← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٢ الى ٩٧] إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» » [الأنبياء: ٢١/ ٩٢- ٩٧] . المعنى: إن دين الله والإنسانية دين واحد، قائم على ملة التوحيد الخالص لله، والإيمان بالله ﵎ وعبادته، وتلك هي الملة الواحدة التي دعا إليها جميع الأنبياء والشرائع، إنهم جميعا متفقون على منهج واحد، وغاية واحدة، وما على البشر إلا توحيد الدين، والإنابة لرب العالمين، فهو الإله الواحد الذي لا إله غيره، فليعبده كل الناس، ولا يشركوا به أحدا من المخلوقات والأشياء الكونية. إلا أن الأمم والشعوب اختلفوا مع الأسف، على الرسل بين مصدّق لهم ومكذب، وكان منهم المحسن ومنهم المسيء، وتقطّعوا أمر الدين الواحد، وتفرقوا فرقا شتى، وكل فرقة منهم سيرجعون إلى الله تعالى يوم القيامة، فيجازى كل واحد بما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ثم حوّل الله الخطاب إلى الغيبة للالتفات إلى مخالفات دين الله الواحد. فمن عمل عملا من الصالحات، وهو مؤمن بالله، فهو بسعيه يجازى، ولا جحود لمسعاه، ولا إبطال لثواب عمله، ولا إضاعة لجزائه، وكل شيء قدمه فهو مدون محفوظ. والآية دليل واضح على أن أساس قبول الأعمال الصالحة عند الله: هو

стр. 1612

الإيمان الحق الذي يشمل التصديق بالله ورسله وبجميع ما أنزل الله في كتبه، وبما شرّع من شرائع وأحكام، وهذا هو المحسن، وقد ذكّره الله بالوعد الحسن وبالمصير المحمود. ثم ذكّر الله المسيء بالوعيد في قوله: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي ومحظور ممنوع على أهل قرية، حكم الله بإهلاكها، رجوعهم إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون، أو رجوعهم عن الكفر إلى الإيمان والإسلام، والعودة إلى الرشد والاستقامة، فأولئك لا يؤمنون أبدا بسبب سوء اختيارهم وعنادهم، وتحجر طبائعهم. وكلمة «لا» في قوله سبحانه: لا يَرْجِعُونَ زائدة للتأكيد، وهو شيء مألوف في لغة العرب. ويستمر عدم رجوع القوم المهلكين إلى قيام الساعة وظهور أماراتها وهو خروج يأجوج ومأجوج، وهم الناس جميعا، يخرجون من قبورهم، ويقبلون على ساحة الحساب من كل مكان، مسرعين، فقوله تعالى: يَنْسِلُونَ معناه: يسرعون في تطامن، أي سكون أو انخفاض. والحدب: كل مسنّم من الأرض كالجبل والقبر ونحوه. فإذا خرجت الأمم من القبور، وقرب الوعد الحق، أي يوم القيامة، ترى أبصار الكافرين شاخصة، أي مرتفعة الأجفان، جامدة لا تتحرك، ولا تكاد تنظر من أهوال القيامة وشدة أحداثها. يقولون: «يا ويلنا» أي يا هلاكنا، قد كنا في الدنيا غافلين لاهين. بل كنا في الواقع ظالمين لأنفسنا، بتعريضها للعذاب، لقد كانت بنا غفلة عما وجدنا عليه الآن، وتبيّنا من الحقائق، ونصرح بأننا نحن الظلمة. وهذا اعتراف واضح بما كانوا عليه من تعمّد الكفر وقصد الإعراض. إن أمر الساعة الوعد الحق سريع الحدوث، رهيب الوقوع، روى ابن جرير الطبري عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1613

رجلا اقتنى فلوا، بعد خروج يأجوج ومأجوج، لم يركبه حتى تقوم الساعة» . والفلو: المهر أو الجحش يفطم أو يبلغ السنة. جزاء الكافرين والمؤمنين من المعلوم بداهة أن الجزاء من جنس العمل، وأن النجاح والرسوب بحسب الاستعداد للامتحان، فمن أحسن العمل، وأتقن الصنعة، وآمن إيمانا صحيحا، لقي الرضوان، وفاز بالجنان، ونجح في الامتحان. ومن أساء العمل، وأفسد المسعى، وكفر بالله وخالقه ورازقه، تلقى الهوان والسخط والغضب، وباء بالنيران، وخاب في النتيجة. وهذا منهج القرآن وكل كتاب إلهي، وهو حكم العقل الصحيح، قال الله تعالى مبينا هذا المنهاج: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٨ الى ١٠٣] إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الأنبياء: ٢١/ ٩٨- ١٠٣] . مطلع الآيات: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مخاطبة لكفار مكة، مفادها: إنكم أيها المشركون بالله عبدة الأصنام والأوثان، مع أصنامكم: حصب جهنم، أي وقود النار، تدخلونها جميعا، وتخلدون فيها، والورود في هذه الآية: ورود الدخول، وحرق الأصنام بالنار، على جهة التوبيخ لعابديها.

стр. 1614

وقد نزلت الآية التي بعدها حينما اعترض عبد الله بن الزّبعرى على رسول الله ﷺ ، قائلا: إن عيسى وعزيرا ونحو هما قد عبدا من دون الله، فيلزم أن يكونا حصبا لجهنم، فنزلت آية: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى. وأكد الله تعالى قبل بيان نجاة أهل الإيمان على إحراق الأصنام للتوبيخ، بأنه لو كانت هذه الأصنام آلهة صحيحة، تضر وتنفع كما يدعي عبدتها، ما دخلوا النار، لأن أبسط شيء في الفكر: أن الذات أو النفس تدفع الضر عن حالها، وكل تلك الآلهة المزيفة المعبودة من دون الله، مخلدة في نيران جهنم، دائمة العذاب فيها، لا مخرج لهم منها. وللمعذّبين من شدة العذاب أنين وزفير، والزفير: صوت المعذب، وهو كشهيق الحمير وشبهه، إلا أنه من الصدر، وهم في النار لا يسمعون فيها خبرا مفرحا، ولا شيئا سارّا من القول، بل يسمعون صوت الزبانية الذين يتولون تعذيبهم. أما أهل السعادة: فليسوا من المعذّبين لأنهم لم يرضوا بعبادتهم أنفسهم، ولا دعوا إليه، فهؤلاء سبقت لهم من الله الحسنى، أي تقرر في علم الله أنهم بسبب التزامهم الإيمان وصالح الأعمال في الدنيا، مبعدون عن دخول النار، وهم مبشّرون بالجنة والثواب العظيم، وموفّقون للعمل الصالح، كما قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ١٠/ ٢٦] . فسقط بذلك اعتراض عبد الله بن الزبعرى على ظاهر الآية السابقة: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. فإن المعبودين من غير علم منهم ولا رضا بعبادتهم من قبل الجاهلين هم ناجون من العذاب، وأوصاف نعيم السعداء أربعة: هي أنهم لا يسمعون حسيس النار، أي صوتها وحريقها في الأجساد وشررها، وهم ماكثون أبدا على الدوام في الجنان، يتمتعون بما اشتهت أنفسهم من نعيم الجنة ولذائذها، ولا يحزنهم الفزع الأكبر، أي

стр. 1615

لا تخيفهم أهوال القيامة، بعد قيامهم من قبورهم للحساب، إلى أن يصلوا إلى الجنة، وتستقبلهم الملائكة بالسلام عليهم، والتبشير لهم، قائلين لهم: هذا يومكم الذي وعدتم فيه الثواب والنعيم، إنه يوم المسرة الأكبر، ويوم الثواب والفرحة الأعظم، ويوم الحسنى، والحسنى: الرحمة وحتمية التفضيل. ألا ما أعظم الفرق الشاسع بين مصير هؤلاء السعداء، فهم المخلّدون في النعيم، المتمتعون بأطيب وأحسن الأحوال، وأما أولئك الأشقياء فعلى العكس من ذلك تماما، إنهم مخلدون في الجحيم، وفي أسوأ الأحوال، وأتعس الأوصاف والأوضاع. طي السماء وإرث الأرض في يوم القيامة تتبدى عجائب، وتظهر أحوال خطيرة، تنبئ عن عظمة القدرة الإلهية، وتذهل منها العقول والأفكار، من هذه العجائب تبدّد السماوات وطيّها كطي سجل الكتاب، وتغيّر الأرض تغيرا غير منتظر، وسرعة الحساب، وتقرير مصير الخلائق على نحو غريب، وسوق الناس إلى مصائرهم سوقا سريعا، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإما إلى نار محرقة تتلظى بها الجلود، وتحترق بها الأكباد والقلوب، وهذا ما أخبرت عنه الآيات الآتية: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦] يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنبياء: ٢١/ ١٠٤- ١٠٦] .

стр. 1616

إن الملائكة الكرام تستقبل وفود أهل الإيمان، وتتلقاهم مبشرين مهللين، يوم يطوي الله تعالى السماء، بواسطة ملك كما يطوى السجل، أي الصحيفة المخصصة للكتابة، وهذا الطي كائن حتما، يوم يعيد الله الخلائق بالبعث خلقا جديدا، كما بدأهم في أول مرة، والله وحده هو القادر على إعادتهم، إنه وعد لا يتخلف، والله قادر على فعل ذلك الطي بيسر وسهولة، كما جاء في آية أخرى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) [الزمر: ٣٩/ ٦٧] . أما تبدل السماوات والأرض، فجاء الخبر عنه في قوله سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) [إبراهيم: ١٤/ ٤٨] . وقوله سبحانه: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ يحتمل معنيين كما ذكر ابن عطية في تفسيره: أحدهما: أن يكون خبرا عن البعث، أي كما اخترعنا الخلق أولا على غير مثال، كذلك ننشئهم تارة أخرى، فنبعثهم من القبور. والثاني: أن يكون خبرا عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا. ثم أخبر الله تعالى عما قضاه وقدره لعباده الصالحين من سعادة الدنيا والآخرة ووراثة الأرض، فذكر سبحانه أنه قضى قضاء محتما في كتاب الزبور، بعد التوراة أو القرآن: أن وراثة الأرض في الدنيا والآخرة لا تكون على الدوام والاستقرار إلا لعباد الله الصالحين وهم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى. والذكر: إما التوراة كما قالت فرقة، أو القرآن وهو قول ابن عباس، أو اللوح المحفوظ، والزبور: إما ما

стр. 1617

أنزله الله على داود ﵇، أو أنه اسم يعم جميع الكتب المنزلة، لأنه مأخوذ من «زبرت الكتاب» : إذا كتبته. والأرض: إما أرض الجنة بقول فرقة، لقوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزّمر: ٣٩/ ٧٤] . وإما أرض الدنيا في قوله فرقة أخرى، أي كل ما يناله المؤمنون من الأرض، لقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٢٤/ ٥٥] . إن في هذا المذكور في سورة الأنبياء أو في القرآن بجملته، من الأخبار والوعد والوعيد، والمواعظ المؤثرة، لإبلاغا كافيا ومنفعة تامة لقوم عابدين: وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبّه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات الأنفس. والعبادة التي يتصف بها العابدون تتضمن الإيمان بالله تعالى، واجتماع أوصاف العبادة التامة من الإيمان، وطاعة الله والخشوع له، مؤهلة أصحابها للتمكن في الأرض في الدنيا، والظفر بالجنة في الآخرة. النبي ﷺ رحمة للعالمين ختمت سورة الأنبياء بعد إيراد سيرتهم وقصصهم ببيان الغاية السامية من بعثة خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليه، والتي هي في جوهرها أنه رحمة للعالمين في الدين والدنيا والآخرة، أما في الدين فبإنقاذهم من الجاهلية والضلالة إلى العلم والنور والهداية، وأما في الدنيا فهو لتحقيق العزة والنصر، والتخلّص من الذّلة والمهانة، فإن آمن الناس برسالة النبي محمد ﷺ سعدوا وصعدوا وارتقوا، وإن أعرضوا وتنكروا، فما على هذا الرسول إلا البلاغ المبين، قال الله تعالى واصفا خاصية رسالة النبي ﷺ :

стр. 1618

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٧ الى ١١٢] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) «١» «٢» «٣» [الأنبياء: ٢١/ ١٠٧- ١١٢] . المعنى: وما أرسلناك أيها النبي محمد بشريعة القرآن وهديه وأحكامه ودستوره إلا لرحمة جميع العالم من الإنس والجن، في الدنيا والآخرة. أما رحمته للمؤمنين: فهي بيّنة تتجلى في تحقيق إسعادهم في دنياهم، ونجاتهم في أخراهم، وأما رحمته للكافرين: فتظهر في أن الله تعالى رفع عن مختلف الأمم أنواع العذاب الشامل المستأصل، كالطوفان وغيره. وجوهر رسالة هذا النبي تتمثل في قوله لقومه أهل مكة وكل إنسان: ما يوحى إلي شيء إلا أن الله إله واحد لا شريك له، فاعبدوه وحده فهل أنتم مطيعون، خاضعون لأوامر الله؟! فإن أعرضوا وتركوا ما دعاهم إليه هذا الرسول، فقل لهم: أعلمتكم أني حرب لكم، وأنتم حرب لي، وأخبرتكم خبرا نتساوى في العلم به، وهذا عدل في الاعلام والإخبار: وهو أنني بريء منكم، وأنتم بريئون مني، وقد عرفتكم إنذاراتي، وأردت أن تشاركوني في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى. وأعلمكم بأنني لا أعرف وقت عقابكم، وإنما هو مترقب في القرب والبعد، فما توعدون به من العذاب، وتغلّب المؤمنين عليكم هو واقع كائن لا محالة، والله هو العالم بتحديد وقته.

стр. 1619

إن الله تعالى يعلم الغيب كله، ويعلم ما يظهره الناس وما يسرون، ويعلم ما يطعنون به في الإسلام، وما يضمرونه من الحقد والكيد على المسلمين، وسيجزيكم الله على قليل ذلك وكثيره. وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم ابتلاء واختبار لكم، وتمتع باللذات والمنافع الدنيوية إلى أجل مسمى، لينظر ماذا تعملون. وقوله تعالى: لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ الضمير يعود على الإملاء والإمهال لهم، والفتنة: الاختبار والابتلاء، والمتاع: ما يستمتع به مدة الحياة الدنيا. ثم أمر الله نبيه أن يقول على جهة الدعاء: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ أي افصل بيننا وبين قومنا المكذّبين بالحق والعدل، فإنك لا تحكم إلا بالحق، ولا تحب إلا الحق. وفي هذا الدعاء توعد، أي إن الحق هو نصرتي عليكم. ثم علّم الله نبيه كيفية التوكل عليه، والاستعانة بالله تعالى، أي إن الله ربنا هو المستعان، ويطلب منه العون على وصف الشرك والكفر، والكذب والباطل، ومفاد قولهم المزعوم: أن لله ولدا، وأن محمدا ساحر شاعر، وأن القرآن شعر، وأنهم طامعون في الانتصار على المسلمين، بحيث تكون الشوكة والغلبة لهم. وهذا الطلب والاحتكام إلى الله: إنذار للمشركين، وإظهار للحق، وتوعد للكفرة، وتهديد بالهزيمة والاندحار أمام جند الحق والإيمان، وأنصار الرحمن والقرآن، وقد تحقق هذا الإنذار، فإن الله نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا هو الحي القيوم. وهذا دليل آخر على صدق محمد ﷺ في دعوته، وأنه رسول من عند الله تعالى لخير البشرية.

стр. 1620

تفسير سورة الحج التقوى وسببها إن مهمة المربي المخلص الترغيب في الاستقامة، والتحذير من الانحراف، وإلا لم يكن مربّيا صدوقا، ولا معلما ناجحا، لذا عني القرآن الكريم من أجل النجاح في التربية بالحض على تقوى الله تعالى التي تشمل الجانبين الإيجابي والسلبي، بالتزام المأمورات التي تحقق الخيرات والفلاح، واجتناب المنهيات التي تؤدي إلى الشر والخسران، وهناك سبب آخر للأمر بالتقوى: وهو النجاة في عالم الحساب يوم الآخرة، ففي الآخرة الرعب والرّهب، ولا أمان من مخاوف هذا اليوم، والنجاة من أهواله، إلا باستقامة الإنسان، وقد أمر الله تعالى صراحة بالتقوى لتنفع صاحبها في عالم القيامة، فقال سبحانه: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) «١» «٢» «٣» [الحج: ٢٢/ ١- ٤] . هذا مطلع سورة الحج المدنية النزول، وصدر الآية يتضمن تحذيرا لجميع العالم

стр. 1621

لتفادي أهوال القيامة، فيا أيها البشر، احذروا عذاب الله، بطاعته، والبعد عن معصيته، ثم أكد الله هذا الأمر بأمر زلزلة القيامة، حين حدوثها، قبل قيام الناس من القبور، لقوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) [الزلزلة: ٩٩/ ١- ٢] وتلك الزلزلة: هي إحدى شرائط القيامة، وسميت الزلزلة حين نزول القرآن شيئا، وهي حينئذ معدومة، لأن تيقن وجودها يجعلها شيئا موجودا، أي هي إذا وقعت شيء عظيم، فيكون المعنى أنها إذا كانت، فهي شيء عظيم جدا، والزلزلة: التحريك العظيم، وذلك مع نفخة الفزع ومع نفخة الصعق حسبما تضمن حديث أبي هريرة من ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. وأوصاف يوم القيامة الرهيبة هي: ١- يوم تذهل الزلزلة كل مرضعة عن وليدها الرضيع. والذهول: الغفلة عن الشيء بطارئ من هم أو وجع أو خوف. ٢- وتسقط الحامل جنينها من بطنها من شدة الخوف والفزع. ٣- وتجد الناس كالسّكارى من الخوف، وهم في الواقع غير سكارى من الشراب، ولكن شدة العذاب أفقدتهم وعيهم. ومع هذا التحذير الشديد ووصف هذه الأهوال العظام، يجادل بعض الناس في المغيبات بغير علم، كالمجادلة في صفات الله وأفعاله، وقدرته على البعث وغيره، ويتبع في جداله بالباطل خطوات كل شيطان متمرد عات، فهو لا يجادل بالحق، وإنما يجادل بالباطل. قال ابن جريج: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث وأبي بن خلف. وقيل: في أبي جهل بن هشام. وكان النضر كثير الجدال، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي وصار ترابا.

стр. 1622

والآية تتناول كل من يتصف بهذه الصفة، أي الجدال بالباطل، وهي كما قال الزمخشري في الكشاف عامة في كل من تعاطى الجدال، فيما لا يجوز على الله، وما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم، ولا يتّبع حجة ولا برهانا صحيحا، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل، وتدل الآية بمفهومها على جواز المجادلة بالحق، وهي المجادلة مع العلم، ومن أجل التعلم والتعرف على الحقيقة، لقوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٦/ ١٢٥] . وأما المجادلة بالباطل: فهي المرادة من قوله تعالى: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف: ٤٣/ ٥٨] . ثم أبان الله مصير الذي يتبع الشيطان، وهو أنه قضي على من اتبع الشيطان، وجعله وليا ناصرا له: أن يوقعه في الضلال، ويهديه إلى النار، أي يدله على طريق ذلك. والمقصود أن اتباع الشيطان يؤدي إلى الضلال في الدنيا، وإلى عذاب النار في الآخرة، وهذا وعيد واضح لمن اتبع الشيطان، وتحذير من الانسياق مع وساوسه وأباطيله. بعض أدلة البعث أقام الله تعالى أدلة كثيرة على إثبات البعث واليوم الآخر، منها في أوائل سورة الحج خلق الإنسان، وخلق النبات، فالله تعالى خلق الإنسان من تراب، كما في قوله تعالى: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ. وخلق النبات من زرع وشجر، كما في قوله سبحانه: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً. وبعد إيراد الأدلة على قدرة الله على البعث، لا يلتفت إلى إنكار منكر له، ويكون الإنكار نوعا من العبث والمكابرة والعناد الذي لا يعتمد على عقل ولا فكر صحيح. قال الله تعالى مبينا موقف هذا المنكر المكابر والرد عليه:

стр. 1623

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥ الى ٨] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الحج: ٢٢/ ٥- ٨] . هذا لون صريح من مباشرة الحوار الرباني مع الناس، فيا أيها البشر، إن كنتم في شك من إمكان البعث ومجيئه، يوم القيامة، فانظروا إلى بدء خلقكم، فمن قدر على البدء قدر على الإعادة، بدليل مراحل خلق الإنسان السبع الآتية وهي: ١- إننا خلقنا أصلكم آدم من التراب، وخلقنا الغذاء من التراب. ٢- ثم بدأ تخلّق الإنسان بحسب الأحوال المعتادة، ببدء تكون النطفة. ٣- ثم تحولت النطفة بإذن الله إلى علقة، أي قطعة دم متجمد بعد أربعين يوما. ٤- ثم صارت العلقة مضغة، أي قطعة لحم، مخلّقة أي متممة البنية، وغير مخلّقة: غير متممة البنية، أي التي تسقط، وقد خلقناكم على هذا النحو من التدرج لنبين لكم كمال قدرتنا وحكمتنا، ولتستدلوا بها على إمكان البعث، فإن من خلق الإنسان على هذا النحو من التدرج والتباين الظاهر، قدر على إعادة ما بدأه، بل هذا أهون في تقدير الناس، وإن كان لا فرق في القدرة الإلهية بين الحالين.

стр. 1624

٥- ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ضعافا في البدن والعقل والحواس. ٦- ثم تمرون في مراحل العمر، فتبلغوا أشدكم في عنفوان الشباب، وتتكامل قواكم البدنية والعقلية. ٧- وبعضكم يتوفاه الله في مرحلة مبكرة من العمر، وبعضكم تتأخر وفاته، ويعيش حتى يصل إلى سن الشيخوخة والهرم، وضعف العقل والقوة والفهم، وتلك هي مرحلة الخرف، التي يعود بها الإنسان إلى حال الطفولة، هذا هو الدليل الأول على قدرة الله على البعث، يعتمد على التأمل في مراحل خلق الإنسان. والدليل الثاني على إمكان البعث من الله: هو خلق النبات المشابه لخلق الإنسان، فإذا تأمل المرء أحوال الأرض، يراها أولا ميتة يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فإذا أنزل الله عليها المطر تحركت بالنبات، ودبت فيها الحياة، وارتفعت وانتفخت بالماء والنبات، ثم أنبتت من كل صنف من النبات والزرع ما هو جميل المنظر، طيب الرائحة، متناسق الألوان أو مختلفها، لاختلاف ألوان الثمار والزروع والطعوم والروائح، والأشكال والمنافع، كما يلاحظ كل إنسان في فصل الربيع والصيف وغيرهما. ذلك المذكور من خلق الإنسان والحيوان والنبات بسبب أن الله هو الحق الموجود الثابت الذي لا شك فيه، وأنه الإله القادر على إحياء الموتى كإحياء الإنسان والحيوان والنبات، وأنه تعالى القادر على كل شيء، فمن قدر على هذه الممكنات، فهو قادر على إعادة الأجسام إلى أرواحها. ولتعلموا أن من قدر على إحياء الموتى قادر على الإتيان بالساعة، أي يوم القيامة، فالساعة كائنة واقعة لا شك فيها، ولتتيقنوا أن الله سيبعث أهل القبور، بعد أن بليت أجسادهم، وصاروا رمما، وسيعيدهم الله مرة أخرى أحياء، ليوم الحشر والحساب، والثواب والعقاب.

стр. 1625

أحوال الناس من الهداية الإلهية تختلف أحوال الناس من الهداية الإلهية، على ثلاث فئات، فئة دعاة الضلال، وفئة أهل الشك والنفاق، وفئة الأبرار السعداء، ولكل فئة سلوك ومنهاج، وتفكير ونظام، وتسطر كل فئة بيدها خطوط مستقبلها، فلا يكون بعدئذ مجال للاعتراض، أو ادعاء لظلم، أو مفاجأة بواقع المصير، وقد أخبر القرآن الكريم عن هذه الفئات الثلاث في الآيات الآتية: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٨ الى ١٤] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحج: ٢٢/ ٨- ١٤] . هذه أحوال ثلاث فئات من الناس. أما الفئة الأولى: فهم دعاة الضلال وأئمة الكفر، وهم الذين يجادلون في توحيد الله وأفعاله وصفاته بلا عقل صحيح، ولا نقل صريح، بل بمجرد الرأي المحض والهوى الخاص. إنهم يجادلون مستكبرين عن الحق وقبوله، بقصد إضلال الناس عن سبيل الله، سبيل الحق والعدل والتوحيد، فيكون عقابهم في الدنيا الخزي، أي الهوان والذل، وفي الآخرة الزجّ بهم في عذاب

стр. 1626

النار، وبئس العذاب. وسبب هذه النهاية الوخيمة: هو ما قدموا من الكفر والعصيان، واتباع وساوس الشيطان، فيكون جزاؤهم حقا وعدلا، وليس الله بظالم أحدا من عبيده، وإنما هم الظالمون لأنفسهم. فقوله تعالى: ثانِيَ عِطْفِهِ عبارة عن المتكبر المعرض. وقد نزلت هذه الآية في أبي جهل، أنذره الله بالخزي (الذل والهوان) في الدنيا، فقتل يوم بدر، أو نزلت في النضر بن الحارث الذي قتل أيضا يوم بدر. وأما الفئة الثانية: فهم أهل الشك والنفاق والمنفعة، والانتهازيون: وهم الذين يعبدون الله على شك وضعف في العبادة، فإن أصابهم خير مادي من غنيمة ومال، وكثرة نتاج في الماشية، رضوا عن هذا الدين، وإن أصابهم مرض أو فقر أو ضعف نتاج من الماشية، ارتدوا وكفروا، فخسروا أو ضيعوا الدنيا والآخرة، فلم يحصلوا من الدنيا على شيء، من عزّ وكرامة وغنيمة، ولا استفادوا من ثواب الآخرة، لأنهم كفروا بالله العظيم، وذلك هو الخسران البيّن الذي لا خسران مثله. وتأكيدا لعظم تلك الخسارة، ترى هؤلاء المنافقين يعبدون من غير الله آلهة من الأصنام، يستغيثون بها، ويستنصرون، ويسترزقون، وهي لا تضرهم إن لم يعبدوها، ولا تنفعهم في الآخرة إن عبدوها، ذلك الارتداد وعبادة الأصنام: هو الضلال الموغل في البعد، وتراهم أيضا يعبدون من ضرره في الدنيا أقرب من نفعه فيها، وضرره في الآخرة محقق متيقن، لبئس المولى: الناصر هو، ولبئس العشير: الصاحب هو. وأما الفئة الثالثة: فهم الأبرار السعداء الذين آمنوا بقلوبهم وصدّقوا إيمانهم بأفعالهم وعملوا صالح الأعمال، فيكون جزاؤهم إدخالهم جنات تجري من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار، إن الله يفعل ما يريد بإكرام أهل الطاعة والإنابة، ويهين أهل المعصية، ويحرمهم من فضله، يفعل على وفق مراده وإرادته ومشيئته

стр. 1627

المطلقة، فلا رادّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، إنه سبحانه يدخل المؤمنين الجنة بحق وعدل، ويدخل الكافرين النار بحق وعدل، المؤمنون بسبب إطاعتهم لله تعالى، والكافرون بسبب عصيانهم أوامر الله تعالى. إن بيان أحوال هذه الفئات الثلاث والموازنة بينهم، يكون خير ترجمان عن واقع الناس، وعن مصائرهم يوم القيامة، فهل من تفكير بإيمان صحيح، وهل من مسعى حميد نحو الطاعة، والفرار من المعصية؟ مناقشة اليائس من النصر جرت العادة أن كل رسول أو سفير عن غيره يكون محميا ومؤيدا بقوة وسلطان من أرسله، ليتمكن من أداء مهمته على الوجه الأكمل، ويعود سالما غانما إلى مقره ووطنه، والله تعالى أشد غيرة وأعظم سلطانا وتأييدا لرسله الذين بعثهم لهداية البشرية، فيحميهم من أعدائهم، وينصرهم على مخالفيهم في نهاية الأزمة والمحنة، لذا وبخ الله تعالى أولئك الفئة من الناس وهم ضعاف الإيمان أو عديمو الإيمان على ما طرأ عليهم من القلق، وعلى ظنهم أن الله تعالى لن ينصر محمدا ﵊ وأتباعه، وأبان الله لهم أنه سبحانه أمر نبيه ومن آمن معه بالصبر وانتظار الوعد الإلهي، وأنزل على رسوله الآيات البينات التي يبلغها لقومه، وللناس أجمعين، فقال الله تعالى: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٥ الى ١٦] مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) » «٢» «٣» «٤» «٥» [الحج: ٢٢/ ١٥- ١٦] .

стр. 1628

أبان الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أمرين مهمين: وهما نصرته رسول الله ﷺ في الدنيا والآخرة، لييأس المجادلون الانهزاميون العابدون الله على حرف (أي شك وضعف في العبادة) الظانون أن الله تعالى لن ينصر رسوله. والأمر الثاني: إنزاله القرآن آيات واضحات ترشد إلى الحق والصواب. والمعنى: يقول الله تعالى: نحن أمرنا رسولنا والمؤمنين بالصبر على الدعوة إلى الله، وانتظار وعدنا، فمن ظن غير ذلك، وأننا لن ننصر محمدا ﷺ في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى السماء، أي بحبل إلى سقف بيته، وليختنق به، ولينظر وليتأمل في نفسه: هل يذهب بذلك غيظه من نصرة رسول الله ﷺ ؟ كلا، وهذا الكلام على جهة المثل السائر، وهو قولهم: «دونك الحبل فاختنق» يقال ذلك للذي يريد من الأمر ما لا يمكنه. وسمي الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع حياته. وسمي فعله وهو نصب المشنقة «كيدا» استهزاء، لأنه لم يكد به محسوده، وإنما كاد به نفسه، ولم يقدر على غيره. والمراد من هذا المثل المتحدي به: أن الله تعالى ناصر بالتأكيد دينه وقرآنه ورسوله، لا محالة من ذلك، فليفعل أهل الغيظ ما شاؤوا. قال ابن عطية ﵀: أبين وجوه هذه الآية أن تكون مثلا، ويكون النصر هو النصر المعروف، والقطع: الاختناق، والسماء: الارتفاع في الهواء بسقف أو شجر أو نحوه. ثم أردف الله تعالى بيان ذلك المثل ببيان آخر، حول القرآن العظيم، والمعنى: وكما وعدنا رسولنا بالنصر، وأمرناه بالصبر، كذلك أنزلنا القرآن آية بيّنة واضحة، لمن نظر واهتدى، يتعظ بها المعتبر، ويتأمل بها الواعي المتعظ، لا ليقترح معها شيء آخر، ويستعجل القدر، فإن إنزال كل شيء بحكمة وميعاد، وفي الوقت المناسب

стр. 1629

بحسب مراد الله، لا بحسب مراد البشر، والضمير في أَنْزَلْناهُ عائد على القرآن، وجاءت هذه الضمائر هكذا، وإن لم يتقدم لها ذكر، لشهرة المشار إليه، نحو قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٨/ ٣٢] . والأمر أن الله يهدي من يريد، أو لأن الله يهدي بالقرآن ويوفق الذين يعلم أنهم يؤمنون، ومستعدون للإيمان بما أنزل، ويريد الله هدايتهم. وهداية الله ﵎: هي خلقه الرّشاد والإيمان في نفس الإنسان. حسمت هاتان الآيتان من أمرين أحدهما شخصي متعلق بالنبي ﷺ ، والآخر عام متعلق بطبيعة بيان القرآن، وهداية الله البشر. إن أمر انتصار النبي ﷺ على مخالفيه حقيقة ثابتة في مضمار العقيدة، ومصداقية التاريخ، وقد تم ذلك بنحو واضح، إلا أن مصائر الأمور تتعلق بالحكمة الإلهية والعلم الرباني، فقد يتأخر النصر، لترك الفرصة أمام الجناة، لتصحو ضمائرهم، وتتفتح عقولهم، وتتدبر أمر الوحي الإلهي. وإن بيان القرآن الكريم القطعي الذي لا غبار عليه ولا شك في دلالاته وأخباره، ومهامه وغاياته، هو الذي خلّده وأبقاه أبد الدهر، وسيظل منارة الهدي الإلهي، ومفتاح صفحة الكون الذي تستضيء بهديه نفوس الحائرين، ولن تجد أقوم ولا أعدل، ولا أحكم ولا أصلح، ولا أفضل منه، وإن هداية الله وتوفيقه بالقرآن وغيره مستمرة، ومرتبطة بإرادة الله، وإرادة الله الهداية تقع في محلها حسبما يعلم الحق من كان أهلا للهداية وجديرا بها. العدل الإلهي بين الفرق انقسمت الشعوب والأمم إزاء الهدي الرباني إلى فرق وأحزاب، وفئات وجماعات، بحسب أهوائهم ونزعاتهم واستعداداتهم، فمنهم أهل الإيمان بالنبي محمد ﷺ وغيره من الأنبياء، ومنهم من لم يؤمن بالأنبياء جميعا، ومنهم من آمن ببعض

стр. 1630

الأنبياء دون البعض الآخر، والله تعالى عالم بكل هؤلاء، يفصل بينهم فصلا قائما على العدل يوم القيامة، والله قادر على كل شيء، يهدي من علم أنه أهل للهداية، ويعذب من يستحق العذاب، ومن هداه الله فلا مضل له، ومن يهنه ويعذبه فلا مكرم له، ، يفعل ما يريد، قال الله تعالى واصفا أحوال الأمم ومبينا مصائرها: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٧ الى ١٨] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) «١» «٢» [الحج: ٢٢/ ١٧- ١٨] . أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن فعله العادل، بجميع الفرق الدينية المختلفة، من المؤمنين بالله ورسله، واليهود، والنصارى، والصابئين: (وهم فرقة بين اليهود والنصارى، أو قوم يعبدون الملائكة، ويستقبلون القبلة، ويوحدون الله، ويقرءون الزبور) والمجوس: وهم عبدة النار والشمس والقمر، والمشركين: وهم عبدة الأوثان، يعبدون مع الله إلها آخر. هؤلاء جميعا يحكم الله بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به النار، فإن الله تعالى شهيد مطلع على جميع أعمالهم، حفيظ لأقوالهم وأفعالهم، عليم بسرائرهم، وما تنطوي عليه ضمائرهم. وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي عالم به: خبر مناسب للفصل بين الفرق، وفصل الله تعالى بين هذه الفرق: هو بإدخال المؤمنين الجنة، والكافرين النار. وهذا أمر هين سهل على الله تعالى، فإن الله قادر على كل شيء، بدليل أن الله

стр. 1631

يخضع ويسجد له كل شيء طوعا وكرها، وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جميعها لله تعالى وخضوعها، وقد ذكر الله في الآية كل ما عبد الناس، وهناك في المخلوقات أعظم مما ذكر كالبحار والرياح والهواء، يسجد لله جميع من في السموات وهم الملائكة، وجميع من في الأرض، ممن عبد من الإنس (الناس) والجن، وتسجد لله الشمس والقمر والنجوم العلوية، وكانت حمير وهم قوم بلقيس تعبد الشمس، وكانت كنانة من العرب تعبد القمر، وكانت قريش تعبد الشّعرى، وكانت أسد تعبد عطارد، وكانت تميم تعبد الدّبران، وكانت لخم تعبد المشترى، وكانت طي تعبد الثّريا، وكانت ربيعة تعبد المرزم. والأشجار والجبال والدواب كلها تسجد لله أيضا، وإن عبدها بعض الناس، فمن الجبال أصنام الحجارة، ومن الشجر: النار والخشب، ومن الدواب: البقر وغير ذلك مما عبد من الحيوان كالديك ونحوه. والسجود من هذه المخلوقات غير العاقلة: يراد به الخضوع والانقياد للأمر. وكثير من الناس حق له الثواب وهم من أطاع الله، وكثير منهم حق عليه العقاب: وهم من امتنع من طاعة الله وأبى واستكبر. ومن يهن الله، فيشقيه ويضله لسوء فعله، وسوء استعداده للإيمان، فلا يقدر أحد على دفع الهوان عنه، ولا يسعده أحد، لأن الأمر بيده تعالى، يوفق من يشاء، ويخذل من يريد، بمقتضى الحكمة الإلهية القائمة على العدل المطلق، والعلم الشامل بأحوال الخلائق، فلا شقاء لأحد من دون فعله السيّئ، وعتوه وتمرده، وخروجه عن جادة الطاعة والاستقامة، وإن الله يفعل ما يشاء في عباده من الإهانة والإكرام، والتعذيب والإنعام، حسبما سبق في علمه الأزلي، والناجي: من سجد لله وخضع وانقاد للأمر، والهالك من عتا وتكبر عن طاعة الله تعالى.

стр. 1632

جزاء الكافرين والمؤمنين الناس مهما اختلفوا في العقائد، فإنهم في النهاية صنفان: مؤمنون وكفار، الأولون آمنوا بالله ربهم، واهتدوا بشرعه وملته، والآخرون جحدوا بالله، وكفروا بما أنزل على رسله، وتنكروا للشرع الإلهي، وكل من هذين الفريقين ينتظر مصيرا معينا بحسب عمله، وما أعظم الفرق بين الجزاءين، وهذا ما أبانته الآيات التالية: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٩ الى ٢٤] هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) «١» «٢» «٣» [الحج: ٢٢/ ١٩- ٢٤] . روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر قال: نزلت هذه الآية: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ في حمزة وعبيدة وعلي بن أبي طالب، وعتبة وشيبة والوليد ابن عتبة. أي الفريقين المتبارزين في بدء معركة بدر الكبرى، إنهم ستة: حمزة وعبيدة وعلي من جانب المسلمين، وعتبة وشيبة والوليد من جانب المشركين. والآية في الواقع ليست مقصورة على هؤلاء الستة، وإنما الإشارة فيها إلى المؤمنين والكفار على العموم، فهما الخصمان المختصمان في دين الله وصفاته. والمعنى: أن الإيمان وأهله، والكفر وأهله خصمان مذ كانا إلى قيام الساعة، بالعداوة والجدال والحرب. والمراد بالخصمين: الطائفتان، أو الفريقان المتميزان:

стр. 1633

فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، تنازعوا في شأن ربهم وفي دينه، وكل منهم يعتقد أنه على الحق، وأن خصمه على الباطل. فالذين كفروا بالله ربهم: مصيرهم واضح، قطّعت لهم ثياب من نار، أي تحيط بهم النار إحاطة شاملة، يصبّ على رؤوسهم الحميم، أي الماء البالغ أقصى درجات الغليان، فيذيب جميع ما في بطونهم من أحشاء، ويشوي جلودهم فيحرق الباطن والظاهر، وقوله سبحانه: يُصْهَرُ معناه: يذاب أو يعصر. ولهم مقامع من حديد، أي لهم مضارب، تضرب بها رؤوسهم، فتنكشف أدمغتهم، فيصب الحميم حينئذ عليها. وكلما أرادوا الخروج أو الهروب من جهنم بسبب شدة العذاب والغم، أي الحزن الشديد، أعيدوا فيها كما كانوا، ويقال لهم: ذوقوا العذاب المحرق، وهو عذاب النار الشديد، والمعنى: أنهم يهانون بالعذاب قولا وعملا، فإذا ارتفع لهب رفعهم، فيصلون إلى أبواب النار، فيريدون الخروج، فيضربون بالمقامع، وتردهم الزبانية. ويعادل هؤلاء الفريق فريق أهل الإيمان بالله تعالى، ومصيرهم واضح أيضا، إن الله يدخل المؤمنين الذين يعملون الصالحات، أي الطاعات والقربات، ويتجنبون المنكرات، جنات عالية رفيعة، تجري الأنهار من تحت أشجارها وجوانبها وقصورها. وحليتهم التي يلبسونها: أساور الذهب في أيديهم، وتزين هاماتهم ورؤوسهم باللؤلؤ: وهو في الدنيا ما يستخرج من جوف الصدف، والأشهر أنه اسم للجوهر، ويرتدون على أجسادهم الحرير الذي كان محرما لباسه على الرجال في الدنيا، في مقابلة ثياب أهل النار التي فصّلت لهم. روي عن النبي ﷺ أنه قال- فيما يرويه البخاري ومسلم عن عمر ﵁: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في

стр. 1634

الآخرة» . وقال ابن عباس ﵄: لا تشبه أمور الآخرة أمور الدنيا، إلا في الأسماء فقط، وأما الصفات فمتباينة. وأرشد أهل الجنة إلى القول الطيب: وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وما جرى معها من ذكر الله ﵎ وتسبيحه وتقديسه، وسائر كلام أهل الجنة من محاورة شيقة وحديث طيب، فإنها لا تسمع فيها لاغية. وأرشد أهل الجنة أيضا إلى الصراط الحميد: وهو طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه، فهو طريق الحق والاستقامة، المحمود في نفسه أو عاقبته وهو الجنة. فهل بعد هذه المقارنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين يبقى أدنى شك في ضرورة الحذر من أفعال الكافرين، والرغبة في أفعال المؤمنين؟! المسجد الحرام ومكانته إن من نعم الله الكبرى على المسلمين اتخاذ الكعبة الشريفة قبلة ورمزا موحّدا لاتجاهات مسلمي العالم، لترتبط قلوبهم بإله واحد، وتتجه أنظارهم نحو رب واحد، ويعملون من خلال وحدة العقيدة على بناء وحدة السياسة والمنهاج، والعمل المشترك. فمن صدّ المؤمنين عن البيت الحرام. وحال دون العبادة فيه، ارتكب أعظم الظلم، وناله أفدح الإثم، لأنه قطع عنهم مهوى القلوب، وحجب مثوى أهل الإيمان عن ممارسة الشعائر والعبادات فيه، قال الله تعالى مبينا مكانة هذا البيت الحرام وأغراضه: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)

стр. 1635

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحج: ٢٢/ ٢٥- ٢٦] . قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه، حين صدّوا رسول الله ﷺ وأصحابه عام الحديبية عن المسجد الحرام، وقد كره ﵊ أن يقاتلهم، وكان محرما بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود في العام المقبل. نزلت هذه الآية إذن عام الحديبية عام (٥ هـ) ، حين صدّ رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام لأنه لم يعلم لهم صدّ قبل ذلك الجمع. والمعنى: إن هؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله، معذبون وهم المشركون في مكة، ويصدون عن سبيل الله صدا دائما مستمرا، وعن دخول المسلمين إلى المسجد الحرام، الذي جعله الله للناس جميعا مقرا لصلاتهم وعباداتهم وطوافهم، وأداء شعائرهم ومناسكهم، يستوي في شأن تعظيمه المقيم فيه، والبادي، أي من كان من أهل البادية وغيرهم ممن قدموا إليه. ومن يرد فيه انحرافا عن أمر الله، ظالما غير متأول، عامدا السوء، نذقه يوم القيامة من العذاب المؤلم. قال مجاهد: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ أي يعمل فيه عملا سيئا» ، وعلى هذا تكون الآية عامة، تشمل كل أنواع المعصية، ويختص الحرم بعقوبة من همّ فيه بسيئة، وإن لم يعملها. ويراد بالآية جعل البيت الحرام مفتوحا لجميع الناس المؤمنين، من غير فرق بين حاضر مقيم وباد: آت من البادية، أو مقيم

стр. 1636

وطارئ. وكلمة «بإلحاد» أي ميل، تشمل جميع المعاصي الصغيرة والكبيرة، من الكفر إلى الصغائر، فتعظيما لحرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومن نوى سيئة، ولم يعملها، لم يحاسب بذلك إلا في مكة. ثم أبان الله تعالى مكانة البيت الحرام عند أهل الإيمان، ووبخ من أشرك فيه بالله تعالى، فاذكر أيها النبي محمد للناس وقت أن جعلنا لإبراهيم مكان البيت، أي أوحينا إليه القيام ببناء له، وعيّنا له موقع البناء، والبيت: هو الكعبة، وقيل له: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً أي ابنه على اسمي وحدي، ولا تشرك بي شيئا من خلقي، في العبادة والتعظيم، وطهّر بيتي من الشرك والأوثان والأصنام وجميع الأنجاس والدماء أن تطرح حوله، واجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، وهم الطائفون القائمون بالعبادة، الركّع الساجدون. فالطائف حول الكعبة الشريفة يخص العبادة بالله تعالى، لا يفعل ذلك ببقعة من الأرض سواها، ويذكّره وجود هذا البيت بإخلاص العبادة والتوحيد لله تعالى، والقائم في الصلاة والدعاء إلى الله يدعو ربه وحده، دون أي شيء سواه، والراكع الساجد لله تعالى في عبادة، تخضع هامته ويذل رأسه، ويجمع جميع جسده معبرا عن تمام الانقياد والخضوع لله رب العالمين. إن مئات الناس وآلاف البشر تراهم حول الكعبة في غاية الخشوع والتضرع والإنابة، باكين نادمين، يطلبون من رب العزة خيري الدنيا والآخرة، والمكان مكان إجابة للدعاء، فتذرف الدموع، وتصفو النفوس، وتخضع لخالق الأرض والسماء، وتتجرد من الأهواء، وتتجه نحو الله لمغفرة الذنوب والتطهر من السيئات. فما أسعد لقاء المؤمن بربه حول البيت الحرام، إنه تمهيد للقاء الله يوم القيامة.

стр. 1637

فريضة الحج الحج إلى البيت الحرام وأداء بقية المناسك: أحد أركان الإسلام، التي فيها الخير للمسلمين، وصلاح الدنيا والآخرة، وهو عبادة قديمة، وقد جعل الله تعالى البيت الحرام- فيما روي- متعبّدا لآدم ﵇، ثم درس بالطوفان وغيره، فلما كان عهد إبراهيم الخليل ﵇ أمره الله تعالى ببنائه، في موضعه الحالي الذي أمره الله به بواسطة ريح كشفت له عن أساس آدم، فرتب قواعده عليه. ثم أمر الله إبراهيم بمناداة الناس إلى أداء الحج لتحقيق منافع لهم، دنيوية وأخروية، كما قال الله تعالى في الآيات الآتية: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الحج: ٢٢/ ٢٧- ٢٩] . أخرج ابن جرير الطبري عن مجاهد قال: كانوا لا يركبون، فأنزل الله: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ فأمرهم بالزاد، ورخص لهم في الركوب والمتجر. والمعنى: ناد يا إبراهيم في الناس بالحج، داعيا لهم إلى الحج إلى البيت الحرام، يأتوك راجلين ماشين، وراكبين على كل بعير ضامر مهزول، من كل طريق بعيد. وقوله: وَأَذِّنْ من الأذان والتأذين: وهو الاعلام برفع الصوت، على نحو ما يكون للصلاة. روي أن إبراهيم ﵇ لما أمر بالأذان بالحج قال: يا رب، وإذا ناديت فمن يسمعني؟ قيل له: ناد يا إبراهيم، فعليك النداء، وعلينا البلاغ،

стр. 1638

فصعد على جبل أبي قبيس ونادى: أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجّوا. وجاء قوله تعالى: يَأْتِينَ بالتأنيث، عودا إلى معنى كُلِّ ضامِرٍ وفعل غير العقلاء كفعل المؤنث، لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق. ثم أوضح الله تعالى حكمة الحج بقوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ أي أدعهم إلى الحج ليحضروا منافع لهم، دينية بالظفر برضوان الله والجنة، ودنيوية بتحقيق منافع البدن والذبائح والتجارات، وتعارف المسلمين، وليذكروا اسم الله، أي يحمدوه ويشكروه، ويثنون عليه بالتكبير والتسبيح، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) وذلك في أيام معلومات هي أيام النحر الأربعة، أو عشر ذي الحجة، قال ابن عباس ﵄: الأيام المعلومات: هي أيام العشر ويوم النحر وأيام التشريق. واذكر اسم الله على الذبائح، وكلوا من لحومها، وأطعموا البائس الذي أصابه بؤس، أي شدة، والفقير المحتاج، أي يباح الأكل من الذبائح، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم. واستحب أهل العلم للرجل أن يأكل من هديه أو ضحيته، مع التصدّق بأكثرها. مع تجويزهم الصدقة بالكل، وأكل الكل. والبائس: الذي قد مسّه ضرّ الفاقة وبؤسها، والمراد في هذه الآية: أهل الحاجة. ثم أمر الله تعالى بالنظافة وإيفاء النذر والطواف حول الكعبة، فهذه واجبات ثلاثة: هي إزالة الأوساخ العالقة بالأجساد، بقص الأظفار، وحلق الأشعار ونحوه من الأغسال، وإيفاء النذور التي نذورها تقربا إلى الله تعالى من أعمال البر، والطواف حول البيت الحرام وهو طواف الإفاضة أو طواف الزيارة (الركن) وقيل: طواف الوداع، والبيت العتيق: القديم، فهو أقدم بيت للعبادة، وأول بيت وضع للناس.

стр. 1639

والتفث في قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ: ما يفعله المحرم عند حلّه، من تقصير شعره وحلقه، وإزالة شعث ونحوه من خصال الفطرة. روى الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس من الفطرة: قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد، والختان» . الغاية من تعظيم حرمات الله تتجلى في موسم الحج تضحيات عديدة، تتمثل في مفارقة الأهل والأوطان، واجتماع المؤمنين على صعيد واحد، والالتفات نحو شعائر واحدة ومناسك موحدة، تتطلب تعظيمها في نطاق مبدأ توحيد الله وقصد التقرب إليه، ورفض كل مظاهر وألوان الشرك والوثنية، وذبح الهدايا والقرابين إرضاء لله تعالى، وغرس جذور التقوى في القلوب، وإطعام الفقراء والمحتاجين من الهدايا في موسم التجمع العام، قال الله تعالى مبينا هذه الأغراض والغايات السامية: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٣] ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الحج: ٢٢/ ٣٠- ٣٣] .

стр. 1640

بعد أمر الله تعالى إبراهيم الخليل بالنداء للحج والأمر به، أوضح الله ثواب تعظيم أحكام الله ومناسك الحج، وذلك هو المأمور به من الطاعات في أداء مناسك الحج، وتعظيم حرمات الله: وهي كل ما لا يحل هتكه، ومن يعظم أحكام الله بتعلمها واجتناب المعاصي والمحرّمات، والتزام المأمورات فله الثواب الجزيل، الشامل أمرين: فعل الطاعة في حد ذاتها، واجتناب المحظور الحرام. وتعظيم شرائع الله خير محض للإنسان. وشرائع الإسلام تتفق مع منهج الاعتدال والعقلانية والواقعية، لذا أباح شرع الله ما كانت العرب تفعله من تحريم أشياء برأيها كالبحيرة والسائبة، فأذهب الله جميع ذلك، وأحل للمسلمين جميع الأنعام من الإبل والبقر والغنم إلا ما استثني وتلي في آية المائدة مما فيه ضرر على الصحة والجسد: وهو الأربعة المعروفة: الميتة بأنواعها والدم ولحم الخنزير، وما أهل، أي ذبح لغير الله. وفي هذه الذبائح التي كانت للأوثان ضرر يمس العقيدة، كما يمس الصحة الإنسانية تماما، لذا أمر الله باجتناب الرجس، أي القذر من الأصنام، وسميت رجسا تنفيرا منها وتقبيحا لها، والمراد اجتناب عبادتها وتعظيمها، وأمر الله أيضا باجتناب قول الزور والابتعاد عنه، والزور: لفظ عام يشمل الكذب والكفر وكل ألوان الباطل، لأن كل ما عدا الحق: فهو كذب وباطل وزور، ومنه شهادة الزور. روى أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور: الإشراك بالله» قال ذلك ثلاثا، وتلا هذه الآية. وبعد اجتناب أنواع الكلام الزور، أمر الله بأن يكون الناس حنفاء لله، أي مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل، مستقيمين أو مائلين إلى الحق: وهو توحيد الله ونبذ الشرك بالله، فإن الشرك جرم عظيم، ومن يشرك مع الله إلها آخر، ويعبد

стр. 1641

غيره، فقد خسر خسرانا عظيما، وهلك هلاكا مبينا، وهو في شركه شبيه بمن سقط من جو السماء، فتتخاطفه الطيور، وتقطّعه وتمزقه في الهواء، أو تعصف به الريح في مكان بعيد مهلك، لا خلاص له منه ولا نجاة. وسبب تعظيم شعائر الله (وهي كل شيء، لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم) أنه دليل على وجود التقوى المهيمنة على القلوب، والانصياع لأوامر الله، واتباع أحكامه وتوجيهاته. ومن هذه الشعائر: ذبح البدن أي النوق والجمال، ففي البدن: منافع دنيوية من اللبن والصوف والركوب عليها، وغير ذلك، وفيها منافع أخروية إذا قدمت هديا مبعوثا لموسم الحج، فإذا بعثها صاحبها هديا، فذلك هو الأجل المسمى، أي موعد نحرها، والتصدق بلحومها والأكل منها. ومكان نحرها وانتهاؤه أو محله عند البيت العتيق، أي الكعبة والحرم كله، لأن الحرم كله في حكم البيت الحرام، كما قال الله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٥/ ٩٥] . وسمي البيت الحرام بالبيت العتيق لأنه قديم، إذ هو أول بيت وضع للناس، كما تقدم، إلا أن الزبير قال: سمي عتيقا لأن الله أعتقه من الجبابرة بمنعه إياه منهم، أو لأنه لم يملك موضعه قط، فتحرر من الملكية الخاصة. أماكن النسك لكل أمة التقرب إلى الله تعالى بالذبائح والقرابين مشروع في كل أمة، وطريق لتخلص الإنسان من هواجس الذنوب والمعاصي وتعكيرها النفس والوجدان، فإذا أريق دم الذبيحة أحس المرء بالراحة النفسية، واطمأن إلى ذاته، وكأن هناك ارتباطا بين القلق النفسي وبين إراقه دماء الذبائح، لذا كانت شريعة القرآن الكريم كغيرها من الشرائع محددة لمواضع النسك والعبادة وذبح القرابين، كما جاء في الآيات الآتية:

стр. 1642

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) «١» «٢» » [الحج: ٢٢/ ٣٤- ٣٥] . المعنى: جعلنا لأهل كل دين سابق منسكا، أي موضع نسك وعبادة، يذبحون فيه الأنعام، تقربا إلى الله تعالى، وذلك ليس خاصا بأمة محمد ﷺ ، وإنما هو في كل الملل. وقد شرع الله وحدد أماكن الذبح: ذبح الأنعام، لكي يذكروا اسم الله حين ذبحها، أي حين الشروع في الذبح أمرناهم بذكر الله، وأن يكون الذبح له، لأنه هو الرزاق، ويشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليهم، وتلك هي السنة في إراقة دم الذبائح. وينبغي أن يتجه الذابح إلى الله الذي سخر للإنسان هذه المواشي، والله المقصود هو المعبود الواحد، وإن تنوعت الشرائع، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذه هي العلة في تخصيص الذبح باسم الله، وإفراده بالذكر، لأن تفرد الله بالألوهية يقتضي ألا يذكر على الذبائح غير اسمه تعالى. ومتى كان الإله واحدا، فله أسلموا، أي استسلموا وانقادوا لأمره وجميع أحكامه، وبشر أيها النبي بشارة على الإطلاق المخبتين، أي المتواضعين الخاشعين من المؤمنين برضوان الله، إذا اتصفوا بالصفات الأربع الآتية: أولا- الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي إن الخوف والخشوع يهيمن على قلوبهم ومشاعرهم عند ذكر الله، لما يتصف به من العظمة والجلال.

стр. 1643

ثانيا- وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ أي إن المخبتين الخاشعين هم الذين يصبرون على أحداث الدنيا ونوازلها، وعلى ما قد يجدونه من المشاق في طاعة الله. ثالثا- وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ أي هم الذين يؤدون الصلاة في أوقاتها تامة الأركان والشروط، بخشوع قلب لله تعالى، وإخلاص وشعور بالغبطة في أداء الصلوات المفروضة وغيرها. رابعا- وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي إنهم الذين ينفقون من بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق، على الأهل والقرابة وأهل الحاجة، مع إحسان في القول، ومحافظة على حدود الله وشرائعه. هذه الصفات الأربع للمخبتين الخاشعين مثال شريف من خلق المؤمن الهيّن الليّن، إنهم المطمئنون بأمر الله تعالى، المتصفون بالخوف والوجل عند ذكر الله سبحانه، لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه. ولهم صفات عظيمة دينية وخلقية واجتماعية، فهم الذين يقيمون الصلاة، ويداومون على إقامتها، ويصبرون على المحن والضراء، ويمنحون غيرهم من الفقراء والمحتاجين بعض أموالهم التي رزقهم الله بها. إن هذه الصفات والمعاني هي صفات أهل الإيمان بحق، وقد ترددت في آي القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) [الأنفال: ٨/ ٢] . ومثل قوله سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٣٩/ ٢٣] .

стр. 1644

ما يطلب عند ذبح الإبل إن تسخير الأنعام من إبل وبقر وغنم للإنسان وتمكنه من الانتفاع بها من أعظم النعم على البشر، لذا يطلب تعظيم الله حين ذبحها والتسمية عليها، والأكل منها، سواء الذابح والمسكين والمحتاج، وإن الله لا ينتفع من أعمال العباد بشيء، ولكن النفع يعود على الإنسان ذاته، فما يقدّمه من قرابين وهدايا للحرم المكي أو أضاحي أو نذور، فإنما يقصد به تربية الإنسان، وغرس جذور التقوى في نفسه، وأداء واجبه وشكر نعمة الله عليه، وتكبيره على هداية الله إياه، وإحسانه القول والعمل، قال الله تعالى مبينا ما يطلب حال ذبح الإبل: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحج: ٢٢/ ٣٦- ٣٧] . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريح قال: كان أهل الجاهلية يضمخون البيت الحرام بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب النبي ﷺ : فنحن أحق أن نضمخ، فأنزل الله تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها.. الآية. يمتن الله تعالى على عباده أن يسّر لهم الإبل يتقربون بها بالإهداء إلى البيت الحرام، فيذكر سبحانه أننا جعلنا لكم الإبل ومثلها البقر من علائم دين الله وأدلة طاعته، والبدن جمع بدنة: وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة، ففي ذبحها في الحرم ثواب كبير في

стр. 1645

الآخرة، ونفع عظيم بلحومها للفقراء في الدنيا وبالركوب عليها، وأخذ لبنها. فقوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ الصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة. فلتذكروا اسم الله عليها، حال نحرها، وكونها صافات أطرافها، قائمات معقولة، بأن تقولوا: بسم الله، والله أكبر، اللهم منك وإليك. فإذا وجبت جنوبها، أي سقطت على الأرض مقتولة ميتة، فيباح لكم الأكل منها، وعليكم الإطعام منها للفقراء، سواء المتعفف عن السؤال وهو القانع، والمتعرض للسؤال بالسؤال أو السكوت وهو المعتر. من أجل هذا المذكور من الخير في ذبح الأنعام والأكل منها وإطعام الفقراء، ذللناها لكم مع عظمتها وقوتها، وجعلناها منقادة لكم، خاضعة لرغباتكم ومشيئتكم بالركوب والحلب والذبح، لكي تشكروا الله على نعمه، بالتقرب إليه، والإخلاص في العمل. فقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تعليل لما قبله، أي من أجل توجيه الشكر والحمد منكم لربكم على نعمه وأفضاله، فهي بمعنى «كي» . والغاية من ذبح الأنعام ليس إيصال لحومها ودمائها إلى الله، فلله الدنيا والآخرة، والله غني عن العالمين، وإنما الغاية تحقيق التقوى والإخلاص، وأداء الأعمال الصالحة، وهذا الغرض التهذيبي يعود نفعه في مدى الحياة على الإنسان ذاته، فبصلاحه يصلح له قلبه وصحته، وجسده وسائر حواسه. ثم كرر الله تعالى التذكير بالنعمة وتذليل الأنعام للناس، لأن في إعادة التذكير حثا وحضا على القيام بواجب شكر المنعم، والثناء على الله بما هو أهله، فمن أجل تلك الغاية المذكورة من ذبح الأنعام وهي غرس التقوى في القلوب ذلّل الله البدن (الإبل) ليعظم الناس الله، ويشكروه على ما أرشدهم إليه، من الدين الحق والشرع القويم، وكل ما يحبه ويرضاه، والإبعاد عما يكره، واجتناب ما يضر، ثم وعد الله تعالى

стр. 1646

المهديين الراشدين بالبشارة الكريمة بقوله: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ أي وبشر أيها النبي بالجنة والرضوان أهل الإحسان في العمل، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع الله، الطائعين أوامر الله، المصدقين رسول الله فيما بلّغهم، وحذرهم وأنذرهم، وكل ما جاءهم به من عند الله . روي أن قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ والآية التي قبلها: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) نزلت في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله تعالى عنهم، لكن ظاهر اللفظة يقتضي العموم في كل محسن، متواضع خاشع لله رب العالمين. الإذن بالقتال ضد الأعداء إن المنهج الرباني في علاج الأمور الشاذة والانحرافات الخطيرة قائم على غاية الحكمة والاعتدال، والتأني والإمهال، فلم يعجل الله البدء بقتال المشركين أنصار الوثنية والضلال، وإنما صبر عليهم مدى خمسة عشر عاما، ليكون للعقل والفكر وإعمال الرأي والقناعة الدور المهم في القضايا، ولتبدأ الأمة الإسلامية قوية ناشطة، معذورة في كل ما تؤديه من واجبات، لأن لغة السيف وقعقعة السلاح إنما تكون حين استفحال العدوان، واليأس من الصلاح والاستقامة، وهذا المنهج هو الذي نجده في ساحة التشريع الإلهي بالإذن بمشروعية القتال، بعد طول الصبر والمصابرة، والدفع بالحكمة والحسنى، فقال الله تعالى: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٨ الى ٤١] إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) «١»

стр. 1647

«١» «٢» «٣» [الحج: ٢٢/ ٣٨- ٤١] . نزلت آية إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة، وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، وأراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار، ويغتال ويغدر ويحتال، فنزلت هذه الآية. ونزلت آية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ كما روى أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ من مكة، فقال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إن لله وإنا إليه راجعون! ليهلكن، فأنزل الله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) . والمعنى: إن الله يدفع الشر عن عباده المصدقين بوجوده ووحدانيته، وبما أنزل على رسوله الكريم، الذين توكلوا عليه حق التوكل، وإن الله سبحانه يسخط على خائن العهد والأمانة، وجاحد النعمة والفضل. وكلمة «يدافع» في مواجهة من يتعرض للمؤمنين بالأذى، فيكون فعل الله مدافعة عنهم. وقيل: إن «دفاع» : مصدر دفع، والحساب: مصدر حسب. وقد أبيح أو رخص للمؤمنين المعتدى عليهم بممارسة القتال، ضد ظلم المشركين إياهم، بإخراجهم من ديارهم وأموالهم، واستمرار إيذائهم، واضطهادهم، ومبادرتهم بكل أنواع التعذيب والمضايقة، وإن الله وحده قادر على نصر أهل الإيمان، إذا التزموا سبيل الطاعة.

стр. 1648

إن هؤلاء المؤمنين بالله ورسوله المعتدى عليهم: هم الذين أخرجهم المشركون من مكة إلى المدينة بغير حق، وهم محمد ﷺ وأصحابه، ولم يكن منهم إساءة إلى قومهم، ولا ذنب إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، فيكون أول أسباب مشروعية الجهاد أو القتال في الإسلام: هو الطرد من الأوطان بغير حق، ثم الدفاع عن حرية العبادة في الأرض، وحماية المقدسات. ثم ذكر الله تعالى السّنة الثابتة للإله: وهي سنة التدافع، من أجل الحفاظ على مبدأ التوازن بين البشر، فلولا أنه تعالى يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور جماعة بآخرين، ولولا تشريع القتال دفاعا عن الوجود المؤمن والحرمات الإلهية، لهدّمت مواطن العبادة، سواء أكانت معابد لليهود أم النصارى أم للمسلمين. ثم أكد الله تعالى صنعه أنه ليؤيدن بنصره الذين يقاتلون في سبيل إعلاء كلمة التوحيد، ورفع لواء الدين الحق، إن الله سبحانه هو القوي القادر على نصر أهل طاعته، المجاهدين في سبيله، العزيز المنيع الذي لا يقهر، ولا يغالب، فمن غالبة غلبه، ومن عاداه خذله وقهره. والجديرون بالنصر: هم الذين إن مكنّهم الله في الأرض، وحقق لهم السلطة على الناس، ومنحهم النفوذ والهيمنة، قاموا بأمور أربعة: وهي إقامة الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، وإيتاء الزكاة الواجبة، والأمر بالمعروف (وهو فعل كل ما أمر به الله شرعا، وحسن عقلا) والنهي عن المنكر (وهو اجتناب كل ما حظر شرعا، وقبح عقلا) فدعوا إلى توحيد الله وإطاعته، ونهوا عن الشرك وقاوموا أهله، والمرجع في الأمور كلها إلى حكم الله العلي القدير، وإلى تقديره في منح الثواب، وتنفيذ العقاب على ما عملوا، وفي هذا تأكيد لوعد الله تعالى بنصر أوليائه، وإعلاء كلمته، وخذلان أعدائه.

стр. 1649

الاتعاظ بإهلاك الأقوام الغابرين إن معرفة أحداث التاريخ وتحليل الوقائع والأسباب له فائدة كبري في علاج أمراض الشعوب والأمم، فالعقلاء: هم الذين يتأملون بما حدث، ويفكّرون بما وقع، ويدرسون الأسباب والنتائج دراسة متأنية قائمة على البحث والتمحيص، للحذر مما وقع، ولرسم سياسة المستقبل، في ضوء مجريات الأمور. وهذا ما جعل القرآن الكريم يعنى بقصص الأقدمين، ليعرف من يأتي بعدهم سبب الداء والدواء، وطريق الحذر واليقظة، ومن هذه المذكّرات للمشركين المكيين وأمثالهم: ما حدّثنا به القرآن من أحوال الغابرين، فقال الله تعالى: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٨] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الحج: ٢٢/ ٤٢- ٤٨] . قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ: هذه آية إيناس للنبي ﷺ ووعيد لقريش، فهم كالأمم المكذّبة المعذّبة. والمعنى: إن يكذبك أيها النبي قوم قريش، فهذا له سابقة

стр. 1650

تاريخية، لقد كذبت قبلهم أقوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوم إبراهيم ولوط، وأصحاب مدين قوم شعيب، وجماعة الأقباط الذين أرسل إليهم موسى، بما معه من الآيات البينة والدلائل الواضحة، فأخرت العذاب عن أولئك الكافرين، إلى وقت معلوم عندي (عند الله) ثم أخذتهم بالعذاب الشديد وأهلكتهم، فانظر كيف كان إنكاري عليهم، بتدميرهم وعقابي لهم، وقوله سبحانه فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ بإسناد فعل بعلامة التأنيث، لأنه سبحانه أراد بالقوم: الأمة والقبيلة. والعبرة من الإخبار بهذا: الإنذار لقريش بأن ما جرى على المثيل يجري على مثيله. وأسباب الإهلاك: هو ما أخبر به الله سبحانه، فكم من قرية أهلكها الله، وهي ظالمة، أي مكذبة رسلها، والمراد أهل القرية، والظالمة: معناه: الظلم بالكفر، وبالإهلاك تصبح ديار القرية ساقطة حيطانها على سقوفها، وتتعطل مرافقها وآبار مياهها المنتفع بها، وتتهدم قصورها المشيدة، أي المبنية بالشّيد: وهو الجصّ. ثم أثار الله في القرشيين نوازع الفكر والتأمل، وحثهم على النظر والتفكر، فهلا سافروا وتنقلوا في البلاد، فيتأملوا بما حدث من مصارع القوم، ويفكروا بعقولهم في الأسباب والنتائج، ويسمعوا الأخبار بآذانهم، ليطّلعوا على الحقائق، ويدركوا الأسرار، فيتعطوا بما شاهدوا، ويقلعوا عما هم فيه من الشرك وتكذيب الرسول، ولكنهم مع الأسف لم يفكروا، ولم يعتبروا ولم ينظروا، لا بسبب عمى البصر، ولكن بسبب عمى البصيرة، فإن أبصارهم سليمة، ولكنهم عطلوا قدراتهم الفكرية وعقولهم الواعية، فلم يدركوا حقائق الأمور، ولم يتعمقوا في فهم الأحداث. ذكر الرازي في تفسيره: أن الآية تدل على أن العقل هو العلم، وأن محل العلم هو القلب، أي أداة الوعي. ويتعجل القرشيون إيقاع العذاب الذي تنذرهم به أيها الرسول، فليطمئنوا فإن
следующие страницы →