← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وليس الجماد أو الحيوان الذي لا يضر ولا ينفع، وهذا ما دوّنته الآيات التالية، قال الله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٠ الى ٩٨] وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [طه: ٢٠/ ٩٠- ٩٨] . هذا حوار حادّ بين موسى وهارون ﵉ وموسى السامري الذي اخترع عبادة العجل، وكان هارون في أثناء غيبة أخيه موسى، قال لقومه الذين تورطوا في عبادة العجل أول الأمر: إنما هو فتنة وبلاء وتمويه من السامري، وإن ربكم الرحمن الذي له القدرة والعلم والخلق والاختراع، فاتبعوني إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه، وأطيعوا أمري فيما ذكرته لكم. فقال بنو إسرائيل حين وعظهم هارون ﵇، وندبهم إلى الحق. لن نبرح عابدين لهذا الإله، عاكفين عليه، أي ملازمين له حتى يعود إلينا موسى. والعكوف: الانحناء على الشيء من شدة ملازمته.

стр. 1542

قال موسى لهارون حين رجع بعد تكليم ربه في الميقات: ما الذي منعك من اتباعي إلى جبل الطور، واللحوق بي مع الباقي من المؤمنين، فتخبرني بهذا الأمر، أول وقوعه؟ كيف خالفت أمري لك بالقيام لله، ومنابذة من خالف دينه؟ وكيف أقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها؟ قال هارون مجيبا أخاه موسى ﵉: إني خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يقتتلوا ويتفرقوا، فتقول: إني فرقت جماعتهم لأنه لو خرج لتبعه جماعة منهم، وتخلّف مع السامري عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم، وحينئذ تقول: لم تعمل بوصيتي لك فيهم ولم تحفظها، وهي قوله المتقدم: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ. ثم كلم موسى ﵇ موسى السامري رأس الفتنة، موبخا ومستنكرا: ما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال السامري: رأيت جبريل الرسول حين جاء لهلاك فرعون على فرس، فأخذت قبضته من أثر فرسه- والقبضة: ملء الكف بأطراف الأصابع، وكان ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حيا- فطرحتها في الحلي المذابة المسبوكة على صورة العجل، فصنعت لهم تمثال إله، حينما رأيتهم يطلبون منك أن تجعل لهم إلها كإله المصريين عبدة الأصنام. وكما زينت لي نفسي السوء، زينت لي وحسّنت هذا الفعل بمحض الهوى. فأخبره موسى بجزائه في الدنيا والآخرة فقال: اذهب يا سامري، فعقوبتك في الدنيا أن تصير منبوذا، وتذهب من بيننا وتخرج عنا، وأن تقول ما دمت حيا: لا مساس بيني وبين أحد. وعقوبتك في الآخرة: أن لك موعدا للعذاب، لا يخلفه الله، بل سينجزه، وهو يوم القيامة. وأما إلهك المزعوم الذي اتخذته معبودا ولازمت عبادته: لنحرقنه تحريقا بالنار، ثم لنبددنّه في البحر، وننسفه نسفا شديدا.

стр. 1543

ثم قال موسى لقومه: إن هذا العجل الذي فتنكم به السامري ليس بإله، إنما إلهكم الله، الذي لا إله إلا هو، فهو سبحانه المستحق للعبادة، ولا تصح العبادة إلا له، فكل شيء مفتقر إليه، وعبد له، وهو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. جزاء المعرضين عن القرآن الكريم القرآن العظيم: هو كتاب حق وهداية، ونور وإسعاد للبشرية، فمن عمل به فاز، ومن أعرض عنه خاب وخسر، وتعرّض لألوان العذاب والعقاب يوم القيامة لأن الله تعالى خالق الخلق ورازق الأمم والأفراد أراد أن ينظم لهم حياتهم، فأنزل القرآن من أجل التنظيم الحياتي والحياة السعيدة، ويكون المعرض عن القرآن مؤثرا الحياة الفوضوية، والأهواء التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى الدمار والخراب. قال الله تعالى واصفا جزاء المعرضين عن آي القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٩ الى ١٠٤] كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤) «١» «٢» «٣» «٤» [طه: ٢٠/ ٩٩- ١٠٤] . هذه الآيات الشريفة مخاطبة للنبي محمد ﷺ ، أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل في خبر العجل وعبادتهم له، كذلك نقص عليك أخبار الأمم السابقة، كما

стр. 1544

وقعت، من غير زيادة ولا نقصان، لتكون عبرة وعظة، وذات فائدة في فهم ظروف الأحداث الجديدة، وأحوال الأمة في معاداة رسولها. وقد أعطيناك من عندنا ذكرا، وهو القرآن المجيد، لتتذكر به على الدوام، ولأنه لم يعط نبي من الأنبياء قبلك مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر المتقدمين غيره، وفيه صلاح الدين والدنيا والآخرة، ويكون المراد من كلمة (الذكر) القرآن. وكل من كذب بالقرآن وأعرض عن اتباعه، فلم يؤمن به، ولا عمل بشرائعه وأحكامه، وابتغى الهدى في غيره، فإن هذا المعرض يتحمل إثما عظيما، ويتعرض لعقوبة ثقيلة يوم القيامة، بسبب إعراضه عن كتاب الله، كما جاء في آية أخرى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود: ١١/ ١٧] . والإعراض عن القرآن يشمل كل من بلغه هذا الكتاب، من العرب والعجم من أهل الكتاب وغيرهم من الوثنيين والماديين، وأصحاب النّحلات والملل، والمذاهب الفاسدة، والعقائد الباطلة. ويكون أولئك المعرضون عن القرآن خالدين ماكثين على الدوام في الجزاء الأخروي، وهو النار لا محيد لهم عنه، وبئس الحمل الذي حملوه حملهم من الأوزار والأثقال، جزاء إعراضهم. إن يوم القيامة: هو اليوم الذي ينفخ فيه في الصور النفخة الثانية، نفخة البعث التي يحشر الناس بعدها للحساب، وفي هذا اليوم يجمع المجرمون أيضا: وهم المشركون والعصاة، سود الألوان، زرق العيون والأبدان، كلون الرماد، وهذا غاية التشويه والإساءة، علامة على سوء أحوالهم، وإنذارهم بسوء الحساب والعقاب، وما يتعرضون له من الأهوال العظام. هؤلاء المجرمون المحشورون على أسوأ حال ولون يتخافتون، أي يتسارون فيما

стр. 1545

بينهم، في مدة البقاء في الدنيا، فيقول بعضهم لبعض: ما لبثتم في الدنيا إلا قليلا بمقدار عشرة أيام أو نحوها، إنهم يجدون مدة بقائهم في الدنيا أو القبور قصيرة جدا، إذا قورنت بأيام الآخرة، فقوله تعالى عن المجرمين: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ يتسارّون، والمعنى: أنهم لهول المطلع وشدة ذهاب أذهانهم وأفكارهم، قد عزب عنهم قدر المدة التي لبثوها في الدنيا ومدة العمر. وعبّر الله تعالى عن قصر المدة بالعشر لأن القليل في مثل هذا الموضع لا يعبر عنه إلا بالعشر. ثم يقول الله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ... أي نحن أعلم بما يتناجون، وبما يقولون في مدة لبثهم أو مكثهم، حين يقول أمثلهم طريقة، أي أعدلهم قولا، وأكملهم رأيا وعقلا، وأعلمهم بالحقيقة: ما لبثتم إلا بمقدار يوم واحد، لأن دار الدنيا كلها، وإن طالت في أنظار الناس، كأنها يوم واحد: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: ٢٢/ ٤٧] . وهذا يدلّنا على أن معايير الزمن ومقاييسه، تتغير عند الله في الآخرة، فليس اليوم أو السنة من أيام وسنين الدنيا شيئا يذكر بالنسبة للآخرة، فهو كالساعة أو اللحظة، وفي هذا رهبة وإثارة خوف وفزع، والحق أن أهوال الآخرة تلجم الألسنة، وتخرس الأفواه، وتشتت الأذهان والأفكار، وتوقع النفوس في الحيرة والقلق والدهشة، فتصير الموازين مختلة، والحسابات مضطربة. تغير أوضاع الدنيا يوم القيامة قد يظن بعض الناس من الطبيعيين والماديين أن نظام الكون من الأرض والسماء يدوم على هذه الحال في عالم القيامة، وهذا خطأ بيّن لأن اختلاف الأشياء يستتبع اختلاف الأحوال، فلا نشاهد يوم القيامة عالم السماء الحالي، ولا نظام الأرض

стр. 1546

القائم في الدنيا، مما فيه من جبال ووديان، وسهول وأنهار، كل ذلك يتغير ويتبدل، وتزول الجبال من أماكنها، وتتبدد الكواكب والنجوم والمجرّات، وتملأ الرهبة النفوس، وتخشع الأصوات، وتحتبس الأنفاس، وتخضع الوجوه للحي القيوم، القائم بكل شيء ومدبره، وهذا ما دوّنته الآيات التالية: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٥ الى ١١٢] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» » [طه: ٢٠/ ١٠٥- ١١٢] . روى ابن المنذر عن ابن جريج قال: قالت قريش: يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال، يوم القيامة؟ فنزلت: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ.. الآية. وقيل: إن رجلا من ثقيف سأل رسول الله ﷺ عن الجبال، ما يكون أمرها يوم القيامة؟. هذه أسئلة غير المؤمنين بالحشر والقيامة حول الجبال والأرض. إن المشركين يسألونك أيها النبي الرسول عن حال الجبال يوم القيامة، هل تبقى أو تزول؟ فقل: يزيلها الله ويذهبها عن أماكنها، ويدكها دكّا ويجعلها هباء منثورا. روي أن الله تعالى يرسل على الجبال ريحا، فيدكّها حتى تكون كالعهن المنفوش، ثم تتوالى عليها حتى تعيدها كالهباء المنبث، فذلك هو النسف. فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) أي فيترك مواضع الجبال بعد نسفها أرضا ملساء

стр. 1547

مستوية، بلا نبات ولا بناء، ولا انخفاض ولا ارتفاع، فلا تجد مكانا منخفضا ولا مرتفعا، ولا واديا ولا رابية أو هضبة. فكلمة (قاعا) أي مستويا من الأرض، المعتدل الذي لا نشز (مرتفع) فيه. والصفصف نحو القاع في المعنى، أي أرضا ملساء مستوية. وحينئذ يوم تتبدل أوضاع الأرض، يتّبع الناس داعي الله إلى المحشر، مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، لا معدل لهم عن دعائه، فلا يقدرون أن يميلوا عنه، أو ينحرفوا عنه، بل يسرعون إليه. وسكتت الأصوات رهبة وخشية، وإنصاتا، لسماع قول الله تعالى، فلا تسمع إلا همسا، أي صوتا خفيا. في ذلك اليوم يوم الحشر والجمع لكل البشر، لا تنفع شفاعة أحد إلا من أذن له الرحمن أن يشفع، ورضي قوله في الشفاعة لأن الله تعالى هو المالك المتصرف في الخلق جميعا في الدنيا والآخرة. والسبب في تقييد الشفاعة بالإذن والرضا الإلهي أن الله تعالى يعلم جميع أحوال عباده، مما يلقونه يوم القيامة، وما خلفوه أو تركوه من أمور الدنيا، ولا تحيط علوم الخلائق بذات الله تعالى ولا بصفاته ولا بمعلوماته. وذلّت الوجوه وخضعت، واستسلمت النفوس والخلائق كلها للإله الأحد الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيّم على كل شيء يدبره ويحفظه، فهو سبحانه قائم بتدبير شؤون خلقه وتصريف أمورهم، وقد خسر من حمل شيئا من الظلم والشرك. وخص الوجوه بالذكر، لأن الخضوع بها يبين، وفيها يظهر. هذا حال الظالمين الجاحدين، وأما المؤمنون الموحدون الذين يعملون الأعمال الصالحة من الفرائض المطلوبة والواجبات المشروعة، وهم يقرنون بعملهم الإيمان الثابت الصحيح بالله ربا، وبالرسل مبلّغين، وبالكتب للبيان، واليوم الآخر

стр. 1548

للحساب وإحقاق الحق، هؤلاء لا يخشون ظلما ولا هضما لحقوقهم، فلا يزاد في سيئاتهم بأن يعاقبوا بغير ذنب، ولا ينقص من ثواب حسناتهم. والفرق بين الظلم والهضم: أن الظلم أعم من الهضم، وهما متقاربان في المعنى، ويتداخلان، وهما يشملان ميدان الحسنات والسيئات، أما الحسنات فلا ينقص منها شيء، وأما السيئات فلا تعظم ولا تكثر أكثر مما يجب. إنزال القرآن عربيا كانت رسالة الإسلام في أرض العرب، فكان منطقيا أن يكون الرسول عربيا من جنس قومه، وأن يكون الكتاب المنزل عليه عربيا، ليتمكن العرب من فهمه وتبليغه للناس، وأن يفخر العرب إلى يوم القيامة بأن يكون كلام الله ووحيه عربيا، فجدير بالأمة العربية أن تنصاع لهدي القرآن المجيد، الذي كانت ألفاظه وتراكيبه، وتشبيهاته واستعاراته، وحقائقه ومجازاته، من محور العربي بنية وتركيبا، وأن يحملوه لأنحاء العالم مبشرين ومنذرين، وأن يحافظوا عليه دستورا أبديا للحياة، بكل وسيلة لحفظ وجودهم وكيانهم، قال الله تعالى واصفا لغة القرآن: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٣ الى ١١٤] وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) «١» «٢» [طه: ٢٠/ ١١٣- ١١٤] . روى ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، أتعب نفسه في حفظه، حتى يشق على نفسه، فيخاف أن يصعد جبريل، ولا يحفظه، فأنزل الله عليه: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ الآية.

стр. 1549

وجاء في الصحيح أن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من الوحي شدة، فكان يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية. يعني أنه ﷺ كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية، قالها معه، من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه، لئلا يشق عليه. والمعنى: كما قدّرنا أحوال الخليقة، وجعلنا أمور الآخرة حقيقة أمام العباد، كذلك حذّرنا هؤلاء أمر القيامة، وأنزلنا القرآن عربيا، وتوعدنا فيه بأنواع من الوعيد، لعلهم- بحسب توقع البشر وترجّيهم- يتقون ويخشون عقابه، فيؤمنون ويتذكرون نعم الله، وما حذّرهم من أليم عقابه، أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً أي أو يكسبهم شرفا، ويبقي عليهم إيمانهم، وذكرا صالحا في الغابرين، فيكون القرآن خيرا للعرب، إنه نزل بلغتهم مبشرا ومحذرا، وكان وسيلة وسببا لرفع شأنهم وإعلاء منزلتهم، على ممر الدهر والتاريخ. وناسب تعظيم شأن القرآن إبانة ما يلازمه: وهو تعظيم منزل القرآن، وهو الحق ، لذا قال الله بعدئذ: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ أي تقدس وتنّزه الله الملك، المتصرف بالأمر والنهي، الثابت الذي لا يزول ولا يتغير، تعاظم وتنزه عن إلحاد الملحدين، وعما يقول المشركون، فإنه الملك حقا، الذي بيده الثواب والعقاب والسلطان كله. وحقه وعدله تعالى: ألا يعذب أحدا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خلقه، لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة. والمناسبة واضحة بين هذه الآية وما قبلها، لأنه سبحانه لما أبان صفة سلطانه يوم القيامة، وعظم قدرته، وذلة عبيده وتلطفه بهم، ختم ذلك بهذه الكلمات، بوصف الله أنه صاحب الملك والسلطان، وهو الإله الحق الثابت، الذي لا يزول، ولا ينازعه أو ينافسه أحد في ألوهيته.

стр. 1550

وحفاظا على القرآن المجيد، وتثبيتا له من المحو والنسيان، طبعه الله في قلب نبيه محمد كالنقش في الحجر، بحيث لا يزول ولا ينسى، وتكفّل الله بهذا، ونهى نبيه بألا يتعجل أو يبادر إلى قراءة القرآن قبل أن يفرغ جبريل من إنزال الوحي، حرصا منك على ما ينزل عليك، بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك، فاقرأه بعده، وكان النبي يقرأ قبل أن يستتم جبريل ﵇ الوحي، فنهي عن ذلك كما جاء في آية أخرى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [القيامة: ٧٥/ ١٦- ١٩] . وزيادة في إلقاء الطمأنينة على قلب النبي، أوحى الله إليه أنه سيعلّمه علم ما لم يعلم، وأنه ينمي له علومه ومعارفه على الدوام، لذا علّمه بأن يطلب دائما الاستزادة من المعلومات والمعارف، قائلا له: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي اطلب واسأل ربّك زيادة العلم، روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» . قصة آدم في الجنة خلق الله تعالى آدم ﵇ وأسكنه في جنة الخلد، واقتضت إرادة الله وحكمته أن ينزل آدم إلى الأرض، وبدأت القضية في توجيه الأمر الإلهي لآدم ألا يأكل من شجرة معينة امتحانا له في الطاعة وتنفيذ أمر الله، وكرم الله آدم بأن تسجد له الملائكة جميعا، فسجدوا إلا إبليس، فحذر الله تعالى آدم من عداوة الشيطان له ولزوجه، ومحاولة إخراجهما من الجنة، فنسي آدم هذا التحذير، ووسوس له

стр. 1551

الشيطان أن يأكل من شجرة الخلد، فأكل منها هو وزوجه، وعصى أمر الله ووحيه، وغوى وحاد عن طريق الرشد والهداية، قال الله تعالى مبينا هذه الأحوال: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٥ الى ١٢١] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [طه: ٢٠/ ١١٥- ١٢١] . يقسم الله تعالى في هذه الآيات بأنه قد عهد إلى آدم، أي وصّاه بألا يأكل من الشجرة في الجنة (شجرة معينة) فنسي ما عهد الله به إليه، وترك العمل بمقتضى العهد الإلهي، فأكل من تلك الشجرة، ولم يكن عنده قبل الأكل عزم وتصميم على ذلك، فإنه على العكس قد صمم على ترك الأكل، ثم فتر عزمه، وعند ما وسوس إليه إبليس بالأكل، فلم يصبر عن أكل الشجرة. والمراد بعهد الله: أمره أو نهيه، ويراد به هنا ألا يأكل من الشجرة ولا يقربها، ولكنه النسيان الذي هو من شأن البشر قد يكون سببا للمعصية، والتذكر وقوة العزم سبب الخير والرشد، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٧/ ٢٠١] . وعلى الرغم من نسيان آدم أمر ربه، ذكّر الله نبيه وطالبه أن يقص الخبر على قومه، وهو أنه تعالى أمر الملائكة كلهم بالسجود سجود انحناء وتحية، لا سجود

стр. 1552

تعظيم وعبادة، تكريما وتشريفا لآدم، فسجد الملائكة كلهم جميعا إلا إبليس أبى واستكبر، ورفض السجود، لأنه كان حسودا جحودا. فقال الله: يا آدم، إن إبليس عدو لك ولزوجك، فلم يسجد لك وعصاني، فلا تطيعاه، ولا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، فتتعب في حياتك الدنيا في الأرض، في تحصيل وسائل المعاش كالحرث والزرع، أو لا يقع منكما طاعة للشيطان في إغوائه، فيكون ذلك سبب خروجكما من الجنة، وسببا للشقاء، أي التعب من عناء الزرع وغيره. إن لك في الجنة تمتعا بأنواع المعايش، فلا تجوع ولا تتعرى، ولا تعطش في الجنة، ولا يؤذيك الحر ولا تتعرض لأشعة الشمس الحادة، كما يكون لسكان الأرض، ويتبين الفرق بين النعيمين، نعيم الجنة خالد دائم لا عناء فيه، ونعيم الدنيا مؤقت مقرون بأنواع المتاعب والمخاطر. فوسوس الشيطان لآدم، أي كلمه خفية: ألا أرشدك إلى شجرة الخلد: وهي الشجرة التي من أكل منها لم يمت أصلا وكان ملكا مخلدا، وألا أدلك على ملك دائم، لا يزول ولا يفنى. فأكل آدم وحواء من الشجرة التي منعهما الله منها، فانكشفت عورتهما، وسقط عنهما لباسهما، فشرعا يلصقان عليهما من ورق الجنة كالتين وغيره مما هو كبير الورق، فيجعلانه على سوآتهما: عوراتهما، وعصى آدم ربّه، أي خالف أمر ربه، بالأكل من الشجرة المنهي عن الأكل منها، فضلّ عن الصواب، وفسد عليه عيشه. ومما لا شك فيه أن مخالفة الأمر الواجب من الله أو من غيره معصية، وأن الجزاء حق وعدل على المعصية، لكن معصية آدم من نوع خاص، بترتيب وتدبير وإرادة من الله . روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن

стр. 1553

النبي ﷺ قال: «حاجّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك، وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي، قبل أن يخلقني، أو قدّره الله علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله ﷺ : فحجّ آدم موسى» . إن معصية آدم وغوايته، أي بعده عن الرشد، لم تكن بتصميم وعزم، وإنما صدرت منه في حال النسيان للأمر الإلهي، ليترتب على ذلك الإخراج من الجنة، وتوالد البشرية، وعمارة الكون بالناس. إنزال آدم إلى الدنيا رحمة الله تعالى بعباده تسبق دائما غضبه، فالإنسان يخطئ ويصيب، بسبب نسيانه وضعفه وتغلب شهواته عليه، ولكن المؤمن العاقل سرعان ما يبادر إلى التوبة والإنابة، والاستقامة والاستغفار من سوء فعله، وتورّطه في مخالفة أمر ربه، والله تعالى بلطفه وكرمه وفضله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وهكذا حدث لآدم ﵇، عصى ربه نسيانا لا عمدا، ليتم تقدير الله، ولكن كان جزاؤه بالحق والعدل، ثم اجتباه ربه وهداه لصالح الأقوال والأفعال، وأنزله من علياء الجنان إلى قيعان الدنيا ومعكراتها، وهذا ما وصفته الآيات التالية: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٧] ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) «١» «٢»

стр. 1554

[طه: ٢٠/ ١٢٢- ١٢٧] . تضمنت هذه الآيات لآدم ﵇ أمورا ثلاثة: الرجوع به من حال المعصية إلى حال الندم، وهدايته لصالح الأقوال والأعمال، وإمضاء عقوبته في إهباطه من الجنة إلى عالم الدنيا. وفي الدنيا إنذار لآدم وذريته، فحواه أن المستقيم على أمر الله يلقى السعادة، والمعرض عن ذكر الله يتلقى ألوان المعيشة الشديدة المتعبة. والمعنى: لقد اصطفى الله تعالى آدم ﵇ وقرّبه إليه، بعد أن تاب من المعصية (وهي الأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها) وطلب المغفرة من ربه، وأقر بأنه قد ظلم نفسه، فتاب الله عليه من غلطته، وهداه إلى التوبة وإلى سواء السبيل. ثم قال الله تعالى لآدم وزوجه حواء: انزلا من الجنة إلى الأرض معا، بعضكم يا معشر البشر في الدنيا عدو لبعض، في شأن المعاش وتنافس الدنيا وأطماعها، مما يؤدي إلى وقوع الخصام والاقتتال. فإن يأتكم أيها البشر مني هدى، بوساطة الأنبياء والرسل، وإنزال الكتب المنذرة والمبشرة، فمن اتبع هدى ربه وآمن به، فإنه لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. ومن أعرض عن ذكر الله وكفر به، فإن له معيشة ضنكا، أي معيشة نكدة شاقة في المنازل، أو في الحروب ونحوها، ووقت هذه المعيشة في عالم الدنيا قبل يوم القيامة. والمعنى: أن المعرض عن ذكر الله وهو الكافر، وإن كان متسع الحال والمال، فمعه من ألوان الحرص والقلق والهموم والتعذيب النفسي في أمور الدنيا أو في البرزخ في القبر، ما يصيّر معيشته ضنكا وشدة، فتكون العبرة بسعادة النفس وراحة البال والاطمئنان. ثم نحشره ونبعثه في الآخرة أعمى البصر والبصيرة، تائه الدرب، متخبطا في ألوان العذاب يوم القيامة.

стр. 1555

وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى أي أشد وأبقى من كل ما يقع عليه الظن والتخيل، كما جاء في آية أخرى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [الإسراء: ١٧/ ٩٧] . قال المعرض عن ذكر ربه: يا رب، لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، أي لماذا بعثتني أعمى البصر، وقد كنت مبصرا في دار الدنيا؟ فأجابه الله تعالى: مثل ذلك فعلت أنت، فكما تركت آياتنا وأعرضت عنها ولم تنظر فيها، تترك الآن في العمى والعذاب في النار، ونعاملك معاملة المنسي، كما قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا [الأعراف: ٧/ ٥١] فإن الجزاء من جنس العمل. وهكذا نجازي ونعاقب المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، وكما وصف الله من أليم الأفعال، نجزي المسرفين المخالفين، ولعذاب الآخرة في النار أشدّ ألما من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلّدون فيه، كما جاء في آية أخرى: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) [الرعد: ١٣/ ٣٤] . إن جزاء المسرفين المعتدين الكافرين بالله جزاء ثابت في الحياتين الدنيوية والأخروية، وهو حق وعدل لأن الله تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله، وأبان شرائعه ونظمه، ليسير الناس على نهجها، ويلتزموا بها، فإن كذبوا وأعرضوا عن بيان الله، استحقوا العقاب الأليم والجزاء الشديد، وذلك منطق العدل والحكمة والمصلحة. العبرة من إهلاك بعض الأقوام في التاريخ القديم والحديث عبر وعظات، وتوجيه للأنظار بأن ما حدث للماضين بسبب تكذيب الرسل والأنبياء، قد يحدث للأقوام الآتية بعدهم، إذا ساروا في

стр. 1556

مسيرة من تقدمهم، وتقديم الإنذار لأهل العقل، والإدراك والوعي يعدّ أسلوبا إعلاميا مفيدا ومؤثرا، إذا اتعظ به القوم، وإذا لم يتعظوا فما على أهل الفكر والوعي والإيمان إلا الإصرار على عقيدتهم، والصبر على أذى قومهم، واللجوء إلى الصلاة التي تقوّي العزائم، وتعتصم بالصلة القوية بالله تعالى والاتكال عليه، وطلب النجدة والعون منه، وهذا ما وجّهت إليه الآيات التالية: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٨ الى ١٣٢] أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [طه: ٢٠/ ١٢٨- ١٣٢] . هذه حملة توبيخ وتقريع لقريش وأمثالهم من مكذّبي رسالة النبي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فإنهم لم يتبين لهم خبر من أهلكهم الله من الأمم السابقة؟ حالة كونهم يمشون في منازلهم التي دمّرت، وصارت خاوية على عروشها، ولم يبق من الطوائف التي كانت قريش تمر على بلادهم إلى الشام وغيره، كعاد وثمود، وأصحاب الأيكة وقوم لوط، أثر ولا عين: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: ٢٧/ ٥٢] . أفلم يهد لهم أو يتبين ما جعل الله لهم من الآيات الواضحات للعظة والعبرة، إن في ذلك لعلامات واضحات لأولي النهي والعقل. والمتأمل بما حدث يتعظ وينزجر، ويبادر إلى تغيير عقيدته الفاسدة، وترك ضلالته الخاسرة، كما جاء في

стр. 1557

آية أخرى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) [الحج: ٢٢/ ٤٦] . ولقد أخّر الله العذاب المستحق لمكذبي الرسل، والسبب في تأخير العذاب عنهم هو صدور وعد سابق من الله سبحانه بتأخير عذاب أمة النبي ﷺ إلى الدار الآخرة، ولولا هذا التأخير النافذ، لكان عقاب ذنوبهم لازما لهم، لا يفارقهم بحال. ثم نهى الله نبيه عن الافتتان بمظاهر الدنيا، فلا تنظر أيها النبي إلى ما عند هؤلاء المترفين من ألوان النعيم ومتع الدنيا، من أجل اختبارهم بها، والتعرف على شاكريها، لقد يسر الله لك رزقك في الدنيا، فالله رازقك، وثواب الله وفضله في الآخرة خير من رزقهم وأدوم وأخلد. ثم آنس الله نبيه، وأمره بالصبر على ما يقول هؤلاء المكذبون بآيات الله من أنك ساحر كذاب، أو مجنون، أو شاعر ونحو ذلك من أباطيلهم ومطاعنهم، لا تأبه بهم، فإن لعذابهم وقتا معينا لا يتقدم، واشتغل بتسبيح ربك، أي تنزيهه وشكره وأداء الصلوات المفروضة قبل طلوع الشمس، أي صلاة الفجر، وقبل غروبها، أي صلاة العصر والظهر، ومن ساعات الليل، أي صلاة العشاء والمغرب وقيام الليل، وفي أطراف النهار، أي صباحا عند الفجر ومساء عند الغروب، وتأكيدا لهاتين الصلاتين الواقعتين طرفي النهار، سبّحه في هذه الأوقات، رجاء أن تنال عند الله تعالى ما ترضى به نفسك من الثواب، كما جاء في آية أخرى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) [الضحى: ٩٣/ ٥] . وأمر أيها الرسول أهل بيتك لإنقاذهم من العذاب بإقام الصلاة واصبر أنت وهم على فعلها، لا نطلب منك رزقا ترزق نفسك وأهلك بل تفرغ للعبادة والتقوى، فنحن نرزقك ونزرقهم: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) [الذاريات: ٥١/ ٥٨] . والعاقبة المحمودة وهي الجنة لأهل التقوى والطاعة. فإذا أقمت الصلاة مع أهلك،

стр. 1558

أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما جاء في آية أخرى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٦٥/ ٢- ٣] . أخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل، أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية. وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنّى، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسدّ فقرك» . طلب المعجزات المادية من المشركين إذا أفلس الناس في مجال المنطق والبرهان العقلي والدليل الفكري، لجؤوا عادة على سبيل المكابرة والتحدي إلى المطالبة بالمعجزات المادية غير المعقولة، وتمسكوا بالمستحيل من أجل إظهار الضعف وإبطال المبدأ وإخراس كلمة الحق والهداية والرشاد، وهذا ما فعله كبار المشركين من قريش في مكة، تمسكا بعبادة الوثنية، وتحديا للنبوة ورسالة السماء، وإصرارا على أبهة الزعامة والرياسة في أرجاء مكة وأمام العرب قاطبة، وإحراجا لنبي الله الذي هو بشر يؤيده الله بما شاء من المعجزات، وهذا التعنّت والعناد دوّنته آيات من القرآن الكريم لإظهار موقف المكابرين والمعاندين وإبطالا لأقوالهم، وتجميدا لمواقفهم وأفعالهم، قال الله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٥] وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) «١»

стр. 1559

«١» «٢» «٣» [طه: ٢٠/ ١٣٣- ١٣٥] . هذا لون من أباطيل قريش وأقاويلهم الفارغة، فإنهم كذبوا بالقرآن المعجزة، الخالدة الساطعة، على الرغم من تحديهم به وطلب معارضتهم له، فزعموا أن القرآن ليس بحجة ولا معجزة تدل على صدق نبوة محمد ﷺ ، وطالبوا بمعجزات أخرى، قائلين: هلّا يأتينا محمد بآية بيّنة من ربه، ذات صفة مادية، تدل على صدقه في أنه رسول الله، مثل المعجزات المادية للأنبياء السابقين، كعصا موسى، وناقة صالح، وإحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فردّ الله تعالى عليهم موبخا لهم: ألم تأتهم بيّنة الصحف الأولى يعني التوراة، فإنها أعظم شاهد وأكبر آية لمحمد، تدل على صدقه، حين بشّرت به، وذكرت أوصافه الدالة عليه. ألا وإن أعظم آية أو معجزة تصدّق محمدا ﷺ في نبوته ورسالته، إنما هي القرآن العظيم. ثم أخبر الله نبيه محمدا ﵊: أنه لو أهلك هذه الأمة الكافرة قبل إرساله إليهم وإنزال القرآن، لقالوا يوم القيامة: يا ربنا هلا كنت أرسلت إلينا رسولا في الدنيا، حتى نتّبع آياتك التي يأتي بها الرسول عادة، من قبل أن نذلّ بالعذاب في الدنيا، ونخزى بدخول النار في الآخرة؟ وهذا دليل واضح على أن التكليف الإلهي والعقاب على التقصير أو المخالفة لا يكون قبل مجيء الشرع من عند الله رب العالمين. والحق أن هؤلاء المكذبين للرسول في مكة متعنتون معاندون، لا يؤمنون ولو جاءتهم الآيات تتوالى. فقل لهم أيها النبي: كل واحد منا ومنكم منتظر لما يؤول إليه الأمر، فانتظروا

стр. 1560

أنتم، فستعلمون عن قريب في عاقبة الأمر، من هو على الطريق الحق المستقيم، أنحن أم أنتم، وستعلمون من المهتدي على طريق الحق والاستقامة، البعيد عن مهاوي الغواية، السائر على نهج السداد والصواب. وهذا لون من التوعّد والتوبيخ على خطأ منهج المشركين، وكأنّ هذه الآية قسمت الفريقين: أي ستعلمون هذا من هذا. أخرج أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يحتجّ على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة «١» ، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير، فيقول المغلوب على عقله: ربّ، لم لم تجعل لي عقلا؟ ويقول الصبي نحوه. ويقول الهالك في الفترة: يا ربّ، لم لم ترسل إلي رسولا؟ ولو جاءتني لكنت أطوع خلقك لك، قال: فترفع لهم نار، ويقال لهم: ردوها، قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويكعّ عنها الشقي، فيقول الله ﵎: إيايّ عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم؟» . أما الصبي والمغلوب على أمره فهما غير مكلفين، وهما في الجنة بفضل الله ورحمته من غير حساب ولا عمل ولا عقاب إلا من علم الله شقاوته وهو المعترض. وأما صاحب الفترة: فليس ككفار قريش ممن علم وسمع عن نبوة ورسالة في أقطار الأرض، وإنما هم الذين لا علم لهم برسالة أو نبوة صحيحة، فهؤلاء ناجون، فهم الذين لم يصل إليهم أن الله تعالى بعث رسولا ولا دعا إلى دين، وهؤلاء قليلون في الدنيا، وأهل الفترة ناجون من العذاب إلا من أخبر رسول الله أنه في النار، وربما يكون اعتراض هؤلاء الأصناف الثلاثة حينما يعلمون أنهم في النار، ثم ينجي الله تعالى من علم أنه سعيد فيما لو جاءه رسول.

стр. 1561

تفسير سورة الأنبياء الغفلة عن الحساب كثير من الناس غافل عن المستقبل ومخاطره، ولا ينتظر ولا يفكر إلا في حاضره، بل قد يتغافل عن الماضي لنفسه أو لغيره، وهذا دليل القصور والعجز وقلة الوعي والإدراك، فإن النابه اليقظ هو الذي يحسب للمستقبل ألف حساب، ولا يغفل عما قد يتعرض له من مخاطر واحتمالات. وهذا ينطبق على مسألة الغفلة عن الحساب يوم القيامة، فالناس في لغو ولهو وطرب وهوى لا يفكرون في الآخرة، لذا أنذرهم القرآن، وحذّرهم من مسئوليات الحساب الأخروي، فقال الله تعالى في مطلع سورة الأنبياء المكية: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) «١» «٢» «٣» [الأنبياء: ٢١/ ١- ٦] . نزلت الآية الأخيرة كما يلي: أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة قال: قال أهل

стр. 1562

مكة للنبي ﷺ : إن كان ما تقول حقا، ويسرّك أن نؤمن، فحوّل لنا الصّفا ذهبا، فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا، لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: بل أستأني بقومي، فأنزل الله: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ. نبّه الله تعالى في مطلع هذه السورة (سورة الأنبياء) على اقتراب وجود الساعة (القيامة) ودنوّها، وصور لنا هذا بصيغة الماضي، مبينا أنه قد بات في حكم المقطوع به، المقرر القائم، أنه قرب زمان حساب الناس على أعمالهم في الدنيا، وهو اقتراب الساعة، ولكن الناس في حياتهم ساهون غافلون، لاهون معرضون عن التأهب للحساب، والتفكر في الآخرة، وقوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ عام في جميع الناس، وإن كان المشار إليه في وقت نزول الوحي بهذه السورة كفار قريش، بدليل ما بعده من الآيات، وقوله سبحانه: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ يريد الكفار. ودليل غفلة الناس: أنه ما يأتي الكفار من قريش وأشباههم من قرآن جديد إنزاله، ينزل سورة سورة، وآية آية، على وفق المناسبات والوقائع إلا استمعوه، وهم لاهون ساخرون مستهزءون، متشاغلة قلوبهم عن التأمل وتفهّم معناه، وهذا ذم صريح للكفرة، وزجر لأمثالهم عن تعطيل الانتفاع بما يسعدهم، وقوله تعالى: مُحْدَثٍ يراد به الصوت المسموع فهو حادث بلا شك، وأما أصل القرآن الذي هو كلام الله فهو قديم بقدم الله تعالى. وكان حال الكفار عند نزول القرآن: هو التناجي وإخفاء الكلام فيما بينهم، مرددين: هل هذا الرجل محمد إلا بشر كغيره من الناس في عقله، وتفكيره، وتكوينه، فكيف يختص بالرسالة دونكم؟!

стр. 1563

أفتتبعونه، فتكونون كمن يأتي السحر، وهو يعلم أنه سحر، أو أتصدقون بالسحر، وأنتم تشاهدون أنه سحر؟! فهم يتهمون النبي ﷺ بأنه ساحر. قال الرسول بتعليم الله: لا تخفوا ما تقولون، فإن الله ربي وربّكم يعلم ذلك، لا يخفى عليه خافية من أمر السماء والأرض وما يحدث بينهما من أقوال وأفعال، وهو الذي أنزل القرآن العظيم، وهو السميع لأقوالكم العليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد. ثم اشتط مشركو قريش فقالوا عن رسول الله: إن ما يحدث به عن الله مجرد تخاليط أحلام، رآها في المنام، بل إنه افتراه واختلقه من عند نفسه. ولما فرغوا من ترداد هذه المزاعم قالوا: إن كان محمد صادقا في أنه رسول من عند الله أو أن القرآن كلام الله، فليأتنا بآية مادية غير القرآن، كناقة صالح، وعصا موسى، وإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى من عيسى. ثم كشف الله حقيقة ادعاءاتهم ومطالبهم: أنهم يصدرون عن غير إيمان، فما أتينا أهل قرية أو مدينة بعث إليهم رسول من آية، فآمنوا بها، بل كذبوا، فأهلكهم الله بكفرهم، أفهؤلاء أهل مكة يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟! إنهم جماعة مكابرون، لا يؤمنون بشيء مهما جاءتهم الآيات. بشرية الرسل كانت اتهامات الرسل من أجل التهرب من الإيمان برسالاتهم غريبة وعجيبة، فمرة يوصفون بالسحر أو الجنون أو الكهانة، ومرة يستنكر كونهم من البشر حين رؤيتهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وحين يفلس المكابرون والمعارضون الألداء من صدّ الناس عن الإيمان برسالة الرسول، يلجأون إلى التهديد بالقتل أو

стр. 1564

الطرد والإبعاد من البلد أو الوطن، ليستريحوا من محاولاته أسلمة الناس وجهوده في إقناعهم بتوحيد الله، والتزام أوامر الله، واجتناب نواهيه ومحظوراته. وهذا الاستغراب من بشرية الرسل دوّنته آيات القرآن الكريم في قوله تعالى: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧ الى ١٠] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) «١» «٢» [الأنبياء: ٢١/ ٧- ١٠] . هذه الآيات الكريمة رد على فرقة من العرب، كانت تستبعد أن يبعث الله من الناس رسولا يتميز على غيره من البشر، بقدر من الفضل بسبب الرسالة أو النبوة، فكان الرد تقرير ظاهرة عامة في الرسل: أنهم من نوع البشر، ليستطيعوا التفاهم مع أقوامهم، ونقاشهم في معتقداتهم، فسنة الله تعالى اقتضت إرسال رجال من البشر أنبياء. إن هذه الظاهرة: هي أن جميع الرسل الذين تقدموا محمدا ﷺ كانوا رجالا من البشر، ولم يكن فيهم أحد من الملائكة، فإن كنتم أيها المستبعدون لهذه الظاهرة البشرية للرسل في شك من كون جميع الرسل بشرا، فاسألوا أهل العلم من الأمم السابقة، كاليهود والنصارى وسائر الأمم: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرا أو ملائكة؟ ويوجّه السؤال لعلماء الكتب السابقة فهم أهل الذكر، لتزول الشبهة، ويستقر الأمر في العادة أن رسل الله الموحى إليهم كانوا دائما بشرا، ولم يكونوا ملائكة كما زعموا. وإنما كانوا بشرا ليتمكن الناس من تلقي الوحي عنهم، والأخذ بما نزل عليهم، وهذا نص صريح في كون الرسل بشرا، وفي كونهم رجالا، لا نساء.

стр. 1565

وأكد الله تعالى على بشرية الرسل، فقال: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ أي لم نجعل الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين كالملائكة، بل كانوا أجسادا عاديين يتناولون الطعام كغيرهم. وما كتب لهم الخلود والبقاء في الدنيا. وهذا نفي قاطع لاعتقاد بعض المشركين من ترفع الرسل عن الحاجة إلى الطعام، فهم كسائر البشر يأكلون الطعام، ويتصفون بصفات الإنسان ذاتها، ويتعرضون للمشاعر الإنسانية، من حزن وسرور، ومرض ونوم، ويقظة وانتباه، وحياة أو موت، فلا خلود ولا بقاء لهم في الدنيا. ويذكر الله بقوله: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ بأنه سبحانه يصون حياة الرسل وكراماتهم، ويصدقهم في الوعد الذي واعدهم به، ألا وهو النصر على أعدائهم، وإنجاؤهم من العذاب، هم ومن يشاء الله من أتباعهم المؤمنين، ويهلك المكذبين منهم، المسرفين على أنفسهم بالكفر والمعصية، والمكذبين بما جاءت به الرسل. وإثبات بشرية الرسل للرد على المشركين، يناسبه الحديث عن شرف القرآن وفضله، ونفعه للناس، فقال سبحانه: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي تالله لقد أعطيناكم هذا القرآن المشتمل على دستور الحياة الإنسانية الفاضلة، وفي هذا الكتاب عظة وتذكير بمحاسن الأخلاق، ومكارم الشيم، أفلا تعقلون، أي تتدبرون أمركم، وتقدّرون هذه النّعمة، وتتلقونها بالقبول، وتتفكرون بما اشتمل عليه هذا القرآن من العظات والعبر، فتأخذوا بما فيه، وتتجنبوا ما حذّركم منه، أو نهاكم عنه، وهذا حث شديد على تدبر أحكام القرآن، وتعقل ما جاء فيه من أمور الدين والدنيا والحياة. وقوله سبحانه: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ بيان رفعة العرب، وإعلاء شأنهم ومنزلتهم بين أبناء العالم كله، والرفعة أو العزة لا تعني الأفضلية أو الطبقية أو

стр. 1566

الاستعلاء العنصري، وإنما بيان لحسن السيرة والسمعة، والمركز الأدبي للعرب بين الأمم قاطبة لأن القرآن نزل بلغتهم، والرسول محمد من جنسهم وقومهم، فلا يصح منهم ولا يعقل أن يتركوا الإيمان أو يعارضوا رسول الله، أو يخرجوا عن دائرة طاعته وتوجيهاته وشرائعه التي تحقق لهم السعادة الأبدية الشاملة للدنيا والآخرة، فكان لا بد من تدبر آياته، وتفهم أنظمته السديدة. الإنذار بعذاب الاستئصال توعد الله تعالى مكذبي الرسل بعذاب الاستئصال على النحو الذي عذّب به الأمم الماضية لحملهم على الإيمان الطوعي أو الاختياري، وترك العصيان والكفر بالله، ومن المبادئ المعروفة: أن ما جرى على المثيل أو النظير يجري على مثيله ونظيره، للاستواء في سبب العقاب، وتعاطي المنكرات ذاتها التي كانت موجبة للعذاب، قال الله سبحانه مبينا هذه السنة الإلهية: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١١ الى ٢٠] وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) » «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١»

стр. 1567

«١» «٢» [الأنبياء: ٢١/ ١١- ٢٠] . المعنى: وكثيرا ما أهلكنا من أهل المدن والقرى الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله وتكذيب الرسل، وأوجدنا بعد إهلاكهم قوما آخرين. وقوله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ معناه: أهلكنا أهل القرى في اليمن وغيرها، فلما تيقنوا أن العذاب واقع بهم فعلا لا محالة، كما توعدهم نبيهم، إذا هم يفرّون هاربين منهزمين من قريتهم، لما أدركتهم مقدمات العذاب. ويقال لهم تهكما واستهزاء حينئذ: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة التي أبطرتكم، وإلى مساكنكم التي اغتررتم بفخامتها، لتسألوا عما كنتم فيه، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، لماذا وقع بكم هذا العذاب؟! وفي الجواب اعتراف بالسبب صراحة، إنهم اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك. فما زالوا يرددون اعترافهم بالظلم، حتى جعلهم الله مثل الحصيد خامدين بلا حركة. أي لم ينطقوا بغير التأسف. والحصيد يشبّه بحصيد الزرع بالمنجل، أي ردّهم الهلاك كذلك، وخامدين: أي موتى دون أرواح، مشبهين بالنار إذا طفيت. وإنزال هذا العقاب بهم حق وعدل، فكل ما يصدر عن الله عدل وحق، فالله ما أوجد السماوات والأرض إلا بالحق، أي بالعدل والقسط، لا للهو والعبث، فإنه سبحانه خلق السماء والأرض، لتكون دليلا على معرفة الخالق لها، ولمنافع أخرى دنيوية، وليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

стр. 1568

ولو أراد الله أن يتخذ لهوا من زوج وولد ونحوهما، لاتخذه من الملائكة والحور العين، إن قصد اللهو واللعب، ولكنه سبحانه منزه عن صفات المخلوقين. والله من أجل إعلاء كلمة الحق، أبان الحق، ليدحض به الباطل ويزيله، فإذا هو زائل مبدّد، ذاهب مضمحل، فإذا كان هذا من شأن الله، فكيف لا يبّين الحق، وينذر الناس؟ حتى لا يكون لاهيا لاعبا، ولكم أيها الزاعمون أن لله ولدا الويل، أي الهلاك والدمار، والعذاب الشديد، لوصفكم ربكم بما ليس من صفته، وافترائكم عليه أنه اتخذ صاحبة أو زوجة، وولدا. وكيف يكون لله شريك خاص؟ وهو مالك جميع من في السموات والأرض، وكيف تتنكرون لطاعته؟ وله جميع المخلوقات ملكا وخلقا وعبيدا؟ كل الخلق ومنهم الملائكة طائعون خاضعون لله، دأبهم الطاعة ليلا ونهارا. وجميع من عند الله من الملائكة لا يترفعون عن عبادته، ولا يعيون ولا يتعبون ولا يملون. وقوله سبحانه: وَمَنْ عِنْدَهُ العندية ليست مكانية، وإنما هي عندية مكانة وتشريف. وتخصيص الملائكة بالذكر هنا، لإبانة رفعة شأنهم. إن ملائكة الله الكرام يسبحون الليل والنهار، أي يعبدون الله وينزهونه في الليل والنهار، فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا، مطيعون قصدا وعملا، قادرون عليه، لا ينقطعون عن الطاعة، ولا يفترون عنها ساعة، كما جاء في آية أخرى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦٦/ ٦] . وكل هذا الخلق الأعظم وعبادة الملائكة المستمرة لله دليل على استغناء الله تعالى عن طاعة الكفار لأن الله هو المالك لجميع المخلوقات، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.

стр. 1569

مساوئ القول بتعدد الآلهة إن أخطر آفة أصيب بها العقل البشري: هي القول بتعدد الآلهة، فهي فضلا عن أنها انحدار في مستوى التفكير الإنساني، وسذاجة في التصور، وفساد في الاعتقاد، هي أيضا ذات مساوئ خطيرة في نظام الكون، سمائه وأرضه، لأن تعدد السلطات يؤدي عادة إلى الخلاف والمنازعة، ويترتب على الخلاف والنزاع فساد نظام الأرض والسماء، واضطراب النواميس الكونية والقوانين المحكمة التي بها يصلح النظام الكوني، وقد نبّه القرآن العظيم لمساوئ هذه الظاهرة الوثنية الخطيرة في الآيات الآتية: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢١ الى ٢٤] أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) «١» «٢» [الأنبياء: ٢١/ ٢١- ٢٤] . هذه الآيات تفنيد لمزاعم المشركين القائلين بتعدد الآلهة، من غير دليل ولا برهان، وتعرية لمواقفهم المضطربة، وإظهار لحقيقة أمرهم، لقد وقفهم الله تعالى على الحقيقة الماثلة في أذهانهم وعلى ضعف الموقف الذي وقفوه، وهو: هل اتخذوا آلهة يحيون ويخترعون؟ الحق أنه ليست آلهتهم كذلك، فهي غير آلهة إذن، لأن من صفة الإله: القدرة على الإحياء والإماتة، وآلهتهم لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله ندا وعبدوها معه؟! وهذا تذكير بخواص الألوهية التي منها إحياء الموتى من قبورهم، فإن المشركين بادعائهم الألوهية للأصنام ونحوها، يثبتون لها تلك الصفة، ووصف تلك الآلهة

стр. 1570

بأنها من الأرض: إشارة إلى أنها من الأصنام المعبودة في الأرض، وهذا تهكم بهم، وتوبيخ، وتجهيل لهم. ثم أبان الله تعالى مساوئ القول بتعدد الآلهة، فإنها لو وجدت لبغى بعضهم على بعض، وذهب كل إله بما خلق، فأحدهم يرى مثلا تحريك جرم سماوي، والآخر يرى تسكينه، فمحال أن تتم الإرادتان، ومحال ألا تتما جميعا، فلو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لخربتا وفسد نظامهما. أما إن اتفقا في التصرف في الكون، فلا داعي للتعدد حينئذ، لأنه يؤدي إلى وجود الخلق والأمر والمقدورات من خالقين قادرين على مخلوق واحد، وهذا محال، لأنه يجعل وقوع المقدور بإرادة الاثنين، لا بإرادة واحد منهما، وهذا لا يصح، لأن لكل منهما إرادة مستقلة بالتأثير، فلا يعقل وقوع مخلوق لخالقين. لذا تنزه الله تعالى وتقدس عن الذي يفترون ويقولون: إن لله ولدا أو شريكا، وتعاظم عما يأفكون تعاظما كبيرا. وتأكيدا لهذا التنزيه، لا يسأل الله تعالى عن أفعاله، فهو الحاكم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد، لعظمته وجلاله وكبريائه، وإحاطة علمه وروعة حكمته وشمولها، وإنما يسأل خلقه عن أفعالهم، ما عملوا، وما سيعملون. أيصح بعد هذه الأدلة أن يتخذوا آلهة من دون الله، ويصفوا الله بأن له شريكا، فإن ادعوا الشريك، فليأتوا ببرهانهم على ذلك، إما من العقل وإما من الوحي، ولن يجدوا كتابا من كتب الأولين كالإنجيل والتوراة إلا وفيه تقرير لتوحيد الله وتنزيهه عن الشركاء، كما أن العقل كما تقدم يرفض وجود إلهين. هذا الوحي الوارد بتقرير توحيد الله ونفي الشركاء عنه، هو ما نزل على النبي محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء السابقين، فهو ذكر، أي عظة للذين مع النبي، أي أمته،

стр. 1571

وعظة للذين من قبله من الأمم السابقة ممن عاصر النبي، فاتفق القرآن وجميع الكتب الإلهية السابقة على مبدأ توحيد الله ورفض الشرك. بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعرفون الحق، ويعرضون عنه، ولا يميزون بين الحق والباطل، فلا تنفع معهم الأدلة والبراهين، فهم لجهلهم معرضون عن قبول الحق وعن النظر المؤدي إليه. وهذا دليل على أن الجهل أو عدم العلم: هو أصل الشر والفساد كله، وأنه يترتب على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه. عقيدة التوحيد متفق عليها بين النبوات توحيد الله تعالى وأنه رب واحد لا شريك له: هو الأصل العتيد والجوهر المطلق في العقيدة الدينية، وفي الفكر الإنساني السوي، فلم تختلف النبوات والرسالات الإلهية في الدعوة إلى توحيد الرب تعالى، ولم يتقبل العقل البشري السديد مبدأ الشرك وتعدد الآلهة، الذي أصبح مرفوضا بأدنى نظرة عقلية رشيدة، وكانت نظريات الفلاسفة والحكماء الإلهيين الأصيلة تؤكد مبدأ وحدانية الخالق، وجاء القرآن الكريم مبينا اتفاق الأنبياء في دعوتهم إلى توحيد الله، فقال الله سبحانه: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢٥ الى ٢٩] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) «١» [الأنبياء: ٢١/ ٢٥- ٢٩] .

стр. 1572

أكّد القرآن الكريم مضمون الوحي الإلهي الواحد لجميع الأنبياء، وإعلامه أنه ما أرسل رسولا قط إلا أوحي إليه أن الله تعالى فرد صمد، إله واحد، لا رب غيره، ولا معبود سواه، فكان لزاما على البشر أن يعبدوا الله مخلصين له العبادة، وأن يتجهوا إليه وحده في جميع مطالبهم وتوسلاتهم، دون وسيط ولا شريك، كما جاء في آية أخرى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ١٦/ ٣٦] . أي ابتعدوا عن كل ما عبد من غير الله. وهذا تنزيه مطلق لله تعالى عن الشركاء. ثم ضم الله تعالى إلى هذا التنزيه نفي اتخاذ الولد، فلقد كان العرب في الجاهلية مع اتخاذهم آلهة، يقرون بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، إلا أن بعضهم قال: اتخذ الله الملائكة بنات، وبعض الناس اتخذوا نبيهم أو وليهم الصالح ابنا لله، فردّ الله تعالى على جميعهم: بأن الله لم يتخذ ولدا، وأنه منزه عن مقالة الكفرة، فليس الملائكة بنات الله، بل هم عباد مخلوقون لله، مقربون لديه، والعبودية تنافي الولادة وتتعارض معها، فعبيد الله ليسوا أولادا له، كل ما في الأمر أن الملائكة مفضلون على سائر العباد، لتميزهم بالخصائص الآتية: ١- لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله، وهذا دليل على حسن طاعتهم وعبادتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر. ٢- يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي إن الله تعالى يعلم علما تاما وشاملا كل ما تقدم من أفعال الملائكة وأعمالهم، سواء المتقدم منها والمتأخر، والظاهر منها والباطن. ٣- وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى أي إن الله أخبر أن الملائكة لا يجرءون أن

стр. 1573

يشفعوا بأحد من الناس إلا لمن ارتضى الله أن يشفع لهم، وكان أهلا للشفاعة، فليس لبشر أن يتعلق بشفاعة غير الله، فإن الشفاعة مرتبطة بإذن الله ورضاه. ٤- وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أي إن الملائكة أنفسهم خائفون حذرون من هيبة الله وجلاله، مراقبون ربهم، مبالغون في الخوف من مصائرهم عند ربهم. وإذا كان هذا شأن الملائكة مع الله، فالناس أولى بالخوف والخشية والحذر من الله، لتورطهم في المعاصي، لذا استحقوا الإنذار الإلهي بالوعيد الشديد، والتهديد الكبير، فمن يدعي من البشر أنه إله من دون الله، أي مع الله، كإبليس الذي دعا إلى عبادة نفسه، وفرعون الذي ادعى الألوهية والربوبية، فجزاؤه الحتمي جهنم على ادعائه الباطل، أما الملائكة فلم يقل واحد منهم: إني إله غير الله. ومثل ذلك الجزاء للمتأله المستكبر، يجزي الله بالنار كل جائر ظالم نفسه، خارج عن حدوده وإمكاناته، والظالمون: هم المشركون، فإذا كان الله تعالى يجازي مدعي الألوهية، فهو يجازي الظالمين: وهم كل من أشركوا مع الله إلها آخر، ووضعوا الألوهية والعبادة في غير موضعها. أفبعد هذا النفي الشديد لتعدد الآلهة، وبعد هذا الإنذار الرهيب لمن تورط في الشرك والوثنية يكون لعاقل أن يزعم لنفسه صفة من صفات الله تعالى التي تفرّد بها؟! ومن صفات الله: الجلال والعظمة والكبرياء، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة، والتدبير المطلق، والإرادة النافذة، والعلم المحيط بكل شيء. والخلاصة: «كذلك نجزي الظالمين» معناه كجزائنا هذا القائل المدعي الألوهية جزاؤنا الظالمين.

стр. 1574

أدلة توحيد الله تعالى هناك براهين ملموسة، وأدلة حسية كثيرة مشاهدة، على توحيد الله الإله القادر، وتلك الأدلة واضحة في عظمة هذا الكون، وإحكام صنعه، وإتقان وجوده، وما على الإنسان إلا أن يتأمل تأملا واعيا ودقيقا، فيما اكتشفه العلماء، وما أرشدوا إليه من ثوابت الكون، وآفاقه الرحبة الشاسعة، وقيام كل جزء في الكون بوظيفته التامة، دون تصادم ولا تعارض، ولا شذوذ ولا تعطل، وهذه آيات من القرآن العظيم تورد ستة أدلة على وجود الله ووحدانيته، قال الله تعالى: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٠ الى ٣٣] أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأنبياء: ٢١/ ٣٠- ٣٣] . تضمنت هذه الآيات ستة أدلة على وحدانية الله تعالى، وهي ما يأتي: ١- فصل الأرض عن السماوات بعد أن كانتا كتلة نارية أو غازية ملتهبة، قالت فرقة: كانت السماء ملتصقة بالأرض، ففتقها الله بالهواء، وقال فرقة: كانت السماء ملتصقة بعضها ببعض والأرض كذلك، ففتقها الله سبعا سبعا. والتصاق الأرض بالسماء في كتلة نارية واحدة هي نظرية السديم المعروفة عند العلماء. وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا على أي قول: هي رؤية القلب، لا رؤية البصر، إذ لم يكن الكفار على ظهر الحياة حين الفتق.

стр. 1575

٢- خلق الله كل حيوان من الماء، أي جعل الله من الماء الذي أوجده بفتق السماء عن الأرض، حياة الكائنات الحية، كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [النور: ٢٤/ ٤٥] . وهذا يوافق قول بعض العلماء: إن كل حيوان خلق أولا في البحر، ثم انتقل بعض الحيوان إلى البر، وتطبع بطباع البر مع مرور الزمن. وختم الله الآية بقوله: أَفَلا يُؤْمِنُونَ أي ألا يتدبرون هذه الأدلة، وهم يشاهدون كيفية خلق الأشياء، فيؤمنون بالخالق، ويتركون الشرك؟! ٣- إلقاء الجبال الراسيات في الأرض، لئلا تضطرب بالناس وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها، ويروى أن الأرض، كانت تكفأ بأهلها، حتى ثقّلها الله بالجبال، فاستقرت. ٤- إيجاد الفجاج، أي الطرق مسالك بين الجبال أو بين أجزاء الأرض، يسلكها الناس عادة بسهولة من مكان إلى آخر، ليهتدوا بها إلى مقاصدهم المعيشية في البلاد. والاهتداء إلى الغاية الدنيوية في الحياة، يذكّر بضرورة الاهتداء إلى العقيدة والطريقة المستقيمة المرضية لله تعالى، لذا ختمت الآية بقوله سبحانه: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي لكي يهتدوا في مسالكهم وتصرّفهم. وقوله تعالى: وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً الضمير إما أن يعود على الجبال الرواسي، أو يعود على الأرض، وهو كما قال ابن عطية في تفسيره: أحسن. ٥- جعل السماء سقفا محفوظا، أي جعل السماء بمثابة المظلة أو السقف والقبة على الأرض، وذلك السقف محفوظ من الوقوع والاضطراب، ومحفوظ من الشياطين التي تحاول استراق السمع- سمع الأسرار الإلهية. فالحفظ هنا عام في الصون من الشياطين ومن التصدع والسقوط وغير ذلك من الآفات. وعلى الرغم من هذه الأدلة الدالة على وحدانية الإله، الناس غافلون عنها، لذا

стр. 1576

استحقوا اللوم والتوبيخ بنهاية الآية، فقال الله تعالى: وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ أي إن الناس عن آيات السماء معرضون غير متأملين ولا مفكرين، وآيات السماء: كواكبها وأمطارها، والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك مما يشبهه. ٦- خلق الليل والنهار، والشمس والقمر، نعمة من الله، ودليلا على عظمة سلطانه، عن طريق دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، ودوران القمر حول الأرض، والشمس والقمر كل منهما يدور ويسبح في فلك خاص معين له، لا يفارقه، والفلك: الجسم الدائر دورة اليوم والليلة، فالكل في ذلك سابح متصرف، وإيجاد الليل لمنافع كثيرة كالراحة والنوم والاستقرار، وإيجاد النهار للتقلب في معايش الدنيا، وخلق الشمس والقمر للإضاءة، وإفادة الزروع والثمار. الموت نهاية كل حي لا خلود لأحد من المخلوقات في عالم الدنيا، سواء من الجن والإنس، والملائكة والبشر والحيوان، فمصير الجميع إلى الموت، ثم يأتي يوم القيامة فجأة لحساب الخلائق، ومعرفة المصلح من المفسد، والمؤمن من الكافر، والبرّ من الفاسق والفاجر، فتسود العدالة المطلقة، ويتحقق التناصف بين المخلوقات في الآخرة بعد أن ملئت الأرض جورا وظلما، وهذا ما أعلنه القرآن المجيد في الآيات الآتية: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٤ الى ٤١] وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) «١»

стр. 1577

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنبياء: ٢١/ ٣٤- ٤١] . سبب نزول هذه الآيات: أن بعض المسلمين قال: إن محمدا لن يموت، وإنما هو مخلّد، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأنكره، ونزلت هذه الآية. وفي رواية أخرى: نزلت هذه الآية، لما قال الكفار: إن محمدا سيموت قائلين: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: ٥٢/ ٣٠] . والمعنى: قضى الله تعالى ألا يخلّد في الدنيا بشرا ولا نفسا، فلن يكتب الخلود لأحد، فلا نخلد أحدا، ولا أنت نخلّدك أيها النبي، وقد قدّر لك أن تموت كسائر الرسل المتقدمين قبلك، فهل إذا مت أيها الرسول يبقى هؤلاء المشركون بربهم؟ لا، بل الكل ميتون، فلا أمل في أن يعيشوا بعدك. وهذا رد على المشركين الذين كانوا يتمنون موت رسول الله ﷺ ، وكانوا يقدّرون أنه سيموت، فيشمتون بموته، فلا محل لهذه الشماتة لأن الموت نهاية طبيعية لكل حي، حتى الملائكة والجن يموتون، لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) [الرحمن: ٥٥/ ٢٦- ٢٧] . ثم أكد الله تعالى موت الأنفس بقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي كل مخلوق إلى الفناء، وكل نفس ذائقة مرارة الموت، قبل مفارقتها الجسد، فيكون المراد بالنفس هنا: كل نفس مخلوقة.

стр. 1578

والحياة مسرح للابتلاء أو الاختبار بالبلاء والنعمة، وبالشدة والرخاء، وبالشر والخير، ومرجعكم ومصيركم في النهاية إلى حكم الله وحسابه وجزائه، فنجازيكم بأعمالكم، وفي هذا وعد بالثواب، ووعيد بالعقاب، وهذا إخبار من الله عن الرجعة إليه، والقيام من القبور، بعد أن كانوا على أحوال مختلفة في الدنيا، كما قال الله تعالى في تقسيم أمة محمد ﷺ : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: ٣٥/ ٣٢] . والابتلاء بالخير والشر هنا: كل ما يصح أن يكون فتنة وابتلاء، وذلك خير المال وشره، وخير البدن وشره، وخير الدنيا في الحياة وشرها. وأما الهدى والضلال، فغير داخل في هذا، كما لا تدخل الطاعة والمعصية، والأوامر والنواهي لأن من هدي فليس نفس هداه اختبارا، بل قد تبين خبره. ثم ذكر الله تعالى استهزاء بعض المشركين بالنبي ﷺ ، كأبي جهل بن هشام وأمثاله، فليس لهم همّ إلا السخرية من النبي، واتخاذه مهزوءا به، وقالوا تعجبا واستنكارا: أهذا الذي يعيب آلهتكم ويسفّه أحلامكم؟! والحال أنهم كافرون بالله الذي خلقهم وأنعم عليهم، وإليه مرجعهم، فهم يعيبون على النبي ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع، مع أنهم كافرون بالرحمن الذي هو المنعم الخالق، المحيي والمميت. روي أن أبا سفيان وأبا جهل بن هشام رأيا رسول الله ﷺ في المسجد، فاستهزءا به، فنزلت الآية بسببهما. وظاهر الآية يعم معناها جميع كفار قريش وعظمائهم الذين كانوا ينكرون موقف الرسول من آلهتهم. فرد الله عليهم بأنهم أحق بالملام، وهم المخطئون، حيث كفروا بذكر الله، واستمتعوا بذكر الأصنام، وقوله تعالى: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ معناه بما يجب أن يذكر به. والمقصود بالرحمن: هو الله تعالى، ردا عليهم حين قالوا: ما نعرف الرحمن إلا باليمامة.

стр. 1579

ثم مهدت الآية للرد على المشركين في استعجالهم العذاب، وطلبهم آية مقترحة، فهي مقرونة بعذاب مجهّز إن كفروا بعد ذلك، ومضمون الآية: أن الإنسان خلق متعجلا الأمور، وكأن هذا جزء من تكوينه وفطرته، كما قال سبحانه: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [الإسراء: ١٧/ ١١] . أي في الأمور، فإن المشركين يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى الإيمان والإقرار بالعبودية، وبرسالة محمد ﷺ . روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث الذي استعجل العذاب الذي هدد به النبي قومه، إنهم يستعجلون العذاب، ويقولون على سبيل الاستهزاء بالنبي وصحبه المؤمنين: متى وقت حدوث عذاب النار الذي تهددوننا به، إن كنتم صادقين في وعدكم وقولكم؟! والمراد نهيهم عن الاستعجال، وزجرهم. لو يعلم الذين كفروا نوع العذاب المنتظر في الآخرة في الوقت الذي لا يتمكنون من منع العذاب عن وجوههم وظهورهم، ولا يجدون ناصرا لهم ينجيهم، لو يعلمون لما قالوا ذلك، ولم يستعجلوا العذاب. بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، فتدهشهم وتحيرهم، فلا يستطيعون صرفها عن أنفسهم، ولا هم يؤخرون لتوبة أو اعتذار. ولقد استهزأ الكفار الماضون بالرسل السابقين من قبلك، أيها الرسول، فأحاط بالذين سخروا واستهزءوا برسلهم العذاب الذي أنذرتهم به الرسل، جزاء استهزائهم. الحراسة المطلقة لله من البأس والشدة يتعرض الإنسان أحيانا للأحداث الجسام والوقائع العظام بقضاء الله وقدره ولحكمة بالغة، قد تكون قصاصا في الدنيا، وقد تكون تنبيها وتحذيرا، وقد تكون عبرة وابتلاء واختبارا، ولكن في غالب الأحوال يكون الإنسان عادة في كلاءة الله

стр. 1580

وحراسته وحفظه، تحميه من الموت، وتمنعه من السوء أو المكروه، وليس للآلهة المزعومة من الأصنام وغيرها قدرة على حفظ شيء من الضرر، أو جلب شيء من النفع، وهذا لون من المقارنة، لحمل المشركين الوثنيين على الإيمان بوحدانية الله وقدرته، وترك عبادة من لا قدرة ولا إرادة له أصلا، قال الله سبحانه: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) «١» «٢» [الأنبياء: ٢١/ ٤٢- ٤٤] . هذا لون من تقريع المشركين الذين لا يتفكرون بأدلة الإيمان، ولا يتركون عبادة الأصنام، فقل يا محمد لهؤلاء الكفرة المستهزئين بك وبما جئت به، الكافرين بذكر الرحمن، الجاهلين به، قل لهم على جهة التقريع والتوبيخ: من يحفظهم؟ ومن الذي يحرسهم بالليل في نومهم، وبالنهار في عملهم، من بأس الله وعذابه إن أتاهم؟ بل إن هؤلاء المشركين- على الرغم من وجود الأدلة الكثيرة العقلية والمادية الدالة على فضل الله ونعمته بالحفظ- معرضون عن تلك الأدلة. ثم وبخهم الله سبحانه على عبادتهم آلهة لا تضر ولا تنفع، فهم يظنون أن آلهتهم العاجزة عن كل شيء، تمنعهم من عذاب الله، والواقع لا يمنعهم أحد من بأس الله إلا الله، وتلك الآلهة لا يتمكنون من نصر أنفسهم، ولا دفع الضر عنهم، ولا هم يجأرون ويمنعون، بل يخضعون لسلطان الله فيهم، لأنهم في غاية العجز والضعف، فكيف ينصرون غيرهم، ويدفعون الضر عنهم أو يجلبون النفع لهم؟! بل إن الذي غرهم وأوقعهم في الضلال أن الله متّع المشركين بالنعم الكثيرة، في
следующие страницы →