وبعد أن برئت من نفاسها، منتقلة من المكان القصي البعيد، فلما رأوا الولد معها، حزنوا وأعظموا الأمر واستنكروه بشدة، وقالوا: يا مريم، لقد فعلت أمرا فريا عظيما شنيعا خارجا عن المألوف، وهو الولادة بلا أب، وكانوا أهل بيت صالحين.
يا أخت هارون أخي موسى، لأنها كانت من نسله، كما تقول لرجل من قبيلة: يا أخا فلانة. أو يا شبيهة هارون في العبادة، فليست مريم إذن أختا معاصرة لهارون أخي موسى، لأن بينهما في المدة ست مائة سنة. كيف تأتين بهذا؟ فلم يكن أبوك فاجرا عاصيا، ولم تكن أمك زانية بغيا.
والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة، فكيف جئت بها أنت؟
فأشارت مريم إلى عيسى الطفل الوليد أن يكلمهم، مكتفية بالإشارة لأنها نذرت الصوم عن الكلام، فقالوا لها متهكمين بها، ظانين أنها تهزأ بهم وتحتقرهم: كيف نكلم طفلا صبيا ما يزال في المهد، أي فراش الرضيع؟
وحينئذ ظهرت المعجزة الكبرى بنطق الرضيع، كأنه خطيب الجماهير، فوصف نفسه بتسع صفات، وهي:
- قال عيسى: إني عبد تام العبودية لله الكامل الصفات، الذي لا أعبد غيره، وهذا أول اعتراف بعبوديته لربه.
- آتاني الكتاب، أي أعطاني التوراة أو التوراة والإنجيل، وقدّر لي في الأزل أن أكون ذا كتاب.
- وقدّر لي أن أكون نبيا، وفي هذا تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، لأن الأنبياء عادة أطهار، ليسوا أولاد زنا.
- وصيرني الله مباركا، أي نافعا، قضّاء للحوائج، معلما للخير، هاديا إلى الرشاد في أي مكان وجدت.
стр. 1472
- وأوصاني، أي أمرني بأداء الصلاة التي تصل العبد بربه، وبإيتاء الزكاة التي هي طهرة للمال، وعون للفقير والمسكين، ما دمت على قيد الحياة.
- وجعلني بارا بوالدتي مريم، وأمرني ببرها وطاعتها والإحسان إليها بعد طاعة ربي لأن الله كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين. وهذا أيضا دليل واضح على نفي الزنا عنها، إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعظم مأمورا بتعظيمها. وقوله: (بوالدتي) بيان لأنه لا والد له، وبهذا القول برّأها قومها.
- ولم يجعلني الله جبارا شقيا، أي متعاظما مستكبرا عن عبادة ربي وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
- والسلام علي، أي والسلامة والأمان علي من كل سوء، يوم الميلاد، فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت، ولا أغواني عند الموت، ولا عند البعث، فأنا في أمان لا يقدر أحد على ضري في هذه الأوقات الثلاثة. وهذه الصفة أيضا إثبات منه لعبوديته لله ، وأنه مخلوق، من جملة خلق الله، الذي يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكنه موصوف بالسلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد.
وفي قصص هذه الآية- عن ابن زيد وغيره- أنهم لما سمعوا كلام عيسى ﵇، وهو في المهد، أذعنوا، وقالوا: إن هذا لأمر عظيم.
وروي أن عيسى ﵇ إنما تكلم في طفولته بهذه الآية، ثم عاد إلى حالة الأطفال، حتى نشأ على عادة البشر.
стр. 1473
حقيقة عيسى ﵇
تتفاوت أنظار الناس عادة في العظماء والقادة، فمنهم المبالغ الخارج عن الحق والحقيقة، إما بحسن نية أو بسوء نية، أو بغباء وجهل، ومنهم المعتدل في كلامه وإصدار أحكامه، وهذا شأن العلماء والعقلاء وأصحاب النظر السوي، حتى لو كانوا من العوام. ومن بين أولئك السادة الكبار الذين اختلف الناس في شأنهم عيسى ﵇، وها هو القول الحق فيه، من غير خروج على الواقع والمألوف، ويتبين ذلك في الآيات التالية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٤ الى ٤٠]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
«١» «٢» «٣» «٤» »
[مريم: ١٩/ ٣٤- ٤٠] .
المعنى: قل يا محمد لمعاصريك من أهل الكتاب: ذلك الذي هذه قصته المتصف بالأوصاف المذكورة في الآيات السابقة، هو عيسى ابن مريم، والكلام فيه هو القول الحق والوصف الصادق الذي لا شك فيه، وبه تتبين حقيقة عيسى ﵇، فهو بشر، لا إله، ولا ابن الإله، ولا ثالث ثلاثة، كما جاء في آية أخرى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء: ٤/ ١٧١] .
ولا يصح ولا يستقيم عقلا وفعلا أن يكون لله ولد، لأنه إله، لا حاجة له
стр. 1474
للولد، وهو حي أبدا لا يموت، تنزه وتقدس الله عن مقالتهم هذه، وعن كل نقص من اتخاذ الولد وغيره، إنه إذا أراد شيئا أوجده فورا، فإنه يأمر به، فيصير كما يشاء، بقوله: (كن) فيكون. فمن كان بصفة الألوهية الخالق المبدع، كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ لأن ذلك من أمارات النقص والحاجة.
ولقد أمر عيسى ﵇ أتباعه وقومه وهو في المهد بقوله: إن الله ربي وربّكم، فاعبدوه وحده لا شريك له، وهذا الذي جئتكم به عن الله هو الطريق القويم، الذي لا اعوجاج فيه، ولا يضل سالكه، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.
ثم أخبر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ عما آل إليه أمر عيسى ﵇، وهو أن بني إسرائيل اختلفوا أحزابا، أي فرقا، في عيسى، بعد بيان أمره وإيضاح حاله، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فويل، أي هلاك وعذاب شديد للذين كفروا بحقيقة عيسى، من مشهد يوم عظيم، هو مشهد يوم القيامة، حيث يجتمع الناس فيه، فيهلك الكافر الظالم، وينجو المؤمن العادل في نظرته وعقيدته.
وفي مشهد القيامة، ما أقوى سمع الكفار وأشد بصرهم، يوم يأتون إلى ربهم للحساب والجزاء، ويرون ما يصنع بهم من العذاب، فإن إعراضهم يومئذ يزول، ويقلبون على الحقيقة، حيث لا ينفعهم الإقبال عليها، وهم في الدنيا صم عمي، إذ لا ينفعهم النظر مع إعراضهم، ولكنّ هؤلاء الظالمين الكافرين يعرفون الحق في الآخرة، أما في الدنيا فهم في ضلال مبين، أي في متاهة واضحة وجهل مسلك بيّن في نفسه، وإن لم يتبين لهم.
ثم أمر الله نبيه بإنذار الكفار لهدايتهم وتحقيق مصلحتهم، ومفاد الإنذار: أنذر أيها الرسول الخلائق من المشركين وغيرهم، يوم الحسرة، أي التحسر فيه، فالمسيء
стр. 1475
يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير، حين يقضى الأمر، أي يفرغ من الحساب، وتطوى الصحف، ويفصل بين أهل الجنة وأهل النار، فيصير الأولون إلى الجنة، والآخرون إلى النار، ولكنهم الآن في الدنيا غافلون عما أنذروا به من أهوال يوم الحسرة والندامة، وغافلون عما يعمل بهم في ذلك اليوم، وعما يلاقونه من أهوال، وهم لا يصدّقون بالقيامة والحساب والجزاء. وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها، فيكون يوم الحسرة: هو يوم القيامة، ويكون الكفار من أول أمرهم في سخط الله وأمارته. وأعلمهم أيها الرسول بأن الله يرث الأرض ومن عليها، فلا يبقى بها أحد من أهلها، يرث الأموات ما خلّفوه من الديار والمتاع، ثم إلى الله يردون يوم القيامة، فيجازي كل واحد بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وإذا أدرك الناس أن سلطان الحساب والجزاء ينفرد به الله تعالى، وجب عليهم أن يعملوا في الدنيا بما وجههم إليه في القرآن الكريم، ولا يبقى هناك في الآخرة أمل لأحد في الإنقاذ والنجاة من غير طريق الله تعالى.
قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه
الصراع بين الأنبياء والرسل وبين أقوامهم من أجل إبطال عبادة الشرك والوثنية قديم من عهد نوح ﵇، وكان للرسل مواقف متعددة وأساليب مختلفة في الدعوة لتوحيد الله تعالى، والتخلص من عبادة الأصنام والأوثان لأنها عبادة باطلة لا تتفق مع الكرامة الإنسانية، ولا مع مقتضيات العقل والفكر السديد. وكان لإبراهيم أبي الأنبياء موقفان مشهوران في هذا الصدد: موقف مع قومه حيث دمر لهم الأصنام، وموقف مع أبيه حيث ناقشه بالحسنى، والسبب في تنبيه القرآن لهذين
стр. 1476
الموقفين أن إبراهيم أبو العرب، وكانوا معترفين بملته ودينه، فوّجه القرآن قريشا ومن على شاكلتهم إلى منهج إبراهيم في دعوته للتوحيد، من خلال حجاجه مع أبيه آزر، كما توضح الآيات التالية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٤٦]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [مريم: ١٩/ ٤١- ٤٦] .
هذه هي القصة الثالثة في سورة مريم بعد قصة زكريا ويحيى، وعيسى ومريم ﵈، وهي قصة إبراهيم في جداله العقلي مع أبيه الوثني، ذكرت القصة لأهداف كثيرة، تفيد في تأييد دعوة النبي ﷺ قومه في مكة لتوحيد الله، ونبذ عبادة الأصنام.
وفاتحة القصة: واذكر يا محمد الرسول إبراهيم الصدّيق النبي، خليل الرحمن، وأب الأنبياء، فإنه امتاز بقوته في الحق وتصديقه بآيات الله وصدقه في دعوته ورسالته. اذكره واتل خبره في القرآن في موقفه العظيم حين قال بلطف وعقل، وتقديم برهان مفحم لأبيه آزر: يا أبي، وإن كنت ابنك وأصغر سنا منك، قد بلغني من العلم القاطع والدليل الساطع من الله تعالى ما لم يبلغك، ولم تطلع عليه، فاتبعني في دعوتي لتوحيد الله رب العالمين، وترك الشرك والوثنية، أرشدك طريقا سويا مستقيما، موصلا لنيل المطلوب، منجيا من كل مكروه.
يا أبي العزيز، لا تطع الشيطان في عبادتك الأصنام، فإنه داع لعبادتها، وهو كثير العصيان لربه، مخالف أمره، مستكبر عن عبادته، حين ترك أمر الله في السجود لأبينا
стр. 1477
آدم ﵇، وقد لعنه الله وطرده من رحمته، وأبقاه لفتنة الناس، ليعرف المجاهد المؤمن المتخلص من وساوسه، والمنقاد لأباطيله.
يا أبي، إن أخشى أن يصيبك عذاب من الله على شركك وعصيانك لما أطلبه منك، فتكون بذلك مواليا للشيطان، وقرينا معه في النار، بسبب موالاته، وهذا تحذير شديد من الابن لأبيه من سوء العاقبة والمصير، وإنذار بالشر، حيث يتبع وساوس الشيطان وإغراءاته، ولا يكون له مولى ولا ناصر إلا إبليس، مع أنه لا سلطان له على شيء، ولا يستطيع حماية نفسه ولا غيره من عذاب الله، فيكون اتباع الشيطان مجلبة للضلال، وموقعا في العذاب، كما جاء في آية أخرى: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) [النحل: ١٦/ ٦٣] .
وعلى الرغم من هذا الأدب الجم وإيراد البراهين الدالة على بطلان عبادة الأوثان في نقاش إبراهيم لأبيه، أجاب الأب ابنه جوابا حادّا متسما بالإصرار والعناد، ومهددا بالقتل، فقال له: أمعرض أنت عن آلهتي الأصنام إلى غيرها يا إبراهيم، فإنك إن لم تنته عن ذلك الموقف وعن السب والشتم والتعييب، لأرجمنك بالحجارة أو لأشتمنك، وفارقني زمنا طويلا أو مدة من الدهر، روي أن آزر كان ينحت الأصنام وينجزها بيده ويبيعها ويحض عليها، فأقر ابنه إبراهيم أولا على رغبته عنها، ثم أخذ يتوعده.
لقد قابل الأب ابنه بالعنف، فلم يقل: يا بني، كما قال إبراهيم: يا أبت، وقابل وعظه الرقيق وبرهانه المقنع بالتهديد والوعيد بالقتل، أو الضرب بالحجارة، وفي ذلك إيناس للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه، وغلظة عمه أبي لهب، وعنجهية أبي جهل فرعون هذه الأمة.
стр. 1478
وهذا الموقف الإيجابي من إبراهيم والسلبي من أبيه: له فائدته الكبرى في حساب التاريخ، ولا سيما في عصرنا حيث تخلص أغلب البشر من رجس الوثنية والشرك، وظهر الحق، وبطل الباطل.
اعتزال إبراهيم ﵇ قومه
لما يئس إبراهيم الخليل من استجابة أبيه آزر لدعوة التوحيد وترك عبادة الأصنام، وعد أباه بالاستغفار له بناء على موعد سابق بالإيمان، واعتزل قومه، فوهب الله له ولدين نبيين إسحاق ويعقوب، رحمة من الله وفضلا، واستمر في هداية آخرين، لأن الرسول النبي لا يتوقف عن دعوته والقيام بواجبه، وهذا ما دونته الآيات الآتية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٧ الى ٥٠]
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
«١» «٢» [مريم: ١٩/ ٤٧- ٥٠] .
بعد أن هدد آزر ابنه إبراهيم ﵇ بالرجم بالحجارة، وطلب هجره والبعد عنه، قال إبراهيم قولا لطيفا لينا: سلام عليك سلام مسالمة ومفارقة أو وداع وترك، لا سلام تحية، فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، لحرمة الأبوة، سأدعو الله تعالى في أن يهديك، فيغفر لك بإيمانك، إن ربي متلطف بي، يكرمني، ويجيبني إذا دعوته، وإنما استغفر له إما قبل أن يوحى إليه أن الله لا يغفر لكافر، وإما لوعد سابق من الوالد أن يؤمن، كما جاء في قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: ٩/ ١١٤] .
стр. 1479
وتبين له أنه عدو لله إما بموته على الكفر، كما روي، وإما بأن أوحى الله إليه الختم على قلبه.
وقول إبراهيم عن ربه: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا شكر من إبراهيم ﵇ لنعم الله تعالى عليه.
ثم قرر إبراهيم ﵇ الهجرة إلى بلاد الشام، وأعلن أنه يعتزل قومه ويبتعد عنهم، ويهاجر بدينه عنهم وعن معبوداتهم، حين لم يقبلوا نصحه، وأعلن أيضا أنه يعبد ربه وحده لا شريك له، ويجتنب عبادة غيره، وقوله: وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي تعبدون. وأضاف قائلا: عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا أي لعلني لا أشقى بدعاء ربي، وفيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم وعبادتها. وقوله: (عسى) على سبيل التواضع وهو ترجّ، في ضمنه خوف شديد.
ثم أخبر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ عما عوّض به إبراهيم ﵇ لمّا رحل عن بلد أبيه وبلد قومه، ومضمون الخبر: لما اعتزل إبراهيم الخليل أباه وقومه، وترك أرضه ووطنه، وهجر موطن عبادة غير الله، وهاجر في سبيل الله من أرض نينوى بالموصل إلى أرض بيت المقدس، حيث يقدر على إظهار دينه، لما قام بهذه الهجرة أبدله الله خيرا من قومه، ووهب له ابنه إسحاق، وحفيده يعقوب بن إسحاق، وجعل الله كل واحد من إسحاق ويعقوب نبيا أقر الله بهما عينيه، فكل الأنبياء من سلالتهما، وكل الأديان تحترم إبراهيم وتحبه، وتحب إسحاق ويعقوب.
لذا أخبر الله تعالى عن مزيد فضله لآل إبراهيم، فقال: وأعطيناهم من فضلنا ورحمتنا النبوة والمال والعلم والمنزلة، والشرف في الدنيا والنعيم في الآخرة، كل ذلك من رحمة الله، وجعلنا لهم لسان صدق عليا، أي حققنا لهم الثناء الباقي عليهم آخر الأبد، كما قال ابن عباس ﵄. وذلك إجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام
стр. 1480
الذي قال: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء: ٢٦/ ٨٤] . وإنما قال:
(عليا) لأن جميع الملل والأديان والأمم والشعوب يثنون عليهم، ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وبما أن العرب من سلالة إبراهيم ﵇، وتدعي أنها على دين إبراهيم، ذكر الله تعالى لهم قصته، ليعتبروا ويتعظوا.
والتاريخ حافل بآثار إبراهيم وآل إبراهيم في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وتعظيمه، وفي حمل الناس على مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال. وعلى الرغم من مجابهة الأقوام لإبراهيم، فإن الله تعالى نفعه وعوّضه أولادا أنبياء، وذلك من أعظم النعم في الدنيا والآخرة.
خصائص موسى وإسماعيل ﵉
الأنبياء والرسل الكرام: هم الصفوة العليا المختارة من البشر، ليكونوا قدوة حسنة طيبة للناس في العقيدة والعبادة والأخلاق والسلوك والسمعة، وهذه القدوة لها تأثيرها البالغ في ترغيب الناس بدعوتهم، والانضمام تحت رايتهم، وقد ذكر الله تعالى صفات بعض الأنبياء في سورة مريم بنحو موجز، وهم موسى وهارون وإسماعيل وإدريس ﵈، ثم أبان ما تميزوا به من نعمة الله عليهم، وهذه آيات كريمة توضح لنا الصفة البارزة لموسى وهارون وإسماعيل ﵈، فقال الله تعالى:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥١ الى ٥٥]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
«١»
стр. 1481
«١» [مريم: ١٩/ ٥١- ٥٥] .
هذه نبذة طريفة عن خواص بعض الأنبياء، لتكون أنموذجا رائدا للقدوة الطيبة للعرب الجاهليين، بعد الحديث عن إبراهيم الخليل أبي الأنبياء وعن ذريته، ليحملهم هذا الوصف على اتباع خط النبوة ومنهج الأنبياء كلهم في توحيد الله، وترك عبادة الأصنام.
بدأ الحق تعالى هذه الآيات بذكر موسى بن عمران أحد الأنبياء أولي العزم، صلوات الله عليه، على جهة التشريف، وفي الآية أمر من الله تعالى بالحديث عن موسى، يتضمن: واذكر يا محمد الرسول في الكتاب المنزل عليك، واتل على قومك ما تميّز به موسى بن عمران من صفات خمس وهي:
- إنه كان مخلصا، أي مختارا مصطفى، ومطهرا من الآثام والذنوب، كما قال الله تعالى في شأنه: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف: ٧/ ١٤٤] .
- وكان نبيا رسولا، اجتمع له الوصفان من الرسل أولي العزم، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلّى الله عليهم وآلهم وسلّم، والرسول: كل من أوحى الله إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي: كل من أوحي إليه بشرع يخبر به عن الله قومه، وليس معه كتاب كيوشع ﵇.
- وكلمناه تكليما من جانب جبل الطور في سيناء عن يمين موسى وهو الأصح أو عن يمين الجبل نفسه، أثناء مجيئه من مدين متجها إلى مصر، فهو كليم الله بعدئذ، وصار رسولا نبيا، وأنزلنا عليه كتاب التوراة.
стр. 1482
- وقربناه نجيا: هو التقريب بالتشريف بالكلام والنبوة، أي أدنيناه إدناء تشريف وتقريب منزلة حتى ناجيناه أو كلمناه، فقوله تعالى نَجِيًّا من المناجاة في المخاطبة، جعلته في العالم الروحي قريب المنزلة من الله تعالى.
- ومنحناه من فضلنا ونعمتنا، فجعلنا أخاه هارون نبيا لكونه أفصح لسانا وألين عريكة، حين سأل موسى ربه أن يجعله نبيا قائلا: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) [طه: ٢٠/ ٢٩- ٣٢] . وفي آية أخرى طالب به حين إرساله لفرعون: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) [القصص: ٢٨/ ٣٤] .
قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا، قال الله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) .
قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى بأربع سنين.
ثم أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ أن يذكر في القرآن للعرب خبر وصفات إسماعيل ابن إبراهيم ﵉، الذي هو والد عرب الحجاز كلهم، وأب العرب اليوم، وهم اليمنية والمضرية، وصفاته أربع جعلته أيضا من بركة لسان الصدق والشرف المضمون بقاؤه على آل إبراهيم ﵇، وهو الذبيح في قول الجمهور:
إنه كان صادق الوعد، مشهورا بالوفاء بالعهد والوعد، فما وعد وعدا مع الله أو مع الناس إلا وفّى به، فكان لا يخالف شيئا مما يؤثر به من طاعة ربه. وصف بصدق الوعد لأنه كان مبالغا في ذلك.
روي أنه وعد رجلا في موضع، فجاء إسماعيل ﵇، وانتظر الرجل يومه وليلته، ثم جاء الرجل في اليوم الآخر، فقال له: ما زلت في انتظارك هنا منذ أمس.
- وكان رسولا نبيا جامعا بين هذين الوصفين كأبيه إبراهيم، وكموسى عليهم
стр. 1483
السلام، فكان رسولا إلى قبيلة جرهم في مكة، لتبليغهم شريعة إبراهيم، وإخبارهم بما أنزل الله تعالى. وهذا دليل على أنه لا يشترط إنزال كتاب مستقل لكل رسول.
- وكان إسماعيل يأمر أهله وأمته وعشيرته بالصلاة والزكاة، فهما فريضتان جوهريتان في كل ملة، فالصلاة لأداء حق الله تعالى، والزكاة لأداء حق العباد المحتاجين.
- وكان إسماعيل عند ربه مرضيا، أي رضيا زاكيا صالحا، مرضي العمل غير مقصر في طاعة ربه، فعلى المؤمن الاقتداء به.
صفة إدريس وبعض الأنبياء الآخرين
أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بأن يذكر لقومه العرب المكيين صفة إدريس وصفات بعض الأنبياء الآخرين من ذرية آدم ونوح، وإبراهيم وإسرائيل، ليعلموا ما امتاز به هؤلاء الصفوة المختارة من طاعة الله وعبادته ومبادرتهم للخضوع لعظمة الله والسجود له، وكثرة البكاء والنحيب خوفا من ربهم. وهذا وحده كاف لحمل الناس على التشبه بهم، والتزام منهجهم وطاعتهم، في رسالاتهم المكلفين بتبليغها، من أجل إسعاد البشر، وتحقيق الخير لهم. قال الله تعالى واصفا خصائص هؤلاء الأنبياء:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)
«١» «٢» [مريم: ١٩/ ٥٦- ٥٨] .
إدريس ﵇: هو من أجداد نوح ﵇، وهو أول نبي بعث إلى
стр. 1484
أهل الأرض، فيما روي، بعد آدم صلوات الله عليه، وهو أول من خط بالقلم، وكان خيّاطا، ووصفه الله تعالى بالصدق.
أمر الله نبيه محمدا ﵊ أن يذكر في القرآن صفة إدريس ﵇، ووصفه ربه بصفات ثلاث، وهي:
- إنه كان صدّيقا، أي كثير الصدق، قوي التصديق بآيات الله تعالى.
- وكان رسولا نبيا، جامعا بين الوصفين، موحى إليه بشرع، وأمر بتبليغه إلى قومه، وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة، كما في حديث أبي ذر.
- ورفعه الله مكانا عليا، أي أعلى قدره، وشرّفه بالنبوة، وجعله ذا منزلة عالية،
روى مسلم في صحيحة في حديث الإسراء والمعراج: «أن رسول الله ﷺ مرّ به في ليلة الإسراء، وهو في السماء الرابعة» .
وسبب رفع مكانته: أنه كان كثير العبادة، يصوم النهار، ويتعبد في الليل. قال وهب بن منبّه: كان يرفع لإدريس ﵇ كل يوم من العبادة مثلما يرفع لأهل الأرض في زمانه. لقب إدريس بذلك لكثرة درسه.
وبعد أن قص الله تعالى في سورة مريم قصص زكريا ويحيى وعيسى ومريم وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس، أخبر الله سبحانه أن أولئك المذكورين في هذه السورة، وجميع الأنبياء: أنعم الله عليهم بنعمة النبوة والقرب منه، وعظم المنزلة لديه، واختارهم واجتباهم من بين عباده، وهداهم وأرشدهم ليكونوا المثل الأعلى للبشرية، والأسوة الحسنة للناس جميعا، في عبادة الله وطاعته، والتأسي بطريقتهم ومنهجهم وأخلاقهم.
وأولئك الأنبياء: هم من ذرية آدم ﵇ أبي البشر الأول، ومن ذرية أولئك الفئة المؤمنة الذين حملهم نوح أبو البشر الثاني معه في السفينة، ما عدا إدريس
стр. 1485
عليه السلام الذي كان سابقا على نوح، ومن ذرية إبراهيم وهم إسحاق وابنه يعقوب، وإسماعيل ﵈، ومن ذرية نبي الله إسرائيل (أي يعقوب) وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم ﵈.
وهم أي الأنبياء أيضا من جملة من هداهم الله إلى الإسلام الذي هو الدين الحق المشترك بين جميع الأنبياء، وممن اختارهم للنبوة والكرامة والاصطفاء. وكانوا إذا سمعوا آيات الله المتضمنة حججه ودلائله وبراهينه وشرائعه المنزلة، سجدوا لربهم خضوعا لذاته، وانقيادا لأمره، وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة، وهم باكون خشية من الله ومن عذابه. والبكي: جمع باك.
وإذا كان جميع الأنبياء قد سجدوا لله تعالى، كان السجود مشروعا عند قراءة هذه الآية، لذا أجمع العلماء على شرعية سجود التلاوة هنا، اقتداء بالأنبياء، واتباعا لهم.
قال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن ماجه: «اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» .
حقا كان هؤلاء الأنبياء جميعا قدوة رفيعة صالحة، وأسوة حسنة للبشرية في سلامة العقيدة، وكثرة العبادة، وصحة الدين، ونقاوة الأصل، وطهارة النسب والمعدن، واستقامة المنهج والطريق، ورفعة الشأن والخلق.
ألا يجدر بالبشر العاديين أن يكونوا أتباعا لهؤلاء الأنبياء، لا لغيرهم في صحة الاعتقاد، وتقويم الخلق والسلوك، وتقديم أصلح النظريات لتقدم البشرية على منهج النبوة ووحي الإله.
стр. 1486
أحوال أتباع الأنبياء
كان الناس إزاء دعوات الأنبياء بأحوال مختلفة ومواقف متباينة، فمنهم من آمن برسالاتهم واتبع دعوتهم، ومنهم من جحد بها وعارضها، ومنهم المتوسط الذي آمن ولم يعمل، وصدّق ولم يلتزم. وهؤلاء هم العصاة والفسّاق، وهذا التنوع في اتّباع الأنبياء دليل على صدقهم لأن رسل الإصلاح لا يلقون عادة الاستجابة من جميع الناس، وهذا ما أبانته الآيات الكريمة:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٩ الى ٦٣]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [مريم: ١٩/ ٥٩- ٦٣] .
بعد أن وصف الله تعالى الأنبياء بالإنابة والطاعة والسجود لله والبكاء خوفا من الله، ذكر موقف الناس من هؤلاء الأنبياء، فإنهم لم يكونوا جميعا على المستوى المطلوب، لقد جاء خلف سوء من بعد الأنبياء ﵈، مخالفون وكافرون، ومقصرون وفسّاق، تركوا الصلاة المفروضة عليهم، وآثروا اتباع شهواتهم وأهوائهم بارتكاب المحرمات، على طاعة الله، فاقترفوا الزنى، وشربوا الخمر، وشهدوا شهادة الزور، ولعبوا القمار، بل وتأولوا النصوص عبثا ولهوا وجهلا، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها. فهؤلاء لهم جزاء شديد، إنهم سيلقون غيا، أي شرا وخيبة وخسارا يوم القيامة، لارتكابهم المعاصي، وإهمال الواجبات، فالغي: هو الخسران، والوقوع في الورطات، وإضاعة الصلاة: الكفر والجحود بها أو إهمالها وتأخيرها عن أوقاتها.
стр. 1487
لكن هناك استثناء، فمن هؤلاء المقصرين: من تاب مما فرط به من ترك الصلوات، واتباع الشهوات، فرجع قريبا إلى طاعة الله، وآمن به إيمانا قويا ثابتا، وعمل عملا صالحا، فأولئك يدخلون جنة ربهم، وتغفر لهم خطيئاتهم، لأن «التوبة- أو الإسلام- تجبّ ما قبلها» ولا ينقص من أجورهم شيء، وإن قل العمل، وتقدّمت السن، فضلا من الله ورحمة.
وأوصاف الجنات التي يحظى بها التائبون من ذنوبهم ثلاثة:
- إنها جنات عدن، أي إقامة دائمة، وعد الرحمن بها عباده بظهر الغيب، دون أن يروها، إن وعد الله لآت منجز لا يخلف. وقوله سبحانه: بِالْغَيْبِ. أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم، وفي هذا مدح لهم على سرعة إيمانهم وقرارهم إذ لم يعاينوا.
والمأتي: اسم مفعول مثل محكي. وقال جماعة من المفسرين: هو مفعول في اللفظ بمعنى: آت. والنظر الأول أصوب، كما قال ابن عطية.
- ولا يسمع العباد الأبرار أهل الجنة في الجنة لغوا، أي كلاما ساقطا، أو تافها لا معنى له، أو هذرا لا طائل تحته. لكن يسمعون سلاما: وهو تحية الملائكة لهم في كل الأوقات، والسلام يشعرهم بالأمان والاطمئنان، وهما منتهى الراحة والسعادة.
- وللعباد الأبرار رزق دائم في الجنة، يأتيهم ما يشتهون من الطعام والشراب مرتين في مقدار اليوم والليلة من الزمان، لأنه ليس هناك ليل ولا نهار، وإنما بمقدار طرفي النهار في الدنيا، أي بكرة وعشيا، وهو وقت الغداء صباحا، والعشاء مساء.
وقال مجاهد ﵀: «ليس بكرة ولا عشيا، ولكن يؤتون به، على ما كانوا يشتهون في الدنيا» . والتعبير بالبكرة والعشي لإفادة الدوام في الأوقات المرغوبة، وهذا خطاب بما تعرفه العرب وتستغربه من رفاهة العيش. وجعل ذلك عبارة عن أن
стр. 1488
رزقهم يأتي على أكمل الوجوه، وكثير من العرب كان يجد الطعام المرة في اليوم، وهي غايته، وكان أكثر عيشهم من شجر البرية، ومن الحيوان ونحوه.
تلك الجنة- والإشارة بتلك للتعظيم- بهذه الأوصاف الرائعة: هي التي يورثها الله الكريم عباده المتقين، وهم المطيعون لله في السراء والضراء، أي نجعلها حقا خالصا لهم كملك الميراث، كما قال الله تعالى في آية أخرى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ إلى أن قال: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) [المؤمنون: ٢٣/ ١- ١١] .
والخلاصة: إن تخصيص الجنة للمتقين الصالحين الأبرار هو بمثابة الميراث، حيث يتملك الورثة ما يؤول إليهم من التركة. والاختصاص بالشيء هو أغلى ما يتوقعه الإنسان.
الوحي والأمر بيد الله
الله تعالى صاحب الإرادة والمشيئة المطلقة، وبيده الأمر كله، بعلم الماضي والحاضر والمستقبل، ويفعل عادة ما فيه الخير والمصلحة للعباد، ولا يملك أحد من البشر إنزال الوحي أو تنزيله، وإنما تنزل الوحي بأمر الله سبحانه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يأمر الملائكة بالأمر المعين فيفعلونه، وليس للملائكة سلطان في تنزيل شيء، فهم يعملون وقتا بعد وقت، بما يريد الله ويشاء، على ما تقتضيه حكمته، وهذا موضوع الآيات التالية، قال الله تعالى:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
[مريم:
١٩/ ٦٤- ٦٥] .
стр. 1489
أخرج أحمد والبخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أبطأ جبريل في النزول أربعين، فذكر نحوه.
هذه الآيات تبين سبب تأخر الوحي أحيانا على النبي ﷺ ، جاءت بطريق الحكاية على لسان الملائكة. فبعد أن استبطأ رسول الله ﷺ نزول جبريل ﵇، أمر الله جبريل أن يقول: وما نتنزل نحن الملائكة بالوحي على الأنبياء والرسل، إلا بأمر الله بالتنزيل، على وفق الحكمة والمصلحة، وخير العباد في الدنيا والآخرة. ولا يتنزل القرآن إلا بأمر الله ﵎ في الأوقات التي يقدرها.
إن لله تعالى التدبير والتصرف في الكون، وأمر الدنيا والآخرة، وما بين ذلك من الجهات والأماكن والأزمنة الماضية والحاضرة والمستقبلة. فلا يقدم أحد من الملائكة على أمر إلا بإذن الله. والتنزل هنا: النزول على مهل، وقتا بعد وقت، وقوله سبحانه: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسل. كأن جبريل عنى نفسه والملائكة.
وما كان ربك يا محمد ناسيا لك، وإن تأخر عنك الوحي، ولا ينسى الله شيئا، ولا يغفل عن شيء، وإنما يقدم ويؤخر لما يراه من الحكمة. وهذه الآية تشبه مطلع سورة الضحى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضحى:
٩٣/ ١- ٣] .
روى ابن المنذر وغيره عن أبي الدرداء مرفوعا قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا» ثم تلا هذه الآية: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
وكيف ينسى الله شيئا، فهو سبحانه تام العلم، مالك كل شيء، فهو خالق
стр. 1490
السماوات والأرض ومالكهما وما بينهما، وهو المدبر والحاكم والمتصرف الذي لا معقّب لحكمه، فاثبت أيها النبي وكل مؤمن على عبادة ربك، واصطبر على العبادة والطاعة، وما فيهما من المتاعب والشدائد، ولا تنصرف عنها بسبب إبطاء الوحي، هل تعلم للرب مثلا أو شبيها، يكون أهلا للعبادة؟! فهو سبحانه الخالق والمدبر والرازق، والمنعم بأصول النعم وفروعها، من خلق الأجسام والحياة والعقل، وما يحتاجه الإنسان وغيره من الحاجات الدائمة والمؤقتة والمتكررة، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله سبحانه، ولا يتمكن أحد من تلبية الحاجات كلها إلا من كان دائم الذّكر والعلم، من غير نسيان شيء أو تضييع صالح كل شيء، وكفى بقوله تعالى:
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي لم يكن الله ممن يلحقه نسيان لإرسال أو تنزيل شيء على النبي في وقت المصلحة إليه، فإنما ذلك عن قدر له، أي فلا تطلب يا محمد الزيادة أكثر مما شاء الله.
والمراد بقوله سبحانه من نفي العلم: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا نفي الشريك على أي وجه، والاستفهام للإنكار، وهل بمعنى (لا) أي لا تعلم.
قال ابن عباس: ليس أحد يسمى (الرحمن) غيره ﵎ وتقدس اسمه.
والخلاصة: إن الله تعالى نفى النسيان عن نفسه مطلقا، أما الترك فلا ينتفي مطلقا، ألا ترى قوله ﵎: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: ٢/ ١٧] ، وقوله سبحانه: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: ١٨/ ٩٩] .
وقول الله سبحانه: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أمر بحمل تكاليف الشرع وإشعار بما فيها من صعوبة، كالجهاد والحج والصدقات، فهي شريعة تحتاج إلى اصطبار، أعاننا الله عليها.
стр. 1491
شبهة المشركين في إنكار البعث وجزاؤهم
يقدّر الإنسان الأشياء ويفهمها بمجرد عقله المحدود وبقدر طاقته وإمكانه، فيقع في الضلال والخطأ، ولا ينظر بمنظار أقوى أو أوسع من علمه وقدرته، وهذا في الواقع سبب إنكار المشركين البعث، لأنهم نظروا للأشياء نظرة مجردة، وضعيفة، وعاجزة، فرأوا أن تفتت الأجساد وصيرورتها مثل التراب، هل يتصور إعادتها ذاتها خلقا جديدا، ونسوا أن أصل خلق الإنسان من تراب، وأن الله على كل شيء قدير. وهذا ما تحكيه الآيات الآتية من شبهة المشركين في إنكار البعث مرة أخرى:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٦ الى ٧٢]
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [مريم: ١٩/ ٦٦- ٧٢] .
روي أن سبب نزول هذه الآية: هو أن رجالا من قريش كانوا يقولون هذا ونحوه. وروي أن القائل: هو أبي بن خلف، جاء إلى النبي ﷺ وقيل: إن القائل: هو العاص بن وائل.
والمعنى: ويقول الإنسان (اسم للجنس يراد به الكافرون) أي يقول الكافر المشرك منكر البعث متعجبا، مستبعدا حصوله بعد الموت: هل إذا متّ وأصبحت ترابا، سوف أخرج حيا من القبر، وأبعث للحساب؟! وأسند الكلام لكل مشرك كافر، وإن لم يقله إلا بعضهم، لرضاهم بمقالته.
стр. 1492
رد الله تعالى على هذا التساؤل، وأثبت بالدليل إمكان الإعادة فقال: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً. أي ألا يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه ومبدئه، فقد خلقناه من العدم، دون أن يكون شيئا موجودا، فيستدل بالابتداء على الإعادة، والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة.
ثم هدد الله منكري البعث تهديدا من وجوه قائلا:
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا. أي فو الله- وهو قسم من الله بذاته الكريمة- لا بد من أن يحشر الله جميع الإنس والجن والشياطين الذين كانوا يعبدون من دون الله، بأن يخرجهم ربهم من قبورهم أحياء، ويجمعهم إلى المحشر مع شياطينهم الذين أغووهم وأضلوهم، ثم ليحضرنهم حول جهنم بعد طول الوقوف، جاثمين قاعدين على الرّكب، لما يصيبهم من هول الموقف وروعة الحساب، كما قال الله تعالى: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً [الجاثية: ٤٥/ ٢٨] .
- ثم لننتزعن ونأخذن من كل فرقة دينية، أو طائفة غي وفساد أعصاهم وأعتاهم، وأكثرهم تكبرا وتجاوزا لحدود الله، وهم قادتهم ورؤساؤهم في الشر.
ثم لنحن أي (والله) أعلم بمن يستحق من العباد إصلاءه نار جهنم، وولوجه فيها، وتخليده في أنحائها، وأعلم بمن يستحق مضاعفة العذاب، كما قال سبحانه:
لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٧/ ٣٨] .
ثم أخبر الله تعالى عن نبأ عام: وهو ورود جميع الناس نار جهنم فقال: ما منكم من أحد من الناس إلا سوف يرد إلى النار، وهو المرور على الصراط، وهو حد فاصل بين الجنة والنار، كان ذلك المرور أمرا محتوما، قضى الله تعالى أنه لا بد من وقوعه لا محالة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: «يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم:
стр. 1493
قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرورا رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة «١» ، عليه حسك كحسك القتاد «٢» ، حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس» .
وبعد أن تمر الخلائق كلهم على الصراط والنار، ينجي الله الذين اتقوا دخول النار ولو بشق تمرة، واتقوا الكفر بالله ومعاصيه، ينجيهم ربهم من الوقوع في النار، ويبقى الكافرين والعصاة في النار، جاثين على الركب، لا يستطيعون الخروج.
شبهة المشركين بحسن الحال في الدنيا
يتهرب المشركون الوثنيون من مواجهة الواقع، لأغراض وأهواء ذاتية، فمرة يحتجون بفناء الدنيا وإنكار الآخرة، ومرة يعتمدون على شبهة كون الرسل بشرا، وأحيانا يزعمون أن حسن الحال في الدنيا، دليل على حسن الحال في الآخرة، فجاء الرد الإلهي القاطع بأن الكفار السابقين كانوا أحسن حالا في الدنيا وأكثر مالا، ولكن الله تعالى أهلكهم بعذاب الاستئصال، فليس نعيم الدنيا قرينة على محبة الله تعالى، ولا سوء الدنيا علامة على غضب الله تعالى، كما أن نعم الدنيا لا تنقذ الكافرين من عذاب الآخرة، قال الله تعالى واصفا شبهة حسن الحال في الدنيا:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٦]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)
стр. 1494
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [مريم: ١٩/ ٧٣- ٧٦] .
سبب نزول هذه الآية: أن كفار قريش، لما كان الرجل منهم يكلم المؤمن في معنى الدين، فيقرأ المؤمن عليه القرآن، ويبهره بآيات النبي ﷺ كان الكافر منهم يقول:
إن الله إنما يحسن لأحب الخلق إليه، وإنما ينعم على أهل الحق، ونحن قد أنعم علينا، فنحن أغنياء وأنتم فقراء، ونحن أحسن مجلسا وأجمل شارة، فهذا المعنى ونحوه هو المقصود بالتوقيف، في قوله تعالى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ وزعيم هذه المقالة: هو النضر بن الحارث وأشباهه من قريش، حينما رأوا أصحاب النبي ﷺ في خشونة عيش، ورثاثة ثياب، وهم في غضارة العيش، ورفعة الثياب.
ومعنى الآيات: وإذا تليت على الكفار المشركين آيات القرآن الكريم، واضحة الدلالة والبرهان، بينة المقصد والغاية، أعرضوا عن ذلك، وقالوا مفتخرين على المؤمنين: أي الفريقين (المؤمنين والكافرين) خير منزلا ومسكنا، وأكبر جاها وأكثر أنصارا؟ وقوله تعالى: وَأَحْسَنُ نَدِيًّا أي مجلسا، وهو مجتمع الرجال للحديث.
فرد الله تعالى عليهم شبهتهم بأنه كثيرا ما أهلكنا قبلهم من الأمم السابقة المكذبين رسلهم بكفرهم، وكانوا أحسن من هؤلاء متاعا ومنظرا.
стр. 1495
وقوله تعالى: أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً أي أكثر وأجمع مالا من الإبل والغنم والبقر ومتاع البيوت، وأحسن منظرا في نظر الناس من حيث الأبدان والألبسة وتنعمها ورفاهيتها.
والمعنى: أن مظاهر الثراء والنفوذ والكرامة عند الناس لا تدل بحال على حسن الحال عند الله، فقد أهلك الله المترفين، ونجّى الفقراء الصالحين. وهذا تهديد ووعيد لكل متوهم من العوام أن حسن الحال في الدنيا دليل على رضا الله وحسن الحال في الآخرة.
ثم أكد الله تعالى التهديد والوعيد بجواب آخر وهو: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدّعين أنهم على الحق، وأنكم على الباطل: من كان في الضلالة منا ومنكم، ومن كان يخبط في الدنيا على هواه، فإن الله تعالى جعل جزاءه أن يتركه في ضلاله وطغيانه، ويمهله فيما هو عليه، ويمده ويستدرجه بالنعم، ليزداد إثما، حتى يلقى ربه وينقضي أجله. حتى إذا ما شاهدوا رأي العين ما يوعدون به، إما العذاب في الدنيا بالقتل والأسر، كما حصل يوم بدر، وإما مجيء القيامة بغتة أو فجأة، وما يشتمل عليه من العذاب الأخروي، فحينئذ يعلمون من هو شر مكانا وأضعف جنودا، على عكس ما كانوا يظنون في الدنيا من خيرية المقام وحسن المجلس. أي إنهم سيصطدمون بالحقيقة وهي أنهم شر مكانا وأضعف جندا.
ثم قابل الله زيادة الضلال لأهل الضلالة، مع زيادة الهدى للمهتدين، وهو أن الله يزيد المهتدين إلى الإيمان توفيقا وهدى للخير لأن الخير يدعو للخير. وهذه مقارنة واضحة بين مصير المؤمنين وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ومصير الكافرين وشقاوتهم في الدارين.
والباقيات الصالحات: كل عمل صالح يرفع الله به درجة عامله من الفرائض وغيرها.
وروي عن النبي ﷺ : أنها الكلمات المشهورات:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
стр. 1496
مقالة منكر البعث استهزاء
قد يحمل العناد والاستبداد بعض المستكبرين، فيحملهم على طمس الحقائق، ومصادمة المنطق والواقع، ومجابهة أهل الحق والخير، ثم سرعان ما يتبدد غرورهم، وتنتهي أباطيلهم، وتنكشف أمامهم وفي أنظار غيرهم مواقفهم المزيفة، وتدمغهم الحقيقة، ويزهق الباطل، قال الله تعالى مبينا قصة أحد أكابر مجرمي مكة في تحديه لرسالة النبي ﷺ وإنكاره البعث والحشر استهزاء وطعنا في الدين:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٧ الى ٨٠]
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠)
«١» «٢» «٣» [مريم: ١٩/ ٧٧- ٨٠] .
سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) وغيرهم عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت رجلا قينا- حدادا- وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا، والله، لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ ، فقلت:
لا والله، لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا متّ ثم بعثت جئتني، ولي ثمّ مال وولد، فأعطيك، فأنزل الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.. الآية. هذا هو سبب النزول في رأي جمهور المفسرين، إنها نزلت في العاص بن وائل السهمي.
والمعنى: ألا أخبرك بقصة هذا الكافر الذي تجرأ على الله، وقال: لأعطيّن في الآخرة مالا وولدا، وثروة وعزا، وحرسا وحفظة.
وليس لهذا الأفاك المشرك أي دليل من الغيب أو عهد من الله، ودعواه إنما تصح إن اعتمد على أحد أمرين: إما علم الغيب، وإما عهد من الله، فهل اطلع على
стр. 1497
الغيب حتى يعلم أنه في الجنة، أو أخذ العهد الموثق من الله بذلك؟ وعهد الله: أن يدخل المؤمن الجنة إذا قال: لا إله إلا الله، وعمل الصالحات. وقوله سبحانه:
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ إشارة إلى أن الحصول على علم الغيب أمر صعب شاق لأن الله لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول.
ثم هدد الله تعالى هذا الكافر وأمثاله بقوله: كلا، وهي كلمة ردع وزجر لما قبلها، وتأكيد لما بعدها، ولم ترد في النصف الأول من القرآن، وهذه في سورة (مريم) أول ذكر لها. وقوله: (سنكتب) مع أنه يكتب من غير تأخير، لمحض التهديد من المتوعد.
والمعنى: ليس الأمر كما قال العاص بن وائل وأمثاله، بل سنحفظ ما يقول، فنجازيه في الآخرة، ونزيده عذابا فوق عذابه، ونمده بالعذاب مدا في الدار الآخرة على قوله ذلك، وكفره بالله في الدنيا، مكان ما يطلبه من المدد بالمال والولد، جزاء عمله، وسوف نميته ونرثه المال والولد الذي يقول: إنه يؤتاه، ونسلبه إياه، ويأتينا يوم القيامة فردا، لا مال له ولا ولد، مما كان معه في الدنيا لأنا نسلبه منه، فكيف يطمع أن نعطيه مالا وولدا؟! وهذا المعنى مقرر في آيات أخرى، مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام: ٦/ ٩٤] .
ومعنى قوله تعالى: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أي هذه الأشياء التي سماها، وقال: إنه يؤتاها في الآخرة، يرث الله ماله منها في الدنيا، بإهلاكه وتركه لها، فالوراثة معنوية، ويحتمل أن تكون خيبته في الآخرة كوراثة ما أمّل. وقال أبو جعفر النحاس:
وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ معناه: نحفظه عليه فنعاقبه، ومنه قول النبي ﷺ فيما
أخرجه ابن
стр. 1498
النجار عن أنس ﵁: «العلماء ورثة الأنبياء» «١»
وقوله سبحانه: وَيَأْتِينا فَرْداً يتضمن ذلته.
وفي الجملة: إن الاعتزاز القائم في الدنيا بالمال والولد لبعض الكفار لا ينفع في الآخرة أبدا، ويتبدل هذا الحال إلى حال أخرى وهي الذلة، والخراب، والفقر، والضياع لأن الإنسان في الآخرة لا يستفيد شيئا من مال الدنيا، وليس لابن آدم في الآخرة من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأبقى، يعني أن فائدة المال في الآخرة محصورة فيما قصد به وجه الله من الإنفاق في سبيل الله، أو التصدق به على المحاويج.
تعدد الآلهة عند المشركين
أخطأ المشركون خطأ بالغا حين اعتقدوا بتعدد الآلهة، وأن الأصنام والأوثان تكون لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من الهلاك، ومن أسوأ نتائج الشرك والتعدد: أن هذه الآلهة المزعومة ستكون أعداء لعبدتها، ومنشأ هذا الاعتقاد الفاسد: وسوسة الشيطان، ومع ذلك ترك الله تعالى الفرصة الكافية لهؤلاء المشركين، فلم يعجل لهم العذاب حتى يتداركوا الموقف، ويصححوا الاعتقاد، قال الله تعالى واصفا هذه العقيدة الوثنية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨١ الى ٨٧]
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥)
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)
«٢» »
«٤»
стр. 1499
«١» «٢» [مريم: ١٩/ ٨١- ٨٧] .
المعنى: اتخذ عبدة الأوثان آلهة من الأصنام وكل ما عبد من دون الله ﵎، ليكونوا لهم أنصارا وأعوانا وشفعاء عند ربهم يقربونهم إليه، ويحققون لهم المنفعة وغير ذلك من وجوه الخير.
ولكن ليس الأمر كما زعموا ولا كما طمعوا، كلا: زجر وردع وردّ، إن هذه الآلهة المزعومة ستتنكر لعبادة عبدتها الكفار، يوم ينطقها الله، وتتبرأ من العابدين، وتكون أعداء وأضدادا لهم وأعوانا عليهم، لا لهم، بخلاف ما ظنوا، فيقولون: ما عبدتمونا، كما جاء في آية أخرى: ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [القصص: ٢٨/ ٦٣] . وقوله سبحانه: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) [البقرة: ٢/ ١٦٦] .
هذه حال الكفار مع الأصنام، ثم ذكر الله تعالى حال الكفار مع الشياطين في الدنيا، فإنهم يسألونهم وينقادون لهم، فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) ، أي ألم تعلم أننا سلطنا الشياطين على الكفار، وخلينا بينهم وبينهم، ومكناهم من إضلالهم، فهم يحركونهم إلى فعل المعاصي، ويهيجونهم إلى الكفر والضلال ويغوونهم، كما قال الله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [الإسراء: ١٧/ ٦٤] .
فلا تتعجل يا محمد على هؤلاء، بأن تطلب تعذيبهم وإهلاكهم، بسبب تصميمهم على الكفر والضلال، إنما نعد لهم أوقاتا معدودة، ونؤخرهم لأجل معدود مضبوط،
стр. 1500
هو انتهاء آجالهم، وهم صائرون إلى عذاب الله ونكاله حتما، فليس بينك وبين عذابهم إلا أوقات محصورة ومعدودة، وكل آت قريب، كما جاء في آية أخرى:
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ١٤/ ٤٢] .
ثم وازن الله تعالى بين المتقين وبين المجرمين في وقت الحشر، وأبان أنه يفصل بين الفريقين فقال: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) أي واذكر أيها الرسول لقومك يوم نحشر جماعة المتقين وافدين ركبانا، إلى جنة الله ودار كرامته. والوفد:
القادمون ركبانا، مراكبهم من نور، من مراكب الدار الآخرة.
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) أي ونحمل المجرمين المكذبين على السير العنيف طردا إلى جهنم، مشاة عطاشا، كالإبل ترد الماء.
لا يملك أحد عند الله الشفاعة لغيره إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا: وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها، بأن كان صالح الاعتقاد والقول والعمل، وكان في الدنيا هاديا مصلحا. أما شفاعة الآلهة المزعومة: فهي مجرد أمنيات زائفة، وأوهام فارغة، فهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.
أي إن من كان له عمل صالح مبرّز يحصل به في حيز من يشفع. وقد تظاهرت الأحاديث: أن أهل العلم والفضل والصلاح يشفعون فيشفّعون،
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن قيس عن النبي ﷺ أنه قال: «في أمتي رجل يدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم» .
نسبة الولد لله تعالى
إن من أكبر الجرائم وأعظم الآثام جريمة الشرك باتخاذ شريك لله تعالى، ونسبة الولد لله ، فهذا من الإفك والقول المفترى، ومما يتصادم مع عظمة الله
стр. 1501
سبحانه وألوهيته وتنزهه عن الصاحبة والولد والشريك، وإذا كان الإله هو الخالق المبدع لجميع الأكوان والمخلوقات، فلا يعقل أن يكون لله ولد، إذ لا حاجة له إليه، إلا أن العقل الوثني وقع في هذا الإثم، فقال بعض مشركي العرب: الملائكة بنات الله، وزعم بعض الناس من الطوائف الدينية أن نبيا أو وليا صالحا هو ابن الله.
قال الله تعالى واصفا هذا الشذوذ المفترى:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩٥]
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢)
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥)
«١» «٢» «٣» [مريم: ١٩/ ٨٨- ٩٥] .
المعنى: وقال بعض أهل الكتاب: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وقال كفار من العرب: الملائكة بنات الله، هذان الفريقان زعموا أن لله ولدا، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ورد الله عليهم: لقد جئتم شيئا إدّا، أي شيئا منكرا عظيم الجرم والإثم.
تقارب السماوات أن تتشقق من هذا القول، وأن تتصدع الأرض وتتناثر أجزاؤها، وتسقط بصوت مرعب شديد، وتتهدم الجبال هدما خطيرا تتضعضع منه، لشدة نكرانه، إعظاما للرب وإجلالا له لأنهن مخلوقات على توحيد الله، وأنه إله واحد لا شريك له، ولا ندّ ولا نظير له، ولا ولد ولا مثيل، ولا صاحبة ولا زوجة له.
ويروي ابن جرير الطبري في تفسيره عن مجاهد، عن النبي ﷺ : أن هذه المقالة
стр. 1502
أول ما قيلت في العالم شاك الشجر، واستعرت جهنم، وغضبت الملائكة.
وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، لقوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) .
إن سبب هذه المقالة الخطيرة جدا أنهم نسبوا الولد إلى الله، ولا يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد، لجلال الله وعظمته، فإن هذا نقص، تعالى الله وتنزه عنه، لأن جميع الخلائق عبيد له.
وتأكيدا لإنكار هذه الفرية وإبطالها: كل واحد من الخلق من الملائكة والإنس والجن، لا بد له من أن يأتي إلى الله يوم القيامة عبدا خالص العبودية لله، مقرا بالحقيقة، خاضعا ذليلا، معلنا أنه مملوك لله، فكيف يكون أحد المخلوقات ولدا لله؟! قد علم الله عدد الخلائق، منذ خلقهم إلى يوم القيامة، وعدّ أشخاصهم وأحوالهم كلها، فهم تحت قهره وسلطانه وتدبيره، وكل واحد يأتي لربه في الآخرة بمفرده، لا ناصر له ولا مال معه، ولا مجير له إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وحكمه عادل عدلا مطلقا، لا يشوبه شيء من الظلم، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وقوله سبحانه عَدًّا في قوله وَعَدَّهُمْ عَدًّا توكيد للفعل وتحقيق له. وقوله : فَرْداً في قوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) يتضمن معنى قلة النصير والحول والقوة، فلا مجير له، مما يريده الله به.
إن هذه الآيات تقرر مبدأ جوهريا في العقيدة: وهو مبدأ توحيد الله، ونفي اتخاذ الله ولدا على جهة التنزيه لله عن ذلك. وتلتقي هذه الآيات في موضوعها مع سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، وهي: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ومع
حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري حيث قال هذا الصحابي: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1503
«يقول الله ﵎: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحدا» .
وفي حديث آخر عند الشيخين والترمذي عن معاذ، حيث كان رديف النبي ﷺ على حمار فقال له: «يا معاذ، تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا. قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتّكلوا» .
القبول لأهل الإيمان والصلاح
إن أساس الرضا والقبول، والود والمحبة هو شيء واحد، هو الطاعة، فالطاعة أساس لكل علاقة طيبة، كعلاقة الآباء بالأبناء، وعلاقة الأبناء بالوالدين، وعلاقة الزوجين، وعلاقة السادة والخدم، والعلاقات الاجتماعية. وكذلك تكون الطاعة من باب أولى مجلبة لرضا الله تعالى، وقبول الأعمال، وعقد أواصر الود والمحبة بين الله وعباده. ويخطئ كثير من الناس حين يزعمون: أن الله يحبهم أو أنهم يحبون الله ورسوله، ثم تجدهم مبتعدين عن ساحة الطاعة لأوامر الله والرسول، فكيف يصح هذا عقلا وشرعا؟ هذا ما عبرت عنه الآيات الكريمة:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٦ الى ٩٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)
«١»
стр. 1504
«١» «٢» «٣» «٤» [مريم: ١٩/ ٩٦- ٩٨] .
هذه خاتمة سورة مريم التي ذكر فيها قصص عدد من كبار الأنبياء المشهورين كزكريا ويحيى وعيسى وموسى وهارون ﵈، وذكر فيها أحوال الكفار والمشركين في الدنيا والآخرة، وتوّجت هذه السورة ببيان أحوال المؤمنين الصالحين، وهي ما يأتي:
إن الذين آمنوا وصدقوا بالله ورسله، وبخاتم النبيين محمد عليهم الصلاة والسلام، وعملوا صالح الأعمال: من أداء الفرائض والتطوعات، وأحلوا الحلال، وحرموا الحرام، وفعلوا ما يرضي الله تعالى، سيغرس الله محبتهم في قلوب الصالحين، ويضع القبول في النفوس لمن يحبه الله من عباده.
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا، نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض. وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل: إني قد أبغضت فلانا، فينادي في السماء، ثم ينزل له البغضاء في الأرض» .
التقت الآية والحديث في غرس أصل الود والمحبة في القلوب في الأرض والسماء لأولئك المؤمنين أهل الصلاح والتقوى والعمل الصالح. وطريق الصلاح والاستقامة: هو اتباع منهج القرآن وحكمه، ومعرفة ما في القرآن من آداب، وأحكام وشرائع: سهل يسير، لسهولة تلاوته وفهم مضمونه. وقد يسر الله القرآن للنبي بإنزاله على قلبه بلغة قومه: وهي اللغة العربية، وفصّله وسهّله، لتبشير المتقين
стр. 1505
المستجيبين لله في أمره ونهيه، والمصدقين لرسوله، بأن لهم الجنة بالطاعة والخضوع، وللقرآن مهمة أخرى: وهي إنذار القوم الألداء، المتميزين بشدة الخصومة والجدل بالباطل، المنحرفين عن جادة الحق، الوالغين في مستنقع الباطل، بأن لهم النار بالكفر والعصيان. وبكلمة موجزة: إنهم قوم لدّ، أي فجرة ظلمة،
جاء في حديث عائشة عند البخاري: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»
وهو الذي يخاصمك ويجادلك بالباطل.
ومن أجل حمل الناس على طاعة الله ورسوله، أخبر الله تعالى عما فعل بالأقوام الظالمين، الذين عصوا الله والرسل، واتبعوا أهواءهم، فكثيرا ما أهلك الله قبل مشركي العرب من الأمم والجماعات من الناس لكفرهم بآيات الله وتكذيب رسله، فهل تجد أو ترى منهم أحدا أو تسمع لهم صوتا بعد هذا الإهلاك. وقوله سبحانه «من قرن» القرن: الأمة. والركز: الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم، وإنما هو صوت الحركات وخشفها، والخشف: الحركة والحس.
إن وصف الله تعالى معارضي القرآن الكريم بأنهم قوم لدّ: أشداء في الخصومة والجدال بالباطل، يدل على غاية السوء والإنكار، فهذه صفة سوء بحكم الشرع والحق، لذا قسا الله عليهم بالوعيد، والتمثيل بإهلاك من كان أشدّ منهم، وألدّ وأعظم، قدر ما كان يسرهم في أنفسهم من الوصف بكلمة «لدّ» فإن العرب بجهالتها وعتوها وكفرها كانت تتمدح باللّدد، وتراه إدراكا وشهامة، وهو في الواقع قسوة وهمجية، فمثّل الله لهم بمثل ليعتبروا ويتعظوا بإهلاك من قبلهم، ليحتقروا أنفسهم، ويتبين صغر شأنهم.
إن إهلاك من قبلهم من العتاة الأشداء كان إبادة تامة، عبّر عنها القرآن الكريم بأنهم لم يبق لأحد منهم كلام أو تصويت بوجه من الوجوه، فهل يعتبر كفار قريش وغيرهم إذا بقوا على معارضة النبي ﷺ في دعوته ورسالته؟!
стр. 1506
تفسير سورة طه
صفة القرآن ومنزله
أنزل الله تعالى القرآن الكريم تذكيرا للبشرية وتقويما لاعوجاج الناس، وحملا لهم على التزام جادة الاستقامة، والذي أنزل القرآن: هو خالق الأرض والسماء، وهو الرحمن صاحب العرض الأعظم، وله السلطان المطلق على جميع ما في السموات والأرض وما بينهما، له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، الإله الواحد الأحد، العالم بالسر والعلن، وبما هو أخفى من السر: وهو حديث القلب والنفس، ومن كان بهذه الصفات، كان جديرا بالناس المخاطبين بكلامه التزام أمره ونهيه، والعمل بدستوره لإسعاد أنفسهم، قال الله تعالى مبينا هذه المعاني في أوائل سورة طه المكية:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)
«١» «٢» «٣» [طه: ٢٠/ ١- ٨] .
اختصت كلمة طه بأقوال تختلف عن بقية حروف المعجم التي بدئ بها بعض من سور القرآن، منها: أن طه اسم من أسماء محمد ﷺ ، وهو قول مقبول، لأن ما بعد طه لا يصح أن يكون خبرا عنها (طه) : حروف ط، ها. واختصت أيضا
стр. 1507
بأن أكثر فواصل الآيات (أواخرها) جاءت بالألف المقصورة، وأحيانا بالياء المنقوصة، وهذا من سمو البلاغة، وللتأثير القوي على النفوس.
وسبب نزول هذه الآية: إنما هو ما كان عليه رسول الله ﷺ ، يتحمله من مشقة الصلاة، حتى كانت قدماه تتورمان، وتحتاجان إلى الترويح، فقيل له: طأ الأرض، أي لا تتعب حتى لا تحتاج إلى الترويح (أي الوقوف على قدم وإراحة الثانية من التعب) .
يا طه، لم ننزل القرآن عليك لتتعب نفسك بسبب تأسّفك عليهم وعلى كفرهم، فإن إيمانهم ليس إليك، بل أنزلناه لتبلّغ وتذكّر، فحسبك التبليغ والتذكير، ولا تلتفت بعدئذ لإعراض المعاندين، ولا ترهق نفسك وتتعبها بحملهم على قبول دعوتك.
وما أنزلناه إلا تذكرة لتذكّر به من يخاف عذاب الله، وينتفع بما سمع من كتاب الله الذي جعلناه رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة، وليس عليك جبرهم على الإيمان، كما جاء في آية أخرى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى: ٤٢/ ٤٨] ، وآية لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) [الغاشية: ٨٨/ ٢٢] .
وفي هذا إيناس للنبي ﷺ على إعراض قومه عن دعوته، وضيق نفسه على تصميمهم على الكفر.
وهذا القرآن المنزل عليك يا محمد: إنما هو تنزيل من خالق الأرض والسموات العلى، والمراد جهة السفل والعلو، الأرض بانخفاضها وكثافتها، والسماوات في ارتفاعها ولطافتها. والمراد بالآية: إخبار العباد عن كمال عظمة منزل القرآن، ليقدروا القرآن حق قدره.
ومنزل القرآن: هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها، وهو الذي استوى على العرش، وهو استواء نؤمن به من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تأويل، وبلا كيف ولا انحصار.
стр. 1508
والله منزل القرآن هو أيضا مالك السماوات والأرض وما بينهما من الموجودات، ومالك كل شيء ومقدّره، ومدبّره ومتصرف فيه، ومالك ما تحت التراب من الكنوز والمعادن وبقية الأشياء، فله الكون كله ملكا وتدبيرا وتصرفا.
والله تعالى عالم بالجهر والسر، وما أخفى منه مما يخطر بالبال، أو يجري من خواطر القلب وأحاديث النفس، فالله عالم بكل ذلك، وعلمه سواء، لا يختلف فيه السر عن الجهر.
وإن صفات المجد والكمال المتقدمة: هي لله المعبود الحق، الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وله أحسن الأسماء والصفات الدالة على كل الكمال، والتقديس والتمجيد.
ومن كانت هذه صفاته، وجب تعظيمه وتقديسه، وإفراده بالعبادة، والطاعة، والتزام أمره ونهيه، لأنه سبحانه لا يريد ولا يفعل إلا الخير والمصلحة لعباده، فما أجدرهم بتقبل وجه المصلحة، والبعد عن المضرة والمفسدة.
مناجاة موسى ربه
اختص كل نبي ببعض المعجزات الخارقة للعادة لتكون دليلا على صدقهم، منها معجزات مادية وأخرى معنوية أدبية، وقد اختص موسى ﵇ بصفة كونه كليم الله في عالم الدنيا في الوادي المقدس طوى، وهي صفة عظيمة بتقدير الله وإحسانه وإعداده، والله إذا أراد شيئا هيّأ أسبابه، ووطّد أركانه ودعائمه، لذا حقّ أن تذكر هذه الحادثة العظيمة، ليتأمل بها أعداء الأديان، وتبقى أثرا حيا موقظا للإيمان في قلوب المؤمنين ومشاعرهم، وهذا ما نصت عليه آي القرآن الآتية:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٦]
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)
«١»
стр. 1509
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [طه: ٢٠/ ٩- ١٦] .
هذا الاستفهام: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) تنبيه النفس إلى ما يورد عليها، وهذا كما تبدأ الرجل إذا أردت إخباره بأمر غريب، فتقول: أعلمت كذا وكذا؟ ثم تبدأ تخبره. فالبدء بالاستفهام لتثبيت الخبر وتقريره في نفس المخاطب. أي وهل بلغك خبر موسى وقصته مع فرعون وملئه، وكيف كان ابتداء الوحي إليه، وتكليمه إياه؟ وذلك حين رجع موسى إلى مصر بعد زواجه بابنة شعيب ﵇ ورعيه أغنامه عشر سنوات.
هل أتاك خبر موسى حين رأى نارا، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة، لما خرج مسافرا من مدين إلى مصر. فقال موسى لزوجه وولده وخادمه مبشرا لهم: امكثوا في مكانكم، إني رأيت نارا من بعيد، لعلي أوفيكم منها بشعلة مضيئة أو بشهاب أو جذوة من النار، كما في آية أخرى، لعلكم تستدفئون بها، بسبب وجود البرد، أو أجد عند النار من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها.
فلما أتى موسى النار التي آنسها، واقترب منها، نودي من قبل الله تعالى: يا موسى، إن الذي يكلمك ويخاطبك هو ربك، فاخلع حذاءك لأن ذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف والتكريم وحسن الأدب، إنك بالوادي المطهر المسمى، (طوى) من أرض سيناء.
стр. 1510
وأنا الله الذي اخترتك للرسالة والنبوة، فاستمع سماع قبول واستعداد ووعي لما ينزل عليك من الوحي. إنني أنا الله الذي لا إله غيري، فوحّدني وقم بعبادتي من غير شريك، لأن اختصاص الألوهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة.
وأدّ يا موسى الصلاة المفروضة المأمور بها كاملة الأركان والشروط، لتذكرني فيها، وتدعوني دعاء خالصا إلي. وخصّ الصلاة لله بالذكر، لكونها أشرف طاعة، وأفضل عبادة.
أخرج الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» .
وملتقى جميع الجهود البشرية والبشر هو يوم القيامة، لذا أعقب الله تعالى إعلان التوحيد وإيجاب الصلاة بالإخبار عن مجيء الساعة، أي القيامة، فذكر أن الساعة قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها، أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها غيري، فاعمل لها الخير، من عبادة الله والصلاة، ولأن مجيء الساعة أمر حتمي لازم، لأجزي كل عامل بعمله، ولتجزى كل نفس بما تسعى فيه من أعمالها.
والله أخفى الساعة، أي القيامة، وأخفى أجل الإنسان، ليعمل الإنسان بجد ونشاط، ولا يؤخر التوبة، ويترقب الموت كل لحظة، فكلمة أَكادُ أُخْفِيها أي أقارب، و (أكاد) زائدة لمعنى، أي إن الساعة آتية أخفيها لحكمة تقتضي ذلك.
أشهر معجزتين لموسى ﵇
كان موسى ﵇ من الرسل أولي العزم وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد أيد الله موسى لإثبات نبوته أمام قومه بني إسرائيل بمعجزات كثيرة، أهمها انقلاب العصا حية، واليد البيضاء التي تشع