← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ألسنة الرسل من الدعوة لعبادتك وحدك لا شريك لك، وكانوا قوما لا خيرا فيهم، وهلكى لا نجاة لهم. فقال الله تعالى للعابدين: لقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء مناصرون، وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى، فلا يقدرون، أي الآلهة المزعومة على صرف العذاب عن العابدين، ولا الانتصار لأنفسهم بحال من الأحوال. وذلك كما جاء في آية أخرى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) [الأحقاف: ٤٦/ ٥- ٦] . وقوله تعالى: فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً معناه: لا تستطيعون أيها العابدون غير الله ردّ التكذيب أو العذاب، ولا مناصرة أنفسكم بنصير ما. ثم خاطب الله الكفار بقوله: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ.. أي ومن يشرك بالله، لأن الظلم هو الشرك، والظالمون: هم المشركون كما جاء في آية سابقة (الفرقان ٨) وقد يشمل اللفظ أهل الفسق، فيكون المعنى: من يشرك بالله أو يكفر أو يفسق، نذقه يوم القيامة عذابا شديدا، لا يعرف قدره، وعذابا أكبر من أي عذاب آخر. وقد استعمل الظلم في الإشراك في قول الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ٣١/ ١٣] . واستعمل في الفسق في قول الله سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ٤٩/ ١١] . إن أدنى نظرة تأمل وتعقل في هذا المشهد يدل لأهل العقول السليمة على أن عبادة غير الله أو مع الله: ضلال وانحراف وعديمة الجدوى، وأن عقد الآمال على شفاعة الآلهة المعبودة من غير الله سراب خادع، وضلال واضح.

стр. 1787

الرسل بشر لا ملائكة إن أبسط مبادئ الرسالة أو السفارة أن يكون الرسول أو السفير من جنس المرسل إليهم، لتحقيق أهداف الرسالة من أيسر الطرق، وتمكين الرسول والمرسل إليه من النقاش والحوار المؤدي للغاية، لذا كان الأنبياء والرسل من جنس البشر المرسل إليهم، بل من أقوامهم وإخوانهم، أو من بني جلدتهم وعشيرتهم، حتى يكون اللقاء أو الخطاب مثمرا، ولكن المشركين من عهد نوح ﵇ إلى عهد خاتم النبيين محمد بن عبد الله ﷺ اشتبه عليهم أمر الرسالة، وظنوا أن الرسول ينبغي أن يكون من جنس أسمى أو أعلى من المرسل إليه، فأنكروا بشرية الرسل، وطالبوا بأن يكون النبي المرسل أحد الملائكة، أخبر القرآن الكريم عن هذه التطلعات في قول الله تعالى: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٢٠ الى ٢١] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) «١» «٢» [الفرقان: ٢٥/ ٢٠- ٢١] . قال ابن عباس ﵄ فيما أخرجه الواحدي وابن جرير الطبري، لما عير المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة، وقالوا: «ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق» حزن رسول الله ﷺ ، فنزل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ومفعول «أرسلنا» محذوف، يدل عليه الكلام، تقديره: رجالا أو رسلا، وعلى هذا المفعول المحذوف المقدّر، يعود الضمير في قوله: إِلَّا إِنَّهُمْ. والمعنى: إن جميع الرسل المرسلين من عند الله كانوا بشرا يأكلون الطعام، للتغذي

стр. 1788

به، ويمشون في الأسواق للتكسب والاتجار، ولا يغض ذلك من شأنهم ولا يمسّ أقدارهم، ولا يتنافى مع أحوالهم ومناصبهم، ولقد اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم الطائع من العاصي، أي إن الله سبحانه أراد أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض في الجملة في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الشاكر فتنة للغني، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، إن هذا التقابل مدعاة للعبرة، لأن الأشياء تتميز بأضدادها، لذا قال الله تعالى: أَتَصْبِرُونَ أي هل تصبرون أيها المؤمنون أو لا؟ اصبروا على ما أراده الله لكم، وكان ربك أيها الرسول بصيرا بمن يصبر وبمن يجزع، وبمن يستقيم وبمن ينحرف ويضل. قال مقاتل: إن الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص ابن وائل وغيرهم من أشراف قريش حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن مسعود، وعمارا، وبلالا، وصهيبا، وسالما مولى أبي حذيفة، قالوا: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟! فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: أَتَصْبِرُونَ؟ أي على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر، والجهد والإيذاء، كأنه تعالى جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين. ورتب المشركون على إنكار بشرية الرسل بديلا فقالوا: هلا أنزل علينا الملائكة، كما تنزل على الأنبياء، فنراهم عيانا، فيخبرونا بأن محمدا صادق في ادعائه النبوة، أو نرى ربنا جهارا علنا، فيخبرنا بأنه أرسله إلينا، ويأمرنا بتصديقه واتباعه. ولما تمنت كفار قريش رؤية ربهم، أخبر الله تعالى أنهم عظموا أنفسهم، وسألوا ما ليسوا له بأهل. والله لقد تكبروا واستكبروا عن الحق، وتجاوزوا الحد في الظلم والكفر تجاوزا

стр. 1789

بلغ أقصى الغاية، فهم لم يجسروا على هذا القول إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو. وقوله عَتَوْا معناه: صعبوا على الحق واشتدوا. وهم في الواقع والحقيقة لن يؤمنوا، كما جاء في آية أخرى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الأنعام: ٦/ ١١١] . أهوال القيامة مهما حاول الإنسان، على الرغم من أخبار القرآن الغيبية أن يتصور أهوال يوم القيامة، وما يتعرض له من المخاوف والأحداث الجسمية، فإنه لن يستطيع إدراك الواقع الرهيب الذي يقرع النفس ويرهب القلب، ويحير أرباب الفكر والعقول، لأن دور الملائكة الشداد في العذاب، وظهور الغمام، وتغير معالم الكون فوق كل تصور. وحينئذ يكون المجرمون والظالمون في بأس شديد، وندم عظيم، ويكون أهل الجنة في خير مقام، وأحسن مكان. وهذا ما نراه واضحا في الآيات التالية: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٢٢ الى ٢٩] يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الفرقان: ٢٥/ ٢٢- ٢٩] .

стр. 1790

هذه أخبار تتضمن تهديدا شديدا لأهل الضلال والظلمة والمجرمين، فإن هؤلاء المشركين في مكة الذين تمنوا نزول الملائكة لا يعرفون ما قدّر الله تعالى في ذلك، فإنهم يوم يرون الملائكة لا يرونهم في حال خير، وإنما في حال شر وسوء، ولا بشرى لهم بما يفرح، وإنما تبشرهم الملائكة بالنار وغضب الجبار، ولهم الخسار ولقيا المكروه، ويومئذ لا خير ولا بشرى، ويقول الملائكة: «حجرا محجورا» أي منعا ممنوعا عليكم البشرى، أي حراما محرّما، أو يقول الكفرة المجرمون هذا القول كما تقول العرب ذلك إذا كرهوا شيئا. والراجح أن هذا من قول الملائكة لهم، يراد به: حرام محرم عليكم البشرى بالمغفرة والجنة، وبما يبشر به المتقون. ثم أخبر الله تعالى عن إحباط أعمال الكفار، حكاية عن يوم القيامة، والمعنى: قصدنا في بيان حكمنا وإنفاذنا إلى محاسن أعمال الكفار في الدنيا، التي هي في الحقيقة لا تزن شيئا، إذ لا نية معها، ولا ركيزة لها من الإيمان، فجعلناها مبدّدة، لا نفع فيها ولا خير، كالغبار المتناثر الذي لا جدوى معه ولا فائدة، والمراد: وصيرناها هباء منثورا، أي شيئا لا تحصيل له، ولا تعدل شيئا، لفقدانها شرط القبول: وهو الإخلاص لله، ومتابعة شرع الله . وفي مقابل هذه الصورة القائمة لمصير أعمال الكافرين، يخبر الله تعالى عن حال أهل الجنة المؤمنين الصالحين، فهم خير مأوى ومنزلا، وأتم استقرارا، في مكان ثابت مستقر، يعني أن مستقر أهل الجنة خير من مستقر أهل النار. وفي خبر ثالث تضمنته الآيات يأمر الله نبيه بأن يذكر يوم تتشقق السماء عن الغمام وتتفتح عنه، ويكون الملك الحق الثابت المبين للرحمن، ويتبدل نظام الكون، وهو يوم القيامة عند انفطار السماء، ونزول الملائكة، ووقوع الجزاء بحقيقة الحساب، فتنزل الملائكة، وفي أيديهم صحائف أعمال العباد، لتكون حجة وشاهدا

стр. 1791

عليهم، ويكون ذلك اليوم شديدا على الكافرين. والغمام: سحاب رقيق أبيض جميل لم يره البشر بعد إلا ما جاء في تظليل بني إسرائيل. وذلك كما جاء في آية أخرى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة: ٢/ ٢١٠] . وكان ذلك اليوم يوم القيامة على الكافرين يوما شديدا صعبا، لأنه يوم عدل وقضاء فصل أي محاكمة حاسمة، كما في آية أخرى: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) [المدثر: ٧٤/ ٩- ١٠] . وفي خبر رابع، اذكر أيها الرسول يوم القيامة الذي يعض المشرك وكل ظالم على يديه ندما وحسرة، وأسفا على ما فرط في حياته، يقول: يا ليتني اتخذت مع رسول الله محمد ﷺ طريقا إلى النجاة والسلامة. يا ويلتي، أي يا هلاكي احضر، فهذا أوانك، ليتني لم أتخذ فلانا الذي أضلني خليلا، أي صديقا حميما، أرداني اتباعه، وصرفني عن الهدى، وأخذ بي إلى دائرة الضلال. لقد أضلني وحرفني عن ذكر الله والإيمان والقرآن، بعد بلوغه إلي، وكان من شأن الشيطان أن يخذل الإنسان الكافر عن الحق، ويصرفه عنه، ويدعوه إلى الباطل، ويستعمله فيه. وآية وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ... نزلت في عقبة بن أبي معيط، حين مال إلى الإسلام أو أسلم، لكن خليله الذي صادقة وهو أبي بن خلف قد نهاه عن الإسلام، فقبل نهيه. وأبيّ هذا قتله الرسول ﷺ بيده يوم أحد، فنزلت الآية في عقبة وأبيّ، فالظالم: عقبة، وفلان: أبيّ، في قوله تعالى: يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) . والظاهر أن كلمة «الظالم» لفظ عام، وأن مقصد الآية تعظيم يوم، يتبرأ فيه الظالمون من خلّانهم الذين أمروهم بالظلم، وكلمة «فلان» معناه واحد من الناس، وليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يعينه، ويحرضه على الظلم في الأغلب.

стр. 1792

هجر المشركين القرآن لقد أصيب مشركو مكة بالذعر الشديد، والاضطراب الكبير حين نزول القرآن وإعلان النبي ﷺ دعوته، تمسكا بهيمنتهم وسلطانهم في مكة، ولفرض نفوذهم على الحجيج وعلى القبائل العربية، وأداهم ذلك كله إلى التخبط والحيرة، فكانت ردود أفعالهم متفاوتة ومضطربة، فمرة يرفضون ما جاء به القرآن، ومرة يتأثرون ببلاغته، فينصاعون لنداءاته، ثم أدى بهم الصلف والتكبر إلى هجر القرآن كليا، ومواجهة الدعوة الإسلامية مواجهة عنيفة، وطالبوا بمطالب تعجيزية أو جعل الوحي القرآني يتنزل على وفق أهوائهم ورغباتهم دفعة واحدة حتى يروا رأيهم، فلا يكشف القرآن مواقفهم، وإنما يحبط مساعيهم في مفاجأته، ونزوله التدرجي، قال الله تعالى واصفا هذه المواقف لقريش: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٣٠ الى ٣٤] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤) «١» «٢» «٣» [الفرقان: ٢٥/ ٣٠- ٣٤] . ينزعج الإنسان عادة كل الانزعاج إذا خاب ولم يحقق نجاحا في مهمته ورسالته، وكان هذا شأن النبي ﷺ كغيره من الأنبياء، لقد بذل أقصى جهده في هداية قومه فأعرضوا عنه، واستكبروا عن قبول الحق، فشكا الرسول إلى ربه سوء أفعال قومه المشركين، قائلا في الدنيا: يا رب، إن قومي قريشا تركوا الإصغاء لهذا القرآن، ولم يؤمنوا به، وأعرضوا عن الإيمان به واتباع هديه، وهجروه وتركوا تصديقه.

стр. 1793

وربما كما ذكر ابن زيد تكون الآية تنبيها للمؤمنين على ملازمة المصحف، وألا تكون الغبرة تعلوه في البيوت، ويشتغلون بغيره. وجاء بعد هذه الشكوى إيناس من الله تعالى لنبيه بأن غيره من الرسل كذلك امتحن بأعداء في زمنه، فلا تحزن يا محمد، فتلك عادة الأقوام مع أنبيائهم، فكما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك الأباطيل، ويهجرون القرآن، جعلنا لكل نبي من الأنبياء المتقدمين أعداء من المشركين الظالمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم. لكن النصر والغلبة في النهاية للرسول النبي ﷺ ، لذا وعد الله تعالى نبيه بقوله: وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً أي اكتف بربك، فإنه هو الهادي إلى الحق، وهو الناصر على أعدائك في الدنيا والآخرة. ثم أخبر القرآن عن شبهة أخرى لمشركي مكة، روي عن ابن عباس وغيره ﵃ أن كفار قريش قالوا في بعض معارضاتهم: لو كان هذا القرآن من عند الله تعالى، لنزل جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، فنزلت هذه الآية: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً والمعنى: إذا كنت تزعم أيها الرجل أنك رسول من عند الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة جملة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟! أي لو كان القرآن من عند الله حقا، فلم لم ينزل على محمد ﷺ دفعة واحدة، كما أنزلت الكتب الإلهية المتقدمة؟! فأجابهم الله تعالى عن مقالتهم: لقد أنزلناه منجّما متفرقا بحسب الوقائع والمناسبات في مدى ثلاث وعشرين سنة، لتثبيت فؤاد محمد ﷺ ، وليحفظه لكونه أميا، وليتطابق مع الأسباب المؤقتة، فيكون ذلك أدعى للإيمان به، ولدفع الحرج عن المكلفين بتكليفهم بجملة أحكام في زمن واحد، ولمراعاة مبدأ التدرج في التشريع والتناسب مع مقتضيات التربية، والانتقال من حال سيئة إلى حال أحسن بتهيئة

стр. 1794

الظروف والأجواء، وجعله مرتلا شيئا فشيئا، والترتيل: التفريق بين الشيء المتتابع. ثم أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفرة في مكة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة، كتمثيلهم في هذه المسألة بالتوراة والإنجيل إلا جاء القرآن بالذي هو حق، ثم هو أحسن تفسيرا، أو أفصح بيانا وتفصيلا. ثم أوعد الله تعالى الكفار بما ينزل بهم يوم القيامة، من الحشر على وجوههم إلى النار، إذلالا وخزيا وهوانا، وأولئك الظلمة هم شر مكانا وهو جهنم، شر من أهل الجنة، وأضل سبيلا، أي طريقا عن الحق، والمقصود منه الزجر عن طريقهم ومنهجهم الخطأ، والمشي على الوجوه إما حقيقة بإقدار الله تعالى، كإقدارهم المشي على أقدامهم، أو مجاز عن سوء الحال ودفعهم دفعا إلى جهنم، من غير وعي منهم ولا احترام لهم. التأسي بقصص الأنبياء يربط الوحي الإلهي أحداث الزمان بعضها ببعض، قديمها وحاضرها، لتحقيق وحدة شمولية، ومقارنة الأشياء ببعضها، والانتهاء بعدئذ إلى نظرة واحدة من خلال تشابه الوقائع. وهكذا نجد القرآن الكريم يتعرض لأحوال المشركين في مكة، ثم يعرض بعدها أحوال الأقوام السابقين، ومواقفهم مع أنبيائهم الذين أرادوا لهم الخير والإسعاد والنجاة والإنقاذ، ومصداق هذا التوجه نجده في إيراد مجموعة أخبار هنا تتعلق بالأنبياء السابقين وأقوامهم المعارضين، قال الله تعالى:

стр. 1795

[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٣٥ الى ٤٠] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الفرقان: ٢٥/ ٣٥- ٤٠] . هذه الآيات التي تتحدث عن أخبار الأمم الماضية هي تمثيل للمشركين العرب، وتوعد بأن يحل بهم ما حلّ بأولئك المعذبين. بدأ الله تعالى بإيراد جانب من قصة موسى ﵇، مفادها: تالله لقد آتينا موسى التوراة، وجعلنا معه أخاه هارون نبيا وزيرا، يؤازره ويعاونه ويناصره. فقال الله تعالى لموسى وهارون ﵉: اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي قلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه لتبليغ الرسالة، ومضمونها إعلان توحيد الإله، وتوحيد الربوبية. فلا إله غير الله، ولا معبود بحق سواه، وهو مفاد توحيد الألوهية، والله وحده هو الخالق المدبر الرازق، الموجّه، وهو المقصود بتوحيد الربوبية. فلما كذب فرعون وقومه برسالة موسى وهارون، ولم يقروا بوحدانية الله تعالى وتوحيد عبادته، أهلكهم الله إهلاكا، فانظروا يا مشركي مكة عاقبة الكفر والضلال وتكذيب الرسل. ثم أورد الله تعالى جزءا من قصة نوح ﵇ مفادها: اذكر يا محمد لقومك

стр. 1796

ما فعله قوم نوح، حين كذبوا رسولهم نوحا ﵇، الذي مكث فيهم يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، ويحذرهم من عقابه ونقمته ألف سنة إلا خمسين، فما آمن به إلا قليل، فأغرقناهم بالطوفان، وجعلناهم عبرة وعظة للناس يعتبرون بها، وأعددنا وهيأنا عذابا مؤلما في الآخرة لكل ظالم كفر بالله تعالى، ولم يؤمن برسله، وسلك سبيلهم في تكذيب الرسل. وفي هذا تهديد الكفار قريش بأنه سيصيبهم من العذاب مثلما أصاب قوم نوح. وجاء الوحي بخبر ثالث، أمر الله نبيه بإعلان، مفاده: اذكر أيها الرسول أيضا لقومك قصة عاد الذين كذبوا رسولهم هودا ﵇، وقبيلة ثمود الذين كذبوا رسولهم صالحا ﵇، وأصحاب الرّس أي البئر: وهم قوم من عبدة الأصنام بعث الله لهم شعيبا أو غيره، فدعاهم إلى توحيد الله والإيمان به وبرسالته، فكذبوه، فخسف الله بهم الأرض، واذكر أيها الرسول أمما كثيرة بين قوم نوح وعاد وأصحاب الرسّ، لما كذّبوا الرسل، أهلكناهم جميعا، وكلا من هؤلاء الأقوام بيّنا لهم الحجج وأوضحنا لهم الأدلة، وأزلنا الأعذار والشبهات عنهم، فلم يؤمنوا، وإنما كذبوا، فأهلكناهم إهلاكا شديدا. والقرون جمع قرن، والقرن في الأظهر: هو الأمة المتعاصرة في الزمن الواحد، وجملة وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً إيهام لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. وقصة رابعة هي قصة قوم لوط، فلقد مرّ مشركو مكة على ديار قوم لوط، أثناء تجارتهم إلى الشام في رحلة الصيف، وبخاصة على سدوم أعظم قرى قوم لوط التي أهلكها الله بمطر السوء: وهو المصحوب بالحجارة من سجّيل (جهنم) أفلم يروا ما حل بتلك القرى من عذاب الله ونكاله، بسبب تكذيبهم رسولهم، ومخالفتهم أوامر الله؟! إنهم أي العرب يرون ذلك عيانا، ولكنهم لم يعتبروا، لأنهم لا يتوقعون

стр. 1797

النشور، أي البعث أحياء من القبور يوم القيامة، فكفرهم إنما أوجبه فساد معتقدهم في أمر الآخرة، وأنهم لا يرجون البعث، ولا يخافونه. إن هذه الزواجر وأخبار العذاب كفيلة بردع الظالمين المشركين لو تأملوا وتفكروا واتعظوا. استهزاء المشركين بالنبي ﷺ على الرغم من إنذارات المشركين العرب بتعرضهم لسخط الله ﵎، ورؤيتهم العبرة من تدمير مدينة قوم لوط، وهي سدوم بالشام، فإن هؤلاء المشركين تابعوا استهزاءهم بالنبي محمد ﷺ واحتقارهم له إذا رأوه، واستبعدوا أن يبعثه الله تعالى رسولا، وأصروا على الوثنية، وتعدد الآلهة، وغالوا في ذلك حتى سموا دعوته إضلالا، وتابعوا تحذيرهم من تأثير دعوته الجديدة وآيات القرآن التي كادت تؤثر فيهم وتجرفهم إلى الإيمان، وترك عبادة الأوثان، قال الله تعالى مصوّرا هذه المواقف: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤١ الى ٤٤] وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤) «١» «٢» [الفرقان: ٢٥/ ٤١- ٤٤] . نزلت الآية الأولى: وَإِذا رَأَوْكَ.. في أبي جهل، فإنه كان إذا مرّ رسول الله ﷺ مع صحبه، قال مستهزئا: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا.

стр. 1798

إن مواقف التصدي والتحدي والمعارضة لدعوة النبي ﷺ كثيرة، منها: إذا رآك أيها النبي المشركون الكافرون بالله ورسوله، ما يتخذونك إلا موضع هزء وسخرية. ويقولون على سبيل الازدراء: أهذا هو المبعوث من عند الله رسولا إلينا؟! قبحهم الله، فلم يكن رسول الله ﷺ إلا المثل الأعلى للأنبياء، والصفوة المختارة من البشر، وأول عظماء التاريخ في أحواله وأخلاقه الخاصة، وفي معاملاته الاجتماعية، وفي تضحيته بأغلى ما لديه لإعلاء كلمة الله، وفي رحمته بقومه وبالبشرية قاطبة، وفي قيادته الناجحة نجاحا باهرا، فهو حريص على هداية قومه وإسعادهم. ومن مواقفهم المهينة: أنهم قالوا: قارب محمد أن يثنينا عن عبادة الأصنام، وترك ديننا إلى دين الإسلام، لولا أن صبرنا على تلك العبادة الموروثة، فردّ الله تعالى عليهم من نواح ثلاث: الأولى: وعيد وتهديد شديد لهم، إنهم حين يشاهدون العذاب المنتظر الذي لا مفر لهم منه، يدركون من أخطأ الطريق، أهم أم المؤمنون مع نبيهم وقائدهم؟! الثانية: تنبيه على عدم الجدوى من دعوتهم إلى الدين الحق، فإنهم اتخذوا أهواءهم آلهة، فأطاعوهم، واستولى عليهم التقليد، أفأنت أيها النبي تكون عليهم وكيلا يتولى أمورهم، ويحفظ شؤونهم، وهم غارقون في الضلال؟! فإن من جعل إلهه هواه برأيه المحض، لن ينفع معه نصح ولا إرشاد، كما لا ينفع شيئا من جعل هواه مطاعا فصار كالإله، والهوى قائد إلى كل فساد، والنفس أمّارة بالسوء، وإنما الصلاح إذا ائتمرت النفوس العقل، وأصغت إلى الهدى بوعي، والوكيل: القائم على الأمر الناهض به. الثالثة: بل (وهي للإضراب عما سبقه من الكلام من اللفظ دون المعنى) أي أتظن أن أكثرهم يسمعون سماع تدبر وفهم، أو يتعقلون ويفكرون فيما تتلو عليهم، وترشدهم إليه من الفضائل والأخلاق الحميدة، فتجهد نفسك في إقناعهم بصدق

стр. 1799

رسالتك وصحة دعوتك؟! فما حالهم إلا كالأنعام السائمة، بل هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة، وأشد خطأ في طريقهم منها، فإن تلك الأنعام تفعل ما هو خير لها ونفع، وتتجنب الضارّ بها، أما هؤلاء فلا يجلبون الخير لأنفسهم، وإنما يوقعونها في وهاد الضرر والضياع والضلال، وفي مستنقع الكفر والانحراف، يقذفون بأنفسهم في المهالك، وهذا يدل على فقدهم الإدراك الصحيح والوعي السليم، وتعطيلهم مفاتيح المعرفة الصحيحة، وارتمائهم في بؤرة التقليد الأعمى، ومتاهات الأهواء الجامحة، ولو تعقلوا قليلا لبادروا إلى الإيمان برسالة القرآن، ودعوة النبي العربي الهاشمي القرشي الداعية لإنقاذهم من ضياع الجاهلية، والناقلة لهم إلى عزة السيادة، وسمو الكرامة، وصدارة القيادة. مظاهر الكون الدالة على الله تعالى ما أكثر البراهين الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيته، وهي براهين كونية حسية مشاهدة، لا تحتاج لكثير من التفكر والتأمل والتعقل، وإنما تحتاج للانتباه لها، وفهم مدلولاتها، وما تؤديه من فوائد عظيمة أوجدها الخالق، لنفع الإنسان، والاهتداء بها إلى الله تعالى، وهي في آيات متوالية أدلة خمسة: وهي مدّ الظل وقبضه، وإيجاد الليل والنهار، وإرسال الريح لإنزال المطر، وإيجاد الفاصل في أعماق الماء بين البحر الملح والبحر العذب، وخلق البشر من الماء المهين، أذكر هنا الأدلة الثلاثة الأولى وهي في قوله تعالى: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤٥ الى ٤٩] أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) «١» «٢» «٣»

стр. 1800

«١» «٢» [الفرقان: ٢٥/ ٤٥- ٤٩] . تلفت هذه الآيات النظر للاهتداء إلى الخالق، وذلك في بدئها بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أي انتبه، والرؤية هنا: رؤية القلب. ١- والمعنى: ألم تنظر أيها النبي وكل مخاطب من البشر بقلبك ووعيك إلى صنع الله في خلق الظل للتفيؤ به، في مواجهة حرارة الشمس الساطعة، من طلوعها لغروبها، كيف جعله الله تعالى متفاوتا في ساعات النهار والفصول الأربعة، لإفادة الإنسان كضبط الوقت، والاستمتاع بالظل بعد التعرض لشدة الحر، فيكون الظل متراوحا بين مدّ وقبض، فيمتد الظل صباحا من أول الإسفار إلى بزوغ الشمس، ومساء من بعد مغيب الشمس مدة يسيرة، ففي هذين الوقتين ظل ممدود على الأرض، مع أنه نهار، وفي سائر النهار ظلال متقطعة، والمد والقبض مطّرد في كل يوم، فالظل الممدود يكون من الفجر إلى طلوع الشمس، وإن كان في بقايا الليل في غير نهار. ولو شاء الله لجعل الظل ثابتا دائما على حال واحدة لا يتغير طولا وقصرا، ويكون غير متحرك ولا منسوخ. ثم يجعل الله طلوع الشمس علامة على الظل، فلولا طلوعها لما عرف الظل، فكل شيء يتميز بضده، ثم يحسر الله تعالى الظل ويحوّله بالتدرج بحسب سير الشمس وارتفاعها، حتى لا يبقى منه إلا قليل تحت سقف أو تحت شجرة ونحوها. والقبض اليسير: إما اللطيف أو السهل القريب التناول.

стр. 1801

٢- والله هو الذي جعل ظلام الليل ساترا كاللباس، وجعل النوم كالموت قاطعا للحركة وتوفير الراحة، وجعل النهار ذا انتشار في الأرض، لابتغاء الرزق وغيره، والانتشار واليقظة يشبه البعث والإحياء في مقابلة الإماتة والتوفي اللذين يتضمنها النوم والسبات. ٣- والله هو الذي أرسل الرياح مبشرات بمجيء السحاب وهطول الأمطار والإنبات وتسيير السفن، وأنزل من السماء، أي السحاب ماء طاهرا مطهّرا، يتطهر به في تنظيف الأجسام والملابس والأشياء المختلفة، والانتفاع به في الطعام والشراب وسقي النباتات والحيوانات. وأنزل الله المطر لإحياء الأرض التي لا نبات فيها، وطال انتظارها للغيث، فتصبح بعد ريّها مزدهرة بأنواع النباتات والزهر والشجر، كما جاء في آية أخرى: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٢٢/ ٥] ، والرياح جمعا إذا وردت في القرآن فهي للمطر والرحمة، وإذا وردت مفردة فإنما هي للعذاب، والطهور وصف مبالغة في «طاهر» فهو طاهر مطهّر. وأنزل الله المطر أيضا ليشرب منه الإنسان ومختلف أنواعه، والحيوان بفئاته، للحاجة الشديدة إليه، وإبقاء الحياة، وازدهار الأرض بالخضرة، كما ذكر في آية أخرى، في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٤٢/ ٢٨] . فظهر بهذا أن منافع الماء شيئان: ١- إحياء النبات، لقوله تعالى: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ووصف البلدة بالميت لأنه جعله كالمصدر الذي يوصف به المذكر والمؤنث، أو تكون البلدة بمعنى البلد. ٢- وإحياء الحيوان والإنسان لقوله سبحانه: أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً والأناسي: جمع إنسان، أو جمع إنسيّ. وقدم الله الأنعام وأخر الإنسان لشدة حاجة الحيوان،

стр. 1802

وعجزه عن التعبير عن مراده، ووصف الأنعام والأناسي بالكثرة لملاحظة أحوال الماشية البعيدة عن منابع الماء وأهل البوادي الذين يعيشون بالمطر، أما أهل البلدان فيقيمون عادة بقرب الأنهار ومنابع الماء. فتكون رحمة الله بالمطر عامة شاملة. مظاهر أخرى ذات دلالة على الله تعالى هناك أدلة أخرى على وجود الله تعالى وتوحيده: وهي إيجاد حاجز بين الماء الملح والماء العذب في وسط البحر، وخلق الإنسان من ماء مهين يكون سببا لبقاء النوع الإنساني، وتنوع العلاقات الإنسانية بالأنساب والمصاهرات، وقد أورد الله تعالى هذين الدليلين بعد بيان نعمة إنزال المطر، وتفريقه أو توزيعه في أنحاء الأرض وبين أهلها توزيعا، يلتقي مع الحاجة والحكمة الإلهية، فقال الله تعالى موضحا كل ذلك: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٥٠ الى ٥٤] وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) «١» » «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الفرقان: ٢٥/ ٥٠- ٥٤] . لقد كان توزيع الأمطار بنسب متفاوتة بين البلاد وأهلها بفعل الله تعالى، وبمقتضى حكمته البالغة، وهذا هو المراد بالآية الأولى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ.. أي ولقد فرقنا المطر وحولناه من جهة إلى أخرى، فأمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب من مكان إلى آخر، ليتذكروا نعمة الله ويعتبروا، ولكن أكثر الناس

стр. 1803

يجحدون النعمة، وينسبون ذلك التوزيع لغير الله من الطبيعة أو الأنواء والكواكب، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، أي من النجوم الساقطة أو الطالعة في المشرق والمغرب، وفي إنزال المطر والتحكم فيه من الله تعالى دليل على وجوده وقدرته وحكمته. وهذا يقتضي شكر المنعم، كما ينبغي شكره على إرسال الرسول محمد ﷺ بالقرآن العظيم، ولو شاء الله لبعث في كل بلدة رسولا منذرا يخوّف الناس من عذاب أليم، ولكن اكتفى الله ببعثة محمد ﷺ إلى الثقلين: الإنس والجن، وإلى جميع أهل الأرض المعمورة، وأمره ربّه بتبليغ القرآن كما جاء في آية: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الشورى: ٤٢/ ٧] . فإياك أيها النبي أن تتبع الكفار فيما يدعونك إليه، من مجاملات لآرائهم ومذاهبهم، وجاهدهم بكل سلاح مادي وهو السلاح المعروف، أو بياني إعلامي وهو اللسان مشافهة أو كتابة، أو بالنفس والمال، أو بالسلاح العقلي: وهو القرآن الكريم، جهادا شاملا، لا هوادة فيه. والمراد بقوله تعالى: وَجاهِدْهُمْ بِهِ الضمير يعود على القرآن أو الإسلام. ثم ذكر الله تعالى الدليل المتعلق بالبحار، فهو سبحانه الذي جعل البحرين المتضادين متجاورين متلاصقين لا يمتزجان، هذا ماء زلال عذب فرات، أي مفرط العذوبة، وهذا ملح شديد الملوحة، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر، كأن بينهما حاجزا منيعا، وحدا محدودا. وهذا دليل آخر على وجود الله وقدرته الباهرة ووحدانيته في الكون. والدليل الأخير على وجود الله: أن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسوّاه وعدّله، وجعله كامل الخلقة، ذكرا أو أنثى كما يشاء الله، وقسم النوع الإنساني قسمين: ذكورا تنسب إليهم الأنساب، وإناثا يصاهر بهن، وكان الله الخالق قديرا بالغ القدرة، يفعل ما يشاء من هذا وغيره، يخلق ما يريد، على وفق

стр. 1804

الحكمة والعلم القديم، وتظل إرادته وقدرته وحكمته هي الغالبة في إيجاد الذكر والأنثى. كما جاء في آيات أخرى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) [الشورى: ٤٢/ ٤٩- ٥٠] . وهذا دليل آخر على قدرة الله تعالى، فهو الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأمده بالقوة، وأعانه في حياته على تحمل ظروف المعيشة، وسخّر له جميع منافع الكون، رحمة منه وفضلا، وقوله تعالى: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً كان: يراد بها الدوام قبل وبعد، لا أنها تعطي مضيا فقط. ومن يتأمل في الظواهر الكونية، بادر طوعا أو كرها إلى الإقرار بوجود الله ووحدانيته، إلها حكما عدلا، رحيما، قديرا، رازقا، مهيمنا، عليما بكل شيء، وفوق كل شيء، وخلق كل شيء فقدره تقديرا. وثنية المشركين وإيمان الموحدين لم يذعن المشركون لنداء القرآن العظيم بالإيمان بوحدانية الله، على الرغم من الأدلة الكونية الكثيرة المتقدمة في آيات سابقة، الدالة على وجود الله وقدرته وتوحيده، وإنما بقوا في مستنقع الوثنية، وظلوا يعبدون الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وليس الرسول مكلفا بحملهم على الهداية، وإنما دوره مقصور على التبشير والإنذار من غير طلب عوض أو مقابل من الأجور، وفي مواجهة ذلك، أمر الله نبيه والمؤمنين برسالته بإفراد الله بالعبادة، وتفويض الأمور إليه، لأنه مالك السموات والأرض وما بينهما، وخالق الشمس والقمر وبروج الكواكب، وجاعل الليل والنهار متعاقبين، قال الله تعالى مبينا منهج الفريقين:

стр. 1805

[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٥٥ الى ٦٢] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الفرقان: ٢٥/ ٥٥- ٦٢] . المعنى: ويعبد المشركون الوثنيون من غير الله تعالى آلهة لا تنفعهم عبادتها، ولا يضرهم هجرها وتركها، وكان الكافر على معصية ربه معينا غيره من الكفرة، ومعينا الشيطان بأن يطيعه. وهذا عام في جنس الكافر. وسبب نزول هذه الآية: هو أبو جهل بن هشام، ولكن اللفظ عام لجنس الكفار كلهم. ثم سرّى الله عن نبيه وخفف عنه أحزانه بمعارضة قومه دعوته، فأبان له: لا تهتم بهم، ولا تذهب نفسك حسرات عليهم، حرصا عليهم، فإنما أنت رسول تبشر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكافرين بالنار، ولست بمطالب بإيمانهم جميعا. ثم أمر الله رسوله بأن يحتج على المشركين لإزالة وجوه التهم بقوله ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي لا أطلب مالا ولا نفعا يختص بي، لكن مسئولي ومطلوبي: هو إيمانكم بالله، فمن شاء أن يهتدي ويؤمن ويتخذ إلى رحمة ربه طريق نجاة، فليفعل. أو

стр. 1806

لا أسألكم إلا إنفاق المال في سبيل الله، فهذا هو المسؤول، وهو السبيل إلى الرب، والتأويل الأول أظهر. واستمرّ أيها النبي في التبشير والإنذار، وتوكل على الحي الذي لا يموت، فهو المتكفل بنصرك في كل أمرك، وسبح بحمده، أي قل: سبحان الله وبحمده، أي تنزيهه واجب، وبحمده أقول، وكفى بالله عالما خبيرا بذنوب عباده ومعاصيهم الظاهرة والخفية، يعلم كل شيء منها، وهو محصيها عليهم، ومجازيهم عليها بالخير خيرا، وبالشر شرا. والله الخبير العليم بكل شيء: هو الذي أوجد أو أبدع السموات السبع والأراضي السبع وما بينهما من المخلوقات، في ستة أيام، بقدرته وسلطانه، ثم استوى الله على العرش أعظم المخلوقات استواء يليق بعظمته وجلاله، فاسأل أيها السامع من هو خبير به، عالم بعظمته، فاتبعه واقتد به، أي اسأل جبريل والعلماء وأهل الكتب المنزلة سابقا. وأما الكفار: فقابلوا الشكر والتوكل بالكفر والاعتماد على النفس، فإذا طلب منهم السجود لله أو للرحمن وحده، فقالوا سائلين سؤال مغالطة: وما الرحمن؟ استفهام عن مجهول عندهم. فقد كانت قريش لا تعرف هذا الاسم في أسماء الله ﵎، وقالت: إن محمدا يأمر بعبادة رحمن اليمامة، أي مسيلمة الكذاب الذي تسمى بالرحمن، فنزل قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ: أنسجد لمن أمرتنا بالسجود له، لمجرد قولك، من غير أن نعرفه، وزادهم هذا الأمر بالسجود نفورا وإعراضا وبعدا عن الحق والصواب. ولما كان سؤال قريش عن الله تعالى وعن اسمه الآخر الذي هو الرحمن سؤالا عن مجهول، نزلت هذه الآية مصرحة بصفاته تعالى التي تعرّف به، وتوجب الإقرار

стр. 1807

بألوهيته. وصفاته: أنه تعاظم حين جعل في السماء بروجا، أي منازل للكواكب السيارة وغيرها، وجعل في السماء سراجا: وهي الشمس الساطعة، وقمرا منيرا. والله هو الذي جعل الليل والنهار متعاقبين، يخلف أحدهما الآخر، ويأتي بعده، توقيتا لأوقات العبادة، وترويحا للنفوس، وتهدئة في الليل للمشاعر، وتيسيرا للرزق في النهار، لمن أراد أن يتذكر ما يجب عليه، ويتفكر في عجائب صنع الله، ويشكر ربه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. صفات عباد الرحمن - ١- تميز القرآن الكريم بالعناية بالإيجابيات أكثر من السلبيات، وبالبناء التشريعي والعقدي والخلقي أكثر من الهدم والفوضى والانحلال، وبالأوامر الحاملة على التهذيب والفضيلة أكثر من النواحي التي تمنع من الانحراف والرذيلة، لذا تجد آيات القرآن تصف ضلال الكافرين والجاحدين، وتوبخهم وتؤنبهم، ثم تعود للعناية بتربية جيل الإيمان، ووفد العقيدة، وموكب النور والحضارة، لأن الإنذار وبيان العيوب ينبه العقلاء إلى وهاد الشر والفساد، أما التبشير والترغيب: فيأخذ بأيدي الصلحاء إلى جادة الحق ومنهج الاستقامة، وهكذا نجد ذم المشركين في آيات سابقة، ثم العودة السريعة لوصف عباد الرحمن بصفات جليلة ودائمة، قال الله تعالى في بيان هذه الصفات: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٦٣ الى ٦٧] وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) «١» «٢»

стр. 1808

«١» «٢» «٣» [الفرقان: ٢٥/ ٦٣- ٦٧] . هذه خمس صفات من تسع لعباد الرحمن- وهم المؤمنون حقا- تجمع بين غرر الأخلاق أو الآداب، وبين مصداقية العبادة، واعتدال النفقة، حتى لا يقع المؤمن في ضائقة، قد تصرفه عن واجباته نحو الله تعالى، أو توقعه في قلق وحيرة، وضرر وشدة. ١- أما الصفة الأولى من هذه الصفات: فهي التواضع وسمو النفس، فإن عباد الرحمن هم الذين يمشون في الأرض بسكينة ورفق ووقار، من غير ترفع ولا تعاظم، ويعاشرون الناس معاشرة حسنة لينة، من غير غلظة ولا قسوة، مع الاحتفاظ بسمو النفس وعزتها، وترفعها عن الدنايا، ومن غير استضعاف ولا ذلة، وإذا أساء إليهم الجهلة، لم يقابلوهم بالإساءة، وإنما عفوا وصفحوا، ولم يقولوا إلا خيرا، وإنما يقولون للجاهل: سلاما، من السلامة لا التسليم، أو يقولون قولا سديدا. وقد كان رسول الله ﷺ يتكفأ في مشيه، كأنما يمشي في صبب «٤» ، ويخاطب الناس برفق وترفع عن الخطأ والإيذاء. ٢- والصفة الثانية لعباد الرحمن: الحلم والأناة أو الإعراض عن الجاهلين، فإذا سفه عليهم الجهال بسوء القول، لم يعاملوهم بالمثل، بل عفوا وصفحوا، وتكلموا بخير، من غير غيظ ولا غضب، ورجح سيبويه أن المراد من قولهم: «سلاما» السلامة، لا التسليم. وتكون هاتان الصفتان الأولى والثانية: هما ترك الأذى، وتحمل الأذى. ٣- والصفة الثالثة: هي التهجد ليلا، فهم في ليلهم حيث ينام الآخرون

стр. 1809

يستمتعون بلذة المناجاة مع الإله الخالق، يصلون صلاة الليل، ويذكرون ربهم ساجدين قانتين، قائمين طائعين، لأن العبادة تحلو في جوف الليل، وتكون دليلا على الإخلاص والصدق، وحب التقرب من الله تعالى، كما جاء عن عبادة الليل في آية أخرى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) [المزمل: ٧٣/ ٦] . وكل إنسان مكلف بالتهجد بقدر الاستطاعة. ٤- والصفة الرابعة: هي الخوف من عذاب الله في جهنم، فهم يدعون ربهم بصرف عذاب النار عنهم، حتى يكونوا دائما في حذر وخوف مع الرجاء، وحيث يكون ذلك دليلا على صحة عقيدتهم وإيمانهم، وتطابق أعمالهم مع اعتقادهم، وعلة الدعاء على هذا النحو: أن عذاب جهنم ملازم للإنسان العاصي، ثقيل على النفس، وإن جهنم بئس المستقر أو المكان هو، وبئس موضع الإقامة هو أيضا. ٥- والصفة الخامسة: هي الاعتدال في الإنفاق أي ترك الإسراف والتقتير. فإن شأن المؤمنين إذا أنفقوا على أنفسهم لم يكونوا مبذّرين في النفقة، فلا تزيد عن الحاجة، ولا بخلاء مقترين، فيقصرون في أداء الحق والواجب، وإنما ينفقون أموالهم بنحو عدل وسط، بقدر الحاجة. والقصد من هذه الصفة: هو جعل نفقة الطاعات في المباحات من غير إفراط ولا تفريط، فلا يسرف حتى لا يضيع أو يهدر ثروته في وقت قصير، ولا يقتّر فيضيع حقا آخر أو يهمل عياله وأهله، أو يجيعهم ويفرط في الشح والبخل، والحسن في ذلك: هو القوام أي العدل، والقوام في كل واحد: بحسب عياله وحاله، وبمدى قدرته أو جلده وصبره على الكسب، وخير الأمور أوساطها، كما جاء في آية أخرى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) [الإسراء: ١٧/ ٢٩] . أما النفقة في العبادة التي توهم غير المراد منها: فهي أمر قد حظرت الشريعة قليلة وكثيره، وكذلك التعدي على مال للآخرين.

стр. 1810

صفات عباد الرحمن - ٢- لم يقتصر الحق تعالى في بيان صفات عباد الرحمن- وهم المؤمنون حقا- على الاتصاف الإيجابي بصفات السداد والاعتدال، والعبادة والدعاء، وإنما عليهم تجنب الحرام والاعتداء على الحرمات في النفس والمال والعرض، وإهدار حقوق الآخرين وتزوير الحقائق. ويظلون على هذا مع قبول الموعظة الحسنة للاستزادة من التحلي بالفضيلة، والطلب من الله تعالى باستمرار حسن الحال، في النفس والزوجة والذرية، والقدوة لجميع الأتقياء، لتبقى قافلة الهدى والصلاح سائرة في مسيرتها الظافرة، ويكون المصير حسنا بالتمتع في جنان الخلد، وخلود النعيم والرضوان الإلهي، علما بأن ثمرة الطاعة والاستقامة تعود لصاحبها، ولا تنفع الله طاعة، ولا تضره معصية، قال الله تعالى مبينا هذه الخصال: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٦٨ الى ٧٧] وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»

стр. 1811

«١» «٢» «٣» [الفرقان: ٢٥/ ٦٨- ٧٧] . نزلت آية وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ فيما أخرجه الشيخان عن ابن عباس في أناس من أهل الشرك أكثروا من القتل والزنا، فسألوا النبي ﷺ عن كفارة لأعمالهم السابقة، فنزلت: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآيات. وكذلك آية إِلَّا مَنْ تابَ نزلت فيما أخرجه البخاري عن ابن عباس بعد الآيات السابقة، حينما قال مشركو مكة: قد قتلنا النفس بغير حق، ودعونا مع الله إلها آخر، وأتينا الفواحش، فنزلت: إِلَّا مَنْ تابَ الآية. هذه تتمة صفات عباد الرحمن وبيان جزائهم في الآخرة، لنفعهم المحض، لا لله المعبود. ٦- الصفة السادسة للمؤمنين عباد الرحمن: هي اجتناب الشرك والقتل والزنا، فهم لا يعبدون مع الله شريكا آخر، ولا يقتلون النفس عمدا إلا بحق كالقصاص وعقوبة الرجم وعقاب المرتد. ومن يفعل إحدى هذه الجرائم الثلاث، يجد في الآخرة عقابا شديدا مضاعفا ضعفين: أحدهما على الكفر، والآخر على المعصية الكبيرة، ويخلد في نار جهنم إلى الأبد مع الإهانة والإذلال، إلا أن التائب من المعصية ولو كانت قتلا، تكون توبته بالإقلاع عنها والندم عليها، والتصميم على تركها في المستقبل، والتصديق بالله ورسوله وآخرته، وفعل الأعمال الصالحة، وحينئذ يمحو الله عنه بالتوبة سيئته، ويبدل مكانها حسنة، ويغفر الله له ويرحمه. وتبديل السيئات بالحسنات معناه: أن يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة، فيكون ذلك سببا

стр. 1812

لرحمة الله إياهم. ثم أكد الله تعالى أمر التوبة، فذكر: ومن تاب، فإنه قد تمسّك بأمر وثيق، أي فيقبل الله توبته، لرجوعه إلى ربه رجوعا مرضيا. ٧- والصفة السابعة: هي اجتناب شهادة الزور وهي الكذب على غيره متعمدا، لأن الزور هو الكذب، والمعنى لا يشهدون الزور، فهي من الشهادة، لا من المشاهدة. وهم أيضا لا يحضرون مجالس الزور، وهو كل باطل مزور ومزخرف، وإذا صدف مرورهم بذلك، مرّوا غير متدنسين منه بشيء. فيكون المراد من هذه الصفة: ترك حضور الزور وكل بهتان وإثم، وأعظمه الشرك. ٨- والصفة الثامنة: هي قبول الموعظة، فإن عباد الرحمن إذا ذكّروا بآيات ربهم، حرصوا على استماعها، وأقبلوا على تلقيها بآذان صاغية، وقلوب واعية، وأبصار متفتحة. ٩- والصفة التاسعة: الابتهال إلى الله، فعباد الرحمن: هم الذين يبتهلون إلى ربهم، داعين الله أن يرزقهم زوجات صالحات، وأولادا أتقياء، وأن يكونوا قدوة حسنة، وأئمة يقتدى بهم في الخير واتباع الدين. ثم ذكر الله تعالى جزاء عباد الرحمن وهو أنهم يجزون بالدرجات العالية في الجنان ويتلقون التحية والسلام والإكرام، بسبب صبرهم على الطاعة، وعن المعصية. وهم خالدون في النعيم الأبدي الذي لا ينقطع، وحسن ذلك المقر والمقام. ثم ختم الله تعالى سورة الفرقان وبيان صفات عباد الرحمن بإعلان واضح: مفاده أن الله غني عن عباده، فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، ولا يبالي الله بهم لولا إقبالهم على دعائه ومناجاته. وأما أنتم يا معشر الكافرين فإنكم كذبتم رسلي، ولم تؤمنوا بلقائي، فسوف يكون تكذيبكم سببا ملازما لعذابكم.

стр. 1813

تفسير سورة الشعراء تهديد المشركين لإعراضهم عن القرآن الكريم كان موقف المشركين المعارض لدعوة النّبي ﷺ سببا في أمرين: تأكيد العناية والحرص على سلامة النّبي من الأذى، وتطمين نفسه، وإزالة ما به من القلق، وتهديد أهل الشّرك صراحة بإنزال آية من آيات العذاب الكبرى، فتبيد آثارهم، وتجعلهم عبرة للمعتبر، لأنهم كذبوا الرسول وآيات القرآن، ولم يشكروا نعمة الله عليهم، مما أوجده في الأرض من أصناف كريمة للخير والرزق الحسن، وهم مع ذلك يظل أكثرهم غير مؤمنين، والله هو الغالب القاهر الرحيم بالتائبين منهم. قال الله تعالى واصفا هذه الأحوال في مطلع سورة الشعراء المكّية: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) «١» «٢» [الشّعراء: ٢٦/ ١- ٩] . افتتحت هذه السورة بأحرف طسم (١) للتنبيه، وتحدّي العرب بالإتيان بمثل القرآن الكريم، باعتباره متكوّنا من مادة لغتهم وحروفها الأبجدية، وهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة والبيان. فإذا عجزوا عن ذلك دلّ على أنه كلام الله الموحى

стр. 1814

به إلى نبيّه. وهذه هي آيات القرآن الواضحة الدالّة على تمييز الحق من الباطل، والهدى من الضّلال. ولعلك أيها النّبي بسبب تكذيب المشركين لدعوتك قاتل نفسك ومهلكها بالهمّ حزنا على عدم إيمانهم. وهذا إيناس له عما كان فيه من القلق والحرص على إيمانهم. إننا إن شئنا ننزل عليهم آية سماوية تلجئهم إلى الإيمان وتقسرهم عليه، فتصبح رقابهم خاضعة ذليلة لما نريد، ولكنا لا نفعل ذلك، لأننا نريد أن يكون الإيمان عن طواعية واختيار ورضا تام، لا بالإكراه. لكن هؤلاء الكفار، كلما جاءهم كتاب من السماء يذكّرهم به الرّحمن بضرورة الإيمان وترك الشّرك، أعرضوا عنه، وكلما أنزل الله موعظة تذكّرهم، جدّدوا الإعراض والتكذيب. والقصد من قوله تعالى: مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ أي محدث الإتيان، والمراد أن مجيء القرآن للبشر كان مجيء شيء بعد شيء. فإنهم كذبوا القرآن والحق، ثم بادروا إلى الاستهزاء، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب والاستهزاء، في مستقبل الزمان. ولما كان إعراضهم عن النظر في الإله الصانع أعظم كفرهم، وكانوا يجعلون الأصنام آلهة، ويرفضون كل تذكرة، نبّه الله تعالى على قدرته وأنه الخالق المستحق العبادة بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ أي أو لم ينظروا إلى الأرض التي أوجدها الله، وأنبت فيها من كل صنف ونوع حسن متقن، كثير النفع، من الزروع والثمار، فيستدلّوا بذلك على عظمة سلطان الله، وعظيم قدرته. ويشمل ذلك كل ما به قوام الحياة والأمور، والأغذية والنباتات، ويدخل في ذلك الحيوان، لأنه عن إنبات، كما قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) [سورة نوح: ٧١/ ١٧] . قال الشعبي: الناس: من نبات الأرض.

стр. 1815

إن في ذلك الإنبات للأشياء لدلالة على قدرة الخالق للأشياء، وقدرته على البعث والإحياء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره، واقترفوا نهيه ومعصيته. وإن ربّك أيها الرسول النّبي لهو القادر على كل ما يريد، القاهر الغالب، الذي قهر كل شيء وغلبه، الرّحيم بخلقه ولا سيما التائبين منهم، فلا يعجل انتقامه من العصاة، بل يمهلهم ويؤجلهم، لعلهم يرجعون عن غيّهم وضلالهم، ثم إن لم يرجعوا يأخذهم بالعقاب أخذة فجأة وألم وحسرة. والمراد من آية: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) أنه عزّ في نقمته من الكافرين، ورحم مؤمني كل أمة، وفي لفظة الرَّحِيمُ وعد كريم من الله بإضفاء رحمته على أهل التوبة والإيمان، ووعد الله منجز، وفضله سابغ شامل. قصة موسى ﵇ مع فرعون - ١- تذكير فرعون بتربية موسى إن محنة الأنبياء ﵈ شاقة وصعبة، لا سيما إذا كان تبليغ دعوتهم لمثل فرعون المتألّه الطاغية الجبّار، ولكنهم ملزمون بتنفيذ الأمر الإلهي، فقد أمر الله موسى بدعوة فرعون إلى عبادة الله وحده، وإرسال بني إسرائيل معه ومع أخيه، فعاتبه فرعون على فعلته الخطأ بقتل مصري، وامتن عليه بتربيته عنده صغيرا، ولكن موسى ﵇ اعتذر عن فعلته بأنها خطأ محض، وكانت قبل النّبوة، وقابل الامتنان بالتربية بأن فرعون فعل ما هو أخطر وأسوأ وهو استعباد قومه بني إسرائيل. وهذا ما قصّه علينا القرآن الكريم، ليظلّ عبرة لمن يتذكر أو يخشى، فقال الله سبحانه:

стр. 1816

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٠ الى ٢٢] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) «١» » «٣» «٤» [الشّعراء: ٢٦/ ١٠- ٢٢] . التقدير في بدء الكلام: واذكر إذ نادى ربّك موسى، وسوق هذه القصة تمثيل لكفار قريش لتكذيبهم محمدا ﷺ ، وإيناس للنّبي ﷺ عما يلقاه من صدود قومه وتكذيبهم له. والمعنى: اذكر أيها الرسول لقومك حين نادى الله موسى من جانب الطور الأيمن بالوادي المقدس طوى، وناجاه، وجعله رسولا، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه الظّالمين أنفسهم بتأليه فرعون، واستعباد بني إسرائيل، وقال له: قل لهم: ألا يتقونني ويخافون انتقامي في الآخرة؟! والعبارة: أَلا يَتَّقُونَ جمعت بين معنى نفي التقوى عنهم، وأمرهم بالتقوى. فقال موسى مجيبا ربّه: يا ربّ، إني أخشى تكذيبهم لي، فأقع في ضيق الصدر، وعدم انطلاق اللسان، تألّما بما يعملون، فاجعل معي أخي هارون رسولا نبيّا مثلي، يعينني ويؤازرني، وكان هارون ﵇ وزيرا فصيحا، واسع الصدر. ثم أبدى موسى مخاوفه من فرعون وقومه، ومنها خوف القبط من أجل ذنبه، وهو

стр. 1817

قتله الرجل الذي وكزه، فخشي أن يقتصّ منه، فقال الله له ردّا لقوله: كَلَّا لا تخف من شيء، فإني متكفّل بتغلّبك ونصرك. وأمره ربّه أن يذهب مع أخيه هارون بآيات الله: وهي جميع ما بعثهما الله تعالى به، وأعظم ذلك: العصا، ثم اليد، إننا سامعون ما يقولون وما يجيبون. وقال لهما: اذهبا إلى فرعون، فقولا له برفق ولين: إننا رسولان من ربّ العالمين، فأطلق حرية الإسرائيليين وأرسلهم معنا إلى الأرض المقدسة، ليعبدوا الله بحرية، وكانت بعثة موسى إلى فرعون بأمرين: أحدهما: إرسال بني إسرائيل وإزالة ذلّ العبودية والغلبة عنهم، والثاني: أن يؤمن فرعون ويهتدي مع قومه. وقوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ وارد على جهة التعظيم والجبروت الذي لله ﵎، وليس المراد من مُسْتَمِعُونَ طلب الاستماع، وإنما إظهار الاهتمام لإيناس موسى ﵇. فكان موقف فرعون متميّزا بالإعراض والازدراء، والتقريع والعتاب بأمرين: الأول: قوله- أي فرعون- لموسى: ألم نربّك في قصورنا صغيرا، ولم نقتلك كبقية الصّبية، ومكثت معنا مدة من السنين، قيل: إنها ثلاثون سنة. ثم تقابل الإحسان بجحود النعمة، وتبادرنا بالقول الغريب؟! الثاني: فعلت فعلتك الشنيعة وهي قتل الرجل المصري القبطي الذي وكزته، فقضيت عليه، وهو من رعيّتي وأتباعي. والفعلة: المرة من الفعل. وكانت الفترة بين قتل القبطي وبين رجوع موسى إلى فرعون نبيا: أحد عشر عاما غير أشهر، كما ذكر ابن عطية. فأجابه موسى: فعلت تلك الفعلة السّيئة وهي قتل القبطي، وأنا من المخطئين غير المتعمّدين، قبل أن يوحى إلي بالرسالة والنّبوة. فولّيت هاربا منكم إلى أرض مدين،

стр. 1818

خوفا من بأسكم، فوهب لي ربي الحكم، أي الفهم والعلم والنّبوة. وأما الامتنان بالتربية فلم تكن تربية حسنة، وإنما أسأت إلى قومي بني إسرائيل، حين استعبدتهم، فجعلتهم عبيدا وخدما أذلاء، فهل الإحسان إلى رجل واحد منهم له اعتبار إذا قورن بالإساءة إلى مجموع قوم، قتّلت أبناءهم، واستبقيت نساءهم أحياء للخدمة؟! إنها ليست بنعمة لأن الواجب كان ألا تقتلني وألا تقتلهم، وألا تستعبدني ولا تستعبدهم بالقتل ولا بالخدمة وغير ذلك. فحاجّه موسى في الأمرين. - ٢- النّقاش الدائر حول إثبات وجود الله بين موسى وفرعون استمرّ الجدل والحوار مدة من الزمان بين موسى ﵇ وفرعون حاكم مصر، وقد ابتدأ الحوار حول التاريخ الماضي لموسى في مصر، في عهد الطفولة والشباب، ثم دخل الحوار في أمر جوهري حول إثبات وجود الله تعالى، والتعرف على حقيقته وذاته، فكان جواب موسى صارفا البحث عن حقيقة الذات الإلهية، إلى بيان المهم والمفيد: وهو بيان الأفعال والآثار الدّالة على الله تعالى. وهذا ما أوضحته الآيات الآتية: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٣ الى ٣١] قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) [الشّعراء: ٢٦/ ٢٣- ٣١] . حينما لم يجد فرعون فائدة في الجولة الأولى من المبارزة أو الجدل مع موسى عليه

стр. 1819

السّلام حول التربية وترك القتل، اتّجه إلى معارضة موسى في قوله: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ فاستفهمه استفهاما عن مجهول من الأشياء، كما يستفهم عن الأجناس الغريبة، فقال فرعون: وما حقيقة ربّ العالمين الذي أرسلك؟ وهل هناك إله غيري؟ فأجابه موسى ﵇: الله: هو خالق السماوات والأرض ومالكهما ومدبّرهما، والمتصرّف فيهما، والمهيمن على ما بينهما من مخلوقات، كلهم خاضعون لله طوعا أو كرها، وذلك إن كنتم موقنين بضرورة إسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود لذاته، فاعلموا أنه هو الله، ولا يمكن تعريفه إلا بأفعاله وآثاره. فقال فرعون الذي لم يعجبه الجواب، لمن حوله من حاشيته، على سبيل التّهكّم والاستهزاء وتكذيب موسى: ألا تعجبون من جوابه، وألا تستمعون لمواربته وبعده عن الجواب الحقيقي؟ أسأله عن حقيقة ربّ العالمين، فيذكر أفعاله وآثاره. فأجاب موسى بجواب آخر أخصّ مما سبق وأدلّ على المقصود، لأنه واقع محسوس مشاهد لهم: إن الله تعالى هو خالقكم وخالق آبائكم المتقدمين، فهو الذي أحدثهم وأوجدهم، وهو الواجب لذاته، الباقي بعد فناء خلقه، لا أول له ولا آخر. فلم يرض فرعون أيضا بهذا الجواب. وقال لقومه: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لا عقل له، ولا يفهم السؤال، وإنه لمجنون يخلط في كلامه. فأجاب موسى ﵇ بجواب ثالث أوضح: إن الله تعالى هو ربّ المشرق الذي تشرق منه الشمس في الصباح، وربّ المغرب الذي تغرب فيه الشمس في المساء، ومثلها سائر الكواكب والنجوم الثوابت والسّيارة، مع انتظام دورانها في مداراتها. وهذا الجواب يبين مدى عجز فرعون الذي لم يكن له إلا ملك مصر، وأما الله سبحانه فله ربوبية المشرق والمغرب. وذلك إن كنتم تعقلون هذا الكلام وتفكّرون في قدرة الله تفكيرا سليما.

стр. 1820

ثم اتّجه فرعون إلى الملاذ الأخير للتّغلب على موسى ﵇: وهو التّهديد باستخدام القوة والقهر، والطّرد أو السجن، فقال لموسى: لئن اتّخذت إلها غيري، لأجعلنك في عداد المسجونين في غياهب السجون، وتبقى فيها حتى تموت، وكان سجن فرعون أشدّ وأسوأ من القتل. فقال موسى ﵇ قولا يناسب التهديد والوعيد: أتفعل هذا وهو السجن، ولو أتيتك بحجة واضحة على صدق دعواي النّبوة؟ وهي المعجزة الخارقة للعادة، الدالة على وجود الله تعالى. قال فرعون: فأت بهذا الشيء الذي يشهد لك، ويدلّ بوضوح على صدق رسالتك إن كنت صادقا في دعواك ومؤيّدا في قولك. يلاحظ من هذا الحوار المثير أن هناك بعدا شديدا في وجهات النظر والمواقف بين موسى النّبي، وبين فرعون الحاكم، وليس هناك استعداد لدى فرعون بالاستجابة لهدي النّبوة والرّسالة الإلهية، لأن غرور السلطة والجبروت يحجب فرعون عن التفكير السديد، ويجعله أسير الاعتماد على الحكم الغاشم وادّعاء الألوهية. - ٣- معجزة موسى ﵇ من المعلوم أن كل نبي يحتاج عادة لبرهان غريب لإثبات صدقه في ادّعائه النّبوة والرّسالة، وذلك يتم بما هو معروف بالمعجزة: وهي الأمر الخارق للعادة، أي بما لا يستطيعه البشر العاديون بحسب المعتاد. وكانت معجزة كل نبي تتناسب مع عصره. وتفوق مألوفات العصر، فموسى ﵇ كانت معجزته العصا واليد التي أحبطت عمل السّحرة، وفاقت السّحر كله، وعيسى ﵇ كانت معجزته إبراء

стр. 1821

الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، مما فاق عمل الأطباء وخبراتهم، ومحمد ﷺ كانت معجزته القرآن الكريم أرقى مستوى بلاغي في الفصاحة والبيان، فلم يستطع العرب الفصحاء مجاراته والإتيان بمثله. قال الله تعالى مبيّنا معجزة موسى ﵇: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٣٢ الى ٤٢] فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) «١» «٢» «٣» «٤» [الشّعراء: ٢٦/ ٣٢- ٤٢] . عرض موسى ﵇ على فرعون إثبات صدق ادّعائه النّبوة والرسالة بالمعجزة الخارقة للعادة، بتأييد الله وإيجاده، فقبل فرعون الطلب، مضمرا إبطاله أو خرقه والتهوين به، فألقى موسى عصاه التي كان يتوكّأ عليها، فانقلبت ثعبانا واضح الملامح، ظاهر الحركة، من غير لبس ولا تمويه، والثعبان أعظم الحيّات، ثم عادت عصا كما كانت. ونزع موسى يده من جيبه، فإذا هي تتلألأ للناظرين كأنها قطعة من الشمس، فلما رأى فرعون ذلك هاله، ولم يجد مدفعا له، غير أنه بادر إلى رميه بالسحر، وطمع- لعلوّ علم السّحر في ذلك الوقت وكثرته- أن يجد في السّحر سببا لمقاومة موسى ﵇. ثم حاول فرعون تشوية وضع موسى، والتحريض عليه، وحمل قومه على تكذيبه، فذكر أمورا ثلاثة:

стр. 1822

١- قال لحاشيته من القادة والأشراف: إن هذا الرجل لبارع في السّحر، وفعله هذا نوع من السّحر. ٢، ٣- وإنه يريد إخراجكم من بلادكم، والتّغلب عليكم بسحره، وإثارته الفرقة بينكم، فأشيروا علي ماذا أصنع به؟ وأغراهم به، وحرّضهم على إبعاده، والتّخلص منه. فأشاروا عليه بتأخير أمره وأمر أخيه، وجمع السحرة لمقاومته، من طريق طلب مهرة السّحرة وأساطينهم، وتجميعهم من أنحاء البلاد، فيأتونك بكل خبير ماهر في السّحر، فيقابلون موسى بنظير ما جاء به. ولم يشيروا بقتله لأن حجّته نيّرة، وضلالتهم في ربوبية فرعون واضحة، فخشوا الفتنة بالمناظرة، وطمعوا بحجّة تقنع العوام. والسّحّار: بناء للمبالغة لكلمة ساحر. وكان ذلك تدبيرا وإلهاما إلهيّا لتظهر حجة موسى ﵇، ويتغلّب على كل من ناوأه أو عارضة. فجمعت السّحرة في موعد يوم معلوم: هو يوم الزينة: وهو يوم عيد شهير عندهم. وكان السّحرة أسحر الناس وأعلمهم وأعرفهم بفنّ السّحر، وكانوا فئة متنوّرة مثقّفة بين الناس، وجمعا كبيرا. وطلب فرعون من الناس الاجتماع، وحثّهم أي فرعون على الحضور، لمشاهدة المبارزة بين الجانبين، ظنّا من فرعون بالغلبة، وأراد القوم ذلك الموقف، ورغب موسى ﵇ في هذا التّجمع، لتعلو كلمة الله، وتتغلب حجة الله على حجة الكافرين. وقال قائلهم: إنا لنرجو أن يتغلب السّحرة، فنستمرّ على دينهم، ولا نتّبع دين موسى. ولما قدم السّحرة إلى مجلس فرعون، قالوا: هل لنا من أجر مالي أو غيره إن انتصرنا على موسى؟ قال: نعم، لكم الأجر، وزيادة على ذلك أجعلكم من المقرّبين

стр. 1823

عندي ومن جلسائي، ويلاحظ أنهم ابتدؤوا بطلب الجزاء وهو إما المال وإما الجاه، فبذل فرعون لهم كلا الأمرين. ولكن تدبير الله فوق كل تدبير، وكان الفوز لموسى ﵇ في صميم الحال العامة التي توقع فيها فرعون وقومه إنزال الهزيمة الساحقة بموسى، وإنهاء شأن دعاويه ومحاولاته حمل القوم على رسالته، ولكن قد يؤتى الحذر من مأمنه، وهكذا حدث. - ٤- المبارزة بين موسى ﵇ والسّحرة كانت الحسابات المتوقعة في منطق القوة التي لا تعتمد على شيء من الإيمان أن موسى ﵇ سينهزم، وأن السّحرة سيتغلّبون، ولكن في منطق الإيمان بالله ربّ العالمين تتغيّر كل الحسابات، وتنقلب الموازين، وكان لترتيب المبارزة أثر كبير في قلب الأوضاع، حيث أدّت مهارة موسى ﵇ وتوفيقه من ربّه، بتقديم فعل السّحرة أولا، وتأخّر فعل موسى، إلى نجاح كبير، وحدث ما لم يتوقعه أحد، وهو إيمان السّحرة بربّ العالمين، ربّ موسى وهارون. وفي ذلك النجاح الباهر حدث كبير، يهزّ مشاعر النفوس المؤمنة، ويدفع أهل الإيمان إلى شدّة الثبات على العقيدة وزيادة الإيمان، كما يخدش كبرياء المتغطرسين الذين يفتقدون معيار الإيمان، ولا يدركون معناه. قال الله تعالى مبيّنا هذا المشهد العجيب: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٤٣ الى ٥١] قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) «١»

стр. 1824

«١» «٢» «٣» [الشّعراء: ٢٦/ ٤٣- ٥١] . ابتدأ الحوار بين موسى ﵇ والسّحرة عن أيهما البادئ بالفعل، فقدّمهم موسى، قائلا لهم: ألقوا ما تريدون إلقاءه من العصي والحبال، ثقة وإيمانا منه بأن الله غالبة ومؤيّده، ويجعل ما يلقونه طعمة لعصاه الثعبان المبين. فألقوا ما معهم من الحبال المطلية بالزّئبق والعصي المحشوة به، وقالوا: بعزّة فرعون- أي بقوته وجبروته- إنا لنحن الغالبون. ولما حميت الشمس، تحركت العصي والحبال، وخيّل إلى موسى أنها تسعى، وسحروا أعين الناس، واسترهبوهم، وجاؤوا بسحر عظيم. ثم ألقى موسى عصاه، فانقلبت ثعبانا عظيما، فابتلعت كل ما وجدته في حلبة المبارزة من عصي وحبال. وتَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ معناه: تبتلع ما يكذبون معه وبسببه. فخرّ السّحرة ساجدين لله تعالى بلا مبالاة ولا شعور، لأنهم أدركوا أن ما فعله موسى فوق قدرة البشر، وأنه من فعل الله تعالى ربّ موسى وهارون، وأما فعلهم: فهو مجرد تمويه وتزييف وتخييل. ونائب فاعل فَأُلْقِيَ هو الله . ورأوا أن الغنيمة هي الإيمان والتّمسّك بأمر الله ، فسجدوا كلهم لله تعالى مقرّين بوحدانيته وقدرته، ووصلوا إلى إيمانهم بسبب موسى وهارون ﵉، وقالوا: صدّقنا واعترفنا بالله ربّ العالمين، وأكّدوا ذلك بأنه هو ربّ موسى

стр. 1825

وهارون، غير آبهين بعزة فرعون وجبروته. وهذا دليل على إسقاط ألوهية فرعون وربوبيته. ولما رأى فرعون والملأ إيمان السّحرة، وقامت الحجة بإيمان أهل علمهم ومظنّة نصرتهم، وقع فرعون في الورطة العظمى، فوقف موبّخا لهم على إيمانهم بموسى قبل إذنه، وقال: أتؤمنون بموسى قبل استئذاني، وكيف تعصون أمري، وأنا الحاكم المطاع؟ وأضاف فرعون قائلا: وإنكم فعلتم ذلك بتواطؤ بينكم وبينه، ولم تقوموا بمقتضى السّحر، ليتغلّب موسى. وهذا تلبيس على القوم، لئلا يعتقدوا أن إيمان السّحرة حقّ. ولسوف تعلمون وبال فعلكم، ومدى عقابكم. وهذا تهديد ووعيد. وإني لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، بقطع اليد اليمنى، والرّجل اليسرى، ولأصلبنكم في جذوع النّخل بعد ذلك. فأجابوه قائلين: لا ضير، أي لا حرج ولا ضرر علينا من ذلك، ولا نبالي به، فكل إنسان ميت ولو بعد حين، ومرجعنا إلى الله ، وهو سبحانه لا يضيع أجر المحسنين. وهذا لبّ الإيمان وإخلاص اليقين الذي لا شائبة فيه من رغبة في نفع، أو رهبة من عقاب، والمراد: فلا يضيرنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه: وروي: أن فرعون أنفذ فيهم ذلك الوعيد، وصلبهم على النيل. وأضاف السّحرة قائلين: وإننا نرجو أن يغفر الله لنا ذنوبنا وسيّئاتنا بفعل السّحر، لأجل كوننا أول أفواج أهل الإيمان الذين شهدوا هذا الموقف، من القبط وصنيعتهم. وهذا الموقف المشهود لإيمان السحرة سيظل مبعث تخليد وتقدير، فرحم الله سحرة فرعون ورضي الله عن أولئك الذي انقلبوا في مشهد رهيب قادة أهل الإيمان، وقمة الشهداء البررة في سبيل العقيدة الحقّة بالله .
следующие страницы →