«١» «٢» [القصص: ٢٨/ ٥٦- ٦١] .
والمعنى: إنك أيها النّبي لا تستطيع هداية من شئت، ولكن هداية التوفيق بيد الله تعالى، والله أعلم بمن هو أهل الاهتداء، فما عليك أيها النّبي إلا البلاغ والدعوة إلى الله، وبيان الشريعة.
وقد أجمع أكثر المفسّرين على أن هذه الآية إنما نزلت في شأن أبي طالب عم النّبي ﷺ ،
فإنه دخل عليه النّبي، وطالبه بالإيمان، فأجابه: «يا محمد، لولا أني أخاف أن يعيّر بها ولدي من بعدي، لأقررت بها عينك، ثم قال أبو طالب: أنا على ملّة عبد المطّلب والأشياخ «٣» ، فتفجّع رسول الله ﷺ وخرج عنه، فمات أبو طالب على كفره، فنزلت هذه الآية: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
إشارة إلى أبي طالب.
وقال مشركو قريش في تسويغ عدم إيمانهم برسالة النّبي ﷺ واعتذارهم عنه: إن اتّبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا ما عليه بقية العرب، خفنا أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، فردّ الله تعالى عليهم بأمور ثلاثة:
الأول- تأمين الحرم وأهله: إن هذا الاعتذار كذب وباطل، لأن الله تعالى جعل قريشا في بلد آمن، وحرم آمن، ويستمر فيه الأمن حال كفرهم وإيمانهم.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن أناسا من قريش قالوا للنّبي ﷺ : إن نتّبعك تخطّفنا الناس،
стр. 1927
فنزلت هذه الآية: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً.
والمعنى: إنهم لا يقدّرون هذه الأرزاق الآتية لهم من كل شيء ومكان، تفضّلا من الله ونعمة، ولكن أكثرهم جهلة لا يعلمون الحق والخير.
والثاني- ليعلم هؤلاء المعتذرون من أهل مكة عن الإيمان خوفا من زوال النّعم:
أن عدم الإيمان هو الذي يزيل النّعم، فكثيرا ما أهلك الله أهل القرى السابقة، التي كفرت وطغت وجحدت بأنعم الله، وبطروا وتكبّروا، فأصبحت مساكنهم خاوية على عروشها، لا يسكنها أحد بعدهم إلا لمدة قليلة، أثناء السفر والعبور، وأصبح الوارث لها هو الله تعالى، لأنها صارت خرابا، لا يخلفهم فيها أحد. وهذا توعّد من الله تعالى لقريش بضرب المثل بالقرى المهلكة، والمراد: فلا تغتروا أيها المكّيون بالحرم الآمن، والثمرات التي تجبى لصلاح حالكم وقوام أمركم، فإن الله تعالى مهلك الكفرة بسبب ظلمهم. وهذا دليل على عدل الله في خلقه، فلا عقاب إلا بعد بيان، ولا هلاك إلا بعد ظلم وجحود.
فلم يكن إهلاك أهل القرى من ربّهم إلا بعد إنذار، حيث يرسل لهم رسولا في عواصمهم، يبين لهم الآيات الدالّة على وجود الله وتوحيده، حتى لا يبقى لهم حجة بالجهل، ولا عذر بطمس معالم الحق، ثم لا يكون الإهلاك لقوم إلا وهم ظالمون أنفسهم بإنكار الآيات الإلهية وتكذيب الرّسل.
والرّد الثالث- هو أن الإيمان بالله لا يضيّع منافع الحياة الدنيوية، لأن التمتع بها مهيأ لجميع المخلوقات، علما بأن جميع ما في الدنيا من مال وولد وزينة ومتاع، إنما هو متاع مؤقت وزينة زائلة، لا يجدي عند الله شيئا منها، وهو لا بد زائل، وزهيد قليل إذا قيس بنعم الآخرة، فإن نعيم الآخرة باق دائم، وهو خير محض في ذاته، وأفضل من متاع الدنيا، أفلا تتفكرون أيها الناس في أن منفعة الباقي الدائم أولى بالإيثار من منفعة المؤقت الزائل؟!
стр. 1928
ولا يستوي المؤمن والكافر في الجزاء، وكيف يستوي المؤمن بكتاب الله، المصدّق بوعده، المتأمّل فضل الله وملاقيه، والكافر الكذوب، المتمتّع بحطام الدنيا أياما قليلة، ثم يحضره الله يوم القيامة، ليتلقى العذاب المهين؟! وهذه الآية: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ.. نزلت كما أخرج ابن جرير عن مجاهد في النبي ﷺ وفي أبي جهل بن هشام. وقيل: في حمزة وأبي جهل.
أسئلة تقريع للمشركين يوم القيامة
ناقش القرآن الكريم المشركين في عقائدهم الفاسدة، مبيّنا لهم ما يتعرّضون له من أسئلة، وهذا غاية الصراحة والإخلاص والبيان السابق، إنهم عبدوا الأصنام والأوثان، فهل تستطيع مناصرتهم؟ ودعوا تلك الآلهة المزعومة لتخليصهم من العذاب، فلم يجيبوا، وسئلوا عن توحيد الله وإجابتهم رسلهم، فلم يجدوا جوابا مقنعا، فأفلسوا ووقعوا في اليأس والإحباط. إن هذه المناقشة تستدعي التأمل والوعي والتفكّر، إن كان الوثنيون من ذوي العقل والرّشد، وأرادوا النّجاة والخير لأنفسهم، ولكنهم بعدوا عن مقتضى العقل، فخابوا وخسروا. قال الله تعالى واصفا هذه الحال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٢ الى ٦٧]
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)
فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)
«١» «٢» [القصص: ٢٨/ ٦٢- ٦٧] .
стр. 1929
هذه مواقف ثلاثة مثيرة للخجل والندم، موقعة في العجز والإحباط، مفادها التوبيخ والتأنيب للمشركين في يوم الحساب، والإشارة لقريش:
الأول- اذكر أيها النّبي يوم ينادي الله المشركين عبّاد الأصنام، إما بواسطة أو بغير واسطة، فيقول لهم: أين الآلهة التي زعمتم أنها شركاء في الألوهية؟ بمقتضى قولكم وزعمكم. والمقصود من السؤال: التوبيخ والتقريع، إذ لا جواب عندهم، وكأن ذلك موجّه أصالة للأعيان والرؤوس منهم، الذين أوقعوا غيرهم في الغواية والضّلال، تأكيدا لاستحقاقهم العذاب المضاعف، لكنهم طمعوا في التّبري من الأتباع، فأجابوا وقد ثبت عليهم مقتضى القول، ولزمهم العذاب: ربّنا هؤلاء هم الأتباع الذين آثروا الكفر على الإيمان باختيارهم وإرادتهم، وهؤلاء أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهاد لنا ولهم، وأحبّوا الكفر كما أحببناه، فنحن نتبرأ إليك منهم، وهم لم يعبدونا، إنما عبدوا غيرنا. وهذا يعمّ جميع الكفرة، لكن الجواب من المغوين من الشياطين: الجنّ، ومن الإنس: الرؤساء والسّادة.
الثاني- نداء آخر للكفار لمعرفة ما أجابوا المرسلين الذين دعوهم إلى توحيد الله تعالى، فيقال لهم: ادعوا شركاءكم الآلهة لتخليصكم مما أنتم فيه، كما كنتم ترجون في الدنيا، فدعوهم لفرط الدهشة والحيرة، فلم يجيبوهم عجزا عن الجواب، وتيقنوا أنهم صائرون إلى عذاب النار، وودّوا حين معاينة العذاب المحيط بهم، لو أنهم كانوا مهتدين إلى الإيمان بالحق والدين القويم. وهذا توبيخ وتقريع آخر، لكشفهم أمام الناس، والله يعلم كل ذلك سلفا.
الثالث- واذكر أيها النبي يوم ينادي الله أهل الشرك، لمعرفة جوابهم للمرسلين إليهم، وهل استجابوا لدعوتهم لتوحيد الله تعالى، وإلى أصول الأخلاق، وعبادة الله تعالى، وإصلاح الحياة. ولكن أظلمت الأمور عليهم،
стр. 1930
وخفيت الأدلة الدفاعية المقنعة، ولم يجدوا معتصما غير السكوت، لما اعتراهم من الاندهاش والذهول. وجاء الفعل: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ بصيغة الماضي، لتحقّق وقوعه، وأنه تعيّن، والماضي من الأفعال متيقّن، فيعبر به عن المستقبل المتيقّن، لتأكيد وقوعه وتقوية صحته. والمعنى: أظلمت جهات الأمور عليهم. ولم يبق لديهم أمل في مساءلة بعضهم بعضا لحلّ المشكلات، لأنهم قد أيقنوا أنهم جميعا، لا حيلة لهم ولا مكانة، ولا أمل في النجاة.
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء المشركين الآيسين من رحمة الله أولئك الذين تابوا من كفرهم، وآمنوا بالله ورسله، وعملوا بتقوى الله، فهؤلاء يرجى لهم من الله الفوز والنّجاة، والظفر بالنعيم الدائم. إن الذين تابوا من الشّرك، وصدّقوا بالله، وأقرّوا بوحدانيته، وأخلصوا العمل لله، وأدّوا الفرائض وغيرها، وآمنوا بالنّبي محمد ﷺ ، هم الفائزون برضوان الله ونعيمه الجنان.
والتعبير بكلمة (عسى) المفيدة للرجاء، دون القطع واليقين بحسب اللغة، يراد بها هنا التأكّد والتّيقّن، لأن (عسى) من الله واجبة التّحقّق، كما قال كثير من العلماء.
وهذا مستفاد من حسن الظّن بالله تعالى، المبني على فضله وكرمه، خلافا لما عليه حال البشر، فإن قولهم مثلا: «عسى» و «لعل» مجرد ترج وتوقّع لا يدلّ على التأكّد والتحقّق.
صفات الجلال والجمال والكمال
الجلال التّام، والجمال المطلق، والكمال النّهائي، والإرادة الشاملة، والسّلطان النّافذ: إنما هو كله لله وحده، لا لأحد سواه، فهو خالق الأكوان والعباد، وبيده الأمر في البدء والختام، وله الحكم والقضاء النافذ في الدنيا والآخرة، فأين موقف
стр. 1931
المعاندين؟ لا يساوي شيئا، إن الله تعالى خالق الليل والنهار، لحكمة واضحة فيهما، فإن أراد التغيير والتبديل، من يستطيع الحيلولة من ذلك؟ إن الآلهة المزعومة المتخذة شركاء لله في الألوهية لا يصمدون أمام النّقاش في حقيقة الألوهية، ولا يجدون برهانا يقنع، ولا متّكأ يعتمدون عليه، تصور هذه الآيات الكريمة هذه المعاني تصويرا دقيقا، لا لبس ولا غموض فيه، قال الله تعالى:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٨ الى ٧٥]
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)
«١» «٢» «٣» »
«٥» «٦» [القصص: ٢٨/ ٦٨- ٧٥] .
المعنى: إن الله تعالى هو المتفرّد بخلق ما يشاء، واختيار ما يريد، ما كان لأحد غير الله القدرة على الاختيار، يختار قوما لأداء الرسالة، ويصطفي من الملائكة والناس رسلا لأداء المهمة، تنزه الله وتقدّس عن إشراك المشركين، وعن منافسة الأصنام وغيرها في خلقه واختياره. سبب نزول هذه الآية الرّد على تطلّعات قريش وترقّبهم إنزال القرآن على غير محمد ﷺ ، وهو أحد رجلين: إما الوليد بن المغيرة من مكّة، أو عروة بن مسعود الثّقفي من الطّائف. فردّ الله تعالى عليهم أنه سبحانه يختار
стр. 1932
لرسالته من يريد، ويجعل فيه المصلحة، وليس الاختيار للناس في هذا ونحوه، كما أنه تعالى هو الذي يختار الأديان والشرائع، وليس لأحد الميل إلى الأصنام ونحوها في العبادة.
واختيار الله تعالى مبني على علم صحيح ثابت، فهو يعلم ما تنطوي عليه الصدور، وما يعلنه الناس من الأقوال والأفعال.
وعلمه تعالى صادر عن قدرة شاملة وسلطان نافذ، فهو المتفرّد بالألوهية، فلا معبود سواه، وهو القادر على كل الممكنات، المنزه عن النقائص والعيوب، المستحقّ للحمد والشكر والعبادة، المحمود في جميع ما يفعله في الدنيا والآخرة، له القضاء النافذ في كل شيء، وإليه مرجع جميع الخلائق في القيامة.
وأدلة قدرة الله تعالى على كل شيء كثيرة ومتنوعة، فقل أيها الرسول لكل من أشرك بالله إلها آخر: أخبروني إن جعل الله وقتكم كله ظلاما دامسا، وليلا دائما متتابعا إلى يوم القيامة، من الإله المتألّه غير الله يتمكن من الإتيان بضياء النهار، أفلا تسمعون ذلك سماع تعقّل وتأمّل؟! وقل أيها النّبي أيضا: أخبروني إن جعل الله زمنكم كله نهارا دائما، ونورا متّصلا إلى يوم القيامة، دون أن يعقبه ليل، من الإله الذي يستطيع أن يأتيكم بليل، تسكنون فيه سكن الراحة والاطمئنان، أفلا تبصرون هذه الظاهرة الدالة على القدرة الإلهية التامّة؟! إن من رحمة الله تعالى بكم أيها الناس تعاقب الليل والنهار، وتفاوتهما، لتجعلوا الليل مجالا للراحة والسكن النفسي، والنهار مجالا للتبصّر وتحصيل المنافع، وكسب المعايش، وابتغاء الرزق والفضل الإلهي، والتنقّل من مكان لآخر، وقضاء الحاجات، فتشكروا الله تعالى بأنواع العبادات على ما يسّر لكم.
стр. 1933
واذكر أيها النّبي للمشركين مرة أخرى يوم يناديهم الله بواسطة، لأن الله تعالى لا يكلم الكفار كما رجح القرطبي، فيقول: أين الشركاء الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي في الألوهية، ليخلّصوكم مما أنتم فيه؟ وقد كرّر الله تعالى هذا المعنى إبلاغا وتحذيرا، وتوجيه هذا النداء يقصد به توبيخ الكفار وتقريعهم. وأكّد الله ذلك بالإشهاد عليهم، ليعلم أن التقصير منهم، والإشهاد: أن يخرج الله من كل أمّة شهودا عليهم: وهم الرّسل الكرام، فكل رسول يشهد على قومه بأعمالهم في الدنيا، ويشهد نبيّنا ﷺ على الأنبياء جميعا. ويقال للمقصّرين: أحضروا برهانكم على صحة ادّعائكم أن لله شريكا، فلم يتمكنوا ولم يجيبوا، فعلموا أن الحقّ في الألوهية لله وحده، وتاه عنهم وتبدّد كل ما يفترونه ويكذّبونه من نسبة الشريك لله تعالى.
قصة قارون
- ١- فتنة المال وتأثيره على الإنسان
أورد الله تعالى تفصيلا واضحا لقصة قارون الذي كان من قوم موسى، فاغتر بماله وثرواته، وزعم أنه أوتي ذلك بذكائه ومهارته، وأنه لا حقّ لأحد له فيه، فجاءه التوجيه الإلهي إلى ضرورة استعمال المال والانتفاع به فيما يحقّق له النفع في الآخرة، وإصلاح شؤون الدنيا، والإحسان في تثميره وتنميته وإنفاقه، وتجنّب كل مهاوي الفساد والإفساد به في الأرض، ولكنه لم يستجب لهذا التوجيه، وبطر في عيشه وتبختر، فحقّ عليه الهلاك والدّمار، قال الله تعالى واصفا قصة قارون:
стр. 1934
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٦ الى ٧٨]
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)
«١» «٢» «٣» «٤» [القصص: ٢٨/ ٧٦- ٧٨] .
كان قارون الثّري المترف ابن عم موسى ﵇، وهو رجل من بني إسرائيل، كان ممن آمن بموسى، وحفظ التّوراة، وكان من أقرأ الناس لها، وكان عند موسى ﵇ من عبّاد المؤمنين، ثم لحقه الزهوّ والإعجاب، فبغى على قومه بأنواع البغي، من ذلك كفره بموسى واستخفافه به، ومطالبته له بأن يجعل له شيئا من المكانة والنفوذ والمشاركة في شؤون السلطة على الناس، وتجاوز الحدّ في بغيه، حتى إنه حاول التشهير بموسى، بامرأة مومس فاجرة ذات جمال، تدّعي أمام الملأ من بني إسرائيل أن موسى يتعرض لها في نفسها، ويكافئها على ذلك، وتستنجد به، فلما وقفت بين الملأ، أحدث الله لها توبة، وفضحت قارون في محاولاته تلك. وقد آتى الله قارون أموالا نقدية وعينية كثيرة، يثقل بحمل مفاتيح خزائنها الجماعة أولو البأس والقوة، فنصحه الناس بخمس مواعظ:
- قال له قومه الإسرائيليون: لا تبطر ولا تتبختر بمالك، فإن الله يكره البطرين الأشرين. إنهم نهوه عن الفرح المطغي الذي هو انهماك وانحلال نفس، وأشر وإعجاب، مؤدّ به إلى المهالك.
- ثم وصّوه بأن يطلب بماله رضا الله وآخرته، وإنفاق بعض المال في وجوه الخير
стр. 1935
وطاعة الله، ونفع الأمة أو المجتمع، والتقرّب إلى الله بأنواع القربات المحققة للثواب في الدار الآخرة، لأن الدنيا لا تغني شيئا.
- ولم يقطعوه عن الدنيا، فقالوا له: لا تترك حظّك من لذّات الدنيا المباحة، من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن وغيرها، لكن لا تضيّع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك، إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا، فنصيب الإنسان: عمره وعمله الصالح، فينبغي ألا تهمله، وطلب الحلال مشروع، مع النظر إلى عاقبة الدنيا.
- وأحسن إلى الخلق كما أحسن الله إليك باللّين والمعاملة الحسنة وتحسين السمعة وحسن اللقاء، وفي ذلك جمع بين خصلتي الإحسان: الإحسان الأدبي الرفيع، والإحسان المادّي المقبول، وهذا أمر بصلة المساكين وذوي الحاجة وإتقان الأعمال.
- ولا تقصد الإفساد في الأرض بالظلم والبغي والإساءة إلى الناس، فإن الله تعالى يعاقب المفسدين، ويحول بينهم وبين رحمته وعونه.
لكن قارون أبي سماع هذه المواعظ المتضمّنة اتّقاء الله في مال الله، وأخذته العزة بالإثم، فأعجب بنفسه، وقال لناصحيه: أنا لا أحتاج لما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال، لعلمه بأني أستحقّه، ولمعرفتي وخبرتي ومهارتي بكيفية جمعه، فأنا له أهل، فأجابه الله تعالى بأنه: أو لم يدر في جملة ما عنده من الدراية والعلم أن الله تعالى قد دمّر من قبله من هو أكثر منه مالا، وأشد قوة، وأعظم مكانة، وأشهر سلطانا ونفوذا، ولا يسأل المجرمون عن كثرة خطاياهم وسيئاتهم حينما يعاقبهم، لأنه تعالى عليم بكل المعلومات، مطّلع على جميع الأقوال والأفعال، فلا حاجة به إلى السؤال سؤال الاستفسار، كقوله الله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢/ ٢٨٣] .
وسؤال الاستعتاب، كما قال : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [المرسلات: ٧٧/ ٣٥- ٣٦] . لكن لا مانع من سؤال الكافرين والمفرطين سؤال توبيخ
стр. 1936
وتقريع، كما في قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:
١٥/ ٩٢- ٩٣] . وقوله سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) [الصّافّات: ٣٧/ ٢٤] .
- ٢- جزاء بغي قارون
استبدّ البغي والغرور بقارون الثّري المترف، وسيطر الكبرياء والعجب والتّجبر على نفسه، فأراد إظهار ما لديه من الثراء والقدرة على الملابس والمراكب وزينة الدنيا ومفاتنها، فافتتن أهل الدنيا باستعراضه الفاخر وتمنّوا أن يكونوا مثله، ولكنّ أهل العلم والمعرفة المتيقّظين لحقائق الدنيا ومظاهرها حذّروا من هذه الفتنة، ووجّهوا إلى العمل الأخروي الباقي. وكانت العاقبة كما قدّروا، فخسف الله بقارون الأرض، ودمّر دوره وممتلكاته، واستيقظ الناس على هذا المصير المشؤوم، وأرشدتهم صحوة العقل والدين إلى أن زوال الدنيا سريع، وأن خطر العقاب لكل عات متمرد قريب، قال الله تعالى مبيّنا هذه الخاتمة لقارون:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [القصص: ٢٨/ ٧٩- ٨٢] .
стр. 1937
لقد باهى قارون الناس، فخرج على قومه في موكب بهي، في زينة عظيمة وأبهة واضحة، وتجمّل باهر، في الملابس والمراكب، هو وحاشيته، بقصد التّعالي على قومه، وإظهار التّرفّع والمهابة، فاغتر الجهلة أهل الدنيا وزينتها به وبمظاهره، وتمنّوا ما لديه وقالوا: يا ليت لنا من الثروات والأبهة ما لقارون، لنتمتّع بها مثله، فإنه ذو نصيب وافر من الدنيا.
وقال الفريق الآخر، وهم أولو العلم والمعرفة بالله تعالى وبحق طاعته والإيمان به زاجرين الجهلة الذين تمنّوا حال قارون: ويلكم (وهذه كلمة زجر) ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا، يلقاه في الدار الآخرة، وهو أفضل مما تتمنّون، ويكون حال المؤمن العامل الذي ينتظر ثواب الله خيرا من حال صاحب الدنيا فقط، ولكن لا يتلقّى هذا الثواب العظيم أو الجنة إلا الصابرون على طاعة الله، الرّاضون بقضائه وقدره، في كل ما قسم من المنافع والمضارّ، المترفّعون عن محبة الدنيا المؤثرون لها.
وكان المتوقّع ما قاله هؤلاء العارفون بالله، وكان العقاب السريع لقارون المتفاخر الباغي: هو الخسف به وبداره الأرض، حيث ابتلعته الأرض، وغاب فيها، جزاء لبطره وعتوه، فلم يغن عنه ماله ولا حاشيته، ولم يجد من يدفع عنه نقمة الله، ولم يكن منتصرا لنفسه، ولا منصورا من غيره. والفئة: جماعة المناصرة والنجدة.
وبعد هذه الكارثة التي أطاحت بقارون وتبيّن حقيقة الأمر، صار الذين يتمنّون أن يكونوا مثله يقولون: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي بل إن الله، يوسع الرزق أو العطاء المادّي لمن يريد خلقه، ويضيّقه على من يريد من عباده، بحسب حكمته ومشيئته، وليس المال المعطى دليلا على رضا الله ومحبته لصاحبه، ولا منع المال برهانا على سخط الله وكراهيته لعبده، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيّق ويوسّع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة،
جاء في الحديث المرفوع عن ابن
стр. 1938
مسعود فيما رواه أحمد والحاكم وغيرهما: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحبّ» .
والمعنى: إن الذين فتنوا بقارون انتبهوا، فتكلموا على قدر علمهم، فقالوا: على جهة التعجب والتّندّم: إن الله يبسط الرزق ويضيّقه بحسب مراده.
ولولا لطف الله بنا، وإحسانه إلينا، لخسف بنا الأرض، كما خسف بقارون، لأنا تمنّينا أن نكون مثله، بل إن الله لا يحقق الفوز والنجاح للكافرين به، المكذبين رسله، المنكرين ثواب الله وعقابه في الآخرة، مثل قارون ونحوه من عتاة الناس، وطغاة المال، ومردة العصاة من الإنس والجنّ.
العاقبة للمتّقين
العبرة في الأفعال والأعمال والتّصرفات كلها إنما هي في الغاية والهدف، لأن تصرّفات العقلاء تهدف إلى تحقيق غاية، وإنجاز مطلوب، وهكذا الشأن بين الدنيا والآخرة، الدنيا مزرعة الآخرة، والآخرة هدف العاملين العاقلين، فمن أحسن العمل في الدنيا، لقي العاقبة الحسنة في الآخرة، ومن أساء العمل في الدنيا، وجد أمامه النتيجة الوخيمة والخسارة المحقّقة، فلكلّ جزاء عمله حقّا وعدلا، وثوابا مكافئا، وعقابا مناسبا، وتكون موازين الحساب واضحة، والنهاية مؤكدة ومعروفة، لذا كان القرآن الكريم خير واعظ، وأخلص ناصح، يبين الأشياء قبل وقوعها، ويحدّد الأسباب والغايات المرجوة قبل حصولها، قال الله تعالى مبيّنا ذلك:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)
[القصص: ٢٨/ ٨٣- ٨٤] .
стр. 1939
هذا إخبار من الله تعالى لنبيّه محمد ﷺ بقانونه العام، يراد به حضّ الناس على إحسان العمل وإتقانه، والتحذير من سوء العمل وإفساده، ولوم قارون ونظرائه الذين آثروا الدنيا على الآخرة، فإن الآخرة ليست في حسابات قارون، إنما هي لمن اتّصف بصفات معينة.
والمعنى: إن تلك الدار الخالدة العظيمة، ونعيمها الأبدي المذلّل، دون عناء ولا مشقة، يجعلها الله للذين لا يستعلون على الناس، ولا يتجبّرون عليهم، ولا يريدون أي لون من ألوان الفساد، والفساد يعمّ جميع وجوه الشّر، ومنها أخذ المال بغير حقّ، والعاقبة الحسنة: هي لأهل التقوى الملتزمين بأوامر الله، المبتعدين عن نواهيه ومحظوراته.
يدلّ ذلك على أن التواضع لله والناس أمر محمود، وأن العلو مذموم، وأن فعل الصلاح خير، وأن الفساد والإفساد شرّ ودمار.
وقانون الجزاء الإلهي على الأعمال واضح وقاطع، إما في الدنيا وإما في الآخرة، فمن جاء بالفعلة الحسنة، فله خير منها ذاتا وقدرا وصفة، ومن عمل صالحا فله خير من القدر الذي ينتظره موازيا لفعله، لأن فضل الله كبير، يضاعف الحسنات، وينمّي الخيرات، ويعطي الثواب الجزيل غير المتوقع بحسب أحوال الدنيا.
ومن جاء بالخصلة السيئة أو الفعلة الشنيعة، المنكرة عقلا وشرعا وعادة، فلا يجزى أصحاب الأعمال السيئة إلا مثلها قدرا، دون زيادة أو ظلم، فضلا من الله ورحمة، ومحبة وعدلا، وإبانة لجود الله وسخائه، وسعة خزائنه. وهذا دليل على أن فعل السوء وباء وظلام، وتدمير وضلال، وأن السيئة لا يضاعف جزاؤها، فضلا من الإله الغني، ورحمة من الرّحيم الرّحمن.
هذا القانون الإلهي بمضاعفة الحسنات، ومقابلة السيئات بمثلها دون زيادة،
стр. 1940
يختلف عن قانون البشر ويسمو عنه، فإن الإنسان يعطي إنسانا آخر جزاء مكافئا لعمله، وقد ينقصه في الغالب بسببه ظلم الإنسان لأخيه، أما عطاء الله تعالى فلا يحدّه حدود، ولا يبخس منه شيء، سواء كان العمل قليلا أو كثيرا بحسب تقدير الإنسان، لأن ربّك هو الغني ذو الرّحمة، وهو واسع المغفرة، غافر الذنب، وقابل التّوب، لا يجاريه أحد في عطائه، ولا يسبقه أحد في جوده وسخائه.
أفليس من واجب الإنسان إذن أن يرغب في العطاء الكثير الدائم، فيعمل عملا صالحا يؤهّله لنيله؟ أو ليس من وعي الإنسان وإجراء حسابه أن ينفر ويحذر من سوء العمل الذي يعرّضه للخسران والضياع؟!
نعم وتكاليف نبويّة
النّبوة أو الرسالة مسئولية عظمي، وتكليف ثقيل، يقترن عادة بتخصيص النّبي أو الرّسول بخصائص متميزة، وإمداد بنعم إلهية سامية، لأن ما يتعرّض له النّبي الرّسول من صدود قومه عن دعوته، وإعراضهم عن قبول رسالته يحتاج لصبر ومصابرة، وجهاد ومقاومة، لا يتحملها الإنسان العادي. وقد تشابهت ظروف الرسل في أثناء تبليغ دعوة الله إلى توحيده وعبادته وتنفيذ شرعه، ولكن رحمة الله ورعايته تحمي الرسول. وتتطلب الرسالة أيضا الحزم والعزم في أداء التكاليف، والتّفاني في القيام بها، والتزام الدعوة إلى توحيد الله الحي الباقي الخالد، الذي لا يفنى، ويتفرد بالحكم والقضاء، والمرجع والحساب يوم القيامة، ويفنى غيره ثم يعيده الله للمساءلة، قال الله تعالى مبيّنا أمورا تتعلق بنبوة نبيّنا:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٥ الى ٨٨]
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)
стр. 1941
«١» [القصص: ٢٨/ ٨٥- ٨٨] .
الآية الأولى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ.. نزلت بالجحفة حينما هاجر النّبي ﷺ من مكة إلى المدينة،
أخرج ابن أبي حاتم عن الضّحاك قال: لما خرج النّبي ﷺ من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ.
قال ابن عطية ﵀ في تفسيره: فالآية- على هذا- معلمة بغيب قد ظهر للأمة، ومؤنسة بفتح.
يخبر الله تعالى نبيّه ويبشّره بأن الذي أنزل عليك القرآن وأثبته، وألزمك بالعمل به وأدائه للناس، لرادّك إلى بلدك الحبيب: مكة، فاتحا منتصرا، بعد خروجك منها مهاجرا مطاردا، وكان فتح مكة هو الفتح الأعظم الذي حطّمت به الأصنام، وأزيلت به معالم الكفر والوثنية. ووعد الله صادق، ومنجز، وقد تحقّق الوعد كما هو معروف في السّيرة النّبوية، في السّنة الثامنة من الهجرة. والمعاد: الموضع الذي يعاد إليه، وقد اشتهر به يوم القيامة، لأنه معاد للكل.
وقوله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى.. آية متاركة للكفار وتوبيخ، فقل أيها النّبي لمن كذّبك من قومك المشركين: الله هو العالم البصير بالمهتدي، مني ومنكم، وعالم بمن هو غارق في الضلال، ومطّلع على من جاء بالهدى، وهو الآتي بالقرآن الكريم، وبما يستحقه من الثواب في المعاد، والإعزاز بالإعادة إلى مكة المكرمة.
ثم ذكّر الله نبيّه بنعمته العظيمة عليه وهي النّبوة، فلم تكن أيها النّبي تتوقّع إنزال
стр. 1942
الوحي الإلهي والقرآن المبين إليك، إلا برحمة من الله وفضل، لنفع جميع العباد، وبناء عليه تكون مكلفا بخمسة أمور، مع خبر سادس بعدها:
١- لا تكن عونا للكافرين بأي حال، ولكن فارقهم وخالفهم، وكن عونا للمسلمين، والمراد: اشتد يا محمد في تبليغك، ولا تلن، ولا تفشل (تجبن) ، فتكون معونة الكافرين يراد بها: بالفتور عنهم.
٢- ولا يمنعنك شيء عن اتباع آيات الله المنزلة إليك، بأقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت إليه، وامض لشأنك، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهر دينك على جميع الأديان.
٣- وادع إلى عبادة ربّك وحده لا شريك له، وبلّغ دينه، وأعلن رسالته دون تردد ولا خوف ولا تمهّل. وسبب هذه الآية: ما كانت قريش تدعو رسول الله ﷺ من تعظيم أوثانهم.
٤- واحذر أن تكون من فئة المشركين الذين أشركوا بربّهم، فجعلوا له شريكا ونظيرا، فتكون من الهالكين. وهذا نهي عما هم بسبيله، بدئ به النّبي باعتباره القائد والقدوة لأمّته.
٥- ولا تعبد مع الله إلها آخر، ولا تدع في أي عمل مع الله غيره، لأن العبادة لا تستحق إلا لله، ولا فائدة من دعاء غيره.
٦- وكل من في الوجود فان أو هالك إلا ذات الله، المعبّر عنها بوجهه، فإن الله هو الباقي وحده بعد فناء خلقه، وله مهمة فصل القضاء وإنفاذه في الدنيا والآخرة، وإليه مصير جميع الخلائق. وهذا إخبار بالحشر والعودة من القبور، لإيقاع الجزاء على الأعمال، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.
стр. 1943
تفسير سورة العنكبوت
اختبار الناس
لا تستغني الحياة عن الامتحان والاختبار، ليعرف المحسن من المسيء، والعامل والمقصر أو غير العامل، والمستقيم والفاجر، وهكذا حياة البشر أمام الله ، لا بدّ لهم من الاختبار، ليتميز المؤمنون الصادقون والكاذبون، ويعرف المجاهدون والمتقاعسون، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وهذا ما افتتحت به أوائل سورة العنكبوت المكّية:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)
«١» «٢» «٣» [العنكبوت: ٢٩/ ١- ٧] .
مطلع السورة بالحروف الأبجدية المقطعة لتنبيه المخاطب لما يأتي بعدها، وإظهار إعجاز القرآن المتكون من هذه الحروف، ومع ذلك لا يستطيع العرب الإتيان بمثله، تحدّيا لهم.
стр. 1944
والمعنى: أظن الناس بعد إيجادهم أنهم متروكون بغير اختبار بمجرد قولهم: آمنّا بالله ورسله، وهم لا يمتحنون بالتكاليف الشرعية كالجهاد في سبيل الله، والهجرة من مكة إلى المدينة، وأداء الفرائض البدنية كالصلاة، والمالية كالزكاة، والتعرّض للمصائب في الأنفس والأموال، ومجاهدة أهواء النفس والشيطان، بالامتناع عن المعاصي والموبقات؟! وهذا استفهام إنكاري، معناه أن الله تعالى لا بد من أن يبتلي عباده المؤمنين، للتحقق من مدى صدق إيمانهم وقوة يقينهم. قال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية مؤنسة ومعلمة أن هذه السيرة هي سيرة الله ﵎ في عباده، اختبارا للمؤمنين وقتئذ- وفي كل وقت- ليعلم الله الصادق ويرى ثواب الله تعالى له، ويعلم الكاذب ويرى عقابه إياه. وهذه الآية وإن نزلت لهذا السبب، فهي بمعناها باقية في أمة محمد ﷺ ، موجود حكمها بقية الدهر.
وسببها الخاص إيناس المؤمنين الأولين الذين تعرّضوا لإيذاء كفار قريش وتعذيبهم على الإسلام، فكانوا يتضايقون بذلك. لكنهم في هذا مطالبون بالصبر كمن أوذي ممن قبلهم.
وهذا ما أبانته الآية الآتية، فتالله لقد امتحنا واختبرنا المؤمنين السابقين، بل والأنبياء المتقدمين بألوان الأذى والشدة والضّرر، ليعلم الله علم ظهور وانكشاف، بأن يظهر الله علمه فيهم، ويوجد ما علمه أزلا، لا علما يسبقه جهل، لأن الله عالم بكل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل، ليعلم الذين وجد منهم الصدق، والقائمين على الكذب. والتعبير بقوله: الَّذِينَ صَدَقُوا في حقّ المؤمنين، وبقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ في حقّ الكافرين، للدلالة في هؤلاء الكفرة على الثبات والدوام. بل أظن الذين يقترفون المعاصي أن يسبقوا عقاب الله تعالى ثم يفوتونه، ويعجزونه؟! بئس الحكم حكمهم، بأن يعصوا ويخالفوا أمر الله، ثم يفلتون من العقاب، إنه حكم خطأ، يناقض مقتضى العقل والشرع والعدل.
стр. 1945
فمن كان قد آمن، وتوقع الثواب والخير في الآخرة، وعمل الصالحات، فإن الله سيحقق له رجاءه، ويوفيه كاملا غير منقوص، لأن الأجل الذي حدده الله للبعث والمعاد آت لا ريب فيه، والله سميع الدعاء وأقوال العباد، عليم بصير بكل الكائنات، يعلم بكل ما قدموا، ويجازي كل واحد بما عمل، فمن كان على الحق فليوقن بأنه آت، وليزدد بصيرة.
ومن جاهد نفسه وهواه، فقام بالأوامر، واجتنب النواهي، فإن ثمرة جهاده عائدة له، ونفع عمله راجع لنفسه لا لغيره. وهذا إعلام بأن كل أحد مجازي بفعله الحسن، وأن نفع الطاعة للإنسان ذاته لا لله تعالى، لأن الله غني عن جميع العالمين من إنس وجنّ، لا تنفعه طاعة، ولا تضّره معصية.
ثم أخبر الله تعالى عن ثواب المؤمنين المجاهدين الذين هم في أعلى رتبة، وهو أحسن الجزاء: يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما عملوا، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب على الحسنة بعشرة أمثالها. والسيئة: الكفر وما اشتمل عليه، وكذلك معاصي المؤمنين مع الأعمال الصالحة واجتناب الكبائر. وقوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ معناه على حذف مضاف تقديره: ثواب أحسن الذي كانوا يعملون. ويدخل في ذلك ثواب الحسن، بإخراج كلمة (أحسن) عن بابها من التفضيل، فليس المراد بها هنا كونها أفعل تفضيل، وإنما المراد أنهم يجزون ثواب الأحسن والحسن. فيكون الجزاء على حسن الأعمال، وأن الحسنة تمحو السيئة.
وصايا أهل الإيمان
في مجال الاختبار والامتحان يوصي الله تعالى المؤمنين بالإحسان إلى الوالدين، ويبشّرهم بالجنة إن هم أطاعوا، وصبروا على الأذى والفتنة، وفي الامتحان يتبين
стр. 1946
للناس مدى صمود المؤمنين، وزعزعة قلوب المنافقين. ويظهر من بيان الله تعالى إحباط عروض الكافرين بتحمّل خطايا المؤمنين إن اتّبعوا سبيلهم في دينهم المعوج، وإنذارهم بتحمّل المسؤولية الثقيلة عن أعمالهم الشنيعة وسوء اعتقاداتهم الباطلة، وافتراءاتهم المضلّلة، قال الله تعالى موضحا هذه الوصايا:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٨ الى ١٣]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [العنكبوت: ٢٩/ ٨- ١٣] .
هذه طائفة من وصايا أهل الإيمان، تشتمل على نواح ثلاث:
الأولى- الإحسان إلى الوالدين: فلقد أمرنا الإنسان بالإحسان إلى والديه، ببرهما قولا وعملا، لأنهما سبب وجوده، إلا في محاولة الحمل على الشّرك، فإن جاهداك على أن تشرك أيها الولد بالله ما لا علم لك به، ولا وجود بالفعل، فلا تطعهما في ذلك، لأنه كما صحّ في الحديث الذي
أخرجه أحمد والحاكم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .
وذلك لأن سبب المخالفة في المعصية رجوعكم جميعا إلى الله يوم
стр. 1947
القيامة، فيخبركم ربّكم بما عملتم، ويجازيكم على أعمالكم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وهذا وعيد في طاعة الوالدين، وهو في معنى الكفر.
نزلت هذه الآية كما روي عن قتادة في سعد بن أبي وقاص، حين هاجر، فحلفت أمه ألا تستظلّ بظلّ حتى يرجع إليها، ويكفر بمحمد- ﷺ فلجّ «١» هو في هجرته، ونزلت الآية.
ثم كرّر الله تعالى التمثيل أو الشبيه بحالة المؤمنين ليحرّك النفوس إلى نيل المراتب العالية، فالذين آمنوا وعملوا صالح الأعمال، لنجعلنهم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته ونحشرنهم مع أرفع الصالحين، وثمرة الصلاح تتحقق بعدئذ، وجزاؤه الجنة.
وقوله سبحانه: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي في زمرة الأنبياء، على سبيل المبالغة.
الناحية الثانية- افتضاح شأن المنافقين: فمن الناس فريق، هم قوم من المكذبين المنافقين، الذين يتظاهرون بألسنتهم بالإيمان بالله، والتصديق بوجوده، ووحدانيته، دون أن يثبت الإيمان في قلوبهم، بدليل أنهم إذا أصيبوا بأذى المشركين من أجل إيمانهم، اعتقدوا بأن هذا من نقمة الله عليهم، فارتدوا عن الإسلام، وصرفهم العذاب عن الإيمان، وإذا تحقق نصر قريب من الله للمؤمنين بالفتح والغلبة والغنيمة قالوا: إنا كنا معكم ردءا وإخوانا لكم في الدين، أو ليس الله بأعلم بما في قلوب العالمين، وما تنطوي عليه من النفاق؟! وليختبرن الله الناس في السّر والعلن، ليتميز المؤمنون، ويعرف المنافقون، لأن المحنة محكّ الإيمان، فإن صبر المؤمن كان صادقا، وإن جزع وتبرم، كان كاذبا منافقا.
نزلت آية: وَمِنَ النَّاسِ في المنافقين الذين كفروا لما أوذوا، قال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم افتتنوا.
стр. 1948
الناحية الثالثة- محاولات الكافرين فتنة المسلمين عن دينهم: قال كفار قريش لمن آمن منهم واتّبع هدى القرآن: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتّبعوا طريقنا ومنهجنا في التدين، ونحن نتحمّل عنكم آثامكم إن كانت، ووجد حساب عليها، والواقع أنهم لا يتحمّلون شيئا من ذنوبهم، وإنهم لكاذبون فيما قالوا، لأنه لن يتحمّل أحد وزر أحد في ذلك العالم، وعاقبة هذا القول: أن دعاة الكفر والإضلال يتحمّلون يوم القيامة أوزار أنفسهم، وأوزار غيرهم الذين أضلّوهم من الناس، وسوف يسألون سؤال توبيخ وتقريع عما كانوا يكذبون على أنفسهم وعلى غيرهم، وعلى ما يختلقون من الافتراء والبهتان في الدنيا. وقوله تعالى: وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ يريد: ما يلحقهم من أعوانهم وأتباعهم، لتسببهم في إضلالهم.
قال مجاهد: إن الآية نزلت في كفار قريش الذين قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتّبعونا، فإن كان عليكم إثم فعلينا. روي أن قائل هذه المقالة الوليد ابن المغيرة. وقيل: بل كانت شائعة من كفار قريش.
إن هذه الوصايا واردة بصفة التحذير من عقوق الوالدين فيما هو حقّ وبرّ، وخير وطاعة، والتحذير من أعمال المنافقين فاقدي الإيمان الثابت، حينما أوذوا كفروا، ومن محاولات الكفار ثني المؤمنين عن إيمانهم وردهم إلى دائرة الشّرك والوثنية.
رسالة نوح ﵇
تكرّر إيراد قصة نوح ﵇ مع قومه في مناسبات مختلفة، وسور قرآنية متعددة، بعضها مطوّل مفصّل، وبعضها كما هنا موجز مختصر، وأتبعت هذه القصة في سورة العنكبوت بقصص أنبياء آخرين: وهم إبراهيم، ولوط، وهود، وشعيب، وصالح، لبيان عاقبة المكذبين رسلهم، وإيناس النّبي محمد ﷺ فيما يلقاه من تعنّت
стр. 1949
قومه، وفتنتهم المؤمنين وغير ذلك، وتثبيته على أذى الكفرة، وفي ذلك عبرة ووعيد لكفار قريش بتشبيه أمرهم بأمر قوم نوح، ولتأكيد ما جاء في مطلع السورة من جعل الابتلاء سنة الحياة.
وهذه آيات توجز بيان مهمة نوح ﵇ أطول الأنبياء عمرا، وأول رسول للبشرية، وأبي البشر الثاني بعد آدم ﵇، قال الله تعالى:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٤ الى ١٥]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)
[العنكبوت: ٢٩/ ١٤- ١٥] .
إن إيراد قصص الأنبياء السابقين على هذا النحو من التأكيد والتشديد، ذو مغزى عميق ودلالة واضحة، فمغزاه العبرة والعظة، ودلالته الإنذار والتحذير لكفار قريش وأمثالهم، حين كذبوا رسولهم محمدا ﷺ بأنهم سيتعرّضون لعقاب مماثل لمن تقدّمهم من الأقوام الغابرة الذين كذّبوا رسلهم، فجاءهم عذاب الاستئصال. وتظهر صورة هذا التأكيد في العرض والبيان بقسم من الله تعالى على ما جاء في قصّة كل نبي.
وهنا يقول الله تعالى ما معناه: وتالله لقد أرسلنا نوحا ﵇ إلى قومه الكافرين العصاة، عبدة الأصنام، فبقي فيهم يدعوهم إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يؤمن بدعوته إلا قليل من الناس كما قال تعالى: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ١١/ ٤٠] ، وكذبوه وآذوه، وأفحشوا له القول، فصبر نوح ﵇ على أذاهم، ومضى زمان طويل، وهو يدعوهم إلى أن يتركوا عبادة الأصنام، ويؤمنوا بالله الواحد الأحد، وبيوم القيامة والحساب، فلم يفلح، ولم يستجيبوا لدعوته، وأمعنوا في الإعراض والاستكبار، كما جاء في آية أخرى: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً [نوح: ٧١/ ٢١] .
стр. 1950
ولما يئس نوح ﵇ من إيمان قومه، دعا عليهم بوحي من الله تعالى، فقال: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) [نوح: ٧١/ ٢٦] . فألهمه الله صنع سفينة ليركبها مع المؤمنين، وترك الكفار في العذاب.
وجاء الأمر الإلهي بالإغراق بعد هذه المدة الطويلة من الصبر والإنذار، فأخذهم الطوفان، وهم ظالمون أنفسهم بالكفر، وأنجى الله نوحا ومن آمن معه في الفلك المشحون، التي مخرت عباب البحر، حتى استقرّت على جبل الجودي، وغرق الكفار جميعا بطوفان الماء، وجعل الله سفينة نوح آية وعبرة للعالمين، كما جاء في آية أخرى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) [الحاقّة: ٦٩/ ١١- ١٢] .
وضمير الفعل: وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ يعود على السفينة المذكورة. وأما الغرق ففي رأي فرقة مقصور على قوم نوح، وقال الجمهور: إنما غرقت المعمورة كلها، أي العالم القديم، والرأي الثاني هو الراجح بسبب إعراض الناس كلهم عنه، أي عن دعوة نوح. فليتّعظ كفار قريش وأمثالهم بهذه العقوبة الشديدة التي يمكن أن تصيبهم، إذا ظلّوا رافضين لدعوة النّبي محمد ﷺ ، مكذّبين له، مفترين على دعوته وعلى القرآن وعلى المؤمنين، فإن العاقل من اتّعظ بغيره.
إن قصة السفينة عبرة وعلامة على قدرة الله تعالى في شدة بطشه، وعقابه عتاة أهل الضلال والتمرد والعصيان، كما أنها نعمة خارقة، في وقت لم يعرف الناس ركوب البحر ولا وجود السّفن عابرة المياه، فقد نجى الله تعالى نوحا ومن آمن معه، حفاظا على النوع البشري من الانقراض العددي والنوعي، حيث تناسل الناس من ذرّية هؤلاء المؤمنين، وبدأت حياة جديدة تظهر فيها مآس وألوان أخرى من الفسوق والعصيان، والكفر والطغيان، فتجدد العقاب في أمم أخرى بعد إرسال رسل آخرين
стр. 1951
لهم، دعوا بدعوة نوح ﵇ إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وبيوم القيامة والحشر والحساب، ويظل الصراع قائما بين الإيمان والكفر إلى أن يشاء الله تعالى تبديل الأحوال.
دعوة إبراهيم الخليل ﵇
من أعظم قصص القرآن الكريم: قصة نوح وإبراهيم ﵉، أما نوح ﵇ فهو أبو البشر الثاني الذي دعا إلى عبادة الله وحده، فكذّبه قومه، فأغرقهم الله بالطوفان، وأما إبراهيم ﵇: فهو أبو الأنبياء، وإمام الحنفاء، الذي دعا أيضا كنوح إلى توحيد الله ، وهجر عبادة الأصنام، وشكر الله المنعم، وبيان قدرته على بدء الخلق وإعادته، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا ما أبانته الآيات الآتية في قول الله سبحانه:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٦ الى ٢٣]
وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)
«١» «٢» «٣»
стр. 1952
[العنكبوت: ٢٩/ ٦٩/ ١٦- ٢٣] .
المعنى: واذكر أيها النّبي إبراهيم ودعوته، وهي كقصة نوح أيضا تمثيل وتشبيه لقريش، فلقد كان النمرود وأهل مدينته عبدة أصنام، فدعاهم إبراهيم ﵇ إلى توحيد الله تعالى وعبادته وتقواه، ثم نبّههم إلى ما هم عليه من الضّلال، فإن توحيد الله وترك الأصنام خير لكم في الدنيا والآخرة، إن كنتم من أهل الوعي والإدراك والعلم، تميزون به بين الخير والشّر.
وهذان دليلان على التوحيد:
الأول- إن ما تعبدون من غير الله من الأصنام، ما هي إلا أوثان، وأشياء مصنوعة من الأحجار، فلا تضرّ ولا تنفع، وإنما اختلقتم لها أسماء، فسمّيتموها آلهة، وادّعيتم أن لها شفاعة لكم عند ربّكم، وإنما هي مخلوقة أمثالكم، فأنتم تختلقون الكذب بوصفها آلهة.
والدليل الثاني- إن تلك الأوثان التي تعبدونها من غير الله، لا تستطيع أن تجلب لكم رزقا، فكيف تعبدونها؟ فاطلبوا الرزق من عند الله تعالى، لا من عند غيره من الأوثان ونحوها، واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم من الفضل والإنعام، فإنما إليه مرجعكم يوم القيامة، ليحاسبكم على أعمالكم.
ودليل صدق رسالة إبراهيم ﵇ في مخاطبة قومه: وإن تكذّبوني في رسالتي، فلا تضروني أبدا، فقد كذبت الرسل أمم سابقة، وقد بلغكم ما حلّ بهم، من العذاب والانتقام، ولا يكلّف الرسول إلا بتبليغ ما أمره الله تعالى به من الرسالة، تبليغا واضحا كاملا، فاحرصوا على إسعاد أنفسكم بالإيمان بالله تعالى.
وأما دليل الأصل الثالث في عقيدة الإيمان: وهو البعث والمعاد، فهو أن تنظروا
стр. 1953
كيف بدأ الله خلق الأشياء والجمادات والإنسان، بعد أن لم تكن، وزوّد الإنسان بمفاتيح المعرفة والعلم، من السمع والبصر والفؤاد. والذي بدأ إيجاد الخلق على هذا النحو قادر على إعادته، وهو أسهل عليه، وأيسر بحسب تصوراتنا، أما بالنسبة لله تعالى فالبدء والإعادة سواء، وقد خاطبنا الله بما نعقل ونتصور، حين قال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الرّوم: ٣٠/ ٢٧] .
وعلى صعيد الواقع المشاهد، سيروا أيها المنكرون للبعث في الأرض، فانظروا كيف بدأ الله خلق السماوات وما فيها من الكواكب الثوابت النّيرات، وكيف أوجد الأراضي وما فيها من الجبال الراسيات، ثم الله يعيدكم أحياء مرة أخرى، فإن من قدر على الخلق أول مرة، قادر على الإعادة وإنشاء النشأة الأخرى يوم القيامة، وإن الله قادر تامّ القدرة على كل شيء، ومنه البدء والإعادة.
والذي يكون بعد البعث والإعادة، إنما هو الحساب والجزاء، فإن الله يعذب من يشاء من الكفار والعصاة، ويرحم من يشاء، من المؤمنين فضلا منه ورحمة، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وإلى الله مصيركم ومردّكم يوم القيامة بعد الموت، مهما طالت المدة، فيحاسب كل إنسان على ما قدّم وأخّر، وحسابه قائم على الحقّ والعدل والإنصاف، لأنه المالك لكل شيء، فيسوي بين مخلوقاته.
ولستم أنتم أيها الجاحدون الكافرون، بمعجزي الله عن ملاحقتكم وتقديمكم للجزاء، سواء في الأرض والسماء، فإن الله لا يعجزه شيء، ولا يقدر أحد على الإفلات من قبضته، فقبضته السماوات والأرض وما بينهما، وهو القاهر فوق عباده، وليس لكم من غير الله ولي (نصير) يلي أموركم ويحفظكم ويرعاكم، ولا معين وناصر ينصركم، ويمنعكم من عذابه إن عذّبكم، فهل بعدئذ تظنّون أنكم بكفركم وعبادتكم غير الله من الأصنام ناجون وسالمون من الجزاء؟!
стр. 1954
ثم توعّد إبراهيم ﵇ كل كافر، فإن كل الذين كفروا بدلائل وحدانية الله وقدرته وما أرسل به رسله، وكفروا بالمعاد، أولئك لا نصيب لهم من رحمة الله، بسبب كفرهم، ولهم عذاب مؤلم شديد.
موقف قوم إبراهيم من دعوته
لا ينتظر بعد تقديم إبراهيم الخليل مختلف الأدلّة على أصول دعوته من توحيد الله، وإرسال الرّسل، وبعث العباد أن نجد جوابا مقنعا لدى القوم الذين استبدّوا واستكبروا، وبغوا وعاندوا، واعتمدوا على التهديد والوعيد، ولكن الله تعالى نجى إبراهيم من النار، فأعاد الكرة عليهم بتوبيخهم على سوء الاعتقاد وعبادة الأصنام، وتفرّق الصّف وتشتّت الأحوال يوم القيامة. ولما نجى إبراهيم من النار، آمن به ابن أخيه لوط ﵇، وأنعم الله على إبراهيم بإسحاق ويعقوب، وبجعل النّبوة والكتب المنزلة في ذرّيّته، وإيتاء أجره في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى مبيّنا هذه المفاجئات.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
«١» «٢» [العنكبوت: ٢٩/ ٢٤- ٢٧] .
стр. 1955
أخبر الله تعالى عن قوم إبراهيم أنه لما بيّن لهم الحجج، وأوضح أمر الدين، لم يجدوا جوابا مقنعا، فلجئوا إلى المغالبة واستخدام القوة والبطش، وتآمروا على قتله وتحريقه بالنار، وأنفذوا أمر التّحريق، فأنجاه الله تعالى من نارهم، وجعلها عليه بردا وسلاما، إن في ذلك الإنجاء لإبراهيم من النار لدلالة على وجود الله الحاضر، وقدرته النافذة، لقوم يصدّقون بالله إذا ظهرت لهم الأدلة والبراهين.
واستأنف إبراهيم ﵇ دعوته لتوحيد الله وهجر عبادة الأصنام، حتى بعد إلقائه في النار، فقال لقومه موبّخا ومقرّعا: إنما اتّخذتم هذه الأصنام لتجتمعوا على عبادتها، وتقيموا تجمّعا وديّا فيما بينكم في دار الدنيا، كاتّفاق أهل الأهواء على الباطل والضلال، ثم يقع التنازع والتّباعد بينكم في الآخرة، فتنقلب صداقة الدنيا إلى عداوة وتباغض، فيتبرأ القادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة، ثم يكون مصير الفريقين إلى النار، ولن يجدوا في الآخرة ناصرا ينصرهم، ولا منقذا ينقذهم من عذاب الله تعالى، فالكل يستوون في استحقاق العقاب، لأن توادّ الكافرين كان مجافيا للحق والخير والتقوى، قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزّخرف: ٤٣/ ٦٧] .
هذا مع العلم بأن الوثن: ما اتّخذ من جصّ أو حجر، والصّنم: ما كان من معدن.
وفي الزاوية الأخرى في مواجهة الكفر، نجد أملا لا ينقطع، ونورا لا يخبو، فقد آمن بدعوة إبراهيم ابن أخيه لوط ﵉، وهاجر هو ولوط، إلى بلاد الشام من أرض بابل، وقال إبراهيم ﵇: إني مهاجر من دياركم، متّجه إلى جهة أمرني بها ربّي، فهاجر من سواد العراق إلى حرّان، ثم اتّجه إلى ديار الشام، فأقام إبراهيم في فلسطين في بلدة الخليل، ونزل لوط بلدة سدوم.
وسبب هذه الهجرة: أن الله سينتقم من عبدة الأوثان، فهو القوي الغالب القاهر
стр. 1956
في ملكه، الذي يمنع أصفياءه من الأعداء، وينصرهم عليهم، الحكيم في تدبير شؤون خلقه، فلا يأمر إلا بما فيه الصلاح والرشاد والخير. وهاتان الصفتان البليغتان الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تقتضيان استحقاق التوكّل على الله.
ومكافاة لإبراهيم على جهاده في تبليغ دعوته، وإبطال الوثنية، أنعم الله عليه بعد ترك قومه الوثنيين بنعم ثلاث:
الأولى- أن الله تعالى وهب إبراهيم في حال الكبر إسحاق بعد إسماعيل الذّبيح، وكذا يعقوب بن إسحاق نافلة وفضلا، فقد بشّر الله إبراهيم بإسحاق، ثم بشّر بيعقوب من بعده، كما جاء في آية أخرى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً [الأنبياء: ٢١/ ٧٢] .
والنعمة الثانية- هي جعل النبوة وكتب التوراة والزبور والإنجيل والقرآن، في ذرّية إبراهيم الخليل ﵇، فكانت الأنبياء كلهم بعد إبراهيم من ذرّيّته، ولم يوجد بعده نبي إلا من سلالته، وكان إنزال الكتب السماوية على هؤلاء الأنبياء الذين هم من ذرّية إبراهيم، وهم: موسى وعيسى وداود ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم.
والنعمة الثالثة- إيتاء إبراهيم ﵇ أجره في حياته الدنيوية بحيث أدرك ذلك وسرّ به، والأجر الذي آتاه الله تعالى: هو السّلامة من النار، ومن الملك الجائر، والعمل الصالح، والثناء الحسن، وأن كل أمة تحبّه وتتولاه، قال عكرمة:
أهل الملل كلها تدعيه وتقول: هو منّا.
ثم أخبر الله عنه: أنه في الآخرة في عداد الصالحين الذين نالوا رضوان الله تعالى، وفازوا برحمته وكرامته العليا. فإن إبراهيم ﵇ يحشر في الآخرة في زمرة الكاملين في الصلاح، الذين لهم الدرجات العليا، والمكانة الرفيعة الأسمى، وكان بهذا قد جمع الله له بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
стр. 1957
قصة لوط ﵇
اتّجه لوط ﵇ بعد إيمانه وهجرته مع إبراهيم من العراق إلى بلدة سدوم في غور الأردن، بأمر الله إياه، من أجل دعوة أهلها إلى توحيد الله، وترك الفواحش، ومحاربة الفساد، وقطع الطريق على المارّة، وإتيان المنكر، وكان في دعوته جريئا قويا، مجاهرا صامدا، لا يفتأ يحذّر وينذر، ويوجّه ويصلح، ولكن القوم الفاسقين غلب عليهم حبّ الفاحشة والمنكر، فلم يستجيبوا لدعوته، وقاوموه وحاولوا طرده، وإبعاده من ديارهم، علما بأن لوطا ﵇ ليس من هؤلاء القوم، قال الله تعالى واصفا دعوة لوط ﵇:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٨ الى ٣٥]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)
«١» «٢» «٣» »
«٥» [العنكبوت: ٢٩/ ٢٨- ٣٥] .
المعنى: واذكر أيها النّبي لوطا وقصّته مع قومه، حين أرسله الله إلى أهل قرية
стр. 1958
(سدوم) فأنكر عليهم فعلهم، وقال لهم محذّرا ومنذرا: أتأتون الفاحشة، ما سبقكم بها أحد قبلكم من الناس؟ والفاحشة: إتيان الرجال في الأدبار، وهي معصية ابتدعها قوم لوط.
ثم أكّد لوط الإنكار على جميع أفعالهم القبيحة وهي:
- كيف تأتون الذكران بشهوة من دون النساء؟ فهذا شذوذ في الطبع ودمار لكم.
- ولم تقطعون الطريق على المارّة، وتتعرّضون لهم بالقتل وأخذ المال والإكراه على الفاحشة؟
- ولماذا ترتكبون في ناديكم أو مجلسكم العام والخاص ما لا يليق بكم من الأقوال والأفعال، من صبغ الأصابع بالحناء، والصفير، وخذف الحصا، ولعب الحمام، والتّضارط، ونبذ الحياء في كل أموركم.
فلما صارحهم لوط ونبّههم على ترك هذه القبائح، رجعوا إلى التكذيب واللجاج والعناد، وقالوا: عجّل علينا العذاب الذي توعدنا به إن كنت صادقا فيما تهددنا به، فإن ذلك لا يكون، ولا تقدر عليه، وهم لم يقولوا هذا إلّا وهم مصمّمون على اعتقاد كذبه.
فقال لوط داعيا على هؤلاء القوم المفسدين مستنصرا بربّه: يا ربّ، انصرني على هؤلاء القوم المفسدين في الأرض، بابتداع الفاحشة. ولم يصدر منه هذا الدعاء إلا بعد يأسه من صلاحهم، فبعث الله عليهم ملائكة لعذابهم.
ولما جاءت الملائكة رسل العذاب، مرّوا على إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف، فبشّروه بولد صالح من امرأته (سارّة) وهو إسحاق ومن ورائه يعقوب، أي حفيده، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط ﵇، لأنهم قوم ظلموا
стр. 1959
أنفسهم بكفرهم وتكذيبهم رسولهم، وتماديهم في الضلال والفساد. ولفظ البشرى في هذه الآية تتضمن أمر إسحاق، ونصرة لوط ﵉.
فلما أخبروا إبراهيم بإهلاك قرى قوم لوط على ظلمهم، أشفق إبراهيم ﵇ على لوط ﵇، فسأل عن مصير لوط وهو رسول، وغير ظالم، فقالت الملائكة الرسل: نحن أعلم منك بمن في البلد من المؤمنين والكافرين، وإنا لننجي لوطا وأهله، وأتباعه المؤمنين به من الهلاك إلّا امرأته، فهي من الهالكين الباقين في العذاب.
ولما جاءت الملائكة إلى لوط ﵇ على صورة بشر حسان الوجوه، اغتم بأمرهم، وخاف عليهم من فساد قومه، وضاق ذرعا بهم، أي قصرت طاقته أو قدرته، حفاظا عليهم وحياء منهم، فقالوا له مطمئنين: لا تخف علينا، ولا تحزن بما نفعله بقومك الأخباث، وإنا منجّوك وأتباعك المؤمنين من العذاب إلّا امرأتك، فهي من الباقين في العذاب. وصفة هذا العذاب: أننا سننزل على أهل بلاد سدوم عذابا شديدا من السماء، بسبب فسقهم وعصيانهم، وكان العذاب زلزالا خسف بهم الأرض، وقلب ديارهم عاليها سافلها.
ولقد تركنا من البلدة بعض آثار منازلهم الخربة أو بعض أخبارهم آية: علامة ظاهرة واضحة، وعبرة لقوم يتدبرون الأمور بعقولهم الرشيدة، ويتبصرون بمصائر المجرمين الذين كذبوا رسولهم.
قصص أقوام مدين وعاد وثمود وفرعون
استبدّ الانحراف والفساد بأقوام سابقين، فانحرفوا عن عبادة الله تعالى وأنكروا الآخرة، وعاثوا في الأرض فسادا، وكذبوا رسلهم، وهم قبائل مدين وعاد وثمود، وأشخاص قارون وفرعون وهامان وأتباعهم، فاستحقوا بمقتضى قانون العدالة
стр. 1960
وتطهير الأرض من مفاسدهم ألوانا تتناسب مع جرائمهم، إما بالرّجفة أي الزّلزلة، وإما بالرّيح الحاصب، وإما بالصيحة: الصرخة الشديدة المدمرة، وإما بالخسف أو التدمير، وإما بالإغراق، وغير ذلك، مما استحقوه بسبب ظلمهم وتجاوز الحدّ بالبغي والعناد، وهذا ما دوّنه القرآن الكريم عبرة لقريش وأمثالهم، فقال الله تعالى:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [العنكبوت: ٢٩/ ٣٦- ٤٠] .
هذه لمحة سريعة من صواعق أو عناقيد الغضب الإلهي على أقوام عتاة، بلغوا الذروة في الكفر والفساد والظلم، فجوزوا بأشد العقاب. وهم قبيلة مدين شمال خليج العقبة، وأصحاب الأيكة غيرهم، أرسل الله إليهم النّبي شعيبا ﵇، فأمرهم بعبادة الله تعالى، والإيمان بالبعث واليوم الآخر، والخوف من بأس الله وعذابه، ونهاهم عن الفساد في الأرض وعن إنقاص الكيل والميزان، فقابلوه بالهزء والتكذيب، والإصرار على الكفر والعصيان، فأهلكهم الله بالرّجفة: وهي الزّلزلة العظيمة، فأصبحوا جثثا هامدة، ودمّر الله ديارهم. وهذا نحو من الخسف.
стр. 1961
واذكر أيها النّبي عادا وثمود، أما قبيلة عاد فكانوا يسكنون الأحقاف قرب حضرموت في بلاد اليمن، أرسل الله إليهم هودا ﵇، فنصحهم وأنذرهم، فلم يصدّقوه وآذوه، فأرسل الله عليهم ريحا صرصرا، دمّرت ديارهم وأبادتهم.
وأما قبيلة ثمود: فكانوا يسكنون في الحجر قريبا من وادي القرى، بين الحجاز والشام، وما تزال مدائنهم ظاهرة إلى اليوم، أرسل الله إليهم النّبي صالحا ﵇، فدعاهم مثل هود ﵇ إلى عبادة الله وحده، فلم يستجيبوا، وزيّن لهم الشيطان أعمالا سيئة، فكفروا بالله تعالى، واجترحوا السيئات، ومنعوا الناس عن الدّين الحقّ والطريق القويم، وكانوا أهل عقل وبصيرة، لكنهم لم يؤمنوا بربّهم، ولم ينتفعوا بطاقات فكرهم وقلوبهم، فعاقبهم الله، وأهلكهم بالطاغية أو الصيحة الشديدة، وبادوا، وبقيت آثار ديارهم عبرة لكل مارّ عليها.
وأهلك الله تعالى قارون بالخسف وتدمير دياره، وفرعون وهامان وزيره بالإغراق في البحر الأحمر، وقد أرسل الله لهم موسى ﵇، فدعاهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأوثان، وأتاهم بالآيات الواضحات والمعجزات الظاهرة كالعصا التي تنقلب حيّة عظيمة، واليد التي يدخلها في فتحة قميصه، فتصير ذات إشعاع كالشمس أو القمر، فاستكبروا عن الطاعة لله وعبادته، ولم يكونوا مفلتين من العذاب والأخذ، ولا قادرين على الهرب من العقاب، بل أدركهم أمر الله تعالى وبطشه، وصاروا عبرة للمعتبر، وعظة لكل ناظر.
إن هؤلاء الأقوام جوزوا بما يناسبهم من ألوان العذاب، وكانت عقوباتهم إما بالريح العاصفة كقوم عاد التي دمرتهم، وإما بالصيحة أو الرّجفة كقوم ثمود وقوم لوط، وإما بالخسف كقارون الطاغية، وإما بالإغراق في البحر كفرعون المتألّه الجبّار، ووزيره هامان الماكر، كل عقوبة تطابق ألوان الظلم الصادرة من أصحابها،
стр. 1962
وما كان لله العادل عدلا مطلقا أن يظلمهم أبدا فيما فعل بهم، ولكنه سبحانه أهلكهم بذنوبهم، وبظلمهم أنفسهم، بكفرهم بربّهم وإنكار وجوده أو نسبة الشركاء له، أو ادّعاء الألوهية.
إن هذا الجزاء والدّمار عبرة وعظة لأهل مكة وأمثالهم، ممن ولجوا في العصيان والكفر والشّرك، وتكذيب الرسول محمد ﷺ ، وهي للتاريخ مثل مثير، وتذكير للمعتبرين.
حال عبدة الأصنام
عجيب أمر عباد الأصنام، وغريب ما تفكر به عقولهم، ولا أجد مسوغا لهم في عبادتهم الأصنام إلّا محض التقليد الأعمى، فإنهم يبنون في فراغ، ويعملون في الهواء بدون ثبات، لذا شبّه القرآن حالهم في عبادتهم الأصنام وبنائهم جميع أمورهم على ذلك، بالعنكبوت التي تبني وتجتهد، فإن بناءها ضعيف، يتبدّد متى مسّته أدنى هامّة (وهي المخوف من الأحناش) أو دهمته نملة، وكذلك أمر هؤلاء وسعيهم مضمحل، لا قوة له ولا معتمد، وكرّر القرآن الكريم في مناسبات مختلفة أن هذه العبادة من الوثنيين لا تنفعهم شيئا، وإذا تركوها لا يصيبهم ضرر، فكيف يليق بهم ترك عبادة الله القادر، والتوجه نحو هذه الأحجار والأوثان؟! وتكون فائدة ضرب الأمثال في القرآن، لتقريب الأشياء إلى العقول والأفهام، كما ذكر الحقّ سبحانه في هذه الآيات الشريفة، قال الله تعالى:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٣]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)
«١»
стр. 1963
[العنكبوت: ٢٩/ ٤١- ٤٣] .
المعنى: إن فعل المشركين أو صفتهم في تأليه الأصنام وعبادتها من دون الله، أملا في نصرتهم ونفعهم، ودفع الضّر عنهم، كصفة العنكبوت في ضعفها، تتخذ لنفسها بيتا لحمايتها من الأذى، ولكنه لا يفيدها شيئا، فإنه سرعان ما يتبدّد بالريح أو بالحشرات المداهمة. فكذلك هؤلاء المشركون لا تفيدهم الأصنام شيئا، ولا تدفع عنهم شرّا، وتضيع جهودهم لوضعها في غير موضعها، فهم في عملهم في غاية الضعف، مثل بيوت العناكب التي هي أضعف شيء وأوهاه، يخرّب بأدنى شيء ولا أثر له، فكذلك أعمالهم لا أثر لها، فلو كانوا يعلمون أدنى علم أن عبادة الأصنام لا تنفع، ما فعلوا ذلك، ولأقلعوا عما يعملون، لكنهم في الواقع جهلة أغبياء، لا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن حالهم ونسبتهم للحق كهذه الحالة.
ثم توالى تأكيد الله تعالى انعدام فائدة تلك المعبودات، فذكر أن الله سبحانه يعلم أن الذي يعبده الوثنيون من الأصنام أو غيرها من الجنّ والإنس والكواكب ليس بشيء ولا فائدة فيه، وإنما المعبود بحق: هو الله القوي الغالب القاهر، الكبير المنتقم من الكفرة، المشركين مع عبادته إلها آخر، الحكيم في صنعه وتدبير خلقه، يعلم ما هم عليه من الأعمال، وسيجزيهم وصفهم، فإنه سبحانه يعلم حالهم، وأنه لا قدر لعملهم، ولا قدر لما يعبدونه.
ثم ذكر الله تعالى الفائدة الملموسة من ضرب الأمثال والأشباه، وهي أن الأمثال القرآنية والتشبيهات الحسّية التي يعقدها ويصوّرها الله تعالى، إنما هي لتقريب الأشياء لأفهام الناس، وتوضيح ما التبس عليهم، ولكن لا يعقلها ويتدبّر معناها، ويدرك المراد منها إلّا أهل العلم والمعرفة، الذين يتجرّدون من العصبية والتقليد،
стр. 1964
ويتأمّلون في مدلولات الأشياء. فإن قرين الشيء وشبيهه يوضح الأمر، ويجلي الحقيقة.
قال جابر، قال النّبي ﷺ في قوله تعالى: إِلَّا الْعالِمُونَ: «العاقل: من عقل عن الله تعالى، وعمل بطاعته، وانتهى عن معصيته» .
ومما يؤسف حقّا أن ينزل مستوى الفكر الإنساني لهذه الدرجة من الدّنو، فإن عبادة الأصنام مجرد أسطورة أو خرافة، ومحض وهم وخطأ. ومما يزيد في الأسف أنه ما تزال هذه العبادة قائمة في زمننا في بعض البلاد الإفريقية كجنوب السودان وغيره، فإن هؤلاء البدائيين، قد يذهبون لنيل أعلى الشهادات العلمية من أوربا وأمريكا، ثم إذا عادوا لبلادهم، عادوا لتعظيم الأحجار والأصنام، وكأن العقل العلمي غير العقل الديني، وأن العلوم العصرية الحديثة لا تفيدهم شيئا في الإقلاع عن عادات وسطهم الديني، وبيئتهم الحياتية القائمة، كما حدثني بعض الأفارقة.
عظمة الخلق الإلهي والبيان التشريعي
إن أدنى تأمّل في هذا الكون الرّحب، من السماء والأرض والمخلوقات العجيبة فيهما، يرشد الإنسان الحائر إلى العقيدة الحقّة والإيمان الصائب، وإلى العبادة الصحيحة في أسلوبها وجوهرها وغايتها، وتزداد العقيدة تأصّلا وتألّقا وثباتا بتلاوة القرآن العظيم الدّال على أن رسل الله الكرام أقاموا الأدلة الكافية على الإيمان بالله تعالى، وعلى توحيده، ووجوب عبادته، وإن أعرض بعض أقوامهم عن دعواتهم، ولم يقلعوا عن عاداتهم الذميمة. وسبيل عقد الصلة بالله تعالى، وإدراك لذّة مناجاته، وحلاوة مناداته: إنما هو بأداء الصلاة التي تنهى صاحبها إن أدّاها بحق عن كل ألوان الفحشاء والمنكر، الذي ينكره الشّرع والعقل، ومن ذكر ربّه ذكره الله بإفاضة الهدى ونور العلم عليه. وهذا ما أبانته الآيات الكريمة الآتية، قال الله تعالى:
стр. 1965
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٤ الى ٤٥]
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
[العنكبوت: ٢٩/ ٤٤- ٤٥] .
الأسلوب القرآني الرائع يعتمد على ضرب الأمثال والتشبيهات بالأمور الحسّية المشاهدة، كما يعتمد على المقارنة أو الموازنة بين الأشياء ليظهر الحقّ، ويبطل الباطل، وتستقر المعلومات والمعارف في الذهن الإنساني، ومن هذه التشبيهات البليغة كما تقدم: تشبيه عبادة الأصنام ببناء بيوت العناكب، ومن هذه المقارنات اللطيفة: بيان كون خلق السماوات والأرض وما فيهما من كمال وجمال وعظمة، مما يرشد الذهن أو العقل إلى صغر قدر الأوثان وحقارتها، وصغر كل معبود من دون الله تعالى.
لقد أبدع الله السماوات والأرض بالحق، أي بالواجب النّيّر الثابت، لا للعبث واللعب، بل ليدلّ على قدرته العظيمة وسلطانه الشامل، ويثبّت شرائعه، ويضع الدلائل لأهلها، ويعمّ المنافع. إن في هذا الخلق والإبداع لدلالة واضحة على أن الله تعالى هو المتفرّد بالخلق والتدبير والألوهية، وعلى وجوب التوجّه بالعبادة إليه وحده لا شريك له، وعلى ضرورة إعزاز الإنسان وتكريمه، لئلا يعبد مثله أو من دونه، أو ما لا يفيده شيئا.
ولكن لا ينتفع بهذه الأدلة والبراهين، ولا يدرك أسرار الخلق والإبداع الإلهي إلا المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله، لأنهم يستدلّون بآثار الخلق على وجود الخالق المؤثر فيها، وأنه يستحيل على غير الإله المعبود بحقّ أن يكون له إسهام فيها، أو تطلّع إلى ادّعاء شيء من خصائصها وميزاتها الباهرة، فذلك ما لا يستطيعه.
وإذا كان الإله هو خالق السماوات والأرض فإنه تجب العبادة له، وحده،