عند الموت» .
وفي مصنف أبي داود ومسند الإمام أحمد: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان: همزه ونفخه ونفثه» .
قال أبو داود: وهمزه: الموتة وهي الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: السّحر.
إن هذه التوجيهات للنبي ﷺ بالدعاء من النجاة من عذاب الظلمة، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والتعوذ من الشيطان لطرده في كل حال، توجيهات لأمة النبي أيضا ولكل من أراد الخير لنفسه ولغيره.
موازين الحساب يوم القيامة
الحياة في الدنيا: هي مجال العمل والاختبار والتسابق في الخيرات، وفيها ما يحقق النجاة أو الهلاك، وأما الآخرة فهي دار الجزاء والحساب على الأعمال خيرها وشرها، وكما يزرع الإنسان يحصد، ولا مجال لتعديل الأحوال، وإعطاء الفرصة لإصلاح الأعمال في عالم الآخرة، فإن ميزان النجاة قائم على الحق والعدل المطلق، فمن رجحت حسناته على سيئاته، كان من المفلحين، ومن طغت سيئاته على حسناته، كان من الهالكين الخاسرين، وليس هناك ميزان للعدالة أدق ولا أعظم ولا أفضل من هذا الميزان، قال الله تعالى مبينا سلفا للناس هذه الأحوال:
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٩ الى ١٠٤]
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)
«١» «٢»
стр. 1717
«١» «٢» [المؤمنون: ٢٣/ ٩٩- ١٠٤] .
«حتى» ابتداء كلام وإخبار عن حال جديدة: هي حال المحتضر عند الموت من عصاة المؤمنين والكافرين الجاحدين. والمعنى: إذا دنا أجل الإنسان الكافر أو العاصي المفرط في حقوق الله تعالى، ورأى ما ينتظره من العذاب، طلب الرجوع إلى الدنيا، ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ويتدارك ما فاته من خير، وما قصّر فيه من الأعمال الصالحة.
فيأتيه الردع والزجر من الله بكلمة «كلا» أي لا إجابة لطلبه، وتلك كلمة لا بد من أن يقولها كل محتضر، تعبيرا عن الندم، لأنه لا فائدة من الرجعة، فلو ردّ لعاد لما كان عليه، وكذب في هذه المقالة، كما جاء في آية أخرى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [الأنعام: ٦/ ٢٨] ويكون أمام هؤلاء الظلمة برزخ، أي حاجز مانع ما بين الدنيا والآخرة، يمنع من العودة إلى عالم الدنيا. وهذا تهديد ووعيد بعذاب البرزخ، والمراد من البرزخ، هنا بإجماع المفسرين: المدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، وجملة إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها إشارة إلى أن المحتضر لو ردّ لعاد، فتكون الآية آية ذمّ لهم.
وإذا نفخ في الصور (القرن الهائل) النفخة الثانية، وهي نفخة النشور، وقام الناس من القبور، فلا تنفعهم الأنساب والأحساب والقرابات، على الرغم من وجود التعاطف والتراحم والنسب، لاستيلاء الدهشة والحيرة عليهم، ولا يتمكن القريب أو الصديق من سؤال قريبه أو صديقه، وهو يبصره. لأن هول المطلع يشغل كل امرئ بنفسه، فلا أنساب نافعة، وإنما النافع: هو العمل الصالح.
стр. 1718
وميزان الحساب واضح، فمن رجحت حسناته على سيئاته، ولو بحسنة واحدة، فأولئك الذين فازوا بالمطلوب، فنجوا من النار، وأدخلوا الجنة. ومن ثقلت سيئاته، وطغت على حسناته، فأولئك الذين خابوا وهلكوا، وباءوا بالخسران، بأن صارت منازلهم للمؤمنين، وكان عذابهم ذا صفات ثلاث:
إنهم في جهنم ماكثون على الدوام، مقيمون فيها إلى الأبد، وهذا دليل تخليد الكفار في النار، وتحرق النار وجوههم، وتأكل لحومهم وجلودهم، وهم في النار عابسون، متقلصو الشفاه عن الأسنان. والموازين: هي الأعمال، ومعنى الوزن:
إقامة الحجة على الناس بالمحسوس على حسب عادتهم وعرفهم، ولفح النار: إصابة الوجوه بالوهج والإحراق. والكلح: انكشاف الشفتين عن الأسنان، وهذا يعتري الإنسان عند المباطشة وعند الغضب.
إن تصوير العذاب بهذه الصورة الشنيعة للجاحدين الكافرين تقشعر منه الأبدان، وتضطرب له فرائص «١» الإنسان، ويرهبه كل امرئ مهما كان، ولو من الجبابرة العتاة، لأن مثل هذا العذاب لا يضارعه أي عذاب في الدنيا مهما اشتد وقسا، ومهما عظم وامتد. فهل من متعظ معتبر، وخاشع يتدبر الأمر قبل وقوعه؟!.
تقريع أهل النار على كفرهم
لا يقتصر حال أهل النار على العذاب الشديد المؤلم، وإنما يقرّعون ويوبخون على كفرهم ومآثمهم، وتراهم إذا سمعوا هذا التقريع، أذعنوا، وأقروا على أنفسهم، فيدعون ربهم بأن يخرجهم من النار، فلا يجابون لدعائهم، فيقعون في اليأس
стр. 1719
والإحباط، ويتلخص أمرهم في أنهم سخروا من أهل الإيمان، وابتعدوا عن تذكير القرآن، فوقعوا في حمأة العذاب، وفاز المؤمنون الأتقياء بجنان الخلد ورضوان الله، وجوزوا على صبرهم على الطاعة، والبعد عن المعصية، وهذا ما وصفه لنا القرآن الكريم قبل أن يقع تماما على هذا النحو في الآيات التالية:
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٥ الى ١١١]
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)
«١» «٢» «٣» «٤» [المؤمنون: ٢٣/ ١٠٥- ١١١] .
في مطلع هذه الآيات محذوف تقديره: يقال لأهل النار: ألم تكن آياتي أي آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا، للتذكير والاتعاظ، فتكذبون بها، وتعرضون عنها؟! وهذا استفهام تقرير وتوبيخ لهم. والمعنى: قرّوا بهذا واعترفوا، فهو أمر واضح، لا ينكره أحد.
فكان جوابهم بقولهم: يا ربنا غلب علينا شقاء أنفسنا بشهواتنا وملذاتنا، بحيث صارت مؤدية إلى سوء العاقبة، وأخطأنا طريق الحق والهدى، وكنا من القوم الضالين. ثم تدرّجوا من الإقرار إلى الرغبة والتضرع. فقالوا: يا ربنا أخرجنا من عذاب النار، وردّنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى مثل ما كنا عليه، فنحن ظالمون، نستوجب العقوبة.
فأجيبوا بحسب ما تحتم عليهم من العذاب وبحسب علم : امكثوا في النار، خاسئين أذلاء صاغرين، واسكتوا ولا تطلبوا مثل هذا الطلب، فإنه لا رجعة
стр. 1720
إلى الدنيا. وقوله تعالى: وَلا تُكَلِّمُونِ بلفظ نهي، وهم لا يستطيعون الكلام، على ما روي، فهذا مبالغة في المنع. ويقال: إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا.
ثم أخبر الله تعالى عن سبب عذابهم بما يفيد بأنه كان جماعة من عبادي المؤمنين يقولون: يا ربّنا صدّقنا بك وبرسلك، وبما جاؤوا به من عندك، فاستر ذنوبنا، وارحم ضعفنا، فأنت خير الراحمين.
فما كان منكم إلا أن سخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي، حتى حملكم بغضهم والهزء بهم على نسيان ما ذكّرتكم به مما ينفعكم، ولم تلتفتوا لمقتضى التذكرة، ولم تخافوا العقاب، وكنتم تضحكون استهزاء من صنيعهم وعبادتهم، كما جاء في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) [المطففين: ٨٣/ ٢٩- ٣٠] . أي يلمزونهم استهزاء. والفريق المشار إليه ممن هزئوا به:
كل مستضعف من المؤمنين، وقد نزلت الآية في كفار قريش الذين كانوا يهزؤون بصهيب وعمار وبلال ﵃ ونظرائهم. ولكنها عامة فيمن جرى مجراهم قديما، وبقية الدهر.
ثم أخبر الله تعالى عما جازى به عباده الصالحين بأنه جازاهم في يوم القيامة بسبب صبرهم على أذى الكفار واستهزائهم بهم، وكان الجزاء هو الفوز بالسعادة والسلامة، والنعيم المقيم في الجنة، والنجاة من النار، كما جاء في آية أخرى وهي:
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) [المطففين: ٨٣/ ٣٤- ٣٦] .
والجزاء المعطى للمؤمنين: هو الجنة والرضوان الإلهي، والفائزون: هم المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز: النجاة من هلكة إلى نعمة.
تتبين عظمة القرآن، وأفضال الله ونعمه: في أن الحق بيّن لعباده
стр. 1721
سلفا في هذه الدنيا، كل ما يلاقون في عالم الغيبيات، ومصير كل فريق: إما في الجنة وإما في النار.
عمر الدنيا قصير
مهما طال العمر بالإنسان، فإن عمر الإنسان قصير، بل وعمر الدنيا كلها قصير، وذلك رحمة من الله بعباده، لأن الدنيا دار امتحان واختبار، ودار تكليف ومسئولية، والمسؤولية تقتضي التخفيف وعدم الإطالة، فكما زاد العمر ثقلت المسؤولية، فكان من الرحمة أن يقصّر الأجل منعا من تزاحم المسؤوليات وإطالتها، لذلك اقترن الإخبار عن قصر الدنيا بالتذكير بالمسؤولية فيها، وأنها ليست دار العبث واللهو، وإنما هي جسر للآخرة التي يكون فيها الحساب، والمحاسب: هو الله صاحب العزة المطلقة، والملك الحق، وذو السلطان الأكبر، وهو رب العرش الكريم، فكيف يصح لعاقل عبادة غير الله؟ ومن عبد إلها غير الله خاب وخسر، ومن عبد الله وحده لا شريك له فاز ونجا، قال الله تعالى مبينا هذه المعاني والمبادئ:
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١١٢ الى ١١٨]
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
«١» [المؤمنون: ٢٣/ ١١٢- ١١٨] .
стр. 1722
ينبّه الله تعالى في هذه الآيات على أمور ثلاثة: قصر العمر في الدنيا، وإناطة التكليف والمسؤولية فيها بعنق الإنسان. وإفراد الحساب بالله .
أما الأمر الأول: فيسأل الله الكافرين والمقصرين سؤال تقريع وتوبيخ: كم مكثتم في الدنيا؟ فأجابوا لعظم الأهوال وشدة العذاب: مكثنا يوما أو بعض يوم، فاسأل الحاسبين وهم الملائكة، والمراد توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة، لكن الكفر في الدنيا أداهم إلى عذاب طويل.
فأجاب أحد الملائكة الحفظة: ما مكثتم إلا زمنا يسيرا، على أي تقدير، سواء كان المكث في الدنيا أو في القبور، وذلك بالنسبة إلى العذاب الطويل في الآخرة، ولكنكم كنتم لا تعلمون الحقيقة، ولو علمتم فعلا بها لعملتم بما يرضي ربكم. ثم لبيان الأمر الثاني وهو التذكير بالتكاليف، وبخهم الله على غفلتهم، بما مفادة:
أظننتم أنما خلقناكم عبثا، أي لعبا وباطلا، بلا قصد كريم، ولا غاية معينة؟! وهل ظننتم أنكم لا تعودون إلينا في الآخرة للحساب والجزاء؟! وهذا هو الأمر الثالث الدال على تفرد الله بالحساب. لقد تنزه الله صاحب الملك الواسع، الثابت الذي لا يتغير ولا يزول، أن يخلق شيئا عبثا، فإنه سبحانه الملك الحق المنزه عن ذلك، وهو ذو العرش العظيم البهي، الشامل في تدبيره نظام الكون الرحيب.
ثم توعد الله جلت قدرته عبدة الأوثان: بأنه من يعبد إلها آخر مع الله دون حجة ولا دليل، فحسابه عند الله، إنه لا يفوز الكفار بشيء من النعيم وإنما مصيرهم إلى الجحيم، وهذا تأكيد أن الكافر لا يبلغ أمنيته، ولا ينجح سعيه.
وقل أيها النبي الرسول: يا رب اغفر لي ذنوبي واستر عيوبي، وارحمني بقبول توبتي، ونجّني من العذاب الأليم، فإنك صاحب المغفرة الشاملة والرحمة الواسعة.
وأمر رسول الله ﷺ بالدعاء بالمغفرة والرحمة وذكر الله بأنه
стр. 1723
أرحم الراحمين: تعليم لأمته، وإرشاد إلى أن الرحمة الحقيقية والشاملة إنما هي لله سبحانه، وما رحمة كل راحم بغيره إلا جزء من مائة من رحمة الله تعالى، فإن الله تعالى أنزل ووزّع في العالم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعة وتسعين.
أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلّهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار» .
стр. 1724
تفسير سورة النور
عقوبة الزناة
حرص الإسلام من أجل طهر المجتمع ونقائه، وقوته وبقائه على إشاعة الفضيلة، ومحاربة المنكر والرذيلة، وصيانة العلاقات الإنسانية من المعكرات والأمراض الضارة، ووضع حد ونظام متين لمجتمع يحيا حياة طيبة، وجيل نظيف خال من الشوائب والأخلاط، لذا حرّم الإسلام الفواحش، وحارب كل اعتداء على الأعراض والأخلاق والأنساب، ووفر الحرية الكريمة والحياة السوية للناس جميعا، قال الله تعالى في مطلع سورة النور المدنية:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)
«١» «٢» [النور: ٢٤/ ١- ٣] .
المعنى: هذه هي السورة الموحى بها إلى النبي ﷺ والمفروض فيها أحكام تتعلق بالأسرة، وفيها دلائل واضحة وعلامات بيّنة على توحيد الله وكمال قدرته، لتتذكروها، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته تعالى.
стр. 1725
والمقصود بكلمة وَفَرَضْناها أثبتناها وقررناها، فهي أشبه بالفرض في الإلزام، وقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي على توقع البشر ورجائهم.
ومن هذه الأحكام الأساسية في كيان المجتمع المسلم: أن عقوبة الزناة الأبكار غير المتزوجين هي الجلد مائة لكل من الزاني والزانية في دار الإسلام أيا كان. ولا يحملنكم العطف والرأفة على ترك هذا الحد فهو حكم الله تعالى، والواجب تنفيذه، والغيرة على حرمات الله، ما دمتم مؤمنين مصدقين بالله وبالآخرة التي يجري فيها الحساب والجزاء، وهذا حث شديد على تطبيق حدود الله وتنفيذها. وتكون إقامة الحد علانية أمام فئة من الناس المؤمنين، تحقيقا للزجر والردع، وبعدا عن التورط في الفاحشة، وتقريعا وتوبيخا لمن تدنّس بها.
والطائفة التي تشهد على إقامة الحد: أقلها واحد، وقيل: اثنان فأكثر، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي نفر من المسلمين، ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا.
ثم ذكر الله تعالى قبح مستنقع الفواحش، وأنه يجب تطويقه وعزله عن المجتمع، فأخبر خبرا خرج مخرج الغالب، من غير قصد التحريم الاصطلاحي، وإنما التنزه والابتعاد والترفع عن وسط الزناة، والمعنى: الشأن في الزاني الفاسق الفاجر ألا يرغب إلا في نكاح أمثاله من النساء الزانيات الفاسقات، فهو في العادة لا يرغب إلا في الزواج بأمثاله من الفواسق الخبائث أو المشركات، ممن لا يهتم بعرض ولا يأبه بتعفف، وذلك الزواج بأهل الفسق والبغايا، كان محرما على أهل الإيمان، فلا يتزوج زان إلا زانية، ولا يتلوث بذلك مؤمن. وهذا التحريم يراد به المبالغة في التنفير والتنزه والتعفف، بدليل إباحة الزواج بأي امرأة لا زوج لها، وهي الأيم وجمعها أيامى، لقول الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: ٢٤/ ٣٢] فإنه يتناول البغايا.
стр. 1726
وفي الجملة: إن الفاحشة أو الزنا قبيح شرعا وفي العقل السليم، والفواحش:
طريق لتدمير الأمم والشعوب بإشاعة الانحراف، وتحطيم سياج الأعراض والأخلاق، وقد حرّم الزنا في كل الأديان، وازداد تحريمه والتشنيع عليه، وتبشيع أمره في القرآن الكريم، وجعل الزنا في مرتبة الشرك، وصنّف الزناة مع المشركين، ومن المعلوم أن الشرك أعظم المعاصي، فما يقترن به يكون قبيحا مثله. هذا فضلا عن أن تعاطي الفاحشة يعرّض صاحبها لألوان الاعتداءات والجنايات المختلفة، بل ويمهد للإصابة بأخطر الأمراض الفتاكة التي لا علاج لها، ومنها مرض فقد المناعة (الإيدز) فإن ٩٠ من حالاته بسبب الشذوذ أو الانحراف الجنسي.
عقوبة القاذفين
لقد طوّق التشريع القرآني مصادر الجريمة، وعمل على استئصال أسبابها، وحارب كل الوسائل المؤدية إليها، لأن المزالق والأساليب هي مبدأ التوجه نحو الغايات، فإذا أوصد الباب في وجه الوسيلة، امتنع تحقيق الغاية، وإذا حرّم الإسلام أمرا لقبحه وضرره، حرّم كل الوسائل المؤدية إليه، لأنها منافذ الخطر. وعلى هذا النهج ترى القرآن الكريم يحرم الزنا لفحشه وضرره البالغ، ويحرم كل ما أدى إليه، وسهّل إليه من كلام الفحش، وقذف الأعراض، وخدش الكرامات والخلوة بالمرأة، فتكون كلمة القذف، أي النسبة إلى الزنا من غير إثبات بالبينة أو الإقرار حراما وموجبا لحد مكمل لحد الزنا يسمى حد القذف. قال الله تعالى مبينا مقدار هذا الحد وطريق التخلص منه بالتوبة الصادقة:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤ الى ٥]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
«١»
стр. 1727
[النور: ٢٤/ ٤- ٥] .
نزلت هذه الآية في القاذفين، فبعد أن نفّر الله من نكاح الزانيات، وإنكاح الزناة، نهى الله تعالى عن القذف: وهو الرمي بالزنا، أي إلصاق التهمة بعفيف أو عفيفة من دون حجة ولا برهان، وهذا الاتهام وإن ظن بعض الناس أنه لا يستحق عقابا، فإنه في الواقع أمر خطير ربما يؤدي إلى القتل، أو تدمير كيان الأسرة، أو الإساءة الدائمة للسمعة، بسبب الاستفزاز وإثارة الأحقاد، وإيجاد العداوة والبغضاء، واحتدام السخط والغضب، والغالب أن الغضوب بعيد عن دواعي العقل والحكمة والرشد، فيسارع إلى اتخاذ موقف متهور، يؤدي إلى نتائج خطيرة، بسبب كلمة عابرة أو تهمة كاذبة. لذا طلب القرآن مزيدا من التثبت أو الإثبات للتهمة بأربعة شهود.
والمعنى: إن الذين يتهمون النساء العفيفات الحرائر المسلمات بالزنا، ولم يتمكنوا من إثبات التهمة بأربعة شهود، رأوهن متلبّسات بالزنا، أي لم يقيموا البينة على صحة القذف الذي تورطوا به، هؤلاء لهم عقوبات ثلاث:
أولها: أن يجلدوا، أي القذفة ثمانين جلدة.
وثانيها: أن تردّ شهادتهم أبدا، وتسقط عدالتهم، فلا تقبل شهادتهم بعدئذ في أي شيء، مدة العمر.
وثالثها: أن يصيروا فسقة فجرة، ليسوا عدولا، لا عند الله ولا عند الناس، سواء كانوا صادقين في القذف لكنهم لم يثبتوه، أو كاذبين، والفسق: الخروج عن طاعة الله تعالى. وهذا دليل على أن القذف إحدى الكبائر، لما يؤدي إليه من التشنيع، وهتك حرمة أعراض المؤمنات.
стр. 1728
وقد ذكر الله تعالى في الآية قذف النساء لأنه أهم، وأكثر إثارة، وأبشع للنفوس.
وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك، كالنص القرآني على لحم الخنزير، ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع. وذكر الزهراوي: أن المعنى: الأنفس المحصنات، فهي تعم بلفظها الرجال والنساء. ويدل على ذلك قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٤/ ٢٤] . والمحصنات في هذا الموضع: العفائف، لأن هذا هو الذي يجب به جلد القاذف. والعفة أعلى معاني الإحصان، وفي طيه الإسلام والحرية، ونزلت الآية في الحرائر، فيشترط في القاذف أن يكون من أهل التكليف، أي بالغا عاقلا مختارا عالما بالتحريم، وأن يكون المقذوف محصنا، وهو المكلف (البالغ العاقل) الحر، المسلم، العفيف عن الزنا.
ثم استثنى الله تعالى من تاب وأصلح من بعد القذف، فوعدهم بالرحمة والمغفرة، فمن رجع عن قوله، وندم على فعله، وأصلح حاله وعمله، فلم يعد إلى قذف المحصنات، فيسترد عدالته، ويرتفع عنه صفة الفسق، فإن جمهور العلماء قالوا:
الاستثناء المذكور عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وتوبته: إما بتكذيب نفسه في ذلك القذف الذي حدّ فيه في رأي جماعة، وإما بالاقتصار على إصلاح نفسه وتحسين حاله، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب.
قذف الرجل زوجته واللعان
لما نزلت آية رمي المحصنات، تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، مما أوجد الحرج في العلاقات الزوجية، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة (أي شهداء) ؟ والله لأضربنّه بالسيف غير مصفح عنه، فقال رسول الله ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني؟» .
ثم
стр. 1729
وقعت حادثتان: الأولى: اتهم هلال بن أمية زوجته بالزنا، وسأل عويمر العجلاني النبي ﷺ عمن وجد رجلا مع امرأته، كيف يصنع به؟ فنزلت آية اللعان، والمشهور أن واقعة هلال قبل، وأنها سبب الآية الآتية:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
«١» [النور: ٢٤/ ٦- ١٠] .
الأزواج في هذا الحكم يعم جميع الزوجات مسلمات وغير مسلمات، وإماء، وحرائر، فكلهن يلاعنهن الزوج لنفي الحمل، ويرفع القاذف الحر حد القذف عن نفسه باللعان، أي يلاعن امرأته لرفع حد القذف عن نفسه، فيكون حكم اللعان فرجا عن الأزواج.
والمعنى: إن الأزواج الذين يقذفون زوجاتهم بالزنا، ولم يتمكنوا من إحضار أربعة شهود، يشهدون بصحة قذفهم، فالحكم الواجب أن يشهد الواحد منهم أربع شهادات بالله، إنه لصادق فيما رمى زوجته من الزنا، والشهادة الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما اتهمها به. واللعن: الطرد من رحمة الله. فإذا أدى هذه الشهادات الخمس، بانت منه زوجته، وحرمت عليه حرمة مؤبدة بهذه الأيمان المسماة بأيمان اللعان، ويعطيها مهرها، ويسقط عنه حد القذف، وينفى الولد عنه إن وجد، ويتوجه عليها حد الزنا إذا لم تلاعن.
стр. 1730
ويدرأ أو يدفع عن الزوجة حد الزنا بأن تحلف بالله أربعة أيمان: أن زوجها كاذب فيما رماها به من الفاحشة، والشهادة الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان زوجها صادقا فيما يقول.
وجعلت اللعنة للرجل الكاذب في يمينه الخامسة، لأنه مفتر مباهت بالقول، فأبعد باللعنة، وجعل الغضب الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل، ثم كذبت وباهتت بالقول، وسبب التفرقة بين الرجل بتخصيصه باللعنة، وتخصيص المرأة بالغضب: هو التغليظ عليها، لأنها سبب الفجور ومنبعه عادة، بإطماعها الرجل في نفسها.
والعدول عن حد القذف إلى أيمان اللعان بين الزوجين في حال الاتهام بالزنا:
تخفيف ودفع للحرج عن الأزواج، وفضل ونعمة ورحمة من الله، إذ جعل اللعان للزوج من غير حاجة إلى إثبات قوله بأربعة شهود طريقا لتحقيق مراده، وللزوجة سبيلا إلى درء العقوبة عن نفسها، لذا عقب الله تعالى على حكم اللعان (أيمان الملاعنة بين الزوجين) بأنه لولا ما خصكم الله به من مزيد فضله ونعمته، وإحسانه، ورحمته ولطفه بهذا التشريع المخرج من الشدة والضيق إلى الأيسر والأخف، لولا ذلك لوقعتم في الحرج والمشقة في كثير من الأمور، وعوجلتم بعقاب حد القذف، ولكن الله ستركم، وأنقذكم من التورط بتهمة الزنا، بطريق شهادات أو أيمان اللعان، وذلك لأن من الصفات الذاتية لله سبحانه: أنه كتب الرحمة على نفسه، وأنه هو التواب الكثير القبول لتوبة عباده، وإن كان ذلك بعد الأيمان المغلظة، وأنه حكيم فيما يشرعه، ويأمر به، وينهى عنه، فإنه على الرغم من أن أحد الزوجين كاذب في يمينه، فإن عقاب الحد الدنيوي يدرأ عنه، ويستحق ما هو أشد منه وهو العقاب الأخروي. وعبّر الله تعالى في نهاية الآية بكلمة «حكيم» وليس بكلمة «رحيم» مع أن
стр. 1731
الرحمة تناسب التوبة وقبولها، لأن الله أراد الستر على عباده، بتشريع اللعان بين الزوجين.
وهكذا يجب اللعان بين الزوجين حين وجود الاتهام برؤية جريمة الزنا، أو من أجل نفي الحمل، فيسقط حد القذف عن الزوج، ويفرق بين المتلاعنين، فلا يجتمعان أبدا ولا يتوارثان.
إدانة المتورطين بقصة الإفك
الإفك: الزور والكذب، والأفّاك: الكذاب، والإفك: قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال، وصرفها عن جهة الصواب، وبذلك شبّه بالكذب. وهو في الواقع اختلاف الكذب. وقد أنزل الله تعالى في سورة النور ست عشرة آية لتبرئة السيدة عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وما اتصل بذلك من أمر الإفك.
والقصة تدور على استغلال تخلف السيدة عائشة لقضاء حاجتها عن ركب الجند، وعودتها للبحث عن عقدها الذي أضاعته في غزوة، بني المصطلق سنة خمس من الهجرة، وهي غزوة المريسيع، والمريسيع: ماء لبني المصطلق، من ناحية قديد إلى الساحل ناحية البحر الأحمر. وكان قائد الفتنة الذي أشعل نارها: هو زعيم المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول، وتورط معه ثلاثة، وهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. وقد استغل المنافق ابن أبي هذه الحادثة ليلصق التهمة بعائشة حين وجد صفوان بن المعطّل السّلمي يقود راحلته التي أركب عليها عائشة. فنزلت الآيات التي تبرئ السيدة عائشة، وتلوم مروجي الإشاعة الكاذبة، وتؤدب الصحابة بآداب عظيمة في مثل هذه الحادثة. قال الله تعالى مبينا إدانة المتورطين بهذه التهمة الخطيرة:
стр. 1732
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١١ الى ١٤]
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [النور: ٢٤/ ١١- ١٤] .
هذه الآيات الكريمة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ودحض الافتراء الشنيع، وهي تبدأ في بيان القصة من أولها، وأولها: إن الذين فعلوا هذا الفعل جماعة محسوبون على المؤمنين، وهؤلاء الجماعة أتوا بأبلغ الكذب، وأعظم الافتراء، وهو الإفك، الذي كان وراءه ثلاثة بزعامة منافق، وهو عبد الله بن أبي، فإنه هو الذي اختلق الكذب على السيدة عائشة ﵂، وتواطأ مع جماعة صغيرة لترويج الخبر بين الناس، وإشاعته قريبا من شهر، حتى نزل القرآن الكريم مبينا أسبابه ودروسه ونتائجه.
واسى الله تعالى أسرة أبي بكر في هذه التهمة المفتراة فقال: لا تظنوا يا آل بكر بأن ذلك الافتراء شر محض لكم، وإساءة إليكم، بل هو خير لكم في الدنيا والآخرة، لإظهار مدى العناية بعائشة بنت الصدّيق ﵂، حين برأها الله في القرآن العظيم، وجعله حكما ونصا يتلى إلى يوم القيامة، ومن أجل كسبكم الثواب العظيم به في الدار الآخرة.
وأما دعاة الفتنة فلكل واحد تكلم في هذه الفرية ورمى أم المؤمنين عائشة بالفاحشة، فله نصيب من العذاب الشديد، بقدر ما خاض فيه.
стр. 1733
والذي تحمل معظم الإثم منهم: هو عبد الله بن أبي زعيم المنافقين، له عذاب عظيم في الدنيا والآخرة، فإنه أول من اختلق هذا الخبر، ومعظم الشرّ كان منه، أما عذابه في الدنيا: فبإظهار نفاقه ونبذه من المجتمع، وأما في الآخرة: فهو في الدرك الأسفل من النار.
ثم أدّب الله تعالى المؤمنين بمناسبة هذه القضية وزجرهم بتسعة أشياء: أذكر منها هنا أدبين وأمرين خالفوا بهما أحكام التشريع الأساسية. وهما: هلا حين سمعتم أيها المؤمنون كلام الأفاكين في أم المؤمنين عائشة، ظننتم بها خيرا بمقتضى الإيمان الذي يحمل على حسن الظن! وهلا بادرتم إلى القول صراحة: هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب مختلق، واضح مكشوف على أم المؤمنين ﵂! فإنها جاءت راكبة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة، والجيش كله يشاهد ذلك، ولو كان فيه شيء من الريبة، لما تم الأمر هكذا جهارا نهارا.
وهلا أتى الأفاكون على ما قالوا بأربعة شهود، يشهدون على ثبوت التهمة، وصحة المعاينة، فحين لم يأتوا بالشهود لإثبات التهمة، فأولئك في حكم الله كاذبون فاجرون، وهذا من الزواجر، ومن التقصير في القيام بعبء الإثبات، عملا بالقاعدة الكبرى: «البيّنة على من ادعى، واليمين على من أنكر» .
تأثيرات قصة الإفك في المؤمنين
إن الاتهام الرخيص سرعان ما يتبدد ويزول أثره، ولا سيما إذا تولى الله تعالى بنفسه الدفاع عن سمعة المؤمن، وحماه وبرّأه، وقد كان لقصة الإفك أبعاد أو أحكام تنفيذية سريعة: وهي أن زعيم المنافقين عبد الله بن أبي أرجئ عذابه، فكان العذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وأن حسّان ومسطحا وحمنة بنت جحش أقيم عليهم
стр. 1734
حد القذف، وأن الذين أشاعوا الخبر لامهم الله تعالى لوما شديدا، ووبخهم توبيخا مهينا، وهدّدهم بالعذاب، وعلّمهم الوحي الإلهي وجوب الالتزام بآداب معينة، أذكر منها هنا ستة، كلها ذات وقع شديد، وتتضمن التهديد والوعيد، قال الله تعالى مبينا هذه التأثيرات لقصة الإفك:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١٤ الى ٢٠]
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)
«١» »
[النور: ٢٤/ ١٤- ٢٠] .
المعنى: لولا تفضل الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي منها الإمهال للتوبة، ولولا رحمته بكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعجّلت بكم العقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك، وهذا من الزواجر أيضا.
- ولولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب حين تلقيتم أو تلقفتم بألسنتكم حديث الإفك وسؤال بعضكم عنه، وإكثار الكلام فيه، وقولكم ما لا تعلمون، وظنكم ذلك أنه أمر سهل يسير، وهو في حكم الله عظيم الخطر، ومن الكبائر. وهذا من الزواجر كذلك وعتاب على تناقل الأخبار، والإفاضة في الحديث، وإشاعة الكلام.
- وهلا حين سمعتم ما لا يليق من فحش الكلام وخبث المقال قلتم: ما ينبغي وما لا يصح لنا ولا يحل أن نتفوه بهذا الكلام، ونخوض في عرض النبي ﷺ ، فالعقل
стр. 1735
والدين يمنعان الخوض في مثل هذا، وهذا تأديب جم، وعتاب لجميع المؤمنين بأنه كان ينبغي عليهم إنكار هذا المقال وترك حكايته ونقله، وأن يحكموا عليه بالبهتان:
وهو أن يقول الإنسان في غيره ما ليس فيه. ويحذر الله المؤمنين من العود لمثله، أي ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا في المستقبل، ما دمتم أحياء مكلفين، وكنتم من أهل الإيمان بالله وشرعه، وتعظيم رسوله ﷺ ، ويوضح الله لكم الأحكام الشرعية والآداب الدينية والاجتماعية، والله تام العلم بما يصلح عباده، وكامل الحكمة في شرعه وقدره وتدبير شؤون خلقه، وهذا من الزواجر العظام.
- وإن الذين يشيعون الفاحشة عن قصد وإرادة في أوساط المؤمنين لهم عذاب مؤلم في الدنيا، وهو حد القذف، وفي الآخرة لهم عذاب النار، والله يعلم بحقائق الأمور علما تاما، فردوا الأمر إليه ترشدوا، وأنتم بسبب نقص علمكم لا تعلمون تلك الحقائق.
- ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم، لكان أمر آخر، أي لهلكتم أو لعذبكم الله واستأصلكم، ولكنه تعالى رؤف بعباده، رحيم بهم، فتاب على التائبين من هذه القضية، وأرشد إلى ما فيه الخير، وهدى إلى الطريق القويم، وأبان خطر هذا الفعل الشنيع، وهو الطعن بعرض بيت النبوة.
لقد تضمنت هذه الآيات في بدايتها وخاتمتها بيان سبق الرحمة الإلهية، وإسباغ الفضل الإلهي على الفئة التي تورطت في ترداد الأخبار الملفقة، وتناقل الحديث من لسان إلى لسان، وما بين البداية والنهاية لوم وتقريع، وعتاب وتوبيخ، وأن مجرد التحدث في عرض أم المؤمنين عائشة ﵂ إيذاء كبير للنبي وزوجه ولآل أبي بكر. فيكون الخوض في مثل هذا ممنوعا، ويحتاج مثله إلى التثبت والروية، وتبيّن الحقيقة، كما قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أو «فتثبتوا» [الحجرات: ٤٩/ ٦] .
стр. 1736
التحذير من آثار قصة الإفك
كان لآثار قصة الإفك آثار تربوية عظيمة، ونتائج إنسانية سامية، وأهمها ثلاثة:
التحذير من اتباع خطوات الشيطان أو وساوسه، وتدنيس سيرة المتورطين في هذا الذنب وإساءة سمعتهم، وحث أبي بكر على مواصلة مسطح ابن خالته، على الرغم من اشتراكه في ترويج أباطيل زعيم المنافقين: عبد الله بن أبي، وتجاوز هذه الآثار كان بفضل من الله ومغفرة وعفو عن المسيئين، وبه تنتهي فتنة ابن أبي التي روّجها بين المسلمين، فقال الله تعالى معددا هذه الآثار:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النور: ٢٤/ ٢١- ٢٢] .
- هذا خطاب لجميع المؤمنين، مطلعه التحذير من وساوس الشيطان، ومضمونه لا تمشوا في سبل الشيطان وطرقه وأفعاله الخبيثة، ولا تسمعوا لوساوسه، فإن من يتبع وساوس الشيطان خاب وخسر، لأن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء (وهو ما أفرط قبحه) والمنكر (ما أنكره الشرع وحرمه وقبحه العقل ونفر منه) فلا يصح لمؤمن إطاعة الشيطان، وهذا نهي لكل المؤمنين في كل زمان، وخوطب المؤمنون بهذا ليتشددوا في ترك المعاصي، ولئلا يتشبهوا بحال أهل الإفك.
- وكرر الله تعالى تأكيد منّته وفضله على عباده، فلولا تفضل الله على المؤمنين
стр. 1737
بالنعم ورحمته السابغة، بالتوفيق للتوبة الماحية للذنوب، ما طهّر أحدا من ذنبه، ولا خلّصه من أمراض الشرك والفجور، والأخلاق المزدولة، وإنما عاجله بالعقوبة، كما قال الله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [النحل: ١٦/ ٦١] .
ومن فضل الله تعالى أنه يطهر من يشاء من ذنبه بقبول توبته، وتوفيقه إلى ما يرضي ربه، ومن ذلك قبول توبة حسان ومسطح وغيرهما من أهل الإفك، والله سميع لأقوال عباده، عليم بمن يستحق الهدى والضلال، وبجميع الأقوال والأفعال، وهذا حث على التوبة المخلصة من كل الذنوب.
وآية وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ نزلت في أبي بكر حيث حلف على ألا ينفق على قريبه ابن خالته الفقير مسطح، وقد كان يتيما في حجره، وكان ينفق عليه وعلى أقاربه.
والمعنى: لا يحلف أصحاب الفضل في الدين والخلق والإحسان، وأصحاب السعة في المال والثراء: ألا يعطوا أقاربهم المساكين المهاجرين، كمسطح ابن خالة أبي بكر الذي كان فقيرا مهاجرا من مكة إلى المدينة، وشهد بدرا، وهذا حث على صلة الرحم، وتلك الصلة عمل إنساني كريم مبارك.
وليعف الأغنياء والأقوياء عن المسيء، وليصفحوا عن خطأ المذنب، فلا يعاقبونه ولا يحرمونه من عطائهم، فإن من أخطأ مرة لا يشدد عليه في العقاب.
ألا تريدون أن يغفر الله لكم، أي يستر عليكم ذنوبكم، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما يغفر الإنسان ذنب المذنب يغفر الله له، وكما يصفح المرء عن المسيء يصفح الله عنه، والله تام الرحمة، وواسع المغفرة لذنوب عباده الطائعين التائبين، رحيم بهم، فلا يعذبهم بزلة حدثت، ثم تابوا عنها. وهذا ترغيب في العفو والصفح، ووعد كريم بمغفرة ذنوب التائبين، لذا بادر أبو بكر الصديق إلى القول: «بلى والله، إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا» ثم أعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه، وقال:
«والله لا أنزعها منه أبدا» .
стр. 1738
جزاء القاذفين في الآخرة
إن الذين يقدحون في أعراض أهل العفة والصون من المؤمنات والمؤمنين يرتكبون جرما عظيما، وإثما كبيرا، يستحقون بموجبه العقاب في الدنيا والآخرة، وجاء الوعيد على ذلك بمناسبة قصة الإفك، وتورط بعض الناس بقذف السيدة عائشة ﵂، والوعيد لا يقتصر عليها، بل يشمل جميع أزواج النبي ﷺ ، غلّظ الله أمر رميهن لمكانهن من الدين، فلعن قاذفهن، ولم يقرن بآخر الآية توبة. وقال جماعة من العلماء: بل هي في شأن عائشة ﵂ إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة، قال الله تعالى مبينا خطورة القذف، أي رمي النساء كذبا بالفاحشة:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٦]
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)
«١» [النور: ٢٤/ ٢٣- ٢٦] .
هذا وعيد شديد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات المؤمنات العفيفات، خرج مخرج الغالب، ويشمل أيضا من رمى المحصن المؤمن العفيف.
والمعنى: إن الذين يتهمون النساء الحرائر، العفيفات، البعيدات عن المعاصي والفواحش، النقيات من كل تهمة باطلة، المؤمنات بالله ورسوله، لعنوا في الدنيا والآخرة، أي طردوا من رحمة الله في الآخرة، وعذّبوا في الدنيا بحد القذف، جزاء جرمهم وافترائهم. وهذا دليل على أن القذف من الكبائر.
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1739
«اجتنبوا السبع الموبقات ... » وذكر منها: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات،
وهذا العقاب في الدرجة الأولى لزعيم المنافقين عبد الله بن أبي وأشباهه.
قال الإمام الزمخشري: «ولو قلّبت القرآن كله، وفتّشت عما أوعد به العصاة لم تر الله قد غلظ في شيء تغليظه في الإفك، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم، وأنه يوفيهم جزاء الحق الذي هم أهله حتى يعلموا أن الله هو الحق، فأوجز وأشبع، وفصّل وأجمل، وأكدّ وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة» .
ثم أخبر الله تعالى أن عذاب القاذفين يوم القيامة يكون بشهادة أعضائهم عليهم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا من قول أو فعل، بأن ينطقها الله بقدرته، كما جاء في آية أخرى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٤١/ ٢١] .
في ذلك اليوم الرهيب يوفيهم الله حسابهم، أو جزاءهم على أعمالهم، ويعلمون أن وعد الله ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.
ثم سنّ الله قانونا عاما يدل دلالة مادية حسية على براءة السيدة عائشة ﵂، وهو أن النساء الزواني الخبيثات للخبيثين من الرجال، والخبيثين الزناة من الرجال للخبيثات من النساء، فاللائق بكل واحد أمثاله، فشأن الخبيثات تزوج الخبيثين، وشأن الطيبين تزوج الطيبات. أولئك الطيبون والطيبات كصفوان بن معطّل المتهم البريء، وعائشة الصديقة التي هي أسمى وأرفع من التهمة، بعيدون مبرؤون عما يقوله أهل الإفك والبهتان، ممن تميزوا بالخبث والدنس والتلوث بالمنكرات.
стр. 1740
وأولئك المبرؤون من التهم الباطلة لهم مغفرة عن ذنوبهم بسبب ما قيل فيهم من الكذب، ولهم رزق كريم عند الله في جنات النعيم.
إن هذه الآية تضع حدا فارقا بعيد الجانبين، بعد السماء عن الأرض بين حكم عبد الله بن أبي وأشباهه من المنافقين، وبين حكم النبي ﷺ وفضلاء الصحابة رضوان الله عليهم، وأمته، أي إن النبي ﷺ طيب، فلم يجعل الله له إلا كل طيّبة، وأولئك خبيثون، فهم أهل النساء الخبيثات.
آداب الاستئذان
الساحة الإسلامية ملأى بالآداب والأخلاق الرفيعة ذات المعاني الحضارية السامية، والمقومات الأساسية لبناء المجتمع الفاضل، وإشاعة المودة والمحبة بين الناس، والحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية، والقصد من تشريع هذه الآداب صون قاعدة الحرية، والاحتفاظ بالأسرار الشخصية، والترفع عن المباذل والدناءات وسفساف الأمور، ووضع الحواجز والموانع التي تمس العورات والأعراض، وتتعلق بخصوصيات الإنسان. قال الله تعالى مبينا حكم الاستئذان عند الدخول إلى بيوت الآخرين، وآدابه وضوابطه:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)
«١» «٢» «٣» «٤» [النور: ٢٤/ ٢٧- ٢٩] .
стр. 1741
المعنى: يا أيها المصدقون بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت غيركم حتى يؤذن لكم، وحتى تسلّموا على أهل البيت، حتى لا تقعوا على عورات غيركم، ولا تنظروا إلى ما لا يحل النظر إليه، ولا تفجؤوا الساكنين أو تزعجوهم، فيحدث النفور والكراهية.
وقوله تعالى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا معناه: حتى تستعلموا من في البيت وتستبصروا وتستكشفوا الأمر، وتحصلوا على الإذن. ويكون الاستئذان ثلاث مرات فقط كما ورد في السنة الثابتة.
وحكمة الاستئذان واضحة: وهي توفير حرمة المسكن وحرية السكان، لذا قال الله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي إن الاستئذان خير وأفضل للطرفين، والمستأذن وأهل البيت، فهو خير من الدخول فجأة، وخير من تحية الجاهلية، وهي: أنعم صباحا، أو مساء، وقد أنزل الله عليكم هذا الأدب، وأرشدكم إليه، لتتذكروا وتتعظوا، وتعملوا بالأصلح لكم. فإن لم تجدوا في بيوت غيركم أحدا يأذن لكم، فلا تدخلوها حتى يأذن لكم صاحب الدار، فلا يحل الدخول في هذه الحالة، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ولأن للبيوت حرمة، وهي محل السكن الخاص والطمأنينة الشخصية، والراحة والوداعة.
وإن طلب منكم صاحب البيت الرجوع بعد الاستئذان، فارجعوا، فإن الرجوع هو خير لكم وأطهر في الدين والدنيا، ولا يليق بكم أيها المؤمنون الإلحاح في الاستئذان والوقوف على الأبواب، ففي ذلك ذل ومهانة. والله عليم بنياتكم وأقوالكم، وأفعالكم ونظراتكم.
ولا إثم ولا حرج عليكم من الدخول إلى بيوت لا تستعمل للسكنى الخاصة، كحوانيت التجار والحمامات العامة، والأماكن المخصصة للتسلية البريئة، وذلك إذا كان لكم فيها مصلحة أو انتفاع كالمبيت فيها، وتخبئة الأمتعة، والمعاملة بالبيع والشراء وغير ذلك.
стр. 1742
والله تعالى عليم بما تظهرونه من استئذان عند الدخول، وما تضمرونه من قصد سيء، وتدخّل في شؤون الآخرين، وحب الاطلاع على عورات الناس وخصوصياتهم وهذا وعيد لأهل الريبة الذين يدخلون البيوت للتلصص، واستراق السمع، ومعرفة الأسرار.
يتبين من هذه الآية أنها تشتمل على حكمين:
الحكم الأول: وجوب الاستئذان حين الدخول إلى بيوت الآخرين المسكونة.
والحكم الثاني: السماح بالدخول إلى البيوت غير الآهلة بالسكان، وليس فيها أحد، إذا كان للداخل متاع فيها، وذلك بغير إذن، كالمضافة العامة، والنزل المخصصة للمسافرين والعابرين.
والمهم في الاستئذان: هو تجنب النظر إلى ما يؤذي أهل البيت،
فقد قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن سهل بن سعد: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» .
وذلك للبعد عن المضايقات، وتربية الإنسان على الخلق الكريم، والحياء والأدب الجم، ورقابة الله في السر والعلن، فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
غض البصر والحجاب
لقد نظم الشرع الحنيف العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس من الثقة والحياء والاحترام المتبادل، وترك الاسترسال في التفكير بالخصوصيات المتعلقة بكل منهما، والتي تحتاج إلى وجود مسوغ شرعي واضح ودائم، وبعيد عن ساحات الحياة العامة والأنظار الشائعة، ليكون كل شيء في وضعه السليم، وفي موضعه الملائم، لذا أمر الشرع بغض البصر من الجنسين، وبستر ما يجب ستره، منعا من التشبه بالبدائيين،
стр. 1743
وحفاظا على الأعراض والحرمات والكرامات، قال الله تعالى مبينا حكم النظر والحجاب، وذلك من قبيل سد الذرائع ومنع الوسائل إلى الحرام:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [النور:
٢٤/ ٣٠- ٣١] .
نزلت هذه الآية في رجل وامرأة تبادلا نظرات السوء، زاعمين أنهما نظرا إلى بعضهما إعجابا وإعظاما، بفعل وسوسة الشيطان، ولكن الحقائق أقوى من الوسواس، والله لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
لذا أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ أن يقول للمؤمنين: كفّوا أو غضوا أبصاركم، فلا تنظروا إلا إلى ما أبيح النظر إليه. والمعنى: قل لهم: غضوا يغضوا. والغض لبعض الأبصار، لتوبيخ من يكثر التأمل في الحرام. ومع غض البصر حفظ الفروج من ارتكاب الفواحش، فإن غض البصر وحفظ الفرج خير وأطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، فإن الله تام العلم بكل ما يصدر عن الناس من أفعال. وهذا تهديد ووعيد.
وخلافا للمعتاد في أن خطاب الرجال يتناول النساء، أفرد الله النساء أيضا
стр. 1744
بالأمر بغض الأبصار في النظر إلى الرجال، وبحفظ الفروج من الفواحش والشذوذ، حفاظا على الحرمات والأعراض، وتوفيرا للحرية المنظمة أو المنضبطة، وإبعادا عن تلويث السمعة، وحفظا للصحة والكمال الإنساني.
ثم أعقب الله ذلك الأمر المشترك بين الرجال والنساء ببيان أحكام خاصة بالنساء وهي:
١- ألا تظهر النساء شيئا من مواضع الزينة للأجانب غير المحارم، إلا ما جرت العادة بظهوره: وهو الوجه والكفان والثياب الظاهرة. وهذا دليل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة إذا لم تحدث فتنة.
٢- وعلى النساء ستر الرأس وكامل الجسد، ولا سيما أجزاء الصدر لستر الشعر والعنق ونواحي الصدر. وسبب هذه الآية: أن النساء كن في الجاهلية إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر.
٣- ولا تظهر النساء زينتهن الخفية إلا للمحارم ونحوهم وهم الأزواج وآباء الأزواج، والآباء والأبناء والبنات، وأبناء الأزواج والإخوة وبنو الإخوة وبنو الأخوات، والنساء من جنسهن، والمماليك من الرجال والنساء، والأطفال الصغار دون العاشرة، والتابعون غير أولي الرغبة أو الحاجة إلى النساء.
وتدل الآية على أن المرأة مأمورة بألا تبدي زينتها لغير المحارم وغير الأزواج والأتباع، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، إلا ما غلب عليها، فظهر بحكم ضرورة حركة لا بد منها أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فهذا الذي يظهر للضرورة من المعفو عنه، وغالب الأمر أن الوجه والكفين يكثر منهما الظهور، وهو الظاهر في الصلاة، ويحسن الاحتياط ومراعاة فساد الناس، واستتار الحسنة الوجه إلا من ذي رحم محرم.
ولا يجوز للمرأة أن تلفت النظر إليها أثناء المشي، فلا تدق الأرض برجلها،
стр. 1745
ليعلم الناس صوت خلخالها، لأنه مظنة الفتنة والفساد، ولفت النظر وإثارة المشاعر غير الشريفة، وما أوقع وأحكم خاتمة الآية، فهي تأمر جميع الناس بالتوبة الخالصة، وبطاعة الله، والإنابة إليه، ليتحقق الفوز والفلاح وسعادة الدنيا والآخرة.
الترغيب في الزواج والاستعفاف
ما من نهي عن شيء ضار في الإسلام إلا ويقابله الأمر بممارسة شيء نافع، فقد نهى الله تعالى عما لا يحل، مما يؤدي إلى الفاحشة من إرسال البصر والتلوث بالمنكر، ثم أعقبه ببيان طريق الحل وهو الزواج المؤدي للعفة والصون، وبقاء النوع الإنساني، وحفظ الأنساب، ودوام الألفة والمحبة، وبناء الأسرة القويمة، لذا رغب الشرع الحنيف بالزواج والاستعفاف، وحذر من البغاء، وحض على تحرير الأرقاء، وإعتاق العبيد، والتخلص من ظاهرة الرق الشاذة، وندب إلى مكاتبة ملك اليمين على عوض مقسط، إذا احتاج السيد لذلك، ورغّب الموسرين في مساعدة المكاتبين على أداء بدل الكتابة للتحرر السريع، قال الله تعالى مبينا هذه الأمور المتعلقة بالزواج والعفة وتحرير الأنفس:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [النور: ٢٤/ ٣٢- ٣٣] .
стр. 1746
هذه الآية خطاب للأولياء المأمورين بتزويج من لا زوج له ومن لا زوجة له، والمعنى: زوّجوا أيها الأولياء الأيامى: وهم كل رجل أو امرأة لا زوج لهما، وزوّجوا الصالحين من الأولاد والإماء للزواج، وهذا الأمر للندب والاستحسان.
والصلحاء: هم القائمون بأوامر الدين، المبتعدون عن النواهي والمحظورات، وظاهر الآية: أن المرأة لا تتزوج إلا بولي، سواء كانت صغيرة أو كبيرة.
ولا يتعلل الأولياء بفقدان المال، فالله ﵎ وعد بإغناء الفقراء المتزوجين، طلبا لرضا الله عنهم، واعتصاما من معاصيه، فلا تنظروا إلى مشكلة الفقر، فقر الخاطب أو المخطوبة، فإن في فضل الله ما يغنيهم، والله غني ذو سعة، لا تنفد خزائنه، ويبسط الرزق لعباده على وفق الحكمة والمصلحة، ويخص الأزواج بمزيد من العطاء، لاستمرار الحياة الزوجية، قال عمر ﵁: عجبي ممن لا يطلب الغنى بالنكاح، وقد قال الله تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وأخرج ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة، كلهم حق على الله عونه: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء» .
ثم أمر الله تعالى كلّ من يتعذر عليه الزواج، ولا يجده بأي وجه تعذّر: أن يستعفّ، حتى يتيسر له الغنى، ويتفضل الله عليه بالإغناء، ولا يقنط من رحمة الله وفضله، فإن الله واسع الغنى، تام العلم بأحوال الناس، خلق الخلق وتكفل برزقهم، وإذا كان الإنسان محاطا بعلم الله، ومزودا بنعم الله، فلماذا يعصي ربه؟
ثم أمر الله تعالى المؤمنين كافة أن يكاتب السعادة مماليكهم، وعقد الكتابة:
الاتفاق على أداء مال معين في مدة معينة، يتحرر المملوك بعدها. فإن طلب المملوك الكتابة، وعلم سيده منه خيرا، فيستحب له الموافقة على مكاتبته.
стр. 1747
وسبب نزول الآية: أن غلاما لحويطب بن عبد العزّى سأل مولاه الكتابة، فأبى عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكاتبه حويطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا، فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب.
ورغب القرآن الكريم السادة في ترك شيء للعبد المكاتب من أقساط الكتابة بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قال المفسرون: هو أمر لكل مكاتب أن يضع للعبد من مال كتابته. واستحسن علي بن أبي طالب ﵁ أن يكون ذلك ربع الكتابة. وهذا مروي عن النبي ﷺ حيث
روى عبد الرزاق وغيره عن علي عن النبي ﷺ قال: «يترك للمكاتب الربع» .
ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن الكسب الحرام، فذكر: لا تجبروا إماءكم على الزنا، سواء أردن التعفف عنه أو لا، بقصد الحصول على أعواض مادية، وأما قوله سبحانه: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فهو قيد لحكاية الحال التي كانت قائمة، وبيان الواقع الذي نزلت الآية بسببه، لما
أخرجه ابن مردويه عن علي ﵁: أنهم كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، ليأخذوا أجورهن، فنهوا عن ذلك في الإسلام، ونزلت الآية.
وكان عبد الله بن أبي بن سلول يأمر أمته محسيكة أو معاذة بالزنا والكسب به، وإذا كان تشغيل الأمة في البغاء لعوض مالي محرما شرعا، فمن باب أولى أن يكون طلب البغاء مجانا ممنوعا أيضا. وقوله تعالى: عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا في هذه الآية: الشيء الذي تكتسبه الأمة بفرجها.
ومن يقدم على إكراه الإماء على البغاء من غير رضا منهن، فإن الله تعالى بعد إكراههن غفور لهن، رحيم بهن، كما أنه سبحانه غفور للمكرهين إن تابوا وأنابوا.
стр. 1748
تنوير النفوس والكون
لقد كانت وما زالت مهمة القرآن العظيم بيان نعم الله تعالى على عباده قاطبة، فالله أنزل القرآن آيات منيرات للنفوس، وهو منوّر السموات والأرض بأنواره الذاتية، ليكون الناس على بيّنة من أمرهم، فإذا قدّروا نعمة الله، وتدبّروا آيات الله في قرآنه، وعرفوا مدى فضل الله في تنوير الكون سمائه وأرضه، وجب عليهم طبعا وعقلا وأدبا، شكر المنعم وعبادته وطاعته في كل ما أمر به ونهى عنه، لأن القصد من التنوير: هو هداية أهل السماوات والأرض، تلك الهداية التي بلغت الغاية في الظهور والجلاء، قال الله تعالى موضحا نعمته في التنوير أو الهداية:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النور: ٢٤/ ٣٤- ٣٥] .
هذه هي آيات التنوير الحسي والمعنوي، المادي والقلبي، فلقد وصف الله تعالى في الآية الأولى القرآن الكريم بصفات ثلاث وهي:
أولا- لقد أنزلنا في هذه السورة- سورة النور وغيرها آيات مفصّلات الأحكام والحدود والشرائع التي يحتاج الناس إليها، وموضحات الحق ومعالمه ودروبه.
ثانيا- أنزل الله في قرآنه أيضا أمثلة من أخبار الأمم المتقدمة، وضرب للناس من أمثال الماضين من الأمم، ليقع التحفظ والحذر مما وقع أولئك فيه.
стр. 1749
ثالثا- وأنزل الله سبحانه مواعظ وزواجر لمن اتقى الله وخاف عذابه فتلك الآيات الموضّحة، والأمثلة المؤثرة، والمواعظ الزاجرة هي لخير الإنسان، وهي نعمة جليلة من نعم الله على المؤمنين، وهذه هي آيات التنوير الحكمي أو المعنوي. وسبب ذلك أن الله تعالى ذو نور السموات والأرض، فهو منورهما، فبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فهو مصدر النور، وخالق النور، وماحي الظلام، ومدبر الكون بنظام دقيق، وهذا هو النور الحسي. وتقريبا لأذهان الناس وتصوراتهم المحدودة، شبّه الله نوره بنور مصباح في زجاجة موضوعة في كوة أو طاقة غير نافذة من الخلف، لينبعث النور في اتجاه معين نحو المنزل مثلا، وكل ذلك منير، فكأن زجاج هذا المصباح في إضاءته وصفائه كوكب عظيم من الكواكب السيارة، وزيت المصباح مستخرج من زيت زيتون من شجرة مباركة كثيرة المنافع، زرعت في جبل عال أو صحراء، ليست فقط متعرضة لنور الشمس وقت شروقها، ولا وقت غروبها، بل هي في مكان وسط، تتعرض للشمس وقت الطلوع ووقت الغروب، ومن أول النهار إلى آخره.
ويكاد زيتها لصفائه وبريقه يضيء بنفسه، قبل إضاءته ومسّ النار له، لأن الزيت الصافي يرى من بعيد كأنه ذو شعاع، فإذا مسّته النار، ازداد ضوءا على ضوء، ومثل ذلك قلب المؤمن، يعمل بالهدى الإلهي قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم، ازداد نورا على نور، وهداية على هداية، لأن الله تعالى هو الذي أبدع الموجودات، وخلق العقل نورا هاديا، فالعاقل يدرك عظمة المخلوقات، ويهتدي إلى خالقها، فإذا اكتملت الهداية بالكتاب الإلهي المنزّل، واستنار الإنسان بإرشادات الرسول المرسل، وضحت الأمور وضوح الشمس.
وهكذا مثل المصباح بالزيت الصافي: هو نور متضاعف، اجتمعت المشكاة
стр. 1750
(الطاقة) والزجاجة، والمصباح، والزيت، فالمشكاة تحصر النور في اتجاه واحد كحزمة الضوء الصادر من ضوء السيارة مثلا، وبهاء الزجاجة يزيد النور تألقا، والقنديل مصدر الإشعاع قوي كاف لتوجيه الإنارة، وصفاء الزيت يساعد على توافر تمام الإضاءة، فهي عوامل أربعة.
ويرشد الله تعالى لهدايته ويوفق عباده لاختيار الصواب، بهذه الأمثلة كلها، وتتضح الرؤية للحق بالنظر والعقل وإعمال الفكر.
ويبين الله تعالى للناس الأمثلة الموضحة، ودلائل الإيمان، ووسائل الهداية الكافية، لترسيخها في الأذهان، من طريق تصوير المعاني بصور المحسوسات المألوفة، والله عالم تام العلم بكل الأشياء المعقولة والحسية، الباطنة والظاهرة، يمنح الهداية لأهلها، ويوفق للخير والحق المستعد لتلقيها.
المنتفعون بنور الله تعالى
الأنوار الإلهية الهادية إلى الحق وإلى صراط مستقيم ترشد العباد إلى ما يحقق لهم الخير والسعادة، فيكون هناك تلازم وتواصل بين النور والمنوّر عليهم، وإذا تحققت الاستنارة من الناس انتفعوا بالنور الإلهي، وبادروا لإعمار بيوت الله عمارة معنوية بالصلوات والأذكار وتلاوة القرآن، وأولئك هم الصفوة المختارة الباقية على منهج الحق إلى يوم القيامة، فهم لا ينشغلون بزينة الحياة الدنيا، ويخشون ربهم، ويبادرون إلى طاعة الله تعالى، ليقدّموا لآخرتهم أحسن الأعمال، ويستمتعوا بأفضال الله وكرمه، ويدوم عليهم إدرار الرزق والعطاء من غير انقطاع ولا منّة ولا زوال، قال الله تعالى واصفا أحوال المهتدين بالنور الإلهي:
стр. 1751
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)
«١» «٢» «٣» [النور: ٢٤/ ٣٦- ٣٨] .
مطلع هذه الآية فِي بُيُوتٍ متعلقة بما قبلها، تقديره كمشكاة كائنة أو مصباح كائن في بيوت أمر الله برفعها بالبناء أو التعظيم، وتطهيرها من النجاسات الحسية كالقذر، والمعنوية كالشرك والوثنية. أو هي متعلقة بمتأخر وهو يسبّح، أي يسبح الله ويقدس له المسبحون في بيوت. والبيوت: هي المساجد المخصوصة لله تعالى التي من عادتها أن تنوّر بذلك النوع من المصابيح. والمعنى: ينزه الله تعالى ويقدسه في الصلاة في المساجد في أوائل النهار وأواخره بكرة وعشيا، صباحا ومساء، والمراد في كل وقت، وفي مجالس الوعظ والذكر، وقراءة العلم، والتفكر والتأمل في ملكوت الله وعظمته.
وقوله سبحانه: تُرْفَعَ معناه تبنى وتعلّى، كما في قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة: ٢/ ١٢٧] ،
وقال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وبقية الكتب الستة والدارمي: «من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة» .
ثم وصف الله تعالى المسبحين، بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى، وطلبهم لرضاه، لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا، فهم رجال ليسوا ماديين نفعيين، بل هم قوم ذوو همة عالية، وعزيمة صادقة، لا تشغلهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله وتقديسه، بل يذكرون الله تعالى، ويقيمون الصلاة جماعة في المساجد،
стр. 1752
ويؤتون الزكاة، يخافون عقاب يوم القيامة، الذي تضطرب فيه القلوب والأبصار، من شدة الفزع والهول. ومقصد الآية: هو وصف هول يوم القيامة. ففي ذلك اليوم الرهيب تكون القلوب والأبصار مضطربة قلقة، متقلبة من حذر هلاك إلى حذر، وذلك كما في آية أخرى، مثل قول الله تعالى: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [إبراهيم: ١٤/ ٤٢] ، وقوله : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) [الدهر: ٧٦/ ١٠] .
وذلك ليجزيهم الله الجزاء الأحسن، أي إن كلمة «ليجزيهم» متعلقة بفعل مضمر تقديره: فعلوا ذلك، من أجل أن يثيبهم الله ثوابا يكافئ حسن عملهم، فقوله تعالى: أَحْسَنَ ما عَمِلُوا فيه حذف مضاف، تقديره: ثواب أحسن ما عملوا.
ثم وعدهم الله بالزيادة من فضله على ما تقتضيه أعمالهم، فأهل الجنة أبدا في مزيد، قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ١٠/ ٢٦] .
وقال الله تعالى في الحديث القدسي- فيما رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .
ثم ذكر الحق تعالى أنه سبحانه واسع الفضل والإحسان، يرزق من يشاء، ويخصه بما يشاء من رحمته، دون حساب ولا تعديد، وكل تفضل لله فهو بغير حساب، وكل جزاء على عمل فهو بحساب، والله على كل شيء قدير، يمنح من غير حدود، ويعطي من يشاء بلا قيود، وهذه النعمة من صفات الله ، لأن العطاء غير المحدود لا يكون من أحد من البشر أو من المخلوقات، وإنما يكون ممن اتصف بالألوهية، فهو وحده الذي لا تنفد خزائنه، ولا تفنى مصادر غناه.
والخلاصة: إن هاتين الآيتين لتبيان حالة الإيمان والمؤمنين وتنوير الله قلوبهم.
стр. 1753
الذين لا ينتفعون بنور الله تعالى
في كثير من الأحيان يعتمد الأسلوب القرآني عقد موازنة أو مقارنة بين المتقابلات، ليتبين الخير وأهله ومصيرهم، والشر وأهله وعاقبتهم، فبعد أن ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين وحالة الإيمان، وتنوير قلوبهم بنور القرآن، ذكر الله الكفرة وأعمالهم في الدنيا والآخرة، فحال أعمالهم في الآخرة غير نافعة ولا مجدية، وحالها في الدنيا أنها في غاية الضلال والغمّة، مثل حالة تناهي الظلمة وحيرة المترددين فيها، وهذه عاقبة وخيمة، لا يرتضيها عاقل لنفسه، وصف الله سبحانه أحوال الكفار بقوله:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
«١» «٢» »
[النور: ٢٤/ ٣٩- ٤٠] .
نزلت الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان تعبّد في الجاهلية، ولبس المسوح، والتمس الدّين، فلما جاء الإسلام كفر. أو إنها نزلت في شيبة بن ربيعة، وكلاهما مات كافرا.
هذه حالة الكافرين الجاحدين: ضلال وحيرة واضطراب في الدنيا، وخسارة شديدة في الآخرة، ولهم تمثيلان كما ذكر ابن عطية:
الأول منهما: يقتضي حال أعمالهم في الآخرة من أنها غير مجدية ولا نافعة.
стр. 1754
والثاني: يقتضي حالها في الدنيا من أنها في غاية الضلال والغمّة التي مثالها تناهي الظلمة في قوله سبحانه: أَوْ كَظُلُماتٍ.
أما حال أعمال الكفار في الآخرة وهو المثل الأول، فإن أعمالهم الصالحة شبيهة بسراب يراه الإنسان العطشان من بعيد في فلاة من الأرض، فيحسبه ماء، فيأتيه، فلا يجد ما رجاه. والقيعة: هي المنبسط من الأرض، أو جمع قاع، وهكذا حال الكافرين يحسبون أعمالهم نافعة لهم في الآخرة، منجّية من عذاب الله، فإذا جاء يوم القيامة، وقوبلوا بالعذاب، فوجئوا بأن أعمالهم الصالحة مثل صلة الرحم والإحسان إلى الفقراء ونحو ذلك لم تنفعهم، وإنما يجدون زبانية جهنم تأخذهم وتسوقهم إليها سوقا عنيفا، فهم يجدون عذاب الله الذي توعد به الكافرين ينتظرهم، والله سريع الجزاء على العمل السيئ في الدنيا، وهو الكفر بالله، وعصيان أوامر الله، والانغماس في المنكرات.
وقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً يراد به: شيئا نافعا في العطش، أو شيئا موجودا، على العموم، أي فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وقوله سبحانه: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ مجاز، وعنده عائد على العمل.
وفي ذلك توعد وبيان لسرعة الحساب. والمراد: أن الكفار سوف يصطدمون بالخيبة والخسارة في الآخرة، فلا يجدون ما ينفعهم ولا ما ينجيهم.
وأما المثل الثاني: وهو حال الكفار وأعمالهم في الدنيا: فهو أن مثل أو صفة أعمالهم التي يعملونها في الدنيا، مثل ظلمات ثلاث متراكمة، في بحر عميق بعضها فوق بعض، وهي ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، أي إنهم من الضلال في العقيدة ونحوه في مثل هذه الظلمة المجتمعة من هذه الأشياء، وهم في الواقع في ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد الباطل، وظلمة القول الساقط، وظلمة العمل الفاسد.
стр. 1755
والمقصود من هذا المثل: بيان أن الكافر تراكمت عليه أنواع الضلالات في الدنيا، فصار قلبه وبصره وسمعه في ظلمة شديدة كثيفة، لم يعد بعدها قادرا على تمييز طريق الصواب ومعرفة نور الحق. وتراكم هذه الظلمات بعضها فوق بعض في غاية الظلمة، وهو يقتضي مبالغة الظلمة، حتى إن الإنسان إذا مدّ يده، وهي أقرب شيء إليه، لم يكد يراها، فضلا عن أن يراها، ومعنى لَمْ يَكَدْ يَراها: لم يقارب الوقوع، والذي لم يقارب الوقوع، لم يقع، وهذا يقتضي نفي الرؤية جملة.
ومن لم يهده الله لنوره، ولم يوفقه لهدايته، فهو هالك جاهل خاسر، في ظلمة الباطل لا نور له، ولا هادي له. والمراد أن من لم يهده الله في الدنيا لم يهتد، ويلزم منه أنه في الآخرة لا يجد رحمة من الله ولا عفوا، وهذا لا يقتضي الجبر والإكراه، لأن الإنسان في مثل هذا مخيّر، وإنما الضلال وما ينتج عنه من خسران بسبب اختيار وإرادة من الإنسان ذاته.
البراهين الكونية على وجود الله تعالى
أورد القرآن الكريم عدة أدلة على وجود الله، منها الخلق والإيجاد والإعدام للإنسان والحيوان، ومنها أفعال الموجودات في السماء والأرض، ومنها إنزال المطر، وتقليب الليل والنهار، وذلك كله لإقناع الإنسان وهدايته، وتوصله إلى الإقرار بوجود الله وتوحيده، ومعرفة عظمته وقدرته. ولولا فضل الله ورحمته بالناس جميعا، لما نبّه القرآن كلام الله على هذه الأدلة، واقتصر على تشريع الحلال والحرام، إلا أن القرآن العظيم شمل كل شيء من شؤون العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، وأرشد إلى أصول تنظيم المعاملات والعلاقات الاجتماعية، وحالة الوصية والميراث بعد الوفاة، قال الله تعالى مبينا أدلة أربعة على وجوده، منها ثلاثة في هذه الآيات: