجب زكريا النبي الرسول من هذه البشارة حين أجيب دعاؤه، وفرح فرحا شديدا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها، مع كبرها وكبر زوجها. وقوله سبحانه: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا معناه: انتهى سنه، وكبر ونحل عظمه، وفقد القدرة على جماع النساء.
قال الله تعالى عن طريق الملك مجيبا زكريا عما تعجب منه: الأمر كما قلت، سنهب لك ولدا، على الرغم من العقم والهرم، هو علي سهل ميسور، إذا أردت شيئا قلت له: (كن) فيكون، وقد خلقتك ابتداء، وأوجدتك من العدم المحض، ولم تك شيئا قبل ذلك، فإيجاد الولد وتهيئة الرحم، من طريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه.
وهذا دليل على القدرة الإلهية التي لا نظير لها، فإن الله تعالى يسهل عليه كل شيء، وأمر الخلق من العدم أو من طريق التوالد ولو مع وجود الكبر والعقم، سواء في شأن القدرة الخالقة.
فقال زكريا متعرفا أمارة أو وقت البشارة بالمولود: يا رب اجعل لي علامة، ودليلا على وقت وجود الغلام المبشر به، وهو حمل امرأتي، لتستقر نفسي، ويطمئن قلبي بما وعدتني، لأن الحمل كما هو معروف خفي المبدأ، ولا سيما ممن انقطع حيضها في الكبر.
فأجابه الله تعالى مرة أخرى وحقّق مطلبه قائلا بواسطة الملك: علامتك على
стр. 1461
وقوع المطلوب المسؤول، وحصول البشر فعلا من الله سبحانه بحمل امرأتك بابنها يحيى: أن يعتقل لسانك، ويحبس عن الكلام، فلا تقدر على تكليم الناس، ومحاورتهم مدة ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي الخلق، ليس بك آفة أو مرض أو بكم أو علة تمنعك من الكلام. وذلك كما جاء في آية أخرى: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) [آل عمران: ٣/ ٤١] .
وقوله تعالى: «ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا» معناه صحيح الخلق، سوي من غير مرض ولا علة.
فخرج زكريا على قومه من المحراب: وهو مصلاه الذي بشّر فيه بالولد. وكان الناس ينتظرونه للصلاة في الغداة والعشي، فأشار إليهم إشارة خفية سريعة، ولم يستطع أن يكلمهم بذلك، مضمونها: أن يقولوا في الصباح والمساء في صلاتي الفجر والعصر: سبحان الله، وأن يذكروا الله، شكرا لله على ما أولاه، وقد كان أخبرهم بما بشّر به قبل ذلك. وفي الجملة: إن تعجب زكريا بهذه البشارة في قوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ليست شكا في قدرة الله تعالى على خلق الأشياء من غير مثال سابق، ولا إنكار لما أخبر الله تعالى به، وإنما كان ذلك على سبيل التعجب والانبهار من قدرة الله تعالى من ولادة ولد من أم عاقر وأب عجوز كبير.
نبوة يحيى ﵇ في عهد الصّبا
لا تكون النبوة أو الرسالة والتكليف بمهامها عادة إلا بعد سن الأربعين، ليكتمل العقل والوعي، والنضج الفكري، والكمال الجسدي والعاطفي، واستثناء من هذا المبدأ العام قد تكون النبوة ممنوحة من بداية الحياة، مثل عيسى، ﵇، إذ
стр. 1462
جعله الله رسولا، وهو في مهد الطفولة، ويحيى ﵇ الذي آتاه الله النبوة في عهد الصبا، كما جاء في قوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا.
لذا بدأ يحيى، ﵇، ممارسة مهام النبوة وهو صغير، فكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمّدهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد أخذ النصارى طريقته، وسموه: (يوحنا المعدان) .
قال الله تعالى محددا تكليف يحيى بالنبوة منذ الصغر:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [مريم: ١٩/ ١٢- ١٥] .
بعد أن ولد يحيى المولود السعيد الأسعد المبشر لزكريا ﵇ في سن الشيخوخة، قال الله للمولود: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ خاطبه الله تعالى بعد أن بلغ المبلغ المقبول أو المعقول الذي يخاطب به الإنسان، فقال له: يا يحيى خذ التوراة المتدارسة، والتي يحكم بها النبيون، والتي هي نعمة على بني إسرائيل، بجد واجتهاد، وعزيمة، وحرص على العمل بها.
ثم أورد الله تعالى ما أنعم به من نعم على يحيى ﵇ وعلى والديه ووصفه بسبع صفات وهي:
- آتيناه أو أعطيناه الحكم والفهم للكتاب والفقه في الدين، والإقبال على الخير، وهو صغير حدث، دون سبع سنين.
- وحنانا من لدنا، أي رحمناه رحمة من عندنا، وأشفقنا عليه وأحببناه، أو تعظيما من لدنا كما قال عطاء، أو جعلناه ذا حنان، أي رحمة وشفقة ومحبة.
стр. 1463
- وزكاة أي وجعلناه ذا زكاة، أي تطهير وتنمية في وجوه الخير والبر، أي مطهرا من الدنس والرجس والآثام والذنوب.
- وكان تقيا، أي متجنبا المعاصي، مطيعا الله تعالى.
- وبرأ بوالديه، أي وكثير البر والطاعة لوالديه، متجنبا عقوقهما قولا وفعلا، أمرا ونهيا، فهو مطيع لله ولأبويه.
- ولم يكن جبارا عصيا، أي لم يكن متكبرا على الناس، بل كان متواضعا لهم، ولم يكن مخالفا عاصيا ما أمره به ربه،
روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال:
قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا» .
وفي رواية أخرى عند الحاكم وغيره عن عبد الله بن عمرو: «كل ابن آدم يأتي يوم القيامة، وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا صلوات الله عليه» .
وتكميلا لهذه الأوصاف العالية السامية ليحيي ﵇، كان جزاؤه الحسن من الله تعالى هو: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
أي له الأمان من الله في هذه الأحوال الثلاثة: أمان عليه من الله يوم الولادة، فقد أمن مسّ الشيطان له في ذلك اليوم، ويوم الموت، حيث أمن عذاب القبر، ويوم البعث إذا أمن أهوال يوم القيامة وعذابه.
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت، فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، فأكرم الله يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال:
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.
قال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأشبه من الأمان لأن الأمان متحصل له، فيبقى العصيان عنه.
стр. 1464
نعمت هذه الخصائص لسيدنا يحيى بن زكريا ﵇، فإنه انفرد بها، وعظم بين الناس بسببها في حال حياته، وبعد استشهاده، لأن اليهود قتلوه مع أبيه زكريا، وهو الملقب بيحيى الحصور، روي أنه لم يواقع معصية صغيرة ولا كبيرة.
قال قتادة ﵀: (إن يحيى بن زكريا، ﵇، لم يعص الله قطّ بكبيرة ولا صغيرة، ولا هم بامرأة) .
وقال قتادة أيضا: وكان طعام يحيى صلوات الله عليه العشب، وكان للدمع في خدّه مجار ثابتة.
وكان يحيى ابن خالة عيسى ﵉، وقد التقيا، فقال يحيى لعيسى: «ادع لي، فأنت خير مني، فقال له عيسى: بل أنت ادع لي، فأنت خير مني، سلّم الله عليك، وأنا سلّمت على نفسي» .
حمل السيدة مريم بعيسى ﵇
إذا كان خلق يحيى ﵇ من أبوين كبيرين محل تعجب واستغراب، فإن هناك خلقا أعجب للناس، هو خلق عيسى ﵇ الطاهر النقي من غير أب، والخلق الأعجب من الأمرين: هو خلق آدم ﵇ أبي البشر من غير أب ولا أم، وكل ذلك داخل في مضمون قدرة الله الخارقة، الشاملة لإحداث الأشياء وإيجادها من غير مثال سبق، والحديث الآن عن الحالة الثانية وهي حمل السيدة مريم بابنها عيسى ﵇ من غير أب، قال الله تعالى:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٢٢]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢)
«١»
стр. 1465
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [مريم: ١٩/ ١٦- ٢٢] .
كل قصة في القرآن الكريم محل تأمل وإعجاب، وموضع تجليات لأيادي الرحمن، فيزداد أهل الإيمان إيمانا، بما أخبر الله، ويزداد أهل الشقاوة شقاء، بسبب انعدام التصديق والإيمان بكلام الله وخبره.
وهذه قصة عجيبة، افتتحت بمطالبة نبينا محمد ﷺ بأن يذكر للناس قصة مريم العذراء البتول ﵍، الطاهرة المطهرة من الدنس والرجس والفسق، حين اعتزلت الناس وأهلها، وابتعدت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس، لتتفرغ للعبادة والابتهالات الربانية، والتضرع بإخلاص وخشوع وفراغ قلب لله . ومن أجل اتجاه مريم لمكان شرقي اتخذ المسيحيون قبلتهم نحو الشرق.
فاستترت من الناس، واتخذت حاجزا بينها وبينهم، لئلا يروها حال العبادة، فأرسل الله إليها روح القدس جبريل ﵇، أمين الوحي، متمثلا بصورة إنسان تام الخلقة، لتأنس بكلامه، ولئلا تنفر من محاورته في صورته الملكية، فظنت أنه يريدها بسوء، كما رئي جبريل في صفة دحية الكلبي في حوار النبي ﷺ ، وفي سؤاله عن الإيمان والإسلام.
قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا، لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته، فأساءت به الظن: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ذا تقى. قال أبو وائل: علمت أن
стр. 1466
التقي ذو نهية «١» . سلكت معه مسلكا لينا يعتمد على العقل والتقوى والحكمة، فخوّفته أولا بالله ، والاستعاذة والتخويف لا يؤثران إلا في التقي. وهذا دليل على عفافها وورعها، حيث تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفاتنة.
فأجابها جبريل بالأسلوب الهادىء نفسه، مهدئا روعها، ومزيلا مخاوفها: لست أريد بك سوءا، ولكني رسول من عند الله الذي استعذت أو استجرت به، بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا، أي طاهرا من الذنوب، ينمو على النزاهة والعفة. وقد نسب الهبة لنفسه: لِأَهَبَ
لإجراء الأمر على يده، وبواسطته بأمر الله تعالى. وكأن نفخ الروح الذي فعله مجرد تعاط للأسباب، والحقيقة: أي ليهب لك الله.
فتعجبت مريم مما سمعت، وقالت لجبريل: كيف يكون لي غلام، وعلى أي صفة، يوجد هذا الغلام مني، ولست متزوجة ولم يقربني زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولم أك يوما بغيا، أي زانية، أو مجاهرة مشتهرة بالزنى، وأنا العذراء البتول، والقائمة بعبادة الله قياما مستقلا متفرغا.
فأجابها جبريل الأمين: إن الله قال: سيوجد منك غلاما، وإن لم يكن لك زوج، ولا من طريق الفاحشة، وليجعله الله آية أو علامة للناس على قدرته، حيث خلق آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى فقط، وخلق أغلب الناس من الزوجين: الذكر والأنثى. وليكون هذا الغلام رحمة من الله يبعثه لعباده، وطريق هدى لعالم كثير، فينالون الرحمة بذلك، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وكان هذا الأمر قد أبرم به القضاء الإلهي، وقدّره الله في سابق علمه، لا يتغير ولا يتبدل، أي إن الأمر قد قضي وانتجز، ولا مرد منه.
روي أن جبريل ﵇ حين قال لها هذه المقالة- نفخ في جيب درعها
стр. 1467
(فتحة قميصها) فسرت النفخة بإذن الله تعالى، حتى حملت منها. قال وهب بن منبّه وغيره:
فحملت الغلام بعد هذه النفخة الروحانية، فلما أحست مريم ﵍ بذلك، وخافت تعنيف الناس، وأن يظنّ بها البشر سوءا، انتبذت، أي تنحّت مكانا بعيدا حياء وفرارا، على وجهها.
ومكث الحمل في بطن السيدة مريم كالمعتاد الغالب، وهو تسعة أشهر قمرية، ليتغذى الطفل من دم أمه، ويتنشأ بعواطفه محبا غيورا عليها، متمسكا بانتمائه إليها، معتزا بارتباطه بها، يملأ جوانحه عاطفة الأمومة.
ولادة عيسى ﵇
إننا لنقدر عاليا تلك المشاعر الجياشة المؤلمة التي أحسّت بها السيدة مريم العذراء البتول، حين اقتراب ميعاد وضع حملها المبارك، وهي المرأة المنقطعة للعبادة، القائمة بحقوق الله تعالى على أتم وجه، وهي من بيت كريم ونسب شريف، إن الناس لا يعذرون من كان أقل شأنا أو رتبة من السيدة مريم، إذا ظهر عليها الحمل، وهي بكر، فما بالك بمريم؟! لقد عانت معاناة شديدة من ظهور بوادر المخاض، فماذا تعمل؟ إنها اعتصمت بالصبر، وادرعت بالإيمان المتين، وفوضت الأمر لله ربها، وتوكلت عليها، وهذه المشاعر الأليمة صوّرتها لنا الآيات التالية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٦]
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)
«١» «٢» «٣»
стр. 1468
«١» «٢» [مريم: ١٩/ ٢٣- ٢٦] .
بعد اكتمال مدة الحمل بعيسى في بطن أمه، اضطرها المخاض وألجأها وجع الولادة وألم الطلق إلى الاستناد إلى جذع نخلة، لتسهيل الولادة، فتمنت الموت قبل ذلك الحال، أو تكون شيئا متروكا محتقرا، أي جعلها في عداد المنسيين حيث لم تخلق ولم تك شيئا، استحياء من الناس، وخوفا من ظن السوء بها، دينا وخلقا وسمعة وسلوكا، وقد تظاهرت الروايات أنها ولدته لثمانية أشهر استثناء وخصوصية لعيسى ﵇ خلافا للمعتاد أنه لا يعيش ابن ثمانية أشهر.
قال ابن كثير: فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها- أي مريم- عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدّقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية.
في هذه الأزمة والتعرض لآلام المخاض واستناد مريم لجذع نخلة بال يابس ناداها من تحتها عيسى المولود- في رأي مجاهد والحسن وابن جبير وأبّي بن كعب- أو ناداها جبريل ﵇، في قول ابن عباس، من تحت الأكمة أو النخلة، قائلا لها: لا تحزني، فقد جعل ربك تحتك جدولا أو نهرا صغيرا، أجراه الله لتشربي منه.
والأصح أن عيسى هو المنادي، ليكون ذلك آية لأمه، وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم، فإنه يتبين به عذر مريم، ولا تبقى به استرابة، فلذلك كان النداء ألا يقع حزن.
стр. 1469
وأضاف المنادي قائلا: حركي جذع النخلة، تسقط عليك رطبا طريا طيبا، صالحا للاجتناء والأكل، من غير حاجة إلى تخمير وصناعة، وهذه آية أخرى، بقدرة الله.
قال الزمخشري: كان جذع نخلة يابسة في الصحراء، ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء. فكلي من ذلك الرطب، واشربي من ذلك الماء، وطيبي نفسا، ولا تحزني، وقري عينا برؤية الولد النبي، فإن الله قادر على صون سمعتك، والإرشاد إلى حقيقة أمرك. قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.
وتابع المنادي قائلا: فإن رأيت إنسانا يسألك عن أمرك وأمر ولدك، فأشيري له بأنك نذرت لله صوما عن الكلام، أي صمتا، بألا أكلم أحدا من الإنس، بل أكلم الملائكة، وأناجي الخالق.
ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر مريم- على لسان جبريل أو ابنها ﵉ بأن تمسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتتبين الآية والمعجزة، فيظهر عذرها. وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الكلمات التي في الآية: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا.
كان هذا الصوم صوما عن الطعام والكلام، لظرف خاص، فإن السكوت يوحي بوجود لغز في الموضوع، يستدعي استغراب الناس، ثم إدراك سبب الصيام عن الكلام بالذات. قال جماعة: أمرت مريم بهذا ليكفيها عيسى الاحتجاج.
أما في الأحوال العادية فلا يجوز في شرعنا الصوم عن الكلام، ولا يجوز في شرعنا أن ينذر أحد صوما عن الكلام، وكان ابن مسعود يأمر من فعل ذلك بالنطق والكلام.
стр. 1470
لكن من آداب الصوم الشرعي الإمساك عن الكلام القبيح،
قال النبي ﷺ فيما يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا كان أحدكم صائما، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم» .
كلام عيسى ﵇ في المهد
ظهرت معجزة عيسى ﵇ حينما نطق بعد ولادته، وهو مولود صغير، ما يزال في المهد والفراش، وكان ذلك خير دليل ألقى الطمأنينة في قلب أمه المحتارة والقلقة على هذا الحدث، فإنها علمت أن هذا الطفل يكفيها مهمة الحجاج والدفاع عن سمعتها، وأنه سيعرف عذرها، فتشجعت على المجيء لقومها وبلدها، وفي وسط اجتماعي عام نطق الطفل كالخطيب الفصيح، وهذا ما توضحه الآيات التالية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٧ الى ٣٣]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)
وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
«١» «٢» «٣» [مريم: ١٩/ ٢٧- ٣٣] .
روي أن مريم ﵍ لما اطمأنت بما رأت من الآية الباهرة، وهو نطق ابنها الوليد الطفل، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي الذي انتبذت فيه. وروي أن قومها خرجوا في طلبها، فلقوها وهي مقبلة.
أتت السيدة مريم بطفلها الوليد إلى قومها، بعد أن استسلمت لقضاء الله وأمره،
стр. 1471
وبعد أن برئت من نفاسها، منتقلة من المكان القصي البعيد، فلما رأوا الولد معها، حزنوا وأعظموا الأمر واستنكروه بشدة، وقالوا: يا مريم، لقد فعلت أمرا فريا عظيما شنيعا خارجا عن المألوف، وهو الولادة بلا أب، وكانوا أهل بيت صالحين.
يا أخت هارون أخي موسى، لأنها كانت من نسله، كما تقول لرجل من قبيلة: يا أخا فلانة. أو يا شبيهة هارون في العبادة، فليست مريم إذن أختا معاصرة لهارون أخي موسى، لأن بينهما في المدة ست مائة سنة. كيف تأتين بهذا؟ فلم يكن أبوك فاجرا عاصيا، ولم تكن أمك زانية بغيا.
والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة، فكيف جئت بها أنت؟
فأشارت مريم إلى عيسى الطفل الوليد أن يكلمهم، مكتفية بالإشارة لأنها نذرت الصوم عن الكلام، فقالوا لها متهكمين بها، ظانين أنها تهزأ بهم وتحتقرهم: كيف نكلم طفلا صبيا ما يزال في المهد، أي فراش الرضيع؟
وحينئذ ظهرت المعجزة الكبرى بنطق الرضيع، كأنه خطيب الجماهير، فوصف نفسه بتسع صفات، وهي:
- قال عيسى: إني عبد تام العبودية لله الكامل الصفات، الذي لا أعبد غيره، وهذا أول اعتراف بعبوديته لربه.
- آتاني الكتاب، أي أعطاني التوراة أو التوراة والإنجيل، وقدّر لي في الأزل أن أكون ذا كتاب.
- وقدّر لي أن أكون نبيا، وفي هذا تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، لأن الأنبياء عادة أطهار، ليسوا أولاد زنا.
- وصيرني الله مباركا، أي نافعا، قضّاء للحوائج، معلما للخير، هاديا إلى الرشاد في أي مكان وجدت.
стр. 1472
- وأوصاني، أي أمرني بأداء الصلاة التي تصل العبد بربه، وبإيتاء الزكاة التي هي طهرة للمال، وعون للفقير والمسكين، ما دمت على قيد الحياة.
- وجعلني بارا بوالدتي مريم، وأمرني ببرها وطاعتها والإحسان إليها بعد طاعة ربي لأن الله كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين. وهذا أيضا دليل واضح على نفي الزنا عنها، إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعظم مأمورا بتعظيمها. وقوله: (بوالدتي) بيان لأنه لا والد له، وبهذا القول برّأها قومها.
- ولم يجعلني الله جبارا شقيا، أي متعاظما مستكبرا عن عبادة ربي وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
- والسلام علي، أي والسلامة والأمان علي من كل سوء، يوم الميلاد، فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت، ولا أغواني عند الموت، ولا عند البعث، فأنا في أمان لا يقدر أحد على ضري في هذه الأوقات الثلاثة. وهذه الصفة أيضا إثبات منه لعبوديته لله ، وأنه مخلوق، من جملة خلق الله، الذي يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكنه موصوف بالسلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد.
وفي قصص هذه الآية- عن ابن زيد وغيره- أنهم لما سمعوا كلام عيسى ﵇، وهو في المهد، أذعنوا، وقالوا: إن هذا لأمر عظيم.
وروي أن عيسى ﵇ إنما تكلم في طفولته بهذه الآية، ثم عاد إلى حالة الأطفال، حتى نشأ على عادة البشر.
стр. 1473
حقيقة عيسى ﵇
تتفاوت أنظار الناس عادة في العظماء والقادة، فمنهم المبالغ الخارج عن الحق والحقيقة، إما بحسن نية أو بسوء نية، أو بغباء وجهل، ومنهم المعتدل في كلامه وإصدار أحكامه، وهذا شأن العلماء والعقلاء وأصحاب النظر السوي، حتى لو كانوا من العوام. ومن بين أولئك السادة الكبار الذين اختلف الناس في شأنهم عيسى ﵇، وها هو القول الحق فيه، من غير خروج على الواقع والمألوف، ويتبين ذلك في الآيات التالية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٤ الى ٤٠]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
«١» «٢» «٣» «٤» »
[مريم: ١٩/ ٣٤- ٤٠] .
المعنى: قل يا محمد لمعاصريك من أهل الكتاب: ذلك الذي هذه قصته المتصف بالأوصاف المذكورة في الآيات السابقة، هو عيسى ابن مريم، والكلام فيه هو القول الحق والوصف الصادق الذي لا شك فيه، وبه تتبين حقيقة عيسى ﵇، فهو بشر، لا إله، ولا ابن الإله، ولا ثالث ثلاثة، كما جاء في آية أخرى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء: ٤/ ١٧١] .
ولا يصح ولا يستقيم عقلا وفعلا أن يكون لله ولد، لأنه إله، لا حاجة له
стр. 1474
للولد، وهو حي أبدا لا يموت، تنزه وتقدس الله عن مقالتهم هذه، وعن كل نقص من اتخاذ الولد وغيره، إنه إذا أراد شيئا أوجده فورا، فإنه يأمر به، فيصير كما يشاء، بقوله: (كن) فيكون. فمن كان بصفة الألوهية الخالق المبدع، كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ لأن ذلك من أمارات النقص والحاجة.
ولقد أمر عيسى ﵇ أتباعه وقومه وهو في المهد بقوله: إن الله ربي وربّكم، فاعبدوه وحده لا شريك له، وهذا الذي جئتكم به عن الله هو الطريق القويم، الذي لا اعوجاج فيه، ولا يضل سالكه، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.
ثم أخبر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ عما آل إليه أمر عيسى ﵇، وهو أن بني إسرائيل اختلفوا أحزابا، أي فرقا، في عيسى، بعد بيان أمره وإيضاح حاله، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فويل، أي هلاك وعذاب شديد للذين كفروا بحقيقة عيسى، من مشهد يوم عظيم، هو مشهد يوم القيامة، حيث يجتمع الناس فيه، فيهلك الكافر الظالم، وينجو المؤمن العادل في نظرته وعقيدته.
وفي مشهد القيامة، ما أقوى سمع الكفار وأشد بصرهم، يوم يأتون إلى ربهم للحساب والجزاء، ويرون ما يصنع بهم من العذاب، فإن إعراضهم يومئذ يزول، ويقلبون على الحقيقة، حيث لا ينفعهم الإقبال عليها، وهم في الدنيا صم عمي، إذ لا ينفعهم النظر مع إعراضهم، ولكنّ هؤلاء الظالمين الكافرين يعرفون الحق في الآخرة، أما في الدنيا فهم في ضلال مبين، أي في متاهة واضحة وجهل مسلك بيّن في نفسه، وإن لم يتبين لهم.
ثم أمر الله نبيه بإنذار الكفار لهدايتهم وتحقيق مصلحتهم، ومفاد الإنذار: أنذر أيها الرسول الخلائق من المشركين وغيرهم، يوم الحسرة، أي التحسر فيه، فالمسيء
стр. 1475
يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير، حين يقضى الأمر، أي يفرغ من الحساب، وتطوى الصحف، ويفصل بين أهل الجنة وأهل النار، فيصير الأولون إلى الجنة، والآخرون إلى النار، ولكنهم الآن في الدنيا غافلون عما أنذروا به من أهوال يوم الحسرة والندامة، وغافلون عما يعمل بهم في ذلك اليوم، وعما يلاقونه من أهوال، وهم لا يصدّقون بالقيامة والحساب والجزاء. وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها، فيكون يوم الحسرة: هو يوم القيامة، ويكون الكفار من أول أمرهم في سخط الله وأمارته. وأعلمهم أيها الرسول بأن الله يرث الأرض ومن عليها، فلا يبقى بها أحد من أهلها، يرث الأموات ما خلّفوه من الديار والمتاع، ثم إلى الله يردون يوم القيامة، فيجازي كل واحد بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وإذا أدرك الناس أن سلطان الحساب والجزاء ينفرد به الله تعالى، وجب عليهم أن يعملوا في الدنيا بما وجههم إليه في القرآن الكريم، ولا يبقى هناك في الآخرة أمل لأحد في الإنقاذ والنجاة من غير طريق الله تعالى.
قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه
الصراع بين الأنبياء والرسل وبين أقوامهم من أجل إبطال عبادة الشرك والوثنية قديم من عهد نوح ﵇، وكان للرسل مواقف متعددة وأساليب مختلفة في الدعوة لتوحيد الله تعالى، والتخلص من عبادة الأصنام والأوثان لأنها عبادة باطلة لا تتفق مع الكرامة الإنسانية، ولا مع مقتضيات العقل والفكر السديد. وكان لإبراهيم أبي الأنبياء موقفان مشهوران في هذا الصدد: موقف مع قومه حيث دمر لهم الأصنام، وموقف مع أبيه حيث ناقشه بالحسنى، والسبب في تنبيه القرآن لهذين