لهم مثلما يقول لك هؤلاء، من الأقوال الجارحة المؤلمة، فامض لأمر الله تعالى، ولا يهمك شأنهم، وربك بالمرصاد، فهو غفار ستّار لمن تاب إليه وآمن به إيمانا صحيحا، ومعاقب بعقاب مؤلم شديد لمن استمر على كفره، ومات على ضلاله كافرا لم يتب. قال ابن عطية: وفي هذه الكلمات الموجزات جمّاع الزجر والنهي والموعظة، وإليها يرجع كل نظر.
القرآن العربي شفاء وهدى
أكد الله تعالى على أن القرآن الكريم كله عربي اللسان، فصيح البيان، ليس مختلطا بين العربية والأعجمية، ليؤدي مهمته على أكمل وجه، فهو هداية للحيارى، وشفاء لما في الصدور، مما قد يكون فيها من وساوس وشبهات وضلالات، وليس محلا للخلاف أو الاختلاف، وهكذا شأن جميع الكتب السماوية، فهذا كتاب موسى- التوراة نزل وحدة متناسقة، ومع ذلك وقع الاختلاف فيه وفي القرآن، من قبل المكذبين بهما وهم اليهود وغير المؤمنين، ولكن وبال التكذيب على أصحابه، والإنسان ولي نفسه، فمن آمن وعمل صالح الأعمال حقق الفوز والنجاة لنفسه، ومن أساء الاعتقاد والعمل، أتى بالضرر على نفسه، وليس الله تعالى بظلام لأحد، وهذا ما أبانته الآيات القرآنية الآتية:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٤ الى ٤٦]
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)
«١» «٢»
стр. 2312
«١» [فصلت: ٤١/ ٤٤- ٤٦] .
هذه الآية الكريمة نزلت بسبب تخليط قريش في أقوالهم، من أجل الحروف المعرّبة في القرآن من كلام العجم، كالسّجين والإستبرق ونحوه، فقال الله : ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا (أي كلاما لا يبين ولا يفهم ولا يفهم ولا يفصح) لقالوا واعترضوا: لولا بيّنت آياته بلغتنا حتى نفهمها.
وهذا غير صحيح، فهل يصح أن يكون هذا القرآن العربي بعضه عربيا، وبعضه أعجميا؟ هذا لا يحسن، وإنما المقصود الدلالة على أن مشركي قريش قوم متعنتون، محاربون للقرآن، بأي لغة أو صفة كان عليها. والواقع أن جميع ما في القرآن عربي، إذا أرادوا الفهم والإفادة منه، ولو نزل بلغة أعجمية لأنكروا ذلك، وغاية القرآن:
أن تقول أيها الرسول لقومك المشركين: إنه هداية من الظلمات إلى النور لقلب من آمن به، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والرّيب، كما جاء في آية أخرى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ١٧/ ٨٢] .
وبعبارة أخرى: أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: إن هذا القرآن هدى وشفاء للمؤمنين المبصرين للحقائق، وإنه عمى على الذين لا يصدقون بالله ورسوله، ولا يقلّبون أنظارهم في مصنوعات الخالق، أي إنه معمّى عليهم، فعلى أعينهم غشاوة، وفي آذانهم صمم أو ثقل في السمع، وعلى قلوبهم أقفال، وهذا من قبيل المجاز المراد به أنهم لا يفهمون ما في القرآن، كالعميان والطرشان، ولا يهتدون إلى ما فيه من البيان ولا يبصرون ما اشتمل عليه من البراهين والمواعظ، لتعطيلهم سبل المعرفة والإدراك.
ثم أكد الله تعالى على عدم استعدادهم لفهم القرآن، فإن حالهم كحال من ينادى
стр. 2313
من مسافة بعيدة، يسمع صوت من يناديه منها، ولا يفهم ما يقال له. وهذا أيضا استعارة، لقلة فهمهم، حيث شبّههم بالرجل، ينادى من مكان بعيد، يسمع منه الصوت، ولا تفهم تفاصيله ولا معانيه.
وهذا شأن مستمر بين الأمم المكذبة، فلا تستغرب أيها الرسول موقف قومك، فتلك عادة قديمة للأمم مع الرسل، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة عليهم، كما حدث من بني إسرائيل، فلقد أرسل الله موسى ﵇ وآتاه التوراة، فاختلفوا في كتابهم بين مصدّق ومكذّب، وشأنك أيها الرسول مع قريش، كشأن موسى مع بني إسرائيل، حين جاءهم بالتوراة، ولقد أخّر الله العذاب على الفريقين، ولولا الكلمة السابقة (وهي أن الله حتّم تأخير عذابهم إلى يوم القيامة) لقضي بينهم، أي لعجّل لهم العذاب، كما فعل بالأمم المكذبة السابقة، وسبب الهلاك قائم فيهم، فإن كفار قريش لفي شك من القرآن، موقع في الريبة والقلق، ولم يكن تكذيبهم للقرآن ناجما عن تبصر وتأمل، بل كانوا شاكّين فيه وفيما قالوا، غير متحققين لشيء كانوا فيه.
وقانون الجزاء الإلهي واضح، فمن عمل صالح الأعمال بأداء الفرائض واجتناب المعاصي، فإنما ينفع نفسه، ويجازى بخير عمله، ومن أساء فعصى الله تعالى، فإنما يرجع وبال ذلك عليه، ويعاقب بسوء عمله، والجزاء للفريقين قائم على أساس من الحق والعدل المطلق، فلا ينقص المحسن شيئا من ثوابه، ولا يعاقب أحد إلا بذنبه أو معصيته.
العلم بالساعة وطبيعة الإنسان
هناك أمر خطير جدا، مرتقب لا شك فيه: وهو يوم القيامة، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت تجهيله، فلا يعلم به أحد من المخلوقات، واختص الله تعالى وحده بعلم الساعة، كما اختص بالعلم بالأحداث المستقبلة، ليظل الإنسان رقيبا على نفسه،
стр. 2314
مهيمنا على شهواته، يعمل الخير حبا فيه، ويبتعد عن الشر كرها فيه لذاته، وطبع الإنسان غريب، لا يمل من طلب الخير، وييأس ويقنط من رحمة الله إن أصابه شر.
وفي حال النعمة والترف يبتعد عن الله تعالى الذي أمده بالنعم، ويهمل شكر ربه المنعم، ويزعم أن له المكان الحسن عند الله في الآخرة، وإذا أصابه الشر، أقبل على الدعاء، والتضرع لله سبحانه، وإذا تعرض لخير نسي الله ونأى عنه، فهو دائم الطمع، كثير التبدل والتغير، لا يستقر على حال، ولا يثبت على مبدأ، ولا وفاء عنده لمعروف، قال الله تعالى مبينا ذلك كله:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٧ الى ٥١]
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [فصلت: ٤١/ ٤٧- ٥١] .
المعنى: إن علم وقت القيامة ومجيئها، يردّه كل مؤمن متكلّم فيه إلى الله ، لذا كان جواب النبي ﷺ لجبريل ﵇،
في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن عمر ﵁: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» .
وفي حديث آخر ثابت: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: (إن الله عنده علم الساعة..) » .
الحديث، وهو وارد في آية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: ٣١/ ٣٤] .
стр. 2315
وكذلك يعلم الله تعالى الثمار وخروجها من الأكمام (الأوعية) ووقت ظهورها تماما، ويعلم ما تحمل الإناث ووقت الحمل والوضع، وذلك أورده الله على سبيل المثال لجميع الأشياء، إذ كل شيء خفي، فهو في حكم هذين الشيئين. وهذا كله مجهول، لا يعلم به أقرب الناس من هذه الأشياء كالمزارع والزوج أو الأنثى. وما قد يقال: إنما هو من محض التخمين، لا من باب العلم بيقين.
ثم رد الله تعالى على المشركين لإبطال شركهم، فاذكر أيها الرسول يوم ينادي الله تعالى المشركين، في يوم القيامة، قائلا على سبيل التوبيخ والتهكم والتحدي: أين شركائي الذين كنتم تزعمون من الأصنام وغيرها، فادعوهم الآن للشفاعة بكم أو دفع العذاب عنكم؟ فيجيب هؤلاء المعبودون بغير حق: لقد أخبرناك وأعلمناك أن ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك يا رب شريكا، ونحن لا نشاهدهم أمامنا، بل ضلوا واختفوا عنا، وذهبت تلك المعبودات من الأصنام وغيرها محتجبة في آفاق الغيبة عن العيون، وقد كانوا يعبدونهم في الدنيا، وتيقنوا الآن ألا مهرب لهم ولا ملجأ من عذاب الله. وهذا وعيد وتهديد. وقد استعمل الظن هنا مكان اليقين: وهو كل موضع علم علما قويا وتقرر في النفس ولم يلتبس بشيء.
ثم نزلت الآيات الآتية في بعض كفار مكة، كالوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة، ومضمونها: أن أولها يتضمن خلقا «١» ربما شارك فيها بعض المؤمنين: وهو أنه لا يمل الإنسان من طلب الخير من ربه، كالمال والصحة والرفعة ونحوها، وإن أصابه الشر من بلاء وشدة، أو فقر أو مرض، كان شديد اليأس والقنوط من رحمة الله، وهذه الصفة الأخيرة (اليأس) من صفة الكافر وحده، والصفة الأولى (طلب الخير في الدنيا) صفة مشتركة، فأما خير الآخرة فهو للمؤمنين.
стр. 2316
ثم ذكر الله تعالى ثلاث خصال أخرى للكافر أقبح مما قبلها: وهي أنه لئن آتاه الله الخير بتفريج كربه بعد شدة أصابته، كغنى بعد فقر، وصحة بعد مرض، وجاه بعد ذل، ليقولن: هذا شيء أستحقه على الله، لرضاه بعملي وجهدي، متناسيا فضل الله. والصفة الثانية: هي أنني لا أعتقد أن القيامة ستقوم، كما أخبر الرسل، فلا رجعة ولا حساب.
والصفة الثالثة: هي أنني إن أعدت إلى ربي- على سبيل الافتراض- فليحسنن إليّ ربي كما أحسن لي في هذه الدنيا، والحسنى: الكرامة والجنة، فأجيب بمفاجأة نقيض ظنه: لنخبرن هؤلاء الكفار يوم القيامة بما عملوا من المعاصي، ولنجازينهم بعذاب شديد صعب. والعيش بالأمل أو الأماني مذموم لكل أحد تارك الطاعة،
جاء في الحديث «١» : «الكيّس: من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز: من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله الأماني» .
ثم ذكر الله تعالى خلقا ذميما للإنسان جملة، وهو واضح في الكفار وهي أن الله تعالى إذا أنعم على الإنسان، أعرض عن الشكر والطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله تعالى، وإذا تبدل الحال، وأصيب بشر، من بلاء وجهد، أو فقر أو مرض، أطال الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، وهذا خلق ذميم يدل على العمل الانتهازي أو المصلحي المحض. وأما المؤمن في الغالب فإنه يشكر عند النعمة، ويصبر عند الشدة.
стр. 2317
الاعلام العام بآيات الله
إذا استبد الكفر والعناد ببعض الناس، لم يبق إلا أن يقهر على المعرفة، ويتحدى بالمحسوسات المشاهدة الدالة على الحق، والتي تستأصل كل ريب أو شك في النفس إذا استجاب لهذا الإقناع، ولذا حمل القرآن الكريم على المشركين الذين أغلقوا على أنفسهم نافذة الوصول إلى الحق والخير والهداية، فاستحقوا التهديد والوعيد، وكشف الله باطلهم، وأبان حقيقة أمرهم، وهي أنهم قوم يشكون في الآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب وحساب عسير. وهذا ما أوضحته الآيات الآتية:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)
«١» «٢» «٣» [فصلت: ٤١/ ٥٢- ٥٤] .
أمر الله تعالى نبيه ﵊ أن يقف قريشا على هذه الحجة الدامغة، الصادرة من أنفسهم، فقل أيها الرسول: أرأيتم أي أخبروني إن كان هذا الشرع من عند الله وبأمره، ثم خالفتموه أنتم، ألستم على هلكة من الله تعالى؟ فلا أحد أضل ممن يبقى على هذه الحال من الغرور من الله، ومجافاة الحق، والوقوف في جانب المخالفة والمشاقّة، والمعاداة البعيدة المدى. وإن كان هذا القرآن من عند الله حقا، ثم كذبتم به، ولم تقبلوه، أفلا تكونون أعداء للحق والصواب؟ بل في الواقع لا أحد أضل منكم لشدة عداوتكم، وإمعانكم في الكفر والعناد، ومعاداة الحق وأهله.
فيكون الضمير في قوله تعالى أَنَّهُ الْحَقُّ عائدا على الشرع والقرآن.
стр. 2318
ثم وعد الله تعالى نبيه ﷺ بأنه سيري الكفار آياته، وهذا يدعو إلى التأمل والتفكر في تلك الآيات، إننا سنظهر لهم دلالات صدق القرآن، وعلامات كونه من عند الله، في أقطار السماوات والأرض والبلاد، وإبداع الأشياء، وفي خلق أنفس البشر، حتى يتضح الحق لكل ذي عينين.
وللمفسرين ثلاثة اتجاهات في إراءة آيات الله تعالى في الآفاق، فقال المنهال بن عمرو، والسّدّي وجماعة: هو وعد بما يفتحه الله تعالى على رسوله من الأقطار حول مكة، وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها. ويكون قوله وَفِي أَنْفُسِهِمْ أراد به فتح مكة. قال ابن عطية: هذا التأويل أرجح التأويلات.
وقال قتادة والضحاك سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ: هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض. ويكون قوله وَفِي أَنْفُسِهِمْ يوم بدر.
وقال ابن زيد وعطاء: الآفاق: آفاق السماء، وأراد به الآيات في الشمس والقمر والرياح وغير ذلك. وقوله تعالى: وَفِي أَنْفُسِهِمْ: يراد به اعتبار الإنسان بجسمه وحواسّه، وغريب خلقته، ومراحل تكوينه في البطن ونحو ذلك.
وهذا المعنى الثالث: هو الظاهر لعمومه وانسجامه مع سياق الآيات، فيراد من إراءة الله تعالى آياته في الآفاق: إقناعهم بقدرته وعظمته، وإلزامهم بالحجة المحسوسة الملجمة لهم، ليتبين الحق، ويظهر لهم أن القرآن هو الحق القاطع. وقد أيدت وصدقت القرآن وإشاراته تلك النظريات العلمية الصحيحة في المطر والسحاب، وغزو الفضاء، واكتشاف الكواكب وخزائن الأرض، وعجائب خلق الأجنة في الإناث، وغير ذلك وغير ذلك من الآيات الدالة على كمال القدرة الإلهية، وتمام الحكمة، وعجائب مصنوعات الله، حتى يظهر أن دين الحق هو ما اشتمل عليه كتاب الحق:
وهو القرآن العظيم.
стр. 2319
وإذا لم يتأمل الناس ولا سيما العلماء بآفاق السماوات والأرض وأسرار الأنفس، كفى بالله شاهدا على أفعال عباده وأقوالهم، من الكفار وغيرهم، وكفى بالله شاهدا على صدق القرآن وأنه من عند الله.
ثم كشف الله تعالى سبب عناد المشركين: وهو أنهم في الواقع في شك خطير من أمر البعث والحساب، والثواب والعقاب، ولا قيمة لهذا الموقف المعادي، فإن الله تعالى أنذر وبشّر، وأبلغ وأقنع، وأحاط علمه بجميع المعلومات، وشملت قدرته جميع المقدورات، والمخلوقات كلها تحت قدرته وفي قبضته، والأحداث جميعها في تصرفه وعلمه وتدبيره، فبإظهار الله تعالى شرعه ودينه في كل مكان، وفتح البلاد للنبي ﵊، يتبين لهم أنه الحق، وتوّج كل هذا بوعد الله تعالى نبيه ﵊ أنه كافيه وناصره ومدبر أموره كلها، وفي هذا الوعد بإحاطة الله لكل شيء: وعيد للكفار أيضا. وإحاطته تعالى: هي بالقدرة والسلطان، وقد تحقق الوعد والوعيد مع مرور الزمان.
стр. 2320
تفسير سورة الشورى
القرآن وحي الله تعالى
الوحي الإلهي المنزل: له بداية ونهاية، بدأ بعد خلق آدم ﵇، حيث أوحى الله تعالى إليه الأحكام الضرورية للحياة البشرية الأولى، وانتهى الوحي بخاتم الأنبياء والمرسلين، حيث أنزل الله تعالى عليه القرآن الكريم ليكون شرعا دائما، ومنهاجا محكما، وطريقا واجب الاتباع، إلى يوم القيامة. وقد دلت آيات القرآن الكريم في مناسبات متعددة، ولا سيما إذا افتتحت السور القرآنية بالأحرف الهجائية، على أن القرآن كلام الله ووحيه، ولم يوح به سوى الله تعالى، وكلام الله نزل بلغة العرب، ومن مادة اللغة العربية وحروفها وأبجديتها. وهذا مطلع سورة الشورى المكية النزول بإجماع أكثر المفسرين، لإثبات مصدر القرآن، قال الله تعالى:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)
«١» [الشورى: ٤٢/ ١- ٦] .
افتتحت هذه السورة بالحروف الأبجدية للتنبيه على ما يوحى فيها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن المتكون من الحروف العربية التي ينطقون بها ويكتبون،
стр. 2321
فهل لهم أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل سورة منه؟ فعجزوا وذلك دليل إعجاز القرآن، وإعجازه دليل على أنه من عند الله وحده.
والوحي قديم، فمثل هذا الوحي المنزل عليك أيها الرسول، أوحى الله إلى سائر الأنبياء والرسل، من الصحف والكتب المنزلة، والذي يوحي: هو الله العزيز في ملكه، الغالب بقهره، الحكيم في صنعه، والموحى به متفق في الجوهر والغاية والمضمون. وهو الدعوة لتوحيد الله، وإثبات النبوة، والإيمان بالبعث واليوم الآخر، وما فيه من حساب وعقاب، وثواب وجزاء، والتخلق بمكارم الأخلاق، والبعد عن الرذائل. والله منزل الوحي: له جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، وهو العلي الأعلى المتعالي فوق خلقه، المتصف بالعظمة التي لا حدود لها، وبالكبرياء الذي لا يوصف. فقوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي الملك والخلق والاختراع. و (العلي) من علو القدر والسلطان. وكذلك (العظيم) في معناه.
وليس المقصود علو المسافة، ولا عظم الشيء أو الجرم.
ومن دلائل عظمة الله: أن السماوات تكاد تتصدع وتتشقق من سرعة جريهن، خضوعا وخشية من سلطان الله تعالى، وتعظيما له وطاعة، والتصدع من الجهة الفوقانية، لقوله تعالى: مِنْ فَوْقِهِنَّ أي من أعلاهن.
ومن آيات العظمة الإلهية: أن الملائكة الكرام يداومون على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به ولا يجوز عليه، قارنين التسبيح (أي التنزيه) بالتحميد، وشكر النعم التي لا تحصى. ومن نعم الله تعالى: أن الملائكة يطلبون المغفرة لعباد الله المؤمنين، ومن أفضال الله: أنه سبحانه كثير المغفرة والرحمة، فهو يقبل استغفار الملائكة، لأنه قرن الرحمة بالمغفرة. وهذا كما في آية أخرى تدل على فضل الله وهي: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ
стр. 2322
شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
(٧) [المؤمن:
٤٠/ ٧] وقوله: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي يقولون: سبحان الله وبحمده. وقوله سبحانه: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ليس على عمومه، وإنما معناها الخصوص في المؤمنين، فكأنه تعالى قال: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين، بدليل قوله تعالى في آية (المؤمن) : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا إذ الكفار عليهم لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين.
ثم توعد الله تعالى أهل الشرك والكفر محذرا لهم، ومؤنسا نبيه ﵊، مما يعانيه من إعراض قومه عن دعوته، فقال: اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي إن الذين اتخذوا الأصنام والأوثان آلهة يعبدونها من دون الله، والحفيظ عليهم كفرهم، المحصي لأعمالهم، المجازي لهم عليها بعذاب الآخرة، ولست أيها الرسول عليهم بوكيل يلي أمورهم، ولا يسأل عن هدايتهم، ولا يؤاخذ بذنوبهم، ولا يلازم أمرهم حتى يؤمنوا، إنما عليك التبليغ فقط، دون قسر أو إجبار على الإيمان. و (الوكيل) القيم على الأمر.
هذه الطائفة من الآيات، تضع حد المواجهة الساخنة بين الله تعالى صاحب العزة والملك والجبروت، وبين أهل الشرك وعبادة الأوثان.
مقاصد القرآن الكريم
دعا القرآن العظيم المنزل بلسان عربي مبين، إلى وحدة الإله، فهو سبحانه إله واحد، لا يتعدد ولا يقبل التعدد، وإلى طاعة الله ، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وإلى الإيمان بالله بطريق الاختيار لا بالجبر والإكراه، والله
стр. 2323
قادر على جعل الناس قاطبة على دين واحد، ودعا أيضا إلى وحدة الفكر والعمل والسلوك، فإذا وقع اختلاف، فمرده إلى الله وكتابه، وأرشد إلى التوكل على الله:
خالق السماوات والأرض، وبيده مفاتيح الخزائن والنعم من المطر والنبات وغيرهما، والرازق لمن يشاء، والمنعم بالحياة الزوجية، وبتسخير الأنعام المزدوجة لعباده، وليس كمثله شيء وهذا ما عبرت عنه الآيات الآتية:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٧ الى ١٢]
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [الشورى: ٤٢/ ٧- ١٢] .
هذه الآيات الكريمات منهاج للمجتمع الإسلامي، تتضمن وعيدا للكفار إذا أعرضوا عما أرسل الله به نبيه، وفيها رفع الحرج عن النبي إن لم يؤمنوا، فما عليه سوى التبليغ للوحي الإلهي فقط، وهذا المنهاج ليس جديدا في الرسالات الإلهية، فمثل الإيحاء إلى الأنبياء بلغات أقوامهم، أوحينا إليك قرآنا عربيا مبّينا لهم، لتخوف به من عذاب الله، وتنذر أهل أم القرى، أي مكة ومن حولها من العرب وبقية الناس، وتنذر به الناس يوم الجمع، أي يوم القيامة الذي تجتمع فيه الخلائق، حيث
стр. 2324
يجتمع فيه بنو آدم للعرض والحساب، ويجتمع أهل الأرض بأهل السماء، ذلك اليوم الذي لا شك في حدوثه في نفسه وذاته، ويصير الناس فيه فريقين: فريق في الجنة بسبب إيمانهم بربهم وبرسوله وبكتابه، ولإحسانهم أعمالهم في الدنيا، وفريق آخر في النار، لكفرهم بالله ورسوله وقرآنه.
ولو أراد الله تعالى لجعل الناس جميعا أهل دين واحد، إما مهتدين، وإما ضالين، ولكنهم باختيارهم، اختلفوا على أديان متغايرة، فمن استقام وجاهد نفسه أدخله الله برحمته في جنته، ومن ظلم نفسه وعصى ربه، أدخله الله في النار. وأهل النار: هم الظالمون المشركون، الذين ليس لهم ولي ناصر يدفع عنهم العذاب، وينصرهم وينجيهم من بأس الله تعالى. وهذا يدل على أن الإيمان والكفر بمشيئة الله، ولكن يؤول اختيار الناس إلى أحد المصيرين: إما إلى الجنة وإما إلى النار. وقوله تعالى: فَرِيقٌ خبر مبتدأ مضمر أو محذوف، تقديره: هم فريق في الجنة، وفريق في السعير.
بل في الواقع اتخذ الكافرون آلهة يعبدونها من دون الله، من الأصنام والأوثان وغيرها، زاعمين أنهم أعوان لهم ونصراء، فإن أرادوا الناصر بحق، فالله هو المعين الناصر، لا تنبغي العبادة إلا له وحده، لأنه الخالق الرازق، والضارّ والنافع لمن أراد، وبحسب ما يعلم من استعداد كل إنسان لمراد معين، ولأنه هو القادر الذي تنفع ولايته، وأنه هو الذي يحيي الموتى ويحشرهم إلى الآخرة، ويبعثهم من قبورهم.
وأنه صاحب القدرة المهيمنة على كل شيء.
ثم وجّه الله تعالى إلى أن حل الخلافات بيد الله سبحانه، فما اختلفتم فيه أيها الناس من تكذيب وتصديق، وإيمان وكفر وغير ذلك، فالحكم فيه، والمجازاة عليه
стр. 2325
ليست إلى النبي ﷺ ولا بيده، وإنما ذلك إلى الله تعالى، وذلكم الحاكم بهذا الحكم:
هو الله الرب لكل الخلائق، يتوكل عليه النبي في جميع أموره، ولا يعتمد على غيره، ويرجع إليه وحده منيبا طائعا.
وأسباب الإنابة إلى الله وحده لا غيره: أمور أهمها: أنه خالق السماوات والأرض ومبدعهما من العدم، وخالق الأزواج للرجال من جنسهم، ليسكنوا إليهم، ويتحقق التكاثر والتوالد، وخالق الأنعام جنسين ذكرا وأنثى، والله هو الذي يكون سببا للتكاثر وبقاء النوع الإنساني، بخلق نسل بعد نسل، وليس لله تعالى شبيه ولا نظير، وهو تام السمع لأدق المسموعات ومختلف الأصوات وكامل البصر، يبصر الأشياء كلها صغيرها وكبيرها، ظاهرها وخفيها، وبيده مفاتيح الخزائن في السماوات والأرض، أي إن كل شيء يقع بقدرته، يوسّع الرزق لمن يشاء من خلقه، ويضيقه على من يشاء بحسب علمه وحكمته، وهو تام العلم بكل شيء يحدث في هذا الوجود، من إغناء وإفقار وغير ذلك.
وحدة الرسالات الإلهية
مهمة الأنبياء والرسل واحدة، قديما وختما بالرسالة المحمدية، وهي تنحصر في الدعوة إلى وحدة الله تعالى، وإقامة الدين والمحافظة عليه، وإطاعة الله، والإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر، ولكن يصعب أو يشق على المشركين ترك الوثنية والانضمام لمبدأ توحيد الإله، ولم يختلف جميع المدعوين إلى الإسلام من وثنيين وأهل كتاب من اليهود والنصارى إلا بعد إقامة الحجة عليهم، ولولا سبق القضاء الإلهي بتأخير العذاب عنهم، لعجلت لهم العقوبات في الدنيا، قال الله تعالى مبينا هذا:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٣ الى ١٤]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
стр. 2326
[الشورى: ٤٢/ ١٣- ١٤] .
هذا خطاب توحيدي لجميع الأمم في الدين، فإن الله تعالى شرع وأبان لكم أيها المسلمون من المعتقدات وأصول التوحيد ما أمر به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى:
أن حافظوا على الدين (وهو توحيد الله، وإطاعة رسله) ولا تختلفوا في شرائع الله، من الحلال والحرام، وإياكم من الوقوع في المهالك بتفرق الآراء والمذاهب. وهذا في أصول الاعتقاد وأصول الشرائع والأخلاق، فإنه لا خلاف فيها، أما الأحكام الفرعية فيمكن وقوع الخلاف فيها بين الشرائع، كما تبين في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٥/ ٤٨] .
ثم أخبر الله تعالى نبيه ﵊ بصعوبة إقامة الدين ووحدته على المشركين بالله تعالى، العابدين للأصنام، قال قتادة: كبر على المشركين: لا إله إلا الله، وأبى الله تعالى إلا نصرها وإظهارها، أي شق على أهل الشرك الوثنيين القائلين بتعدد الآلهة هذه الدعوة إلى وحدة الدين، وهجر عبادة الأصنام والأوثان، وأنكروا مبدأ الوحدانية، واشتد عليهم مقولة: لا إله إلا الله وحده، وأبى الله إلا أن ينصرها، ويخذل ضدها.
والله يختار لتوحيده والدخول في دينه من يشاء من عباده، ويوفق لدينه وعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل على عبادته، وينيب تائبا إلى ربه، ويثوب إلى رشده.
وهذا يدل على مزيد فضل الله على عباده المؤمنين: أنه هداهم لدينه، بعد أن أمرهم بالتمسك بمبدإ الدين الواحد الذي اتفقت عليه الرسل كلهم.
стр. 2327
وسبب التفرق في الدين، ليس بسبب الدين ذاته، فإن أتباع الأديان لم يتفرقوا في اتباع الحق إلا بعد قيام الحجة عليهم، وبعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، وبعد العلم الذي جاءهم: وهو ما كان حصل في نفوسهم من علم كتب الله تعالى، فبغى بعضهم على بعض حبا في الزعامة والرئاسة، وانحيازا للعصبية وشدة الحمية، وحفاظا على مراكز القوة والنفوذ والزعامة، والمكاسب المادية، وبغيا وحسدا، وليس بسبب الرسالات والحجج.
ولولا القضاء السابق من ربك بتأخير مجازاتهم إلى الآخرة لعجل لهم الله العقوبة في الدنيا، ولفصل بينهم في الدنيا، وغلب المحق على المبطل، وهؤلاء المتفرقون: هم كل مدعو إلى الإسلام من كفار العرب، واليهود والنصارى وغيرهم. أما العرب:
فكانوا يتمنون بعثة نبي لهم، فلما أرسل الله تعالى لهم محمدا ﷺ كفروا به، كما جاء في آية أخرى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) [فاطر: ٣٥/ ٤٢] .
وأما أهل الكتاب: فعبرت آية أخرى أيضا عن سبب تفرقهم وهي: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) [البينة: ٩٨/ ٤] .
وإن ورثة الكتاب الإلهي المعاصرين لمحمد ﷺ من اليهود والنصارى لفي شك موقع في الريبة والقلق من كتابهم، لأنهم لم يتبعوا الحق، وإنما قلّدوا رؤساء الدين، واتبعوا الأسلاف والآباء بلا دليل ولا حجة وبرهان، وهم في حيرة من أمرهم، فلم يؤمنوا برسالة خاتم النبيين، ووصف الشك بالمريب: مبالغة فيه.
هذه دعوة صريحة لأهل الأديان وغيرهم إلى وحدة الدين الإلهي، ونبذ الفرقة والخلاف، والالتقاء في مظلة واحدة تسعد البشرية جمعاء، وتنشر المحبة والود والإخاء في أنحاء الأرض قاطبة.
стр. 2328
الأمر بالاستقامة على الدين الواحد
بعد أن أبان الله تعالى مبدأ وحدة الدين الحق، وأسباب البعد عنه، أمر الله نبيه بالدعوة إلى مبدأ التوحيد، ووحدة الرسالات الإلهية، فليس الدين ملكا لأحد، وإنما واضع الدين هو الله ﷻ ، وقد ارتضى لعباده ما اتفقت عليه الرسل الكرام، بدءا من آدم ﵇، إلى خاتم النبيين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، مما يوجب الإيمان بما أنزل الله تعالى من الكتب كلها، لأنها مبشّرات بالخير والسعادة، قائمة على الحق والعدل والميزان، كما قال الله تعالى:
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢/ ٢٨٥] .
ودعوة الإسلام على هذا النحو: فيها الخير للبشرية كلها، قال الله تعالى مبينا أصول هذه الدعوة:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٥ الى ١٩]
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)
«١» [الشورى:
٤٢/ ١٥- ١٩] .
стр. 2329
في الآية الأولى: فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ عشرة أوامر ونواه، كل واحد منها مستقل بذاته، أولها أمران: ادع أيها الرسول إلى مبدأ وحدة الدين المتفق عليه، واستمر على هذه الدعوة، واستقم على عبادة الله، وتبليغ الرسالة، فهي شملت جميع الطاعات وتكاليف النبوة، هذا مع العلم بأن النبي بحسب قوته في تنفيذ أمر الله تعالى مطالب بتمام الاستقامة، وهذا ما دعاه أن
يقول: «شيبتني هود وأخواتها»
لأن فيها فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «١» [هود: ١١/ ١١٢] وأما أمته
فقال لهم النبي بحسب ضعفهم: استقيموا ولن تحصوا. «٢»
ثم جاء النهي: وهو لا تتبع أيها الرسول أهواء المشركين فيما افتروه واخترعوه من عبادة الأصنام والأوثان، ووقعوا فيه من شكوك وتحريفات. ثم أمر الله نبيه أن يقول: صدّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، من التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وموسى وشيث.
وأمر الله نبيه أن يعلن أيضا بأن يعدل بين الناس مهما اختلفت أديانهم بالحق والعدل، في القضاء والحكم إذا ترافعوا إليه.
وأمره أيضا أن يقول: ليس الله إلها لشعب دون شعب أو قوم دون قوم، كما يعتقد اليهود بأن الإله هو إله بني إسرائيل، فالله المعبود بحق لا إله غيره، هو إله المسلمين وربهم، وإله غيرهم، وخالقهم وخالق الناس جميعا.
وأخبر الله تعالى أن ثواب أعمال المسلمين وعقابهم خاص بهم، لا يتحملها عنهم غيرهم، وكذلك ثواب أعمال غيرهم وعقابها خاص بهم، ويبرأ كل فريق من الآخر
стр. 2330
وأعماله، كما جاء في آية أخرى: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) [سبأ: ٣٤/ ٢٥] .
ومن مضمون الخبر أو الأمر: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي لا خصومة بين الفريقين، لأن الحق قد ظهر كالشمس، والخبر أو الأمر التاسع والعاشر: أن الله يجمع بين الجميع في المحشر يوم القيامة، فيقضي بينهم بالحق في خلافاتهم، فإليه مصير جميع الخلائق.
ثم أوضح الله تعالى بطلان حجة المجادلين في دين الله، وهم الذين يخاصمون في دين الله بعد استجابة الناس له، ودخولهم فيه، حجتهم زائلة باطلة عند ربهم، وعليهم غضب عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل، ولهم عذاب شديد يوم القيامة.
نزلت آية وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ حينما قال المشركون بمكة للمؤمنين: قد دخل الناس في دين الله أفواجا، فاخرجوا من بين أظهرنا، فعلام تقيمون بين أظهرنا؟! ثم رد الله تعالى على المجادلين: بأنه سبحانه هو الذي أنزل جميع الكتب السماوية على الرسل إنزالا ملازما للحق، مشتملا عليه، مقترنا به، وأنزل مبدأ الميزان، أي العدل والتسوية والإنصاف، ليحكم به بين البشر، وسمي العدل ميزانا، لأنه آلة الإنصاف والمعادلة، فليعمل كل واحد بقاعدة العدل، قبل الحساب، وما يعلمك أيها الرسول وكل مخاطب أن مجيء القيامة قريب الحصول، فيحاسب كل امرئ على ما قدّم.
لكن يتعجل المشركون غير المؤمنين بالقيامة بقدومها، استهزاء وعنادا وتكذيبا، وأما المؤمنون فهم خائفون من وقوعها، ويعلمون أنها كائنة لا محالة، وأن وقوعها حق ثابت لا محيد عنه.
стр. 2331
ألا تنبه أيها السامع بأن الذين يجادلون في مجيء القيامة، ويخاصمون في شأنها مخاصمة شك، لفي بعد وجهل ومتاهة عن الحق.
وما أروع ما جاء بعد هذه الآيات لفتح باب الأمل والرجاء والرحمة: وهو بيان أن الله كثير اللطف بعباده، ومن ألطافه أنه يرزق جميع عباده، بحسب مشيئته، لا فرق بين برّ وفاجر، ومن غير ضعف، ولكن الله عظيم القوة، باهر القدرة، يغلب كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
العمل للدنيا والآخرة
من أبرز خصائص الإسلام: أنه يحض أبناءه على العمل للدنيا والآخرة، وهذا دليل الوسطية والعدل والوعي. وأنه قضى على الوثنية في شبه جزيرة العرب، بسبب حملته الشديدة على المشركين، ووعيدهم بالعذاب، وإنذارهم به لولا تأخيره في الحكم الأزلي لإعطائهم الفرصة لإصلاح عقائدهم، وأدى ذلك إلى الحكم بإيقاع العذاب بالظالمين، ونجاة المؤمنين وتبشيرهم بجنان الخلد. وفي ثنايا الحملة على أهل الشرك رد قاطع على افترائهم بأن القرآن ليس من كلام الله تعالى، وترغيب لهم ولغيرهم بالمبادرة إلى التوبة والاستجابة لنداء الحق والإيمان، حتى يظفروا بمزيد فضل الله تعالى، ويتعرض الكافرون للعذاب الأليم. قال الله تعالى موضحا هذه الخصائص:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢٠ الى ٢٦]
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤)
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)
«١» «٢»
стр. 2332
[الشورى: ٤٢/ ٢٠- ٢٦] .
المعنى: من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الآخرة، نقويه ونغنيه، ونجزيه أحسن الجزاء، ومن كان يريد الحصول على شؤون الدنيا وطيباتها، وإهمال شؤون الآخرة، نعطه ما قضت به مشيئتنا، وليس له في الآخرة حظ. والمؤمن الصادق الواعي من يعمل للدنيا والآخرة، كما قال ابن عمر ﵄: «احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا» . وقوله تعالى: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وعد منجز.
بل إن المشركين لهم أعوان من الشياطين، شرعوا لهم ما لم يشرعه الله، مثل تحريم بعض السوائم وتخصيصها للأصنام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار ونحو ذلك من الضلالات.
ولولا القضاء الإلهي السابق بتأخير العذاب في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لقضي بين المؤمنين والمشركين، وعجلت عقوبة المشركين، ولكن للظالمين المشركين العذاب المؤلم الشديد في الآخرة، كما قال الله تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) [القمر: ٥٤/ ٤٦] . فقوله تعالى: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ استئناف كلام.
ثم ذكر الله تعالى وصف هذا الجزاء الأخروي، وهو أنك ترى بالعين المجردة
стр. 2333
الكافرين المشركين خائفين مضطربين يوم القيامة، مما عملوا من السيئات في الدنيا، والجزاء واقع نازل بهم لا محالة، أما الذين صدقوا بالله ورسوله وعملوا صالح الأعمال منهم يتمتعون في روضات الجنان، لهم ما يشتهون عند ربهم، من ألوان النعم والملذات، وذلك هو الفضل الذي يفوق كل فضل في الدنيا. والروضات:
المواضع البهية النّضرة، وهي في الأغلب مرتفعة، وهي ممدوحة عند العرب. وكلمة عِنْدَ رَبِّهِمْ العندية للتشريف والمكانة، لا المكان المادي أي الجوار المحسوس.
وهذا الجزاء للمؤمنين حتمي الوقوع، وهذا الجزاء هو الذي يبشر الله به عباده المؤمنين الذين يعملون صالح الأعمال، أي إن تلك البشارة لمن قرن أو جمع بين الإيمان والعمل بما أمر الله، وترك ما نهى عنه.
ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالترفع والسمو عن أعراض الدنيا، فيقول لقومه: لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جعلا ولا مكافأة ولا نفعا ماديا، إلا أن تودوني لقرابة بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم. قال ابن عباس وغيره: لم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله ﷺ فيه نسب أو صهر. فالآية على هذا هي استعطاف ودفع أذى سلامة منهم «١» .
قال قتادة: قال المشركون: لعل محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا، فنزلت هذه الآية، ليحثهم على مودّته ومودّة أقربائه. والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به ابن عباس فيما
رواه البخاري وهو: «إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة»
لأن الآية مكية، ولم يكن بين علي وفاطمة زواج إلا بعد بدر، من السنة الثانية من الهجرة.
стр. 2334
ثم ذكر الله تعالى: ومن يعمل حسنة، نزد له فيها حسنا، أي أجرا وثوابا، وإن الله يغفر الكثير من السيئات، ويكثّر القليل من الحسنات، ويضاعف الثواب للمحسن.
بل أيقولون: افترى محمد على الله كذبا بادعاء النبوة ونزول القرآن، وهذا إفك مفترى، يرد الله عليه بأنك يا محمد لو افتريت على الله كذبا، لطبع على قلبك، فيمحو الله الباطل، ويثبّت أو يحق الحق بكلماته ويؤيده. إنه سبحانه عليم بما تكنه الصدور من حديث النفس ووساوس القلب.
وللترغيب في الصلاح: أن الله يقبل من عباده التوبة عن الذنوب، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون من خير أو شر. ويستجيب الله للذين آمنوا، وأطاعوا ربهم، ويزيدهم من فضله ونعمته على ما طلبوه منه، وأما الذين كفروا بالله وبنعمته فلهم عذاب شديد مؤلم.
قسمة الأرزاق
لا تغيب العناية والرعاية الإلهية عن المخلوقات طرفة عين، فالله تعالى يقسم الأرزاق بحسب علمه وحكمته، وبتصريف قدرته، فينزل الغيث وينشر رحمته، ويرسل الرياح فتسوق السحب إلى مواضع نزول القطر، ويبث الدواب البرية والبحرية والجوية في أنحاء السماوات والأرض، ويسيّر الفلك أو البواخر بمشيئته وتوفيقه، ويعلم المجادلين في آيات الله، علما بأن متاع الدنيا فان، والآخرة خير وأبقى، فلا يغتر أحد بالدنيا، وإنما يعمل بما يسعده في الآخرة، مفوّضا أمر النتائج لله ، وهذه سنة الله في مدده وعطائه، كما تصورها هذه الآيات الشريفة:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢٧ الى ٣٦]
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١)
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)
стр. 2335
[الشورى: ٤٢/ ٢٧- ٣٦] .
نزلت آية وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ فيما
أخرجه الحاكم وصححه عن علي: في أصحاب الصّفّة، وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا، فتمنوا الدنيا والغنى، وقال خبّاب ابن الأرتّ: فينا نزلت هذه الآية- أي في أهل الصفة- وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع، فتمنيناها.
المعنى: لو وسّع الله الرزق على عباده، ومنحهم فوق حاجتهم، لحملهم ذلك على البغي والطغيان، وعصوا في الأرض، كما حدث من قارون وفرعون، ولكنه تعالى ينزّل الرزق لعباده بتقدير معين، على حسب مشيئته، وبمقتضى حكمته، إنه سبحانه خبير بأحوال عباده، بصير بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه.
هذا إعلام من الله تعالى: أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم، لكان سبب بغيهم وفسادهم، ولكنه أعلم بالمصلحة في لكل إنسان، وله بعبيده خبرة وبصر بأخلاقهم ومصالحهم، فرب إنسان لا يصلح إلا بالفقر، وآخر بالغنى.
والغيث سبب الرزق، فينزل الله المطر بعد يأس الناس في وقت حاجتهم إليه، وينشر رحمته، أي المطر على الأراضي، وهو المتولي أمور أو شؤون عباده بالإحسان إليهم، وجلب النفع لهم، ودفع الشر عنهم، وهو المحمود على نعمه الكثيرة.
стр. 2336
وكل ذلك يتم بمعيار دقيق من الإله الحكيم القدير، ومن دلائل عظمة الله وقدرته وسلطانه: خلق السماوات والأرض على هذا النحو البديع، وما نشر وفرّق في السماوات والأرض من الدواب المتحركة، ويشمل ذلك الملائكة والإنس والجن، وسائر أنواع الحيوان، والله تام القدرة على جمعهم في صعيد واحد، وحشرهم يوم القيامة.
وقد يحتجب الرزق بسبب المعاصي، وما أصابكم أيها الناس من المصائب، كالآلام والأسقام، والقحط والغرق، والصواعق والزلازل ونحوها، فإنما هي بسبب سيئات اقترفتموها، ومعاص ارتكبتموها، فهي عقوبات الذنوب وكفاراتها في الدنيا، ويعفو الله عن كثير من المعاصي، فلا يعاقب عليها.
جاء في الحديث الذي أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهما عن الحسن البصري: «لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر» .
ولستم أنتم أيها المذنبون الكافرون بمعجزين الله حيثما كنتم، ولا تتمكنون من الإفلات من العقاب، فبنو آدم عجزة قاصرون ضعفاء، وهم في قبضة القدرة الإلهية، ولا يمكنهم الفرار من طلب ربهم.
ومن آيات قدرة الله وسلطانه: إجراء السفن السائرة في البحار كالجبال، سواء أكانت شراعية أم بخارية أم كهربائية أم ذرية، وإن يرد الله إيقاف السفن الجارية، يجعل الرياح ساكنة، والطاقة متعطلة، فتصبح السفن ثوابت رواكد على ظهر البحر، لا تسير ولا تتحرك، إن في أمر إجراء السفن في أعالي الموج والماء لدلالة عظيمة على قدرته تعالى، لمن كان كثير الصبر على الشدائد وعلى طاعة الله، كثير الشكر على النعمة. وإن يشأ الله يهلك أو يتلف السفن بالغرق بما كسب ركابها من البشر، أي
стр. 2337
بذنوب البشر، ويعف عن كثير من ذنوبهم، أو عن كثير منهم، فينجيهم من الغرق، ويعلم الله الذين ينازعون في آيات الله، ويكذبونها، ولا يتمكن أحد من الفرار أو المهرب أو النجاة من عذاب الله.
وما أروع ما عقب الله تعالى على هذه الآيات: وهو التحذير من الاغترار في الدنيا، فما أعطيتم من الغنى والسعة في الرزق والجاه والسلطان، فإنما هو متاع قليل في الدنيا، وما عند الله من ثواب الطاعة ونعيم الجنة خير من متاع الدنيا، وأبقى وأدوم، لأنه لا ينقطع ولا ينقص، أما متاع الدنيا: فهو ينقطع أو ينقص بسرعة، وبقاؤه لأهل الإيمان الصحيح بالله ورسوله، وعلى ربهم يعتمدون في كل شؤونهم.
قال علي ﵁: تصدّق أبو بكر ﵁ بماله كله، فلامه جمع، فنزلت الآية: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ..
جاء في الحديث أنه أنفق ثمانين ألفا.
صفات أهل الجنة
لم يترك القرآن الكريم شيئا إلا أوضحه وأعلنه، فذكر صفات أهل النار وأسباب استحقاقهم للعذاب، وذكر صفات أهل الجنة وما أهّلهم للنعيم والثواب، وهذه الصفات الطيبة: هي الإيمان بالله إلها واحدا، والتوكل عليه بعد اتخاذ الأسباب، واجتناب الكبائر من الذنوب والعفو عند المقدرة، وإطاعة الله وترك نواهيه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والتشاور في الأمور كلها، والشجاعة والقوة في استرداد الحقوق المغتصبة، وقد نصت الآيات الكريمة الآتية على هذه الصفات، لضرورة الاتصاف بها، قال الله تعالى:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٣٧ الى ٤٣]
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)
стр. 2338
[الشورى: ٤٢/ ٣٧- ٤٣] .
نزلت آية وَإِذا ما غَضِبُوا في عمر حين شتم بمكة. وقيل: في أبي بكر حين لامه الناس على إنفاق ماله، وحين شتم فحلم.
وصف الله تعالى أهل الجنة بالإيمان بالله وبالتوكل على الله، وبالصفات السبع الآتية:
- إنهم هم الذين يتجنبون الوقوع في كبائر الذنوب التي أوعد الله عليها وعيدا شديدا، كالشرك والقتل العمد وعقوق الوالدين، ويتجنبون أيضا الفواحش: وهي كل ما استقبحه الشرع والعقل السليم، كالغيبة والكذب، والزنا والسرقة والمحاربة (قطع الطريق) .
- وهم عند الغضب يكظمون الغيظ، ويحلمون على الظالم، ويعفون عن إساءته، لأن الحلم سيد الأخلاق، والعفو والصفح سمة العظماء، وهذا حض على كسر الغضب، والتدرب على إطفائه، إذ هو جمرة من جهنم.
- وهم الذين يستجيبون إلى ما دعاهم إليه ربهم، ويطيعونه فيما أمر به من توحيد الله، ونبذ الشرك، وإطاعة الرسول فيما أمر به وزجر عنه، وهذا مدح لكل من آمن بالله تعالى وقبل شرعه.
نزلت هذه الآية في الأنصار، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإيمان، فاستجابوا وأقاموا الصلاة.
стр. 2339
- ويؤدون الصلاة المفروضة في أوقاتها بنحو تام الأركان والشروط، وبخشوع لله وقلب صاف مرتبط بالله، والصلاة عماد الدين وأعظم العبادات.
- ويتشاورون فيما بينهم في الأمور الخاصة والعامة، كشؤون الحكم والولاية وإعلان الحرب، وتولية الولاة والقضاة والموظفين وغير ذلك من الشؤون العامة والخاصة.
- وينفقون في سبيل الله وطاعته بعض ما رزقهم الله من أموال وخيرات، لأن الإنفاق قوة للأمة، وعلاج للضعف، وسبيل لإعزاز الأمة، وتحقيق التكافل المطلوب بين الأغنياء والفقراء.
- وهم شجعان أشداء، فإذا تعرضوا للظلم والاعتداء، انتصروا ممن ظلمهم، واستردوا حقوقهم السليبة، وإذا قدروا عفوا، وهذا مدح لمن انتصر على البغي.
ورد الظلم مشروط بتحقيق المماثلة دون تجاوز، فيكون عقاب السيئة مماثلا لأصل الجناية، والمساواة مطلوبة بين الجريمة والعقوبة، ومن عفا عن الظالم المسيء، وأصلح بالود والعفو ما بينه وبين من عاداه، فثوابه على الله، إن الله يعاقب المبتدئين بالظلم، المتجاوزين حدودهم، وسمي جزاء السيئة سيئة، مع أن المجازاة من الله تعالى ليست سيئة، تسمية للشيء باسم ما يوجبه ويسببه.
ثم أكد الله تعالى على مشروعية دفع الظلم أو البغي، في الآية: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ اللام في (لمن) لام القسم، أي جواب قسم محذوف.
أي تالله إن المنتصر من الظالم بعد ظلمه له، لا سبيل عليه بمؤاخذة أو عقاب، لأن الانتصار بحق، كأن يشرع القصاص في الجنايات العمدية، أو تضمن جنايات الخطأ والإتلافات، ويجوز الشتم والسب معاملة بالمثل، دون اعتداء ولا تجاوز، وهذا في معنى آية أخرى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:
стр. 2340
٤/ ١٤٨] لكن من أتلف مال إنسان لا تجوز مقابلته بالإتلاف، وإنما يطلب الضمان أو التعويض عن الضرر.
نزلت هذه الآية: وَلَمَنِ انْتَصَرَ في أبي بكر الصديق ﵁، وقد شتمه بعض الأنصار، فرد عليه، ثم أمسك.
وإنما المؤاخذة والعقاب على الذين يبدءون الناس بالظلم، أو يتعدّون مبدأ المماثلة، ويتجاوزون الحد في الانتقام، ويجنون على النفوس والأموال بغير حق، ويتكبرون بظلم الناس وسلب الحقوق. ويضعون الأشياء في غير مواضعها، من القتل وأخذ المال وإيذاء اليد واللسان، وأولئك البادئون بالظلم أو المتجاوزون الحدود، لهم عذاب مؤلم شديد بسبب اعتدائهم، وهذا توعد بالعذاب في الآخرة.
والبغي بغير الحق في الآية: هو نوع من أنواع الظلم، خصه الله بالذكر تنبيها على شدته وسوء حال صاحبه.
ثم أكد الله تعالى الترغيب في العفو بالقسم في قوله: وَلَمَنْ صَبَرَ أي تالله، إن من صبر على الأذى، وستر السيئة، وغفر خطأ من ظلمه، فذلك الصبر والعفو، لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة، التي يثاب عليها بالثواب الجزيل والثناء الجميل، لمنع الاسترسال وراء الغضب وحب الانتقام، فقوله تعالى: لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي محكمها ومتقنها والحميد العاقبة منها، وهذا دليل على قوة الإرادة وتماسك الشخصية.
سوء حال الكفار في الآخرة
لا شيء أصعب على النفس من الاصطدام أمام الواقع، والمفاجأة بنوع العقاب الذي كان يظن أنه مجرد تهديد ووعيد، وحينئذ تكون الأحوال شديدة وصعبة، فترى
стр. 2341
الكافرين في الآخرة يتمنون الرجوع إلى الدنيا، فيحتقر شأنهم، ولا يبالي بهم أحد من المؤمنين، ويقفون أمام النار ذليلين خائفين، ويلمسون الخسارة المحققة في الأنفس والأهل، ولا أمل لهم في النجاة، فلا يجدون أنصارا يخلصونهم من العذاب، ومن أضله الله بسبب ما اكتسب واختار من الإثم، فلا سبيل لنجاته. وهذه آيات كريمة تصور لنا هذا الموقف المخزي:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤٤ الى ٤٦]
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)
[الشورى: ٤٢/ ٤٤- ٤٦] .
هذا تبيان حال الكفرة الذين اختاروا الكفر على الإيمان ومالوا إليه، فأضلهم الله تعالى، وتركهم يتيهون في وهاد الضلال، لفقد استعدادهم للإيمان، ومن يضله الله، فما له من أحد يتولى هدايته ونصره، أو إنقاذه إلى طريق الهدى والرشاد. وقوله تعالى:
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ بيان أنه لا يقع شيء في الكون، من الهدى والضلال وغيرهما إلا بإرادة الله ومشيئته، حتى لا يوصف بالعجز. وليس في هذا القول إجبار على الضلال، وإنما بيان من علم الله أنه يختار الضلال، فيزيده الله ضلالا.
وأحوال هؤلاء الضالين الظالمين في الآخرة معقدة وشائكة وأهمها ستة:
- ترى: الرؤية هنا رؤية عين، أي تبصر أيها الإنسان المشركين الكافرين بالله، المكذبين بالبعث، حين نظروا إلى النار، وعاينوا العذاب، يتمنون الرجوع إلى الدنيا، من أي طريق. وهذه المقالة المعبرة عن بحثهم عن سبيل النجاة: تدل على سوء ما اطلعوا عليه. والمردّ: موضع الرد إلى الدنيا، قاصدين بذلك استدراك العمل والإيمان.
стр. 2342
- وتبصرهم أيضا يعرضون على النار، وهم خائفون أذلاء، يسارقون النظر إليها من شدة الخوف، فقوله تعالى: مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ أي قليل، والطرف هنا مصدر، أي يطرف طرفا خفيا.
- وقال أهل الإيمان يوم القيامة حين رأوا الكافرين على هذه الحال: إن أهل الخسارة الكبرى: هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، بدخول النار، والخلود فيها، خسروا أنفسهم بصيرورتهم معذبين في النار، وخسروا أهليهم لأنهم تسببوا في تعذيبهم.
- ألا إن الكافرين في عذاب دائم لا ينتهي، ولا يخرجون منه. وهذا إما من قول المؤمنين، حكاه الله تعالى، أو استئناف من قول الله تعالى، وإخبار لمحمد ﷺ بما يؤول إليه مصير الضالين المكذبين.
- وليس للظالمين أعوان وأنصار من غير الله، ينقذونهم مما هم فيه من العذاب.
ثم أكد الله تعالى اليأس من نجاتهم بقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ والمعنى: ليس للكافرين أعوان وأنصار من غير الله، ينقذونهم مما هم فيه من العذاب، وهذا إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها، واعتقدوا ذلك دينا، والمراد: فما لهم يوالون هذه التي لا تضر ولا تنفع، ولكن من يضلل الله فماله من سبيل هدى ونجاة، أي من يحجب الله عنه توفيقه إلى الإيمان، بسبب علم الله السابق بما سيختاره ويقترفه من الآثام، فلا طريق له إلى النجاة والجنة. ولا غرابة في وقوع تلك الظواهر، لأنهم قوم ضالون منحرفون عن سبيل الإيمان والحق.
هذا وصف دقيق لسوء أحوال الظالمين الكافرين الذين اختاروا الشرك والوثنية:
قلق وحيرة، وحسرة وندامة، والتماس طريق النجاة باقتراح العودة إلى الدنيا، ويتملكهم الخوف والذعر الشديد، ويلحقهم الذل والهوان والتحقير، ويبحثون عن
стр. 2343
النصراء والأعوان لإنقاذهم من عذاب الله فلا يسعفهم أحد، إذ إنه ليس للأصنام المعبودة، ولا لبعض المتألهين، أي شفاعة أو مجال ينفعون به غيرهم، لأن الأمر كله بيد الله، وتخيب المساعي كلها في الإنقاذ، لأن عالم الآخرة عالم الحساب، والقضاء، وتنفيذ الأحكام، ولا يقبل من أحد العذر أو التأسف أو الندم، فقد كان مجال هذا في الدنيا، فهي دار التكليف والاختبار، أما الآخرة: فهي دار القرار النهائي، ومقر إصدار الأحكام الإلهية، وتنفيذها من غير اعتراض ولا أمل في نقض حكم أو تغيير قضاء.
الاستجابة لأمر الله تعالى
وجّه الله تعالى في قرآنه الناس جميعا إلى المبادرة للإيمان، والإجابة لما يحيي القلوب، ويضيء النفوس، وينقذ الإنسان من عواقب الهلاك، والشر، وأسلوب التوجيه متعدد، ومتنوع، بالترغيب مرة، والترهيب مرة أخرى، والإطماع بجنان الخلد، والتحذير من أهوال القيامة والحساب الشديد، وبيان تقلب النفس، تفرح عند الرحمة الإلهية، وتجحد النعمة عند التعرض لمصيبة، وإدراك أن ملك السماوات والأرض بيد الله وحده، يهب الذرية للإنسان بحسب مشيئته وعلمه وحكمته، وقد يمنعها عنه، مع أن الله قدير على كل شيء، وهذه الآيات تبين مدى إجابة الإنسان لدعوة الله:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤٧ الى ٥٠]
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)
«١» «٢» «٣»
стр. 2344
[الشورى: ٤٢/ ٤٧- ٥٠] .
يأمرنا الله تعالى بالاستجابة لدعوة الله تعالى وشريعته، والمبادرة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، من قبل مجيء يوم يكون كلمح البصر، لا ملجأ ولا منجى لأحد فيه، ولا يردّ أحد بعده إلى عمل، إنه يوم القيامة، يحذرنا الله تعالى من أهواله ومفاجاته، حيث لا يفيد الإنسان شيء إلا العمل الصالح في الدنيا، ولا إنكار ما ينزل بالناس من عذاب. والنكير: مصدر بمعنى الإنكار، لا بمعنى المنكر اسم فاعل من فعل «نكر» ، لأن المعنى يصبح بعيدا، لأن (نكر) إنما معناه لم يميّز وظن الأمر على غير ما عهد. وهذا كقوله تعالى: يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) [القيامة: ٧٥/ ١٠- ١٢] .
فإن أعرض المشركون عن إجابة دعوة الله ورسوله، فما أرسلناك أيها الرسول موكلا بهم، رقيبا عليهم، تحفظ أعمالهم وتحصيها، حتى تحاسبهم عليها، فليس عليك إلا تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وإيصال الحجة.
إلا أن القوم المشركين عتاة أشداء مضطربون، إذا منحهم الله رحمة أو نعمة، وأمدهم بأمن وخير، ووفرة رزق، فرحوا بها واستبشروا، وإن أصابتهم سيئة كجدب أو نقمة، ومرض أو فقر، لاقترافهم المعاصي والذنوب، فإن الإنسان جحود للنعمة، متنكر للمعروف، فإن أصابته نعمة تكبر، وإن تعرّض لمحنة أو مصيبة يئس وأعرض. والكفور: المبالغ في كفران النّعم.
ثم أخبر الله تعالى عن أدلة قدرته، فهو مالك السماوات والأرض والمتصرف
стр. 2345
فيهما بما يريد، وملكه محيط بالخلق، ومشيئته نافذة في جميع المخلوقات، وفي كل أمورهم، فإن الله تعالى وحده يخلق ما يشاء، ويمنع من يشاء، يهب من يشاء البنات فقط، ويرزق من يشاء البنين فقط، ويعطي من يشاء الصنفين معا ذكورا وإناثا، فالتزويج هنا بمعنى الجمع بين البنين والبنات، ويجعل من يشاء عقيما لا يولد له، لأن الملك ملكه، يتصرف في شؤون خلقه على وفق العلم الشامل، والحكمة الدقيقة، والمصلحة الحقيقية، فإنه سبحانه عليم بمن يستحق كل صنف من أصناف الأولاد، تامّ القدرة على منح ما يريد أو منع ما يشاء. فقوله تعالى: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً معناه أن يجعل في بطن زوجا من الذرية ذكرا وأنثى. والعقيم: الذي لا يولد له.
وإنما بدأ الله تعالى بذكر الإناث تأنيسا بهن وتشريفا لهن، وحملا على العناية بهن، والإحسان إليهن،
قال النبي ﵊ فيما أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأحمد: «من ابتلي من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهن كن له حجابا من النار» .
وقال واثلة بن الأسقع فيما حكاه الثعلبي عنه: «من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذّكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث» . وقال إسحاق بن بشر: نزلت هذه الآية في الأنبياء ﵈، ثم عمّمت، فلوط ﵇ أبو بنات، لم يولد له ذكر، وإبراهيم ﵇ عكسه، لم يولد له إلا الذكور، ومحمد ﵊ ولد له الصنفان، ويحيى بن زكريا ﵉ عقيم.
وهذا التوزيع الإلهي في رزق الأولاد، كقسمة الأرزاق بين العباد، نابع من الحكمة الإلهية لخير الإنسان، أو لما يعلم له من أحوال تناسبه أو لمصالح بعيدة المدى.
стр. 2346
أنواع الوحي
الوحي الإلهي حقيقة واقعة لا ينكرها إلا كل جاحد منكر للدّين، وهو فضل من الله تعالى ونعمة، من أجل خير الإنسان ونفعه، وهو واحد وأمر مشترك بين جميع الأنبياء والرسل، ولولا الوحي لضل البشر وبقوا تائهين، تتحكم فيهم الأهواء والشهوات، وتستبد بهم المطامع والمصالح الذاتية، فكان من رحمة الله تعالى أن يجمع الناس على منهج واحد وصراط مستقيم، وذلك بالوحي المنزل على الرسل، سواء ما كان منه مكتوبا أو بالمعنى، وهذه آيات تدل على أنواع الوحي وأغراضه:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٥١ الى ٥٣]
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)
«١» «٢» [الشورى: ٤٢/ ٥١- ٥٣] .
سبب نزول الآية الأولى: وَما كانَ لِبَشَرٍ
أن اليهود قالوا للنبي ﵌: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا، كما كلّمه موسى؟ فنزلت، وقال:
لم ينظر موسى إلى الله تعالى.
المعنى: لا يكون لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، ولا ينبغي له، ولا يمكن فيه أن يكلمه الله ﵎ إلا بأن يوحي إليه بأحد أنواع الوحي: إما أن يكون وحيا مباشرا: وهو الإلهام والإلقاء في القلب يقظة أو في المنام، كرؤيا إبراهيم الخليل ﵇ ذبح ولده.
стр. 2347
وإما بأن يكون بسماع كلام من وراء ستار أو حجاب، أي من خفاء عن المكلّم، لا يستطيع تحديده أو تصوره بذهنه، ومن غير واسطة، متيقنا أنه كلام الله من حيث لا يرى، كما كلم الله موسى ﵇ من وراء الشجرة المباركة، وكان موسى قد طلب رؤية الله بعد التكليم، فحجب عنها. وإما بأن يكون بوساطة إرسال رسول من الملائكة إما جبريل أو غيره، فيوحي ذلك الملك إلى الرسول من البشر بأمر الله وتيسيره ما يشاء أن يوحي إليه، وهذا دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم.
ثم أوضح الله تعالى تشابه الوحي بين النبي محمد وبين من تقدمه من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وهو أنه مثلما أوحينا إلى سائر الأنبياء. أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن الذي هو من أمر الله ، وهو بمثابة الروح حياة للأنفس وإنارتها بعد ظلامها وجهالتها، ومبدأ للحضارة والعلم والتقدم، والحد الفاصل بين عهدين:
عهد الأمية والجهالة والفوضى، وعهد العلم والمعرفة والنظام، فالروح في هذه الآية: هو القرآن الكريم وهدى الشريعة، سمّاه الله روحا، لأنه يحيي به البشر والعالم، كما يحيي الجسد بالروح، فهذا على جهة التشبيه. وقوله: مِنْ أَمْرِنا أي واحد من أمورنا أو كلامنا.
وإنزال القرآن على قلب النبي ﷺ دليل على مقدار النعمة، فأنت أيها النبي رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تكن قبل القرآن المنزل عليك تعرف ما القرآن، وما معنى الإيمان، ولا تفاصيل الشرائع، ولكن جعلنا هذا القرآن الذي أوحيناه إليك ضياء ونورا، نهدي به من نشاء هدايته، أي نرشد، لأنه النور الذي يهتدي به الناس في ظلمات الحياة، كما جاء في آية أخرى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ١٧/ ٩] . والضمير في جعلناه: عائد على القرآن.
стр. 2348
وإنك أيها الرسول لترشد الناس إلى طريق مستقيم، ومنهاج قويم، فقوله تعالى:
صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني صراط شرع الله تعالى ورحمته، وطريق الله الذي له ملك السماوات والأرض، وربّهما المتصرف فيهما، والحاكم الذي لا معقّب لحكمه، والأمور كلها صائرة على الدوام إلى الله تعالى، وليس لأحد غيره، فيحكم بقضائه العدل. وهذا وعد للمتقين، ووعيد للظالمين، وتقريع لمن في ذهنه أن شيئا من الأمور إلى البشر. قال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف، فلم يبق منه إلا قوله تعالى:
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
لقد اقترنت جهود النبي ﷺ بنور القرآن وهدايته، وكان هذا الرسول يدعو إلى الخير، ومناصرة الحق، ويستمسك بالقرآن المجيد، ويدعو إلى السداد والطمأنينة، والاعتدال والوسطية وإقامة المجتمع الفاضل، ولا يزال هذا النبي منصورا بأمر الله.
والمقصود هو الإرشاد إلى دين قويم، لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام الذي به ختمت النبوات، وانتهت به الرسالات.
стр. 2349
تفسير سورة الزخرف
عربية القرآن وموقف قريش منه
لم يدع الحق عائقا أمام العرب لإيمانهم بالقرآن ونبوة محمد ﷺ ، فجعل القرآن بلسانهم العربي، وأخبرهم بأنه من كلام الله تعالى ومن عنده، لا من عند محمد ﵇، ولم يتركهم الله من دون إنذار أو تذكير، ولو كانوا مسرفين في الملذات والإنكار والتكذيب، عاكفين على الشرك، وحذرهم من تكذيب النبي ﷺ ، كما فعل الذين من قبلهم، وظلوا مستهزئين بنبيهم ومكذبين له، فأهلكهم الله تعالى ودمّرهم، فعليهم أن يعتبروا بما حدث لأمثالهم، وهذا ما تضمنته الآيات الآتية في مطلع سورة الزخرف المكية بالإجماع:
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)
«١» «٢» [الزخرف: ٤٣/ ١- ٨] .
افتتحت السورة بالأحرف الهجائية: (حم) للتنبيه على خطر ما يأتي في هذه السورة، ولتحدي العرب بالإتيان افتراء بمثل أقصر سورة من القرآن ذات الموضوع الواحد، لأنه بلغتهم ومن أصول مادة كلامهم. لذا كان الغالب بعد هذه الأحرف
стр. 2350
الكلام عن القرآن، وقد أقسم الله تعالى بالقرآن البيّن الواضح، الجلي المعاني، الذي أبان طريق الهدى والنور.
فكلمة (المبين) إما من (أبان) أي ظهر، فلا يحتاج إلى مفعول، وإما من (بان) وهذا يحتاج إلى مفعول تقديره: المبين الهدى والشرع ونحوه.
ومن أجل إفهام العرب وتدبر معانيه، جعلناه منزلا بلسان عربي فصيح واضح، لتتعقلوا آياته، فلا يعسر فهمها وإدراكها، والتعرف على أسرارها وإعجازها، وجعلناه بلسانكم لئلا يبقى لكم عذر، وهذا هو المقصود من قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فهو ترجّ بحسب معتقد البشر، فمن تدبّر الآيات يرجى منه أن يعقل ويفهم الكلام. وأم الكتاب: اللوح المحفوظ، فإنه أصل جميع الكتب السماوية، وفي هذا تشريف للقرآن وترفيع.
وإن هذا القرآن عند الله رفيع القدر، عالي الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك، ومحكم النظم، لا لبس فيه، ولا اختلاف أو تناقض، كما جاء في آية أخرى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: ٥/ ٤٨] . وآية: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٤/ ٨٢] .
وهل نترككم أيها العرب وغيركم من غير تذكير، ولا وعظ، ولا أمر ولا نهي، لأنكم مسرفون في الإنكار والتكذيب؟ أو أنهملكم ونبعد الذكر عنكم، ونمسك عن إنزال القرآن لكم، لأنكم تجاوزتم الحدود المعقولة في أعمالكم؟ وقوله تعالى:
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً صفحا: مصدر، مفعول مطلق لنضرب من غير لفظه، مثل: قعدت جلوسا.