← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

المهديين الراشدين بالبشارة الكريمة بقوله: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ أي وبشر أيها النبي بالجنة والرضوان أهل الإحسان في العمل، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع الله، الطائعين أوامر الله، المصدقين رسول الله فيما بلّغهم، وحذرهم وأنذرهم، وكل ما جاءهم به من عند الله . روي أن قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ والآية التي قبلها: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) نزلت في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله تعالى عنهم، لكن ظاهر اللفظة يقتضي العموم في كل محسن، متواضع خاشع لله رب العالمين. الإذن بالقتال ضد الأعداء إن المنهج الرباني في علاج الأمور الشاذة والانحرافات الخطيرة قائم على غاية الحكمة والاعتدال، والتأني والإمهال، فلم يعجل الله البدء بقتال المشركين أنصار الوثنية والضلال، وإنما صبر عليهم مدى خمسة عشر عاما، ليكون للعقل والفكر وإعمال الرأي والقناعة الدور المهم في القضايا، ولتبدأ الأمة الإسلامية قوية ناشطة، معذورة في كل ما تؤديه من واجبات، لأن لغة السيف وقعقعة السلاح إنما تكون حين استفحال العدوان، واليأس من الصلاح والاستقامة، وهذا المنهج هو الذي نجده في ساحة التشريع الإلهي بالإذن بمشروعية القتال، بعد طول الصبر والمصابرة، والدفع بالحكمة والحسنى، فقال الله تعالى: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٨ الى ٤١] إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) «١»

стр. 1647

«١» «٢» «٣» [الحج: ٢٢/ ٣٨- ٤١] . نزلت آية إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة، وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، وأراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار، ويغتال ويغدر ويحتال، فنزلت هذه الآية. ونزلت آية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ كما روى أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ من مكة، فقال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إن لله وإنا إليه راجعون! ليهلكن، فأنزل الله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) . والمعنى: إن الله يدفع الشر عن عباده المصدقين بوجوده ووحدانيته، وبما أنزل على رسوله الكريم، الذين توكلوا عليه حق التوكل، وإن الله سبحانه يسخط على خائن العهد والأمانة، وجاحد النعمة والفضل. وكلمة «يدافع» في مواجهة من يتعرض للمؤمنين بالأذى، فيكون فعل الله مدافعة عنهم. وقيل: إن «دفاع» : مصدر دفع، والحساب: مصدر حسب. وقد أبيح أو رخص للمؤمنين المعتدى عليهم بممارسة القتال، ضد ظلم المشركين إياهم، بإخراجهم من ديارهم وأموالهم، واستمرار إيذائهم، واضطهادهم، ومبادرتهم بكل أنواع التعذيب والمضايقة، وإن الله وحده قادر على نصر أهل الإيمان، إذا التزموا سبيل الطاعة.

стр. 1648

إن هؤلاء المؤمنين بالله ورسوله المعتدى عليهم: هم الذين أخرجهم المشركون من مكة إلى المدينة بغير حق، وهم محمد ﷺ وأصحابه، ولم يكن منهم إساءة إلى قومهم، ولا ذنب إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، فيكون أول أسباب مشروعية الجهاد أو القتال في الإسلام: هو الطرد من الأوطان بغير حق، ثم الدفاع عن حرية العبادة في الأرض، وحماية المقدسات. ثم ذكر الله تعالى السّنة الثابتة للإله: وهي سنة التدافع، من أجل الحفاظ على مبدأ التوازن بين البشر، فلولا أنه تعالى يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور جماعة بآخرين، ولولا تشريع القتال دفاعا عن الوجود المؤمن والحرمات الإلهية، لهدّمت مواطن العبادة، سواء أكانت معابد لليهود أم النصارى أم للمسلمين. ثم أكد الله تعالى صنعه أنه ليؤيدن بنصره الذين يقاتلون في سبيل إعلاء كلمة التوحيد، ورفع لواء الدين الحق، إن الله سبحانه هو القوي القادر على نصر أهل طاعته، المجاهدين في سبيله، العزيز المنيع الذي لا يقهر، ولا يغالب، فمن غالبة غلبه، ومن عاداه خذله وقهره. والجديرون بالنصر: هم الذين إن مكنّهم الله في الأرض، وحقق لهم السلطة على الناس، ومنحهم النفوذ والهيمنة، قاموا بأمور أربعة: وهي إقامة الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، وإيتاء الزكاة الواجبة، والأمر بالمعروف (وهو فعل كل ما أمر به الله شرعا، وحسن عقلا) والنهي عن المنكر (وهو اجتناب كل ما حظر شرعا، وقبح عقلا) فدعوا إلى توحيد الله وإطاعته، ونهوا عن الشرك وقاوموا أهله، والمرجع في الأمور كلها إلى حكم الله العلي القدير، وإلى تقديره في منح الثواب، وتنفيذ العقاب على ما عملوا، وفي هذا تأكيد لوعد الله تعالى بنصر أوليائه، وإعلاء كلمته، وخذلان أعدائه.

стр. 1649

الاتعاظ بإهلاك الأقوام الغابرين إن معرفة أحداث التاريخ وتحليل الوقائع والأسباب له فائدة كبري في علاج أمراض الشعوب والأمم، فالعقلاء: هم الذين يتأملون بما حدث، ويفكّرون بما وقع، ويدرسون الأسباب والنتائج دراسة متأنية قائمة على البحث والتمحيص، للحذر مما وقع، ولرسم سياسة المستقبل، في ضوء مجريات الأمور. وهذا ما جعل القرآن الكريم يعنى بقصص الأقدمين، ليعرف من يأتي بعدهم سبب الداء والدواء، وطريق الحذر واليقظة، ومن هذه المذكّرات للمشركين المكيين وأمثالهم: ما حدّثنا به القرآن من أحوال الغابرين، فقال الله تعالى: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٨] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الحج: ٢٢/ ٤٢- ٤٨] . قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ: هذه آية إيناس للنبي ﷺ ووعيد لقريش، فهم كالأمم المكذّبة المعذّبة. والمعنى: إن يكذبك أيها النبي قوم قريش، فهذا له سابقة

стр. 1650

تاريخية، لقد كذبت قبلهم أقوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوم إبراهيم ولوط، وأصحاب مدين قوم شعيب، وجماعة الأقباط الذين أرسل إليهم موسى، بما معه من الآيات البينة والدلائل الواضحة، فأخرت العذاب عن أولئك الكافرين، إلى وقت معلوم عندي (عند الله) ثم أخذتهم بالعذاب الشديد وأهلكتهم، فانظر كيف كان إنكاري عليهم، بتدميرهم وعقابي لهم، وقوله سبحانه فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ بإسناد فعل بعلامة التأنيث، لأنه سبحانه أراد بالقوم: الأمة والقبيلة. والعبرة من الإخبار بهذا: الإنذار لقريش بأن ما جرى على المثيل يجري على مثيله. وأسباب الإهلاك: هو ما أخبر به الله سبحانه، فكم من قرية أهلكها الله، وهي ظالمة، أي مكذبة رسلها، والمراد أهل القرية، والظالمة: معناه: الظلم بالكفر، وبالإهلاك تصبح ديار القرية ساقطة حيطانها على سقوفها، وتتعطل مرافقها وآبار مياهها المنتفع بها، وتتهدم قصورها المشيدة، أي المبنية بالشّيد: وهو الجصّ. ثم أثار الله في القرشيين نوازع الفكر والتأمل، وحثهم على النظر والتفكر، فهلا سافروا وتنقلوا في البلاد، فيتأملوا بما حدث من مصارع القوم، ويفكروا بعقولهم في الأسباب والنتائج، ويسمعوا الأخبار بآذانهم، ليطّلعوا على الحقائق، ويدركوا الأسرار، فيتعطوا بما شاهدوا، ويقلعوا عما هم فيه من الشرك وتكذيب الرسول، ولكنهم مع الأسف لم يفكروا، ولم يعتبروا ولم ينظروا، لا بسبب عمى البصر، ولكن بسبب عمى البصيرة، فإن أبصارهم سليمة، ولكنهم عطلوا قدراتهم الفكرية وعقولهم الواعية، فلم يدركوا حقائق الأمور، ولم يتعمقوا في فهم الأحداث. ذكر الرازي في تفسيره: أن الآية تدل على أن العقل هو العلم، وأن محل العلم هو القلب، أي أداة الوعي. ويتعجل القرشيون إيقاع العذاب الذي تنذرهم به أيها الرسول، فليطمئنوا فإن

стр. 1651

العذاب آت لا محالة، وإن الله لا يخلف وعده الذي أوعدهم به، وهو مجيء القيامة، والانتقام من أعدائه. وحلم الله واسع، فهو حليم لا يعجل، ومن حلمه: أن يوما واحدا عند الله كألف سنة مما تعدون، أي إن يوما من أيام العذاب الأخروي بمثابة ألف يوم من أيام الدنيا، لشدة عذابه وطول مقامه، فأين هم من عذاب ربك؟! وكثيرا من القرى، أي أهلها أمهلها الله، وأخر عنها العذاب والهلاك، مع أنها قائمة على الظلم، مستمرة على الكفر والعصيان، فاغتروا بذلك التأخير، ثم أخذها الله فأنزل العذاب بأهلها، ثم كان المرجع النهائي إلى الله، فيكون تأخير العذاب من قبيل الإمهال لا الإهمال. تعيين مهمة الرسول ﷺ إن مجيء الرسل للأمم والشعوب رحمة وفضل، وإن إيضاح مهامهم أمر طبيعي، ليدرك الناس السر والمنفعة العائدة عليهم من بعثة الرسل وبعثة نبينا ﵊ خاتم النبيين، بعثه ربه إلى الخلائق للإنذار والتخويف، والتبشير والترغيب، فاستهزاء قومه به لا يمنعه من أداء مهمته، ولا من القيام بواجبه، فهو رحمة للعالمين، وبشرى للمحسنين، وإنقاذ للعتاة الظالمين، فمن وعى الكلام واعتبر نجا، ومن أقفل عقله ولم يتعظ هلك وضل، قال الله تعالى مبينا ومحددا مهمة النبي محمد ﷺ : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٩ الى ٥١] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) «١» [الحج: ٢٢/ ٤٩- ٥١] .

стр. 1652

إن استعجل القرشيون المكيون عذاب الله، فقل لهم يا محمد: إنما أنا لكم نذير من عذاب الله، أي مجرد منذر ومحذر واضح المقصد، ليس لي أن أعجل عذابا، ولا أن أؤخّره عن وقته، أرسلني الله إليكم لأحذركم من الوقوع في العذاب الشديد، وليس إلي من حسابكم شيء، بل أمركم إلى الله: إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخّره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وهو سبحانه الفعال لما يريد ويختار، ومهمتي كما تتضمن الإنذار والتخويف، تتضمن التبشير بالجنة والترغيب، لفتح باب الأمل أمام المقصرين، وتدارك أخطاء الماضي، وعلاج الأحداث. فالناس صنفان: صنف المؤمنين، وصنف الكافرين. أما الصنف الأول: فهم الذين صدقت قلوبهم بوجود الله وتوحيده، وصدقوا الرسول وما أنزل عليه من الكتاب، وآمنوا بالملائكة واليوم الآخر، وقرنوا بإيمانهم أعمالهم الصالحة من أداء الفرائض، والتقرب بالقربات، وإحسان القول والفعل، وهؤلاء يغفر الله لهم سيئاتهم، ويثيبهم على عملهم الصالح، ويرزقهم رزقا حسنا في الدنيا، ورزقا كريما في الآخرة وهو الجنة التي وصفها تعالى بقوله: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [الزخرف: ٤٣/ ٧١] وأيد ذلك وصف الرسول ﷺ لها بما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» . ووصف الرزق بالكريم: «رزق كريم» لنفي المذام، كما تقول: ثوب كريم، ومنزل كريم. وأما الصنف الثاني: فهم الذين كفروا بربهم وبآياته المنزلة في قرآنه، وكانوا معاجزين، مجاهدين في إبطال آيات الله، وردّ دعوة الدين والتكذيب بها، وثبّطوا

стр. 1653

الناس عن متابعة النبي ﷺ ، ظنا منهم أنهم يعجزون ربهم، ويتفلتون من أمره، وأن ربهم لا يقدر عليهم، وهم في الواقع أهل النار الشديدة الإحراق، الكريهة العذاب والنكال، المقيمون فيها على الدوام، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) [النحل: ١٦/ ٨٨] . وقوله تعالى: سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ معناه: تحيلوا وكادوا، من السعاية. والآيات: آيات القرآن الكريم، أي كادوا بالتكذيب وسائر أقوالهم. والمعاجزين: الظانين أنهم يغلبون الله تعالى. وقوله سبحانه: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ: أي هم الكفرة لا غيرهم أهل النار، وشبّههم بالصاحب المالك: من حيث الدوام على العذاب في نيران الجحيم. إن هذه الموازنة الدقيقة بين الصنفين في دار الدنيا قبل مجيء الآخرة تقتضي من العقلاء الحريصين على مصالحهم ونجاتهم أن يفكروا مليا في الأمر، قبل صدمة المفاجآت، وانقسام الناس قسمين: أبرار أخيار في الجنان، وفجار فساق كفار في النيران. صيانة الوحي عن الشياطين قصة الغرانيق لا يمكن أن يقبل عقل أو يصدق إنسان، بتدخل الشياطين في الوحي الإلهي، لأن الله القادر على كل شيء يمحق كل إفك، ويحجب كل افتراء، ولو جاز شيء من هذا، لارتفع الأمان عن شرع الله، وبطلت الأحكام والشرائع، إذ لا فرق في العقل بين نقصان الوحي أو زيادته، أو تشوية معالمه، وهذا يبطل ما يسمى بقصة الغرانيق أي الأصنام، التي زعم الوثنيون أن النبي محمدا أشاد بها في القرآن فقال: (تلك

стр. 1654

الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى) . وهذه آيات كريمة تميط اللثام عن إفك هذه القصة المكذوبة المفتراة. [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) «١» «٢» «٣» «٤» [الحج: ٢٢/ ٥٢- ٥٤] . إن قصة الغرانيق (الأصنام) موضوعة مكذوبة، وضعها الزنادقة، وهذه الآيات تبطل إفك الأفاكين، ومعناها: وما أرسلنا يا محمد قبلك رسولا ولا نبيا إلا إذا تمنى، أي قرأ، ومعناها المشهور: أراد وأحب، فإذا رغب الرسول مقاربة قومه واتباعهم له، وجد الشيطان السبيل، فألقى في أوهام المشركين أن محمدا قال في سورة النجم في مسجد مكة بعد آية: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: ٥٣/ ١٩- ٢٠] . قال: «تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» فقال الكفار: هذا محمد يذكر آلهتنا بما نريد، وفرحوا بذلك، فلما انتهى في آخر النجم إلى السجدة، سجد الناس أجمعون إلا أمية بن خلف، فإنه أخذ قبضة من تراب، فرفعها إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، إن ما وسوس به الشيطان من مثل هذه الأباطيل والكلمات والخرافات التي تعلّق بها بعض الكفار، يزيله الله، ثم يجعل آياته محكمة محصنة، مثبّتة، لا تقبل التشويه والتزييف، أو الزيادة والنقصان، والله عليم بكل شيء، وبما أوحى إلى نبيه، حكيم في تقديره وخلقه، وأمره وأفعاله، له الحكمة التامة، والحجة البالغة، فيجازي المفتري بافترائه، ويظهر الحق للمؤمنين.

стр. 1655

ليجعل الله ما يوسوس به الشيطان فتنة، أي ابتلاء واختبارا للمنافقين الذين في قلوبهم شك وشرك ونفاق، وللمشركين واليهود المعاندين وقساة القلوب، حين فرحوا بوساوس الشيطان، وظنوا أنه صحيح، وهو محض وسواس الشيطان. وقوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللام متعلقة بقوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ والفتنة: الامتحان والاختبار. ولِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هم عامة الكفار، ووَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ فئة خاصة كأبي جهل، والنضر بن الحارث، وعتبة، وإن هؤلاء الظالمين أنفسهم لفي شقاق بعيد، أي في بعد عن الخير، وضلال، و «بعيد» معناه أنه انتهى بهم إلى نهاية الانحراف، وتعمّق الضلال فيهم، فأصبحت رجعتهم منه إلى الحق غير مرجوة. وهذا الإبطال لوساوس الشيطان، لكي يعلم أهل العلم النافع الذين يفرقون بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله وهم أصحاب النبي محمد ﷺ : أن ما أوحيناه إليك أيها النبي هو الحق الثابت الصحيح من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وصانه من اختلاط غيره به، فيصدقوا بالله تعالى، وينقادوا له، فتخبت له قلوبهم، أي تتطامن وتخضع وتخشع له نفوسهم، وتعمل بأحكامه وشرائعه وآدابه. وإن الله تعالى لمرشد المؤمنين بالله ورسوله إلى طريق قويم، في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، بتأويل المتشابه تأويلا سليما، وتفصيل المجمل تفصيلا واضحا. ثم في الآخرة يهديهم ربهم إلى الطريق القويم الموصل إلى جنان الخلد، ونعيم المصير. قال القاضي عياض في كتاب الشفاء: لقد أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ ، فيما يبلغه عن ربه، معصوم من الإخبار عن شيء، بخلاف ما هو عليه، لا قصدا ولا عمدا، ولا سهوا ولا غلطا.

стр. 1656

شك الكفار في القرآن ما دام الكفر وسوء الاعتقاد في القلب، يظل الشك في أصول الإيمان وتنزيل القرآن قائما في نفوس الكفرة، ومن الصعب اقتلاع الشكوك من نفوس أناس أدمنوا على الضلال، واستمروا في العصيان، فإن ذلك يوجد ما يسمى «الران» أو الغطاء على القلب، فيحجب عنه كل أشعة الخير، وأضواء الهداية الربانية، وهكذا يظل الظلام الدامس جاثما في المكان حتى يبدده ضوء النهار، فإذا أحكم الإنسان إغلاق المنافذ، وحرص على إبقاء التعتيم، أمكنه ذلك، وهذا هو الفعل ذاته الذي يفعله الكافر الجاحد في قلبه، يحكم إغلاقه، ولا يدع شيئا مضيئا ينفذ إليه، وهذه هي حال عتاة الكفار من أهل مكة وأمثالهم، كما تصوّر هذه الآيات: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٥ الى ٥٧] وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) «١» «٢» «٣» [الحج: ٢٢/ ٥٥- ٥٧] . تقرر الآيات حكما دائما مستمرا: وهو أنه ما يزال الكفار في شك وريبة من هذا القرآن أو من محمد ﷺ ، أو مما ألقى الشيطان من وساوس وترهات، حتى تأتيهم الساعة، أي يوم القيامة فجأة من غير أن يشعروا، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، أي يوم متفرد بالشدة، وهو في الدنيا يوم بدر في الآخرة يوم القيامة، وسمي يوم القيامة أو يوم الاستئصال والقتل عقيما، لأنه لا ليلة بعده ولا يوم. وجملة هذه الآية توعد لأهل الكفر، فهم ما يزالون على كفرهم لا يؤمنون، حتى يهلكوا.

стр. 1657

ويظل الملك، أي السلطان والتصرف لله الواحد القهار، يوم القيامة يوم الجزاء والثواب والعقاب، حيث لا ملك فيه لأحد، يقضي الله بين الناس بالحق، وهو الحكم العدل جل شأنه، كما قال الله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) [الفاتحة: ١/ ٤] . وقال سبحانه: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) [الفرقان: ٢٥/ ٢٦] . وتصدر أحكام الله قاطعة يوم القيامة، في حق الفريقين من الناس: - فالذين آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله والقرآن، وعملوا صالح الأعمال من تنفيذ الأوامر، واجتناب النواهي، هم في جنات النعيم المقيم، الذي لا يزول ولا يتغير، وهذه هي حالهم القائمة، المبنية على حالهم في الدنيا من الإيمان الصحيح والعمل الصالح. - والذين كفرت قلوبهم بالحق وجحدته، وكذبوا بالقرآن وبالرسول، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم، فلهم عند ربهم عذاب مذلّ مخز، مقابل استكبارهم عن اتباعهم الحق، وإعراضهم عن القرآن المجيد، كما جاء في آية أخرى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) [غافر: ٤٠/ ٦٠] . أي صاغرين ذليلين، وهذه الحال أيضا: متفرعة عن حال هؤلاء في الدنيا من الكفر الصريح، والضلال، والانحراف عن هدي الله وشرائعه وأحكامه. لا يملك الإنسان أمام هذه اللون من المقارنة بين مصير المؤمنين الصادقين، والجاحدين المتمردين، إلا أن ينصاع لصفّ الفريق الأول- فريق أهل الإيمان، وتمتلئ نفسه رهبة وخشية وخوفا، من سوء الفريق الثاني- فريق الكفر والضلال، وتزداد الرهبة حين يسمع ويرى عظمة القاضي الأوحد، والإله الأعدل، حيث يظهر إفلاس

стр. 1658

الكافرين، وتنهار آمال الظالمين، ويبدأ تنفيذ الأحكام القطعية الصادرة عن الحق ، فلا يجد الإنسان ملاذا ولا ملجأ، ولا نصيرا سوى الله ﷻ . ثواب المهاجرين لقد قام دين الله وانتشرت دعوة محمد بن عبد الله في الآفاق بفضل جهاد النبي ﷺ ، وبفضل تضحيات أصحابه وأتباعه وأنصاره، فهم الذين سطروا لأنفسهم بحروف من نور صفحات الخلود، وتركوا الأوطان، وهجروا السوء والضلال، من أجل إرضاء الله تعالى والعمل المخلص لله ، ومن هنا سجل القرآن المجيد موقف الفخار والاعتزاز للمهاجرين الأولين من مكة إلى المدينة، لنصرة رسول الله وتأييد دعوته، وجهاد أعدائه، ودفع شر المعتدين، قال الله تعالى مبينا مدى إحسانه وفضله على الذين هاجروا في سبيل الله: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٨ الى ٦٠] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) «١» «٢» [الحج: ٢٢/ ٥٨- ٦٠] . أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري عن مقاتل أن آية: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ ... نزلت في سرية بعثها النبي ﷺ ، فلقوا المشركين لليلتين من المحرّم، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد، فإنهم يحرّمون القتال في الشهر الحرام، فناشدهم الصحابة، وذكّروهم بالله: أن لا يتعرضوا لقتالهم، فإنهم لا

стр. 1659

يستحلون القتال في الشهر الحرام، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، ونصروا عليهم، فنزلت هذه الآية. هذا وعد كريم من الله تعالى للمهاجرين المجاهدين. فلما مات بالمدينة عثمان بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد، قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين، أفضل ممن مات حتف أنفه، فنزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ هاجَرُوا مسوّية بينهم في أن الله ﵎ يرزق جميعهم رزقا حسنا، وليس هذا بقاض بتساويهم في الفضل. وظاهر الشريعة: أن المقتول في الجهاد أفضل. والجنة درجات. ويستوي جميع المهاجرين في الرزق الحسن وهو الجنة، فالذين خرجوا مهاجرين في سبيل الله وتركوا أوطانهم ابتغاء مرضاة الله، ثم قتلوا في الجهاد، أو ماتوا قضاء وقدرا من غير قتال، ليمنحنهم الله الجنة، وليرزقنهم رزقا حسنا، من فضله وكرمه، إن الله هو خير الرازقين، يرزق من يشاء بغير حساب، كما جاء في آية أخرى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ٤/ ١٠٠] . إن هذا الرزق الحسن: هو إدخال هؤلاء المهاجرين المجاهدين في سبيل الله موضعا كريما، يرضون عنه، وهو الجنة، أو رزق الشهداء عند ربهم في البرزخ، وإن الله لعليم تام العلم بمن هاجر وجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك، فهو عليه. ذلك الأمر المخبر به من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا: هو لأنهم ضحوا في سبيل الله، وقاوموا أهل الظلم، فمن عاقب من المؤمنين من ظلمه من الكفرة، أو من اعتدي عليه، وقوتل ظلما، ومن بغي عليه بإلجائه إلى الهجرة ومفارقة الوطن، لينصرنه الله نصرا مؤزرا، إن الله ليصفح عن المؤمنين، ويغفر لهم خطأهم

стр. 1660

إذا تركوا ما هو الأولى بهم، وهو العفو عن المسيء، وفيه حض على العفو عن الجاني، كما قال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) [الشورى: ٤٢/ ٤٣] . وقال سبحانه: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٢/ ٤٠] وقال : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة: ٢/ ٢٣٧] . وفي هذا دلالة واضحة على أن القادر على العفو، قادر على العقوبة، فليس العفو عن ضعف وعجز، وإنما العافي هو الذي يقدر على ضده. من أدلة القدرة الإلهية يقرن الله تعالى عادة إنجاز وعده بالنصر لأوليائه أو بعثه العباد بعد الموت، بأنه صاحب القدرة المطلقة التي لا حدود لها، ويضرب الأمثال على ذلك، ويقيم الأدلة الحسية المشاهدة في الكون على قدرته سبحانه من السمع والبصر، وإيلاج الليل في النهار وعلى العكس، وأنه الحق الثابت، وإنزاله المطر من السماء، وملكه جميع ما في السماوات والأرض، وتسخير ما في الأرض والسفن للناس، وإمساك السماء من وقوعها على الأرض، وإحياء الأنفس، وإماتتها، ولكن الإنسان قصير النظر، جاحد النعمة، لا يقدّر عادة نعم الله عليه، قال الله تعالى موضحا هذه الأدلة القاطعة على قدرته: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦١ الى ٦٦] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) «١»

стр. 1661

[الحج: ٢٢/ ٦١- ٦٦] . يورد الله تعالى في هذه الآيات طائفة من البراهين والأدلة على قدرته الفائقة، وعلمه الشامل، ومن اتصف بهذه القدرة العظيمة، كان قادرا على نصر أوليائه، ومنها ما لا يدّعى لغير الله تعالى، وهذه الأدلة: ١- تقصير الليل وزيادة النهار وعكسها، وعبر عن ذلك بكلمة إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، تشبيها وتجوزا، وذلك بسبب أن الله سميع لكل قول وهمسة، بصير بكل فعل وحال، لا يخفى عليه شيء مطلقا، وأن الله هو الحق، أي الموجود الثابت الواجب الوجود لذاته، من غير مثيل ولا شريك، أي أنه مصدر الوجود، وأنه المعبود بحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولأن الله هو المتعالي على كل شيء، بقدرته وعظمته، الكبير عن أن يكون له شريك، فهو العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا شيء أعلى منه شأنا، الكبير الذي لا أكبر منه. فكيف يصح لعبدة الأصنام والأشخاص عبادة من لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا؟! ٢- إنزال المطر من السماء فتصير به الأرض ذات خضرة بالنباتات والأزهار ذات الألوان البديعة، والأشكال الرائعة، بعد يبسها وجمودها، إن الله رحيم لطيف بعباده، يدبّر لهم أمر المعاش والمعاد، خبير بمصالح خلقه ومنافعهم وأحوالهم، لا تخفى عليه خافية. ٣- ملك السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، فجميع ما في السموات وما

стр. 1662

في الأرض لله سبحانه خلقا وملكا وعبيدا، فكل شيء مملوك له، خاضع لأمره، وهو غني عما سواه، محمود على كل حال. ٤- تسخير ما في الأرض والفلك وإمساك السماء: فإن الله سبحانه ذلّل لكم أيها الناس جميع ما اشتملت عليه الأرض في ظاهرها وباطنها، من حيوان وجمادات ومعادن وزروع وثمار، لتنتفعوا بها في مصالحكم المختلفة، وذلّل لكم السفن جارية في البحار، لنقل الركاب والبضائع والأشياء بإذن الله، ويحفظ السموات من سقوطها على الأرض إلا بإذنه وأمره، ويحدث ذلك يوم القيامة حيث تتساقط الكواكب والنجوم، وتتصدع السموات وتزول، إن الله تعالى رؤف رحيم بالناس على ظلمهم، لا يعاملهم بما يعملون. ٥- الإحياء والإماتة في ثلاث مراتب منصوص عليها في غير هذه الآية، فكنتم أيها الناس أمواتا، ثم أحياكم بالولادة، ثم يميتكم عند انتهاء الأجل، ثم يحييكم يوم القيامة. وقد عبر الله في هذه الآية أولا بلفظ الماضي أَحْياكُمْ لأن الإحياء قد تم وحدث، ثم عبّر بلفظ المضارع ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للدلالة على المستقبل وهو الموت في الدنيا، ثم البعث والحياة الجديدة في الآخرة. إن الإنسان جحود نعم الله تعالى، فلم يقدّر تلك النعم، ولم يهتد بها إلى عبادة الله وتوحيده، وهجر ما عداه من الآلهة المزعومة. وقد تكررت الآيات الدالة على هذه المراحل، مثل قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) [البقرة: ٢/ ٢٨] . إن المرور بهذه المراتب الثلاث مؤذن بعوامل التغير، وأن الله قديم أزلي لا يتغير، وأنه هو القادر الذي جعل الإنسان يمر في هذه المراحل، حتى يظل مرتبطا بالإله الخالق، ويفوض الأمر إليه.

стр. 1663

اختلاف المناسك والعبادات بين الأمم اقتضت الحكمة الإلهية أن تتعدد مظاهر العبادة والشرائع بين الأمم والملل المختلفة، وليس هذا التعدد إلا شكليات وأحوالا، جوهرها واحد، وغايتها واحدة، وهي الاتجاه إلى الله الخالق الذي يعبده جميع الناس، فلا يصح أن يكون التفاوت في هذه العبادات سببا للاختلاف والحوار والعداء والخصام، وإنما ينبغي الاتفاق والاتحاد في المضمون، وتفويض الأمر إلى الله المعبود، وتصفية النفوس من الأحقاد والبغضاء، والحسد والعصبية، فإن لم يتحقق هذا كان الحساب عسيرا، والحكم بين العباد يوم القيامة شديدا، ولا يغيب عن الله شيء في الأرض ولا في السماء، ومعلومات الخلائق كلها مدوّنة في اللوح المحفوظ، وإحضارها وجمعها وحفظها يسير على الله، قال الله تعالى مبينا هذا الاختلاف في المناسك: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٧ الى ٧٠] لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) «١» [الحج: ٢٢/ ٦٧- ٧٠] . أخبر الله تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا، أي عبادة وشريعة، يتعبدون بها، ويسيرون على منهاجها، بحسب ظروف الزمان المكان، ومقتضيات التدرج والتطور، ونضج الفكر والعقل، فأنزل الله التوراة على موسى ﵇ فيها لون من الشدة تتفق مع طبائع بني إسرائيل، ثم أنزل الله الإنجيل على عيسى ﵇ لتخفيف حدة المادة والطقوس والشكليات وضرورة العناية بالجوهر والروحانيات، وإشاعة

стр. 1664

المحبة واللطف بين الناس، ثم أنزل الله القرآن الكريم جامعا بين منهج المادة والروح، منسجما مع العلم والعقل، واضعا كل ما يحقق تقدم الحضارة الإنسانية، فكان تشريع القرآن معتدلا، ووسطا بين الشرائع، وصالحا لكل زمان ومكان. وإذا كان هذا هو شأن التدرج في الشرائع، فلا يصح لمعاصريك يا محمد أن ينازعوك في أمر الدين والكتاب والشريعة، فلكل أمة شريعة خاصة، تناسب الزمان الذي جاءت فيه، ولا تتأثر أو تنزعج أيها النبي بمنازعتهم لك، واثبت على دينك الحق ثباتا، لا يتزعزع ولا يلين. وادع هؤلاء المنازعين والمسالمين، أي كل الناس إلى سبيل ربك ودينه الحق، فإنك على طريق واضح مستقيم، موصل إلى المقصود، وهو سعادة الدنيا والآخرة، كما جاء في آية أخرى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) [القصص: ٢٨/ ٨٧] . وإن لم يصغ الناس إلى دعوتك الموحدة هذه، وجادلوك بالباطل، بعد أن ظهر الحق، فقل لهم على سبيل التهديد والوعيد: الله عليم بما تعملون وبما أعمل، ويجازي كل امرئ بما عمل، كما قال الله سبحانه في آية أخرى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) [يونس: ١٠/ ٤١] . وقل لهم أيضا متوعدا ومحذّرا: الله يقضي بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة، فيما اختلفوا فيه من أمر العقيدة والدين، والقضاء مقدمة للجزاء الحاسم، المتردد بين الجنة والنار، والثواب والعقاب، الجنة والإثابة لمن قبل بدعوة القرآن، والنار والعذاب لمن رفض هذه الدعوة، وبه يتبين الحق من الباطل، والمحق من المبطل. ثم أخبر الله تعالى عن كمال علمه بالمخلوقات والكائنات كلها قبل خلقها، وبما يستحقه كل من المحسن والمسيء، فلقد علمت أيها الرسول وكل مؤمن برسالتك أن

стр. 1665

علم الله محيط بجميع ما في السماء وما في الأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة فيهما، ويعلم بالكائنات قبل وجودها، وكل ذلك مسطّر مسجّل في اللوح المحفوظ، ففيه كل ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وشمول علم الله، وحكمه في الاختلاف بين الناس يسير سهل على الله تعالى، والسر في إيراد هذه الآية المتعلقة بسعة علم الله للإخبار بأن عند الله علم كل شيء، ليقع الحكم في معلوم معروف. عبادة المشركين الأصنام لقد انحدر العقل البشري والفكر الإنساني انحدارا لا مثيل له، حين أقدم المشركون الوثنيون مع الأسف الشديد، على عبادة الأصنام والأوثان، على الرغم من قيام الأدلة الواضحة على وحدانية الله تعالى، وعلى القدرة الإلهية، وعلى علم الله الشامل المحيط بكل شيء، وعلى عدم وجود حجة مقبولة سمعية نقلية أو عقلية على صحة هذه العبادة الباطلة، وعلى ظهور الأدلة الحسية على أن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع، فلم يبق هناك مجال إلا للحكم بأن أولئك الوثنيين أغبياء جهلة، سذّج وسطحيون، وهم مع كل هذا إذا تلي عليهم القرآن اغتاظوا وغضبوا، وهموا بالبطش بمن يتلو ويذكّر، وها هو القرآن المجيد يصف هذا النحو من سلوك المشركين الشاذ، قال الله تعالى: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧١ الى ٧٣] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) «١» «٢»

стр. 1666

[الحج: ٢٢/ ٧١- ٧٣] . هذه ألوان من أباطيل المشركين الدالة على جهلهم وكفرهم وسخفهم، فهم يعبدون آلهة من غير الله، ليس لهم دليل نقلي ولا عقلي على صحة عبادتها، والله سبحانه لم ينزل حجة ولا برهانا من السماء، يدل على إباحة عبادتها، وليس لديهم دليل عقلي مقبول يسوغ هذه العبادة، فيكونون ظالمي أنفسهم بتلك العبادة، وليس للظالمين ناصر ينصرهم، أو محام وكيل يدافع عنهم إذا نزل بهم العقاب أو العذاب. - وإذا تليت على المشركين آيات القرآن، ودلائله الواضحة على توحيد الله، وعلى صدق رسله الكرام، ظهرت على وجوههم علامات الغيظ والغضب، وطفحت قلوبهم بالحقد والنفور. إنهم يوشك أن يبطشوا بالذين يتلون عليهم آيات الله وسور القرآن، مما يشير إلى امتلاء قلوبهم بالكفر، وتسلط الجهل والعناد عليها، حتى صاروا ميئوسا من علاجهم، وعودتهم أصحاء الفكر والعقيدة. قل أيها النبي محمد لهؤلاء المشركين على جهة التوعد والتقريع: أأخبركم بشرّ من ذلكم السطو على المؤمنين، وغيظكم الذي ملأ قلوبكم؟ وكأن قائلا قال له: وما هو؟ قال: النار، أي نار جهنم وعد الله بها الكافرين، فعذابها أشد وأعظم مما تهددون به المؤمنين في الدنيا، وبئس المصير، أي بئس النار موئلا ومقاما لكم، كما جاء في آية أخرى: إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) [الفرقان: ٢٥/ ٦٦] . والمصير: مفعل من «صار» : إذا تحول من حال إلى حال. ثم ذكر الله تعالى مثلا يدل على حقيقة الأصنام وفساد عبادتها، وسخف عابديها،

стр. 1667

فخاطب جميع العالم بقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ قاطبة، ضرب الله تعالى مثلا لهذه الأصنام، فاستمعوا لهذا المثل، وتفهموا حال تلك المعبودات، فإذا أدركتم حالها، وبقيتم على عبادتها، كنتم أسوأ منها. إن ما تعبدون من غير الله من الأصنام والأنداد، لن يقدروا على خلق أتفه شيء، ولو ذبابة واحدة أو بعوضة، حتى ولو اجتمع لهذه المهمة جميع تلك المعبودات وعابديها، وكما أنها عاجزة عن خلق ذبابة واحدة، فهي عاجزة عن مقاومة الذباب والانتصار منه، فإن يسلبها الذباب شيئا مما عليها من الطيب الذي كانوا يضمخون به أوثانهم، لم يقدروا على استنقاذه منها، علما بأن الذباب أضعف مخلوقات الله، لذا قال تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ أي عجز الطالب وهو الإله المعبود من دون الله، أي الصنم، من استنقاذ الشيء المسلوب من الذباب المطلوب، أو ضعف عابد الصنم والصنم المعبود. وعلى أي من القولين دلّ ضعف الذباب المحسوس، وضعف الأصنام الملموس، على أن الأصنام في أحط رتبة، وأخسّ منزلة، ومن عبدها كان على شاكلتها، بل أسوأ منها، لأن كرامة الإنسان وارتقاءه أشرف من أن يذل لحجر أو معدن أو هيكل فارغ المحتوى والمعنى. تعظيم الله وتوحيده واختياره الإله المالك الخالق الرازق المنعم المتفضل، يتطلب طبعا وعقلا الإقرار بعظمته، وتوحيده، وإفراد الأمر إليه في اختيار ما يشاء، وإرادة ما يريد، سواء في الإحياء والإماتة، أو الرزق والنعمة، أو إرسال الرسل، واختيار الملائكة، وإنزال الكتب، فهو العليم بالمصلحة، وإليه المرجع والمآب، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه. غير

стр. 1668

أن الناس إما في غفلة عن هذه الواجبات، أو في جحود وإنكار، فيكون القرآن العظيم هو الدواء الناجع لعلاج التقصير، والمذكّر بما يجب على الإنسان نحو ربه، قال الله تعالى واصفا أحوال الجاحدين: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٤ الى ٧٦] ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) » [الحج: ٢٢/ ٧٤- ٧٦] . تتضمن الآيات المذكورة موضع الإلهيات والنبوات، أما الإلهيات: فإن الكفار يعبدون ما لا حجة لهم فيه ولا علم، فهم أي الكفار ما قدروا الله حق قدره، أي ما عرفوا حقيقة قدر الله وعظمته وجلاله، وما عظّموه حق التعظيم الواجب لذاته، حين عبدوا معه غيره، من الجمادات التي لا تعقل، ولا تمنع الضرر عن نفسها، ومن الأشخاص الذين هم بأشد الحاجة إلى من يعينهم على شؤون الحياة، والله وحده هو القوي القادر، الذي بقدرته خلق كل شيء، العزيز الذي عزّ كل شيء وقهره، فلا يغالب ولا يمانع، لعزته وعظمته، فهو الجدير بالعبادة والتعظيم. ومن أجدر بذلك منه تعالى، فهو مصدر الوجود والخلق، ومصدر الخير والرزق والنعمة، والغني عن كل شيء، والقوي القاهر القادر على كل شيء. ثم انتقل البيان القرآني من أوصاف الألوهية وما يجب لها، إلى أمور النبوة، فأفاد سبحانه أنه يختار من الملائكة رسلا لتبليغ الوحي إلى الأنبياء، ويختار من الناس رسلا لإبلاغ الرسالة إلى العباد، حسبما يشاء، وعلى وفق ما يريد، ويناسب الحكمة والمصلحة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ٦/ ١٢٤] .

стр. 1669

وقد نزلت آية اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ حينما قال الوليد بن المغيرة: أو أنزل عليه الذكر من بيننا؟ فنزلت الآية. وختمت الآية بتقرير بعض صفات الله ، وهي كونه تام السمع لأقوال عباده، وتام البصر والاطلاع على أحوالهم وأمورهم، وعليما كامل العلم والإحاطة بمن يستحق اختياره للرسالة، فقوله: وَمِنَ النَّاسِ هم الأنبياء المبعوثون لإصلاح الخلق، الذين اجتمعت لهم النبوة والرسالة. إنه سبحانه يعلم علما تاما بأحوال الملائكة والرسل والمكلفين، ما مضى منها وما يأتي، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، وقوله تعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ عبارة عن إحاطة علمه بهم، وحقيقتها: ما قبلهم من الحوادث وما بعدهم. ويؤيدها آيات كثيرة في معناها، منها قوله سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إلى قوله: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً [الجن: ٢٢/ ٢٦- ٢٨] . وختمت الآية بقوله سبحانه: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي وإليه يوم القيامة مرجع الأمور كلها، فلا أمر ولا نهي لأحد سواه. وهذا تنبيه إلى القدرة التامة المهيمنة على كل شيء، وإلى تفرد الله سبحانه بالألوهية والحكم. وقوله سبحانه: يَعْلَمُ وقوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يتضمن مجموعهما الزجر عن الإقدام على المعصية، وضرورة الإقبال على ساحة الطاعة والامتثال. لقد آن للعقل البشري أن يستفيق من غيه، وللإرادة الإنسانية أن تعود سريعا إلى ما يدل على أقل واجبات الوفاء نحو الله ﷻ ، وإلى المبادرة بالقيام بالفرائض والطاعات، قبل أن تغرب شمس العمر الإنساني، ويفجأ الموت بشدته وجود الإنسان.

стр. 1670

أصول الفرائض الإسلامية إن برهان الولاء للحق سبحانه: هو العبادة الخالصة لله، لذا أمر الله تعالى بعبادته، وجعل أصول العبادة متمثلة بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله وبالقرآن، والجهاد في سبيل الله، وفعل الخير والمعروف. وهذه هي جملة الشرائع الإلهية المحققة للعبودية الشخصية لرب العزة، والمحافظة على عزة المؤمنين، وتقوية الصلات الاجتماعية فيما بينهم، ومسوغات هذه الواجبات كثيرة أهمها ثلاثة: هي اجتباء واختيار المسلمين لها، وكون هذه الشرائع هي شريعة إبراهيم ﵇، وتسميتنا مسلمين في القرآن الكريم والكتب السابقة، وهذا ما أوضحته الآيات التالية: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) «١» «٢» [الحج: ٢٢/ ٧٧- ٧٨] . هذه جملة الأوامر التشريعية اليسيرة في القرآن الكريم، أولها الأمر بعبادة الله تعالى، وخصّ الله الركوع والسجود بالذكر تشريفا للصلاة، فيا أيها المؤمنون المصدقون بالله ورسوله، صلوا الصلاة المفروضة عليكم، المشتملة على الركوع والسجود، واعبدوه بسائر ما تعبدكم به من حج وصيام ونحوهما، وأقبلوا على فعل الخير الذي يرضي ربكم، ويقربكم منه، بأداء الطاعات وصلة الأرحام، والتحلي

стр. 1671

بمكارم الأخلاق. وفعل الخير يشمل التكاليف كلها، والأمر بها لتفلحوا وتفوزوا بما عند الله من الثواب والرضوان. وحفاظا على جماعة الإيمان، جاهدوا في سبيل نصرة دين الله، ومن أجل إرضاء الله، جهادا حقا خالصا لوجهه الكريم، والجهاد ثلاثة أنواع: جهاد النفس والهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الأعداء، ويكون الجهاد باللسان والنفس والمال. أخرج الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» . وأسباب الجهاد ثلاثة: أولا- إن الله تعالى اجتباكم واختاركم أيها المسلمون من بين سائر الأمم للقيام بهذه المهمة السامية، وخصكم بأكرم الرسل، علما بأنه تعالى لم يجعل الدين ضيقا حرجا شاقا، وإنما جعله سهلا يسيرا، فلم يكلفكم ما لا تطيقون، وإنما الجهاد لرد الاعتداء أمر ميسور، تقتضيه ضرورات الدفاع عن الوجود والحرمات والكرامات، والديار والأوطان، والعقيدة والشريعة الحق. ثانيا- جعل الله ملتكم هي كملة إبراهيم الخليل أبيكم العظيم، وهي ملة الحنيفية السمحة، القائمة على التوحيد ونبذ الشرك والوثنية. ثالثا- إن الله تعالى أو إبراهيم الخليل هو الذي سماكم المسلمين، أي المنقادين لأمر الله، من قبل أي في الكتب القديمة، وفي هذا أي في القرآن، والراجح أن الضمير في قوله سبحانه: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ يعود إلى الله تعالى، بدليل قوله: وَفِي هذا أي في القرآن، فهذه اللفظة تضعف قول من قال: الضمير لإبراهيم. وهذه التسمية تؤول وتكون عاقبتها أن تتصف أمة الإسلام بالوسطية والاعتدال، عند جميع الأمم، فتتأهل أن يكون الرسول محمد ﷺ شهيدا على أمته بتبليغها ما

стр. 1672

أرسل به إليهم، وليكون المسلمون شهداء على الناس في أن الرسل بلّغتهم رسالة ربهم، وشهادة الرسول على أمته علة في الحكم وهو تسميتها أمة مسلمة. وقبول شهادة المسلمين على غيرهم فيه تشريف للأمة. وإذا كانت الأمة الإسلامية لها هذه المكانة، فعلى المؤمنين مقابلة هذه النعمة الجليلة بشكرها، وشكرها بإقامة الصلاة وأدائها تامة الأركان والشرائط بخشوع كامل، وخضوع تام لله، وإيتاء الزكاة التي هي طهرة للنفس والمال، والاعتصام بالله، أي الثقة به والالتجاء إليه، والاستعانة بقوته الفائقة على دفع كل مكروه، وهو ناصركم على من يعاديكم، فنعم المولى، أي الحافظ والناصر والمالك والخالق، المتولي أمور الخلائق، ونعم الناصر المعين وهو الله تعالى.

стр. 1673

تفسير سورة المؤمنون صفات أهل الإيمان عني التشريع المكي في مبدأ الإسلام بغرس أصول الإيمان والعقيدة الحقة، وتخلق المؤمنين بمحاسن الأخلاق وأكرم الشيم والآداب، وذلك من أجل بناء الفرد المسلم، وتسلحه بقواعد الإسلام والتزامه بأركان هذا الدين الإلهي، ونجد هذا الاتجاه واضحا في السور القرآنية المكية، ومنها سورة «المؤمنون» : التي هي مكية بإجماع. وقد افتتحت ببيان خصال سبع للمؤمنين، وثم تبشرهم بالفلاح والفوز بجنان الفردوس إن اتصفوا بها اتصافا ملازما، والتزموا بها التزاما صحيحا، قال النبي ﷺ فيما رواه عبد الرزاق وغيره: «أنزل علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة» ثم قرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) قال الله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المؤمنون: ٢٣/ ١- ١١] .

стр. 1674

كان الصحابة يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة- كما روى ابن أبي حاتم عن ابن سيرين مرسلا- فنزلت آية: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) . وهذه صفة أساسية في الصلاة، لأن الصلاة من غير خشوع وتضرع وتوجه بالقلب إلى الله لا معنى لها. وهذه الآيات تصف المؤمنين بصفات سبع وهي: ١- أنهم أهل التصديق التام بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقضاء والقدر من الله تعالى. روي عن مجاهد أن الله تعالى لما خلق الجنة وأتقن حسنها قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) . ثم وصف الله تعالى هؤلاء المفلحين بما يلي: ٢- أنهم الخاشعون في صلاتهم، أي الممتلئة قلوبهم بالخشوع، أي الخوف والسكون والوقار، وطمأنينة الأعضاء، والخشوع: صفة ضرورية لإدراك معاني الصلاة، ومناجاة الرب تعالى، وتذكر الله، والخوف من حسابه ووعيده. والخشوع: شرط لتحصيل الثواب من الله . قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد والنسائي عن أنس: «حبّب إلي الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» . ٣- وأنهم معرضون عن كل ألوان اللغو: وهو الساقط من الكلام وكل ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيشمل الكذب والهزل والسب والطعن واللعن وفحش الكلام، وجميع المعاصي. ٤- وهم فاعلون للزكاة المفروضة، مبادرون لإخراجها إلى مستحقيها، وكان أصل الزكاة واجبا في مكة، وربما يكون المراد زكاة النفس من الشرك والأدناس، والتحلي بالفضائل ومكارم الأخلاق، والظاهر أن المراد: هو الحق الواجب في الأموال خاصة. ٥- والمؤمنون أهل العفة والصون، فهم الذين يحفظون فروجهم من التلوث بالحرام، من كل أنواع الزنا والفواحش، ويقتصرون في علاقاتهم بالنساء، على

стр. 1675

الزوجات التي أحلّها الله بعقد الزواج، ويقوم ملك اليمين الذي يتملك به السيد الرقبة أو الذات مقام العقد على الحرائر. فمن التزم الحلال، فلا حرج عليه ولا لوم بعدئذ، ومن طلب غير ذلك من الزوجات والإماء (الرقيقات في الماضي) فأولئك هم المعتدون، المتجاوزون حدود الله، فكلمة «العادون» يراد بها الظالمون. ٦- والمؤمنون ذكورا وإناثا يحافظون على العهود والأمانات، فيؤدون الأمانة إلى أهلها، ولا يخونون، وإذا عاهدوا غيرهم وفّوا بشروط المعاهدة، فأداء الأمانة، والوفاء بالعهد صفة أهل الإيمان. أما الخيانة والغدر فهما صفة أهل النفاق. ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة وغيره: أن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . ٧- والمؤمنون والمؤمنات يحافظون على أداء الصلاة في أوقاتها، مع أداء جميع أركانها وشرائطها، وتمثل عظمة الخالق فيها، والخشوع في كل حركة وسكنة وأذكار فيها. جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: «سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» . بدء خلق الإنسان أورد الله تعالى في أوائل سورة «المؤمنون» بعد بيان أوصافهم أربعة أدلة على وجوده وقدرته : وهي خلق الإنسان، وخلق السموات السبع، وإنزال الماء من السماء، وخلق أنواع الحيوان لمنافع بشرية، والمتأمل في هذه الأدلة والبراهين يجدها شاملة للكون الفسيح العظيم، وهي كلها من أجل خير الإنسان، سواء في بدء تكوينه وخلقه، أم بعد وجوده، لينتفع بخيرات السماء والأرض،

стр. 1676

وليكون دائما حامدا لله شاكرا، مقرا بالعبودية لربه، والدينونة لخالقه. وأذكر هنا الدليل الأول في التذكير بخلق الجنس الإنساني متمثلا بآدم أبينا ﵇، قال الله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٢ الى ١٦] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المؤمنون: ٢٣/ ١٢- ١٦] . هذا إخبار عن ابتداء خلق الإنسان، والمراد اسم الجنس، وأراد به الله تعالى آدم ﵇، لأنه استل من الطين، فلقد أوجده الله من خلاصة سلّت من طين صاف، لا كدورة فيه، وأوجد الله ذرية آدم من صفوة الماء، يعني المني. وكان تكوين الذرية البشرية بجعل نطفة المني في أصلاب الذكور، ثم قذفها وإيداعها في قرار مكين، أي في أرحام الإناث، في حرز مستقر متمكن حصين، من ابتداء الحمل إلى انتهاء الولادة، كما جاء في آية أخرى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) [المرسلات: ٧٧/ ٢٠- ٢٣] . ثم حوّل الله تعالى النطفة المشتركة بين ماء الرجل والأنثى عن صفاتها إلى صفة العلقة: وهي الدم المتجمد العريض، ثم صيّر الله سبحانه الدم الجامد مضغة، أي بضعة أو قطعة لحم، قدر ما يمضغ، لا شكل فيها ولا تخطيط. وسمي التحويل خلقا، لأن الله يفني بعض الصفات، ويوجد صفات أخرى. ثم يصيّر الله المضغة عظاما مشكّلة ذات تقاطيع وأجزاء، من الرأس واليدين

стр. 1677

والرجلين، تشتمل على العظام والأعصاب والعروق. ثم يغطي الله تعالى العظام المخلوقة أولا بما يسترها ويشدها ويقويها، وهو اللحم، لأن اللحم يستر العظم، فجعل اللحم كالكسوة للعظم. ثم ينشئ الله تعالى الجنين خلقا آخر، أي مباينا للخلق الأول، بأن ينفخ الله فيه الروح، فيتحرك، ويصير خلقا آخر ذا سمع وبصر، وإدراك وحس، وحركة واضطراب. فتبارك الله أحسن الخالقين، أي تعالى شأنه في قدرته وحكمته، وتنزه وتقدس الله أحسن المقدّرين المصوّرين. وكلمة «تبارك» مطاوع «بارك» كأنها بمنزلة «تعالى وتقدّس» من معنى البركة. وهذه الآية يروى أن عمر بن الخطاب ﵁، لما سمع صدر الآية، إلى قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال فيما رواه الطيالسي وغيره عن أنس: «فتبارك الله أحسن الخالقين» فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت. وقوله سبحانه: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ معناه: أحسن الصانعين، ولا صانع ولا خالق غير الله تعالى، وخلقه وصنعه أقوم صنع وأحسنه وحسنه، فهو حسن وأحسن، ولا يراد بذلك التفاضل بينه وبين غيره تعالى، وإنما الدلالة على كمال الخلق وحسنه وتمام إبداعه وتكوينه. وبعد تمام الخلق والولادة والحياة في الدنيا، إنكم أيها البشر بعد النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت. ثم تبعثون من قبوركم أحياء للنشأة الآخرة، للحساب والجزاء ثوابا وعقابا، كما قال الله تعالى: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [العنكبوت: ٢٩/ ٢٠] يعني يوم المعاد. وهذا خبر بالبعث والنشور. وانتقال الإنسان بموتتين: الأولى قبل وجوده والثانية بعد موته، ثم انتقاله بحياتين: حياة الدنيا وحياة الآخرة: دليل واضح على قدرة الله ، لأن هذا الانتقال في صورتين متتاليتين يحتاج إلى مبدع خالق، ألا وهو الله أحسن الخالقين.

стр. 1678

خلق السماوات وإنزال الماء وإيجاد الحيوان الأدلة والبراهين الحسية القطعية على وجود الله وقدرته كثيرة متنوعة، أهمها خلق الإنسان والحيوان، وإبداع السماوات، وإنزال المطر، وكل نوع من أنواع الخلق هذه عجيب ومدهش، يغرس في عقل الإنسان ووعيه وقلبه الإيمان بوجود الخالق وتميزه بالقدرة الإبداعية المطلقة، وإذا تناسى الإنسان هذه الظواهر الدالة على الحق سبحانه، بسبب اكتمالها وبقائها، فإن الله تعالى لا ينسى شيئا من التذكير ببديع صنعه، وأنه غير غافل عن الاستمرار في الخلق وإتقان الصنع، كما لا يغفل عن مصالح المخلوقين وعن أعمالهم. وهذا تنوير للعقل الإنساني بدوام الوجود الإلهي والقدرة الإلهية، قال الله تعالى مبينا لنا ألوانا ثلاثة من الخلق: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٧ الى ٢٢] وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [المؤمنون: ٢٣/ ١٧- ٢٢] . هذه دلائل ثلاث أخرى بعد خلق الإنسان على قدرة الله ، وهي خلق السموات السبع، وإنزال المطر من السماء وإنبات النبات به، وإيجاد الأنعام (الإبل والبقر والغنم) للانتفاع بكل مشتملاتها من اللحم واللبن والصوف والركوب عليها، من أجل خير الإنسان وبقائه. يقسم الله تعالى للتأكيد والتعظيم، لتحريك مشاعر

стр. 1679

الإنسان وتحريك جذوة الإيمان في قلبه: بأنه سبحانه خلق لكم أيها البشر فوقكم سبع سماوات طباقا، أو طرائق، أي كل ما كان من طبقات بعضه فوق بعض، ولم نكن مهملين أمر جميع المخلوقات، التي منها السماوات، بل نحفظها ونتقنها لضمان استمرارها، ونعلم كل ما يحدث فيها من صغير أو كبير، فقوله سبحانه: وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ نفي عام، أي في إتقان خلقهم، وعن مصالحهم، وعن أعمالهم. والدليل الآخر على القدرة الإلهية بعد دليل خلق الإنسان وخلق السماوات: أننا أيها البشر أنزلنا من السحب السماوية أمطارا بقدر الحاجة والكفاية للشرب والسقاية، فكل ذلك بمقدار وحكمة، فليس المطر كثيرا يغرق الإنسان، ويفسد الأرض والعمران، وليس هو قليلا لا يكفي الإنسان والزرع والثمار، وهذا يشمل الأنهار والبحار، قال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء. ومن فضل الله ورحمته: أن الله تعالى يحفظ الماء في الأرض، فيتغذى النبات والحب، وتنبع منه الأنهار والينابيع والآبار. ولو شاء الله بقدرته لأذهب هذا الماء وصرّفه وغوّره عن الناس، ولكنّ لطف الله وسعة رحمته جعلت للماء خزانات في الأرض، يأخذ منها الناس عند الحاجة، فيسقون زروعهم وثمارهم وأنفسهم ودوابهم، وينتفعون به بسائر أوجه الانتفاع، من غسل، وتطهر، وتنظيف، وتبرد وغير ذلك. وأخرج الله بماء السماء أو المطر جنات، أي بساتين من النخيل والأعناب، وسائر الفواكه الكثيرة المتنوعة، للأكل والانتفاع، والرزق والعيش الكريم. ويخرج الله أيضا بالمطر شجرة الزيتون التي تأتي بالدهن، أي الزيت، ويتخذ إداما يأتدم به الآكلون. وإن في خلق الأنعام (الإبل والبقر والغنم) عبرة وعظة عظيمة، ونعمة وفيرة،

стр. 1680

تستحق الشكر والحمد، والاستدلال بها على قدرة الله تعالى، حيث يشرب الناس من ألبانها النقية، غير المختلطة بأخلاط البطن، وينتفعون بمنافعها الكثيرة، من أصواف وأوبار وأشعار، للباس والفرش، ويأكلون من لحومها بعد ذبحها، ويركبون على ظهورها، ويحملون عليها الأحمال، كالسفن التي تشق عباب البحار والأنهار. دعوة نوح ﵇ إلى التوحيد تعرضت البشرية مع الأسف الشديد لظاهرة الانحراف في العقيدة والوثنية والشرك من عهودها الابتدائية الأولى، في عصر نوح ﵇ أبي البشر الثاني، فكانت دعوة نوح القوية إلى توحيد الله، والابتعاد عن الشرك وعبادة الأوثان، لتتخلص الإنسانية من هذا المرض الخطير، واستمر تذكير الناس وبخاصة قبيلة قريش في عهد النبي ﷺ بمصير قوم نوح الذين كفروا وأشركوا، فأبيدوا وأهلكوا، وفي هذا وعيد شديد بأن يحل بهم بلاء، مثلما حل بأولئك، والعاقل من اتعظ بغيره، ونوح ﵇ أول نبي أرسل إلى الناس، وإدريس ﵇ أول من نبّئ ولم يرسل. وهذا ما أخبر به القرآن في شأن نوح وقومه: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) «١» «٢» «٣» «٤» [المؤمنون: ٢٣/ ٢٣- ٢٦] . المعنى: تالله لقد أرسلنا نوحا ﵇ إلى قومه، فدعاهم إلى عبادة الله وحده

стр. 1681

لا شريك له، فليس لكم إله غير الله، ألا تتقون؟ أي ألا تخافون من الله بإشراككم به شريكا آخر؟ فإن الله هو الخالق القادر، وينتقم ممن عاداه، ونسب إليه الشريك. فقال الملأ أي أشراف القوم وسادتهم الذين كفروا من قومه وعبدوا الأوثان: ما نوح إلا بشر مثلكم، ورجل منكم، يريد أن يتميز ويترفع عنكم بادعاء النبوة، ولا ميزة له من علم ولا خلق، فكيف يكون نبيا يوحى إليه دونكم وهو مثلكم؟! ويمنع نبوته ثلاثة أشياء بحسب زعمهم: ١- لو أراد الله أن يبعث نبيا، لبعث أحد الملائكة من عنده، لأداء رسالته، ولم يكن بشرا، وهذا إنكار لكون النبي بشرا، وتصور بأن النبوة تكون من عنصر أسمى من البشر وهم الملائكة. وهذا يناقض حقيقة الرسالة، فإن الرسول طبعا وعقلا ينبغي أن يكون من جنس المرسل إليه، حتى يتفاهم معه، ويناقشه في الإلهيات والنبوات. ٢- ما سمعنا ببعثه: البشر في عهد الآباء والأجداد في الأزمان الغابرة، وهذا يكون بسبب تبعتهم في التقليد للأسلاف، وإهمال دور العقل والوعي، والإصرار على الكفر والجحود من غير برهان مقبول. ٣- وقالوا وما نوح إلا رجل مجنون، فيما يزعم أن الله أرسله إليكم، وخصه بالوحي والنبوة دونكم، وهذا اتهام رخيص يصدر من مفلس الحجة، وسطحي التفكير، والمتصف ببلاهة العقل، فإن العوام السطحيين لا يجدون لتسويغ انحرافهم غير اللجوء إلى تسفيه العقلاء، والتشكيك في حكمة الحكماء، ثم إنهم بعد هذا الاتهام يتواصون فيما بينهم بأن ينتظروا الموت لنوح، في زمن قريب، فيستريحوا منه ومن دعوته. وقولهم: فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي انتظروا هلاكه إلى وقت. ولم يعيّنوه، وإنما أرادوا إلى وقت يريحكم القدر منه.

стр. 1682

ولما يئس نوح من إجابة دعوته إلى توحيد الله وهجر عبادة الأوثان، على الرغم من صبره على هذه الدعوة ألف سنة إلا خمسين، فلم يؤمن معه إلا القليل، لما يئس أوحى الله إليه أن يدعو ربه لنصره عليهم، فقال نوح: يا ربي انصرني على هؤلاء القوم الضالين، وأهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، وهذا يقتضي طلب إنزال العقوبة بهم، وهو آخر الدواء، ووسيلة الخلاص من وباء الشرك والوثنية، كما قال الله تعالى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) [القمر: ٥٤/ ١٠] . صناعة السفن في عهد نوح ﵇ حينما يئس نوح ﵇ من هداية قومه، وإرشادهم إلى توحيد الله تعالى، وترك عبادة الأوثان، أوحى الله تعالى إليه بالدعاء بنصره عليهم، فدعا عليهم، وأوحى الله إليه أيضا الإعداد لنجاته مع أهله الذين آمنوا بدعوته عن طريق صناعة سفينة يركبونها، ويتخلصون من الطوفان الذي يغرق القوم الكافرين، ويمحو آثارهم، وكان نوح ﵇ نجارا، علّمه الله بالوحي والإلهام، كيف يصنع في صنع السفينة، لتكون أداة صالحة، يتحقق بها النجاة والأمن والسلام، وهذا ما تصرح به الآيات التالية: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٧ الى ٣٠] فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [المؤمنون: ٢٣/ ٢٧- ٣٠] .

стр. 1683

من أجل إنجاء نوح ﵇ ومن آمن معه، أمره الله أن يصنع السفينة بحفظ الله ورعايته، وتعليمه وإرشاده، فكان جبريل ﵇ يقول له: اصنع كذا وكذا، لجميع عمل السفينة، وما يحتاج إليه، فاستجنّ الكفار نوحا لادعاء النبوة، وسخروا منه لعمله السفينة على غير العادة الجارية، أو لكونها أول سفينة، فقوله تعالى: بِأَعْيُنِنا يراد به الإدراك. فإذا جاء أمرنا، أي حان وقت قضائنا بالعذاب والهلاك، ونبع الماء من تنور الخبز، الذي جعل أمارة كانت بين الله ﵎ وبين نوح ﵇، فاحمل في السفينة زوجين مزدوجين: ذكر وأنثى من كل صنف من الحيوان والنبات والثمر وغير ذلك، واحمل فيها أيضا أهل بيتك، وكل من آمن معك، إلا من سبق عليه القول من الله بالهلاك: وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله، كابنه وزوجته، وهو كنعان وأمه. فقوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي إهلاكنا للكفرة. وقوله: فَاسْلُكْ معناه: فأدخل. وقوله: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ الزوجان: كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء، كالذكر والأنثى من الحيوان والنّعال وغير ذلك، والمراد به في الحساب العددي: الاثنان. ثم نهى الله تعالى نوحا عن الاسترحام بقوله: وَلا تُخاطِبْنِي.. أي ولا تسألني، ولا تتشفع في الذين كفروا، ولا ترأف في قومك، فإني قضيت أنهم مغرقون، بسبب كفرهم وطغيانهم. فإذا استقرّ بك وبمن معك من المؤمنين المقام في السفينة، فقل معهم: الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، أي أنقذنا من هؤلاء الكافرين المشركين الظلمة، قال ابن عباس ﵄: كان في السفينة ثمانون إنسانا، نوح وامرأته سوى التي

стр. 1684

غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة لهم، واثنان وسبعون إنسانا، فكل الخلائق نسل من كان في السفينة. ثم أمر الله تعالى نوحا أن يدعو ربه بعد خروجه من السفينة، دعاء مقرونا بالثناء والشكر، وهو: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي وقل عند النزول من السفينة: ربّ أنزلني إنزالا مباركا أو مكانا مباركا، يبارك لي فيه، وأعطى الزيادة في خير الدارين، وأنت خير من أنزل عباده المنازل الطيبة، لأنك تحفظ من أنزلته في سائر أحواله، وتدفع عنه المكاره، وتزلل له الصعاب. إن في هذا الصنيع: وهو إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين، لدلالات نيرات واضحات على صدق الأنبياء، فيما جاؤوا به عن الله تعالى، وإن كنا لمختبرين عبادنا بهذه الآيات البينة، لننظر من يعتبر ويتعظ. وهذا خطاب لمحمد ﷺ مدلوله: إن فيما جرى على هذه الأمم لعبرا، أو دلائل لمن له نظر وعقل. ثم أخبر الله تعالى أنه يبتلي عباده زمنا بعد آخر، على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار. وقوله تعالى: «مبتلين» معناه مصيبين ببلاء، ومختبرين اختبارا يؤدي إلى ذلك. دعوة هود ﵇ إلى التوحيد لم تقتصر المأساة على قوم نوح وإغراقهم بالطوفان، وإنما تكررت في قوم آخرين هم عاد قوم هود ﵇، دعاهم هود كنوح إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وحذّرهم وأنذرهم، ورغبهم في الاستقامة والتقوى. فعاداه الأشراف والكبراء والسادة، واستصغروه ورأوا مثل قوم نوح تماما أن هودا ﵇ مجرد بشر، مثل غيره من الناس، وشأن النبي أو الرسول في زعمهم أن يكون من الملائكة فإن أطاعوا بشرا مثلهم، كانوا من أهل الضياع والخسران، وهذا ما ذكرته الآيات الآتية:

стр. 1685

[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٣٤] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) «١» » [المؤمنون: ٢٣/ ٣١- ٣٤] . المراد بهذه الآيات في اتجاه أكثر المفسرين: عاد قوم هود ﵇، فهم أقدم إلا أنهم لم يهلكوا بصيحة، لذا قال الطبري ﵀: إن هذا القرن هم ثمود ورسولهم صالح ﵇. والمعنى: ثم أوجدنا من بعد قوم نوح المهلكين قوما آخرين، هم قبيلة عاد قوم هود ﵇، فإنهم كانوا مستخلفين بعد قوم نوح ﵇، فأرسل الله تعالى فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه، ورفضوا اتباعه، فقال لهم: أفلا تتقون؟! أي ألا تخافون عذاب الله بعبادتكم غيره من الأوثان والأصنام، فإن العبادة لا يستحقها إلا الله الواحد الأحد الذي لا شريك ولا ند ولا نظير له. قال الملأ، أي أشراف قوم هود المتصفون بثلاث صفات شريرة، وهي: الكفر بالخالق أو إنكار وحدانيته، والجحود بيوم القيامة، أو التكذيب بالبعث والجزاء والحساب، والانغماس في متع الحياة الدنيا التي أنعم الله بها عليهم، فإن الله أترفهم في الدنيا، أي نعّمهم، وبسط لهم الآمال والأرزاق، لكنهم جحدوا النعمة وبطروا واستكبروا، وقالوا: ما هود الذي يدعي أنه رسول إلا بشر عادي مثلكم في الصفات والحال، لا ميزة له عليكم، فهو يأكل من طعامكم، ويشرب من شرابكم الذي تشربون منه، فكيف يدّعي الفضل عليكم، ويزعم النبوة والرسالة من الله إليكم؟!
следующие страницы →