← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

كانوا يتمتعون بها أو ناعمين بها. والفاكه: الطيب النفس. والنّعمة- بفتح النون-: غضارة العيش، ولذاذة الحياة. والنّعمة بكسر النون: أعم من هذا، وقد تكون الأمراض والآلام والمصائب نعما، ولا يقال فيها نعمة. كذلك، فكما فعلنا سابقا بالذين كذبوا رسلنا، نفعل بكل من عصانا، وأورثنا تلك البلاد والثروات للإسرائيليين الذي كانوا مستضعفين. فما تأسّفت عليهم أوساط السماء والأرض، ولم يكونوا ممهلين، بسبب بغيهم وفسادهم، بل عجّلت عقوباتهم، لفرط كفرهم، وشدة عنادهم، ولم يكونوا ممهلين مؤخّرين لتوبة، لأنها غير منتظرة منهم. قوله تعالى: فَما بَكَتْ استعارة تتضمن تحقير أمرهم، وأنه لم يتغير شيء بهلاكهم «١» . وكان في مقابل النقمة: وجود النعمة، فلقد خلّصنا شعب بني إسرائيل، من العذاب المشتمل على إهانة، بإهلاك عدوهم، ومما كانوا فيه من الاستعباد، حينما كانوا صلحاء غير مفسدين في الأرض، ونجاهم الله من فرعون الطاغية المسرف في ارتكاب المعاصي، المجاوز كل الحدود. واختار الله الإسرائيليين الصالحين على عالمي زمانهم، عن علم سابق من الله فيهم، وأنه سينفذ فيهم، وأعطاهم على يد رسولهم موسى المعجزات الظاهرة الدالة على قدرة الله، وآيات التوراة وغير ذلك مما فيه اختبار ظاهر، وامتحان واضح لمن اهتدى به، وللنظر فيما يعملون. فإذا بدّلوا بالإيمان الكفر، وبالصلاح الفساد كما في عصرنا الحاضر، غضب الله عليهم، ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير، ويعود العقاب لهم كلما عادوا إلى البغي والفساد والاعتداء على حقوق الآخرين.

стр. 2382

إنكار البعث والرد على المشركين المشكلة الحقيقية في كفار قريش بعد وثنيتهم: أنهم كانوا منكري البعث، فلا حياة ولا وجود بعد الموت في زعمهم، ولا دليل على إمكان الإعادة، فتوالت الردود عليهم في القرآن الكريم، وتتابعت التنبيهات والتحذيرات، وألوان الوعيد والتهديد، ومن أخطرها: تحقق العذاب فيهم في نيران جهنم، وتناولهم أشد أنواع الشجر مرارة: وهو شجر الزقوم، فتغلي به بطونهم، تنهال على رؤوسهم حمم النار، فتصهرهم، ويتعرضون لكل ألوان الإهانة والذل فتتركهم أذلة مهانين منبوذين، قال الله تعالى واصفا المشكلة وأسبابها: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٣٤ الى ٥٠] إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الدخان: ٤٤/ ٣٤- ٥٠] . تشير هذه الآيات في مطلعها إلى قريش إشارة تحقير، فهؤلاء كفار مكة يقولون ما

стр. 2383

هي إلا الموتة الأولى التي نموتها في الدنيا، ولا حياة ولا بعث بعدها. وإن كنتم أيها المسلمون صادقين في ادعاء البعث، فأعيدوا إلينا آباءنا إلى الدنيا بعد قوتهم، لنسألهم عما رأوا في آخرتهم. وهذه حجة واهية، لأن البعث ليس الآن، وإنما في يوم القيامة. فرد الله تعالى عليهم مهددا، ومنذرا، ومتوعدا بالعقاب: أهم، أي كفار قريش من عدنان خير في القوة والمنعة، أم قوم تبّع الحميري من قحطان، الذين كانوا أقوى جندا وأعز مكانا؟ وكذلك الأمم السابقة كعاد وثمود ونحوهم، أهلكناهم جميعا لكفرهم وإجرامهم، فإهلاك من دونهم أيسر وأقرب. وتبّع المشار إليه في هذه الآية: رجل صالح من التبابعة، ذم الله تعالى قومه، ولم يذمّه ونهى العلماء عن سبّه. والدليل على قدرة الله تعالى الشاملة والعظمى: خلق السماوات والأرض، فلم يخلق الله السماوات والأرض وما بينهما، عبثا ولعبا، وباطلا ولهوا، وإنما بإبداع لا نظير له. وما خلقهما الله إلا خلقا ملازما للحق ولإظهاره وهو الاستدلال على وجود الخالق ووحدانيته، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك، لقلة نظرهم، وضعف وعيهم، فمن أبدع ذلك، أليس قادرا على إمكانه إعادة الخلق؟! إن يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بين الخلائق: هو موعد جمعهم، ووقت حسابهم وجزائهم جميعا، إنه يوم لا ينفع قريب قريبا، ولا ناصر منصورا، ولا يدفع عنه شيئا من العذاب أو الإغناء، فلا يفيد المؤمن الكافر، ولا ينتصرون من أحد، لكن من ﵀، فإنه ينتصر وينجو، فإن الله هو القوي الغالب القاهر الذي لا يفلت أحد معتد من عذابه. وسيلقى المشركون منكرو البعث كلّ ألوان العذاب والمهانة، فإن طعامهم هو طعام الآثمين قولا وفعلا: وهو شجرة الزقوم الشديدة المرار، والذي لا يشبع.

стр. 2384

والأثيم: مبالغة في الإثم، وهذه الشجرة: هي الشجرة الملعونة التي تنبت في قعر جهنم. وهذا الطعام يشبه عكر الزيت والقطران ومذاب النحاس، لحرارته ورداءته، يغلي غليانا شديدا في بطون آكليه، كغلي الماء الشديد الحرارة، ويقال للملائكة خزنة النار: خذوا هذا الأثيم، فجرّوه وسوقوه إلى وسط النار، بعنف وشدة، ثم صبوا على رأسه الماء الشديد الحرارة، الذي هو أشد الماء الساخن، وقولوا له تهكما وتقريعا: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك في الدنيا، وإن هذا العذاب هو الذي كنتم تشكّون فيه، حين كنتم في الدنيا، وهو كما جاء في آية أخرى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ٥٢/ ١٣] . أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال: إن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزّبد، فيقول: تزقموا، فهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد، فنزلت: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ وأخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: ٧٥/ ٣٤- ٣٥] فنزع يده، وقال: ما تستطيع لي ولا صاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر، وأذلّه وعيّره بكلمته، ونزل فيه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. حال المتقين في الآخرة أوضح الله تعالى أحوال الكافرين وما يلقونه من أهوال الآخرة، ثم من أجل الموازنة، ذكر الله تعالى حال المتقين يوم القيامة، وما يحظون به من أنواع خمسة من

стр. 2385

النعيم، فلهم جنان الخلد، ويتدثرون بألبسة الحرير، على سرر متقابلين ويتزوجون بالحور العين، ويتفكهون بكل فاكهة آمنين، وحياتهم في الجنة خالدة أبدية، ووقوا عذاب الجحيم، وذلك بفضل الله أعظم الفوز، وأمكن معرفة ذلك يقينا بما دل عليه اللسان العربي الفصيح، الذي نزل به القرآن الكريم، ولم يبق إلا إنجاز الوعد. وهذا ما أخبرت به الآيات الآتية: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥١ الى ٥٩] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) «١» «٢» «٣» [الدخان: ٤٤/ ٥١- ٥٩] . هذه أنواع النعيم الخمسة للمتقين وهي: - إن الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لهم مساكن ومقامات آمنة مأمونة من جميع المخاوف، طيبة المكان والنفس، لا غيرة فيه بينهم، في بساتين خضراء، وينابيع متفجرة بالماء. وهذا يقابل ما للكفار من شجرة الزقوم وشرب الحميم، كما في آيات سابقة. - ملابسهم التي يلبسونها: من حرير رقيق، وخشن أو غليظ، ذي بريق ولمعان، وجمال فريد، متقابلين في جلساتهم للاستئناس، لا يستدبر بعضهم بعضا في المجالس. - كذلك أي ومع هذا العطاء وإدخال الجنان يزوجهم، أي يقرنهم الله بالحور البيض، الواسعات الأعين مع عظم السواد، ولا يوجد عقود زواج بالحور، وإنما

стр. 2386

المراد قرنهم بهم. وقد وصف الله الحور بأوصاف في آيات، منها: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) [الرحمن: ٥٥/ ٥٦- ٥٨] فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) [الرحمن: ٥٥/ ٧٠- ٧٢] . - وهم يطلبون للخدمة والتصرف في الجنة ما شاؤوا من أنواع الثمار أو الفاكهة وهم آمنون من انقطاعها أو امتناعها، وإنما يحضرها الخدم كلما أرادوا، وهم أيضا آمنون من الأوجاع والأسقام، ومن الموت والعناء، ووساوس الشيطان. وهذا دليل على التمتع بأنواع اللذة المادية والمعنوية. - ثم إن حياتهم في الجنة دائمة، لا يتعرضون في الآخرة للموت أبدا، ولا يذوقون طعم الموت فيها مطلقا، لكن الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا: قد عرفوها وانتهى أمرها، وحماهم الله تعالى من عذاب النار، ونجّاهم منه، والمراد أن الله تعالى نفى عنهم أمرين: ذوق الموت وعذاب النار. وقدّر قوم معنى (إلا) ب (سوى) وهو صحيح خلافا لرأي الطبري، فإن الواضح المفهوم من الآية أنهم كما ذكر الزمخشري وابن عطية لا يذوقون الموت أبدا، إلا الموتة الأولى التي كانت قبل دخول الجنة. أخرج السّجستاني عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من اتقى الله دخل الجنة ينعّم فيها، ولا يبأس، ويحيا فيها، فلا يموت، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» . وذلك كله: تفضل من الله تعالى عليهم، وإحسان إليهم، ذلك هو الفوز الأكبر الذي لا يعلوه فوز. أخرج الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسدّدوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا لن يدخله

стр. 2387

عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . وتوّجت خاتمة سورة الدخان بما يدل على وضوح هذه الأخبار، وإنجاز الوعود بها، بسبب كون القرآن الكريم بلسان عربي مبين، فإنما يسّرنا هذا القرآن بلسانك أيها النبي، أي بلغة العرب التي هي أفصح اللغات وأجلاها، والتي هي لغة قومك، وجعلناه، أي القرآن ميسرا للفهم، لكي يتذكروا ويتعظوا ويعملوا بما فيه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) [القمر: ٥٤/ ٢٢] . وعلى الرغم من هذا الوضوح والتبيان، كفر بعضهم وخالف، فآنس الله تعالى رسوله، واعدا إياه بالنصر، ومتوعدا من كذّبه بالهلاك، في قوله تعالى: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) أي فانتظر أيها النبي ما وعدناك به من النصر عليهم، وإهلاكهم إن أصرّوا على الكفر، وماتوا وهم كافرون، فإنهم منتظرون ما يحل بك من السوء، وما ينزل بك من الموت وغيره.

стр. 2388

تفسير سورة الجاثية من آيات الله الدالة عليه تكرر في القرآن الكريم إيراد الأدلة الدالة على وجود الله تعالى، ومن أدل الأدلة والبراهين: إبداع السماوات والأرضين، وخلق الإنسان والحيوان، واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وإنزال المطر سبب الرزق، وتقليب الرياح في الجهات الأربع، فمن أراد أن يؤمن كفاه ذلك، ومن عاند واستكبر، فلا يجد بعد بيان الله وآياته وهو القرآن، ما يرشده إلى الإيمان بربه، وهذا ما نجده بيّنا في الآيات الآتية، في مطلع سورة الجاثية: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) «١» «٢» «٣» [الجاثية: ٤٥/ ١- ٦] . افتتحت السورة (الجاثية) المكية بالاتفاق بالحروف المقطّعة، للتنبيه لما يأتي بعدها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل آيات القرآن، ثم أخبر الله تعالى: بأن هذا القرآن تنزيل قاطع من الله القوي الغالب الذي لا يقهر، المحكم للأشياء. فقوله تعالى: الْعَزِيزِ معناه عام في شدة أخذه إذا انتقم، ودفاعه إذا حمى ونصر، وغير ذلك.

стр. 2389

ومقتضيات العزة والحكمة: إن في خلق السماوات وخلق الأرض، لأدلة قاطعة على وجود الله، ووحدانيته، وقدرته الباهرة. وقد ذكر تعالى الأدلة أو الآيات التي في السماوات والأرض مجملة غير مفصلة، فكأنها إحالة على غوامض تثيرها الأفكار، ويخبر الشرع بكثير منها، والذي يستفيد من دلالات هذه الآيات: هم المؤمنون، الذين يعتمدون على العقل الصحيح، والتصديق الواقعي. وهذا دليل من الكون. ثم ذكر الله تعالى دليلا من الأنفس، ففي خلقكم أيها البشر من غير وجود سابق، سواء من تراب، أو من طريق التزاوج، وما ينشر في الأرض والبحر والجو من الدواب المختلفة: آيات دالة على وجود الله وتوحيده، لقوم يوقنون، لهم نظر صحيح، يؤديهم إلى اليقين في معتقداتهم، والاطمئنان في قلوبهم. وكذلك في اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما بالنور والظلام، وتفاوتهما في الطول والقصر، والحرارة والبرودة، والضياء والظلمة، وفيما أنزل الله من السحاب، من مطر يتسبب في رزق الأنفس وإحياء الأرض بالنبات والزرع، وفي تقليب الرياح وتغييرها من جهة إلى جهة، ومن حال إلى حال، جنوبا وشمالا، شرقا وغربا، برودة وحرا، ضررا ونفعا، لينا وشدة، في كل ذلك دلالات عظيمة على وجود الله سبحانه، ووحدانيته وقدرته التي ينتفع بها عادة أهل العقول الراجحة، ويتأمل بها ذوو الأفكار المتفحصون فيها وفي حقائقها. والرياح جمعا: هي المبشّرات بالخير، والريح بالمفرد: هي المنذرة بالعذاب. والعبرة من كل ذلك أوجزها الله تعالى بقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ أي هذه الدلائل المذكورة من الآيات الكونية والقرآنية، هي حجج الله وبراهينه وبيناته، نتلوها عليك أيها النبي، متضمنة الحق المبين، وهذا على حذف مضاف، أي نتلو شأنها وتفسيرها وشرح العبرة بها. وقوله تعالى نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ معناه بالصدق

стр. 2390

والاعلام بحقائق الأمور في أنفسها، ليستفيد منها البشر قاطبة، فبأي بيان أو كلام يا أهل مكة وأمثالكم بعد بيان الله وكلامه، وتفصيل آياته، وهو القرآن الكريم، تؤمنون أو تصدقون؟! والتعبير بكلمة (تلك) إشارة إلى علو مرتبة الآيات، وفي هذا توبيخ وتقريع، وفيه قوة التهديد. ويلاحظ أن أدلة إثبات وجود الله ووحدانيته، ذيلت فيها آي القرآن بعبارة لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لإفادة التلازم بين الإيمان الذي هو التصديق، واليقين الذي هو كمال الاقتناع، والعقل الذي هو إعمال الفكر الصحيح، وهذه كلّها ضروريات للمعرفة وتكوين العقيدة، لأنه في ضمن الإيمان العقل، واليقين، والتصديق. ويتوقف الاعتقاد على كل من العقل، وتيقن الشيء، ثم التصديق التام به الذي لا يخالطه أي شبهة أو شك، ولا يصح إيمان من دون هذه الأمور الثلاثة، التي ينبغي استعمال كل منها في موضعه، فيبتدئ المفكر من العقل أو القلب الواعي، ثم ينتقل بالدليل القطعي إلى اليقين، ثم يتحقق التصديق النهائي بالمعتقد الصحيح. وعيد المكذبين بآيات الله حينما لا تجدي الكلمة المخلصة، والموعظة البالغة، ويصرّ الإنسان على موقف الضلال والعناد، لا يبقى بعد ذلك إلا التهديد والوعيد بالجزاء الحاسم، وهكذا كانت توجيهات القرآن الكريم، مع المشركين المكيين وقت نزول الوحي، لم يترك القرآن وسيلة لتذكيرهم، وإقناعهم بالبراهين الحسية القاطعة على توحيد الله تعالى إلا سلكها معهم، ومع ذلك آثروا الشقاق والخلاف والمعارضة، والإبقاء على عقيدة الوثنية، وتكذيب الرسول ﷺ وبما أنزل عليه من الآيات البينات، فاستحقوا الوعيد

стр. 2391

بجزاء النار، علما بأنه لم تنفعهم أصنامهم شيئا، ولا منعت عنهم الضرر، وهذا ما نصت عليه الآيات الآتية، لبيان أن القرآن وحده هو الهدى والمنقذ: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٧ الى ١١] وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) «١» «٢» «٣» «٤» [الجاثية: ٤٥/ ٧- ١١] . الهلاك والعذاب. والمصائب من الحزن والشدة، لكل كذاب بآيات الله، كثير الإثم والمعاصي، لأنه يسمع آيات الله تتلى على مسامعه، وفيها الدلالة الواضحة على وحدانية الله وقدرته، ويبقى مصرّا على كفره، ويتكبر ويتعاظم عن الإيمان بالآيات، معجبا بنفسه، وكأنه لم يسمع الآيات، فهو في عدم الالتفات إليها، والإصغاء لمغزاها، يشبه حال غير السامع، فأخبره أيها النبي وبشّره بعذاب شديد مؤلم. والتعبير عن الخبر المحزن بالبشارة تهكم واحتقار. وقوله تعالى: يُصِرُّ أي يثبت على عقيدته من الكفر. وسبب نزول هذه الآية: ما كان يفعله أبو جهل والنضر بن الحارث وغيرهما، من إصرار على الكفر وعناد. وتعم الآية كل من دخل تحت الأوصاف المذكورة إلى يوم القيامة. والسبب الثاني لتعذيب أحد هؤلاء: أنه إذا علم هذا الأفاك الكذوب من آيات

стр. 2392

الله شيئا، أي أخبر بشيء منها، اتخذها مهزوءا بها، وموضعا للسخرية والتندر، أولئك الأفاكون، لهم عذاب مهين، أي مشتمل على المذلة والهوان والافتضاح. وكلمة (أولئك) مشار بها إلى قوله لِكُلِّ أَفَّاكٍ لأنه اسم جنس، له الصفات المذكورة بعده. وصفة ذلك العذاب: أن أمام أولئك الأفاكين جهنم يوم القيامة، أو أعقاب أفعالهم جهنم، ولا يدفع عنهم شيئا من العذاب ما كسبوا في الدنيا من الأولاد والأموال، كما قال الله تعالى في آية أخرى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [آل عمران: ٣/ ١٠ و١١٦] ولا ينفعهم أي نفع، ولا تفيدهم الأصنام التي اتخذوها آلهة، يعبدونها من دون الله، وأعوانا وأنصارا، يتوقعون منها النفع ودفع الضرر، ولهم عذاب شديد مؤلم في جهنم. وقوله سبحانه مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ قال بعضهم: معناه: من أمامهم، والواقع لا داعي لهذا التأويل، فكلمة (وراء) في اللغة هي المفيدة لما يأتي خلف الإنسان، وما يأتي بعد الشيء في الزمان فهو وراءه، وجهنم وإحراقها للكفار: يأتي بعد كفرهم وأفعالهم. وقوله سبحانه: وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني بذلك الأوثان. والفرق بين قوله أولا: لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ثم قوله وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أن الوصف الأول يدل على الإهانة مع العذاب، والوصف الثاني يدل على بلوغ العذاب أشده في كونه ضررا. ثم وصف الله تعالى القرآن الكريم بأنه طريق النجاة المحققة، وأنه هاد إلى الحق، ومرشد إلى الصواب، وناقل الناس من الظلام إلى النور، والذين جحدوا بآيات ربهم في القرآن، سواء الآيات الكونية أو الشرعية، لهم أشد العذاب يوم القيامة. ووصف العذاب سابقا بوصف (أليم) و (مهين) و (عظيم) يؤدي إلى قوله تعالى: عَذابٌ مِنْ

стр. 2393

رِجْزٍ أي عذاب من أشد أنواع العذاب وأكثرها إيلاما، لأن الرجز: أشد العذاب، وقوله تعالى: هذا هُدىً إشارة إلى القرآن، وأنه كامل في كونه هدى. هذا التهديد والوعيد لكل أفاك أثيم، أي كذّاب كثير الآثام، مبالغ في اقترافها والإصرار عليها، يستدعي وقفة تبصر، وتأمل في المصير المشؤوم، سواء من الأفّاك نفسه، أو من كل سامع، ربما يتصف بهذه الصفات. ويؤكد ذلك: أن الأفّاكين يتعرضون لخسارة محققة، فلا تفيدهم الأصنام التي عبدوها شيئا. ويجد المتأمل المتبصر القرآن أمامه هاديا إلى الخير، ومبعدا له عن الشر، وآخذا بيده نحو الطريق الأفضل، والسبيل الأقوم، فما على كل عاقل إلا أن يقبل على مائدة القرآن، ينهل منها ما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة. من نعم الله تعالى لا تفتأ تمر لحظة في حياة الإنسان المؤمن وغير المؤمن إلا والله ينعم عليه بنعم كثيرة، في نفسه وأفعاله وتحركاته، وأنشطته الاقتصادية والاجتماعية، وكلاءة هذه النعم ليقوم الدليل الدائم على وجود الله تعالى وفضله وتوحيده، وأنه الإله المعبود بحق، وفي ذلك مدعاة التأمل والتفكر، وضرورة التفويض لله تعالى في شأن عباده، والسمو عن التعصب ونظرة الحقد، ومعاملة الآخرين غير المؤمنين بالسماحة والعفو، والجزاء ينتظر الجميع: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قال الله تعالى مقرّرا هذه الأصول: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٢ الى ١٥] اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) «١» «٢»

стр. 2394

«١» [الجاثية: ٤٥/ ١٢- ١٥] . هذه باقة مزدهرة من أفضال الله ونعمه العديدة وهي: - أن الله تعالى هو الذي ذلّل لكم البحر لجريان السفن فيه بإذنه وتيسيره، وللاتّجار والتّكسّب بين الأقطار، وللصيد، ولاستخراج الدّر واللؤلؤ والمرجان وغيرها من أعماق البحار، وللسفر للحج والجهاد وغيرهما، وليكون ذلك موجبا للشكر على هذه النّعم بسبب هذا التسخير والتيسير، وتحقيق المنافع لبني آدم. وهذه آية عبرة في جريان السفن في البحر، لأن الله تعالى سخّر هذا المخلوق العظيم لهذا المخلوق الضعيف. وقوله بِأَمْرِهِ أناب القدرة والإذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك. والابتغاء من فضل الله تعالى: هو بالتجارة في الأغلب. وتسخير البحر بثلاثة أشياء: توفير الرياح المساعدة على سير السفن، أو التمكين من اختراع الطاقة الكهربائية والذّرية والفحم وغير ذلك، وقدرة تحمّل الماء لمئات الأطنان والآلاف، التي قد تزيد حمولة السفينة فيها على نصف مليون طن، وإبقاء الخشب والحديد طافيا على وجه الماء دون إغراق. - وذلّل لكم أيضا جميع ما في السماوات من شمس وقمر، وكواكب ونجوم، ومجرّات ورياح، وملائكة وغيرها، وجميع ما في الأرض، من جبال وبحار وأنهار، ورياح وأمطار، ومنافع أخرى، فضلا منه ورحمة، إن في ذلك التسخير لدلالات واضحات على قدرة الله وتوحيده وفضله، لقوم يتفكرون فيها، ويستدلّون بها على التوحيد.

стр. 2395

وقوله: جَمِيعاً مِنْهُ قال ابن عباس: كل إنعام فهو من الله تعالى. لذا أمر الله بمحاسن الأخلاق، فقل أيها النّبي للمؤمنين أتباعك بأن يعفوا ويصفحوا عن مؤذيات المشركين الذين لا يتوقعون عذاب الله ونعيمه، لعدم إيمانهم بالبعث، ليجزي الله أولئك المؤمنين، بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة، التي منها الصبر على أذى الكافرين. نزلت هذه الآية في صدر الإسلام، أمر الله تعالى المؤمنين فيها أن يتجاوزوا عن الكفار، وألا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر عليهم والمصابرة لهم. والآية تتضمن الغفران عموما. قال ابن عباس ﵄: لما أنزلت مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة: ٢/ ٢٤٥] . قال فنحاص اليهودي: احتاج ربّ محمد، تعالى الله عن قوله، فأخذ عمر ﵁ سيفه، ومرّ ليقتله، فردّه رسول الله ﷺ وقال له: إن ربّك يقول: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ.. وأيام الله معناه: أيام إنعامه ونصره ونعيمه في الجنة وغير ذلك. ويرجون: بمنزلة (يخافون) . وقوله: لِيَجْزِيَ وعيد للكافرين. ومضمون الآية: أن الله تعالى يجزي قوما بكسبهم، ويعاقبهم على ذنوبهم وإجرامهم، وأكّد ذلك بقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ... أي إن كل عمل صالح يعمل به الإنسان، وهو مما أمر الله تعالى به، أو نهى عنه، يعمل به لنفسه ومصلحته، ومن أساء العمل باجتراح السيئات والمنكرات، فعلى نفسه جنى، ثم تعودون أيها البشر إلى الله يوم القيامة، فتعرضون بأعمالكم عليه، فيجزيكم عليها خيرها وشرّها. ويلاحظ أنه تعالى عبّر عن مجيء العمل الصالح باللام، والإساءة بعلى.

стр. 2396

وقوله: ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ معناه: أنكم جميعا معشر الخلائق ترجعون إلى قضائه وحكمه. إن هذا البيان الإلهي أجمع بيان، وأوجزه، وأكثره عظة وعبرة، ومعذرة ونفعا، فجزاء العمل الصالح حقّ وعدل، وجزاء العمل السيئ حقّ وعدل أيضا، والميزان ميزان التمايز بالأعمال التي يفعلها الإنسان باختياره وإرادته، فيسأل عنها على النحو الصادر منه. نعمة الشرائع الشريعة الإلهية: هي النظام الأمثل للحياة البشرية في جميع أنحائها ومشتملاتها، تحقق الحاجة والمصلحة، وترعى الضعيف، وتنصف المظلوم، وتقيم العدل، وتضمن للقائم بها عز الدنيا، وسعادة الآخرة، وكان لبني إسرائيل شريعة في التوراة، لكنها اندثرت وضاعت، واختلفوا فيها بغيا وعدوانا، ثم ختمت الشرائع بشريعة خاتم النبيين، ليلزم بها جميع الناس، فهي عين البصيرة والحق، والهداية، والرحمة الشاملة، وليس من المعقول، ولا من مقتضى العدالة أن يتساوى المحسن والمسيء، والصالح والفاجر، والسعيد والشقي. وهذا ما أوضحته الآيات الكريمة: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٦ الى ٢٢] وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 2397

«١» «٢» [الجاثية: ٤٥/ ١٦- ٢٢] . المعنى: تالله، لقد آتينا الإسرائيليين كتاب التوراة، والسنّة والفقه والقضاء، وما تكرر فيهم من الأنبياء ﵈ كموسى وهارون، ورزقناهم من المستلذّات الحلال، لتتم النعمة ويحسن تعدادها، مثل المن والسلوى وطيبات الشام بعد، إذ هي الأرض المباركة، وفضلناهم على عالم زمانهم. وآتيناهم بينات من الأمر، أي الوحي الذي فصّلت به لهم الأمور، ولكنهم لم يشكروا هذه النعم الست، بل اختلفوا في أمر الدين وأخطئوا، فلم يكن اختلافهم اجتهادا في طلب الصواب، حتى يعذروا في الاختلاف، وإنما اختلفوا بغيا وظلما بينهم، بعد أن تبينوا الحقائق، فتوعدهم الله تعالى بوقف أمرهم على قضائه بينهم يوم القيامة، فإن الله سيفصل بينهم بحكمه العدل يوم القيامة، في شأن اختلافهم في أمر الدين، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويبين المحق من المبطل، وفي هذا تحذير للمسلمين أن يختلفوا كاختلاف بني إسرائيل. وأعقب الله تعالى بعد شريعة موسى ﵇ شريعة النبي محمد ﷺ ، فإياك أيها النبي من الاختلاف، واتبع شريعتك المنزلة عليك: وهي المشتملة على الفرائض والحدود والأمر والنهي، وهي من جملة أمر الله المشتمل على الأوامر والنواهي، ولا تتبع ما لا حجة فيه من أهواء الجهال المشركين، الذين لا يعلمون توحيد الله وشرائعه. والذين لا يعلمون: هم الكفار الذين كانوا يريدون صرف محمد ﷺ إلى إرادتهم.

стр. 2398

إن هؤلاء الكفار المشركين الجهلة، لن يدفعوا عنك من الله شيئا أراده بك، إن اتبعت أهواءهم، وخالفت شريعتك. ثم حقّر الله تعالى شأن الظالمين، مشيرا بذلك إلى كفّار قريش، فإنهم يتولى بعضهم بعضا، والمتقون: يتولاهم الله ، فخرجوا عن ولاية الله تعالى وعونه ونصره، وتبرأت منهم، ووكل الله تعالى بعضهم إلى بعض. وهذا القرآن بصائر للناس، أي معتقدات وثيقة منوّرة للناس طريقهم، وهادية إلى الجنة كل من عمل بها، ورحمة من الله وعذابه في الدنيا والآخرة، لقوم يوقنون بصحة الشرع وتعظيم ما فيه. بل ظن الذين اقترفوا الآثام والمعاصي في الدنيا، وكفروا بالله ورسله، وعبدوا غيره، أن نجعلهم كالذين صدّقوا بالله ورسله، وعملوا الأعمال الصالحة من إقامة الفرائض، واجتناب المحارم، بأن نسوي بينهم في الجزاء والثواب في الدنيا والآخرة، وأن محياهم ومماتهم سواء، فلا يستوي الفريقان حياة وموتا، ثوابا وعقابا، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة، وأولئك المشركون عاشوا على المعصية، إن زعموا ذلك، ساء الحكم حكمهم، وبئس القرار قرارهم. نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن الجراح ﵃، وفي ثلاثة من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقا، لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنا أفضل حالا منكم في الدنيا، فأنكر الله عليهم هذا الكلام. والدليل على صحة مبدأ التفاوت في الآخرة وحكم الله بين المحسنين والمسيئين: أن الله تعالى خلق أو أبدع السماوات والأرض بالحق المقتضي للعدل بين الناس،

стр. 2399

فلو لم يوجد البعث والحساب والجزاء، لما كان ذلك الخلق بالحق، بل كان بالباطل، ومن العدل: اختلاف الجزاء بين المحسن والمسيء، فتجزى كل نفس بما قدمت، من عمل صالح أو سيئ، وهم لا يظلمون شيئا بنقص ثواب أو زيادة عقاب. الوثنية وإنكار البعث للمشركين الوثنيين سيئات كثيرة، ومآخذ وعيوب عديدة، من أخطرها عبادة الأصنام، عملا بالهوى والشهوة، وإنكارهم البعث، وقولهم: ما يهلكنا إلا الدهر، أو الليل والنهار، وبعدهم عن الحق والخير، بسبب كفرهم وعنادهم، واعتمادهم على الأوهام والتخمينات، والتقليد الأعمى، فنبههم القرآن الكريم إلى أدلة قدرة الله وتوحيده، وإمكانه إحياء الناس مرة أخرى، وإلى حسابهم وجزائهم على ضلالهم، ومفاجأتهم بصحائفهم المدوّن فيها أعمالهم وعقائدهم، بالحق والعدل، دون زيادة أو نقص، لتكون شاهدة عليهم، وهذا بيان القرآن لأحوالهم: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٣ الى ٢٩] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥»

стр. 2400

[الجاثية: ٤٥/ ٢٣- ٢٩] . آسى الله تعالى أو آنس نبيه عن إعراض المشركين عن الإيمان، فطلب منه ألا يحفل بهم، ولا يهتم بأمرهم، فليس فيهم حيلة لبشر، لأن الله بسبب إمعانهم في الكفر أضلهم. ومعنى الآية: أخبرني عن حال هؤلاء المشركين الذين أطاعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم ما يهوونه، فكأنهم جعلوا الهوى إلها يعبدونه من دون الله، فلا يهوى أحدهم شيئا إلا اتبعه، وخذلهم الله، عالما بضلالهم، لفساد استعدادهم وأحوالهم، وطبع الله تعالى على أسماعهم وقلوبهم، فلا يسمعون الوعظ، وجعل على أبصارهم غطاء، فلا يبصرون الهدى والحق، فمن الذي يرشدهم للصواب بعدئذ؟ أفلا تتذكرون وتتعظون أيها المشركون؟ والهوى: ما تريده النفس وتحبّه. نزلت كما أخرج ابن المنذر وابن جرير الطبري عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش تعبد الحجر حينا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه، طرحوا الأول، وعبدوا الآخر، فأنزل الله: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ. وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفرة، فهي متناولة جميع أهواء النفس الأمّارة بالسوء. وآية وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ.. قال مقاتل: نزلت في أبي جهل. وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها، لأن التكسب فيها منصوص عليه في قوله تعالى: اتَّخَذَ وفي قوله تعالى: عَلى عِلْمٍ أي على علم من هذا الضلال، فإن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه، فهم معاندون مكابرون. وقال المشركون الماديون، والدهريون المنكرون للبعث: ما في الوجود إلا هذه الحياة الدنيوية التي نحن فيها، وليست ثمّ آخرة ولا بعث، وما يهلكنا إلا طول الزمان

стр. 2401

أو الدهر، ولا دليل لهم على هذه المقالة من نقل أو عقل، وما مستندهم إلا الظن والتخمين، من غير حجة أصلا، فهي ظنون منهم وتخرّصات، تفضي بهم إلى الإشراك بالله تعالى. والدهر والزمان بمعنى واحد عند العرب. أخرج ابن المنذر عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فأنزل الله: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ودليلهم على إنكار البعث ما قالوا: إذا تليت عليهم بعض آيات القرآن، واضحات الدلالة على قدرة الله على البعث والقيامة، قالوا: أحضروا آباءنا الذين ماتوا أحياء، إن كنتم أيها المؤمنون صادقين في إمكان البعث، لنسألهم عما رأوا، ويشهدوا لنا بصحة البعث. فأجابهم الله تعالى: قل أيها النبي لهؤلاء المشركين منكري البعث: إن الله أحياكم في الدنيا، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يجمعكم جميعا يوم القيامة، جمعا لا شك فيه بعد إماتتكم، بلا ريب في نفسه وذاته، فإن الذي قدر على البداءة، قادر على الإعادة بطريق الأولى، ولكن أكثر الناس، وهم مشركو العرب ينكرون البعث، من غير تأمل ولا تدبر وإمعان فكر. ودليل آخر على إمكان البعث: قدرة الله الخارقة، فالله مالك السماوات والأرض، والحاكم فيهما، والمتصرف بهما وحده في الدنيا والآخرة، ويوم تقوم القيامة، يخسر المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، بدخول جهنم، يظهر خسرانهم في ذلك اليوم، لصيرورتهم إلى النار. ومن أهوال القيامة: ترى كل أمة (جماعة عظيمة من الناس يجمعها معنى أو وصف شامل لها) جاثية على الركب، وهي هيئة المذنب الخائف، فهم لشدة الأمر، يجثون على الركب بين يدي الله عند الحساب، وكل أمة تدعى إلى كتابها المنزل

стр. 2402

على رسلهم، أو إلى صحف أعمالهم، وفي يوم القيامة: يجزيكم الله بما عملتم في الدنيا من خير وشر، تجازون فيها، من غير زيادة ولا نقص. وهذه صحف الأعمال التي أمر الله الملائكة الحفظة بكتابتها، تشهد عليكم، وتذكر جميع أعمالكم، من غير زيادة ولا نقص، إن الله كان يأمر الحفظة أن تكتب أعمال الناس عليهم، وتثبّتها وتحفظها عليهم، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة الذين هم في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، أي إن الله عن طريق ملائكة يقيد كل ما عمل الناس، ويحدث تطابق ومراجعة بين ما دوّنته الحفظة، من اللوح المحفوظ، وبين ما يفعله العباد، ثم يمسكونه عندهم، فتأتي أفعال العباد على نحو ذلك، وهذا هو الاستنساخ المذكور في الآية (٢٩) . أحوال المؤمنين والكافرين في الآخرة أخبر القرآن الكريم عن أحوال المؤمنين وجزائهم الحسن، وأحوال الكافرين وسوء عقابهم، للمقارنة أو الموازنة بين مصير الفريقين، فإن الأشياء تتبين بأضدادها، فيبين الأمر في نفس السامع، ومن أسباب عقاب الكفار: إنكار القيامة، واستبعادهم لها، وتوهم وجودها من غير تحقق ولا تيقن، واستهزاؤهم بها، واغترارهم بالدنيا، وترك استعدادهم للآخرة، بالإيمان والعمل الصالح، مع أن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، لأنه يملك السماوات والأرض وما بينهما، وهو رب العالمين جميعا، وهو صاحب العزة والكبرياء، فلا يغالبه أحد، هذا ما وصف القرآن لنا: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٠ الى ٣٧] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) «١»

стр. 2403

«١» «٢» «٣» [الجاثية: ٤٥/ ٣٠- ٣٧] . ذكر الله تعالى حال الفريقين من المؤمنين والكافرين، ليتبين الأمر للمخاطب في نفسه، ويعتبر من المقارنة بين الحالين، من طريق المقابلة وذكر الأضداد. فأما الذين صدقوا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال، بأداء الفرائض أو التكاليف، فيدخلهم ربهم الجنة، وذلك الإدخال محقق لنيل البغية والظفر بالمطلوب. وأما الذين أنكروا وحدانية الله والبعث، فيقال لهم على سبيل التوبيخ: ألم تكن آياتي الكونية والقرآنية تتلى على مسامعكم، فاستكبرتم وأبيتم الإيمان بها، وكنتم قوما مجرمين في أفعالكم، بارتكاب الآثام والمعاصي. وإذا قيل لهؤلاء الكفار: إن وعد الله بالبعث والحساب حق ثابت، والقيامة حتمية لا شك في وقوعها، فآمنوا بذلك، أجبتم: لا نعرف ما القيامة؟ إن نتوهم بوقوعها إلا توهما ضعيفا، ولسنا بمتحققين أن القيامة آتية، أي إن نظن بعد قبول خبركم إلا ظنا ضعيفا، ولا يعطينا يقينا. وظهر لهم حال يوم القيامة وقبائح أعمالهم، وأحاط ونزل بهم جزاء أعمالهم

стр. 2404

بدخولهم النار، وعوقبوا بما هزئوا به في دار الدنيا: وهو العذاب والنكال. وقوله: ما كانُوا على حذف مضاف، تقديره: جزاء ما كانوا، أي عقاب كونهم يستهزئون. والنجاة ميئوس منها،. فيقال لهم: اليوم نعاملكم معاملة الناسي لكم، فنترككم في العذاب، كما تركتم العمل لهذا اليوم، وتجاهلتم ما نزل في القرآن، ومستقركم الذي تأوون إليه هو النار، وليس لكم من أنصار، ينصرونكم ويمنعون عنكم العذاب، وبعبارة أخرى: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هنا، فلم تستعدوا ولم تتأهبوا له، فسميت العقوبة في هذه الآية باسم الذنب. والمأوى: الموضع الذي يسكنه الإنسان، ويكون فيه عامة أوقاته. وأسباب هذا العقاب: أنكم اتخذتم القرآن هزوا ولعبا، وخدعتكم الدنيا بزخارفها وزينتها، فاطمأننتم إليها، فاليوم لا يخرجون من النار، ولا يطلب منهم العتبى، بالرجوع إلى طاعة الله، واسترضائه، لأنه يوم لا تقبل فيه التوبة، ولا تنفع فيه المعذرة، لفوات الأوان، والله وحده هو القادر على البعث، فله الحمد الخالص على النعم الكثيرة لله خالق السماوات والأرض ومالكهما، ومالك ما فيهما من إنس وجن وحيوان، وأجسام وأرواح، وذوات وصفات. ولله العظمة والجلال في أرجاء السماوات والأرض، وهو سبحانه القوي الغالب القاهر في سلطانه، فلا يغالبه أحد، الحكيم في أقواله وأفعاله. وهذا تحميد لله تعالى، وتحقيق لألوهيته، وإبطال لألوهية الأصنام، جاء في الحديث الثابت الذي أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما، أسكنته ناري» وفي لفظ (قصمته) .

стр. 2405

الله تعالى هو الجدير بالعبادة، لأنه شامل الملك في السماوات والأرض، وكامل الذات والوجود والأوصاف، والمتنزه عن كل نقص، وله وحده الكبرياء والعظمة، الظاهر آثارهما في السموات والأرض، العزيز الذي لا يغلب، القادر الذي لا يعجز، الحكيم في كل ما قضى وقدر، فاحمدوه وحده أيها العباد، واعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأطيعوا كل ما أمر. هذه خاتمة سورة الجاثية وهي خاتمة رائعة، والقرآن كله ينطق بالحق والعدل.

стр. 2406

تفسير سورة الأحقاف إثبات وحدانية الله تعالى إثبات توحيد الله والبعث: هما أساس الخلاف الحادّ مع المشركين، لذا عنيت آيات القرآن الكريم بالرد على مزاعم هؤلاء المشركين حول تعدد الآلهة، وألوهية الأصنام، ونفي البعث، ومحور الرد يعتمد على إثبات القدرة الإلهية، بخلق السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات، وسلب القدرة الخلاقة على الخلق عن الآلهة المزعومة، ونفي إمكان نفعها لعابديها في الدنيا والآخرة، بل تكون أعداء لعابديها، وهذا هو الكلام الفصل في الآيات الآتية في مطلع سورة الأحقاف المكية: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) «١» «٢» [الأحقاف: ٤٦/ ١- ٦] .

стр. 2407

افتتحت السورة بالأحرف المقطعة للتنبيه على ما يأتي في السورة، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن أو آية منه. وتقترن هذه الأحرف غالبا بالتحدث عن القرآن، لإثبات نزوله من عند الله وإعجازه. وتنزيل القرآن الكامل في كل شيء حاصل من الله ، القوي الغالب لكل من حادّه أو عارضة، المحكم المتقن، الحكيم في تدبيره وصنعه، وأقواله وأفعاله، يضع كل أمر في موضعه المناسب له. ما أوجدنا أو أبدعنا السماوات العليا، والأراضي السفلى، إلا بما يتفق مع الواجب الحسن، الذي حق أن يكون، وإلى مدة معينة لا تزيد ولا تنقص، وهي يوم القيامة. والذين جحدوا وحدانية الله: معرضون عن الإنذار، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل، فهم لاهون عما يراد بهم. ثم ردّ الله تعالى على عبدة الأوثان، آمرا نبيه أن يقول للمشركين الوثنيين: أخبروني عما تدعون من غير الله كالأصنام وأهل القبور، بعد التأمل في الكون، وخلق السماوات والأرض وما بينهما، هل تمكّنوا من إبداع أو خلق شيء في الأرض؟ وهل لهم مشاركة في ملك السماوات والتصرف فيها؟ الواقع أنهم عجزة عجزا تاما عن خلق شيء، أحضروا لي دليلا مكتوبا قبل القرآن، مما نزل على الأنبياء كالتوراة والإنجيل، يدل على صحة عبادة الأصنام؟ أو هل لكم بقية من علم الأنبياء السابقين، أو أحد العلماء؟ يرشد إلى صحة هذا المنهج الذي سرتم عليه، ويقتضي عبادة الأصنام، إن كنتم صادقين في ادعائكم ألوهية الأصنام أو الأوثان؟ والمعنى: لا دليل لكم من النقل أو العقل على ذلك، وليس لكم كتاب منزل قبل القرآن، يتضمن عبادة صنم أو وثن. وقوله تعالى مِنَ الْأَرْضِ من: للتبعيض، لأن كل ما على وجه الأرض من حيوان ونحوه فهو من الأرض.

стр. 2408

ثم وبّخ الله تعالى عبدة الأصنام، مبينا أنه لا أحد أضل ممن هذه صفته، بعبادة الأصنام من دون الله، فإنه يدعو من لا يسمع إلى يوم القيامة، والأصنام غافلون عمن دعاهم، لا يسمعون ولا يعقلون، لكونهم جمادات. والمراد: أنه ليس للأصنام قدرة على شيء، ولا علم لديها بشيء، فهي جمادات، وعبادة الجماد: محض الضلال، فهم لا يتأملون ما هم عليه في دعاء من هذه صفته. وعبر عن الأصنام بقوله: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ كخطاب العقلاء، معاملة لها كالعقلاء، في مزاعم أصحابها وعبدتها. ومما يؤكد نفي العلم الدال على عبادة الأصنام: أنه إذا جمع الناس الكفار، [والأصنام يوم القيامة في موقف الحساب، كانت الأصنام لهم أعداء، تظهر التبري منهم والإنكار عليهم، وتصبّ اللعنة عليهم، وتقول كما حكى القرآن الكريم عنهم: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [القصص: ٢٨/ ٦٣] وكانت الأصنام جاحدين مكذبين بتلك العبادة. وكذلك تتبرأ الملائكة والمسيح عيسى ابن مريم وعزير والشياطين ممن عبدوهم يوم القيامة. إن العقل الإنساني السوي، وعزة الإنسان وكرامته، يأبى كل ذلك الخضوع الإرادي لصنم أو وثن، لا يضر ولا ينفع، ولا يعقل ولا يسمع، ولا يفهم ولا يستجيب لشيء، ومع كل هذه الأدلة القاطعة والبراهين المحسوسة يظل البدائيون في بعض البلاد الإفريقية وغيرها عاكفين على أصنامهم في القرن العشرين، على الرغم من دراساتهم العلمية في الجامعات الأمريكية والأوربية، بعد عودتهم لبلادهم، كما هو مشاهد ومعروف.

стр. 2409

شبهات المشركين حاول المشركون الدفاع عن أفكارهم ومعتقداتهم، بإلقاء الشبهات الفارغة حول القرآن الكريم، والوحي الإلهي والنبوة، فوصفوا القرآن بالسحر، وكذبوا بالنبوة، فزعموا أن محمدا افترى القرآن من عند نفسه، لا بوحي من ربه، وطالبوا بمعجزات مادية عجيبة للتحدي والإرباك، وبأن يخبرهم عن بعض الغيبيات، واستعلوا على فئة الضعفاء، وأنفوا من مجالستهم، وقالوا: لو كان هذا الدين خيرا ما سبقونا إليه، فأبطل القرآن دعاويهم، وأوضح مهمة القرآن من إنذار الظلمة وتبشير المحسنين، وبيان عاقبة المستقيمين من الخلود في الجنان، وإبعاد المخاوف والأحزان عنهم، قال الله تعالى واصفا ذلك: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٧ الى ١٤] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) «١» «٢» «٣» «٤» [الأحقاف: ٤٦/ ٧- ١٤] .

стр. 2410

المعنى: إذا تليت آيات القرآن الواضحة على المشركين، وصفوا الحق الذي أتاهم وهو القرآن بأنه سحر واضح، وتمويه كاذب، أي إنهم كفروا وافتروا وكذّبوا. بل إنهم يقولون: افترى محمد القرآن، واختلقه من عند نفسه، كذبا على الله، فقل أيها الرسول لهم: لو افتريته وكذبت على الله، على سبيل الافتراض، لعاقبني الله تعالى أشد العقاب، ولا تملكون أن تعملوا لي شيئا، أو تسعفوني وتنقذوني. والله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه، من تكذيبه، ووصفه بالسحر والكهانة، كفى بالله شاهدا صادقا يشهد لي: بأن القرآن من عند الله، وبتبليغه إياكم، ومع هذا فالله غفور لمن تاب وآمن، وصدق بالقرآن وعمل به، وهو رحيم به، حيث لا يعاقبه على ما سبق منه، وفي هذا جمع بين الوعيد والترهيب، والترغيب لهم في التوبة والإنابة. وقل لهم أيها الرسول على اقتراح المعجزات: لست بأول رسول في العالم، ولا مبتدعا شيئا لا مثيل له، بل هناك رسل كثيرون قبلي، ولا أعلم ما يفعل بي ولا بكم في المستقبل، وإنما أتبع الوحي الذي أنزله الله علي في القرآن والسنة، ولا أبتدع شيئا من عندي، ولست إلا نذيرا لكم، أنذركم عقاب الله وأخوّفكم عذابه، وأوضح ما جاء من عند الله . ثم أكد الله خسارة المشركين، فقل أيها الرسول لهم: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله في الحقيقة، ثم كفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل، العالمين بالتوراة على صحته وعلى ما قلت، فآمن هذا الشاهد: وهو عبد الله بن سلام الذي أسلم بعد الهجرة، ثم تكبرتم عن الإيمان به، فقد ظلمتم أنفسكم، والله لا يوفق الظالمين إلى الخير. أخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: في عبد الله بن سلام نزلت

стр. 2411

هذه الآية، وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، ثم قال مشركو مكة حينما رأوا إيمان جماعة من الفقراء المستضعفين، كعمار وصهيب وابن مسعود: لو كان هذا الدين خيرا، ما سبقنا إليه هؤلاء، وحين لم يهتدوا بالقرآن ظهر عنادهم، وسيقولون بعدئذ: هذا كذب مأثور عن الأقدمين. نزلت كما أخرج الطبري عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعز، ونحن ونحن، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا.. وقال قتادة أيضا: هي مقالة أشراف قريش، يريدون عمارا وصهيبا وبلالا ونحوهم ممن أسلم، وآمن بالنبي ﵌. ومما يدل على أن القرآن حق وصدق، وأنه من عند الله: اعترافكم أيها المشركون بإنزال التوراة على موسى، الذي هو إمام وقدوة يقتدى به في الدين، وهو رحمة لمن آمن به، وهذا القرآن الموافق للتوراة في أصول الشرائع، مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب المتقدمة، أنزله الله لينذر به النبي من عذاب الله الذين ظلموا أنفسهم، وهم مشركو مكة، ويبشّر به المؤمنين الذين أحسنوا عملا. ثم ذكر الله تعالى حال المؤمنين، وجزاءهم الأخروي، فإن الذين جمعوا بين التوحيد والاستقامة على منهج الشريعة، لا يخافون من وقوع مكروه بهم في المستقبل، ولا يحزنون من فوات محبوب في الماضي. والخوف: هو الهمّ بما يستقبل، والحزن: هو الهمّ بما مضى، وقد يستعمل فيما يستقبل استعارة، لأنه حزن لخوف أمر ما. أولئك المؤمنون الموحدون المستقيمون على أمر الله: هم أهل الجنة ماكثون فيها على الدوام، مقابل ما قدموه من أعمال صالحة في الدنيا، أي إن الجزاء بسبب العمل الصالح في الدنيا، على منهج العدل والحق. وهذا دليل على أن الله تعالى جعل الأعمال أمارات على جزاء الإنسان، لا أنها توجب على الله تعالى شيئا، لكن لا يكون دخول الجنة إلا بفضل من الله وإحسان.

стр. 2412

الإيصاء ببرّ الوالدين - ١- البارّ بوالديه الوالدان: سبب وجود الولد، ولهما الفضل بتربيته ورعايته، صغيرا وكبيرا، لذا كانت الوصية من الله تعالى لعباده ببر الأبوين، والإحسان إليهما، وكان برّ الوالدين في الشريعة واجبا بآيات كثيرة في القرآن العظيم، وعقوقهما كبيرة من الكبائر، روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁: أن نبي الله ﷺ كان يقول: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» . وألزم القرآن الكريم في آياته الأولاد برّ آبائهم وأمهاتهم، ونهى عن عقوقهم، وذكر الله تعالى حق الأمهات على الأبناء والبنات، وجعل الأم في أربع مراتب، والأب في مرتبة واحدة، كما في هذه الآيات: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٥ الى ١٦] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) «١» «٢» «٣» [الأحقاف: ٤٦/ ١٥- ١٦] . نزلت هذه الآية- كما ذكر الطبري- في شأن أبي بكر الصديق ﵁، ثم

стр. 2413

هي تتناول من بعده. وقال السدّي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، والأولى أنها للعموم الشامل لهاتين الواقعتين وغيرهما. والمعنى: وصينا الإنسان وأمرناه أن يحسن لوالديه، في الحياة وبعد الموت. والتوصية: الأمر المقترن بالوعظ والإشعار بالعناية بالشيء المأمور به. والإحسان: بالحنو عليهما والكلام اللطيف معهما، والإنفاق عليهما عند الحاجة، والبشاشة عند لقائهما. وذكرت الأم مرة في قوله تعالى: بِوالِدَيْهِ ثم ذكرت في مراتب ثلاث أخرى وهي حمل الأم ثم وضعها، ثم رضاعها الولد الذي عبر عنه بالفصال، وهذا يناسب ما قال رسول الله ﷺ حين جعل للأم ثلاثة أرباع البر، والربع للأب. وذلك حين قال له رجل: «يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك» «١» . والحمل والوضع بكره، أي بمشقة. حتى إذا بلغ الولد أشده، أي كمل عقله ورأيه، واشتد ساعده، وذلك: ستة وثلاثون، في أقوى الأقوال، وبلغ أربعين سنة، قال: رب ألهمني ووفقني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي، وعلى والديّ، من نعمة الهداية إلى الدين الحق والتوحيد، وغير ذلك من نعم الدنيا، كسلامة العقل والصحة، ووفرة العيش، وكمال الخلقة، وحنان الأبوين في الصغر، وألهمني ووفقني للعمل الصالح الذي ترضاه مني: وهو الصلوات، وأصلح لي في ذريتي بجعلهم أهل طاعة وخيرية، ومعنى الآية: أن هكذا ينبغي للإنسان أن يفعل، وهذه وصية الله تعالى في كل الشرائع. إني تبت من الذنوب، ورجعت إليك من العيوب، وإني من المنقادين لطاعتك، المخلصين لتوحيدك.

стр. 2414

وجزاء هؤلاء الصالحين: أن الله تعالى يتقبل من أولئك الموصوفين بالصفات المتقدمة أحسن أعمالهم، وهو ما قدّموه من صالح العمل، وعمل الخير في الدنيا، المتفق مع أمر الله تعالى، ويعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، لأنها تتلاشى بالحسنات، كما قال الله سبحانه: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١/ ١١٤] . وهم من جملة أصحاب الجنة، الذين سبقت لهم رحمة الله تعالى، وقد وعد الله أهل الإيمان بالقبول، وعدا صادقا منجزا. وقوله تعالى: أُولئِكَ بالإشارة إلى البعيد، لبيان علو منزلتهم، وهو إشارة إلى الإنسان المذكور باعتبار الجنس، في قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ وجمعه باعتبار أفراد الإنسان، الذين تحقق فيهم ما ذكر من الأوصاف، بمعرفة حقوق الوالدين، والرجوع إلى الله بسؤال التوفيق للشكر، وذلك مشعر بأن هذه الأوصاف: هي أوصاف الإنسان الكامل. وقوله: أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي حسن ما عملوا، فيشمل الحسن والأحسن. وقوله: وَعْدَ الصِّدْقِ مصدر مؤكد لما قبله، أي وعدهم ذلك وعد الصادق في قوله وفعله، وتنفيذ وعده. واستفيد من هذه الآية: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ومن آية لقمان: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: ٣١/ ١٤] أن أقل الحمل ستة أشهر، لأن الرضاع يكون في حولين كاملين في آية: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢/ ٢٣٣] فإذا كان أكثر مدة الرضاع حولين كاملين، بقي للحمل من الثلاثين شهرا: ستة أشهر. وكان علي ﵁ أول من استدل بهاتين الآيتين، للدلالة على أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر.

стр. 2415

- ٢- العاق لوالديه الموازنة أو المقارنة بين الأضداد تظهر الفوارق، وتحمل الإنسان على تبين الاتجاه الأفضل، وترك التوجه الأدنى أو الأسوأ. فإذا كان البارّ بوالديه يتبوأ عند الله المنزلة العالية، ويرضى عنه، ويدخله جنته، فإن العاق لوالديه، في غضب الله وسخطه، وتعرضه لعذاب النار، وتحقق خسارته. وقد أنزل الله تعالى آيات تفيد العموم في حال البارّ والعاقّ، ولم يصح كون آيات العقوق نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، بدليل قول عائشة ﵂: والله ما نزل في آل أبي بكر من القرآن غير براءتي، وإني لأعرف فيمن نزلت هذه الآية: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ وهذه هي الآيات الآتية في العاق لوالديه: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٧ الى ٢٠] وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) «١» «٢» «٣» «٤» [الأحقاف: ٤٦/ ١٧- ٢٠] . قال ابن عطية: الأصوب أن تكون هذه الآية في أهل هذه الصفات، ولم يقصد بها عبد الرحمن بن أبي بكر ولا غيره من المؤمنين، والدليل القاطع على ذلك قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ وكان عبد الرحمن

стр. 2416

رضي الله عنه من أفضل الصحابة ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غناء، ويكفيه مقامه مع مروان يوم اليمامة وغيره. والمعنى: والذي قال لأبويه حينما دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: أفّ لكما، أي أتضجر وأتبرم مما تقولانه، أتخبرانني أنني سأبعث من قبري بعد الموت لموعد الله؟ إن هذا البعث مستنكر، فقد مضت الأمم الكثيرة من قبلي، كعاد وثمود، ماتوا ولم يبعث منهم أحد. ووالده يسألان الله أن يوفقه للإيمان، ويقولان له: ويلك آمن بالله وبالبعث، أي هلاكا لك، إن وعد الله حق لا خلف فيه، والمراد: الحث على الإيمان، فيقول هذا الولد مكذبا لما قال والده: ما هذا الذي تقولانه من البعث إلا أباطيل السابقين التي سطروها في الكتب، والبعث باطل في زعمه. فكان جزاء هذا القائل ما ذكر الله تعالى: أولئك القائلون هذه المقالة هم الذين وجب عليهم العذاب، واستحقوا غضب الله، في جملة الأمم الكافرة المتقدمة، فهم منضمون في ذلك إليهم، سواء كانوا من الجن، أو الإنس الذين كذبوا الرسل، وهم من جملة الخاسرين، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يقتضي أن الجن يموتون كما يموت البشر قرنا بعد قرن. ثم ذكر الله تعالى مراتب كل من فريقي الإحسان والإساءة، فلكل فريق منهم مراتب ومنازل عند الله يوم القيامة، أما المحسنون الأبرار: فهم في المراتب العليا، وأما المسيئون الأشرار: فهم في المراتب الدنيا. والله يوفي الفريقين جزاء أعمالهم من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منها، وليوفيهم جزاء أعمالهم بنحو تام، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وهم لا يظلمون شيئا بنقص ثواب، أو زيادة عقاب. فقوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ يعني لكل من المحسنين والمسيئين منازل. وأحوال العقاب وأهوال القيامة شديدة كئيبة، فاذكر أيها النبي لقومك حين

стр. 2417

تعرض النار على الكفار، أي يعذبون فيها،. فهو عرض بالمباشرة، فيقال لهم تقريعا وتوبيخا: استوفيتم لذاتكم في الدنيا، وتمتعتم بها، باتباع الشهوات واللذات، وصرفتموها في معاصي الله سبحانه، دون مبالاة بالذنب، ففي هذا اليوم تجازون بالعذاب الشديد الذي فيه مذلة وهوان، بسبب تكبركم عن عبادة الله، والإيمان به وتوحيده بغير حق، وخروجكم من طاعة الله إلى دائرة الفسق والفجور، فقد آثرتم اللذة الفانية على الدائمة. و (الطيبات) : الملاذ. و (عذاب الهون) العذاب الذي اقترن به هوان، وهو عذاب العصاة المواقعين ما قد نهوا عنه، وهذا واضح في الدنيا، فعذاب المحدود في معصية، كالحرابة ونحوها مقترن بالهوان، وعذاب المقتول في حرب ليس فيه هوان. والهون والهوان: بمعنى واحد. وهذه الآية، وإن كانت في الكفار، فهي رادعة لأولي العقل (النّهى) من المؤمنين، عن الشهوات واستكمال الطيبات. ومن ذلك قول عمر ﵁: «أتظنون أنّا لا نعرف طيب الطعام؟ ذلك لباب (خالص) البر (القمح) بصغار المعزى، ولكنا رأينا الله تعالى نعى على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا» . ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد. العبرة من قصة هود ﵇ لقد أورد القرآن الكريم أخبار مجموعة من قصص الأنبياء للعبرة والعظة، على النحو الجماعي والفردي. ومن هذه القصص قصة هود مع قومه عاد، وعاد قبيلة عربية من إرم، كانوا يسكنون الأحقاف: واد باليمن فيه منازلهم بين عمان ومهرة، والغاية من هذه القصة تذكير أهل مكة وأمثالهم، بقوم هود وما حل بهم، وقد كانوا

стр. 2418

أشد منهم قوة وأكثر جمعا، وقد أبادهم الله بالريح الصرصر العاتية، فهل من عاقل متعظ؟ هذا ما ذكرته الآيات الآتية: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢١ الى ٢٨] وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأحقاف: ٤٦/ ٢١- ٢٨] . أمر الله تعالى نبيه ﷺ بذكر قصة هود ﵇ مع قومه عاد، على جهة المثال لقريش وأشباهها. اذكر أيها النبي لقومك أخا عاد: وهو هود ﵇، وهذه الأخوة هي أخوة القرابة، لأن هودا ﵇ كان من أشراف قبيلته عاد، وليست أخوة في الدين، وذلك حين أنذر، أي خوّف قومه في وادي الأحقاف بحضرموت، وأخبرهم أن الرسل قبله وبعده أنذروا مثل إنذاره، وهو ألا يعبدوا غير الله تعالى، ولا يشركوا به شيئا، فإني أخشى أن يحل بكم عذاب شديد عظيم الأهوال، والنذر: جمع نذير، اسم فاعل، أي منذر.

стр. 2419

فأجابوه بقولهم: لقد أتيتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة الله، فأتنا بما تعدنا من العذاب العظيم، إن كنت صادقا في قولك ووعيدك. فرد هود ﵇ قائلا: إنما العلم بوقت نزول العذاب محصور بالله تعالى، لا عندي، وشأني مقصور على أن أبلغكم ما أرسلت به من ربكم من الإنذار والتحذير من العذاب، لا أن آتي به، فليس ذلك في مقدوري، ولكني أراكم قوما تجهلون المخاطر في المستقبل، إذا أصررتم على الكفر، ولم تهتدوا بما جئتكم به. وجاءت أمارات العذاب، حيث رأوا سحابا متجها نحو أوديتهم، فقالوا: هذا سحاب ممطر، ففرحوا به واستبشروا، بعد أن امتنع عنهم المطر، فلم يكن مطر رحمة، وإنما مطر عذاب، وهذا هو العذاب الذي تعجلتم بطلبه، وهو ريح سموم فيها عذاب أليم، وهو المذكور في الآية السابقة حين قلتم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ وضمير (رأوه) عائد على غير مذكور، دل عليه قوله: عارِضاً وهو الشيء المرئي الطالع عليهم، فصار في حكم المعلوم. وتلك الريح تخرب وتهلك كل شيء مرت به، من نفوس وأموال، بإذن الله في ذلك، فأصبح قوم عاد جثثا هامدة، وبادوا عن آخرهم، ولم تبق لهم بقية، وأصبحوا لا يرى إلا آثار مساكنهم، وهذا الحكم كحكم كل من كذب رسلنا وخالف أمرنا، ومثل هذا الجزاء نجازي كل قوم أجرموا، فلم يؤمنوا بالله، والمقصود: تخويف أهل مكة وأمثالهم. وقوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في كل ما أمرت بتدميره. ولقد مكنا قوم عاد والأمم السالفة في الدنيا، من الأموال والأولاد، وقوة الأبدان، وطول العمر، بمقدار لم نجعل لكم يا أهل مكة مثله ولا نحوه، فقد كانوا

стр. 2420

أشد منكم قوة، وأكثر أموالا وأولادا، وأعز جانبا، وأمنع سلطانا. وإنهم أعرضوا عن هداية الله، على الرغم من منحهم السمع الجيد، والبصر السليم، والفؤاد الواعي، فما أفادهم كل ذلك شيئا، لعدم إعمال تلك الحواس في المفيد، لأنهم كانوا ينكرون آيات الله، وأحاط أو نزل بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء بقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا. ومن الواجب على العقلاء الاتعاظ بهذا المصير، فلقد أهلكنا يا أهل مكة ما حولكم من البلاد، من القرى المكذبة بالرسل، مثل قرى ثمود، ومدائن لوط، ومدين في جوار الحجاز، وأهل سبأ باليمن، وبيّنا الآيات وأوضحناها، لكي يرجعوا عن كفرهم، فلم يرجعوا. فهلا نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها إلى الله لتشفع لهم، ودفعت الهلاك عنهم، بل غابوا وذهبوا عنهم، ولم يحضروا لنصرتهم، وعند الحاجة إليهم، وسبب ذلك الضياع وانعدام نفع آلهتهم: هو إفكهم، أي كذبهم، وما كانوا يفترون، أي يكذبون ويختلقون. وفي هذا توبيخ لأهل مكة، وتنبيه إلى أن أصنامهم لا تنفعهم شيئا، فلو نفعت لأغنت من كان قبلهم. وفادة الجن على النبي ﷺ الرسول محمد ﷺ رسول لجميع العالمين من الإنس والجن، وقد بلّغ رسالته للفريقين، فكان فيهما من آمن، ومن كفر، فالمؤمن مثاب على إيمانه وعمله الصالح، والكافر معاقب على كفره وجحوده برسالة هذا النبي. أما طريقة التبليغ للإنس فمعروفة، وهي التبشير والإنذار، وإيضاح الدلالات الدالة على وجود الله وتوحيده ووجوب طاعته، بالحجة والإقناع، وأما طريقة تبليغ الجن فمجهولة لدينا، ولا
следующие страницы →