استحقوا اللوم والتوبيخ بنهاية الآية، فقال الله تعالى: وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ أي إن الناس عن آيات السماء معرضون غير متأملين ولا مفكرين، وآيات السماء:
كواكبها وأمطارها، والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك مما يشبهه.
٦- خلق الليل والنهار، والشمس والقمر، نعمة من الله، ودليلا على عظمة سلطانه، عن طريق دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، ودوران القمر حول الأرض، والشمس والقمر كل منهما يدور ويسبح في فلك خاص معين له، لا يفارقه، والفلك: الجسم الدائر دورة اليوم والليلة، فالكل في ذلك سابح متصرف، وإيجاد الليل لمنافع كثيرة كالراحة والنوم والاستقرار، وإيجاد النهار للتقلب في معايش الدنيا، وخلق الشمس والقمر للإضاءة، وإفادة الزروع والثمار.
الموت نهاية كل حي
لا خلود لأحد من المخلوقات في عالم الدنيا، سواء من الجن والإنس، والملائكة والبشر والحيوان، فمصير الجميع إلى الموت، ثم يأتي يوم القيامة فجأة لحساب الخلائق، ومعرفة المصلح من المفسد، والمؤمن من الكافر، والبرّ من الفاسق والفاجر، فتسود العدالة المطلقة، ويتحقق التناصف بين المخلوقات في الآخرة بعد أن ملئت الأرض جورا وظلما، وهذا ما أعلنه القرآن المجيد في الآيات الآتية:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٤ الى ٤١]
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١)
«١»
стр. 1577
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنبياء: ٢١/ ٣٤- ٤١] .
سبب نزول هذه الآيات:
أن بعض المسلمين قال: إن محمدا لن يموت، وإنما هو مخلّد، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأنكره، ونزلت هذه الآية.
وفي رواية أخرى: نزلت هذه الآية، لما قال الكفار: إن محمدا سيموت قائلين: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: ٥٢/ ٣٠] .
والمعنى: قضى الله تعالى ألا يخلّد في الدنيا بشرا ولا نفسا، فلن يكتب الخلود لأحد، فلا نخلد أحدا، ولا أنت نخلّدك أيها النبي، وقد قدّر لك أن تموت كسائر الرسل المتقدمين قبلك، فهل إذا مت أيها الرسول يبقى هؤلاء المشركون بربهم؟ لا، بل الكل ميتون، فلا أمل في أن يعيشوا بعدك. وهذا رد على المشركين الذين كانوا يتمنون موت رسول الله ﷺ ، وكانوا يقدّرون أنه سيموت، فيشمتون بموته، فلا محل لهذه الشماتة لأن الموت نهاية طبيعية لكل حي، حتى الملائكة والجن يموتون، لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) [الرحمن: ٥٥/ ٢٦- ٢٧] .
ثم أكد الله تعالى موت الأنفس بقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي كل مخلوق إلى الفناء، وكل نفس ذائقة مرارة الموت، قبل مفارقتها الجسد، فيكون المراد بالنفس هنا: كل نفس مخلوقة.
стр. 1578
والحياة مسرح للابتلاء أو الاختبار بالبلاء والنعمة، وبالشدة والرخاء، وبالشر والخير، ومرجعكم ومصيركم في النهاية إلى حكم الله وحسابه وجزائه، فنجازيكم بأعمالكم، وفي هذا وعد بالثواب، ووعيد بالعقاب، وهذا إخبار من الله عن الرجعة إليه، والقيام من القبور، بعد أن كانوا على أحوال مختلفة في الدنيا، كما قال الله تعالى في تقسيم أمة محمد ﷺ : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: ٣٥/ ٣٢] . والابتلاء بالخير والشر هنا: كل ما يصح أن يكون فتنة وابتلاء، وذلك خير المال وشره، وخير البدن وشره، وخير الدنيا في الحياة وشرها. وأما الهدى والضلال، فغير داخل في هذا، كما لا تدخل الطاعة والمعصية، والأوامر والنواهي لأن من هدي فليس نفس هداه اختبارا، بل قد تبين خبره.
ثم ذكر الله تعالى استهزاء بعض المشركين بالنبي ﷺ ، كأبي جهل بن هشام وأمثاله، فليس لهم همّ إلا السخرية من النبي، واتخاذه مهزوءا به، وقالوا تعجبا واستنكارا: أهذا الذي يعيب آلهتكم ويسفّه أحلامكم؟! والحال أنهم كافرون بالله الذي خلقهم وأنعم عليهم، وإليه مرجعهم، فهم يعيبون على النبي ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع، مع أنهم كافرون بالرحمن الذي هو المنعم الخالق، المحيي والمميت.
روي أن أبا سفيان وأبا جهل بن هشام رأيا رسول الله ﷺ في المسجد، فاستهزءا به، فنزلت الآية بسببهما. وظاهر الآية يعم معناها جميع كفار قريش وعظمائهم الذين كانوا ينكرون موقف الرسول من آلهتهم. فرد الله عليهم بأنهم أحق بالملام، وهم المخطئون، حيث كفروا بذكر الله، واستمتعوا بذكر الأصنام، وقوله تعالى: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ معناه بما يجب أن يذكر به. والمقصود بالرحمن:
هو الله تعالى، ردا عليهم حين قالوا: ما نعرف الرحمن إلا باليمامة.
стр. 1579
ثم مهدت الآية للرد على المشركين في استعجالهم العذاب، وطلبهم آية مقترحة، فهي مقرونة بعذاب مجهّز إن كفروا بعد ذلك، ومضمون الآية: أن الإنسان خلق متعجلا الأمور، وكأن هذا جزء من تكوينه وفطرته، كما قال سبحانه: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [الإسراء: ١٧/ ١١] . أي في الأمور، فإن المشركين يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى الإيمان والإقرار بالعبودية، وبرسالة محمد ﷺ .
روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث الذي استعجل العذاب الذي هدد به النبي قومه، إنهم يستعجلون العذاب، ويقولون على سبيل الاستهزاء بالنبي وصحبه المؤمنين: متى وقت حدوث عذاب النار الذي تهددوننا به، إن كنتم صادقين في وعدكم وقولكم؟! والمراد نهيهم عن الاستعجال، وزجرهم.
لو يعلم الذين كفروا نوع العذاب المنتظر في الآخرة في الوقت الذي لا يتمكنون من منع العذاب عن وجوههم وظهورهم، ولا يجدون ناصرا لهم ينجيهم، لو يعلمون لما قالوا ذلك، ولم يستعجلوا العذاب.
بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، فتدهشهم وتحيرهم، فلا يستطيعون صرفها عن أنفسهم، ولا هم يؤخرون لتوبة أو اعتذار.
ولقد استهزأ الكفار الماضون بالرسل السابقين من قبلك، أيها الرسول، فأحاط بالذين سخروا واستهزءوا برسلهم العذاب الذي أنذرتهم به الرسل، جزاء استهزائهم.
الحراسة المطلقة لله من البأس والشدة
يتعرض الإنسان أحيانا للأحداث الجسام والوقائع العظام بقضاء الله وقدره ولحكمة بالغة، قد تكون قصاصا في الدنيا، وقد تكون تنبيها وتحذيرا، وقد تكون عبرة وابتلاء واختبارا، ولكن في غالب الأحوال يكون الإنسان عادة في كلاءة الله
стр. 1580
وحراسته وحفظه، تحميه من الموت، وتمنعه من السوء أو المكروه، وليس للآلهة المزعومة من الأصنام وغيرها قدرة على حفظ شيء من الضرر، أو جلب شيء من النفع، وهذا لون من المقارنة، لحمل المشركين الوثنيين على الإيمان بوحدانية الله وقدرته، وترك عبادة من لا قدرة ولا إرادة له أصلا، قال الله سبحانه:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٤]
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤)
«١» «٢» [الأنبياء: ٢١/ ٤٢- ٤٤] .
هذا لون من تقريع المشركين الذين لا يتفكرون بأدلة الإيمان، ولا يتركون عبادة الأصنام، فقل يا محمد لهؤلاء الكفرة المستهزئين بك وبما جئت به، الكافرين بذكر الرحمن، الجاهلين به، قل لهم على جهة التقريع والتوبيخ: من يحفظهم؟ ومن الذي يحرسهم بالليل في نومهم، وبالنهار في عملهم، من بأس الله وعذابه إن أتاهم؟ بل إن هؤلاء المشركين- على الرغم من وجود الأدلة الكثيرة العقلية والمادية الدالة على فضل الله ونعمته بالحفظ- معرضون عن تلك الأدلة.
ثم وبخهم الله سبحانه على عبادتهم آلهة لا تضر ولا تنفع، فهم يظنون أن آلهتهم العاجزة عن كل شيء، تمنعهم من عذاب الله، والواقع لا يمنعهم أحد من بأس الله إلا الله، وتلك الآلهة لا يتمكنون من نصر أنفسهم، ولا دفع الضر عنهم، ولا هم يجأرون ويمنعون، بل يخضعون لسلطان الله فيهم، لأنهم في غاية العجز والضعف، فكيف ينصرون غيرهم، ويدفعون الضر عنهم أو يجلبون النفع لهم؟! بل إن الذي غرهم وأوقعهم في الضلال أن الله متّع المشركين بالنعم الكثيرة، في
стр. 1581
الدنيا كما متّع آباءهم، حتى طال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، والحقيقة أنهم مع مرور الزمان في غفلة، حتى اغتروا بنعم الله، ونسوا شكرها، ثم وعظهم الله بعظة بليغة تتعلق بمواضع العبرة في الأمم والبشر، وهذه العظة مضمونها: أفلا يرون رأي العين التي تتبعها رؤية القلب ما يتعرض له بعض معمور الدينا وأطرافها من خراب، وحال بعض البشر من نقص وموت، فيكون المراد حينئذ أهل الأرض. وحقيقة توبيخهم هي: أهم يغلبون من غلب جميع أهل الأرض، وقهر الكل بسلطانه وعظمته؟ أي إن ذلك محال بيّن، بل هم مغلوبون مقهورون.
وفي قوله تعالى: نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها إشارة واضحة إلى التقلبات والأحداث التي تطرأ على أحوال الدنيا، أو تصف وجود الكرة الأرضية، أما التقلبات: فهي التي تحدث في أثناء الفتوحات، حيث تمتد رقعة شعب، وتضيق رقعة شعب آخر، ففي الماضي كانت تتقلص أراضي المشركين المعتدين بفتح المسلمين لها، واتساع نفوذهم، فيكون المسلمون بإرادة الله وقوته هم الغالبين، والمشركون هم المغلوبين وفي هذا عبرة للمعتبر. وأما حال الأرض: فهي كما أثبت العلماء المعاصرون غير تامة التكوير والاستدارة، وإنما هي مفلطحة، وهو ما يعبر عنه بالخط الإهليجي في القطب الشمالي والجنوبي، مما يدل على وجود صانع مدبر، هو الإله ذو القدرة النافذة، والسلطان المطلق، يتحكم في الأرض أثناء دورانها، ويخلق الله ما يشاء، ويحكم بما يريد.
وليتأمل الإنسان قول الله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ معناه بالقدرة والبأس، والأرض عامة في الجنس. كما يتأمل نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أي من جوانبها لا من وسطها، ويراد به: إما ما يخرب من المعمور، فذاك بعض الأرض، وإما أن
стр. 1582
يراد به موت البشر، فهو تنقص للقرون، ويكون المراد حينئذ أهل الأرض، كما ذكر ابن عطية ﵀.
الإنذار بالوحي والحساب
تتكرر في آي القرآن الكريم إنذارات المشركين وتهديداتهم، لحملهم على الإيمان، ويكون الإنذار أحيانا بالتذكير بإهلاك القرون والأمم الظالمة السابقة، وأحيانا بقوارع الوحي والتهديد بالعذاب الشامل، وتارة بالحساب الشديد على صغائر الأمور وكبائرها، ليعلم البشر أن الإله القادر محيط بكل شيء من أحوال الدنيا، والهيمنة على مصائر المخلوقات في الدنيا بالقهر والغلبة، وفي الآخرة بالحساب الدقيق الذي لا يفلت منه أحد، ويكون المصير المشؤوم لبعض الناس، قال الله تعالى مبينا كل هذا:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)
«١» »
«٣» [الأنبياء: ٢١/ ٤٥- ٤٧] .
المعنى: قل أيها الرسول النبي: يا أيها المقترحون المتشططون من أهل الشرك، إنما أنذركم بوحي يوحيه الله إلي، وبدلالات على العبر والعظات التي أقامها الله تعالى لينظر فيها، كنقصان الأرض من أطرافها وغيره، وإنما أنا مبلّغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال، فلا تظنوا أن ذلك من قبلي، بل الله آتيكم به، وأمرني
стр. 1583
بإنذاركم به، وعملي: هو مجرد التبليغ لا الإلزام بالقبول، ولم أبعث بآية مطّردة ولا بما تقترحونه، فإن لم تجيبوا دعوتي، فعليكم الوبال والنكال، لا علي.
ولا يجدي هذا الوحي من أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، وما مثل المعرضين عن آيات الله إلا مثل الصّمّ الذين لا يسمعون شيئا أصلا، فليس الغرض من الإنذار مجرد السماع، بل الإصغاء لما يسمع، والتمسك به، بالإقدام على فعل الواجب، والتحرز عن المحرّم، ومعرفة الحق، فإذا لم يتحقق هذا الغرض، فلا فائدة في السماع.
ولئن مسّ أو أصاب هؤلاء المكذبين شيء من عذاب الله يوم القيامة، ليبادرن إلى الاعتراف بذنوبهم، ويقولون: يا هلاكنا، إنا ظلمنا أنفسنا في الدنيا، بتقصيرنا في الطاعة، وإعراضنا عن الإيمان الحق بالله تعالى، وبعبارة أخرى: ولئن مسّ هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم، ليندمنّ وليقرّنّ بظلمهم. وفي هذا إشارة إلى شدة عذاب الله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) [البروج: ٨٥/ ١٢] .
وبعد أن توعدهم الله بنفحة من عذاب الدنيا، عقّب ذلك بتوعّد بوضع الموازين الدقيقة للحساب في الآخرة، والمعنى: ونضع الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال في يوم القيامة، أو لحساب يوم القيامة، أو لحكم يوم القيامة، فقوله تعالى:
لِيَوْمِ الْقِيامَةِ بتقدير حذف مضاف، فلا يلحق نفسا أي ظلم، فهم إن ظلموا أنفسهم في الدنيا، فلن يظلموا في الآخرة، حتى وإن كان العمل أو الظلم زنة حبة الخردل، فنجازي عليه الجزاء الأوفى، حسنا أو سيئا، وكفى بنا محصين لأعمال العباد، فلا أحد أعلم بأعمالهم منا، ولا أحد أضبط ولا أعدل في تقويم الأعمال منا. وفي هذا تحذير شديد، ووعيد أكيد للكفار والعصاة على تفريطهم أو تقصيرهم فيما يجب عليهم نحو الله تعالى لأن الإله العالم الذي لا يشتبه عليه شيء، القادر الذي لا يعجزه شيء، جدير بأن يكون الناس في أشد الخوف منه.
стр. 1584
وجمهور المفسرين على أن الميزان في يوم القيامة إنما هو ميزان واحد، بعمود وكفتين، توزن به الأعمال، ليبيّن الله للناس المحسوس المعروف عندهم. والخفة والثقل متعلقة بأجسام يقرنها الله تعالى يوم القيامة بالأعمال، فإما أن يكون الموزون صحف الأعمال، أو مثالات تخلق، أو ما شاء الله ﵎، فهي موازين حقيقية، توزن بها الأعمال.
والمقصود من الوزن: إقامة العدل المطلق الدقيق بين الخلائق لأن الناس عادة لا يثقون إلا بالمحسوسات المشاهدة لهم، فإذا شاهدوا ما يوجد في كفتي الميزان من حسنات وسيئات، اقتنعوا بأم أعينهم بما يشاهدون، وأدركوا حصيلة ما قدموا من أعمال صالحات أو سيئات.
إنها إذن موازين حقيقية توزن بها الأعمال بعد تجسيمها، ولا مانع على قدرة الله أن توزن بهذه الموازين الأمور المعنوية كما توزن الأمور الحسية، كموازين الضغط والحرارة والحركة والاستشعار من بعد.
خصائص التوراة والقرآن
إن منهاج الكتب الإلهية واحد، وغايتها واحدة، فمنهاجها الدعوة إلى توحيد الله، وإنارة الطريق أمام البشر، وتذكير أهل التقوى بالعمل الصالح، وغايتها إصلاح البشرية، ووحدة الأمة، واستمرار الأصالة الإيمانية، دون تعثر ولا انحراف، ولا تغير أو تبدل، وحينئذ تلتقي مسيرة الإيمان في درب واحد، ذروتها الإخلاص لرب العالمين، وجذع شجرتها الإقرار بوجود الله ووحدانيته، وأغصانها الأعمال الصالحة المتميزة بخشية الله، وثمارها إسعاد الناس في الدنيا والآخرة. وهذا
стр. 1585
ما دوّنته آيات القرآن الكريم التي تربط بين هدي التوراة المنزلة على موسى ﵇، وهدي القرآن المجيد المنزّل على محمد ﷺ ، قال الله :
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
«١» [الأنبياء: ٢١/ ٤٨- ٥٠] .
وصف الله تعالى التوراة المنزلة على موسى وهارون بصفات ثلاث، ووصف القرآن الكريم بصفة واحدة، أجملت صفات التوراة. أما صفات التوراة الثلاث فهي:
لقد أعطى الله تعالى موسى وهارون كتاب التوراة المشتمل على أحكام الشريعة الموسوية، وميزاته: أنه الفارق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وأنه أيضا المنار الذي يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، للتوصل إلى طريق الهداية والنجاة، وهو كذلك عظة وتذكّر يعظ الله به المتقين المتصفين بالصفتين الآتيتين:
وهما: أنهم أي المتقون يخشون الله في حال الغيب والخلوة، حيث لا يطلع عليهم أحد، ويخافون عذاب ربهم، فيأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، حيث لا رقيب ولا شهيد يشاهد أعمالهم، وخشية الله في السر كخشيته في العلن من أصول الإيمان وثوابته، كما جاء في آيات أخرى قرآنية، مثل قوله تعالى في وصف أهل الجنة: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) [ق: ٥٠/ ٣٣] . وقوله سبحانه في بيان جزاء أهل الخشية: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) [الملك: ٦٧/ ١٢] .
والصفة الثانية للمتقين: الخوف الشديد من الساعة، أي القيامة، والإشفاق على النفس من أهوالها، وسائر ما يحدث فيها من الحساب والسؤال، والإشفاق: أشد الخشية.
стр. 1586
ويكون الخوف المزدوج من لقاء الله، في السر، ومن أهوال القيامة علامة على الإيمان الحق، والتقوى (التزام الأحكام) التي هي ملاك أمر الدين.
والقرآن العظيم مثل التوراة في بيان أحكام الشريعة، وتعليم الناس مناهج الحق والعقيدة، والفضيلة والسيرة الحميدة، يصل الماضي بالحاضر والمستقبل، ويختم رسالات الأنبياء، ويبين مضمون الوحي الإلهي المتميز بزاخر المنافع، ووافر العطاء.
ثم عبّر الحق سبحانه عن القرآن بقوله: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ يجمل به خصائص التوراة الآنفة الذكر، أي إن القرآن الكريم المنزل على النبي ﷺ تذكر وتذكير، وتدبر وعظة، وبركة وخير، فيه منافع كثيرة، وخيرات غزيرة. وقوله سبحانه عن القرآن: أَنْزَلْناهُ إما بمعنى أثبتناه، أو أنزلناه بواسطة جبريل أمين الوحي، ليكون دستور الحياة الإنسانية إلى الأبد. ثم وبخ الله مشركي مكة على إعراضهم عن القرآن، مخاطبا إياهم بما معناه:
أفمثل هذا الكتاب المنزل من عند الله، مع كثرة منافعه وخيراته، كيف يمكنكم يا مشركي مكة وأمثالكم إنكاره والتصدي له والحيلولة دونه، وكيف تنكرونه، وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ وهل يصح لكم إنكار بركته ونفعه، وما فيه من الدعاء إلى الله تعالى وإلى صالح العمل؟
وأنتم تعلمون في قرارة نفوسكم أنه كتاب من عند الله وأنه كلام الله، بدليل أنه معجز لا يبارى ولا يجارى، لاشتماله على النظم العجيب، والبلاغة العالية، والأدلة العقلية، وبيان الشرائع والأحكام. فكيف تنكرون إنزاله من عند الله، وأنتم أيها العرب خير من يقدر روعة الكلام، وجزالة البيان، وفصاحة اللسان، وإحكام النظم والمعنى؟
стр. 1587
تهديد إبراهيم الخليل بتدمير الأصنام
لقد عانى الأنبياء والرسل ﵈ معاناة شديدة في حمل أقوامهم على رفض عبادة الأصنام، بدءا من تصدي نوح ﵇ لها، ومرورا بالجهاد العظيم من إبراهيم ﵇ للقضاء عليها، وتتويجا لحملة محمد ﷺ لتصفية معاقل الشرك والوثنية وإنهاء هذه الأسطورة من العالم، أما إبراهيم الخليل فكان النبي الجريء في تحطيم الأصنام وتكسير الأوثان، مضحيا بنفسه، ومعرّضا حياته للخطر في إقدامه على هذا الفعل الجليل، قال تعالى مصورا هذا الموقف الصامد والجسور لأبي الأنبياء إبراهيم ﵇:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥١ الى ٥٨]
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)
«١» «٢» «٣» «٤» [الأنبياء: ٢١/ ٥١- ٥٨] .
المعنى: والله لقد آتينا إبراهيم رشده من عهد الصبا: وهو هدايته إلى رفض الأصنام، ونبذ عبادة الكوكب والشمس والقمر، والتزام جادة الخير والصلاح، والتوفيق لمتطلبات النبوة فما دونها، واعتقاده توحيد الله تعالى، وكان الله تعالى عالما علما تاما بحال إبراهيم، وهذا مدح له ﵇، وكل ذلك من قبل مجيء موسى وهارون ﵉، فهو بحق يستحق ما أهّل له، وهذا نحو قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ٦/ ١٢٤] .
стр. 1588
لقد آتينا إبراهيم رشده، أي النبوة فما دونها، حيث قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل، أي الأصنام التي كانت على صورة إنسان، والتي أنتم مقيمون على عبادتها وتعظيمها؟ وفي هذا القول تنبيه إلى ضرورة التأمل في شأنها، وأنها لا تغني عنهم شيئا، لكنهم لم يفعلوا، وأصروا على تقليد أسلافهم قائلين:
لا حجة لنا سوى تقليد الآباء واتباع الأسلاف، لقد رأيناهم عابدين لها، عاكفين على عبادتها وتعظيمها. وهذا تقليد لا يعتمد على منطق صحيح ولا فكر سليم.
قال إبراهيم مجيبا على هذا التقليد: لا فرق بينكم وبين آبائكم، فأنتم وهم في ضلال مبين واضح، والضلال: الانحراف والضياع، والوقوع في متاهة وخطأ.
فتعجبوا من قوله، وقالوا: ما هذا الكلام الصادر عنك، أتقوله لاعبا هازلا، أم محقا جادّا فيه، فإنا لم نسمع به قبلك؟ فأجابهم إبراهيم رافضا الأصنام: إني جادّ في كلامي، لا هازل، وإن الرب الحقيقي المستحق للعبادة هو مالك السماوات والأرض، ومدبرها، وخالقها على غير مثال سابق، وأنا أشهد شهادة واثق مطمئن أنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه.
ووالله لأجتهدن في تكسير أصنامكم، وفي تحطيمها وإزالتها، بعد أن تذهبوا إلى عيدكم خارج البلد، منطلقين ذاهبين. روي أنه حضرهم عيد لهم، فعزم قوم منهم على حضور إبراهيم ﵇ معهم، طمعا منهم أن يستحسن شيئا من أخبارهم، فمشى معهم، فلما كان في الطريق عزم على التخلف عنهم، وقال لهم: إني سقيم، فمرّ به جمهورهم، ثم قال في خلوة من نفسه: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ فسمعه قوم من ضعفتهم، ممن كان يسير في آخر الناس.
ثم انصرف إبراهيم ﵇ إلى بيت أصنامهم وحده، فدخل ومعه قدوم، فوجد الأصنام واقفة، بترتيب، الأكبر منها فالأصغر، وقد وضعوا أطعمتهم في
стр. 1589
ذلك اليوم بين يدي الأصنام تبركا بها، ليأكلوها بعد عودتهم من العيد، فانقضّ عليهم إبراهيم ضربا بذلك القدوم، وهشّمها، حتى أفسد أشكالها كلها، حاشا الكبير، فإنه تركه بحاله، وعلّق القدوم في يده، وخرج عنها، لعل هؤلاء الوثنيين يرجعون إلى الكبير الذي يلجأ إليه عادة، وقد علّق القدوم في يده، فيتبين لهم أنه عاجز لا يستطيع فعل شيء، وأنهم بعبادة الأصنام مغرورن جاهلون.
وقوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ ونحوه من الكلام الذي يخاطب به العقلاء: معاملة للأصنام بحال من يعقل، من حيث كانت تعبد، وتنزل منزلة من يعقل. وضمير لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ الأظهر أنه عائد على إبراهيم ﵇، أي فعل هذا كله توخيا منه أن يعقب ذلك منهم رجعة إليه وإلى شرعه، ويحتمل كما تقدم عودة إلى الكسر المتروك، أو إلى الصنم الأكبر.
الحوار الحاد بين إبراهيم وقومه بعد تكسير الأصنام
من الطبيعي أن يغضب قوم إبراهيم عبدة الأصنام على ما حدث من كارثة تكسير الأصنام التي يعتقدون أنها الآلهة، ويعبدونها من دون الله، فجاءوا إلى إبراهيم الخليل ﵇ حاقدين غائظين، ليسألوه عن حقيقة الأمر، ولإنكار ما حدث، والانتقام مما وقع، وهذا موقف في غاية الحرج والضيق من قوم عتاة، لكنهم سذّج بسطاء، وجهلة حمقى. تصوّر لنا هذه الآيات الكريمة هذا المشهد في جو من النقاش المتأزم، والحوار الساخن، قال الله تعالى:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٩ الى ٦٥]
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)
стр. 1590
«١» [الأنبياء: ٢١/ ٥٩- ٦٥] .
معنى الآيات: لقد انصرف الناس: عبدة الأوثان- النمروذ وأتباعه، من عيدهم، فرأوا ما حدث بآلهتهم، فأكبروا ذلك، وقالوا على سبيل البحث والإنكار والتهديد: من الذي كسّر هذه الآلهة، إن فاعل ذلك لمن الظالمين أنفسهم، المتعرض للإهانة والنكال والعقاب.
قال بعضهم ممن سمع تهديد إبراهيم: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ: سمعنا شابا يعيبهم، ويذكرهم بسوء، يقال له إبراهيم، فهو إذن الذي فعل بهم هذا. وظاهر الآية يدل على أن هؤلاء القائلين جماعة، لا واحد.
قال النمروذ وحاشيته: فأتوا به على مرأى ومسمع من الناس في الملأ الأكبر، حتى يروه ويشهدوا عليه، أي على فعله أو قوله، وكان هذا الحضور في المحفل الجمهوري موافقا لرغبة إبراهيم في تبيان جهالة القوم وسوء إدراكهم.
فلما أتوا به، قالوا له: أأنت الذي كسّرت هذه الأصنام؟ فأجابهم: «بل فعله كبيرهم هذا» أي بل الذي فعل هذا هو الصنم الأكبر الذي ما زال باقيا لم يكسّر، فاسألوا هذه الأصنام عمن كسّرها، إن كانوا آلهة ينطقون. وفي هذا تنبيه لهم على عقم عبادة الأصنام، ويرجعوا إلى أنفسهم بالملامة، ونسبة التقصير إليها، فقال بعضهم لبعض: إنكم أنتم الظالمون في ترككم لها مهملة، لا حافظ عندها.
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أي أطرقوا في الأرض للتأمل والتفكير، والإغراق في الحيرة، فقالوا: فما بالك تدعو إلى ذلك؟ إنك تعلم ونحن نعلم أن هؤلاء لا
стр. 1591
ينطقون، فكيف تطلب منا سؤالهم إن كانوا ينطقون؟! أي إنهم احتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم، بسبب الحيرة التي أدركتهم.
وحينئذ وجد إبراهيم عند هذه المقالة موضع الحجة، فوبخهم على عبادتهم تماثيل، لا تنفع بذاتها ولا تضر.
ولقد احتج إبراهيم ﵇ على قومه بحجتين عقليتين مقبولتين وهما:
الأولى: قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فلو كانت الأصنام تعقل، أو تتمكن من حماية نفسها وغيرها، لكان شأن الكبير حماية الأتباع والصغار.
الثاني: قوله فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ليقولوا على الفور: إنهم لا ينطقون، ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم: فلم تعبدونهم إذن؟ فتقوم الحجة عليهم.
لقد حقق إبراهيم ﵇ مأربه بالاعتذار بقوله: «إني سقيم» وهذه في الظاهر كذبة، لكنها من أجل المصلحة، وهي كذبة في ذات الله تؤدي إلى خزي قوم مشركين وثنيين، والحديث الصحيح يقتضي ذلك، وهو
قول النبي ﷺ : «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، قوله: «إني سقيم» وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا» وقوله للمليك:
«هي أختي» «١» » .
أي قوله للملك الذي أراد زوجته، فحماها الله منه، بقول إبراهيم: «هي أختي» ، أي إنها أخت له في الإسلام والإنسانية، والحقيقة: هذه الحالات هي كذبات في الظاهر، لكنها في الحقيقة والواقع لتحقيق مصلحة كبري تتعلق بالحفاظ على الدين أو النفس أو العرض.
стр. 1592
نجاة إبراهيم ﵇ من النار المحرقة
لقد بذل النمروذ وأتباعه أقصى ما في وسعهم من التنكيل بإبراهيم الخليل ﵇، من أجل التخلص منه، بإلقائه في نار عظيمة شديدة الإحراق، بسبب فعله الخطير في تقديرهم وهو تكسير الأصنام، ونقاشه الجادّ الذي يؤكد فعله، ويرمي به إلى إقناعهم بعدم جدوى عبادة الصنم من حجر أو غيره، وأن على القوم أن يفكروا تفكيرا جدّيا صحيحا في شأن عبادة الأصنام، فيرفضوها، ويبادروا إلى اتباع ملة إبراهيم الحنيفية، ملة التوحيد الخالص لله . ولكنهم لم يصغوا لنداء العقل، وظلّوا في عنادهم، فأعدوا النار العظيمة لإحراق إبراهيم ﵇، ولكن الله نجاه منها، وحماه من تأثيرها، فخرج منها كالخارج من الحمام، قال الله تعالى واصفا هذا الحدث العظيم:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٦ الى ٧٠]
قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)
«١» [الأنبياء: ٢١/ ٦٦- ٧٠] .
أعلن إبراهيم ﵇ موقفه الصريح بعد جدال قومه له في حادثة تكسير الأصنام، وقال لهم لما اعترفوا بأن تلك الآلهة لا تنطق: أتعبدون بدلا عن الله أشياء لا تنفعكم في الواقع إذا تأملتم بها خيرا، ولا تضركم شيئا إذا عاديتموها أو خفتم منها؟! أُفٍّ لَكُمْ أي تّبا لكم، وقبحا لآلهتكم، أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر، الذي لا يدين به إلا كل جاهل ظالم فاجر.
стр. 1593
لقد استغل إبراهيم ﵇ موضع الحجة حينما قالوا: إن الأصنام لا تنطق، فكلمهم موبخا على عبادتهم تماثيل لا تنفع بذاتها ولا تضر، ثم حقّر شأنها، وأزرى بها حين قال: أُفٍّ لَكُمْ. وهذه لفظة تقال عند المستقذرات من الأشياء، فيستعار ذلك للمكروه من المعاني، كهذا وغيره.
ولما تفوق إبراهيم ﵇ بحجته الدامغة على قومه، وظهر الحق، وبان زيف الباطل، لجؤوا إلى الإيذاء والإضرار، والتخلص من إبراهيم جسديا، فقال بعضهم لبعض، والقائل هو نمروذ بن كنعان، أو رجل من أتباعه: احرقوا إبراهيم بالنار، وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها حقا، فجمعوا حطبا كثيرا، ورموا إبراهيم من أعلى منجنيق، بعد أن شدّ برباط، ووضع في كفة المنجنيق، ثم ألقي في النار.
ولكن الله غالب على أمره، وقاهر كل شيء، وحافظ رسوله ونبيه، فحماه وعصمه من أذى النار، وسلب تأثير النار فيه، وقال: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ أي كوني بردا غير ضار، فكانت النار وسطا لا حامية ولا باردة، ولو قال: «كوني بردا» فقط، ولم يقل: «وسلاما» لكان بردها أشد عليه من حرها.
وبرودتها حدثت بنزع الله عنها طبعها من الحر والإحراق، بعد أن احترق الحبل الذي ربط به إبراهيم فقط، وبقيت إضاءة النار وإشراقتها واشتعالها كما كانت، والله على كل شيء قدير. قال بعض العلماء: إن الله تعالى لو لم يقل: «وسلاما» لهلك إبراهيم من برد النار.
روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن إبراهيم لما ألقوه في النار، قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» وقالها محمد ﵉ حين قالوا (أي المشركون) : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ٣/ ١٧٣] .
стр. 1594
إن الصحيح في قصة إحراق إبراهيم هو ما أخبر عنه القرآن، لا تلك الحكايات والقصص الإسرائيلية غير الثابتة. والذي أخبر عنه الله تعالى: أن إبراهيم ألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، فخرج منها سالما، وكانت أعظم آية.
وانتهت القصة: أن قوم إبراهيم أرادوا به مكرا، وتدبيرا يؤذيه ويقتله، فجعلهم الله المغلوبين الأسفلين، ونجّاه الله من النار.
وهذا درس بليغ في الإيمان بعظمة الله تعالى، وعبرة وعظة لذوي الأفهام، وتعليم أن إرادة الله فوق كل إرادة، وسلطانه فوق كل سلطان، فما أراده الله كان، وما لم يشأ الله لم يكن.
نجاة إبراهيم ولوط ﵉
لم يبق مجال أمام إبراهيم الخليل ﵇ بعد محاولة إحراقه إلا الهجرة من أرض قومه وتركهم في ضلالتهم يعمهون. روي أن إبراهيم ﵇، لما خرج من النار، أحضره النمرود وكلمه، وأعلن إصراره على الكفر، وقال لإبراهيم: يا إبراهيم، أين جنود ربك الذي تزعم؟ فقال له: سيريك فعل أضعف جنوده، فبعث الله تعالى على نمرود وأصحابه سحابة من البعوض، فأكلتهم عن آخرهم، ودخلت منها بعوضة في رأس نمرود، فكان رأسه يضرب بالعيدان وغيرها، ودام تعذيبه بها زمنا طويلا، وهلك منها، وخرج إبراهيم ﵇ وابن أخيه لوط ﵇ من تلك الأرض في العراق مهاجرين، وهي كوثا من بلدة فاران آرام بالعراق، ومع إبراهيم ابنة عمه سارّة زوجه، وفي تلك السفرة لقي إبراهيم الملك الجبّار الذي رام أخذها منه، فحماها الله منه، وقال له إبراهيم: إنها أخته، ووصل إلى أرض الشام، وهي الأرض التي بارك الله فيها، قال الله تعالى واصفا هذا الحدث:
стр. 1595
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)
«١» [الأنبياء: ٢١/ ٧١- ٧٣] .
المعنى: ومن نعم الله تعالى على إبراهيم ﵇: أن الله تعالى نجاه ولوطا ﵉ إلى الأرض المباركة، بالهجرة من العراق إلى بلاد الشام- الأرض المقدسة، التي بارك الله فيها بكثرة ما بعث فيها من الأنبياء، وانتشار الشرائع بين العالمين، وإخصاب الأراضي وكثرة أشجارها وأنهارها، فاجتمع فيها خير الدنيا والآخرة.
ومن النعم الإلهية على إبراهيم ﵇: أن الله تعالى منحه إسحاق ولدا، ويعقوب ولد إسحاق، نافلة، أي عطية زائدة على ما سأل. وجعل الله كلا من الأربعة: لوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب أهل خير وصلاح، يطيعون ربهم، ويتجنبون محارمه، وهذا دليل على عصمة الأنبياء.
وصيّر الله تعالى هؤلاء الأنبياء الأربعة أئمة وقادة يقتدى بهم، ودعاة يدعون إلى دين الله بإذنه، وإلى الخيرات بأمره، وفي هذا دلالة على أن من صلح للقدوة في دين الله، فهو موفّق مهدي للدين الحق وطريق الاستقامة، ومن استقام كان ملازما للهداية والخير.
وأوحى الله سبحانه إلى هؤلاء الأنبياء آمرا لهم أمرا عاما أن يفعلوا الخيرات وهي الأعمال الصالحات، من إقامة الفرائض والطاعات، وترك المحرمات والمحظورات.
ويرشد هذا إلى أن الله سبحانه خصهم بشرف النبوة، وتبليغ الوحي الإلهي الناظم لحياة القوم المبلّغين. وأمر الله تعالى بوحيه لهؤلاء الأنبياء أمرا خاصا بأن يقيموا
стр. 1596
الصلاة ويؤتوا الزكاة المفروضتين. وخص الله تعالى هاتين الفريضتين بالذكر من سائر العبادات، لسمو مرتبتهما وخطورتهما، لأن الصلاة أشرف العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله تعالى، والزكاة أشرف العبادات المالية، وشرعت لدفع حاجة الفقراء، وفي كلتا العبادتين تعظيم أمر الله تعالى.
وبعد تعداد هذه النعم على هؤلاء الأنبياء الأربعة: إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب، ووصفهم من الله سبحانه بالصلاح أولا، ثم بالإمامة، ثم بالنبوة وشرف الوحي ثالثا، بعد هذا وصفهم الله بصفة رابعة: وهي أنهم كانوا لله عابدين، أي خاشعين خاضعين، طائعين فاعلين ما يأمرون به الناس، مخلصين لله إخلاصا تاما في عبادتهم. وفي هذا دلالة واضحة على أنهم كانوا أوفياء لإحسان الله ونعمه عليهم، فلما أكرمهم بالنعم العظيمة، وأمدهم بفضله من أنواع الإحسان، كانوا أوفياء له بالعبودية، وهو الطاعة والعبادة، وكانوا هداة يرشدون غيرهم لأوامر الله وشرائعه وأحكامه. وكل ما يفعلون إنما هو بأمر الله، وبما أنزله عليهم من الوحي. وهذا دليل على أن الإمام الهادي يجب أن يكون مهديا بطبعه، مصلحا لنفسه أولا، ثم يصلح غيره، حتى يتحقق فيهم وصف القدوة الحسنة.
قصة لوط ونوح ﵉ مع قومهما
اقترن بيان قصة لوط ونوح ﵉ في موضع واحد من القرآن، بالرغم من الفارق الزمني بينهما، للعبرة والعظة المتشابهة، وتطمين أهل الإيمان والثقة بالله بأن رب العزة نجّى هذين الرسولين من عذاب القوم الفاسقين الذين أبوا الإيمان برسالة هذين النبيين، تحديا وعنادا واستكبارا، وكانت نجاة الرسولين مع المؤمنين بسبب الصلاح والاستقامة، والثبات على العقيدة، والصبر على تبليغ الرسالة، قال الله تعالى:
стр. 1597
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٤ الى ٧٧]
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)
«١» [الأنبياء: ٢١/ ٧٤- ٧٧] .
هذه مقابلة ومقارنة بين رسولين صالحين، وبين وصف مشترك لأقوامهما، وهو أنهم كانوا أهل سوء فاسقين، بسبب الكفر برسالة الأنبياء.
أما لوط ﵇: فقد آتاه الله تعالى النبوة والحكمة (وهي ما يجب فعله) والعلم والمعرفة، والحكم: وهو حسن الفصل في الخصومات بين الناس. وكان علمه علم النبوة الشامل لشؤون العقيدة والعبادة وطاعة الله تعالى، بعثه الله إلى أهل «سدوم» وتوابعها من القرى السبع، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمرهم، كما أخبر سبحانه في مواضع من القرآن المجيد، والنبوة والحكمة كانتا نعمتين عظيمتين على لوط ﵇، وهناك نعمتان أخريان وهما:
أن الله سبحانه نجى لوطا من العذاب الذي عذب به أهل سدوم الذين ارتكبوا خبائث الأعمال، ومنها ما يسمى باللواط، فكانوا جماعة سوء وقبح، خارجين عن جادة الطاعة لله تعالى، منغمسين في الرذيلة والمعصية، كما قال تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ.
والنعمة الرابعة على لوط ﵇: أنّ ربه أدخله في رحمته، وجعله من أهل جنته لأنه كان من الذين يعملون صالح الأعمال، ويؤدون فروض الطاعة لله تعالى، فيمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي.
стр. 1598
وأردف الله تعالى ذلك بإيراد خبر نوح ﵇، للعظة والعبرة المتشابهة أيضا، وهو أنه أمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يذكر لقومه حين نادى نوح ربه مستنصرا به، داعيا على قومه لما كذبوه، كما حكى القرآن عن نوح: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) [القمر: ٥٤/ ١٠] .
وفي آية أخرى: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) [نوح: ٧١/ ٢٦] . وكان ذلك قبل رسالة خاتم النبيين وقبل إبراهيم ولوط فاستجاب الله دعاءه، ونجاه وأهله المؤمنين من الغرق بالطوفان، والشدة والأذى، وهو الكرب العظيم الذي تعرضت له الدنيا، بغمرة الطوفان والغم الشديد، والعذاب النازل بأهل الشرك والكفر، وتكذيب نوح، وإيذائه إيذاء شديدا، بعد أن لبث فيهم يدعوهم إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يؤمن به إلا قليل.
لقد صار الماء الذي هو مصدر الحياة، مصدر الفناء، فهو إذا كثر يصبح دمارا، كالريح الهوجاء العاتية، يكون الهواء اللطيف أساس الحياة، فإذا اشتد كان ضررا.
ولم يكن تعذيب قوم نوح بالطوفان إلا حقا وعدلا من الله تعالى، فإنهم لما كذّبوا بآيات الله سبحانه، وكانوا قوم شر وسوء، وفسق وعصيان، أغرقهم الله جميعا، لاجتماع الأمرين: تكذيب الحق ورسالة النبي، والإغراق في الشر، ولم يجتمع هذان السببان في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى، وذلك جزاء الظالمين.
فهل يعتبر أهل مكة الوثنيون وأمثالهم بقصة قوم نوح ولوط، وما أصابهم من العذاب الشديد، وكيف كان النصر للمؤمنين، والعذاب الشامل للكافرين.
إن طريق العظة: هو الإيمان بالله ربا واحدا لا شريك له، وبالاستقامة على درب الإيمان ولزوم الطاعة لله ، والبعد عن المعاصي والمنكرات.
стр. 1599
نعم الله تعالى على داود وسليمان ﵉
لن ينسى التاريخ الإنساني الدور القيادي العظيم والجهاد والتضحيات للرسل والأنبياء ﵈، فلولا هم لكان الناس في حيرة وضلال، ونزاع مستمر واقتتال، ربما أدى إلى انقراض النوع البشري، وكان من فضل الله وإنعامه: أنه أعدّ هؤلاء الصفوة القادة إعدادا رائعا خاصا، ليكونوا أهلا للقيادة، وأسوة حسنة للبشرية، وأمدهم بنعم كثيرة، فضلا عن نعمة النبوة والرسالة، منها الحكم والقضاء بين الناس، والعلم والمعرفة السديدة، وعزة النفس وقوة الإرادة، ووسائل الكسب الشريف، قال الله تعالى مبينا نوعا من هذه النّعم على داود وسليمان ﵉:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٨ الى ٨٢]
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأنبياء: ٢١/ ٧٨- ٨٢] .
المعنى: وآتينا وأعطينا النبوة والحكم بين الناس داود وسليمان، عطفا على آية سابقة: وَنُوحاً ومن أنواع الأقضية المهمة التي حكم بها هذان النبيان الرسولان:
هي قضية الحكم في رعي راع زرع قوم، في جنح الليل، وكان الله عالما تام العلم بالقضاء والمقضي فيه، شاهدا بما حكم به داود وسليمان، لا تخفى عليه خافية. وكان
стр. 1600
القضاء صادرا من الأب داود، والابن سليمان، اللذين كان كل منهما ملكا عدلا، نبيا، يحكم بالحق بين الناس.
واتجه كل من داود وسليمان في حكمه وجهة معينة من النظر السديد، فإن داود ﵇ قضى بتملك الغنم لصاحب الزرع، وسليمان ﵇ قضى بتسليم الغنم مدة عام إلى صاحب الحرث (الزرع) ينتفع بألبانها وأولادها وأصوافها، وتسليم الزرع للراعي، يستفيد مما تنتجه الأرض، ويتعدها بالسقاية والخدمة، حتى يعود الزرع إلى ما كان عليه قبل الرعي، وكان قضاء سليمان أولى وأرفق وأحكم.
لذا قال تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أي أفهمناه القضية وملابساتها، والحكم الأسد والأصوب، وإن كان حكم داود أيضا سديدا وصحيحا لأنه وجد قيمة الغنم تساوي قيمة الزرع، وكل من داود وسليمان آتاه الله نعمة النبوة وسداد الحكم القضائي، والعلم بأحوال القضاء وغيره، لكن حكم سليمان أفضل لإبقاء كل من الراعي والزارع على ملك متاعه، وطيب نفسه بذلك.
ثم عدد الله تعالى نعمه على كل من داود وسليمان ﵉، أما نعم داود، فالله تعالى سخّر أو ذلّل له الجبال والطيور مسبّحات مقدسات الله، تتجاوب مع أصداء صوته الجميل، بتلاوة كتاب الزبور، فكان إذا ترنم، وقفت الطيور تتناغم مع تراتيله، وتردد الجبال تسبيحاته. وكان الله قادرا فعالا على هذا الفعل وتجاوب الطير والجبال، وإن تعجب منه الناس.
وعلّم الله داود ﵇ صناعة الدروع، ليلبسها المتحاربون، وقاية لأجسادهم من ضربات السلاح من سيوف وحراب وسهام، فهل يبادر الناس لشكر
стр. 1601
نعمة الله عليهم؟ وهذا الاستفهام تحريض لهم على الشكر، أي اشكروا الله على هذه النعمة والصنعة.
وأنعم الله على سليمان ﵇ بتسخير الريح له وركوبه بساط الريح كالطيران اليوم، فإن الله تعالى جعل الريح الشديدة العاصفة طائعة، منقادة له، مع كونها ريحا رخاء لطيفة لينة، فهي تجري بأمره وتنقله إلى الأرض التي بارك الله فيها بركة معنوية بالأنبياء، وحسية بكثرة الخيرات والثمار، وكان الله وما يزال عالما بكل شيء، ومدبرا له، ومهيئا الأسباب، ومانحا الملك والنبوة لمن يشاء.
ومن النعم على سليمان أن الله سخر له فئة من الجن والشياطين يغوصون له في أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان والجواهر ونحوها، ويعملون له أعمالا أخرى كصناعة التماثيل والمحاريب، وكان الله وما يزال حافظا لأعمال الشياطين من إفساد ما صنعوه وتخريب ما عمروه.
محنة أيوب ﵇
لا يخلو أحد من البشر من التعرض لمحنة من المحن أو مصيبة من المصائب في عمره، سواء طال به العمر أو قصر، وسواء في مقتبل العمر أو في نهايته أو وسطه لأن الله تعالى أقسم على ابتلاء الإنسان واختباره في قوله سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ليعرف أهل الصبر وأهل الجزع، ففي البلاء والأزمات تختبر أخلاق الناس، ويظهر في المحنة صدق الإيمان، والثبات على العقيدة، وأشد الناس ابتلاء هم الأنبياء، ثم العلماء والصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وتميز أيوب ﵇ بأنه كان في قمة الصابرين على بلاء الله والمرض، وكان في غاية الأدب مع الله تعالى والحياء من ربه،
стр. 1602
فلم يظهر شكواه إلا بعد طول العهد، واستمرار الضر والمرض، وحينئذ تضرع إلى ربه فكشف الله عنه البلاء، وعوّضه خيرا، قال الله تعالى واصفا هذه الحال:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)
«١» [الأنبياء: ٢١/ ٨٣- ٨٤] .
كان أيوب ﵇ من بني إسرائيل المثل الأعلى والمشهور بين الأنبياء والناس في الصبر على المحنة وشدة البلاء، حتى ضرب به المثل، فقيل: مثل صبر أيوب.
وأثبت القرآن الكريم هذا المعنى في هذه الآيات، ومعناها: واذكر أيها الرسول محمد للعبرة والعظة خبر أيوب الذي أصابه البلاء في ماله وولده وجسده، ففسد ماله، وتفرق عنه أهله، وأصابه المرض، وأساء له ذريته، فكان كلما أخبر بشيء من ذلك، أو تعرض له، حمد الله تعالى، وقال: هي عاريّة استردها صاحبها، والمنعم بها، ولم يبق معه بشر حاشا زوجته، ويقال: كانت بنت يوسف الصدّيق، واسمها رحمة.
ومكث أيوب ﵇ صابرا مدة طويلة من الزمان، لم يدع ربه في كشف ما به، حتى شمت به قوم، فتألم لذلك، ودعا ربه حينئذ قائلا: «ربّ إني مسّني الضّر وأنت أرحم الراحمين» وكان مرضه في جلده، ولكن خلافا لما نجده في الروايات الإسرائيلية لم يكن مرضه منفّرا لأن شرط النبي السلامة عن الأمراض المنفرة طبعا.
فأجاب الله دعاءه، وعافاه من مرضه بالاستحمام في ماء معدني والشرب منه، ورفع عنه الضر، ورد الله عليه أهله وزيادة مثل آخر، وعوضه عما فقد في الدنيا.
وقوله تعالى: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ مختلف فيه في وقت الإيتاء. فقيل:
أوتي جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال، وهذا هو الظاهر. وقيل: إيتاء الصحة
стр. 1603
والولد بأعيانهم في الدنيا، وأما المضاعفة أو إيتاء المثل، فكان عدة وثوابا له في الآخرة.
وكان هذا الثواب أو الإيتاء الذي أنعم الله به على أيوب ﵇، والتعويض عما فقد من الأهل والولد والمال، ومعافاة الجسد، رحمة من الله به، وتذكيرا للعابدين بالاقتداء به، والصبر كما صبر، ليثابوا كما أثيب، وحتى لا يبأس مؤمن من عفو الله ورحمته، وفضله وإحسانه، ولا يطمع مؤمن في أنه لا يصاب بسوء أو مكروه في دنياه، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان.
روى الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا، اشتد بلاؤه» .
ولا يشترط أن يكون البلاء بسبب ذنب أو معصية أو ترك مطلوب شرعي، وإنما قد يكون الابتلاء عاما أو خاصا، ولو كان الإنسان صالحا تقيا، وبرّا مؤمنا، فالمؤمن يزداد بابتلائه درجات، وغير المؤمن يكون الابتلاء خيرا له في تذكيره بالعودة لربه واستقامة حاله.
أوصاف إسماعيل وإدريس وذي الكفل ﵈
إن جميع الرسل الكرام المذكورين في القرآن الكريم وهم خمسة وعشرون رسولا تجب معرفتهم تفصيلا، والإيمان بهم عن علم ومعرفة، وهم جميعا كانوا المثل الأعلى للأمم والأفراد والجماعات، في الدعوة إلى توحيد الله تعالى، واحترام القيم الأخلاقية والفضائل الرفيعة، واتباع أوامر الله سبحانه، واجتناب كل ما نهى الله عنه، فاستحقوا تخليد ذكراهم، والتعرف على قصصهم وأخبارهم، ولكن من مصدر
стр. 1604
علمي موثوق وهو القرآن الكريم وحده- كلام رب العالمين، وهذا تبيان وجيز لأخبار ثلاثة عظماء من هؤلاء الرسل: وهم إسماعيل وإدريس وذو الكفل ﵈، قال الله في كتابه العزيز:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)
«١» [الأنبياء: ٢١/ ٨٥- ٨٦] .
واذكر أيها النبي محمد لقومك خبر إسماعيل وإدريس وذي الكفل، كل منهم كان كأيوب ﵇ من الصابرين المحتسبين، الذي صبروا على البلاء والشدائد، وعلى طاعة الله وعن معاصيه.
فاستحقوا إكرام الله، وجعلهم من أهل الرحمة بالنبوة، والظفر بجنان الخلد، والتمتع برضوان الله وثوابه، لأنهم أهل صلاح وتقوى، وأنبياء معصومون، وصلاحهم لا يخالطه شائبة من شوائب الفساد.
أما إسماعيل: فهو ابن إبراهيم الخليل ﵉، وهو أبو العرب المعروفين اليوم، وقد تعرض مع أمّه للعيش في مكان قفر في بطاح مكة الجرداء، والتي لا ماء فيها ولا خضرة، وأعدّ للذبح في رؤيا أبيه إبراهيم ﵇، ورؤيا الأنبياء حق وصواب، لا مجال فيها للشك والتكذيب، فصبر على الإقامة في بلد لا زرع فيه ولا مورد عيش كريم، وصبر في بناء البيت الحرام مع أبيه إبراهيم، وصبر على الانقياد للذبح، قال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: ٣٧/ ١٠٢] .
وأما إدريس فهو خنوخ، وهو أول نبي بعث الله من بني آدم، وروي أنه كان
стр. 1605
خيّاطا صابرا على مهنته، يسبّح الله عند إدخال الإبرة، ويحمده عند إخراجها، دعا قومه لعبادة الله وحده، فأبوا، فأهلكهم الله وأبادهم. وكان أول من اتخذ السلاح عدّة للحرب.
وأما ذو الكفل: فإنه صبر على صلاة الليل حتى يصبح، وعلى صيام النهار فلا يفطر، ويقضي بين الناس فلا يغضب، ووفّى بذلك وبما ضمن على نفسه، سمي «ذا الكفل» لأنه تكفّل بأمر، فوفى به، أي إنه صبر على تحمل أخلاق الناس والدين، وعلى موجبات مرضاة الله تعالى.
روي أن «اليسع» جمع بني إسرائيل، فقال: من يتكفّل لي بصيام النهار، وقيام الليل، وألا يغضب، وأولّيه النظر للعباد بعدي؟ فقام إليه شاب، فقال: أنا لك بذلك، فراجعه ثلاثا في ذلك، يقول: أنا لك بذلك، فاستعمله، فلما مات «اليسع» قام بالأمر، فجاء إبليس ليغضبه- وكان لا ينام إلا في القائلة: منتصف النهار- فكان يأتيه وقت القائلة أياما، فيوقظه، ويشتكي ظلامته، ويقصد تضييق صدره، فلم يضق به صدرا، ومضى معه لينصفه بنفسه، فلما رأى إبليس ذلك، إبليس عنه، أي نأى وأيس، وكفاه الله شرّه. وهذا هو ذو الكفل.
إن سيرة إسماعيل وإدريس وذي الكفل المترعة بالصلاح والتقوى، وبالصبر والجهاد والمصابرة، تصلح درسا للرجال الأشداء الذين شحذوا عزائمهم، وجدّوا في الطاعة، وعاشوا عبادا صالحين قانتين لربهم، يصلون ويصومون، ويتحملون ألوان الأذى ومكاره العيش، ويصبرون على أخلاق الناس وطبائعهم، فسلام من الله ورحمته عليهم، ومتّعهم الله بجنات الخلود.
стр. 1606
مأساة يونس ﵇
صدرت معجزات خارقات لقانون العادة والعرف السائد من الأنبياء ﵈، تعجب منها العقل البشري، بحكم المألوف المعروف لديه، ولكنها أحوال استثنائية، خالدة على ممر الزمان، بتقدير الله تعالى وتدبيره، وإجرائه إياها على أيدي الأنبياء، لتكون معجزة مصدقة لدعوتهم، وادعائهم النبوة. وتعدّ مأساة ذي النون يونس ﵇ من أغرب المعجزات حيث ابتلعه الحوت، لعدم استئذان ربه في هجر قومه وتركهم، ولكن الله حماه من أن تهضمه معدة الحوت الضخم، فقذفه على الشاطئ، بعد أن سبح في بطن الحوت وأقر بخطئه، وأعاده الله إلى قومه الذين ألهمهم الله الإيمان، ليكون النبي وغيره على جانب عظيم من التأدب، أمام جلال الله وعظمته، وتفويض الأمر له وحده، قال الله تعالى واصفا حدث يونس ﵇ الغريب:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
«١» «٢» «٣» [الأنبياء: ٢١/ ٨٧- ٨٨] .
ذو النون، أي ذو الحوت، وصاحبه يونس بن متّى ﵇، التقمه الحوت على الحالة المعروفة، وهو نبي من أهل نينوى، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ فيما
أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ﵁: «من قال: أنا خير من يونس بن متّى، فقد كذب» .
وفي حديث آخر لدى البخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم عن ابن عباس ﵄: «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» .
стр. 1607
ومعنى الآيات: واذكر أيها الرسول محمد قصة يونس بن متى ذي النون: أي صاحب الحوت، حين بعثه الله إلى أهل قرية نينوى بأرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى وإلى توحيده وطاعته، فأبوا، وعاندوه، وتمادوا في كفرهم، فخرج من بينهم غضبان، وتوعدهم بالعذاب بعد ثلاث ليال.
فلما تحقق القوم منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء، وتضرعوا إلى الله ، فرفع الله عنهم العذاب، كما جاء في آية أخرى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) [يونس: ١٠/ ٩٨] .
وأما يونس ﵇، فإنه ذهب، وركب في سفينة، فاضطربت بهم، وخافوا الغرق، فأجروا قرعة بينهم لتخفيف الحمولة، فوقعت القرعة على يونس، في المرات الثلاث، كما قال تعالى: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)
[الصافات: ٣٧/ ١٤١] . فألقوا يونس في البحر، فالتقمه على الفور حوت كبير.
لقد ذهب يونس تاركا قومه، وظانا أن لن يضيّق الله عليه في بطن الحوت، وأن لن يقضي الله عليه بالعقوبة، فنادى من خلال الظلمات الثلاث الكثيفة: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل: «لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» أي تنزيها لك يا رب، أنزهك عن كل نقص وعيب، أنت الإله وحدك لا شريك لك، تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد، لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، إني كنت من الظالمين نفسي، بالخروج دون إذن منك. وهذا تصرف يعدّ خلاف الأولى من الأنبياء.
فأجاب الله دعاءه الذي أظهر به الندم والتوبة، ونجاه الله وأخرجه من بطن
стр. 1608
الحوت وتلك الظلمات، وكما أنجاه الله من الكرب والشدة المطبقة، ينجّي الله أيضا كل المؤمنين الصادقين إذا استغاثوا بربهم، وطلبوا إنزال الرحمة الإلهية عليهم.
روى البيهقي وغيره عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: «دعوة ذي النون في بطن الحوت: (لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين) لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلا استجاب له» .
الحق أن العبد إذا صدق في مناجاة ربه بخشوع وخضوع، وأدب وإخلاص، صدق الله معه، ونجاه من الكروب العظام في الدنيا والآخرة.
قصة زكريا ويحيى ومريم ﵈
لقد جمع الله تعالى بين زكريا ومريم على الخير والعبادة، حينما كان يتردد عليها في المحراب، ويجد عندها الأرزاق الوفيرة والغريبة، وفي إطار هذا التلاقي، أحب زكريا ﵇ أن يخلفه من بعده خلف صالح، يقوم بأعباء النبوة والدعوة إلى الله تعالى، وأراد الله سبحانه أن تنجب السيدة مريم البتول، العذراء الصالحة ولدا مقدسا، تظهر على أيديه سحائب الخير، ودعوة الناس إلى الاستقامة، وتم مراد الله، فدعا زكريا ربه أن يرثه وارث صالح، فتحقق ذلك بإنجاب يحيى الحصور ﵇، وأنجبت مريم ابنها عيسى ﵇، للقيام بالدعوة إلى توحيد الله والحق والخير، قال الله تعالى واصفا هذه الأحداث الغريبة:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٩ الى ٩١]
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)
стр. 1609
«١» «٢» «٣» [الأنبياء: ٢١/ ٨٩- ٩١] .
في موكب الأنبياء العظماء اذكر أيها الرسول النبي لقومك خبر زكريا ﵇، حين نادى ربه نداء خفيا، وطلب أن يهبه الله ولدا، يكون من بعده نبيا، لحمل رسالة النبوة والخير والإصلاح، وقال: رب لا تتركني وحيدا، لا عقب لي ولا ولد، ولا وارث يقوم من بعدي في دعوة الناس إلى توحيد الله وعبادته وطاعته، وأنت يا رب الباقي بعد فناء خلقك، فإن لم ترزقني من يرثني، فلا أبالي، فإنك خير وارث، وسيقوم بحمل عبء الرسالة من عبادك من تختاره وترتضيه، وأنت حسبي ونعم الوكيل.
فأجاب الله دعاءه، ولبى نداءه ومطلبه، ووهبه ولدا صالحا اسمه يحيى، وأصلح له امرأته بكل وجوه الإصلاح، وفيها إزالة كل موانع الحمل والولادة، فحاضت وحملت وولدت بعد أن كانت عاقرا لا تلد، وكبيرة السن لا يتوقع عادة وجود الحمل والولادة منها.
إن هذه الكوكبة النيرة من الأنبياء المذكورين في سورة الأنبياء ﵈، ومنهم زكريا وزوجه كانوا يبادرون إلى الخيرات، والقيام بالطاعات، والتقرب إلى الله بالقربات، وعمل الصالحات. وكانوا أيضا يدعون ربهم رغبا ورهبا، أي رغبة في رحمة الله وفضله، وخوفا من عذابه وعقابه، في الرخاء والشدة، وكانوا متواضعين متذللين متضرعين، والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين:
стр. 1610
الأول- الفزع إلى الله تعالى، رغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه.
والثاني- الخشوع والإنابة: وذلك هو المخافة الثابتة في القلب. فهم في وقت تعبدهم كانوا بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف في حال واحدة لأن الرغبة والرهبة متلازمتان، والرغب لتحقيق المطلوب، والرهب لدفع المضرة.
ثم قرن الله تعالى بقصة زكريا وابنه يحيى ﵉ قصة مريم وابنها عيسى ﵇، لارتباطهما بشيء مشترك، فإن إنجاب زكريا من امرأة عاقر في سن الكبر، أعجب منه إنجاب مريم العذراء ولدا من أنثى بلا أب، فاذكر أيها الرسول خبر مريم بنت عمران التي حصّنت نفسها من الرجال، وخصصت نفسها للعبادة، فنفخ جبريل الروح الأمين في بطنها، أي أحيا ولدا في جوفها، وهو عيسى ﵇، وجعل الله أمر مريم وابنها عيسى وهو الحمل من غير أب آية ومعجزة خارجة عن العادة وعبرة لمن اعتبر في ذلك، من العالمين. أي لمن عاصر الحادث فما بعد ذلك، وذلك دليل على قدرة الله الباهرة، فهو سبحانه على كل شيء قدير، وإن ذكر مريم هنا وإن لم تكن من الأنبياء فلأجل عيسى ابنها النبي الرسول ﵇.
وحدة الأديان السماوية
أرسل الله تعالى الرسل، وأنزل الكتب، لتحقيق مضمون واحد، والوصول إلى مصير واحد، أما وحدة المضمون: فهي الدعوة إلى توحيد الله وعبادته، والعمل بمرضاته، والبعد عن مساخطه، وأما وحدة المصير: فهي عرض جميع الخلائق على ربهم في عالم الآخرة، مما يقتضيهم التزام أمر الله، واجتناب نهيه، فتحقق لهم السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، ولا داعي بعدئذ للتفرق والاختلاف في الدين، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في قول الله ﵎:
стр. 1611
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٢ الى ٩٧]
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» »
[الأنبياء: ٢١/ ٩٢- ٩٧] .
المعنى: إن دين الله والإنسانية دين واحد، قائم على ملة التوحيد الخالص لله، والإيمان بالله ﵎ وعبادته، وتلك هي الملة الواحدة التي دعا إليها جميع الأنبياء والشرائع، إنهم جميعا متفقون على منهج واحد، وغاية واحدة، وما على البشر إلا توحيد الدين، والإنابة لرب العالمين، فهو الإله الواحد الذي لا إله غيره، فليعبده كل الناس، ولا يشركوا به أحدا من المخلوقات والأشياء الكونية.
إلا أن الأمم والشعوب اختلفوا مع الأسف، على الرسل بين مصدّق لهم ومكذب، وكان منهم المحسن ومنهم المسيء، وتقطّعوا أمر الدين الواحد، وتفرقوا فرقا شتى، وكل فرقة منهم سيرجعون إلى الله تعالى يوم القيامة، فيجازى كل واحد بما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ثم حوّل الله الخطاب إلى الغيبة للالتفات إلى مخالفات دين الله الواحد.
فمن عمل عملا من الصالحات، وهو مؤمن بالله، فهو بسعيه يجازى، ولا جحود لمسعاه، ولا إبطال لثواب عمله، ولا إضاعة لجزائه، وكل شيء قدمه فهو مدون محفوظ. والآية دليل واضح على أن أساس قبول الأعمال الصالحة عند الله: هو
стр. 1612
الإيمان الحق الذي يشمل التصديق بالله ورسله وبجميع ما أنزل الله في كتبه، وبما شرّع من شرائع وأحكام، وهذا هو المحسن، وقد ذكّره الله بالوعد الحسن وبالمصير المحمود.
ثم ذكّر الله المسيء بالوعيد في قوله: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي ومحظور ممنوع على أهل قرية، حكم الله بإهلاكها، رجوعهم إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون، أو رجوعهم عن الكفر إلى الإيمان والإسلام، والعودة إلى الرشد والاستقامة، فأولئك لا يؤمنون أبدا بسبب سوء اختيارهم وعنادهم، وتحجر طبائعهم.
وكلمة «لا» في قوله سبحانه: لا يَرْجِعُونَ زائدة للتأكيد، وهو شيء مألوف في لغة العرب.
ويستمر عدم رجوع القوم المهلكين إلى قيام الساعة وظهور أماراتها وهو خروج يأجوج ومأجوج، وهم الناس جميعا، يخرجون من قبورهم، ويقبلون على ساحة الحساب من كل مكان، مسرعين، فقوله تعالى: يَنْسِلُونَ معناه: يسرعون في تطامن، أي سكون أو انخفاض. والحدب: كل مسنّم من الأرض كالجبل والقبر ونحوه.
فإذا خرجت الأمم من القبور، وقرب الوعد الحق، أي يوم القيامة، ترى أبصار الكافرين شاخصة، أي مرتفعة الأجفان، جامدة لا تتحرك، ولا تكاد تنظر من أهوال القيامة وشدة أحداثها. يقولون: «يا ويلنا» أي يا هلاكنا، قد كنا في الدنيا غافلين لاهين. بل كنا في الواقع ظالمين لأنفسنا، بتعريضها للعذاب، لقد كانت بنا غفلة عما وجدنا عليه الآن، وتبيّنا من الحقائق، ونصرح بأننا نحن الظلمة. وهذا اعتراف واضح بما كانوا عليه من تعمّد الكفر وقصد الإعراض.
إن أمر الساعة الوعد الحق سريع الحدوث، رهيب الوقوع،
روى ابن جرير الطبري عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1613
رجلا اقتنى فلوا، بعد خروج يأجوج ومأجوج، لم يركبه حتى تقوم الساعة» .
والفلو: المهر أو الجحش يفطم أو يبلغ السنة.
جزاء الكافرين والمؤمنين
من المعلوم بداهة أن الجزاء من جنس العمل، وأن النجاح والرسوب بحسب الاستعداد للامتحان، فمن أحسن العمل، وأتقن الصنعة، وآمن إيمانا صحيحا، لقي الرضوان، وفاز بالجنان، ونجح في الامتحان. ومن أساء العمل، وأفسد المسعى، وكفر بالله وخالقه ورازقه، تلقى الهوان والسخط والغضب، وباء بالنيران، وخاب في النتيجة. وهذا منهج القرآن وكل كتاب إلهي، وهو حكم العقل الصحيح، قال الله تعالى مبينا هذا المنهاج:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٨ الى ١٠٣]
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢)
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأنبياء: ٢١/ ٩٨- ١٠٣] .
مطلع الآيات: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مخاطبة لكفار مكة، مفادها: إنكم أيها المشركون بالله عبدة الأصنام والأوثان، مع أصنامكم: حصب جهنم، أي وقود النار، تدخلونها جميعا، وتخلدون فيها، والورود في هذه الآية: ورود الدخول، وحرق الأصنام بالنار، على جهة التوبيخ لعابديها.
стр. 1614
وقد نزلت الآية التي بعدها حينما اعترض عبد الله بن الزّبعرى على رسول الله ﷺ ، قائلا: إن عيسى وعزيرا ونحو هما قد عبدا من دون الله، فيلزم أن يكونا حصبا لجهنم، فنزلت آية: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى.
وأكد الله تعالى قبل بيان نجاة أهل الإيمان على إحراق الأصنام للتوبيخ، بأنه لو كانت هذه الأصنام آلهة صحيحة، تضر وتنفع كما يدعي عبدتها، ما دخلوا النار، لأن أبسط شيء في الفكر: أن الذات أو النفس تدفع الضر عن حالها، وكل تلك الآلهة المزيفة المعبودة من دون الله، مخلدة في نيران جهنم، دائمة العذاب فيها، لا مخرج لهم منها.
وللمعذّبين من شدة العذاب أنين وزفير، والزفير: صوت المعذب، وهو كشهيق الحمير وشبهه، إلا أنه من الصدر، وهم في النار لا يسمعون فيها خبرا مفرحا، ولا شيئا سارّا من القول، بل يسمعون صوت الزبانية الذين يتولون تعذيبهم.
أما أهل السعادة: فليسوا من المعذّبين لأنهم لم يرضوا بعبادتهم أنفسهم، ولا دعوا إليه، فهؤلاء سبقت لهم من الله الحسنى، أي تقرر في علم الله أنهم بسبب التزامهم الإيمان وصالح الأعمال في الدنيا، مبعدون عن دخول النار، وهم مبشّرون بالجنة والثواب العظيم، وموفّقون للعمل الصالح، كما قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ١٠/ ٢٦] . فسقط بذلك اعتراض عبد الله بن الزبعرى على ظاهر الآية السابقة: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. فإن المعبودين من غير علم منهم ولا رضا بعبادتهم من قبل الجاهلين هم ناجون من العذاب، وأوصاف نعيم السعداء أربعة: هي أنهم لا يسمعون حسيس النار، أي صوتها وحريقها في الأجساد وشررها، وهم ماكثون أبدا على الدوام في الجنان، يتمتعون بما اشتهت أنفسهم من نعيم الجنة ولذائذها، ولا يحزنهم الفزع الأكبر، أي
стр. 1615
لا تخيفهم أهوال القيامة، بعد قيامهم من قبورهم للحساب، إلى أن يصلوا إلى الجنة، وتستقبلهم الملائكة بالسلام عليهم، والتبشير لهم، قائلين لهم: هذا يومكم الذي وعدتم فيه الثواب والنعيم، إنه يوم المسرة الأكبر، ويوم الثواب والفرحة الأعظم، ويوم الحسنى، والحسنى: الرحمة وحتمية التفضيل.
ألا ما أعظم الفرق الشاسع بين مصير هؤلاء السعداء، فهم المخلّدون في النعيم، المتمتعون بأطيب وأحسن الأحوال، وأما أولئك الأشقياء فعلى العكس من ذلك تماما، إنهم مخلدون في الجحيم، وفي أسوأ الأحوال، وأتعس الأوصاف والأوضاع.
طي السماء وإرث الأرض
في يوم القيامة تتبدى عجائب، وتظهر أحوال خطيرة، تنبئ عن عظمة القدرة الإلهية، وتذهل منها العقول والأفكار، من هذه العجائب تبدّد السماوات وطيّها كطي سجل الكتاب، وتغيّر الأرض تغيرا غير منتظر، وسرعة الحساب، وتقرير مصير الخلائق على نحو غريب، وسوق الناس إلى مصائرهم سوقا سريعا، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإما إلى نار محرقة تتلظى بها الجلود، وتحترق بها الأكباد والقلوب، وهذا ما أخبرت عنه الآيات الآتية:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنبياء: ٢١/ ١٠٤- ١٠٦] .