واذكر أيها النّبي عادا وثمود، أما قبيلة عاد فكانوا يسكنون الأحقاف قرب حضرموت في بلاد اليمن، أرسل الله إليهم هودا ﵇، فنصحهم وأنذرهم، فلم يصدّقوه وآذوه، فأرسل الله عليهم ريحا صرصرا، دمّرت ديارهم وأبادتهم.
وأما قبيلة ثمود: فكانوا يسكنون في الحجر قريبا من وادي القرى، بين الحجاز والشام، وما تزال مدائنهم ظاهرة إلى اليوم، أرسل الله إليهم النّبي صالحا ﵇، فدعاهم مثل هود ﵇ إلى عبادة الله وحده، فلم يستجيبوا، وزيّن لهم الشيطان أعمالا سيئة، فكفروا بالله تعالى، واجترحوا السيئات، ومنعوا الناس عن الدّين الحقّ والطريق القويم، وكانوا أهل عقل وبصيرة، لكنهم لم يؤمنوا بربّهم، ولم ينتفعوا بطاقات فكرهم وقلوبهم، فعاقبهم الله، وأهلكهم بالطاغية أو الصيحة الشديدة، وبادوا، وبقيت آثار ديارهم عبرة لكل مارّ عليها.
وأهلك الله تعالى قارون بالخسف وتدمير دياره، وفرعون وهامان وزيره بالإغراق في البحر الأحمر، وقد أرسل الله لهم موسى ﵇، فدعاهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأوثان، وأتاهم بالآيات الواضحات والمعجزات الظاهرة كالعصا التي تنقلب حيّة عظيمة، واليد التي يدخلها في فتحة قميصه، فتصير ذات إشعاع كالشمس أو القمر، فاستكبروا عن الطاعة لله وعبادته، ولم يكونوا مفلتين من العذاب والأخذ، ولا قادرين على الهرب من العقاب، بل أدركهم أمر الله تعالى وبطشه، وصاروا عبرة للمعتبر، وعظة لكل ناظر.
إن هؤلاء الأقوام جوزوا بما يناسبهم من ألوان العذاب، وكانت عقوباتهم إما بالريح العاصفة كقوم عاد التي دمرتهم، وإما بالصيحة أو الرّجفة كقوم ثمود وقوم لوط، وإما بالخسف كقارون الطاغية، وإما بالإغراق في البحر كفرعون المتألّه الجبّار، ووزيره هامان الماكر، كل عقوبة تطابق ألوان الظلم الصادرة من أصحابها،
стр. 1962
وما كان لله العادل عدلا مطلقا أن يظلمهم أبدا فيما فعل بهم، ولكنه سبحانه أهلكهم بذنوبهم، وبظلمهم أنفسهم، بكفرهم بربّهم وإنكار وجوده أو نسبة الشركاء له، أو ادّعاء الألوهية.
إن هذا الجزاء والدّمار عبرة وعظة لأهل مكة وأمثالهم، ممن ولجوا في العصيان والكفر والشّرك، وتكذيب الرسول محمد ﷺ ، وهي للتاريخ مثل مثير، وتذكير للمعتبرين.
حال عبدة الأصنام
عجيب أمر عباد الأصنام، وغريب ما تفكر به عقولهم، ولا أجد مسوغا لهم في عبادتهم الأصنام إلّا محض التقليد الأعمى، فإنهم يبنون في فراغ، ويعملون في الهواء بدون ثبات، لذا شبّه القرآن حالهم في عبادتهم الأصنام وبنائهم جميع أمورهم على ذلك، بالعنكبوت التي تبني وتجتهد، فإن بناءها ضعيف، يتبدّد متى مسّته أدنى هامّة (وهي المخوف من الأحناش) أو دهمته نملة، وكذلك أمر هؤلاء وسعيهم مضمحل، لا قوة له ولا معتمد، وكرّر القرآن الكريم في مناسبات مختلفة أن هذه العبادة من الوثنيين لا تنفعهم شيئا، وإذا تركوها لا يصيبهم ضرر، فكيف يليق بهم ترك عبادة الله القادر، والتوجه نحو هذه الأحجار والأوثان؟! وتكون فائدة ضرب الأمثال في القرآن، لتقريب الأشياء إلى العقول والأفهام، كما ذكر الحقّ سبحانه في هذه الآيات الشريفة، قال الله تعالى:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٣]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)
«١»
стр. 1963
[العنكبوت: ٢٩/ ٤١- ٤٣] .
المعنى: إن فعل المشركين أو صفتهم في تأليه الأصنام وعبادتها من دون الله، أملا في نصرتهم ونفعهم، ودفع الضّر عنهم، كصفة العنكبوت في ضعفها، تتخذ لنفسها بيتا لحمايتها من الأذى، ولكنه لا يفيدها شيئا، فإنه سرعان ما يتبدّد بالريح أو بالحشرات المداهمة. فكذلك هؤلاء المشركون لا تفيدهم الأصنام شيئا، ولا تدفع عنهم شرّا، وتضيع جهودهم لوضعها في غير موضعها، فهم في عملهم في غاية الضعف، مثل بيوت العناكب التي هي أضعف شيء وأوهاه، يخرّب بأدنى شيء ولا أثر له، فكذلك أعمالهم لا أثر لها، فلو كانوا يعلمون أدنى علم أن عبادة الأصنام لا تنفع، ما فعلوا ذلك، ولأقلعوا عما يعملون، لكنهم في الواقع جهلة أغبياء، لا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن حالهم ونسبتهم للحق كهذه الحالة.
ثم توالى تأكيد الله تعالى انعدام فائدة تلك المعبودات، فذكر أن الله سبحانه يعلم أن الذي يعبده الوثنيون من الأصنام أو غيرها من الجنّ والإنس والكواكب ليس بشيء ولا فائدة فيه، وإنما المعبود بحق: هو الله القوي الغالب القاهر، الكبير المنتقم من الكفرة، المشركين مع عبادته إلها آخر، الحكيم في صنعه وتدبير خلقه، يعلم ما هم عليه من الأعمال، وسيجزيهم وصفهم، فإنه سبحانه يعلم حالهم، وأنه لا قدر لعملهم، ولا قدر لما يعبدونه.
ثم ذكر الله تعالى الفائدة الملموسة من ضرب الأمثال والأشباه، وهي أن الأمثال القرآنية والتشبيهات الحسّية التي يعقدها ويصوّرها الله تعالى، إنما هي لتقريب الأشياء لأفهام الناس، وتوضيح ما التبس عليهم، ولكن لا يعقلها ويتدبّر معناها، ويدرك المراد منها إلّا أهل العلم والمعرفة، الذين يتجرّدون من العصبية والتقليد،
стр. 1964
ويتأمّلون في مدلولات الأشياء. فإن قرين الشيء وشبيهه يوضح الأمر، ويجلي الحقيقة.
قال جابر، قال النّبي ﷺ في قوله تعالى: إِلَّا الْعالِمُونَ: «العاقل: من عقل عن الله تعالى، وعمل بطاعته، وانتهى عن معصيته» .
ومما يؤسف حقّا أن ينزل مستوى الفكر الإنساني لهذه الدرجة من الدّنو، فإن عبادة الأصنام مجرد أسطورة أو خرافة، ومحض وهم وخطأ. ومما يزيد في الأسف أنه ما تزال هذه العبادة قائمة في زمننا في بعض البلاد الإفريقية كجنوب السودان وغيره، فإن هؤلاء البدائيين، قد يذهبون لنيل أعلى الشهادات العلمية من أوربا وأمريكا، ثم إذا عادوا لبلادهم، عادوا لتعظيم الأحجار والأصنام، وكأن العقل العلمي غير العقل الديني، وأن العلوم العصرية الحديثة لا تفيدهم شيئا في الإقلاع عن عادات وسطهم الديني، وبيئتهم الحياتية القائمة، كما حدثني بعض الأفارقة.
عظمة الخلق الإلهي والبيان التشريعي
إن أدنى تأمّل في هذا الكون الرّحب، من السماء والأرض والمخلوقات العجيبة فيهما، يرشد الإنسان الحائر إلى العقيدة الحقّة والإيمان الصائب، وإلى العبادة الصحيحة في أسلوبها وجوهرها وغايتها، وتزداد العقيدة تأصّلا وتألّقا وثباتا بتلاوة القرآن العظيم الدّال على أن رسل الله الكرام أقاموا الأدلة الكافية على الإيمان بالله تعالى، وعلى توحيده، ووجوب عبادته، وإن أعرض بعض أقوامهم عن دعواتهم، ولم يقلعوا عن عاداتهم الذميمة. وسبيل عقد الصلة بالله تعالى، وإدراك لذّة مناجاته، وحلاوة مناداته: إنما هو بأداء الصلاة التي تنهى صاحبها إن أدّاها بحق عن كل ألوان الفحشاء والمنكر، الذي ينكره الشّرع والعقل، ومن ذكر ربّه ذكره الله بإفاضة الهدى ونور العلم عليه. وهذا ما أبانته الآيات الكريمة الآتية، قال الله تعالى:
стр. 1965
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٤ الى ٤٥]
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
[العنكبوت: ٢٩/ ٤٤- ٤٥] .
الأسلوب القرآني الرائع يعتمد على ضرب الأمثال والتشبيهات بالأمور الحسّية المشاهدة، كما يعتمد على المقارنة أو الموازنة بين الأشياء ليظهر الحقّ، ويبطل الباطل، وتستقر المعلومات والمعارف في الذهن الإنساني، ومن هذه التشبيهات البليغة كما تقدم: تشبيه عبادة الأصنام ببناء بيوت العناكب، ومن هذه المقارنات اللطيفة: بيان كون خلق السماوات والأرض وما فيهما من كمال وجمال وعظمة، مما يرشد الذهن أو العقل إلى صغر قدر الأوثان وحقارتها، وصغر كل معبود من دون الله تعالى.
لقد أبدع الله السماوات والأرض بالحق، أي بالواجب النّيّر الثابت، لا للعبث واللعب، بل ليدلّ على قدرته العظيمة وسلطانه الشامل، ويثبّت شرائعه، ويضع الدلائل لأهلها، ويعمّ المنافع. إن في هذا الخلق والإبداع لدلالة واضحة على أن الله تعالى هو المتفرّد بالخلق والتدبير والألوهية، وعلى وجوب التوجّه بالعبادة إليه وحده لا شريك له، وعلى ضرورة إعزاز الإنسان وتكريمه، لئلا يعبد مثله أو من دونه، أو ما لا يفيده شيئا.
ولكن لا ينتفع بهذه الأدلة والبراهين، ولا يدرك أسرار الخلق والإبداع الإلهي إلا المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله، لأنهم يستدلّون بآثار الخلق على وجود الخالق المؤثر فيها، وأنه يستحيل على غير الإله المعبود بحقّ أن يكون له إسهام فيها، أو تطلّع إلى ادّعاء شيء من خصائصها وميزاتها الباهرة، فذلك ما لا يستطيعه.
وإذا كان الإله هو خالق السماوات والأرض فإنه تجب العبادة له، وحده،
стр. 1966
خالصة نقية من أي شائبة، لذا أمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ وكل مؤمن بأمرين مهمّين يحقّقان العبودية لله، ويوجّهان إلى صحة العبادة، وضرورة الخضوع لأمر الله، وهذان الأمران المهمّان:
أولهما- تلاوة القرآن الكريم وحي الله لنبيّه وأمّته، فإن القرآن إمام ونور، وهدى ورحمة، وشفاء لما في الصدور، ونجاة لمن اتّبعه، وحصن لمن اعتصم به، وعلاج للمحن والأزمات، وتعليم لشؤون الحياة كلها.
والأمر الثاني- إقامة الصلاة بأدائها تامة الأركان والشرائط، وإدامتها في قلب خاشع، وعقل متدبر، ولسان ذاكر، وإشراقة نفس، واستحضار عظمة المعبود، وللصلاة فوائد شخصية واجتماعية كثيرة، فهي تنهى عن ارتكاب الفواحش والمنكرات، وفيها ذكر الله المهيمن على كل شيء في السّرّ والعلن، وإدامة الذّكر وترطيب اللسان به يشعر المصلي بكمال عظمة الله، وذكر الله أكبر من كل شيء في هذا العالم على الإطلاق، فالله هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، وجزء الذكر الذي في الصلاة: إنما هو الذي ينهى بالفعل، لأن الانتهاء لا يكون إلّا من ذاكر لله مراقب له، وثواب هذا الذكر: أن يذكر الله تعالى عبده المصلي، كما
جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه: «من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم» .
والذكر النافع: إنما هو مع العلم بالله تعالى، وإقبال القلب وتفرّغه إلّا من الله تعالى. وذكر الله تعالى للعبد: هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه. والله عليم بما تصنعون من خير أو شرّ، يعلم بكل قول وفعل، وذلك نوع من التّوعّد على ترك الصلاة وذكر الله، وحثّ على مراقبة الله على الدوام.
стр. 1967
مجادلة أهل الكتاب
إن تحقيق الأغراض أو الأهداف المنشودة يتطلب حكمة معينة ومهارة فائقة، وذكاء وحصافة، وتخطيطا ودراسة، وإن دعوة غير المسلمين للإسلام ومحاولة إدخالهم في دين الله، من أدقّ الأشياء وأعسرها، لأن توارث العصبيات والأحقاد القديمة، يحجب غالبا رؤية الحقيقة الناصعة، ولأن دوام العقيدة أو غرسها، يتطلب قناعة راسخة، وبرهانا واضحا ينسجم مع العقل والمنطق، ومقتضى العلم والمعرفة، لذا كان توجيه القرآن الكريم في شأن جدال أهل الكتاب يتفق مع هذه المسلّمات، ويأمر باستعمال الكلمة الحسنى، والخصلة الخلقية التي هي أحسن، قال الله تعالى مبيّنا منهاجه في الدعوة إلى الإسلام:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٩]
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)
[العنكبوت: ٢٩/ ٤٦- ٤٩] .
هذه هي طريقة إرشاد الكتابيين إلى الإسلام، تلتزم أصول المنهج التالي:
أولا- الجدال بالتي هي أحسن: ينهانا القرآن الكريم أن نجادل أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إلّا بالطريقة الحسنة، وبالأسلوب الأحسن، فإنهم قوم يؤمنون بوجود الله واليوم الآخر، ويصدّقون بما أنزل على موسى وعيسى ﵉ من الكتب السماوية، فكانوا أولى الناس بالالتقاء على هدي الإسلام الذي ضمّ الأديان كلها، والإيمان بخاتم الأنبياء.
стр. 1968
لكن الذين ظلموا أنفسهم، وعادوا للحقّ، وتركوا سبيل الحجة الواضحة، ولم يستعملوا منطق العقل المجرد البعيد عن العصبية والهوى، فإنهم ميئوس من إرشادهم وإصلاحهم، وهم من بقي على كفره منهم.
ثانيا- الإيمان بأصول الأديان: يأمرنا القرآن المجيد أيضا أن نعلن إيماننا برسالة الإسلام الشاملة التي تعني الخضوع لله تعالى، وبأن الإله إله الجميع، إلهنا وإلهكم واحد، لا شريك له، وإيماننا بما أنزل إلينا من القرآن، وإليكم من التوراة والإنجيل في أصلهما المنزّلين، ونحن عابدون خاضعون لله، مطيعون أوامره، مجتنبين نواهيه.
ثالثا- إنزال الكتب على الجميع: مثل إنزال الله الكتب على من قبلك من الرسل أيها الرسول النّبي، إنزال القرآن إليك، فالذين جاءهم الكتاب السابق من اليهود والنصارى إذا نظروا وتأمّلوا بحق يؤمنون بالقرآن الكريم، ومنهم من آمن به بالفعل، كعبد الله بن سلام اليهودي الأصل، وسلمان الفارسي المتنصر المعروف بسلمان الخير، ونحوهما، وما يكذّب بآيات الله ويجحد بمضمونها إلّا الذين أوغلوا في قيعان الكفر وركنوا إليه.
رابعا- أمّية النّبي: ولم تكن أيها النّبي قبل النّبوة تقرأ شيئا من الكتب، ولا تعرف الكتابة ولا القراءة، ولا تستطيع أن تخطّ سطرا من الكتاب بيمينك، فأنت خالي الذهن، لم تتشرب بشيء سابق، ولو كنت قارئا وكاتبا، لشكّ المشركون الجهلة فيما نزّل إليك، وادّعوا أنه مأخوذ من كتب سابقة، وإذ لم تكن كاتبا ولا قارئا ولا سبيل لك إلى التّعلم، فلا وجه لارتياب كل من عاداك، فأهل الباطل هم المتمسكون بالضلالات الموروثة، والانحرافات الشائعة.
خامسا- القرآن منزل من عند الله تعالى: بل إن هذا القرآن آيات واضحات الدلالة على الحقّ، وذلك أمر مستقر في قلوب العلماء من أهل الكتاب وغيرهم،
стр. 1969
ولكن ما ينكر وما يكذب بآيات الله النّيّرة ويبخسها حقّها، ويردّها إلّا أهل الظلم، وهم المعتدون المكابرون المعاندون، الذين يعلمون الحقّ ويحيدون عنه، كما جاء في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس: ١٠/ ٩٦- ٩٧] . إن أصول الجدل العلمي الصحيحة، تميّز بها القرآن الكريم، ولم تكن آياته وإرشاداته إلّا منارة للحق، وسبيلا قويما لمعرفة الإيمان الحقّ، واتّباع رسالة الحقّ.
المطالب التعجيزية للمشركين وأشياعهم
آثر المشركون في صدر الدعوة الإسلامية وحين نزول الوحي الإلهي أن يظلّوا على شركهم وعنادهم، فلم يصغوا لنداء المنطق، ولم يستجيبوا بإمعان لدعوة الحق ورسالة الإنقاذ، وآزرهم في هذا الموقف بعض اليهود الذين كانوا يعلّمون قريشا هذه الحجة وهي: لم يأتكم محمد ﷺ بمثل ما جاء به موسى من العصا وغيرها، فطالبوا بمعجزات مادّية محسوسة، ولم يكتفوا بإنزال القرآن الكريم المعجزة الأبدية الخالدة، وزادوا في غيّهم، فاستعجلوا العذاب الذي أوعدهم به القرآن والنّبي ﵊، ولم يدروا أن العذاب الأكبر في نار جهنم سيحيط بهم إحاطة تامّة، قال الله تعالى واصفا هذا الموقف الوثني ومن يؤيّده:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٥]
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤)
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
стр. 1970
«١» «٢» [العنكبوت: ٢٩/ ٥٠- ٥٥] .
قالت قريش وبعض اليهود تعنّتا وتعجيزا: هلا أنزل على محمد آية حسّية مادّية، كآيات الأنبياء المتقدّمين، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى ﵈، لإثبات صدقه وأنه رسول الله؟! فأجابهم القرآن الكريم في قوله تعالى آمرا نبيّه ﵊ أن يعلمهم أن هذا الأمر بيد الله تعالى، لا يستنزله الاقتراح والتّمنّي، وأن النّبي بعث نذيرا، ولم يؤمر بغير ذلك، فليقفوا عند حدود الأدب والطاقة.
أو ليس يكفيهم دليلا على صدق نبوّتك يا محمد إنزال القرآن المجيد عليك، والذي هو أعظم الآيات، وهو المعجز للجنّ والإنس، ويتلى عليهم آناء الليل وأطراف النهار، وفيه أخبار الماضين، وعظة اللاحقين، وإنذار الآتين في المستقبل، وفي ذلك الكتاب من الرحمة والذكرى الكافية للمؤمنين.
حكى الطبري وغيره: أن هذه الآية: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ.. نزلت بسبب قوم من المؤمنين أتوا النّبي ﷺ بكتب، قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود الذين أخبروهم بشيء من التوراة، فأنكر رسول الله ﷺ ذلك،
قال: «كفى بهذا ضلالة، قوم رغبوا عما أتاهم به نبيّهم، إلى ما أتى به غيره» .
ونزلت الآية بسببه. قال ابن عطية:
والتأويل الأول أجرى مع نسق الآيات، أي إنهم طلبوا آية بحسب مزاجهم، فأجابهم الله بأن القرآن أعظم الآيات.
стр. 1971
ثم أمر الله نبيّه ﷺ بالاستناد إلى أمر الله تعالى، وأن يجعله حسبه أو كفايته شاهدا وحاكما بينه وبينهم، بعلمه وتحصيله جميع أمورهم.
إنه تعالى لا تخفى عليه خافية، يعلم جميع ما هو كائن ويكون في السماوات والأرض، ويعلم الذين آمنوا بالباطل: وهو عبادة الأوثان والأصنام من دون الله، وجحدوا بوجود الله أو توحيده، مع توافر الأدلة على الإيمان به، أولئك لا غيرهم هم الخاسرون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر بالإيمان، وسيجازيهم الله تعالى في القيامة على ما فعلوا.
ثم أخبر الله تعالى عن لون آخر من جهل المشركين وحماقتهم، وهم كفار قريش الذين يتعجلون نزول العذاب بهم، على جهة التعجيز والتكذيب، وهو العذاب الذي توعدهم به محمد ﷺ ، ولولا كون العذاب محددا بوقت معلوم، لأتاهم من حيث لا يشعرون، ولسوف يأتيهم فجأة، وهم لا يحسّون بمجيئه، بل يكونون في غفلة عنه.
إنهم يتعجلون العذاب، والعذاب الأكبر واقع بهم حتما، وهو عذاب جهنم الذي يحيط بهم وبأمثالهم من كل جانب، وهذا توعّد بعذاب الآخرة.
وصفة تعميم العذاب: أنه يحيط بهم من كل جانب، ويغطّيهم من كل جهة من جهاتهم، ويقول الله تعالى على سبيل التوبيخ والتقريع: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي. ويشبّه العذاب بالذوق تهكّما وتبكيتا، كما في قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدّخان: ٤٤/ ٤٩] .
الهجرة عند تعطيل الشعائر
يريد الله تعالى أن يستمرّ تدفّق ذكره ومناجاته وعبادته وإعلان توحيده والالتزام بشريعة القرآن الكريم والنّبي العدنان، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة، ليتصل
стр. 1972
نداء الحق، وتستمر الصّلة الإلهية قوية بالبشر، يؤدي كل جيل ما عليه من واجبات الطاعة والاستقامة، وأداء الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى مرضاة الله ، والاستقرار في دار المجد والسلام والخلود وهي دار الجنة. وهذا كله تفضّل من الله تعالى بتوجيه البشر لما فيه خيرهم، وترك ما فيه شرّهم وضررهم، وهذا ما رسمته لنا الآيات بالمبادرة بالهجرة من ديار الكفر إذا تعذّر على المسلم إقامة شعائر دينه، إلى ديار الإسلام، قال الله تعالى:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٦ الى ٦٠]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)
«١» «٢» «٣» [العنكبوت: ٢٩/ ٥٦- ٦٠] .
الآية الأولى: يا عِبادِيَ
نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، كانوا في ضيق من إظهار الإسلام بها.
وهي تحرّض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة، فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في أرض فيها أذى الكفار ليس بصواب، بل الصواب أن تلتمس عبادة الله تعالى في أرضه. فيا أيها العباد المصدّقون بالله ورسوله، إن أرض الله واسعة غير ضيّقة، يمكنكم الإقامة في أي موضع منها، فإذا تعذّرت عليكم إقامة شعائر الدين، بسبب أذى الكفار، فهاجروا إلى مكان آخر، تتوافر لكم فيه الحرية والطمأنينة في إقامة شعائر الله، وما عليكم إلّا متابعة عبادة الله وحده دون غيره،
стр. 1973
وقوله تعالى: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
إياي: منصوب بفعل مقدر يدلّ عليه الظاهر، تقديره: فإياي اعبدوا فاعبدون، على الاهتمام أيضا في التقدير.
ولا خوف من الهجرة والانتقال في البلاد، فإن الموت كائن لا محالة لكل نفس، في كل مكان، ثم إلى الله المرجع والمآب، أي إن المكروه لا بد من وقوعه، في داخل الوطن أو خارجه. وهذه الآية كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ.. تحقير لأمر الدنيا ومخاوفها، من أجل أن بعض المؤمنين تخوّف في حال خروجه من وطنه أن يموت أو يجوع ونحو هذا، فحقّر الله تعالى شأن الدنيا، والمراد: أنتم لا محالة ميتون، ومحشورون إلى الله ﵎، فالبدار إلى طاعة الله تعالى والهجرة إليه أولى بالامتثال.
ثم وعد الله المؤمنين العاملين بسكنى الجنة، تحريضا منه تعالى، وذكر الجزاء الذي ينالونه، فالذين صدقوا بالله ورسوله، وعملوا صالح الأعمال بالتزام أوامر الله واجتناب نواهيه، لينزلنّهم الله منازل عالية في جنات، تجري الأنهار من تحت أشجارها، على اختلاف أصنافها من ماء وخمر غير مسكرة، وعسل مصفى، ولبن، ماكثين فيها أبدا على الدوام، جزاء لهم على أعمالهم الطيّبة، نعم هذا الجزاء جزاء العاملين المخلصين.
ثم وصف الله تعالى العاملين بالصبر على أداء الطاعات وعن الشهوات، والتوكّل على الله وتفويض الأمور إليه في جميع أحوالهم الدنيوية والأخروية، والصبر والتوكّل يجمعان الخير كله.
والذي يعين على الهجرة ويحرّض عليها ضمان الله أرزاق العباد، لأن بعض المؤمنين فكّر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة، فأبان الله تعالى أن الرزق مكفول بيد الله لكل مخلوق، فكم من دابّة (كل ما يدبّ على الأرض) لا تطيق حمل
стр. 1974
رزقها لضعفها، ولا تستطيع جمعه وتحصيله، الله ييسّر لها الرزق على ضعفها، وييسّر لكم الرزق أيها الناس، والله هو السّميع لأقوال عباده، العليم بضمائرهم وأسرارهم. والمعنى: الله يرزقكم أنتم، ففضّلوا طاعة الله على كل شيء.
نزلت هذه الآية: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ كما
روى ابن عباس: أن النّبي ﷺ قال للمؤمنين بمكّة حين آذاهم المشركون: اخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا تجاوزوا الظلمة، قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار، ولا من يطعمنا ولا من يسقينا، فنزلت الآية: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ.. الآية.
إقرار المشركين بالخالق
مهما استبدّ العناد بأهل الشّرك والوثنية لا يجدون مناصا من الاعتراف بربوبية الله وكونه خالق الكون: سمائه وأرضه، كواكبه وشمسه وقمره، برّه وبحره، وأنه منزل المطر من السماء لإحياء الأرض بعد موتها وجفافها، وأنه الرازق المتصرّف بكل شيء، فإذا كان هذا مستقرّا في عقيدتهم، مترسّخا في أذهانهم، فلم يبق إلا إكمال هذه العقيدة بالإقرار بوحدانية الله تعالى، وأنه لا سواه الأحقّ بالعبادة، والأولى بالتوجّه إليه في السّر والعلن، لاستمداد الخير منه، ودفع الشّر والضّرر به، قال الله تعالى مبيّنا هذه الحال السائدة بين المشركين:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦١ الى ٦٣]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)
«١» «٢» [العنكبوت: ٢٩/ ٦١- ٦٣] .
стр. 1975
هذه الآيات إفحام للمشركين القائلين بتعدّد الآلهة، وإقامة للحجة عليهم، بأنهم إن سئلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة، لم يكن لهم إلّا التسليم لله تعالى.
فو الله يا محمد إن سألت المشركين بالله إلها آخر: من الذي أوجد أو خلق السماوات وما فيها من الشمس والقمر المسخّرين المذلّلين بأمر الله في مدار معين وبنظام دقيق ينشأ عنهما تعاقب الليل والنهار، وما في السماوات أيضا من كواكب ونجوم ثوابت وشهب منقضة، وما في الأرض من كنوز ومعادن وجبال وأنهار وبحار ومخلوقات أرضية متعدّدة، وما تدلّ عليه من عظمة وقدرة إلهية، لو سألتهم أيها الرسول عن ذلك، لأجابوك بأن الموجد المبدع الخالق هو الله تعالى، فكيف يصرفون عن توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له؟! فإن المعترف بأن الله هو الخالق، ينبغي أن يعترف بوحدانية هذا الإله الذي لا يشاركه في خلقه وتدبيره أحد، والمعنى المراد:
أن المقرّ بتوحيد الرّبوبية لله، يجب عليه الإقرار بتوحيد الألوهية، فلا إله غيره، سواء من الأصنام والأوثان، أو من الملائكة، أو الكواكب أو غيرها.
والدليل الآخر بعد الاعتراف لله بالخلق والتدبير: هو أن الله تعالى من أجل دوام المخلوقات، تكفّل برزقها، ويسّره لها، لكن بحكمة إلهية معينة هي لمصلحة المخلوق، فالله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانا واختبارا له، ويضيق الرزق على من يريد ابتلاء ومحنة، على وفق مقتضى الحكمة وبحسب المصلحة المستقرة، لأن الله تامّ العلم بكل شيء، من المفاسد والمصالح، فيمنح ويمنع ويوسع ويقتر، بما يراه الأصلح للعباد، كما جاء في آية أخرى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشّورى: ٤٢/ ٢٧] .
واستمرارا لمدد الرزق، وتقريرا لحقيقة ثابتة يعترف بها المشركون: أنك أيها الرسول لو سألتهم أيضا عمن ينزل المطر من السماء أو السحاب، فيحيي به الأرض
стр. 1976
الجدبة بعد جفافها ويبسها، فتصبح متحرّكة نضرة بالنبات الأخضر، لأجابوك بأن الله تعالى هو الفاعل لذلك، فإذا قالوا هذا، فقل لهم أيها النّبيّ: الحمد لله على قيام الحجة عليكم، وأن الله مصدر النّعم كلها، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعقلون هذا التناقض الحاصل منهم، فتراهم يقولون بأن الله هو الخالق الرّازق، ثم يقولون بوجود إله آخر معه، فيخالف فعلهم قولهم، وإقرارهم، ويعبدون مع الله تعالى وثنا أو حجرا أو معدنا لا يتمتع بحقائق الألوهية، ولا ينفعهم شيئا، ولا يضرّهم إن تركوا عبادته. إن هذا لون من ألوان الحماقة والخرافة والطيش والبدائية القائمة.
أحوال الدنيا والكافرين فيها
الإنسان فيما يتعلق بقضايا الدين والدنيا قد يكون قصير النظر، لا ينظر إلى ما وراء هذا العالم، وتقلّبات الدنيا سريعة وشؤونها لاهية، حتى إذا ما وقع في المحنة الخانقة، تراه يبذل كل ألوان الرجاء والإستغاثة، لاستنقاذ نفسه، وما تعرّض له من مخاوف الغرق أو الإعصار أو الزلزال، ولا يقدّر المشرك المقيم في مكة نعمة الأمن الكبرى في البلد الحرام الآمن، مع أن البلاد المجاورة وغيرها لا أمان فيها ولا اطمئنان. إن الكافر بالله هو الظالم الحقيقي لنفسه، ولا ظلم أشدّ طغيانا من افتراء الكذب على الله أو تكذيبه بالحقّ الثابت الساطع. أما المؤمن المجاهد نفسه وهواه، فإن الله يوفّقه للخير وسبيل النجاة، ويؤيّده ويؤازره لإحسانه العمل، واستقامته في الحياة، قال الله تعالى مبيّنا أحوال الدنيا والناس فيها.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٩]
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
«١»
стр. 1977
«١» «٢» «٣» «٤» [العنكبوت: ٢٩/ ٦٤- ٦٩] .
وصف الله تعالى واقع الدنيا في هذه الآية بأنها لهو ولعب، أي ما كان منها لغير وجه الله تعالى، فإن ما كان لله تعالى فهو من الآخرة، ذلك أن كل ما كان من أمور الدنيا الزائدة على الضروري الذي به قوام العيش والحياة، والتّقوي على الطاعات، فإنما هو لهو يتلهّى به، ولعب يتسلّى به. وأما الآخرة فهي الحيوان، أي دار الحياة الباقية الخالدة. وهذا الوصف مفيد القوم الذين يعلمون الحقائق، ويدركون المصائر، ومن علم بذلك آثر الباقي على الفاني. والفرق بين اللهو واللعب: أن اللعب إقبال على الباطل، واللهو: إعراض عن الحق. ثم وصف الله المشركين في وقت المحنة:
فإنهم إذا ركبوا في السفينة مثلا، وتعرّضوا لخطر الغرق، دعوا الله وحده ناسين كل صنم وغيره، مخلصين النّية والرغبة إلى الله تعالى، صادقين في توجّههم، فإذا أمنوا ونجوا من الخطر أو الهلاك، عادوا لشركهم، ونادوا أصنامهم وأوثانهم، كافرين بنعمة النجاة. فقوله تعالى: إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ معناه يرجعون إلى ذكر أصنامهم وتعظيمها.
إنهم في بقائهم على الشّرك يؤول أمرهم إلى الكفر بما آتاهم الله من نعم، والتمتع بعبادة الأصنام، فتكون لام لِيَكْفُرُوا ووَ لِيَتَمَتَّعُوا لام العاقبة أو الصيرورة، أو
стр. 1978
إنها لام (كي) للتعليل على سبيل التهديد، أي يشركون ليبقوا كافرين، منعمين بالوثنية، مثل قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.
ثم عدّد الله تعالى على كفرة قريش نعمته، ومنها أمانهم في مكة البلد الآمن الحرام، من غير تعرّض لقتل ونهب وسلب، فجدير بهم شكر هذه النعمة، مع أن الناس كانوا يتخطّفون من كل مكان حولهم، ثم قرّرهم الله على حالهم على جهة التوبيخ، وهي إيمانهم بالباطل وهو الأوثان، وكفرهم بالله ونعمته، إنه تقرير لواقع ووصف له، لا على سبيل الرّضا به، وإنما التّنديد به.
ثم إنهم أظلم الناس، وقد أعلمهم الله أنه لا أحد أظلم منهم، وفي ذلك وعيد شديد، فهم أحقّ الناس بالعقاب، إذ لا أحد أشد عقوبة ممن كذّب على الله بالشّرك، ولزم تكذيب كتابه ورسوله، أليس لهم مقر عقاب؟! أليست جهنم هي مثوى ومأوى جميع الكافرين؟! إن هذا التهديد والوعيد بهذه الألفاظ الموجزة الجامعة للمعاني الكثيرة لا نظير له في عالم التحذير والإنذار، والفحوى بيان عاقبة المشركين الكافرين.
أما عاقبة المؤمنين: فهي الظفر بجنان الخلد والرضوان، فالذين جاهدوا أنفسهم وأطاعوا ربّهم، ونصروا دين الله وكتابه ورسوله، وقاتلوا المعتدين المكذبين بالحق، إنهم هم الذين هداهم الله ووفّقهم إلى طريق الجنة، وسبيل السعادة والخير، في الدنيا والآخرة، والله دائما مع المحسنين أعمالهم بالنصرة والتأييد، والحفظ والرعاية.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي من أجل إرضائنا وعلى هدي قرآننا. إن هذه المقارنة بين أحوال العصاة والكافرين، وأحوال الأتقياء والطائعين، تبيّن تباين الحالين، وفرق المصيرين، إنه فرق شاسع، ووضع متباين، أهل الشّرك والكفر في نيران تتلظّى بهم، وأهل الإيمان والطاعة في جنان ونعم يتمتعون بها وينعمون في ظلالها، فما أنعم حال السعداء، وما أشقى حال الأشقياء؟!
стр. 1979
تفسير سورة الرّوم
تحقيق الغيب المخبر به عن الروم
من وجوه إعجاز القرآن الكريم: الإخبار عن المغيبات سلفا في المستقبل، ووقوع الأشياء كما أخبر تماما، ومن هذه الأخبار الغيبية: هزيمة الروم أمام الفرس، ثم انتصار الروم على الفرس، وذلك في حدود بضع سنوات من ثلاث إلى عشر، كما أخبر القرآن، فبعد نزول سورة الروم سنة (٦٢٢ م) ببضع سنين في سنة (٦٢٧ م) أحرز هرقل عظيم الروم أول نصر حاسم للروم على الفرس، في نينوى، على نهر دجلة، وانسحب الفرس لذلك من حصارهم القسطنطينية، ولقي كسرى أبرويز مصرعه سنة (٦٢٨ م) على يد ولده: شيرويه، وهذا ما أرّخه القرآن قبل وقوعه في الآيات الآتية في مطلع سورة الرّوم المكّية:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّوم: ٣٠/ ١- ٧] .
стр. 1980
سبب النزول: ما أخرجه التّرمذي عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) . وقد كان الفرس هم الغالبين للرومان في بدء الأمر، على مشارف الشام مما يلي بلاد العرب، ففرح بذلك مشركو العرب إذ قالوا: إن الفرس لا كتاب لهم مثلنا، والرّومان لهم كتاب مثلكم، لأنهم نصارى، ولننتصرن عليكم كما انتصر الفرس.
وتراهن أبو بكر مع المشركين على انتصار الروم، في مدة بسيطة، فقال له النّبي ﷺ :
زد في الرّهان ومدّ الأجل، ففعل، فانتصر الروم في أثناء الأجل، بعد خمس سنوات، كما تقدّم، وأخذ أبو بكر الجعل وتصدّق به.
والمعنى: الم: هذه حروف مقطعة للتنبيه على ما يأتي بعدها، ولتحدّي العرب بمجاراة القرآن ومعارضته، مع أنهم فصحاء العرب، وكلامهم مكوّن من هذه الحروف التي تتركّب بها الكلمة العربيّة أو الكلام العربي الذي ينطقون به.
لقد غلبت الفرس الرّوم في أقرب أرض الرّوم إلى بلاد العرب، في أعلى مشارف بلاد الشام، في الجزيرة: وهو موضع بين العراق والشام، فسرّ المشركون الكفرة، وأدنى الأرض: أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة بأذرعات بحسب قول عكرمة فهي من أدنى الأرض بالنسبة إلى مكّة، وإن كانت الوقعة بالجزيرة بحسب قول مجاهد، فهي أدنى الأرض بالنسبة إلى أرض كسرى الفرس. فبشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين، والبضع: من الثلاث إلى التّسع من السنوات، وذلك من تاريخ الموقعة الأولى. وهذا إخبار عن أمر غيبي في المستقبل، أيّده الواقع، ولله الأمر كله من قبل الغلبة ومن بعدها، فيحقق الله الغلبة لفئة على أخرى، ثم يحدث العكس، بأمر الله وإرادته وقدره وقدرته، خلافا للموازين العسكرية البشرية، فقد يتغلب الضعيف أو القليل على القوي والكثير، بإذن الله ومراده، كما قال سبحانه:
стр. 1981
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢/ ٢٤٩] . وقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ إخبار بانفراد الله بالقدرة.
ويوم ينتصر الرّوم النّصارى على الفرس الوثنيين، يفرح المؤمنون بنصر الله أهل الدين والإيمان، على من لا دين له ولا كتاب من السماء.
ينصر الله من يريد على الأعداء، لأنه الفعّال لما يريد، والحكيم في إرادته، والقويّ الذي لا يغلب، المنتقم من أعدائه، الرّحيم بعباده المؤمنين.
ذلك وعد حقّ من الله تعالى، وخبر صدق واقع، والله لا يخلف الميعاد، ولا بدّ من وقوعه، لأن في سنّة الله تعالى أن ينصر أقرب الفريقين المتقاتلين إلى الحق، إلّا أن يكون ذلك محنة وابتلاء لفئة بفئة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بحكم الله وأفعاله القائمة على العدل والحكمة، لجهلهم بالسّنن الجارية في الكون، كما قال الله تعالى:
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب: ٣٣/ ٣٨] سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٣٣/ ٦٢] .
وعلم الناس، وبخاصة الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده: علم ظاهري بأحوال الدنيا وعلومها المادّية، كتدبير: شؤون المعيشة، واكتساب الأموال من مصادر الثروة المتعددة، من زراعة أو صناعة أو تجارة، أو مهنة حرة أو خدمة ونحوها. وهم مشغولون بعلومهم هذه، لا ينظرون إلى المستقبل، وهم في غفلة تامة أو شبه تامة عن شؤون الآخرة، وما فيها من خوالد الأشياء، ودوام المصير.
هذا الخبر الغيبي له مغزاه وهدفه في تاريخ الدعوة الإسلامية، فلقد ترجّى النّبي ﷺ ظهور دينه وانتشار دعوته، وامتداد تطبيق شريعة الله التي أرسله الله بها، وتغلّبه على الأمم والشعوب التي تدين بدين غير سماوي، وتبدّد آمال كفار مكّة بأن يرمي الله نبيّه بملك يستأصل وجوده، ويريحهم منه، ولكن خسر هنالك المبطلون.
стр. 1982
فريضة التّفكّر في مخلوقات الله تعالى
لقد أحال القرآن الكريم في إثبات عقيدة الإيمان بوجود الله ووحدانيته على مشاهد حسّيّة ملموسة، وهي المخلوقات السماوية والأرضية، فهي ترشد إلى الموجد الخالق، بسبب بدء تكوينها وانتهائها بعد أجل محدد في علم الله تعالى، كما أحال إلى التأمّل في مصارع الأقوام الغابرين الذين كانوا أشدّ قوة وأكثر أموالا وأولادا، لكنهم حينما أعرضوا عن آيات الله البيّنة، أهلكهم الله في الدنيا ودمّرهم، لا بظلم من أحد، وإنما بسبب ظلمهم أنفسهم، ثم كانت عاقبتهم أسوأ العقوبة، وهي جهنم بسبب التكذيب بآيات الله تعالى والاستهزاء بها. هذا ما وصفه القرآن المجيد في إيراد الأدلة والبراهين الحسّية على وجود الله وتوحيده شريطة التأمّل والتفكّر فيها، قال الله تعالى:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٨ الى ١٠]
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)
«١» «٢» [الرّوم: ٣٠/ ٣٠/ ٨- ١٠] .
هذه حملة مركزة لإعمال المشركين وغيرهم أفكارهم وعقولهم، للتوصّل في نتيجة التفكير والنظر والتأمّل، لإثبات وجود الله وتوحيده، أفلا يتفكرون في أنفسهم أو ذواتهم أن ما أوجده الله تعالى من مخلوقات في السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، لم يوجده إلّا بالحقّ الثابت، الملازم للحكمة، ولأجل محدد، لا بد من
стр. 1983
الانتهاء إليه، وهو قيام القيامة، فإذا حلّ الأجل، تبدّلت معالم الأرض والسماء، ولكن أكثر الناس، وبخاصة الكفار، هم جاحدون لقاء الله تعالى، منكرون وجود البعث والحساب، لأنهم لم يتفكروا في ذواتهم وحواسّهم، ليستدلّوا بذلك على الخالق المبدع.
المراد من هذه الآية: وصف الكافرين المشركين بالغفلة والإعراض عن أمر الآخرة، ثم توبيخهم على أنهم قد فكّروا تفكيرا مغلوطا أو خطأ، فلم ينفعهم الفكر والنظر، لأنه لم يكن على سداد وصواب.
وقوله تعالى: إِلَّا بِالْحَقِّ يراد به بسبب المنافع التي هي حق وواجب، تدلّ على وجود الله وعبادته وحده على الدوام، والإعتبار بمنافع الأرزاق وغيرها. ثم أخبر الله تعالى عن كفر أكثر الناس بالبعث والنشور المعبّر عنه بلقاء الله ﵎، لأن لقاء الله تعالى هو أعظم الأمور، وفيه النجاة أو الهلاك.
ثم وبّخ الله تعالى المشركين توبيخا آخر، وهو أنهم ساروا ونظروا في عواقب الأمم المتقدمة، ولكن ذلك لم ينفعهم، حتى لم يعملوا بحسب العبرة وخوف العاقبة.
إن هؤلاء الجاحدين عطلوا ثمرة النظر والفكر، أفلم يتنقلوا في الأرض، فينظروا بعقولهم وأفهامهم، ويتأمّلوا بأخبار الماضين، كانوا أشد قوة من أهل مكة ونحوهم، وكانوا أكثر تحضّرا وتمدّنا، حيث حرثوا الأرض وزرعوها، وغرسوا فيها الأشجار، أكثر مما فعله المكّيون، وسائر العرب عند نزول الوحي، وجاءتهم الآيات الدّالة على وجود الله وتوحيده، فأعرضوا عنها، فأهلكهم الله بذنوبهم وكفرهم وتكذيبهم رسلهم، الذين أرسلهم الله تعالى إليهم، فلم يكن عقابهم جورا ولا ظلما، ولكن كانوا هم الظالمين أنفسهم، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى.
وهناك عقاب أشدّ من عقابهم الدنيوي، فلقد كان مصير المسيئين أسوأ مصير، وعقابهم أسوأ عقاب، وهو الخلود في نيران جهنّم، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى
стр. 1984
ودلائله الدّالة على وجوده ووحدانيته، وبسبب استهزائهم وسخريتهم منها. فقوله تعالى: أَساؤُا السُّواى أي كان عاقبة الذين كفروا هي النار، والتكذيب بآيات الله تعالى لا مجرد الاستهزاء بها، فلذلك عدّد الله تعالى عليهم الفعلين.
إن تعطيل ثمار التفكير الصحيح منشؤه الخلود إلى الكفر والضلال، لأن من أصمّ سمعه، وأعمى بصره، بسبب ملازمته منهج الكفر وتقليد الآباء والأجداد، يصعب عليه ترك ما ألف وهجر ما اعتاد.
وإن إهمال الإعتبار بأحداث الماضين، الذين تعرّضوا لعذاب الاستئصال، مع شدّتهم وقوتهم في السّلم والإعمار، والحرب والدّمار، يعدّ نكسة شديدة في تاريخ الفكر الإنساني.
والعاقل من اتّعظ، والمفكّر من اعتبر، وفائدة العظة والعبرة تكمن في سلوك أهل البصيرة وأصحاب الرأي الحرّ المنعتق من رواسب التقليد، ومحاكاة الآخرين من غير حجة ولا برهان.
إثبات المعاد ومخاوفه
الإيمان باليوم الآخر من أصول الإعتقاد في الإسلام، بل هو ضرورة لازمة لإنصاف الخلائق، وإحقاق الحقّ، وإبطال الباطل، لذا أخبر الله تعالى إخبارا عامّا مطلقا لجميع العالم بالحشر والبعث من القبور، وأكّد سبحانه على أنه هو الذي يبدأ الخلق ويوجده، ثم يحييه ويعيده إليه، وفي ذلك اليوم يفرح المؤمنون بما أعدّه الله لهم من جنّات النعيم، وييأس الكافرون والمجرمون من انقطاع حجّتهم، وإصابتهم بالإحباط وفقد الأمل بالنّجاة، ولا مفرّ من هذا المصير، ولا أمل في الإنقاذ، وإنما الناس حينئذ فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
стр. 1985
قال الله تعالى مبيّنا أحوال القيامة والناس فيها:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ١١ الى ١٦]
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)
«١» «٢» «٣» [الرّوم: ٣٠/ ٣٠/ ١١- ١٦] .
هذه حقيقة العالم في البدء والنهاية، فالله هو المبدئ وهو المعيد، فكما هو قادر على بدء الخلق وإنشائه، هو قادر على إعادته، وإرجاعه، فجميع المخلوقات يعودون إلى الله يوم القيامة، ويبعثون من القبور.
وفي يوم القيامة: ييأس المجرمون من الاهتداء إلى الحجة النافعة لهم، بسبب شدة الأهوال، وعقم الوصول إلى المسوّغات المقبولة، والأعذار المرضية.
ولن يجد المشركون لهم شفعاء من الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكانوا بشركائهم وآلهتهم المزعومة جاحدين، متبرئين منهم، فإنهم لن يسعفوهم في وقت الحاجة إليهم، كما جاء في آية أخرى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) [البقرة: ٢/ ١٦٦- ١٦٧] . وهذا كله دليل الإفلاس والخسران.
ثم أخبر الله تعالى عن انقسام أهل المحشر قسمين:
ويوم تقوم القيامة يتفرق الناس فرقة لا اجتماع بعدها، فيؤخذ أهل الإيمان والسعادة إلى الجنان، ويؤخذ أهل الكفر والشقاوة إلى النيران، إنهم يتفرقون في المنازل والأحكام والجزاء.
стр. 1986
فأما المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله واليوم الآخر، والعاملون العمل الصالح الذي يرضي الله، والمجتنبون كل ما نهى الله عنه، فهم أهل السرور والحبور، والبهجة والمتعة، إنهم يتمتعون بأكمل أوصاف النعيم، ويتقلّبون في أعطاف النعمة والمسرّة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السّجدة: ٣٢/ ١٧] . وقوله تعالى: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ أي في جنّة ينعّمون ويسرّون.
والروضة: أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث يكثر النّبت الأخضر.
وأما أهل الكفر والجحود بوجود الله وتوحيده، المكذّبون رسله وآياته، المنكرون وقوع المعاد أو البعث بعد الموت، فهم خالدون مخلّدون في عذاب الله في النار، لا يغيبون عن الله أبدا، ولا يفترون عنه مطلقا، كما جاء في آية أخرى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [الحجّ: ٢٢/ ٢٢] .
إن يوم القيامة يوم الانقطاع بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، وهو يوم الانفصال التامّ بين أهل الإيمان وأصحاب الكفر، إنه يوم لا رجعة فيه إلى الدنيا، ولا أمل بلقاء واقع بين المؤمنين والكفار. إن أهل الإيمان المتميزين بصالح الأعمال: وهو الائتمار بأمر الله، واجتناب نواهيه، يتنعّمون في رياض الجنة، وينظرون إلى وجه الله الكريم، وأما أهل الشّقاوة والكفر والجحود، المكذّبون بآيات الله البيّنة، والمنكرون لوجود القيامة، فهم في العذاب جاثمون محضرون، أي مدخلون إلى النار، لا يغيبون عن العذاب، ولا يخفف عنهم شيء من عذاب جهنم.
إن هذا الانقسام إلى فريقين في عالم الآخرة، لهو واضح التأثير، فالعاقل المدرك لمصيره، المقدر لمخاطر مستقبله، يبادر إلى الإيمان، ويعمل لما بعد الدنيا، مما ينجيه بين يدي الله، بإيمان صحيح، وعمل صالح خالص من الشوائب، متمحض لله تعالى.
стр. 1987
أوقات الأذكار والعبادة
تحقيقا للصّلة الدائمة بالله تعالى، وإدامة لرقابة الله في السّر والعلن، وضع الحقّ تعالى نظاما متكرّرا منضبطا للتسبيح والتحميد والعبادة، وحضّ على الصلاة في أوقات معينة، وأزمان متكررة، وما أبدع وما أجمل نظام الإسلام بالتذكير بالعبادة عن طريق الأذان الشرعي، الذي هو دعوة دائمة للإيمان والإسلام، بإعلان الشهادتين، والحثّ على أداء الصلاة وتحقيق الفلاح، وإدراك مغزى العبادة، والإيقان بعظمة الله، وأنه أكبر شيء في هذا الوجود. واستحضار عظمة الله، وإحاطة علمه وقدرته، فهو مبعث الهيبة والوقار، والمبادرة إلى الامتثال، والاستقامة وتحقيق المنال، قال الله تعالى آمرا بالعبادة، حاضّا على الصلاة في أوقات معينة، لأن الإيمان تنزيه بالجنان، وتوحيد باللسان، وعمل صالح يشمل جميع الأركان:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٧ الى ١٩]
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)
«١» [الرّوم: ٣٠/ ١٧- ١٩] .
الدنيا مملوءة بالأشياء المختلفة، والمتناقضات والأضداد، تحقيقا لتكامل الكون، وإدراك الفروق والتفاوت بين المخلوقات، فنجد الكفر مقابلا للإيمان، والشقاء موازيا للسعادة، والقبح في مواجهة الجمال، والرذيلة تنافس الفضيلة، والنقمة أمام النعمة، والعذاب قرين الرحمة، وكل واجهة من هذه الواجهات تأكيد لحرّية الإنسان، وتقرير لممارسة حقّه في الإرادة والإختيار، فهو الذي يقبل على ما فيه الوصول إلى رحمة الله ورضوانه، وهو الذي يزجّ بنفسه في موجبات العذاب والعقاب.
стр. 1988
إن هذه الآيات تحدّد أوقات التسبيح والتحميد والتكبير وغيرها من الأذكار، وتعيّن أوقات الصلاة، والمؤمن يحرص على هذه الأوقات لأداء واجبه وإبراء ذمّته، فيسبح الله، أي ينزهه عن جميع صفات النقصان، ويثبّت له كل صفات الكمال، في جميع أوقات الليل والنهار، يسبح الله بأمره حين ابتداء المساء أو الليل، وحين طلوع الفجر أو النهار، ويحمد الله تعالى جميع من في السماوات والأرض، من ملائكة وجنّ وإنس، وجماد ونبات، وحيوان، ويسبح الإنسان الله وينزهه أيضا في وقت العشي أو العشاء، وهو شدة الظلام، وفي وسط النهار وقت الظهيرة.
قال ابن عباس وقتادة وبعض الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على أربع صلوات:
المغرب، والصبح، والعصر، والظهر. والعشاء الآخرة في رواية أخرى. والواقع أن الآية تشمل أوقات الصلاة الخمسة، لأنّ العشي وقت العشاء، والمغرب وقت الإمساء، والصبح وقت الإصباح، والظهر والعصر من بعد تحوّل الشمس إلى جهة الغرب.
والمعنى: نزّهوا الله تعالى عن صفات النقصان، وصفوه بصفات المجد والكمال، في جميع هذه الأوقات المتعاقبة، من طلوع الفجر إلى غسق الليل، لأن أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله أدومها وأبقاها.
ومما يستدعي تسبيح الله وتنزيهه: ثبوت قدرته الخارقة، فالله هو القادر على الإحياء والإماتة، يخرج الإنسان الحي وغيره من التراب الميت، ثم من النطفة، ويخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، وكلمة (الحي والميت) في هذه الآية، تستعمل حقيقة ومجازا، أما الحقيقة: فهي المني يخرج منه الإنسان، والبيضة يخرج منها الطائر، وهذه بعينها تخرج من حي، ونحو ذلك. وأما المجاز: فهي إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وإخراج النبات الأخضر من الأرض، وإخراج الطعم من النبات.
стр. 1989
والله تعالى يحيي الأرض بالمطر، فيخرج النبات من الحبّ، والحبّ من النبات، ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور أحياء بعد أن كنتم أمواتا، وذلك على الله يسير. أي إنه تعالى بعد إيراده الأمثلة الواضحة ببعث الأجساد عقلا، أبان أنه كذلك خروجنا من القبور.
هذه الأمثلة الحسّية والمقارنات توضّح للناس طريق الإيمان، وكيفية ارتباط الحياة الدنيوية بالحياة الأخروية، وما أكثر هذه الأمثلة في القرآن الكريم، ومنها: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحجّ: ٢٢/ ٥] .
بعض أدلة القدرة الإلهية والوحدانية
لقد ذكر الله تعالى مجموعة من البراهين الساطعة العظيمة الدّالة على قدرته الباهرة وعظمته وتوحيده، وهي تشمل بدء خلق الإنسان من تراب، وخلق الأزواج من جنس الأزواج، وإيجاد رباط مودة ورحمة بين الزوجين، وخلق السماوات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان، والنوم بالليل والنهار، وطلب الرزق من فضل الله، وإراءة البرق، وقصف الرّعد، وإنزال المطر من السماء، وقيام السماء والأرض بأمره وتدبيره، والاستجابة لأمره بالإعادة أحياء، وملكه جميع من في السماوات والأرض، والتذكير ببدء الله الخلق، ثم إعادتهم أحياء من القبور. وهذا ما أوردته الآيات الكريمة التالية:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٠ الى ٢٧]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)
»
стр. 1990
«١» «٢» «٣» [الرّوم: ٣٠/ ٢٠- ٢٧] .
الآية الأولى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ نزلت فيما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: تعجّب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ...
والمعنى: من آيات الله تعالى الدّالّة على عظمته وتمام قدرته على الخلق والإعدام، أن الله تعالى خلقكم أيها البشر في الأصل والبدء من تراب، وجعل مصدر غذائكم من لحوم الحيوان والنبات من التراب، ثم بعد إنشائكم ووجودكم لإعمار الأرض وتقدّمها تتوزّعون فيها لأغراض شتى، من بناء المدائن والحصون، وزراعة الأرض والحقول، والانتقال في الأسفار لكسب المعايش وتحصيل الأرزاق، وجمع الأموال.
وللحفاظ على النوع الإنساني، جعل الله تعالى من العلامات الدّالة على قدرته ورحمته وهيمنته: خلق النّساء من جنس الرجال، وإيجاد ووشائج وصلات وثيقة بين الرجل والمرأة، قائمة على المودّة (أي المحبة) والرحمة (أي الشفقة) ليتعاون الجنسان على
стр. 1991
تحمّل أعباء الحياة، وترابط أفراد الأسرة، إن في ذلك الخلق والإيجاد وتكوين جسور المودة والألفة بين الأزواج، للسكن والاستقرار والهدوء، إن في ذلك لآيات أو علامات لقوم يتفكرون ويتأمّلون في هذا.
ومن آيات الله أيضا الدّالة على قدرته وعظمته: خلق السماوات والأرض من غير أعمدة ولا قواعد، واختلاف الألسنة واللغات والألوان، إن في ذلك المذكور لآيات دالّة على قدرة الله التامّة لقوم ذوي علم وبصر ومعرفة ترشدهم إلى الحق.
ومن آيات الله الدّالة على قدرته العجيبة: منامكم في الليل والنهار، وطلبكم الفضل والرزق من الله، إن في ذلك المذكور لدلالة لقوم يسمعون سماع تدبّر واتّعاظ. ومن آيات الله الدّالة أيضا على تمام القدرة وثبوت الوحدانية إراءتكم البرق خوفا للمسافر من الصواعق المحرقة، وطمعا فيما تحبّون من المطر المحتاج إليه للإنسان والحيوان والنبات، إن في ذلك المذكور لدلالات واضحات لقوم يدركون هذا بعقولهم وأفكارهم.
ومن آياته تعالى الدّالة على قدرته: قيام السماء بلا عمد والأرض بلا قواعد، بأمر الله وتدبيره، ثم إذا دعاكم الداعي للخروج من القبور أحياء، خرجتم من غير انتظار. ولله جميع من في السماوات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصرّفا، وهم جميعا خاضعون لله، خاشعون لعظمته وهيبته.
والله تعالى هو الذي بدأ الخلق من غير مثال أو أصل سابق له، ثم يميته ويعيده كما بدأه، وذلك أيسر وأسهل عليه، بحسب منطق البشر، فإن الإعادة أهون من الابتداء في تقديرنا، أما بالنسبة لله تعالى، فهما سواء، لا فرق بين البدء والبعث، لأن الله قادر على كل شيء.
ولله تعالى الصفة العليا الكاملة في جميع السماوات والأرضين، وهو القوي في ملكه الذي لا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه وتدبيره، وأمره ونهيه.
стр. 1992
فساد اعتقاد المشركين بالأصنام
شيئان اثنان هما أخطر شيء على النفس الإنسانية وهما الهوى والجهل، وكلاهما يؤديان للإسراف في القول والعمل، والضلال في التّصرفات وسوء السلوك، ويكون الإنسان في النهاية هو الضحية، لأنه لم يتدارك تقصيره، ولم يفعل شيئا لتبديد جهله، ولم يروّض نفسه على التّرفع عن أهوائه، وظلّ أسير التقليد الأعمى، وفريسة الموروثات والأساطير الخرافية. هذا هو شأن عبدة الأصنام، إنهم بدائيون جهلة وثنيون، يسيرون في فلك الأهواء والشهوات، ويسدّون على أنفسهم باب العلم والتّبصر، ومحاولة تصحيح التصوّر والاعتقاد الفاسد، وقد عمل القرآن الكريم على تبصيرهم وتوعيتهم، وتحذيرهم، وإنقاذهم من وهدة الضلال، كما تصوّر هذه الآيات:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)
[الرّوم: ٣٠/ ٢٨- ٢٩] .
أخرج الطبراني عن ابن عباس قال- في بيان سبب نزول الآيتين-: كان يلبّي أهل الشّرك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فأنزل الله: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ.
أبان الله تعالى في الآيتين الكريمتين أمر الأصنام، وأوضح فساد معتقد من يشركها بالله تعالى، بضرب هذا المثل الحسّي الواقعي، ومعناه: جعل الله لكم مثلا أيها المشركون تشهدونه من أنفسكم، وهو: هل ترضون أن يكون لكم شركاء في أموالكم، من عبيدكم يساوونكم في التصرّف فيها، تخافون أن يقاسموكم الأموال؟
إذا كنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف تجعلون لله شركاء من عبيده ومخلوقاته؟!
стр. 1993
وبعبارة أخرى: إنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم، فإنهم لا تشركونهم في أموالكم ولا في أموركم، وليس من شأنكم السماح لهم في إرث أموالكم أو مقاسمتهم إياها في حياتكم، فإذا كان هذا فيكم في علاقتكم بعبيدكم، فكيف تقولون: إن من عبيد الله وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته، وتثبتون لربّكم ما لا يليق عندكم بأتباعكم؟ إن مثل هذا التفصيل والبيان لإلزام الحجة، نفصّل الآيات ونوضّحها لقوم يفكّرون في عقولهم تفكيرا سويّا، ويتأمّلون فيما يقال لهم من الأدلّة والبراهين المنطقية.
والواقع أنكم أيها المشركون لا تفكّرون تفكيرا صحيحا، وإنما تسيرون مع الأهواء والأساطير، ليس لكم حجة فيما فعلتم من جعل الأصنام شركاء مع الله تعالى، بل اتّبعتم أهواءكم جهالة وشهوة، وقصدا لتحقيق مصالح دنيوية، وسرتم في عبادة الأوثان، من غير عقل ولا وعي، ولا هدى ولا بصيرة.
وحيث بقيتم مصرّين على الشّرك، ولم تفكّروا في ترك عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع، فإنكم تستحقّون التوبيخ والتهديد بالعقاب، ولا أمل في هدايتكم إذا تركتم هداية الله لكم، ومن الذي يرشدكم إلى الحق، ويهديكم إلى الخير والسداد وصحة الاعتقاد، إذا أمعنتم في الضلال، واخترتم الكفر على الإيمان؟ وزادكم الله ضلالا على ضلالكم الذي اخترتموه منهاجا لكم، واعتمدتم على أنفسكم، فإنكم تستحقون العذاب، ولا يكون لكم حينئذ ناصر ينصركم من بأس الله وعذابه، لأن الله أعذر حين أنذركم. وعدله يقتضي التسوية بين أهل الضّلال، كالتسوية بين أهل الإيمان، والتفرقة بين الفريقين.
إن هذه الآية المبدوءة بكلمة بَلِ اتَّبَعَ هو إضراب عما يتضمّنه معنى الآية الأولى، كأن الله يقول: لا حجة ولا معذرة لعبدة الأصنام في نسبتهم الشريك لله،
стр. 1994
بل إنهم اتّبعوا أهواءهم جهالة وشهوة. وتكون النتيجة أنه لا ناصر لهم ينقذهم، ولا مخلّص لهم من العقاب المستحقّ عليهم، فإن العقاب حقّ وعدل. لكل جان، سواء في جنايات النفوس والأموال أو في جنايات العقائد والأديان.
الإسلام دين الفطرة والتوحيد
وجّه القرآن الكريم الناس إلى ما يصلحهم وينفعهم، وينسجم مع فطرتهم البشرية، وحقيقة هذا الوجود، الذي يدين طوعا أو كرها، لخالق الأرض والسماء، ويقرّ بوحدانية الله تعالى على النحو الذي خلق الله عليه كل إنسان، وهو الاعتراف بربوبية الله وتوحيده، ولا مجال بعدئذ لكل ما يشوّه الفطرة، ويعصف بالإنسان، ويرميه في وهاد الزيغ والضلال والانحراف، أو يجعله في شعاب الفرقة والاختلاف، من غير فائدة ولا مصلحة، وهذا ما نجده صريحا في أوامر الله تعالى حيث قال سبحانه:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الرّوم: ٣٠/ ٣٠- ٣٢] .
أمر الله تعالى نبيّه ﷺ باعتباره قدوة الأمّة بأن يقيم وجهه للدين المستقيم، وهو دين الإسلام، وإقامة الوجه: هو تقويم العقيدة، وحمل الإنسان على محمل الجدّ والعزم والحزم في أعمال الدين. والتعبير بإقامة الوجه: لأنه جامع حواس الإنسان
стр. 1995
وأشرفها، ويكون المراد بالآية: وجّه أيها النّبي نفسك وقلبك لعقيدة الإسلام واتّباع شرائعه، حنيفا، أي معتدلا مقوّما مائلا عن جميع الأديان المحرّفة المنسوخة، والزم أو اتّبع فطرة الله تعالى، أي خلقة الله، أو افتطر بفطرة الله التي فطر، أي خلق وأبدع وسوى جميع الناس عليها، حيث خلقهم على ملّة التوحيد، وأن الله واحد لا شريك له، في قرارة كل إنسان، وتحوّل تحوّلا تامّا عن جميع الملل والأديان الباطلة، إلى الدين الحق والملّة القويمة، والفطرة: هي الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل المعدّة أو المهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربّه جلّ وعلا، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، وهذا خطاب للنّبي ﷺ ولأمّته، وهو يدلّ على أن كل إنسان مخلوق على التوحيد والإقرار بوجود الله ووحدانيته، ولكن تعرض له العوارض، فيزيغ عن سنن الفطرة، وذلك كما
قال النّبي ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كمثل البهيمة، تنتح البهيمة هل ترى فيها جدعاء» .
أي مثله كمثل الشّاة تولد سليمة الحواس والأعضاء، لا مقطوعة الأذن أو الأنف.
ولا ينبغي لأحد أن يبدّل أو يغيّر فطرة الله، أي الخلقة الأصلية، وهذا خبر في معنى النّهي، أو الطلب، أي لا تبدّلوا خلق الله الأصلي ودينه بالشّرك، فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي خلقهم عليها. وذلك المأمور به من اتّباع ملّة التوحيد والتمسّك بالشريعة المطهرة والفطرة السليمة: هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف. غير أن أكثر الناس لا يعرفون ذلك حقّ المعرفة.
إنكم جميعا أيها الناس مطالبون باتّباع دين الله وتوحيده، خاشعين له، مقبلين عليه إقبالا تامّا، راجعين إليه رجوعا كاملا، وإنكم ملزمون بتقوى الله، أي العمل بأوامره واجتناب نواهيه أو معاصيه، وداوموا على إقامة الصلاة كاملة الأركان
стр. 1996
مستوفية الشروط، واحذروا الشّرك، ولا تكونوا بعد الإيمان بوحدانية الله مشركين به غيره، فلا تقصدوا في عبادتكم غير الله تعالى، بل كونوا موحّدين مخلصين لله العبادة. والمشركون: هم كل من عبد مع الله إلها آخر، من بشر أو جماد أو كوكب أو غير ذلك.
وأوصاف المشركين: هم الذين فرّقوا دينهم، أي اختلفوا فيما يعبدونه بحسب اختلاف أهوائهم، فبدّلوا فطرة التوحيد، وصاروا فرقا مختلفة، وأحزابا متباينة، كل فرقة وحزب فرحون بما عندهم، مفتونون بآرائهم، معجبون بضلالهم.
وهذه حملة شديدة على الفرق الضّالّة والمذاهب المنحرفة، تدعو أهل البصيرة والوعي إلى أن يبادروا إلى توحيد عقيدتهم والعمل بشريعة ربّهم التي أنزلها على خاتم النّبيّين محمد ﷺ .
تناقض المشركين
من المستغرب صنع بعض الناس وتناقضهم، فتراهم يقبلون على ربّهم وقت الشّدة الخانقة والأزمة المستعصية، فلا يجدون سواه ملجأ لتفريج الكروب، حتى إذا ما رفع عنهم البلاء، وزال عنهم البأس، تنكّروا لخالقهم المنعم عليهم بدفع النقمة ورفع الشّدّة، وهذا واضح من فعل عبدة الأصنام وبعض الكافرين الذين يعبدون الله من أجل الدنيا والمنفعة، فإن أعطوا منها رضوا، وإن منعوا منها سخطوا، وعلى هؤلاء أن يدركوا أن مفتاح الرزق بيد الله تعالى، يمنح من يشاء، ويحجب النعمة عمن يشاء، بحسب ما يرى من الحكمة والمصلحة لعبادة، وهذا ما أبانته الآيات الآتية:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)
стр. 1997
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّوم: ٣٠/ ٣٣- ٣٧] .
هذا لوم وتقريع لفئتين من الناس: عبدة الأصنام المشركين بالله تعالى غيره، وبعض الجاحدين الذين يبتغون من وراء عبادة الله تحقيق المنافع ومكاسب الدنيا، فإن حصلوا على مبتغاهم اطمأنوا، وإذا حرموا بعض الخيرات، تبرموا وسخطوا.
إن الفئة الأولى: وهم المشركون الوثنيون كسائر البشر، متى مسّهم ضرّ (أي شدة وبلاء) دعوا الله سبحانه، راجعين إليه دون سواه، خاضعين لسلطانه، وتركوا الأصنام مطروحة، فإذا أذاقهم الله رحمته، أي أصابهم أمره بها، والذّوق هنا مستعار لإيصال النعمة والنّجاء من الشّدة، عادوا للشّرك بالله، وعبدوا معه غيره من الأوثان والأصنام. وهذا يقتضي العجب، ويستدعي اللّوم.
ويلحق بهؤلاء الانتهازيين النفعيين بعض المؤمنين، إذا جاءهم فرح بعد شدة، علّقوا ذلك بمخلوق، أو بحذق آرائهم ومهاراتهم، أو بغير ذلك، وهذا شرك مجازا، لأن فيه قلة شكر لله تعالى.
وتكون عاقبة هؤلاء المتناقضين الوقوع في الكفر وجحود فضل الإله وإحسانه، فاستحقّوا التهديد، ويقال لهم: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي استمتعوا أيها المشركون بمتاع الدنيا ورخائها، فسوف تعلمون عذابي في الآخرة على كفركم في الدنيا.
بل في الواقع لا دليل على صحة ما أنتم عليه من الضلال، فهل لكم سلطان، أي
стр. 1998
حجة وبرهان من رسول أو كتاب ونحوه لإقرار ما تفعلون، والنطق والشهادة بما تشركون؟! وهذا استفهام إنكاري معناه: أنه لم يكن شيء من ذلك، فلم ينزل الله كتابا يقرّ الشّرك، ولا أرسل رسولا يدعو إليه، إنما هو اختراع منكم.
وفريق آخر كالمشركين من بعض المؤمنين أو الكافرين، وصفتهم: أنه إذا أنعم الله عليهم نعمة فرحوا بها وبطروا، وإذا أصابتهم شدة وبلاء، أيسوا وقنطوا من رحمة الله. وتعرّضهم للشدة إنما كان بسبب ما اقترفوا من الإثم، وما ارتكبوا من السيئات.
وقوله تعالى: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ معناه أن الله يمتحن الناس عند ظهور المعاصي، فقد يصاب أحدهم بسوء، ويعفو الله عن كثير.
التّشابه قائم بين حال الفريقين أو الفئتين، المشركون يتعرّضون للرحمة ثم للشّدة، فلهم في الحالة الأولى تضرّع وإنابة، ثم إشراك، ولهم في الحالة الثانية فرح وبطر، ثم قنوط ويأس، وكل إنسان يأخذ من هذا الخلق بقسط، فمنهم المقلّ ومنهم المكثر، إلا من غمر الإيمان قلبه، وتأدّب بأدب الله تعالى، فصبر عند البلاء والضّرّاء، وسكن عند السّراء، ولم يبطر عند النعمة، ولم يقنط عند الابتلاء. والقنوط: اليأس.
ثم ذكر الله تعالى طريق التّخلّص من اليأس من رحمة الله على كل حال، وهو أن يعلم كل إنسان أن الله تعالى يخصّ من شاء من عباده ببسط الرزق، ويحجب أو يقتر الرزق عمن يشاء، للاختبار أو الابتلاء، ان في الحالين حال سعة الرزق وحال تقتير الرزق لأدلة وعلامات على الإيمان الصادق، فالمؤمن الصحيح الإيمان يشكر عند الرخاء، ويصبر عند البلاء، ولا يتغير في الحالين عن الإقبال على ربّه وعبادته بصدق وإخلاص.
стр. 1999
الرزق الحلال والرزق الحرام
الرزق محدود مقنن لكل إنسان في علم الله تعالى، لكن بعض الناس يكون رزقه حلالا طيبا مباركا فيه، ينفق منه على نفسه وأهله وأقاربه والمحتاجين من إخوانه، وبعض الناس الآخرين يكون رزقه حراما آتيا من غير كسب ولا عمل، من الربا أو الفائدة المضمومة إلى القرض، ولكن لا خير فيه ولا بركة، والرازق هو الله تعالى، والبشر وسائط، إما بعملهم وكدّهم وجهدهم، وإما بمساعيهم ووساطتهم، فهم وسائط خير وجسور منفعة، وليس لأحد من غير الله تعالى قدرة على الإطلاق على نفع إنسان أو رزقه، ولا على إلحاق الضر به وحرمانه من الرزق، ومن باب أولى ليس للأصنام والأوثان المتخذة شركاء لله في عقيدة الوثنيين أي دور أو مجال في رزق أحد أو حرمانه منه، قال الله تعالى مبينا هذه الأحوال:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)
«١» [الرّوم: ٣٠/ ٣٨- ٤٠] .
إذا كان الرزق مصدره من الله تعالى وحده، وأن الرزق محدود لا يزيد ولا ينقص، فيكون التصرف فيه بحسب مرضاة الله، لذا أمر الله تعالى على جهة الندب بإيتاء ذوي القرابة حقوقهم، من صلة المال وحسن المعاشرة، ولين القول، وإعطاء المساكين المحتاجين وأبناء السبيل، أي المسافرين المنقطعين ما لهم حظ به، لأنهم إخوة إما في الدين وإما في الإنسانية، وذلك الإيتاء أو الإعطاء لهؤلاء القرابة والمحتاجين
стр. 2000
خير محض في ذاته، ونفع عظيم، لكل من يقصد بعمله وجه الله تعالى، ووَجْهَ اللَّهِ هنا: جهة عبادته ورضاه.
وأولئك المعطون شيئا من أموالهم على سبيل البر وصلة الرحم، وإنقاذ النفس الإنسانية من الضرر أو الهلاك: هم لا غيرهم الفائزون ببغيتهم، البالغون لآمالهم، المحققون الخير لأنفسهم في الدنيا والآخرة.
أخرج الترمذي والدارمي في الزكاة عن فاطمة بنت قيس قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في أموالكم حقا سوى الزكاة» .
وأما من أعطى عطية، يود الحصول على أكثر منها، من طريق الهدية أو الربا (الفائدة) في التجارات، فلا ثواب له عند الله تعالى، كما جاء في آية أخرى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) [المدثر: ٧٤/ ٦] . أي لا تعط عطاء تريد أكثر منه، وهذا لا خير فيه ولا ثواب. قال ابن عباس: نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى تمويلهم ونفعهم والتفضل عليهم، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع لهم.
وأما العطاء الحسن الذي يحقق الثواب لصاحبه، فهو الزكاة، أي من أعطى صدقة، يقصد بها وجه الله تعالى وحده، بقصد عبادته وإرضائه، أو من أعطى زكاة، تنمية لماله وتطهيرا، يريد بذلك وجه الله تعالى، فذلك هو المحقق للثواب الجزيل، وهو الذي يجازى به صاحبه أضعافا مضاعفة على ما شاء الله تعالى له «١» .
وذلك كما جاء في آية أخرى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: ٢/ ٢٤٥] وقال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) [الحديد: ٥٧/ ١١] .