[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)
«١» «٢» «٣» [النور: ٢٤/ ٣٦- ٣٨] .
مطلع هذه الآية فِي بُيُوتٍ متعلقة بما قبلها، تقديره كمشكاة كائنة أو مصباح كائن في بيوت أمر الله برفعها بالبناء أو التعظيم، وتطهيرها من النجاسات الحسية كالقذر، والمعنوية كالشرك والوثنية. أو هي متعلقة بمتأخر وهو يسبّح، أي يسبح الله ويقدس له المسبحون في بيوت. والبيوت: هي المساجد المخصوصة لله تعالى التي من عادتها أن تنوّر بذلك النوع من المصابيح. والمعنى: ينزه الله تعالى ويقدسه في الصلاة في المساجد في أوائل النهار وأواخره بكرة وعشيا، صباحا ومساء، والمراد في كل وقت، وفي مجالس الوعظ والذكر، وقراءة العلم، والتفكر والتأمل في ملكوت الله وعظمته.
وقوله سبحانه: تُرْفَعَ معناه تبنى وتعلّى، كما في قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة: ٢/ ١٢٧] ،
وقال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وبقية الكتب الستة والدارمي: «من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة» .
ثم وصف الله تعالى المسبحين، بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى، وطلبهم لرضاه، لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا، فهم رجال ليسوا ماديين نفعيين، بل هم قوم ذوو همة عالية، وعزيمة صادقة، لا تشغلهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله وتقديسه، بل يذكرون الله تعالى، ويقيمون الصلاة جماعة في المساجد،
стр. 1752
ويؤتون الزكاة، يخافون عقاب يوم القيامة، الذي تضطرب فيه القلوب والأبصار، من شدة الفزع والهول. ومقصد الآية: هو وصف هول يوم القيامة. ففي ذلك اليوم الرهيب تكون القلوب والأبصار مضطربة قلقة، متقلبة من حذر هلاك إلى حذر، وذلك كما في آية أخرى، مثل قول الله تعالى: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [إبراهيم: ١٤/ ٤٢] ، وقوله : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) [الدهر: ٧٦/ ١٠] .
وذلك ليجزيهم الله الجزاء الأحسن، أي إن كلمة «ليجزيهم» متعلقة بفعل مضمر تقديره: فعلوا ذلك، من أجل أن يثيبهم الله ثوابا يكافئ حسن عملهم، فقوله تعالى: أَحْسَنَ ما عَمِلُوا فيه حذف مضاف، تقديره: ثواب أحسن ما عملوا.
ثم وعدهم الله بالزيادة من فضله على ما تقتضيه أعمالهم، فأهل الجنة أبدا في مزيد، قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ١٠/ ٢٦] .
وقال الله تعالى في الحديث القدسي- فيما رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .
ثم ذكر الحق تعالى أنه سبحانه واسع الفضل والإحسان، يرزق من يشاء، ويخصه بما يشاء من رحمته، دون حساب ولا تعديد، وكل تفضل لله فهو بغير حساب، وكل جزاء على عمل فهو بحساب، والله على كل شيء قدير، يمنح من غير حدود، ويعطي من يشاء بلا قيود، وهذه النعمة من صفات الله ، لأن العطاء غير المحدود لا يكون من أحد من البشر أو من المخلوقات، وإنما يكون ممن اتصف بالألوهية، فهو وحده الذي لا تنفد خزائنه، ولا تفنى مصادر غناه.
والخلاصة: إن هاتين الآيتين لتبيان حالة الإيمان والمؤمنين وتنوير الله قلوبهم.
стр. 1753
الذين لا ينتفعون بنور الله تعالى
في كثير من الأحيان يعتمد الأسلوب القرآني عقد موازنة أو مقارنة بين المتقابلات، ليتبين الخير وأهله ومصيرهم، والشر وأهله وعاقبتهم، فبعد أن ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين وحالة الإيمان، وتنوير قلوبهم بنور القرآن، ذكر الله الكفرة وأعمالهم في الدنيا والآخرة، فحال أعمالهم في الآخرة غير نافعة ولا مجدية، وحالها في الدنيا أنها في غاية الضلال والغمّة، مثل حالة تناهي الظلمة وحيرة المترددين فيها، وهذه عاقبة وخيمة، لا يرتضيها عاقل لنفسه، وصف الله سبحانه أحوال الكفار بقوله:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
«١» «٢» »
[النور: ٢٤/ ٣٩- ٤٠] .
نزلت الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان تعبّد في الجاهلية، ولبس المسوح، والتمس الدّين، فلما جاء الإسلام كفر. أو إنها نزلت في شيبة بن ربيعة، وكلاهما مات كافرا.
هذه حالة الكافرين الجاحدين: ضلال وحيرة واضطراب في الدنيا، وخسارة شديدة في الآخرة، ولهم تمثيلان كما ذكر ابن عطية:
الأول منهما: يقتضي حال أعمالهم في الآخرة من أنها غير مجدية ولا نافعة.
стр. 1754
والثاني: يقتضي حالها في الدنيا من أنها في غاية الضلال والغمّة التي مثالها تناهي الظلمة في قوله سبحانه: أَوْ كَظُلُماتٍ.
أما حال أعمال الكفار في الآخرة وهو المثل الأول، فإن أعمالهم الصالحة شبيهة بسراب يراه الإنسان العطشان من بعيد في فلاة من الأرض، فيحسبه ماء، فيأتيه، فلا يجد ما رجاه. والقيعة: هي المنبسط من الأرض، أو جمع قاع، وهكذا حال الكافرين يحسبون أعمالهم نافعة لهم في الآخرة، منجّية من عذاب الله، فإذا جاء يوم القيامة، وقوبلوا بالعذاب، فوجئوا بأن أعمالهم الصالحة مثل صلة الرحم والإحسان إلى الفقراء ونحو ذلك لم تنفعهم، وإنما يجدون زبانية جهنم تأخذهم وتسوقهم إليها سوقا عنيفا، فهم يجدون عذاب الله الذي توعد به الكافرين ينتظرهم، والله سريع الجزاء على العمل السيئ في الدنيا، وهو الكفر بالله، وعصيان أوامر الله، والانغماس في المنكرات.
وقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً يراد به: شيئا نافعا في العطش، أو شيئا موجودا، على العموم، أي فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وقوله سبحانه: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ مجاز، وعنده عائد على العمل.
وفي ذلك توعد وبيان لسرعة الحساب. والمراد: أن الكفار سوف يصطدمون بالخيبة والخسارة في الآخرة، فلا يجدون ما ينفعهم ولا ما ينجيهم.
وأما المثل الثاني: وهو حال الكفار وأعمالهم في الدنيا: فهو أن مثل أو صفة أعمالهم التي يعملونها في الدنيا، مثل ظلمات ثلاث متراكمة، في بحر عميق بعضها فوق بعض، وهي ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، أي إنهم من الضلال في العقيدة ونحوه في مثل هذه الظلمة المجتمعة من هذه الأشياء، وهم في الواقع في ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد الباطل، وظلمة القول الساقط، وظلمة العمل الفاسد.
стр. 1755
والمقصود من هذا المثل: بيان أن الكافر تراكمت عليه أنواع الضلالات في الدنيا، فصار قلبه وبصره وسمعه في ظلمة شديدة كثيفة، لم يعد بعدها قادرا على تمييز طريق الصواب ومعرفة نور الحق. وتراكم هذه الظلمات بعضها فوق بعض في غاية الظلمة، وهو يقتضي مبالغة الظلمة، حتى إن الإنسان إذا مدّ يده، وهي أقرب شيء إليه، لم يكد يراها، فضلا عن أن يراها، ومعنى لَمْ يَكَدْ يَراها: لم يقارب الوقوع، والذي لم يقارب الوقوع، لم يقع، وهذا يقتضي نفي الرؤية جملة.
ومن لم يهده الله لنوره، ولم يوفقه لهدايته، فهو هالك جاهل خاسر، في ظلمة الباطل لا نور له، ولا هادي له. والمراد أن من لم يهده الله في الدنيا لم يهتد، ويلزم منه أنه في الآخرة لا يجد رحمة من الله ولا عفوا، وهذا لا يقتضي الجبر والإكراه، لأن الإنسان في مثل هذا مخيّر، وإنما الضلال وما ينتج عنه من خسران بسبب اختيار وإرادة من الإنسان ذاته.
البراهين الكونية على وجود الله تعالى
أورد القرآن الكريم عدة أدلة على وجود الله، منها الخلق والإيجاد والإعدام للإنسان والحيوان، ومنها أفعال الموجودات في السماء والأرض، ومنها إنزال المطر، وتقليب الليل والنهار، وذلك كله لإقناع الإنسان وهدايته، وتوصله إلى الإقرار بوجود الله وتوحيده، ومعرفة عظمته وقدرته. ولولا فضل الله ورحمته بالناس جميعا، لما نبّه القرآن كلام الله على هذه الأدلة، واقتصر على تشريع الحلال والحرام، إلا أن القرآن العظيم شمل كل شيء من شؤون العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، وأرشد إلى أصول تنظيم المعاملات والعلاقات الاجتماعية، وحالة الوصية والميراث بعد الوفاة، قال الله تعالى مبينا أدلة أربعة على وجوده، منها ثلاثة في هذه الآيات:
стр. 1756
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النور:
٢٤/ ٤١- ٤٤] .
هذه بعض أدلة وجود الله وتوحيده وقدرته، أولها: تسبيح المخلوقات. والمعنى:
ألم تعلم بالدليل الواضح أيها النبي وكل مخاطب أن الله ينزهه ويقدسه كل من في السماوات والأرض، من العقلاء وغيرهم، من الملائكة والإنس والجن والجمادات، والطير باسطات قابضات أجنحتها حال طيرانها في جو السماء كيلا تسقط. والجمهور على أن تسبيح الطير والجمادات تسبيح حقيقي، ويراد به التعظيم والتقديس، وذلك بأسلوب يتفق مع طبيعة هذه المخلوقات، وكل واحد مما ذكر قد علم الله صلاته وتسبيحه، أي أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله ، والله تام العلم بجميع ذلك، ولا يخفى عليه شيء من أفعالهم، وهو مجازيهم عليها.
والله تعالى مالك جميع ما في السماوات والأرض، وهو الحاكم المتصرف فيهما، بالخلق والإماتة، وإليه وحده مصير الخلائق ومعادهم يوم القيامة.
الدليل الثاني: إنزال المطر، ألم تعلم أيضا أيها النبي وكل إنسان مخاطب كيفية تكوين المطر وإنزاله، إن الله تعالى يسوق السحاب بقدرته، ثم يجمع ما تفرق من أجزائه في وحدة متضامة، ثم يجعل بعضه متراكما فوق بعض، حتى يتكون منه
стр. 1757
سحاب عال في طبقات الجو الباردة برودة شديدة، فإن الطائرة مثلا التي ترتفع في الجو (٣٥) ألف قدم تكون البرودة حينئذ (٥٠) درجة تحت الصفر. ثم يسوق الله ذلك السحاب بالرياح اللواقح إلى المكان الذي يريد إنزال المطر فيه، ثم ينزل المطر من خلال السحاب، أي من شقوق بين أجزائه.
وينزّل الله من السماء مطرا وبردا من سحب كثيفة متراكمة تشبه الجبال، فيصيب الله بالمطر من يشاء من عباده رحمة لهم، ويحجبه ويمنعه عمن يشاء، ويؤخر الغيث عمن يريد، إما نقمة وإما رحمة حفاظا على الأزهار والثمار والزروع. وجبال البرد إما حقيقة. وإما مجاز يراد به وصف كثرته.
والعجب في هذا خلق الشيء من ضده، وهو النار من البارد، حتى ليكاد برق اصطدام الغيوم من شدته، يخطف الأبصار إذا نظرت إليه، نظرة تحديق. وسنا برقه:
يراد به ضوء ذلك البرق الذي في السحاب. ويذهب بالأبصار: فيه تقدير أي يذهب النفوس بالأبصار.
والدليل الثالث: اختلاف الليل والنهار، أي إن الله يتصرف في الليل والنهار بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وتغير أحوالهما بالحرارة والبرودة، وتعاقبهما بنظام ثابت دقيق. إن في ذلك لدليلا على عظمة الله الباهرة، وعظة لمن تأمل من ذوي العقول والألباب. والتنبيه على تعاقب الليل والنهار واختلافهما طولا وقصرا وارد في كثير من الآيات، مثل قول الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) [آل عمران: ٣/ ١٩٠] .
وقال النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار» .
стр. 1758
هذه الأدلة الحسية البسيطة، يستطيع كل إنسان معرفتها، وإدراك ما فيها من عظمة، ودقة، وإرشاد إلى وجود الله، والتعرف على قدرته.
ضلال المنافقين والكافرين
من العجب الواضح أن بعض الناس يصرون على ضلالهم وكفرهم، على الرغم من الآيات الكونية الحسية والمعنوية الدالة على وجود الله وقدرته وتوحيده، وهؤلاء هم المنافقون وبعض الكافرين، فإن خلق الإنسان والحيوان وخلق الكائنات دليل ساطع على وجود الله وتوحيده، ومع ذلك ترى المنافقين يرفضون في أعماق قلوبهم الإقرار الصادق بالدين الحق، ويتظاهرون بالإسلام، ويبطنون الكفر والعداء، قال الله تعالى واصفا مرض أولئك المنافقين:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٥ الى ٥٠]
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)
«١» «٢» [النور: ٢٤/ ٤٥- ٥٠] .
الدليل الرابع على وجود الله وتوحيده: خلق أنواع الدواب من الماء، الذي هو أصل الخلقة الأول، وتوقف حياة الحيوان عليه، وأن خلقة كل حيوان فيها ماء، وللدواب أنواع، فمنها ما يمشي زحفا على بطنه كالزواحف، ومنها ما يمشي على
стр. 1759
رجلين كالإنسان والطير، ومنها ما يمشي على أربع كالأنعام، والله سبحانه يخلق بقدرته ما يشاء، إن الله قادر على خلق كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ تذكير الضمير لتغليب العقلاء، وبنى على تغليبهم في الضمير التعبير ب «من» الواقعة على من يعقل. وظاهر بعض العبارات يشعر باعتبار التغليب في «كل دابة» وليس بمراد، بل المراد أن ذلك لما شمل العقلاء وغيرهم على طريق الاختلاط، لزم اعتبار ذلك في الضمير العائد عليه وتغليب العقلاء فيه. «١»
ثم عقب الله تعالى على خلقه الأشياء بأنه سبحانه أنزل في القرآن آيات مفصلات، واضحات دالة على وجود الخالق المدبر للكون، وهي كل ما نصب الله تعالى من آية وصنعة للعبرة، وفي كل آية تنبيه وتذكير، والله يرشد إلى تفهم الآيات وتعقلها جميع أولي الألباب والبصائر، ويدلهم إلى الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه.
وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ.. نزلت في بعض المنافقين في بشر المنافق الذي أبى أن يحتكم لرسول الله في أرض، وأراد الاحتكام لكعب بن الأشرف، وخصمه اليهودي جعل يجرّه إلى رسول الله ﷺ ليحكم بينهما.
والمعنى: يقول المنافقون أمام الناس: صدقنا بالله ربا، وبمحمد رسولا، وأطعنا الله فيما قضى، والرسول فيما حكم به، ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكمه، فيناقض قولهم عملهم، وهم في الواقع ليسوا من المؤمنين، وإذا طلبوا إلى تحكيم كتاب الله واتباعه هديه، وإلى الرسول ليحكم بينهم في خصوماتهم، أعرضوا عن قبول حكم الله والرسول، واستكبروا عن اتباع حكمه، وهذا يدلنا على أن حكم الرسول ﷺ هو حكم الله القائم على الحق.
стр. 1760
وإذا كان الحكم في صالح المنافقين جاؤوا لرسول الله سامعين مطيعين، لعلمهم بأنه لا يحكم إلا بالحق، فهم جماعة إذن نفعيون انتهازيون، فهم يعرضون عن حكم النبي ﷺ حينما عرفوا الحق لغيرهم أو شكّوا، ويقبلون حكم النبي ويرضون به، إذا عرفوا أن الحكم لصالحهم. وقوله: «مذعنين» أي مظهرين للانقياد والطاعة، وهم إن فعلوا ذلك فهو حينما أيقنوا بالنجاح.
إن تردد المنافقين بين الإسلام والكفر لأحد الأسباب الآتية: وهي إما أنهم مرضى القلوب بالكفر والنفاق، والمرض ملازم لهم، وإما أنهم شكوا في الدين وفي نبوته ﷺ ، وإما إنهم يخافون أن يجور الله تعالى ورسوله عليهم في الحكم. وترداد هذه الأسباب توبيخ لهم، ليقروا بأحد هذه الأسباب.
وأيا كان السبب فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وبصفاتهم، لذا قال الله تعالى: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي بل إنهم، أي المنافقون هم الظالمون الفاجرون الفاسقون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، لا أنهم يخافون أن يحيف أو يجور الرسول ﷺ ، لمعرفتهم بأمانته وعدله في حكمه، وصونه عن الجور، والحيف: الميل.
أما الرسول ﵊، فإنما يحكم دائما بأمر الله وشرعه، ولا يحيد عن الحق مقدار أنملة، سواء كان الحق لمنافق أو ليهودي أو لغيرهما.
الطاعة المتناهية عند المؤمنين
إن معرفة الله تعالى بوجوده ووحدانيته ونعمائه وأفضاله، تتطلب حبه حبا جما متناهيا، يفوق كل حب، ويسمو فوق كل حب، ويتجرد عن الهوى والمصلحة، والنفعية وتحقيق المطالب، والحب والمعرفة يتطلبان إقرارا وبرهانا واقعيا عليهما، ومحاولة التقرب من الله المحبوب حبا ذاتيا، وطاعة هذا المحبوب، وامتثالا لأوامره
стр. 1761
واجتنابا لنواهيه، وتفانيا مستمرا في الطاعة والامتثال، وحبا للطاعة ذاتها بحيث تقرّ بها العين، وتحلو للفؤاد، وتتناغم في أعماق النفس الإنسانية، وتتفاعل مع أصداء الأفعال والأقوال الصادرة عن الإنسان المحب لربه، وهذا كله يجسده معنى الإيمان الحق بالله ، لذا يصف الله المؤمنين بقوله تعالى:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥١ الى ٥٤]
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
«١» «٢» [النور: ٢٤/ ٥١- ٥٤] .
هذه هي صفة المؤمنين المميزة لهم بحق، قورنت مع صفة المنافقين في آيات سابقة، أما المؤمنون فإنهم قولا وفعلا، ظاهرا وباطنا، يسمعون ويطيعون، وأما المنافقون فطاعتهم مجرد تصنع وتظاهر بالطاعة، مع خلو القلب والنفس من معاني الطاعة الحقيقية.
إن شأن أهل الإيمان الصادقين في إيمانهم: أنهم إذا طالبهم أحد إلى حكم الله ورسوله في منازعاتهم وإلى شرع الله ودينه أن يبادروا إلى القول: سمعنا وأطعنا، فاستحقوا الوصف بالفلاح والنجاة، ونيل الآمال المطلوبة، والسلامة من المرهوب وكل مخيف.
وأكد الله تعالى بشارة المؤمنين بالفلاح في الآخرة والدنيا، بالفوز بكل خير، والأمن من كل شر، في الدنيا والآخرة، فكل من يطيع الله ورسوله في كل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وخاف الله فيما مضى من ذنوبه، واتقاه في مستقبل أيامه، فأولئك
стр. 1762
هم الذين فازوا فوزا ساحقا، في حياة الدنيا وحياة الآخرة. والمفلحون: هم البالغون آمالهم في دنياهم وآخرتهم، وهم أيضا الفائزون في قصب السبق والتنافس مع الآخرين.
ثم قارن الله تعالى حال المؤمنين هذا، بحال المنافقين في كل زمن، فلقد كان أهل النفاق يحلفون للرسول ﷺ مغلّظين الأيمان، مبالغين فيها إلى غايتها أو نهايتها، ومضمون حلفهم: لئن أمرتهم أيها الرسول بالجهاد، والخروج لمواجهة الأعداء، ليخرجن كما طلبت، فكذبهم الله تعالى في هذه الأيمان الكاذبة بقوله:
قل يا محمد لهم: لا تحلفوا، فإن المطلوب منكم طاعة معروفة: هي الصدق باللسان، وتصديق القلب والأفعال، طاعة تعرف منكم، وتظهر عليكم في الظاهر والباطن، هي المطلوبة منكم، أما طاعتكم التي تتظاهرون بها، فهي رديّة كاذبة لا قيمة لها، وأيمانكم كاذبة، واضحة الكذب، فكلما حلفتم كذبتم، كما قال الله تعالى: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) [التوبة: ٩/ ٩٦] .
إن الله مطلع على أعمالكم الظاهرة والباطنة، خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، يعلم بأيمانكم الكاذبة، وبكل ما في ضمائر عباده من الكفر، والنفاق، وخداع المؤمنين، فيجازيكم على كل عمل سوء، وهذا تهديد ولوم ووعيد.
ثم فتح الله باب الأمل لهم، ورغّبهم ورهّبهم، فقل لهم أيها النبي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله، والآية مخاطبة مباشرة لأولئك المنافقين وغيرهم من الكفار، وكلّ ممتنع عن أمر رسول الله ﷺ . وثمرة الطاعة الصادقة معروفة، فإنكم إن تطيعوا هذا الرسول، فيما أمركم به ونهاكم عنه، تهتدوا إلى الحق، لأنه يدعو إلى صراط مستقيم، وليس للرسول سلطان الإكراه والإجبار لأحد، فما على الرسول إلا التبليغ
стр. 1763
البيّن الواضح لأوامر الله ووحيه، وما تحتاجون إليه في مسيرة الحياة، وهذا هو شأن الرسول، كما جاء في آيات أخرى مثل قوله تعالى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد: ١٣/ ٤٠] . وقوله سبحانه: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) [الغاشية: ٨٨/ ٢١- ٢٢] .
تحدد هذه الآيات مهمتين أساسيتين للرسول وللناس، أما مهمة الرسول التي حمّله الله تعالى أمانتها وأوجبها عليه: فهي التبليغ لوحي الإله، ومحاولة إصلاح الناس بالرسالة الإلهية، وإعماله الجهد في إنذارهم وتحذيرهم من مغبة العصيان والمخالفة، وأما مهمة الناس: فهي السمع والطاعة لأمر الله ورسوله، واتباع الحق، وتجنب الظلم والباطل.
وإن الله تعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فإنه سبحانه يعلم علما دقيقا تاما، بأحوال الأيمان الصادرة عن الإنسان، أهي صادقة معبرة عن الحقيقة والواقع أم كاذبة مناقضة لهما؟ ولا تفيد الأيمان الكاذبة شيئا، وإنما تكون وبالا على حالفيها لأنهم كاذبون، وللكذب جزاء مؤكد، كما لترك الإيمان ومعاداة رسالة الرسول ﷺ جزاء آخر، وعقاب أليم في الدار الآخرة.
مقومات أهل الإيمان في الحكم
يتميز المؤمنون الصالحون بأنهم في جميع أحوالهم رسل هداية، ودعاة صلاح وإصلاح، يعبدون ربهم عبادة خالصة لا يشوبها شيء من الإشراك والضلال، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون رسول الحق والهداية، والعدل والفضيلة، ويتجنبون كل فساد وإفساد، وتخريب، وإهانة، وإذلال، أو امتهان لكرامة الإنسان. وهذه المقومات هي التي مكّنت للمؤمنين في الأرض، وعزّزت بقاء
стр. 1764
عقيدة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، قال الله تعالى مبينا هذه الخصائص ليعيها سلاطينهم وحكامهم على الدوام:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٥ الى ٥٧]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)
[النور: ٢٤/ ٥٥- ٥٧] .
سبب نزول هذه الآيات: هو ما
رواه الحاكم والطبراني عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين، لا نخاف إلا الله، فنزلت آية: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ.. الآية.
لا يصح للمؤمنين المجاهدين أن يضجروا من مكافحة الأعداء، ولا ييأسوا من الحظوة بمظلة الإيمان، والبعد من الخوف على أنفسهم، حتى وإن استمروا في حمل السلاح، لأنه في النهاية ستتحقق لهم الثمرة اليانعة، وهي الاستخلاف في الأرض، فقد وعد الله الذين آمنوا بحق، وعملوا صالح الأعمال أن يستخلفهم في الأرض، واستخلافهم: هو أن يملّكهم البلاد، ويجعلهم أهلها، كما جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب، بدءا من خلافة الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، لأنهم أهل الإيمان وعمل الصالحات.
وذلك كاستخلاف الذين سبقوهم في الإيمان والصلاح على الأرض، كداود وسليمان ﵉، وقد تحقق هذا الوعد الإلهي، لأن وعد الله منجّز،
стр. 1765
ففتحت الفتوحات الواسعة، في البلاد المختلفة، في مسيرة الفتح الإسلامي الظافر، ووعد الله المؤمنين أيضا التمكين لدينهم الذي ارتضاه لهم، وهو جعل دين الإسلام مكينا ثابتا في الأرض، قويا عزيزا، مهيبا في كل مكان، مرهوب الجانب من الأعداء، منصورا على الأعداء.
ووعد ثالث: هو تحقيق الأمن ونشر ألوية السلام في ربوعهم، وتغيير حالهم من الخوف إلى الأمن والاستقرار، والسعة والرخاء.
ثم ذكر الله تعالى أحوال أمة القرآن بعد تحقيق العزة والسيادة والأمن، وأول هذه الأحوال: أنهم يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا يخالط إيمانهم أيّ لون من الشرك الظاهر أو الخفي، أما من كفر النعمة، وجحد فضل الله، بعد هذه النعم، فأولئك هم المتصفون بالفسق البعيدون عن الرحمة، الغارقون في الضلال والعصيان.
وثاني أحوالهم في سلطانهم: أنهم يؤدون الصلاة في أوقاتها تامة الأركان والشروط، ويعطون الزكاة المفروضة عليهم، حتى يكون الجميع أقوياء غير فقراء، ويطيعون الرسول فيما أمر به أو نهى عنه، وذلك كله ليرحمهم ربهم، وينجّيهم من عذاب شديد الألم. وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي في حقكم ومعتقدكم، وإطاعة الرسول عامة لجميع الطاعات.
وأما المتنكرون لطاعة الله ورسوله، فهم في خطر وخسران ومصير سيء، فلا تظنن أيها الرسول أن الذين جحدوا برسالتك وكذبوك، يعجزون الله، ويفرون من سلطانه إذا أراد إهلاكهم، بل الله قادر عليهم، ومصيرهم إلى النار الحامية، وبئس هذا المصير مصيرهم، وقبح أو ساء هذا المرجع والخاتمة أو القرار والمهاد مرجعهم، وقوله تعالى: مُعْجِزِينَ معناه فائتين غير مقدور عليهم. والمصير: المرجع.
وهذا تنبيه وتقريع للكفرة، فإنهم ليسوا بمفلتين من عذاب الله تعالى خلافا لما يظنون أو يتوهمون.
стр. 1766
استئذان أفراد الأسرة الواحدة
للإنسان أحوال من صحو وانتعاش، وجدية وانهماك في العمل، واسترخاء وإيثار للراحة من بعد العناء، ولا شك أن حال الإنسان وقت العمل يختلف عن حالته وقت الراحة والنوم، ويؤثر كل إنسان عنده حياء وإيمان ألا يطلع عليه أحد ولو من أولاده، على حالته الخاصة، وظرفه غير المعتاد، لذا أمر الله تعالى الأولاد سواء في حال الصغر أو بعد بلوغ الحلم أن يستأذنوا على آبائهم وأمهاتهم في أوقات ثلاثة: في وقت النوم والراحة قبل صلاة الفجر، وأثناء القيلولة في الظهيرة، وبعد صلاة العشاء، وخفف الله تعالى عن العجائز بترك ارتداء الثياب الظاهرة في البيت.
قال الله تعالى مبينا هذه الأحكام:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٨ الى ٦٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النور: ٢٤/ ٥٨- ٦٠] .
نظّم الله تعالى في هذه الآيات علاقات أفراد الأسرة الواحدة فيما بينهم، فأمر بالاستئذان عند دخول بعضهم على بعض في البيوت، فيجب على الخدم في المنازل من
стр. 1767
الرجال أو النساء ومنهم العبيد والإماء، وعلى الأطفال الصغار قبل البلوغ، أن يستأذنوا عند الدخول على بيوت الآباء والأمهات، ثلاث مرات في اليوم، من قبل صلاة الفجر، لأنه وقت انتهاء النوم في الفراش ليلا، وحين القيلولة أو الاستعداد للنوم وقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، لأنه وقت بداية النوم وخلع الثياب.
إن هذه الأوقات المذكورة هي ثلاث عورات، والعورة: كل ما يجب ستره، ولا يجوز النظر إليه، ولا إثم ولا حرج في ترك الاستئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، وإنما الأمر على الإباحة، تيسيرا للتطواف وأداء الخدمات، فإن هؤلاء الخدم والأطفال الصغار يطوفون عليكم معشر الوالدين في الخدمة وغير ذلك، ويترددون عليكم في الإيناس والمعاشرة، وقضاء الحاجات.
ومثل ذلك التبيين لهذه الأحكام السامية المقصد، يبين الله لكم الشرائع والأنظمة في آياته البينة الواضحة الدلالة على المعاني والمقاصد، والله عليم بأحوال عباده وبما يصلحهم وما يفسد أحوالهم، حكيم في تدبير أمورهم، وتشريع الأصلح لهم.
ويجب أيضا على الأطفال البالغين أن يستأذنوا في المرات الثلاث الآنفة الذكر، سواء مع الأباعد أو الأقارب، وكما بيّن الله هذه الآداب والأحكام بيانا شافيا كافيا، يبين لكم معشر المسلمين أحكاما أخرى، لتحقيق الطمأنينة والاستقرار، والبعد عن المنغصات والأكدار، والله عليم بأحوال عباده، حكيم في معالجة أوضاعهم، وهذا تأكيد لإتمام النعمة من الله بتشريع هذه الأحكام، وتوكيد لمضمون الآية السابقة في حكمها السديد.
ثم أبان الله تعالى حكما خاصا بعجائز النساء في المنازل، وهو أنه لا إثم ولا حرج على كبيرات السن، اللاتي انقطع حيضهن، ويئسن من الولد، ولم يبق لديهن رغبة في الزواج، لا إثم عليهن في تخفيف الملابس، وترك الارتداء الثياب الظاهرة، كالجلباب والرداء والقناع
стр. 1768
فوق الخمار، إذا لم يقصدن إظهار الزينة الخفية، كشعر ونحر وساق، وهو التبرج:
أي الظهور والتكشف، ولم يكن فيهن جمال أو حسن ظاهر، ولكن الاستعفاف، والاحتياط بالستر، وإبقاء الثياب المعتادة خير وأفضل لهن، والله سميع لأحاديثهن، وكلامهن مع الرجال، عليم بمقاصدهن، ولا تخفى عليه خافية من أمورهن.
رفع الحرج عن ذوي الأعذار في الجهاد وغيره
لا تكلّف ولا مشقة في شرع الله ودينه، وإنما الطاعة بقدر الطاقة، وتزول الكلفة بالألفة أو المحبة، والقرابة والصداقة، سواء في الأكل من البيوت بلا إذن، أو تناول الطعام جماعة أو فرادى، والتحية المتبادلة: عنوان المحبة والسلام والاطمئنان، حتى في حال الدخول إلى منزل الإنسان، وتلك شريعة الخلود وشريعة أحكم الحاكمين التي تنبئ عن التسامح والتيسير، والتآلف وحسن الظن، وإشاعة المحبة، ودفع الحرج والمشقة التي قامت عليها الشريعة الإسلامية. قال الله تعالى مبينا هذه الآداب:
[سورة النور (٢٤) : آية ٦١]
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)
«١» [النور: ٢٤/ ٦١] .
стр. 1769
جمعت الآية بين مبدأ دفع الحرج عن أصحاب الأعذار، وبين إباحة المطاعم بين الأقارب والأصدقاء، وبين إفشاء التحية المباركة الطيبة، وتلك آداب كريمة عالية، في المباحات التي لا تتصل بالعقائد والعبادات.
وسبب النزول كما اختار ابن جرير الطبري: قال سعيد بن المسيب: أنزلت هذه الآية في أناس كانوا إذا خرجوا مع النبي ﷺ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.
وظاهر الآية وأمر الشريعة: أن الحرج مرفوع عن ذوي الأعذار (الأعمى والأعرج والمريض) ولا سيما في القيام بواجب الجهاد، والأكل من بيوت الأقارب والأصدقاء من غير استئذان.
والمعنى: ليس على الأعمى والأعرج والمريض إثم ولا ذنب في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، وتعذر الاسهام بشيء من واجبات الجهاد في ساحات الوغى ومواجهة الأعداء، كما أنه لا إثم عليهم في الأكل من بيوت القرابات والأصدقاء، في حال غيبتهم عن دورهم، وائتمان أحد هؤلاء على المفاتيح ونحوها.
كذلك لا إثم على الناس في الأكل من بيوتهم الخاصة، ويشمل ذلك بيوت الأبناء، وإن لم يرد ذكر لها في الآية، لأن بيت ابن الرجل بيته، ومال الولد بمنزلة مال أبيه، ولا حرج أيضا على الأصحاء في أن يأكلوا مع أصحاب الأعذار، مواساة لهم، وتواضعا معهم، وإشعارا بأنهم سواء مع غيرهم دون وجود نظرة ترفع أو تأفف أو تخوف من المرض وغيره.
وأباح الله تعالى الأكل من بيوت أحد عشر موضعا: وهي بيوت الآباء،
стр. 1770
والأمهات، والإخوة، والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والذين استأمنوا ذوي العذر على المفاتيح، أي جعلوا مفاتيح بيوتهم في أيديهم وحفظهم، فيعد ذلك إذنا لهم في الأكل من غير ادخار ولا حمل، في حال عدم الأجر على العمل، وكذا بيوت الأصدقاء لارتفاع الكلفة بينهم، وتصافي الود والتعامل معهم.
وأباح الله سبحانه أيضا تناول الأكل مجتمعين على طعام واحد، أو فرادى متفرقين.
روى ابن ماجه عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا جميعا، ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة» .
ويستحب للداخل على بيته: السلام على أهل البيت الذين هم بمنزلة الداخل في الدين والقرابة، فتكون التحية بركة عليهم، لأنها تحية ثابتة بأمر الله تعالى، مشروعة من لدنه، مباركة، أي يرجى منها زيادة الخير والثواب، وطيبة، أي يطيب بها قلب المستمع وتهدأ نفسه، والتحية: دعاء بالسلامة والأمن، والخير، وزيادة الرزق للمسلّم عليه.
وكما بيّن الله تعالى بيانا شافيا شرائعه وأحكامه في الاستئذان عند الدخول وغير ذلك من الآداب الإسلامية، يبين ويفصل لكم أيها المؤمنون الآيات التي تحل الحلال، وتوضح المأذون فيه، لكي تتدبروها وتفهموها وتعقلوا حكمتها التشريعية.
الاستئذان عند الخروج أو الوداع
أحاط الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بهالة من الهيبة والتشريف والتقدير، لأنه رسول الله، فأدّب المؤمنين في خطابه والتحدث معه، فلا يخاطب باسمه بأن يقال: يا محمد، وإنما يقال: يا رسول الله، ويغضّ الصوت أثناء مكالمته، فلا يجهر المتحدث فوق
стр. 1771
صوته، ولا يكون الكلام معه كالكلام المعتاد بين الناس، ويلزم المؤمن اتباع ما أمر به الرسول واجتناب ما نهى عنه. وإذا غادر الجالس مجلس النبي، فعليه الاستئذان منه قبل الخروج لرفع الظن السيئ به. وهذه آداب للجماعة الإسلامية، تطلب مراعاتها على وجه الإلزام، للأمر الإلهي بها، قال الله تعالى:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [النور: ٢٤/ ٦٢- ٦٤] .
نزلت هذه الآيات أثناء حفر الخندق حول المدينة المنورة، بجهد النبي ﷺ وتعاون أصحابه، فكان الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة، من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، ويستأذنه في اللحوق لحاجته، فيأذن له، وإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ ...
ونزول آية لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ.. نزلت حينما كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فأنزل الله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله.
стр. 1772
تضمنت الآيات الكريمة ثلاث آداب إلزامية اجتماعية وهي:
أولا- استئذان النبي عند الخروج: إنما المؤمنون كاملو الإيمان إذا كانوا مع رسول الله ﷺ في أمر اجتماعي ذي مصلحة عامة، كصلاة جمعة أو جماعة أو عيد، أو مشاركة في قتال عدو، أو تشاور في أمر خطير، فعليهم استئذان النبي، حين انصرافهم من مجلسه كالاستئذان عند الدخول، فأولئك المستأذنون هم المصدقون حقا بالله ورسوله، فأدب الإسلام اللازم في ذلك ألا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه.
فإذا استأذنوك لبعض شؤونهم أو مهامهم، فأذن لمن تشاء منهم، على وفق الحكمة والمصلحة، فقد استأذن عمر بن الخطاب ﵁، في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له. ومع الإذن للمستأذن اطلب أيها الرسول من الله تعالى أن يغفر للمؤمنين ما قد يصدر عنهم، من زلات أو هفوات، إن الله واسع المغفرة لذنوب عباده المؤمنين التائبين، وواسع الرحمة بهم، فلا يعاقبهم بعد التوبة.
ثانيا- أدب الخطاب مع النبي: أيها المؤمنون لا تدعوا رسول الله في خطابه باسمه بأن تقولوا: يا محمد، يا ابن عبد الله، ولكن عظمّوه، وقولوا له: يا نبي الله، يا رسول الله، مع التوقير والتعظيم، والصوت المنخفض والتواضع، فإن الله تعالى يعلم يقينا- وقد في الآية: للتحقيق- أولئك الذين يتسللون من المسجد أو غيره، أي يخرجون خفية، واحدا بعد الآخر، دون استئذان من النبي، يتستر بعضهم ببعض أو بشيء آخر، لأن الله تعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وسبب ذلك أنه إذا استأذن مسلم للخروج، قام المنافق إلى جنبه يستتر به، فأنزل الله الآية.
ثالثا- التحذير من المخالفة: ليحذر أو ليخش من خالف شريعة رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، وليحذر كل إنسان مخالفة أمر الرسول وطاعته، فمن خالف أمر الله ورسوله، تعرض لعذاب الله ونقمته، وهذا عام لكل مخالف.
стр. 1773
ثم ختم الله تعالى سورة النور وهذه الآيات المشتملة على الآداب الاجتماعية بأن الله تعالى مالك السموات والأرض، وعالم الغيب والشهادة، يعلم كل ما لدى العباد من سر وجهر، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين، وإن حاولوا سترها وكتمانها. وإن الله تعالى يخبر عباده يوم القيامة، بما أبطنوا من سوء الأعمال، وسيجازيهم جزاء أوفى بما قدموا وما أخروا، والله محيط علمه بكل شيء من الأشياء، ويوفره ويخبر به عباده يوم الحساب الأكبر وفصل القضاء الأعظم.
стр. 1774
تفسير سورة الفرقان
العبودية لله وحده
ليس في هذا الوجود إلا خالق ومخلوق، والخالق: هو المبدع منزل الشرائع، ومالك السموات والأرض، وخالق الأشياء كلها، والقادر على الضر والنفع، والإحياء والإماتة والبعث والنشور، والمخلوق: هو العاجز الموجود من قبل خالقه الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فكان بأمس الحاجة إلى الخالق، وإذا كان الخالق وهو الله تعالى هو المالك الموجد الرازق، والمخلوق: هو المحتاج الفقير إلى ربه، كان لا بد له من الإذعان لخالقه في عبادته وحده لا شريك له، وأنه لا معبود بحق في الوجود سوى الله سبحانه، وهذا ما تقرره وتوضحه الآيات الآتية في مطلع سورة الفرقان المكية:
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [الفرقان: ٢٥/ ١- ٣] .
في فاتحة هذه السورة يصف الحق تعالى نفسه بالجلال والجمال والكمال، والتنزيه
стр. 1775
عن صفات النقصان، في قوله سبحانه: تَبارَكَ ومعناه: تزايد خيره وكثرت بركاته ونعمه، وهو فعل مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره. ومن بركات الله تعالى وأعظمها: إنزال كتابه الذي هو الفرقان الفارق بين الحق والباطل، على عبده محمد الرسول، ليكون نذيرا منذرا للعوالم كلها من إنس وجن بسوء المصير إذا خالفوه وعارضوه. وهو أيضا بشارة للمؤمنين الصالحين بحسن العاقبة، والخلود في الجنان إذا هم اتبعوه وعظموه وكلمة عَلى عَبْدِهِ: هو رسول الله. والفرقان: هو القرآن الذي فرق الله به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والحضارة والفساد، ولِلْعالَمِينَ عام في كل إنسي وجني، وهو دليل على عالمية شريعة القرآن، وأنها تشمل جميع الأجناس البشرية، ولا تختص بالعرب وحدهم.
وهذه الآية رد على مقالات قريش حين قالوا: «إن القرآن افتراء محمد، وإنه ليس من عند الله» . ثم أكد الله تعالى انفراده بإنزال القرآن ببيان اتصافه بصفات الجلال والعظمة وهي أربع:
١- إنه المالك المطلق لجميع ما في السموات والأرض، يملك الخلق والإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والأمر والنهي على منهج الحق وعلى وفق الحكمة والمصلحة. وهذا دليل وجود الله تعالى ووحدانيته في الخلق والتدبير وهي وحدانية الربوبية، ووحدانيته في وجوب العبادة لله وحده وهي وحدانية الألوهية.
٢- ليس لله ولد مطلقا، ولم يتخذ ولدا، لعدم حاجته إليه، فهو المنزّه عن الوالد والولد، والصاحبة، لاتصافه بالكمال، وتنزهه عن صفات النقصان.
٣- وليس لله أيضا شريك في ملكه وسلطانه، فهو وحده المعبود بحق، والجدير بالعبادة، والمتفرد باستحقاق العبودية، والتوجّه بهذه العبودية لله تعالى يشعر الإنسان بالعزة والكرامة، ويملأ النفس خوفا من المتصف بالعظمة والجلال، ويجعل الرجاء
стр. 1776
والأمل بالله المعبود، فينشر في النفس الطمأنينة، ويزرع فيها الثقة، ويتوقع بها كامل الرحمة والفضل الإلهي بالنعمة الشاملة.
وهذا رد على فئة الثنوية القائلين بوجود إلهين اثنين: وهما النور والظلمة، وعبدة النجوم والكواكب من الصابئة، وعبدة الأوثان من مشركي العرب وغيرهم الذين عبدوا مع الله إلها آخر ليقربهم إليه زلفى.
٤- وخلق الله كل شيء، وهذا عام في كل مخلوق، وأوجده بتقدير معين، متناسب الأجزاء، وتقدير الأشياء: هو حدّها بالأمكنة والأزمان والمقادير، والمصلحة، والإتقان، فسبحان من أبدع الخلق بنظام متناسق متناسب بديع.
وأما الوثنيون وأمثالهم: فإنهم اتخذوا من دون الله آلهة مزعومة، لا تستحق الألوهية لأسباب أربعة: وهي أنها عاجزة عن خلق شيء، والإله بحق هو الخالق الموجد، وهي مخلوقة، والمخلوق محتاج، وهي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، والإله هو القادر على الضر والنفع، وهي لا تملك الإماتة والإحياء، ولا النشور، أي إعادة الأجساد حية من القبور، فالنشور: هو الإحياء بعد الموت للحساب، أو بعث الناس من القبور، والمخلوق: لا يملك ذلك.
ومن المعلوم أن الأصنام مخلوقة، يخلقها البشر بالنحت والتصوير، وهذا أشد إبداء لخساسة الأصنام.
إن الفرق واضح إذن بين الخالق المستحق وحده للعبادة وهو مالك السموات والأرض، وخالق جميع الأشياء بتقدير دقيق وتناسب بديع، وبين المخلوقات الضعيفة بنفسها، العاجزة عن جلب الخير ودفع الضر، التي لا تستطيع فعل شيء، ولا سلب شيء.
стр. 1777
الطعن في القرآن والنبي
يتسرع الجهلة والأغبياء عادة في الحكم على الأشياء، فيصفونها بصفات باطلة، معتمدين على مجرد الأوهام، جامدين على ما هم عليه من انحراف وضلال. وهكذا كان شأن كفار قريش حين ظهور دعوة الإسلام وتنزل الوحي على قلب النبي ﷺ ، تسرعوا في وصف القرآن الكريم الموحى به من الله تعالى بأنه مختلق مكذوب وأسطورة، وتورطوا في وصف النبي ﵊ بأنه مجرد ناسخ، انتسخ القرآن وأخذه عن علماء أهل الكتاب، فهو يملى عليه في الصباح وفي المساء. فرد الله تعالى على هاتين الشبهتين ببيان كون القرآن كلام الله المنزل على رسوله الأمين، وليس هو مفترى من عند محمد ﷺ . أخبر الله تعالى عن هذه الشبهات، وطريق الرد عليها، فقال سبحانه:
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤ الى ٦]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [الفرقان: ٢٥/ ٤- ٦] .
نزلت الآية كما ذكر ابن عباس في النضر بن الحارث الذي قال: القرآن أساطير الأولين، وردّد مشركو قريش مقالته، فقالوا: كل ما في القرآن من ذكر أساطير الأولين، فإنما هو بسبب النضر بن الحارث المشهور في ذلك، ثم رموا محمدا ﷺ بأنه اكتتبها.
والآيات تضمنت بيان شبهتي قريش والرد عليهما. أما الشبهتان فهما:
стр. 1778
أولا- قال كفار قريش: ما هذا القرآن إلا كذب واختلاق، اختلقه محمد ﷺ واستعان على جمعه بقوم آخرين من أهل الكتاب الذين أسلموا فيما بعد. فأجابهم الله تعالى بأنهم أتوا بما هو ظلم بيّن، وقول باطل مكذوب مفترىّ على ربهم، وهذا أشبه بمنطق الصبية الذين يعجزون عن مقاومة الشيء، فيصفونه بأنه وهم فاسد، وزور محض، وكلام ساقط، والحقيقة الساطعة عكس ذلك.
ثانيا- قال كفار قريش أيضا: إن هذا القرآن مجرد أكاذيب المتقدمين، وأحاديث السابقين المسطرة في كتبهم، اكتتبها محمد عن طريق أهل الكتاب: وهم في قول مجاهد: قوم من اليهود، وفي قول ابن عباس: عبيد من الفرس كانوا للعرب، أحدهم أبو فكيهة مولى الحضر مبيّن، وجبر، ويسار، وعدّاس، وغيرهم، فهي تقرأ عليه صباح مساء، أي دائما، وخفية، ليحفظها، ثم يعلنها، فأخبر الله تعالى أنهم ما جاؤوا إلا إثما وزورا، أي ما قالوا إلا بهتانا وزورا، والزور: تحسين الباطل، فإنهم عرفوا محمدا في صغره وشبابه بأنه الصادق الأمين، لا يصدر عنه شيء من الافتراء والأباطيل.
ثم أجابهم الله تعالى بأمر نبيه أن يقول لكفرة قريش ردا على أباطيلهم: لقد أنزل الله تعالى القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين، وذلك بصدق وواقعية، لا مجال لأحد من البشر في الإتيان به، والله الذي أنزل القرآن، يعلم السرائر كلها مهما دقّت أو خفيت، كما يعلم بالظواهر، وإن الله الذي أنزل القرآن رحمة بالعباد:
هو المتصف بالمغفرة الواسعة والرحمة الشاملة. والإتيان بهذين الوصفين: «الغفور الرحيم» لفتح باب الأمل والتوبة، ليرجع الجاحدون عن جحودهم، ويتوبوا على تقصيرهم، ويتجنبوا كل آفات ضلالهم. وهذا شأن المصلح والمربي الناجح، لا يلجأ لأول وهلة للعقاب المادي، وإنما يترفع ويسمو عن أخطاء الأدنياء، فيتحقق النجاح
стр. 1779
المنشود في الإصلاح والإبقاء، والبعد عن الإفناء والتدمير، وقد تكرر هذا المنهج التربوي الرفيع في آيات القرآن الكريم، مثل قول الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) [المائدة: ٥/ ٧٣- ٧٤] .
وهذا إعلان واضح بأن التوبة الصادقة تسقط الذنوب السابقة، لأن الله غفار لمن تاب، رحيم بمن أناب.
طعن آخر بالنبي
تابع المشركون في بطحاء مكة طعونهم بالنبي محمد ﷺ ، جحودا برسالته، وتنفيرا عن اتباعه، فتصوروا أن الرسول النبي ينبغي أن يكون ملكا من الملائكة، ولا يصح أن يكون مجرد بشر عادي يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وإذا كان الرسول من البشر، فلماذا يكون فقير الحال؟ ولم لا يكون مؤيدا بالحرس والأعوان، يعيش في قصر شامخ، وبستان مثمر ممتع، وتكون يده ملأى بالكنوز المترعة، والأموال الوفيرة؟
حكى القرآن الكريم هذه الأخبار، ورد عليها ردا مفحما، يقطع ألسنة الجاحدين المستكبرين، فقال الله تعالى:
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٧ الى ١٠]
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠)
«١» «٢»
стр. 1780
[الفرقان: ٢٥/ ٧- ١٠] .
ذكر ابن إسحاق وغيره أن سادة قريش كعتبة بن ربيعة وأبي سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وغيرهم قالوا: يا محمد، إن كنت تحبّ الرياسة، ولّيناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا، فلما أبى رسول الله ﷺ رجعوا في باب الاحتجاج عليه، وقالوا: مالك وأنت رسول من الله تأكل الطعام، وتقف بالأسواق تريد التماس الرزق؟ أي من كان رسول الله فهو مستغن عن جميع ذلك. ثم قالوا له: سل ربك أن ينزل معك ملكا ينذر معك، أو يلقى إليك كنز من الذهب تنفق منه، أو يردّ لك جبال مكة ذهبا، أو تزال الجبال، ويكون مكانها جنات تجري فيها الأنهار، فنزلت هذه الآية.
المعنى: هذه خمس شبهات أخرى حول النبي، وجهها المشركون، تتعارض في زعمهم مع صفة النبوة، وهي:
١- قال المشركون: لا ميزة لهذا النبي الذي يدعي الرسالة علينا، فهو يأكل الطعام كما نأكل، ويحتاج لما نحتاج إليه، أي إنه ينبغي أن يكون ملكا.
٢- وهذا النبي يمشي في الأسواق كما نمشي، طلبا للتكسب والرزق، فلا فضل له علينا، وهو مثلنا، فمن أين يكون تميزه علينا؟
٣- وهلا أنزل عليه ملك من عند الله، فيشهد على صدق ما يدعيه، ويرد على من خالفه؟! ٤- وهلا ألقي عليه كنز من السماء، فينفق منه، فلا يحتاج للتردد على الأسواق، لطلب الرزق والمعاش؟! ٥- وإن لم يكن له كنز، فهلا يكون له بستان يأكل منه، ويعيش من ثمراته وغلاله؟!
стр. 1781
وهذه الأوصاف المادية مستمدة من صفات أهل السلطة والنفوذ من الملوك والأمراء والحكام. وفاتهم أن الرسالة الإلهية شيء آخر فوق البشرية، ثم طعنوا في عقلية النبي ﷺ ، فقالوا أي كفار قريش:
٦- ما تتبعون إلا رجلا مسحورا، مختل العقل، لا يدرك ما يقول، فكيف يطاع فيما يأمر؟! أجاب الله تعالى عن هذه الشبهات ببيان التعجب من طرحها، قائلا: انظر أيها النبي مسريا عن نفسك، ومتعجبا لما يقول هؤلاء المشركون، وتأمل بتلك الأمثلة والأشباه، فهي أقوال باطلة، وأوصاف مفتراة، فلا يجدون طريقا للهدى والاستقامة ومعرفة الحق. إنهم أخطئوا الطريق فلا يجدون سبيلا لهداية، ولا يطيقونه لتلبسهم بضده من الضلال.
إن شبهات مشركي مكة حول النبي ضعيفة ساقطة، لا تستحق الرد العلمي عليها، وجوابها إجمالا ما سبق، وأما تفصيلا فهو:
تعاظم الله وتكاثر خيره، فهو سبحانه إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما اقترحوا أو طلبوا، وهو أن يعجل لك مثلما وعدك به في الآخرة من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، ومن القصور الشامخة النادرة، وأن يؤتيك خيرا مما يقولون في الدنيا، ويكون أفضل وأحسن. ولكن الله تعالى ادخر لك العطاء في دار الآخرة الخالدة، لا في الدنيا الزائلة، حتى لا تشتغل بالدنيا عن الدين، وأداء مهمة تبليغ الرسالة، وما عند الله خير وأزكى، وأدوم وأبقى.
стр. 1782
إنكار المشركين القيامة
إن من أهم الأسباب التي كانت وراء تكذيب النبي ﷺ من قومه قريش إنكارهم يوم القيامة وعدم فهمهم للحق، فهذا أساس كفرهم، فلو أنهم آمنوا بالبعث يوم القيامة، وقدروا خطورة المساءلة والحساب، لدفعهم الإيمان إلى التصديق برسالة هذا النبي وبما أنزل الله عليه في القرآن، وترتب على هذا التكذيب للرسالة الإلهية وإنكار القيامة استحقاقهم للعذاب الشديد في الآخرة، في نار السعير ذات التغيظ والزفير، قال الله تعالى واصفا هذه الأحداث الغيبية:
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١١ الى ١٦]
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥)
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)
»
«٢» «٣» «٤» [الفرقان: ٢٥/ ١١- ١٦] .
ليس المهم في تكذيب المشركين لرسالتك أيها النبي مشيك في الأسواق، بل إنهم كفرة رافضون الحق، منكرون يوم القيامة، فذلك هو الذي يحملهم على أقوالهم الساقطة، لأن من لا يؤمن بالقيامة وبالحساب والجزاء فيها، يتسرع في التورط بتكذيب الوحي الإلهي، من غير تقدير للعواقب، ولقد هيأنا لمن كذب بالقيامة وما فيها من حساب وجزاء نارا شديدة الاستعار أو الالتهاب. وأهوال نار القيامة ذات صفتين غريبتين:
الأولى: إذا كانت النار في مرأى الناظر من بعيد، سمعوا صوت غليانها الدال على
стр. 1783
التغيظ، لشدة التهابها، وصوت الزفير: وهو صوت ممدود كصوت الحمار المرجّع في نهيقه، والتغيظ: احتدامات في النار كنار الدنيا.
الصفة الثانية: إذا ألقي الكفار في النار في مكان ضيق، مقرّنين، أي مربوط بعضهم إلى بعض، صاحوا واستغاثوا قائلين: يا ثبورنا أي يا ويلنا، ويا هلاكنا احضر، فهذا وقتك، والمقصود بالمكان الضيق من النار: التضييق عليهم من المكان في النار، وذلك نوع من التعذيب.
قال ﵊ فيما رواه ابن أبي حاتم: «والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط»
أي يدخلون كرها وعنفا. وقوله تعالى: دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً الثبور: الهلاك أو الويل، وهو مصدر، ومفعول: «دعوا» محذوف، تقديره: دعوا من لا يجيبهم. لذا قال الله تعالى: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) أي يقال لهم على معنى التوبيخ والاعلام بأنهم مخلّدون: لا تقتصروا على حزن واحد، بل أحزنوا كثيرا، لأنكم أهل لذلك. وإنكم إن وقعتم في الهلاك، فليس هو هلاكا واحدا، وإنما أنواع كثيرة من الهلاك، إما لتنوع ألوان العذاب، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدّلوا غيرها. والمقصود تيئيسهم من الخلاص من العذاب بالهلاك، والتنبيه إلى أن عذابهم أبدي، لا خلاص منه.
وإذا كانت هذه أوصاف العذاب الأخروي للكفار، فقل يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين سيتعرضون لهذه الأحوال من النار، على جهة التوبيخ واللوم، والتوقيف والتهكم والتحسر: أهذا العذاب الذي وصفت لكم أفضل وأكرم أم نعيم جنة الخلد الذي يدوم إلى الأبد، وقد وعدها المتقون الأبرار، الذين أطاعوا الله فيما أمر به، وانتهوا عما نهى عنه، وكانت تلك الجنة لهم جزاء طاعتهم في الدنيا، ومصيرهم أو مآلهم الحسن.
стр. 1784
وللمتقين في جنة الخلد ما يشتهون من الملاذ المادية من طعام وشراب ومسكن ومركب ومنظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ورضوان من الله أكبر من كل ذلك، وهم في النعيم خالدون إلى الأبد، بلا انقطاع ولا زوال، وهذا دليل على تحقيق الرغبات كلها. وكان تحقيق هذا الجزاء الذي تفضل الله به عليهم، وأحسن به إليهم وعدا منجزا من الله، لا بد من وقوعه، ووعدا واجبا، وجديرا بأن يسأل ويطلب، كتبه الله على نفسه، وحق لنا طلب إنجازه، كما قال الله تعالى: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) [آل عمران: ٣/ ١٩٤] .
حشر المشركين مع آلهتهم
إن أصعب شيء على الإنسان في تحقيق مراده هو خيبة الآمال، وانقطاع الرجاء، وانعدام النصراء لتحقيق المطلوب، ويؤدي ذلك إلى نوع من القلق والحيرة، والتعذيب النفسي، والإحباط ومحاولة البحث عن البديل، وكان من الإنصاف والإخبار بالحق: أن الله تعالى أخبر عن مفاجأة الكفار بالإحباط يوم القيامة، حيث يحشرون مع آلهتهم المزعومة، لمناقشتهم أمامهم عن الذي أضل الآخر، فيتبرأ المعبودون المتبوعون من العبدة الأتباع، ويفاجأ العابدون بأنهم لن يجدوا بديلا ولا نصيرا لهم، قال الله تعالى مصورا هذا الموقف المؤلم.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١٧ الى ١٩]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩)
стр. 1785
«١» «٢» [الفرقان: ٢٥/ ١٧- ١٩] .
هذا مشهد من مشاهد القيامة، يتميز بالمواجهة الفعلية بين العابدين والمعبودين، ويتم فيه تقريع الكافرين في عبادتهم غير الله تعالى.
والمعنى: اذكر أيها النبي الرسول لأولئك المشركين يوم يجمعهم الله مع معبوديهم من الإنس، والملائكة، والأصنام التي ينطقها الله، فيقال للمعبودين على سبيل التقرير والتثبيت: أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال حقا، أم هم ضلوا السبيل الصحيح بأنفسهم، وعبدوكم من أنفسهم، دون توجيه أو دعوة منكم لهم؟! وقوله تعالى: وَما يَعْبُدُونَ يراد به كل شيء عبد من دون الله، فغلّب العبارة عما لا يعقل من الأوثان، لأنها كانت الأغلب وقت المخاطبة.
وظاهر السؤال: «أأنتم» من الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى. فأجاب المعبودون بلسان المقال أو الحال على طريق التعجب مما سئلوا عنه: «سبحانك» .
أي تنزيها لك يا رب مما نسبه إليك المشركون، وما كان يصح لنا بحال أن نتخذ أنصارا من دونك، فنحن الفقراء إليك، وليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك، فنحن ما دعوناهم إلى عبادتنا، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن أبرياء منهم ومن عبادتهم، ولكن طال عليهم العمر، وانشغلوا بالتمتع باللذات والشهوات، هم وآباؤهم، حتى نسوا ما أنزلته إليهم على
стр. 1786
ألسنة الرسل من الدعوة لعبادتك وحدك لا شريك لك، وكانوا قوما لا خيرا فيهم، وهلكى لا نجاة لهم.
فقال الله تعالى للعابدين: لقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء مناصرون، وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى، فلا يقدرون، أي الآلهة المزعومة على صرف العذاب عن العابدين، ولا الانتصار لأنفسهم بحال من الأحوال. وذلك كما جاء في آية أخرى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) [الأحقاف: ٤٦/ ٥- ٦] .
وقوله تعالى: فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً معناه: لا تستطيعون أيها العابدون غير الله ردّ التكذيب أو العذاب، ولا مناصرة أنفسكم بنصير ما.
ثم خاطب الله الكفار بقوله: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ.. أي ومن يشرك بالله، لأن الظلم هو الشرك، والظالمون: هم المشركون كما جاء في آية سابقة (الفرقان ٨) وقد يشمل اللفظ أهل الفسق، فيكون المعنى: من يشرك بالله أو يكفر أو يفسق، نذقه يوم القيامة عذابا شديدا، لا يعرف قدره، وعذابا أكبر من أي عذاب آخر. وقد استعمل الظلم في الإشراك في قول الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:
٣١/ ١٣] . واستعمل في الفسق في قول الله سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ٤٩/ ١١] .
إن أدنى نظرة تأمل وتعقل في هذا المشهد يدل لأهل العقول السليمة على أن عبادة غير الله أو مع الله: ضلال وانحراف وعديمة الجدوى، وأن عقد الآمال على شفاعة الآلهة المعبودة من غير الله سراب خادع، وضلال واضح.
стр. 1787
الرسل بشر لا ملائكة
إن أبسط مبادئ الرسالة أو السفارة أن يكون الرسول أو السفير من جنس المرسل إليهم، لتحقيق أهداف الرسالة من أيسر الطرق، وتمكين الرسول والمرسل إليه من النقاش والحوار المؤدي للغاية، لذا كان الأنبياء والرسل من جنس البشر المرسل إليهم، بل من أقوامهم وإخوانهم، أو من بني جلدتهم وعشيرتهم، حتى يكون اللقاء أو الخطاب مثمرا، ولكن المشركين من عهد نوح ﵇ إلى عهد خاتم النبيين محمد بن عبد الله ﷺ اشتبه عليهم أمر الرسالة، وظنوا أن الرسول ينبغي أن يكون من جنس أسمى أو أعلى من المرسل إليه، فأنكروا بشرية الرسل، وطالبوا بأن يكون النبي المرسل أحد الملائكة، أخبر القرآن الكريم عن هذه التطلعات في قول الله تعالى:
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١)
«١» «٢» [الفرقان: ٢٥/ ٢٠- ٢١] .
قال ابن عباس ﵄ فيما أخرجه الواحدي وابن جرير الطبري، لما عير المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة، وقالوا: «ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق» حزن رسول الله ﷺ ، فنزل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
ومفعول «أرسلنا» محذوف، يدل عليه الكلام، تقديره: رجالا أو رسلا، وعلى هذا المفعول المحذوف المقدّر، يعود الضمير في قوله: إِلَّا إِنَّهُمْ.
والمعنى: إن جميع الرسل المرسلين من عند الله كانوا بشرا يأكلون الطعام، للتغذي
стр. 1788
به، ويمشون في الأسواق للتكسب والاتجار، ولا يغض ذلك من شأنهم ولا يمسّ أقدارهم، ولا يتنافى مع أحوالهم ومناصبهم، ولقد اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم الطائع من العاصي، أي إن الله سبحانه أراد أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض في الجملة في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الشاكر فتنة للغني، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، إن هذا التقابل مدعاة للعبرة، لأن الأشياء تتميز بأضدادها، لذا قال الله تعالى: أَتَصْبِرُونَ أي هل تصبرون أيها المؤمنون أو لا؟ اصبروا على ما أراده الله لكم، وكان ربك أيها الرسول بصيرا بمن يصبر وبمن يجزع، وبمن يستقيم وبمن ينحرف ويضل.
قال مقاتل: إن الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص ابن وائل وغيرهم من أشراف قريش حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن مسعود، وعمارا، وبلالا، وصهيبا، وسالما مولى أبي حذيفة، قالوا: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟! فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: أَتَصْبِرُونَ؟ أي على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر، والجهد والإيذاء، كأنه تعالى جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين.
ورتب المشركون على إنكار بشرية الرسل بديلا فقالوا: هلا أنزل علينا الملائكة، كما تنزل على الأنبياء، فنراهم عيانا، فيخبرونا بأن محمدا صادق في ادعائه النبوة، أو نرى ربنا جهارا علنا، فيخبرنا بأنه أرسله إلينا، ويأمرنا بتصديقه واتباعه. ولما تمنت كفار قريش رؤية ربهم، أخبر الله تعالى أنهم عظموا أنفسهم، وسألوا ما ليسوا له بأهل.
والله لقد تكبروا واستكبروا عن الحق، وتجاوزوا الحد في الظلم والكفر تجاوزا
стр. 1789
بلغ أقصى الغاية، فهم لم يجسروا على هذا القول إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو. وقوله عَتَوْا معناه: صعبوا على الحق واشتدوا. وهم في الواقع والحقيقة لن يؤمنوا، كما جاء في آية أخرى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الأنعام: ٦/ ١١١] .
أهوال القيامة
مهما حاول الإنسان، على الرغم من أخبار القرآن الغيبية أن يتصور أهوال يوم القيامة، وما يتعرض له من المخاوف والأحداث الجسمية، فإنه لن يستطيع إدراك الواقع الرهيب الذي يقرع النفس ويرهب القلب، ويحير أرباب الفكر والعقول، لأن دور الملائكة الشداد في العذاب، وظهور الغمام، وتغير معالم الكون فوق كل تصور.
وحينئذ يكون المجرمون والظالمون في بأس شديد، وندم عظيم، ويكون أهل الجنة في خير مقام، وأحسن مكان. وهذا ما نراه واضحا في الآيات التالية:
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٢٢ الى ٢٩]
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦)
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الفرقان: ٢٥/ ٢٢- ٢٩] .
стр. 1790
هذه أخبار تتضمن تهديدا شديدا لأهل الضلال والظلمة والمجرمين، فإن هؤلاء المشركين في مكة الذين تمنوا نزول الملائكة لا يعرفون ما قدّر الله تعالى في ذلك، فإنهم يوم يرون الملائكة لا يرونهم في حال خير، وإنما في حال شر وسوء، ولا بشرى لهم بما يفرح، وإنما تبشرهم الملائكة بالنار وغضب الجبار، ولهم الخسار ولقيا المكروه، ويومئذ لا خير ولا بشرى، ويقول الملائكة: «حجرا محجورا» أي منعا ممنوعا عليكم البشرى، أي حراما محرّما، أو يقول الكفرة المجرمون هذا القول كما تقول العرب ذلك إذا كرهوا شيئا. والراجح أن هذا من قول الملائكة لهم، يراد به: حرام محرم عليكم البشرى بالمغفرة والجنة، وبما يبشر به المتقون.
ثم أخبر الله تعالى عن إحباط أعمال الكفار، حكاية عن يوم القيامة، والمعنى:
قصدنا في بيان حكمنا وإنفاذنا إلى محاسن أعمال الكفار في الدنيا، التي هي في الحقيقة لا تزن شيئا، إذ لا نية معها، ولا ركيزة لها من الإيمان، فجعلناها مبدّدة، لا نفع فيها ولا خير، كالغبار المتناثر الذي لا جدوى معه ولا فائدة، والمراد: وصيرناها هباء منثورا، أي شيئا لا تحصيل له، ولا تعدل شيئا، لفقدانها شرط القبول: وهو الإخلاص لله، ومتابعة شرع الله .
وفي مقابل هذه الصورة القائمة لمصير أعمال الكافرين، يخبر الله تعالى عن حال أهل الجنة المؤمنين الصالحين، فهم خير مأوى ومنزلا، وأتم استقرارا، في مكان ثابت مستقر، يعني أن مستقر أهل الجنة خير من مستقر أهل النار.
وفي خبر ثالث تضمنته الآيات يأمر الله نبيه بأن يذكر يوم تتشقق السماء عن الغمام وتتفتح عنه، ويكون الملك الحق الثابت المبين للرحمن، ويتبدل نظام الكون، وهو يوم القيامة عند انفطار السماء، ونزول الملائكة، ووقوع الجزاء بحقيقة الحساب، فتنزل الملائكة، وفي أيديهم صحائف أعمال العباد، لتكون حجة وشاهدا