التوراة هادية لقوم موسى بالشرائع والأحكام، وأورث الله بني إسرائيل التوراة، فهو إمام ونبراس لهم، وهداية وإرشاد، وتذكير لأهل العقول السديدة بما فيها من أحكام، فكأن بعضهم يرث التوراة عن بعض.
وإذا كان النصر مقررا في النهاية للرسل وأتباعهم، فاصبر أيها الرسول محمد على أذى المشركين، كما صبر الذين من قبلك من المرسلين، فإن عاقبة الصبر خير، ووعد الله بالنصر حق ثابت لا يخلفه أبدا، ودوام على الاستغفار لذنبك، من ترك الأولى والأفضل، أو أن المراد أمته، أي إنه إذا أمر هو بالاستغفار فغيره أولى، وستكون عاقبة أمرك كعاقبة أمر موسى، ونزّه الله تعالى عن كل شريك ونقص، مقترنا تسبيحك بحمد الله وشكره، على الدوام، في أوائل النهار وأواخره.
أسباب المجادلة في آيات الله وتفنيدها
يلجأ بعض المتشككين إلى الجدل في آيات الله، بقصد التشكيك ومحاولة الدفاع عن الباطل، بغير حجة مقبولة، ولا برهان سليم، وقد يكون الجدل حول إنكار البعث والقيامة، كشأن الماديين الملحدين، ويتعامى هؤلاء جميعا عن حقائق الأشياء وأسباب وجودها، وعن الأدلة الكونية الدالة على ضرورة الإيمان بوجود الله وقدرته وحكمته، وقد ذكر الله تعالى في الآيات الآتية عشرة أدلة على وجوده ووحدانيته وقدرته، لإثبات وجود القيامة، منها: خلق السماوات والأرض، فلا يوجد شيء بالصدفة بدون موجد، ومنها تعاقب الليل والنهار، وجعل الأرض قرارا والسماء بناء، وخلق الإنسان في أحسن صورة، ورزقه من الطيبات، واتصاف الله تعالى بالحياة الأبدية الذاتية والوحدانية، وهذا ما تضمنته الآيات الآتية بمناسبة الأمر بعبادة الله وطاعته:
стр. 2277
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٥٦ الى ٦٥]
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)
«١» «٢» «٣» [غافر: ٤٠/ ٥٦- ٦٥] .
أخبر الله تعالى عن أولئك المشركين الكفرة الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان، وهم يريدون بذلك طمسها، أنهم ليسوا على شيء فلا حجة لهم ولا سلطان أو برهان مقبولا لهم، ليس في صدورهم وضمائرهم إلا التكبر والتعاظم عن قبول الحق، وحسد النبي محمد ﷺ على ما آتاه الله من الفضل والنبوة، ولا يستطيعون بلوغ آمالهم بسبب ذلك الكبر، ولا محققي إرادتهم في أن تكون لهم الرياسة والنبوة بعد النبي ﷺ فاستعذ بالله أيها النبي والتجأ إليه في كل أمورك، من كل
стр. 2278
مستعاذ منه، ومن شرورهم، لأن الله يسمع أقوالك وأقوال مخالفيك، وهو بصير بمقاصدهم ونياتهم، ومجاز كل واحد بما استوجبه.
ثم وبخ الله تعالى هؤلاء الكفار المتكبرين على ضلالهم، وذكّرهم بعظمته وقدرته، بأدلة كثيرة، منها أن خلق السماوات والأرض وما فيهما أكبر بكثير من خلق الناس، بدءا وإعادة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بعظيم قدرة الله، ولا يتأملون بهذه الحجة الدامغة الدالة على قدرة الله تعالى.
ومثل المجادل بالباطل في مواجهة المحق والمتفكر والمتعظ كمثل الأعمى والبصير، ولا يتساوى الاثنان، فلا يتساوى المجادل بالباطل أو الكافر الذي لا يتأمل بآيات الله الكونية، ولا المجادل بالحق أو المؤمن الذي يتفكر في آيات الله ويتعظ بها.
وكذلك لا يستوي المحسن بالإيمان والذي يعمل الصالحات من أداء الفرائض والطاعات، والمسيء بالكفر والعاصي الذي يغفل دور الآيات ويتنكر للطاعات، فما أقل ما يتذكر كثير من الناس ويتعظ بهذه الأمثال! ثم أخبر الله تعالى عن وقوع القيامة حتما، فإن يوم القيامة آت لا ريب في مجيئه ووقوعه، فآمنوا أيها الناس به إيمانا قاطعا، لا شك فيه، ولكن مع الأسف أكثر الناس لا يؤمنون ولا يصدقون بالآخرة.
وطريق النجاة في الآخرة واضح وهو طاعة الله وعبادته، وقال الله: من دعاه أجابه، فالدعاء مخ العبادة، وإن الذين يتكبرون ويتعاظمون عن دعاء الله وعبادته وحده، سيدخلون حتما جهنم صاغرين أذلاء.
ومن أدلة قدرة الله على البعث وغيره: أنه سبحانه أوجد تعاقب الليل والنهار وجعل الليل للسكن والهدوء والراحة، وجعل النهار مضيئا منوّرا لإبصار الحوائج، وطلب المعايش، ومزاولة الصناعة والتجارة والزراعة وغيرها من الحرف والمهارات
стр. 2279
والخبرات، وإن الله تعالى بهذه النعمة وغيرها هو المتفضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون النعم.
والله وحده هو الرب المتصرف في كل شيء المدبر لكل أمر، خالق الأشياء كلها، لا إله ولا معبود في الوجود غيره، فكيف تصرفون أيها المشركون عن عبادته؟! ومثل هذا الانصراف عن عبادة الله، يصرف الجاحدون بآيات الله، المنكرون توحيده.
والله هو الذي جعل الأرض محل استقرار وثبات، والسماء مبنية بناء محكما لا خلل فيه، ولا يتهدم ولا يتصدع، وخلق الناس في أحسن صورة، وأجمل نظام وتقويم، ورزقهم من طيبات الرزق ولذائذه، ذلكم المتصف بهذه الصفات الجليلة:
هو الله رب العالمين من الإنس والجن، المنزه عن جميع النقائص. والله هو الحي الباقي الدائم الذي لا إله غيره، فاعبدوه مخلصين له الطاعة والعبادة، موحدين له، صاحب الحمد، المستحق للشكر والثناء، رب العالمين من الملائكة والإنس والجن.
النهي عن عبادة غير الله
حاول المشركون الوثنيون في مكة استمالة النبي ﷺ لمنهاجهم، وتخفيف حملاته على دين الآباء والأجداد، والتوصل إلى أوساط الحلول.
فقال الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة- فيما رواه جويبر عن ابن عباس-: يا محمد، ارجع عما تقول بدين آبائك، فأنزل الله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية.
قررت هذه الآية الكريمة النهي الشديد عن عبادة الأصنام والأوثان، وبيّنت الآيات الآتية بعدها سبب النهي: وهو البينات التي جاءت النبي ﷺ من ربه، من دلائل الآفاق والأنفس، قال الله تعالى واصفا ذلك:
стр. 2280
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٦ الى ٦٨]
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)
«١» [غافر: ٤٠/ ٦٦- ٦٨] .
جاءت هذه الآيات الشريفة بعد بيان صفات الله تعالى، بأنه الحي القيوم، وذلك يقتضي فساد حال الأصنام، وأنها موات جماد هامدة، ليس فيها شيء من صفات الله تعالى، التي منها صدور الأمر من لدنه، وإيجاد الأشياء، وتدبير الأمر كله، وعلمه بالكل، مما يدل دلالة قاطعة على أنه حي لا إله إلا هو.
أمر الله تعالى نبيه ﷺ بعد هذا: أن يصدع بأنه نهي عن عبادة الأصنام التي عبدها الكفار من دون الله ، وأمر بعدها بالإسلام الذي هو الإيمان والأعمال.
قل أيها الرسول لمشركي قومك المكيين: إن الله تعالى ينهاني عن عبادة أحد من غير الله تعالى من الأصنام والأنداد والأوثان، حين جاءتني الأدلة القاطعة من آي القرآن والبراهين العقلية الدالة على التوحيد، وأمرت بالإسلام لله والانقياد لأوامره، وإخلاص الدين له، وإعلان الإيمان وأداء الأعمال المفروضة، والاستسلام لرب العالمين من إنس وجن، والخضوع له بالطاعة، والرضا بما أمر ونهى.
ثم ذكر الله تعالى أربعة أدلة من دلائل الآفاق والأنفس تدل على وحدانية الله وهي:
стр. 2281
أولا- إن الله تعالى خلق أبا الإنسانية الأول آدم ﵇ من التراب، وجعل ذريته أيضا من تراب، لأن كل مخلوق من المني ناشئ من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء من النبات، والنبات من الماء والتراب، فكان كل إنسان متكونا من التراب، ثم تكاثر النوع الإنساني بما هو معروف من النطفة المنوية، ثم من العلقة (قطعة الدم المتماسكة) ثم من المضغة (قطعة اللحم المتجمدة) ثم ينفخ فيها الروح، ويتم ولادة الأطفال، ثم يبلغ الولد مرحلة النضج واكتمال العقل والقوة: وهي بلوغ الأشدّ، ثم الصيرورة إلى مرحلة الشيخوخة والهرم، وقد يتوفى الله بعض الناس قبل مرحلة الشيخوخة، إما في الكهولة أو الشباب أو الطفولة، وكل هذه المراحل ليتوصل كل إنسان إلى أجله المحدود المقدّر له: وهو وقت الموت، ثم وقت القيامة، ولعلكم أيها الناس تفكرون في هذه المراحل، وتدركون ما تتطلبه كل مرحلة من عناية إلهية.
وقوله تعالى بعد سرد مراحل أو أطوار الخلق الإنساني: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى يراد به: هذه الأصناف كلها مخلوقة ميسرة من الله، ليبلغ كل واحد منها أجلا مسمى لا يتعداه ولا يتخطاه، وليكون معتبرا متعظا، ولعلكم أيها البشر تعقلون الحقائق إذا نظرتم في هذا، وتدبرتم حكمة الله فيه، ففي هذا الانتقال والتدرج أو التطور في الخلق دلالة على وجود الله تعالى.
ثانيا- أي الدليل الثاني- أن الله هو القادر على الإحياء والإماتة، فالله وحده هو الذي يحيي المخلوقات ويميتها، وهو المتفرد بذلك، فإذا قضى وقدر أمرا يريد إنفاذه وإيجاده، وإخراج المخلوق من العدم، فإنما يقول له كُنْ فيكون ويوجد، من غير توقف على شيء آخر، ولا معاناة ولا كلفة، أي إن كل مخلوق يوجد بإرادة الله وحده، مما يدل على وجوده سبحانه.
стр. 2282
فقوله تعالى: فَإِذا قَضى أَمْراً يراد به إنفاذ الإيجاد وإظهار المخلوق، وإيجاد الموجودات هو بالقدرة الإلهية، واقتران الأمر بالقدرة: هو عظمة في الملك، وإظهار للقدرة، وتخضيع للمخلوقات. وبه يتبين أن إيجاد المخلوق يعتمد على أمرين: الأمر الالهي بالإيجاد، وتلبّس القدرة الالهية بإيجاده وإظهاره، لا قبل ذلك، ففي حال العدم لا يظهر الشيء إذ لا يوجد الأمر، ولا شي بعد الإيجاد، لأن ما هو كائن، لا يقال له: كن.
جزاء المجادلين بالباطل
الحياة الإنسانية إما أن تزدان وتسمو بمواقف الحق والجرأة والإيمان، وإما أن تهبط وتنحدر بمواقف الباطل والكفر والخذلان، والناس بين هذين الموقفين في مرصد التاريخ، فإن كانوا من أصحاب الموقف الأول، خلّد التاريخ ذكرهم، وكانوا أسوة الأجيال، وإن كانوا من أصحاب الموقف الثاني طواهم التاريخ، ولم يذكروا إلا للعبرة والشماتة، وهكذا كان المعارضون لدعوة النبي ﵌ ورسالته عبرة للتاريخ، فإنهم جادلوا بالباطل في شأن الرسالة النبوية والكتاب الذي جاء به، وكذبوا بهما، فاستحقوا ويلات العذاب، كما تصف هذه الآيات الشريفة:
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٩ الى ٧٨]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)
مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)
«١» «٢» «٣»
стр. 2283
«١» [غافر: ٤٠/ ٦٩- ٧٨] .
هذا موقف المعاندين أهل الباطل، فانظر إلى هؤلاء المجادلين في آيات الله الواضحة والدالة على الإيمان، والإقرار بالوحدانية والبعث، كيف يصرفون عنها ويتركون الهدى إلى الضلال؟
إنهم هم الذين كذّبوا بالقرآن، وبرسالات الرسل الداعية إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله، والشرائع الصالحة لحياة الإنسان، فسوف يعلمون مصائرهم الوخيمة وعواقب السوء المترتبة على مواقفهم.
إنهم سوف يعلمون حين تجعل القيود في أعناقهم، ويسحبون بالسلاسل في الحميم: وهو الماء المتناهي في الحرارة، فيحرقون ظاهرا وباطنا.
ثم يقال لهم من الملائكة توبيخا وتقريعا: أين الأصنام والشركاء التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ قالوا مجيبين: لقد غابوا عنا وذهبوا فلم ينفعونا، بل في الواقع تبينا أننا لم نكن نعبد شيئا له قيمة وجدوى أو نفع، ومثل ذلك الضلال، يضل الله الكافرين على ممر الزمان، حيث أوصلتهم إلى النار، بضلالهم وتركهم سادرين في هذا الضلال، وعلى هذا اللون من الاختلاط وبيان فساد الذهن والنظر، وهذا
стр. 2284
الترتيب، بكشف الحقائق ومصادقة الواقع، واضطراب الأقوال، واللجوء إلى الكذب، فيقولون: بل لم نكن نعبد شيئا.
وذلكم العذاب اللاحق بهم، والإضلال بتركهم في ضلالهم، بسبب ما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي الله، والابتهاج بمخالفة الرسل والكتب الإلهية، وبسبب موقف البطر والأشر والتكبر، فهذا جزاء الشرك والوثنية. وجزاؤكم أيها المشركون الإدخال في أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم، المؤدية إلى طبقاتها ودركاتها، كما جاء في آية أخرى: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) [الحجر: ١٥/ ٤٤] .
فبئس موضع الإقامة والمأوى الذي فيه الهوان والتعذيب لمن تكبر عن آيات الله وبراهينه القاطعة. ثم آنس الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ووعده بالنصر بقوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي اصبر أيها النبي على تكذيب قومك، فإن وعد الله بالنصر عليهم وإظهار أمرك ودعوتك والانتقام منهم كائن واقع لا محالة، إما في حياتك حيث تراه وتقرّ به عينك، وإما بعد موتك، حيث يصيرون ويرجعون إلى أمرنا وتعذيبنا.
أي إما أن نرينك في حال حياتك بعض ما وعدناهم به من العذاب، كالقتل، والأسر يوم بدر وغيره، وذلك بعض ما يستحقونه، وإما أن نتوفينك قبل إنزال العذاب بهم، فإلينا مصيرهم يوم القيامة. وهذا كما جاء في آية أخرى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) [الزخوف:
٤٣/ ٤١- ٤٢] .
ثم رد الله على العرب الذين قالوا: إن الله تعالى لا يبعث بشرا رسولا، واستبعدوا ذلك، فلقد أرسلنا رسلا وأنبياء كثيرين، من قبلك أيها النبي الرسول، إلى أقوامهم، منهم من أخبرناك بأخبارهم، وهم أربعة وعشرون، ومنهم من لم
стр. 2285
نخبرك عنهم شيئا، ولم يكن لرسول من الرسل الإتيان لقومه بمعجزة خارقة للعادة إلا بأمر أو إذن من الله له في ذلك، فإذا حان وقت العذاب في الدنيا أو الآخرة، قضي بالعدل فيما بينهم، وخسر كل مبطل، وحصل على فساد آخرته. فتكون الآية توعدا لهم، أو إذا أراد الله إرسال رسول وبعثة نبي، قضى الله ذلك، وأنفذه بالحق، وخسر المبطلون، فتكون الآية على هذا التأويل ردا على قريش في إنكارهم أمر محمد ﷺ .
نعم الله وتهديد أهل الجدل بالباطل
لا يمكن لأحد في العالم عنده مسكة من عقل أن ينكر فضل الله ونعمه على الناس، لأن الواقع المشاهد حجة دامغة، ولا يستطيع أحد إنكاره أو تجاوزه، وما أكثر الأدلة الحسية الميدانية من التاريخ في تعذيب المبطلين المكابرين بالمجادلين في آيات الله تعالى، لذا كان تحدي الواقع سببا موجبا للتهديد بالعذاب، وإيقاعه على أولئك المعاندين المغترين بدنياهم، المستهزئين بآيات الله، وإذا وقع العذاب، حدث الندم الشديد، ولم ينفع الإيمان والاعتذار في ذلك الوقت، كما تصور هذه الآيات:
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٧٩ الى ٨٥]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)
«١» «٢» «٣»
стр. 2286
[غافر: ٤٠/ ٧٩- ٨٥] .
هذه آيات للعبر، وتعداد النعم، والاحتكام للواقع المشاهد، فالله تعالى جعل لكم أيها البشر الأنعام وهي الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والغنم والمعز. فبعضها في الغالب للركوب كالإبل، وبعضها للأكل وحرث الأرض عليها كالبقر، وبعضها للأكل وشرب اللبن كالغنم، وكلها تتكاثر وتتوالد، ويستفاد من أصوافها وأوبارها.
فكلمة (منها) الأولى في قوله لِتَرْكَبُوا مِنْها للتبعيض لأن المركوب منها هو الإبل خاصة، وكلمة (منها) الثانية وَمِنْها تَأْكُلُونَ لبيان الجنس، لأن الجميع منها يؤكل، ولكم أيها البشر في الأنعام منافع أخرى غير الركوب والأكل من صوف وشعر ووبر، وزبد وسمن، وجبن وغير ذلك، ولحمل الأثقال على بعضها إلى البلاد النائية بيسر وسهولة، وعلى الإبل وغيرها في البر، وعلى السفن في البحر، تحملون وتنقلون من بلد إلى آخر.
والله تعالى يريكم أيها الناس عيانا هذه الآيات والبراهين في الآفاق والأنفس، والتي هي كلها ظاهرة دالة على كمال قدرته ووحدانيته، مما لا سبيل لإنكاره، فأي آية من آياته الباهرة تنكرون؟ إنها كلها مشاهدة مرئية، لا تستطيعون إنكارها، ففي كل شيء له آية تدل على وحدانيته، لذا فإنكم على سبيل التوبيخ كيف تنكرون آية منها؟
ثم احتج الله تعالى على قريش بما يظهر في الأمم السالفة من نقمات الله، مع أنهم كانوا أكثر عددا، وأشد قوة أبدان وممالك، وأعظم آثارا في المباني والأفعال من قريش والعرب. أفلم يسر هؤلاء المشركون المجادلون بالباطل في آيات الله، فينظروا في أسفارهم كيف كان مصير الأمم السابقة التي عصت الله تعالى، وكذّبت رسلها،
стр. 2287
ويشاهدوا آثارهم القائمة في ديارهم نتيجة العقاب والتعذيب، مع أنهم كانوا أكثر من مشركي قريش عددا، وأقوى منهم أجسادا، وأوسع منهم أموالا، وأبقى في الأرض آثارا بالمباني والقصور والحصون والمزارع والسدود، فلما حلّ بهم العذاب، لم ينفعهم مالهم ولا أولادهم، ولا أغنى عنهم كسبهم ولا حالهم شيئا، حين جاءهم عذاب الله وأخذه.
فلما جاءت الرسل بالحجج والبراهين الواضحة الدالة على صدق نبوتهم ورسالتهم، أعرضوا عنهم، ولم يلتفتوا إليهم، وفرحوا بما لديهم من العلوم والمعارف، وهي الشبهات والضلالات الزائفة التي ظنوها علما نافعا، وأحاط بهم العذاب من كل جانب، ونزل بهم من العذاب الذي كذبوا به ما كانوا يستبعدون وقوعه، استهزاء وسخرية. وهذا كقوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: ٣٠/ ٧] .
ثم أخبر الله تعالى عن حالة بعض أولئك المعذبين الذين آمنوا بعد تلبّس العذاب بهم فلم ينفعهم ذلك. إنهم حينما عاينوا وقوع العذاب بهم، صدقوا بالله ووحّدوه، وكفروا بمعبوداتهم الباطلة التي اتخذوها شركاء لله، وهي الأصنام، فلم ينفعهم إيمانهم شيئا عند معاينة العذاب وشدة الانتقام، لأنه إيمان اليأس والإلجاء والقهر، فهو إيمان قسري عن إكراه فلا يقبل، لأنه في تلك الحال لا يبقى مجال للتكليف وقبول الإيمان.
ثم ذكر الله تعالى حكمه العام في الأمم، وهو أن هذا العذاب هو حكم الله وطريقته في جميع من تاب عند معاينة العذاب بأنه لا يقبل، وخسر الكافرون وقت رؤيتهم بأس الله ومعاينتهم لعذابه، والكافر خاسر في كل وقت، ولكن يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.
стр. 2288
تفسير سورة فصلت أو السجدة
موقف المشركين من القرآن
عارض المشركون المكيون النبي والقرآن معارضة شديدة، اتسمت بالعناد والاستهزاء والتحدي، فاستحقوا التهديد بقواصف العذاب، وصواعق العقاب، يتبين ذلك من سبب نزول أوائل سورة فصّلت أو سجدة المؤمن، أو المصابيح، التي هي مكية بإجماع المفسرين،
يروى أن عقبة بن ربيعة ذهب إلى رسول الله ﷺ ليبيّن له أمر مخالفته لقومه، وليحتجّ عليه فيما بينه وبينه، وليبعد ما جاء به، فلما تكلم عتبة، قرأ رسول الله ﷺ حم (١) ومرّ في صدر هذه السورة، حتى انتهى إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) فأرعد الشيخ، وقفّ شعره «١» ، وأمسك على فم رسول الله ﷺ بيده، وناشده بالرّحم أن يمسك، وقال حين فارقه: «والله لقد سمعت شيئا ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة، ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي» .
وهذه هي بداية هذه السورة:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)
«٢» «٣»
стр. 2289
[فصلت: ٤١/ ١- ٨] .
افتتحت السورة بالحروف المقطعة: حم (١) للتنبيه ولفت النظر لما يعرض فيها، وتحدي العرب بإعجاز القرآن المتكون من الحروف العربية الأبجدية أو الهجائية، وتقترن هذه الحروف عادة بالكلام عن القرآن، للدلالة على الصلة بينه وبين مكوناته العربية، وذكر هنا أن القرآن الكريم منزل من الله تعالى المتصف بالرحمة الواسعة والدقيقة، فقوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتا رجاء ورحمة لله تعالى.
وهذا الكتاب فصلت آياته، أي بيّنت بيانا كافيا، وفسّرت معانيه، وتميز حلاله وحرامه، وزجره وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وأنزله الله كتابا مقروءا باللغة العربية، موضحا لقوم يعلمون أن القرآن منزل من عند الله، ويعلمون معانيه لنزوله بلغتهم، ويعلمون الأشياء، ويعقلون الدلائل ويتأملون بنظر ثاقب بمشتملاته.
وهذا القرآن الذي أنزله الله يبشر المؤمنين بالجنة لاتباعهم له، وينذر الكافرين بالنار لمخالفتهم أحكامه، ولكن أكثر الكافرين أعرضوا عما اشتمل عليه، من الإنذارات والبشائر، لأسباب ثلاثة وهي:
- إنهم قالوا: قلوبنا في أغطية تحجز ما بيننا وبينه، وفي آذاننا صمم، أو ثقل سمع يمنعها من استماعه، ومن بيننا وبينك ساتر يستر عنا رؤيتك، ويمنعنا من إجابتك ودعوتك، فالحجاب: هو مخالفة النبي إياهم، ودعوته إلى الله تعالى دون أصنامهم، هذه الحواجز الثلاثة تمنعنا من قبول دعوة النبي، فاعمل على دينك وطريقتك، إننا عاملون على ديننا وطريقتنا، ولا نتبعك. فقوله تعالى: فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ يحتمل أن يكون القول تهديدا، ويحتمل أن يكون متاركة محضة. ثم أمر الله نبيه أن يصدع أو
стр. 2290
يجهر بتبليغ التوحيد والرسالة الإلهية: فقل أيها الرسول مجيبا قومك: ما أنا إلا بشر كواحد منكم، لولا نزول الوحي علي، وخلاصة هذا الوحي: العلم والعمل، أما العلم: فأساسه معرفة توحيد الله، لأن الله تعالى بدليل خلق الكون وتسييره واحد لا شريك له، فاستقيموا إليه على محجة الهدى وطريق الشرع والتوحيد، بالعمل الصالح والعبادة الخالصة له، واستغفروه من الذنوب السابقة، وأولها الشرك بالله تعالى.
ثم هدد الله المشركين على موقفهم المعارض، والمناوئ لدعوة التوحيد والحق، ومضمون التهديد والوعيد: ويل: كلمة تهديد أو واد في جهنم، للمشركين الذين أشركوا مع الله إلها آخر، ولا يؤدون الزكاة للمحتاجين لكراهيتهم الناس، وهم جاحدون بالآخرة، منكرون لها. والزكاة: للمحاجين لكراهيتهم الناس، وهم جاحدون بالآخرة، منكرون لها. والزكاة: المال فهي قنطرة الإسلام، وذلك بالمعنى العام للزكاة، وإما زكاة النفس وهي (لا إله إلا الله) أساس التوحيد، وهذا رأي الجمهور، كما في قول موسى لفرعون: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ٧٩/ ١٨] .
ويرجح هذا التأويل أن الآية من أوائل السور المكية، وزكاة المال نزلت بالمدينة، فهي زكاة القلب والبدن، أي تطهيرهما من الشرك والمعاصي.
وبعد تهديد المشركين، وعد الله المؤمنين بالنجاة، وذكر الله حالة الذين آمنوا لمقارنتها بحال الكفار المذكورين، ليتبين الفرق. فالذين صدقوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمر الله تعالى وانتهوا عما نهى عنه، لهم عند ربهم ثواب غير منقوص أو مقطوع، أو لا يشتمل على المنّ والأذى، فهو من جهة الله تشريف لا منّ فيه، أما أعطيات البشر: فهي التي يدخلها المنّ.
وقال السدّي: نزلت هذه الآية في المرضى والزّمنى (المرضى مرضا يدوم طويلا) إذا عجزوا عن إكمال الطاعات، كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
стр. 2291
التوبيخ على الكفر
في مناسبات قرآنية كثيرة، أورد الله تعالى بعض الأدلة على وجوده وتوحيده، وكمال قدرته وحكمته، ومن أهم هذه الأدلة: خلق السماوات والأرض وتقديرها في مدة قليلة، وأتبع ذلك في بعض الآيات كما هنا توبيخ المشركين على كفرهم بخالق الأرض والسماء ومخترعهما، لذا فإنه آن للبشرية أن ينتهي الشرك من ساحتها.
ويتخلصوا من العقائد الباطلة، والموروثات الزائفة حتى في عصرنا الحاضر، وهذا ما تضمنته هذه الآيات الكريمة الآتية:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٩ الى ١٢]
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)
«١» «٢» «٣» [فصلت: ٤١/ ٩- ١٢] .
قل أيها النبيّ لقومك المشركين على سبيل التوبيخ والتقريع: كيف تكفرون بالله الذي خلق الأرض في مقدار يومين، وتجعلون له شركاء من الملائكة والجن، والأصنام والأوثان، فذلك الخالق المبدع: هو رب العالمين كلّهم من إنس وجن، وهو مالكهم وخالقهم ومدبّرهم.
والحكمة في خلق هذه المخلوقات في مدة ممتدة، مع قدرته على إيجادها في لحظة واحدة: هي إظهار القدرة في ترتيب ذلك، حسب شرف الإيجاد أولا فأولا، وقال قوم: ليعلّم عباده التأني في الأمور والمهل.
стр. 2292
ورتّب الله تعالى أوضاع الأرض لتصلح للعيش عليها، بإيجاد ثلاثة أنواع فيها، وهي إيجاد الجبال الثوابت فيها، لتحقيق الاستقرار والتوازن على سطحها، وحفظها من الاضطراب، ولتخزين المياه والمعادن في باطنها، والإرشاد للطرق في جنباتها، وحفظ الهواء والسحاب لها. ثم جعل الله الأرض مباركة كثيرة الخير، بما أودع فيها من مصادر الثروة المعدنية والمائية والزراعية، وقدّر الله فيها أرزاق أهل الأرض وأقواتهم، وما يصلح لمعاشهم من الأشجار والمنافع، وأتم الله تعالى معايش أهل الأرض في غضون أربعة أيام، مع اليومين المتقدمين للخلق والإبداع، وهذا كما تقول: بنيت جدار داري في يوم، وأكملت جميعها في يومين، أي بالأول، وجعل الله ذلك الخلق في أربعة أيام، مستوية استواء، بلا نقصان ولا زيادة، ومستغرقة بالأعمال، لأجل إجابة سؤال السائلين عن الأمر، والاستفهام عن حقيقة وقوعه، والطالبين ما ينتفعون به، فهم في حكم من سأل هذه الأشياء، إذ هم بحال حاجة إليها.
وكلمة (سواء) مثل كلمة (عدل) ترد على المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث. وهي مصدر مؤكّد لمضمر هو صفة لأيام، أي استوت استواء أو سواء.
ثم عمد الله وقصد بقدرته واختراعه إلى خلق السماوات وإيجادها، حسبما تقتضي الحكمة الإلهية، فقال للأرض وللسماء: كونا مخلوقتين منقادتين، خاضعتين للأمر الإلهي، طائعتين أو مكرهتين، فاستجابتا، وقالتا بلسان الحال أو المقال: أتينا ووجدنا طائعين، أي ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف. وبه يتبين أن الله تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء بعدها، ثم بعد السماء، دحا الأرض، أي بسطها بحسب نظرنا، وهذا توفيق بين هذه الآية، وآية: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: ٧٩/ ٣٠] .
ثم ذكر الله كيفية تكوين السماوات، وهو أنه تعالى أتم خلق السماوات السبع وأحكمهن، وفرغ منهن في مقدار يومين، فأصبح خلق السماوات والأرض في مقدار
стр. 2293
أيام ستة، كما جاء في آية أخرى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف:
٧/ ٥٤] وغيرها، قال مجاهد: ويوم من الأيام الستة كألف سنة مما تعدّون، والراجح أن هذه الأيام مثل أيام الدنيا.
وأوحى الله في كل سماء أمرها، أي جعل فيها النظام الذي تجري عليه الأمور فيها، وزيّن سماء الدنيا بكواكب منيرة مضيئة، مشرقة على أهل الأرض، متلألئة كالمصابيح، وجعل المصابيح زينة، وحفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع، ومن الاضطراب في سيرها، ومن اصطدام بعضها ببعض، ذلك النظام البديع هو من ترتيب الله القادر على صنع كل شيء، القاهر كل شيء، والعليم علما تاما بمصالح الخلق وحركاتهم وسكناتهم جميعها.
تهديد المشركين بعذاب الدنيا
لم يترك القرآن الكريم وسيلة في خطاب المشركين لإقناعهم بوحدانية الله تعالى، وترك عبادة الأصنام إلا سلكها، ونوّع في عرضها، وأبان ما ينبغي أن يكون عليه العقلاء والسعداء في وجوب المبادرة إلى سماع النصيحة، والإقلاع عن عادة الوثنية وسلوكياتها الضالة، وطرقها الوعرة، وما يترتب عليها من خرافات وأساطير، وحينما لم تجد معهم وسائل الإقناع والنقاش، أنذرهم القرآن الكريم بالتعرض لأشد ويلات العذاب وألوان العقاب، مثل الذي أنزله الله بالأمم السابقة العاتية، كما تبين هذه الآيات الشريفة:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٣ الى ١٨]
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)
«١»
стр. 2294
«١» «٢» «٣» [فصلت: ٤١/ ١٣- ١٨] .
هذه الآيات من أشد الإنذارات الإلهية لعبدة الأوثان في مكة حين نزول الوحي، ومضمونها: فإن أعرضت قريش والعرب الذين دعوتهم أيها النبي إلى توحيد الله تعالى، عن الإيمان برسالتك وعن هذه الآيات البيّنات، فأعلمهم بأنك تحذرهم من إصابتهم بمثل العذاب الذي أصاب الأمم التي كذبت، كما يكذّبون الآن، وأنهم سيتعرضون لصواعق العقاب والهلاك، كما حدث لعاد قوم هود، وثمود قوم صالح.
وذلك حين أتتهم الرسل المتقدمون في الزمان وبعد اكتمال أعمارهم، والذين بلّغوهم رسالات الله، وأمروهم بعبادة ربهم وحده لا شريك له، فكذبوهم وقالوا لرسلهم: لو شاء ربنا إرسال الرسل، لأرسل إلينا ملائكة، لا بشرا مثلنا، فإنا بما أرسلتم به أيها الرسل جاحدون منكرون، فلا نتبعكم. وقوله تعالى: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أي تقدموا في الزمان، وقوله: وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي بعد اكتمال أعمارهم، وتقدم وجودهم في الزمن.
ثم فصّل الله تعالى ما حل بقوم عاد وثمود، فأما قوم عاد في الأحقاف في شمال حضرموت من اليمن، فإنهم طلبوا وآثروا ساحة التكبر ووضعوا أنفسهم فيه بغير حق، بل بالكفر والمعاصي، واغتروا بأجسادهم والنعم عليهم، وقالوا: لا أحد
стр. 2295
أقوى منا حتى يقهرنا، فرد الله عليهم على سبيل التوبيخ: أولم يعلموا، ويتفكروا أن خالقهم الذي أوجدهم هو أشد منهم قوة، فإنه الموجد للشيء، المذهب متى شاء، وكانوا جاحدين آيات الله، فعصوا الرسل، وأنكروا معجزاتهم وأدلتهم القاطعة المعدّة للنظر والتأمل، والمنزّلة من عند الله تعالى.
وعقابهم أن الله تعالى أرسل عليهم ريحا شديدة التأثير بصوتها، وشديدة البرد والحر، في بضعة أيام مشؤومات متتابعات، لإذاقتهم عذاب الذل والهوان في الدنيا، وعذاب الآخرة أشد إهانة وإذلالا من عذاب الدنيا، وهم لا يجدون ناصرا ينصرهم، ولا دافعا يدفع عنهم العذاب.
وأما قبيلة ثمود في شمال الحجاز نحو الشام إلى وادي القرى، فبيّن الله لهم طريق الحق والهدى والنجاة، فآثروا العمى، أي اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا العصيان على الطاعة، وكذّبوا رسولهم، وعقروا الناقة معجزة صالح ﵇، فأصابهم العذاب الشديد المهلك المهين، بسبب تكسبهم وجناية أيديهم: وهو التكذيب للرّسل، وجحود رسالاتهم.
وأنقذ الله تعالى من العذاب صالحا ﵇ ومن آمن معه برسالته، وكانوا متّقين ربهم، بأداء فرائضه، وترك معاصيه، لم يمسّهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر أو مكروه.
وهذا الإخبار عن مصائر الكافرين الجاحدين من عذاب الهوان والإذلال، وعاقبة من آمن واتقى ونجا بإيمانه، ليبين الله الفرق، ويظهر الشيء ويتميز بضده.
ألم يكف هؤلاء المشركين إنذار الله تعالى بسوء العذاب، ألم يفكروا بسوء المصير، ويوازنوا بينه وبين مصير المؤمنين؟! ولكن القوم كانوا عمي البصيرة، أخذتهم العزة بالإثم، ولم يتفادوا العقاب الإلهي.
стр. 2296
تهديد الكفار بعذاب الآخرة
لم يقتصر القرآن الكريم على تهديد الكافرين والمشركين بعذاب الهوان والإذلال في الدنيا، وإنما جاء التهديد فيه بعذاب القيامة الذي هو أشد وأنكى، وأدوم وأبقى، ووصف الله هؤلاء المهددين بأنهم أعداء الله، أي الكفار المخالفون لأمره، وذلك ليكون التهديد أتم في الزجر والتحذير، وحمل المعادي على الصلاح والاستقامة، والرشد والهداية، ومن هدّد أو أنذر فقد أعذر، ولم يبق مجال للوم والندم، ومحاولة العدول عن الشر والضلال، في يوم لا ينفع فيه الندم، ولا يقبل فيه الإيمان والصلاح، وهذا ما أبانته الآيات الشريفة:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٩ الى ٢٥]
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [فصلت: ٤١/ ١٩- ٢٥] .
المعنى: واذكر أيها النبي لقريش حال جمع الكفار الأعداء: وهم المخالفون لأمره، وسوقهم بعنف في يوم القيامة إلى النار، فهم يوزعون، أي يكفّ ويحبس أولهم على
стр. 2297
آخرهم، أي يحجز أولهم حتى يجتمع عليهم آخرهم، ثم يدفعون إلى أنواع النار. وكلمة (يوم يحشر) منصوب بفعل مضمر، تقديره: واذكر يوم.
حتى إذا ما وصلوا إلى النار ووقفوا عليها، يسألون عما فعلوا سؤال توبيخ، فإذا أنكروا شهدت عليهم جوارحهم من السمع والبصر والجلد، بما ارتكبوا من ألوان الشرك والمعاصي، وبما عملوا في الدنيا من سوء الأعمال، وهذا وصف حال من أحوالهم في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جهنم، فإن الله تعالى سيطلب منهم الإقرار عند ذلك على أنفسهم، ويسألون سؤال توبيخ عن كفرهم، فينكرون ذلك، ويظنون السؤال سؤال استفهام واستخبار، فينطق الله جوارحهم بالشهادة عليهم،
فروي عن النبي ﷺ فيما أخرجه ابن جرير عن عقبة- «إن أول ما ينطق عن الإنسان فخذه اليسرى، ثم تنطق الجوارح، فيقول الكافر: تبا لك أيتها الأعضاء، فعنك كنت أدافع» .
فيتعجب الناس من نطق جوارحهم، فيقولون على جهة اللوم لجلودهم حين شهدوا عليهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا فقالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء من مخلوقاته، فإنه كما أنطق الألسن في الدنيا، فكذلك أنطق بقية الأعضاء في الآخرة، علما بأن الله أيها البشر خلقكم في المرة الأولى، وهو قادر على إعادتكم وإرجاعكم إليه، فإليه وحده المصير بعد الموت.
ثم تقول الملائكة بأمر الله سبحانه: لم تكونوا تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر، خوف أن يشهد عليكم، أو لأجل أن يشهد، من قبل سمعكم وأبصاركم وجلودكم، ولكنكم ظننتم ظنا خطأ أن الله تعالى حال عصيانكم، لا يعلم كثيرا مما تعلمون من المعاصي، فتجرأتم على فعلها.
وسبب نزول هذه الآية: هو ما رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن
стр. 2298
مسعود قال: كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر ... فتكلموا بكلام، واختلفوا هل يسمع الله كلامهم، فأنزل الله : وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ الآية.
ثم خاطب الله نبيه محمدا ﷺ بما معناه: فإن يصبر أعداء الله، لم ينفعهم الصبر، وإن لم يصبروا، فهم في النار في الحالين، وإن يطلب منهم العتبى، وتسويغ أعمالهم، وإبداء أعذارهم، فليسوا ممن يقبل عذرهم، لأنهم فارقوا الدنيا التي هي دار التكليف والطاعة والعمل.
ثم أبان الله سبب بقائهم في الكفر بعد إدمانهم عليه: وهو أن الله سلّط وهيأ لهم شياطين الجن والإنس وهم القرناء، فحسّنوا لهم أعمالهم في الماضي والمستقبل، وزيّنوا لهم أحوال الدنيا التي بين أيديهم وهي كل ما تقدمهم في الزمن، وأمور الآخرة التي هي خلفهم، وهي معتقدات السوء وكل ما يأتي بعدهم من أمر القيامة والبعث، ونحو ذلك مما يقال فيه: «إنه خلف الإنسان» والمراد أمامه. وثبت عليهم العذاب في جملة أمم كافرة مضت قبلهم، مع جملة من الجن والإنس فعلوا كفعلهم، فوجب لهم العذاب نفسه، وكانوا جميعا متساوين في الخسارة والدمار بسبب تكذيبهم وسوء أفعالهم.
جزاء أهل الكفر أو التشويش عند سماع القرآن وجزاؤه
تعددت مواقف المشركين المكيين من معاداة النبي ﷺ ، وصد الناس عن دعوته، وبخاصة عند سماع القرآن الكريم.
فاتفقوا على التشويش الشديد عند سماع آيات القرآن لصرف الناس عنه، فقال
стр. 2299
بعض قريش كأبي جهل وغيره، خشية استمالة القلوب بالقرآن: متى قرأ محمد فلنغطّ نحن بالمكاء «١» والصفير والصياح وإنشاد الشّعر والأرجاز، حتى يخفى صوته، ولا يقع الاستماع منه، وهذا الفعل منهم هو اللّغو، فنزلت الآيات الآتية:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)
«٢» «٣» [فصلت: ٤١/ ٢٦- ٢٩] .
المعنى: قال بعض الكفار لبعضهم: لا تستمعوا لهذا القرآن عند تلاوته، ولا تتأثروا أو تنقادوا له، وعارضوه بالكلام اللغو الساقط الذي لا معنى له، من إنشاد الأشعار ورفع الأصوات والتصفيق والتصفير، والتخليط بالخرافات والأساطير، حتى تغلبوا القارئ على قراءته، وتطمسوا أمر محمد ﷺ وتميتوا ذكره وتصرفوا القلوب عنه.
فهددهم الله تعالى بأنه ليجازين في الدنيا في بدر وغيرها جميع الكفار بعذاب شديد، ومنهم كفار قريش، الذين يحاولون صد الناس عن سماع القرآن، ثم يجازينّهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وهو الشرك. وهذه آية وعيد لقريش والعذاب الشديد: هو عذاب الدنيا في بدر وغيرها والجزاء بأسوأ أعمالهم:
هو عذاب الآخرة.
ثم ذكر الله تعالى صفة ذلك العذاب بأن ذلك الجزاء لأقبح أعمال الكفار وهو دخول النار، هو جزاء أعداء الله الذين كذبوا رسله، واستكبروا عن عبادته، فهم
стр. 2300
أهل النار، وهي دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها، ويجزون ذلك الجزاء بسبب جحودهم كون القرآن من عند الله تعالى. إنهم سيرون عظيم ما حلّ بهم وسوء منقلبهم، وحين يرون العذاب، يطلبون الانتقام ممن أضلوهم وأبعدوهم عن الطريق القويم.
فقال الكفار طالبين من الله تعالى: ربّنا أرنا من أضلنا من فريقي الجن والإنس، الذين كانوا يزينون لنا الكفر والمعاصي، لندوسهم بأقدامنا أو أرجلنا، ليكون الفريقان من الأذلين المهانين، في الدرك الأسفل من النار. والطلب لكلا نوعي المضلين، سواء الذين أضلوا الناس، وأدى بهم الكفر إلى الخلود في النار، أو الذين أوقعوا الناس في المعاصي الكبائر. وكل كافر يطلب إبليس، وكل مرتكب كبيرة يطلبه أيضا ويطلب أعوانه من الإنس. وقولهم: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا يراد به: في أسفل طبقة في النار، وهي أشد عذابا، وهي درك المنافقين.
إن من يحذّره القرآن بهذا التحذير الذي يملأ النفس رعبا وهلعا، وكان عنده قليل من عقل أو وعي أو تأمل، يبادر إلى البحث عن طريق الإنقاذ، كحال من يتعرض لخطر مشاهد في الدنيا من حريق، أو غرق، أو هدم، أو زلزال أو بركان، إن كل إنسان يبحث عن طريق النجاة، خوفا من الخطر، وهذا في الدنيا، فكيف بأهوال العذاب الخالد (الدائم) في نيران الجحيم يوم القيامة.
إن الإنسانية التي تريد النجاة الدائمة والحفاظ على وجودها لا يمكنها تحقيق آمالها، وتجنب آلامها ومخاطر المستقبل، إلا بالإصغاء التام لنداءات القرآن العظيم وتوجيهاته ومواعظه السديدة وإرشاداته البليغة، وحين يستجيب الإنسان لهذا النداء الإلهي تصبح الحياة جنة في الدنيا، ويتخلص الجميع من الآلام وألوان الشقاء والعذاب الذي يتعرضون له، فهل من واع أو مدرك لهذا؟!
стр. 2301
جزاء أهل الاستقامة
الاستقامة على منهاج الحق والخير وطاعة الله تعالى. دليل على توافر العقل والوعي.
والرجولة والشجاعة والعزة والكرامة، والانحراف عن ذلك المنهاج أمارة واضحة على الجهالة وقلة الوعي وضعف الإدراك، والجبن والمهانة، والانصياع للذّات والأهواء والشهوات، فما استقام أحد إلا نجا وأفلح، وكان متماسك الشخصية، قوي العزيمة والإرادة، وما ضل أحد إلا هلك ودمّر نفسه، وكان خائر العزيمة، ضعيف الإرادة. لذا كان الدين سبيلا لخير الإنسان، وإبعاده عن الشرور والآثام، فجاء القرآن الكريم يحضّ على الاستقامة، ويعد بالجزاء الأحسن في هذه الآيات الآتية:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)
[فصلت: ٤١/ ٣٠- ٣٢] .
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا، وقال أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد ﷺ عبده ورسوله، فاستقام.
وأخرج الترمذي والنسائي والبزار وغيرهم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قرأ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قال: «قد قال الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام» .
هذه الآية واردة إذن في أحوال المؤمنين المستقيمين ونهايتهم، بعد بيان أحوال المشركين ونهايتهم، ليتبين الفرق بين المؤمن والكافر، وبين الطيب والخبيث، وهي وعد للمؤمنين، بعد آيات وعيد المشركين.
стр. 2302
فالذين أقروا بربوبية الله تعالى وتوحيده، وأنه الإله الواحد الذي لا شريك له، وواظبوا على مقتضى التوحيد، واستقاموا وثبتوا على أمر الله تعالى، فأطاعوه وتجنبوا معاصيه، حتى ماتوا، تنزل عليهم الملائكة تبشرهم بالنجاة في أماكن ثلاثة: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وتزيل مخاوفهم من أمور الآخرة، وتذهب عنهم الحزن عما فاتهم من أمور الدنيا من خيرات الأهل والأموال والأولاد، وتبشرهم بجنان الخلد التي وعدوا بها في الدنيا، على ألسنة الرسل، فإنهم واصلون إليها، خالدون في نعيمها، وأول درجات الاستقامة: أمن الخلود في النار بالنطق بالشهادتين،
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» .
وطريق الاستقامة: أداء الطاعات، واجتناب المعاصي، تلا عمر بن الخطاب ﵁ هذه الآية وهو على المنبر، ثم قال: استقاموا- والله- لله تعالى بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب.
وقال سفيان بن عبد الله الثقفي- فيما رواه أحمد ومسلم والبخاري في تاريخه وغيرهم-: قلت للنبي ﷺ : أخبرني بأمر أعتصم به، فقال: قل: ربي الله، ثم استقم، قلت: ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه، وقال: هذا. أي اللسان، فهو أخوف شيء على الإنسان، يورده المخاطر والمزالق، ويردي به إلى النار.
وتقول الملائكة للمؤمنين: نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا والآخرة، نؤنسكم من وحشة القبور، وعند نفخة الصور، ونؤمّنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، الذي هو جسر دقيق بين الجنة والنار، ونوصلكم إلى جنات النعيم. قال السدي: معنى الآية: نحن- أي الملائكة- حفظتكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة.
стр. 2303
وأما ألوان نعيم الجنة: فهو ما أخبرت به الملائكة بقولهم: ولكم في الجنة من جميع ما تختارونه، من صنوف اللذات، وأنواع الطيبات، ومهما طلبتم وجدتم، وكل ما تتمنون حصلتم عليه، ومعنى قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
أي لكم في الجنة ما تطلبون. وكل ذلك حال كونه معدّا لكم، ضيافة وعطاء وإنعاما، من رب غفور لذنوبكم، رحيم شامل الرحمة بأحوالكم، حيث غفر وستر، ورحم ولطف.
ومعنى قوله تعالى: نُزُلًا: أنزلناه نزلا، فهو منصوب على المصدر. أي إن الله تعالى أعد هذا النعيم وأنزله إنزالا على أهل الجنان، فهو جزاء على طاعتهم واستقامتهم. وإعداد هذه النزل دليل على تحقيق السعادة لهم، كما جاء في آية أخرى:
هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) [الواقعة: ٥٦/ ٥٦] . أي يوم الجزاء.
فضل الدعوة إلى الله تعالى
تبليغ الدعوة إلى توحيد الله وطاعته: واجب في الإسلام، والإرشاد إلى الخير والسلامة والأمان: منهاج أهل الحق، المحبين للإنسانية، السالكين مع غيرهم ما يحبونه لأنفسهم، فإن أهل الإيمان يصلحون أنفسهم أولا، ثم يحاولون إصلاح غيرهم، وتكون مرتبة تربية النفس وإعدادها معروفة من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ثم تأتي مرتبة دعوة الآخرين إلى الهدى والخير، ويؤخذ ذلك من هذه الآيات الآتية:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٣ الى ٣٦]
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
стр. 2304
«١» [فصلت: ٤١/ ٣٣- ٣٦] .
أوضح ابن عباس سبب نزول هذه الآية، فقال: هو رسول الله ﷺ ، دعا إلى الإسلام، وعمل صالحا فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة. وقال أيضا: هم أصحاب رسول الله ﷺ ، والمؤذنون هم أيضا داخلون في هذه الآية. لأنهم يدعون إلى الله وأداء الصلاة، ولكن ليست الآية نازلة في المؤذنين، خلافا لما روي عن عائشة وعكرمة ومجاهد وقيس بن أبي حازم، لأن سورة (فصلت) مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة أذان، وإنما شرع الأذان بالمدينة، لكن الأذان من الدعوة إلى الله تعالى.
والآية تعم بلفظها كل من دعا قديما وحديثا إلى الله تعالى وإلى طاعته، من الأنبياء ﵈، ومن المؤمنين. والمعنى: لا أحد أحسن ممن هذه حاله. إن أحسن الناس حالا: هم الدعاة إلى توحيد الله تعالى وطاعته وعبادته، وإلى العمل الصالح:
وهو أداء ما فرض الله على الإنسان واجتناب ما حرمه، والذين يتخذون الإسلام دينا ومنهجا ومذهبا، ويعمل كل واحد مع إخوته المسلمين على كل ما يشد أواصر الأخوة والتعاون والتناصر معهم.
ومن المعلوم بداهة أنه لا تساوي بين الفعلة الحسنة التي يرضى الله بها ويثيب عليها، وبين الفعلة السيئة التي يكرهها الله ويعاقب عليها. والمداراة: من الحسنة، والغلطة: من السيئة، فادفع أيها الداعية المخلص من أساء إليك بالإحسان إليه، بواسطة الكلام الطيب ومقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر والحلم، وادفع أمورك وما يعرض لك مع الناس، ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن الفعلات والسير، ومنها: بذل أو إفشاء السّلام، وحسن
стр. 2305
الأدب، وكظم الغيظ، والسماحة في القضاء، والاقتضاء، وغير ذلك. وهذه آية جمعت مكارم الأخلاق، وأنواع الحلم. قال ابن عباس ﵄: إذا فعل المؤمن هذه الفضائل، عصمه الله تعالى من الشيطان، وخضع له عدوه، ولا شك أن السّلام: هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن. فإذا كان بينك وبين غيرك عداوة، فقابلت الإساءة بالإحسان، صار العدو كالصديق.
وما يتقبل هذه الوصية أو الموعظة ويعمل بها، ويروّض نفسه على هذه الخصلة:
وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ، واحتمال المكروه، والصبر شاق على النفوس، والصبر على الطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها. وكذلك لا يتقبل هذه الوصية إلا ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، وذو حظ في الثواب والخير، والآية مدح للصابرين ووعد لهم بالجنة.
وطريق التغلب على أهواء النفس ونزواتها هو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فإن وسوس إليك الشيطان، وحاول صرفك عن الدفع بالتي هي أحسن، وزيّن لك أن تقابل السيئة بمثلها، فاستعذ بالله من شره، والتجئ إلى الله لكفّه عنك ورد كيده، فالله هو السميع لاستعاذتك منه، والتجائك إليه، العليم بوساوس الشيطان، وبما يعزم عليه الإنسان.
وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول- فيما رواه أحمد والترمذي- عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» . ولما انتصر أبو بكر لنفسه من رجل شتمه، قام النبي ﷺ من المجلس وقال لأبي بكر: «إنه أي (حين سكوتك) كان يرد عنك ملك، فلما قربت تنتصر، ذهب الملك، وجاء الشيطان، فما كنت لأجالسه» .
стр. 2306
بعض الآيات الكونية الدالة على قدرة الله
تكرر إيراد الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته وعظمة خلقه، في آيات متنوعة من القرآن الكريم، لإقناع المشركين بعقيدة الحق والتوحيد والعدل الإلهي، ويمكن لكل إنسان واع إدراك هذه الظواهر الحسية، والاقتناع بدلالاتها وما تومئ إليه، فلا يبقى بعدئذ عذر لأحد في إنكار وجود الله تعالى وتوحيده، وقدرته التي لا تضارع، ولا يرقى لمثيلها إنسان. وهذا ما وجهت إليه الآيات الشريفة:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
«١» «٢» [فصلت: ٤١/ ٣٧- ٣٩] .
تضمنت الآيات الكريمة دلائل أربعة فلكية: وهي الليل والنهار والشمس والقمر، وآية أرضية: وهي إنبات النباتات بالأمطار والأنهار، لإثبات قدرة الله تعالى على إبداع الأشياء وخلقها، وعلى إحياء الموتى مرة أخرى، في عالم الآخرة والبعث.
إن من آيات الله تعالى ودلائل قدرته وعظمته: إيجاد الليل والنهار، وتعاقبهما، وخلق الشمس المضيئة والقمر المنير، ففي ذلك خير للإنسان ونفعه، وتمكينه من الحياة البشرية بنحو مريح ومفيد، وبما أن الشمس والقمر مخلوقان خاضعان لسلطان الله وتسخيره، فإياكم أيها البشر من السجود للشمس والقمر وعبادتهما، لأنهما مخلوقان لله، وكل مخلوق عاجز عن فعل شيء، والأولى عبادة الخالق ﷻ ، إن
стр. 2307
كنتم تريدون عبادة الله، فعبادة الله وحده: هي الواجبة والصحيحة والنافعة، وعبادة من دونه من المخلوقات الكونية: هي باطلة كل البطلان، ولا تفيد شيئا.
وهذا ردّ على الصابئة عبدة الكواكب، وعلى عبدة الشمس الذين يزعمون أنهم يريدون من السجود للشمس والقمر السجود لله تعالى. ويلاحظ أن ذكر الليل والنهار يتضمن ما فيهما من طول وقصر، وتداخل واستواء وتفاوت، وذكر القمر والشمس يتضمن ما فيهما من عجائب وحكمة ونفع؟ فإن تكبر هؤلاء المشركون عبدة الكواكب عن امتثال أوامر الله تعالى وتوجيه رسوله، وأبو إلا البقاء على شركهم، فلا يهمنك أمرهم أيها الرسول، فإن الذين يعبدون الله بحق كثيرون، فمنهم الملائكة الأشراف ذوو المكانة عند الله، لا المكان أو الموضع، الذين يواظبون على عبادة الله، وتنزيهه في كل وقت، ليلا ونهارا، وهم لا يملّون من عبادة الله سبحانه، ولا ينقطعون عن متابعة العبادة، وكلمة عِنْدَ رَبِّكَ ليست ظرف مكان، وإنما هي بيان المنزلة والقربة.
إن هذه الآية تتضمن وعيد المشركين وحقارة أمرهم، وأن الله تعالى غير محتاج إلى عبادتهم، فأولى بهم إعادة النظر في صرف جهودهم في شيء لا طائل معه ولا نفع، وإنما هو سبب عذاب وغضب وسخط من الله تعالى.
ثم ذكر الله تعالى دلائل أخرى من الأرض وما فيها من أسرار على وجوده وقدرته ووحدانيته، ومن هذه الدلائل: أنك أيها الناظر ترى الأرض هامدة جامدة، لا نبات فيها ولا حياة، فإذا أنزل الله عليها المطر، تحركت بالنبات، وانتفخت وعلت، وأخرجت مختلف ألوان الزروع والحبوب والثمار، وفيها مع ذلك خزائن الثروة المعدنية، النفطية السائلة، والجامدة من معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والفوسفات وغيرها.
إن الذي أحيا هذه الأرض الجدبة بالنبات والزرع، قادر على أن يحيي الأموات،
стр. 2308
أي إن الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية في مجال إيجاد الأحياء النباتية، إنما هو إحياء الموتى، فإن الله هو الرب القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. والشيء في اللغة: هو الموجود. وهذا دليل حسي مشاهد، نبّه عليه القرآن الكريم للتوصل إلى الإيمان بقدرة الله على البعث والإحياء بعد الإماتة، والركود في القبور، وإن الذي يجب الانتباه له: هو قدرة الله تعالى الخالق، في ابتداء الخلق، وإعادته وانتهائه، وفي كل وقت وحال.
وبعد هذا البيان الإلهي لا يبقى عذر لأحد في خطأ الاعتقاد، وعبادة غير الله سبحانه، والتماس الخير والنفع من غير الله القادر، أو منع الضرر والشر من عبيد الله ومخلوقاته. ألا إنها عظة وذكرى لمن كان له قلب وعقل ووعي، وألقى السمع وتنبه، وهو شهيد، أي صرف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة وانتبه في سماعها.
الميل والإعراض عن القرآن
عجيب أمر الإنسان، يرى الحق ويشاهده، ويلمس فائدة الاستقامة وجدواها، وطريق النجاة والسلامة، ومع ذلك يعرض عنه، ويميل إلى غيره من ألوان الباطل والانحراف، متأثرا بأهوائه وشهواته، مؤثرا نفعا عاجلا في ظنه، ولكنه في الواقع هو عين الهلاك والضياع. وما مثله إلا كمثل المريض الأحمق، ينصحه الطبيب بتناول دواء معين، فيتركه ويهمله، إلى أن يلقى حتفه ونهايته، وهكذا بعض الناس يلحدون في القرآن، أي يميلون عنه وعن توجيهاته، وهو الحق الأبلج، والصواب الأسدّ، ويتجهون إلى غيره، وهو الباطل اللجلج، والخطأ البين. وهذا ما أبانته الآيات الآتية:
стр. 2309
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٠ الى ٤٣]
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)
«١» «٢» [فصلت: ٤١/ ٤٠- ٤٣] .
هذا تهديد لأولئك الضالين الذي يهجرون القرآن العظيم، أي يتركون الحق إلى غيره، ويميلون عن الاستقامة على منهج آيات القرآن بالطعن فيها وتحريفها، وتأويلها تأويلا باطلا، لاغين عند سماعها، إنهم لا يخفون على الله، وإنما يعلم بهم وسيجازيهم أشد الجزاء.
وهل أدرك هؤلاء هذا المصير، وهل غفلوا عن الفرق الشاسع بين المؤمن المستقر الآمن في الدنيا والآخرة، وبين الكافر الجبار المتكبر في الدنيا، والذي يلقى به في الآخرة في دركات النار؟ فالمؤمن يدخل الجنة، ويطمئن لما فيها من خيرات، والكافر يزجّ به في نيران جهنم، فيبقى في عذابها على الدوام، لا يقول عاقل بالتسوية بين الحالين أو الفريقين. ثم أكد الله التهديد والوعيد بقوله: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ أي اعملوا أيها الضالون المكذبون ما شئتم من الأعمال، فإن الله عالم بكم، وبصير بأعمالكم، ومجازيكم بحسب ما قدمتم من أعمال، خيرها وشرها، وقوله تعالى: لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا معناه: فنحن بالمرصاد لهم وسنعذبهم، وقوله تعالى: إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ دليل الوعيد والتهديد.
قال مقاتل: نزلت هذه في أبي جهل، وفي عثمان بن عفان ﵁. وقيل:
стр. 2310
في عمار بن ياسر ﵁. قال بشير بن فتح فيما أخرجه ابن المنذر: نزلت هذه الآية في أبي جهل وعمار بن ياسر.
والمفاضلة بين الإلقاء في النار والأمن يوم القيامة في كلمة (خير) ، وإن كانا لا يشتركان في صفة الخير، إنما هي بسبب كون الكلام تقريرا نهائيا بسوء مصير الكافرين، لا مجرد خبر وحكاية. وذلك مثل آية: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) [الفرقان: ٢٥/ ٢٤] . لأن المقرّر قد يقرر خصمه على قسمين: أحدهما بيّن الفساد، حتى يرى جوابه، فإذا اختار طريق الفساد، بان جهله وغباؤه.
وتابع القرآن التهديد وتأكيد الجزاء، بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ أي إن الذين كفروا بالقرآن الكريم ذي الذكر العالي والشرف الرفيع، لما جاءهم، نجازيهم على كفرهم، والحال أن القرآن متصف بصفات ثلاث: أولها: أنه كتاب عزيز عن المعارضة أو الطعن، منيع عن كل عيب من أي بشر، وثانيهما أنه لا يتمكن أحد من إبطاله وتحريفه، وليس لأحد أن يبطله من جميع جوانبه، لا في اللفظ ولا في المعنى، ولا في الحكم والأسلوب، ولا في الغرض أو القصة، فلا يكذبه كتاب سابق قبله، ولا فكر أو نظر لاحق بعده، محفوظ من النقص والزيادة، كما في آية أخرى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ١٥/ ٩] .
وثالث الصفات: أنه تنزيل من إله حكيم في قوله وفعله، محمود في جميع أوامره ونواهيه، مشكور على نعمه وأفضاله، فكيف يأتيه الباطل بأي صورة أو باب؟! ثم أبان الله لرسوله وحدة الرسالات، وأنها تهدف إلى التوحيد الخالص، وإثبات الآخرة، وتقرير مبدأ الثواب والعقاب، مبينا أن ما يقال لك أيها الرسول من هؤلاء الكفار المشركين من وصفك بالسحر والجنون والكذب، وما ينالك من مكروه، ما هو إلا كأقوال الجاحدين لأنبيائهم ورسلهم، الذين تقدموك، فإن أقوامهم كانوا يقولون
стр. 2311
لهم مثلما يقول لك هؤلاء، من الأقوال الجارحة المؤلمة، فامض لأمر الله تعالى، ولا يهمك شأنهم، وربك بالمرصاد، فهو غفار ستّار لمن تاب إليه وآمن به إيمانا صحيحا، ومعاقب بعقاب مؤلم شديد لمن استمر على كفره، ومات على ضلاله كافرا لم يتب. قال ابن عطية: وفي هذه الكلمات الموجزات جمّاع الزجر والنهي والموعظة، وإليها يرجع كل نظر.
القرآن العربي شفاء وهدى
أكد الله تعالى على أن القرآن الكريم كله عربي اللسان، فصيح البيان، ليس مختلطا بين العربية والأعجمية، ليؤدي مهمته على أكمل وجه، فهو هداية للحيارى، وشفاء لما في الصدور، مما قد يكون فيها من وساوس وشبهات وضلالات، وليس محلا للخلاف أو الاختلاف، وهكذا شأن جميع الكتب السماوية، فهذا كتاب موسى- التوراة نزل وحدة متناسقة، ومع ذلك وقع الاختلاف فيه وفي القرآن، من قبل المكذبين بهما وهم اليهود وغير المؤمنين، ولكن وبال التكذيب على أصحابه، والإنسان ولي نفسه، فمن آمن وعمل صالح الأعمال حقق الفوز والنجاة لنفسه، ومن أساء الاعتقاد والعمل، أتى بالضرر على نفسه، وليس الله تعالى بظلام لأحد، وهذا ما أبانته الآيات القرآنية الآتية:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٤ الى ٤٦]
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)
«١» «٢»
стр. 2312
«١» [فصلت: ٤١/ ٤٤- ٤٦] .
هذه الآية الكريمة نزلت بسبب تخليط قريش في أقوالهم، من أجل الحروف المعرّبة في القرآن من كلام العجم، كالسّجين والإستبرق ونحوه، فقال الله : ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا (أي كلاما لا يبين ولا يفهم ولا يفهم ولا يفصح) لقالوا واعترضوا: لولا بيّنت آياته بلغتنا حتى نفهمها.
وهذا غير صحيح، فهل يصح أن يكون هذا القرآن العربي بعضه عربيا، وبعضه أعجميا؟ هذا لا يحسن، وإنما المقصود الدلالة على أن مشركي قريش قوم متعنتون، محاربون للقرآن، بأي لغة أو صفة كان عليها. والواقع أن جميع ما في القرآن عربي، إذا أرادوا الفهم والإفادة منه، ولو نزل بلغة أعجمية لأنكروا ذلك، وغاية القرآن:
أن تقول أيها الرسول لقومك المشركين: إنه هداية من الظلمات إلى النور لقلب من آمن به، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والرّيب، كما جاء في آية أخرى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ١٧/ ٨٢] .
وبعبارة أخرى: أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: إن هذا القرآن هدى وشفاء للمؤمنين المبصرين للحقائق، وإنه عمى على الذين لا يصدقون بالله ورسوله، ولا يقلّبون أنظارهم في مصنوعات الخالق، أي إنه معمّى عليهم، فعلى أعينهم غشاوة، وفي آذانهم صمم أو ثقل في السمع، وعلى قلوبهم أقفال، وهذا من قبيل المجاز المراد به أنهم لا يفهمون ما في القرآن، كالعميان والطرشان، ولا يهتدون إلى ما فيه من البيان ولا يبصرون ما اشتمل عليه من البراهين والمواعظ، لتعطيلهم سبل المعرفة والإدراك.
ثم أكد الله تعالى على عدم استعدادهم لفهم القرآن، فإن حالهم كحال من ينادى
стр. 2313
من مسافة بعيدة، يسمع صوت من يناديه منها، ولا يفهم ما يقال له. وهذا أيضا استعارة، لقلة فهمهم، حيث شبّههم بالرجل، ينادى من مكان بعيد، يسمع منه الصوت، ولا تفهم تفاصيله ولا معانيه.
وهذا شأن مستمر بين الأمم المكذبة، فلا تستغرب أيها الرسول موقف قومك، فتلك عادة قديمة للأمم مع الرسل، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة عليهم، كما حدث من بني إسرائيل، فلقد أرسل الله موسى ﵇ وآتاه التوراة، فاختلفوا في كتابهم بين مصدّق ومكذّب، وشأنك أيها الرسول مع قريش، كشأن موسى مع بني إسرائيل، حين جاءهم بالتوراة، ولقد أخّر الله العذاب على الفريقين، ولولا الكلمة السابقة (وهي أن الله حتّم تأخير عذابهم إلى يوم القيامة) لقضي بينهم، أي لعجّل لهم العذاب، كما فعل بالأمم المكذبة السابقة، وسبب الهلاك قائم فيهم، فإن كفار قريش لفي شك من القرآن، موقع في الريبة والقلق، ولم يكن تكذيبهم للقرآن ناجما عن تبصر وتأمل، بل كانوا شاكّين فيه وفيما قالوا، غير متحققين لشيء كانوا فيه.
وقانون الجزاء الإلهي واضح، فمن عمل صالح الأعمال بأداء الفرائض واجتناب المعاصي، فإنما ينفع نفسه، ويجازى بخير عمله، ومن أساء فعصى الله تعالى، فإنما يرجع وبال ذلك عليه، ويعاقب بسوء عمله، والجزاء للفريقين قائم على أساس من الحق والعدل المطلق، فلا ينقص المحسن شيئا من ثوابه، ولا يعاقب أحد إلا بذنبه أو معصيته.
العلم بالساعة وطبيعة الإنسان
هناك أمر خطير جدا، مرتقب لا شك فيه: وهو يوم القيامة، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت تجهيله، فلا يعلم به أحد من المخلوقات، واختص الله تعالى وحده بعلم الساعة، كما اختص بالعلم بالأحداث المستقبلة، ليظل الإنسان رقيبا على نفسه،
стр. 2314
مهيمنا على شهواته، يعمل الخير حبا فيه، ويبتعد عن الشر كرها فيه لذاته، وطبع الإنسان غريب، لا يمل من طلب الخير، وييأس ويقنط من رحمة الله إن أصابه شر.
وفي حال النعمة والترف يبتعد عن الله تعالى الذي أمده بالنعم، ويهمل شكر ربه المنعم، ويزعم أن له المكان الحسن عند الله في الآخرة، وإذا أصابه الشر، أقبل على الدعاء، والتضرع لله سبحانه، وإذا تعرض لخير نسي الله ونأى عنه، فهو دائم الطمع، كثير التبدل والتغير، لا يستقر على حال، ولا يثبت على مبدأ، ولا وفاء عنده لمعروف، قال الله تعالى مبينا ذلك كله:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٧ الى ٥١]
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [فصلت: ٤١/ ٤٧- ٥١] .
المعنى: إن علم وقت القيامة ومجيئها، يردّه كل مؤمن متكلّم فيه إلى الله ، لذا كان جواب النبي ﷺ لجبريل ﵇،
في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن عمر ﵁: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» .
وفي حديث آخر ثابت: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: (إن الله عنده علم الساعة..) » .
الحديث، وهو وارد في آية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: ٣١/ ٣٤] .
стр. 2315
وكذلك يعلم الله تعالى الثمار وخروجها من الأكمام (الأوعية) ووقت ظهورها تماما، ويعلم ما تحمل الإناث ووقت الحمل والوضع، وذلك أورده الله على سبيل المثال لجميع الأشياء، إذ كل شيء خفي، فهو في حكم هذين الشيئين. وهذا كله مجهول، لا يعلم به أقرب الناس من هذه الأشياء كالمزارع والزوج أو الأنثى. وما قد يقال: إنما هو من محض التخمين، لا من باب العلم بيقين.
ثم رد الله تعالى على المشركين لإبطال شركهم، فاذكر أيها الرسول يوم ينادي الله تعالى المشركين، في يوم القيامة، قائلا على سبيل التوبيخ والتهكم والتحدي: أين شركائي الذين كنتم تزعمون من الأصنام وغيرها، فادعوهم الآن للشفاعة بكم أو دفع العذاب عنكم؟ فيجيب هؤلاء المعبودون بغير حق: لقد أخبرناك وأعلمناك أن ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك يا رب شريكا، ونحن لا نشاهدهم أمامنا، بل ضلوا واختفوا عنا، وذهبت تلك المعبودات من الأصنام وغيرها محتجبة في آفاق الغيبة عن العيون، وقد كانوا يعبدونهم في الدنيا، وتيقنوا الآن ألا مهرب لهم ولا ملجأ من عذاب الله. وهذا وعيد وتهديد. وقد استعمل الظن هنا مكان اليقين: وهو كل موضع علم علما قويا وتقرر في النفس ولم يلتبس بشيء.
ثم نزلت الآيات الآتية في بعض كفار مكة، كالوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة، ومضمونها: أن أولها يتضمن خلقا «١» ربما شارك فيها بعض المؤمنين: وهو أنه لا يمل الإنسان من طلب الخير من ربه، كالمال والصحة والرفعة ونحوها، وإن أصابه الشر من بلاء وشدة، أو فقر أو مرض، كان شديد اليأس والقنوط من رحمة الله، وهذه الصفة الأخيرة (اليأس) من صفة الكافر وحده، والصفة الأولى (طلب الخير في الدنيا) صفة مشتركة، فأما خير الآخرة فهو للمؤمنين.