← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

رضي الله عنه من أفضل الصحابة ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غناء، ويكفيه مقامه مع مروان يوم اليمامة وغيره. والمعنى: والذي قال لأبويه حينما دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: أفّ لكما، أي أتضجر وأتبرم مما تقولانه، أتخبرانني أنني سأبعث من قبري بعد الموت لموعد الله؟ إن هذا البعث مستنكر، فقد مضت الأمم الكثيرة من قبلي، كعاد وثمود، ماتوا ولم يبعث منهم أحد. ووالده يسألان الله أن يوفقه للإيمان، ويقولان له: ويلك آمن بالله وبالبعث، أي هلاكا لك، إن وعد الله حق لا خلف فيه، والمراد: الحث على الإيمان، فيقول هذا الولد مكذبا لما قال والده: ما هذا الذي تقولانه من البعث إلا أباطيل السابقين التي سطروها في الكتب، والبعث باطل في زعمه. فكان جزاء هذا القائل ما ذكر الله تعالى: أولئك القائلون هذه المقالة هم الذين وجب عليهم العذاب، واستحقوا غضب الله، في جملة الأمم الكافرة المتقدمة، فهم منضمون في ذلك إليهم، سواء كانوا من الجن، أو الإنس الذين كذبوا الرسل، وهم من جملة الخاسرين، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يقتضي أن الجن يموتون كما يموت البشر قرنا بعد قرن. ثم ذكر الله تعالى مراتب كل من فريقي الإحسان والإساءة، فلكل فريق منهم مراتب ومنازل عند الله يوم القيامة، أما المحسنون الأبرار: فهم في المراتب العليا، وأما المسيئون الأشرار: فهم في المراتب الدنيا. والله يوفي الفريقين جزاء أعمالهم من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منها، وليوفيهم جزاء أعمالهم بنحو تام، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وهم لا يظلمون شيئا بنقص ثواب، أو زيادة عقاب. فقوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ يعني لكل من المحسنين والمسيئين منازل. وأحوال العقاب وأهوال القيامة شديدة كئيبة، فاذكر أيها النبي لقومك حين

стр. 2417

تعرض النار على الكفار، أي يعذبون فيها،. فهو عرض بالمباشرة، فيقال لهم تقريعا وتوبيخا: استوفيتم لذاتكم في الدنيا، وتمتعتم بها، باتباع الشهوات واللذات، وصرفتموها في معاصي الله سبحانه، دون مبالاة بالذنب، ففي هذا اليوم تجازون بالعذاب الشديد الذي فيه مذلة وهوان، بسبب تكبركم عن عبادة الله، والإيمان به وتوحيده بغير حق، وخروجكم من طاعة الله إلى دائرة الفسق والفجور، فقد آثرتم اللذة الفانية على الدائمة. و (الطيبات) : الملاذ. و (عذاب الهون) العذاب الذي اقترن به هوان، وهو عذاب العصاة المواقعين ما قد نهوا عنه، وهذا واضح في الدنيا، فعذاب المحدود في معصية، كالحرابة ونحوها مقترن بالهوان، وعذاب المقتول في حرب ليس فيه هوان. والهون والهوان: بمعنى واحد. وهذه الآية، وإن كانت في الكفار، فهي رادعة لأولي العقل (النّهى) من المؤمنين، عن الشهوات واستكمال الطيبات. ومن ذلك قول عمر ﵁: «أتظنون أنّا لا نعرف طيب الطعام؟ ذلك لباب (خالص) البر (القمح) بصغار المعزى، ولكنا رأينا الله تعالى نعى على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا» . ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد. العبرة من قصة هود ﵇ لقد أورد القرآن الكريم أخبار مجموعة من قصص الأنبياء للعبرة والعظة، على النحو الجماعي والفردي. ومن هذه القصص قصة هود مع قومه عاد، وعاد قبيلة عربية من إرم، كانوا يسكنون الأحقاف: واد باليمن فيه منازلهم بين عمان ومهرة، والغاية من هذه القصة تذكير أهل مكة وأمثالهم، بقوم هود وما حل بهم، وقد كانوا

стр. 2418

أشد منهم قوة وأكثر جمعا، وقد أبادهم الله بالريح الصرصر العاتية، فهل من عاقل متعظ؟ هذا ما ذكرته الآيات الآتية: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢١ الى ٢٨] وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الأحقاف: ٤٦/ ٢١- ٢٨] . أمر الله تعالى نبيه ﷺ بذكر قصة هود ﵇ مع قومه عاد، على جهة المثال لقريش وأشباهها. اذكر أيها النبي لقومك أخا عاد: وهو هود ﵇، وهذه الأخوة هي أخوة القرابة، لأن هودا ﵇ كان من أشراف قبيلته عاد، وليست أخوة في الدين، وذلك حين أنذر، أي خوّف قومه في وادي الأحقاف بحضرموت، وأخبرهم أن الرسل قبله وبعده أنذروا مثل إنذاره، وهو ألا يعبدوا غير الله تعالى، ولا يشركوا به شيئا، فإني أخشى أن يحل بكم عذاب شديد عظيم الأهوال، والنذر: جمع نذير، اسم فاعل، أي منذر.

стр. 2419

فأجابوه بقولهم: لقد أتيتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة الله، فأتنا بما تعدنا من العذاب العظيم، إن كنت صادقا في قولك ووعيدك. فرد هود ﵇ قائلا: إنما العلم بوقت نزول العذاب محصور بالله تعالى، لا عندي، وشأني مقصور على أن أبلغكم ما أرسلت به من ربكم من الإنذار والتحذير من العذاب، لا أن آتي به، فليس ذلك في مقدوري، ولكني أراكم قوما تجهلون المخاطر في المستقبل، إذا أصررتم على الكفر، ولم تهتدوا بما جئتكم به. وجاءت أمارات العذاب، حيث رأوا سحابا متجها نحو أوديتهم، فقالوا: هذا سحاب ممطر، ففرحوا به واستبشروا، بعد أن امتنع عنهم المطر، فلم يكن مطر رحمة، وإنما مطر عذاب، وهذا هو العذاب الذي تعجلتم بطلبه، وهو ريح سموم فيها عذاب أليم، وهو المذكور في الآية السابقة حين قلتم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ وضمير (رأوه) عائد على غير مذكور، دل عليه قوله: عارِضاً وهو الشيء المرئي الطالع عليهم، فصار في حكم المعلوم. وتلك الريح تخرب وتهلك كل شيء مرت به، من نفوس وأموال، بإذن الله في ذلك، فأصبح قوم عاد جثثا هامدة، وبادوا عن آخرهم، ولم تبق لهم بقية، وأصبحوا لا يرى إلا آثار مساكنهم، وهذا الحكم كحكم كل من كذب رسلنا وخالف أمرنا، ومثل هذا الجزاء نجازي كل قوم أجرموا، فلم يؤمنوا بالله، والمقصود: تخويف أهل مكة وأمثالهم. وقوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في كل ما أمرت بتدميره. ولقد مكنا قوم عاد والأمم السالفة في الدنيا، من الأموال والأولاد، وقوة الأبدان، وطول العمر، بمقدار لم نجعل لكم يا أهل مكة مثله ولا نحوه، فقد كانوا

стр. 2420

أشد منكم قوة، وأكثر أموالا وأولادا، وأعز جانبا، وأمنع سلطانا. وإنهم أعرضوا عن هداية الله، على الرغم من منحهم السمع الجيد، والبصر السليم، والفؤاد الواعي، فما أفادهم كل ذلك شيئا، لعدم إعمال تلك الحواس في المفيد، لأنهم كانوا ينكرون آيات الله، وأحاط أو نزل بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء بقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا. ومن الواجب على العقلاء الاتعاظ بهذا المصير، فلقد أهلكنا يا أهل مكة ما حولكم من البلاد، من القرى المكذبة بالرسل، مثل قرى ثمود، ومدائن لوط، ومدين في جوار الحجاز، وأهل سبأ باليمن، وبيّنا الآيات وأوضحناها، لكي يرجعوا عن كفرهم، فلم يرجعوا. فهلا نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها إلى الله لتشفع لهم، ودفعت الهلاك عنهم، بل غابوا وذهبوا عنهم، ولم يحضروا لنصرتهم، وعند الحاجة إليهم، وسبب ذلك الضياع وانعدام نفع آلهتهم: هو إفكهم، أي كذبهم، وما كانوا يفترون، أي يكذبون ويختلقون. وفي هذا توبيخ لأهل مكة، وتنبيه إلى أن أصنامهم لا تنفعهم شيئا، فلو نفعت لأغنت من كان قبلهم. وفادة الجن على النبي ﷺ الرسول محمد ﷺ رسول لجميع العالمين من الإنس والجن، وقد بلّغ رسالته للفريقين، فكان فيهما من آمن، ومن كفر، فالمؤمن مثاب على إيمانه وعمله الصالح، والكافر معاقب على كفره وجحوده برسالة هذا النبي. أما طريقة التبليغ للإنس فمعروفة، وهي التبشير والإنذار، وإيضاح الدلالات الدالة على وجود الله وتوحيده ووجوب طاعته، بالحجة والإقناع، وأما طريقة تبليغ الجن فمجهولة لدينا، ولا

стр. 2421

يدركها العقل، وإنما نؤمن بما جاء في الخبر الصحيح، إما من القرآن الكريم وإما من السنة النبوية. وهذه آي تصف قصة الجن ووفادتهم على النبي ﷺ . [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) «١» «٢» «٣» «٤» [الأحقاف: ٤٦/ ٢٩- ٣٢] . أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن الجن هبطوا على النبي ﷺ ، وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا الآية، إلى قوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وهذا تأنيب للمشركين حيث إن الجن آمنوا، وهم كفروا. والمعنى: اذكر أيها النبي لقومك حين وجهنا إليك نفرا من الجن، لاستماع القرآن والاهتداء به، فلما حضروا تلاوته، قالوا: أنصتوا، لكي يفهموا ويتدبروا، فلما انتهى النبي ﷺ من تلاوة القرآن في صلاة الفجر، عادوا إلى قومهم، مخوفين إياهم من مخالفة القرآن، ومحذرين لهم من العذاب. وكان هذا الوفد: من جن نصيبين أو من نينوى بالموصل، بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف لدعوتهم إلى الإسلام، وعددهم تسعة، وذلك في بطن نخلة: على بعد نحو ليلة من مكة، على طريق الطائف.

стр. 2422

وفي قولهم: أَنْصِتُوا تأدب مع العالم، وتعليم كيف يكون التعليم. وأكدت سورة الجن على هذا، باستماعهم القرآن وإيمانهم به، ومطلعها: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) [الجن: ٧٢/ ١- ٢] . وأدى وفد الجن هذا مهمة تبليغ القرآن ورسالته إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إننا سمعنا كتابا أنزله الله من بعد توراة موسى، مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على الرسل، يرشد إلى الدين الحق، وإلى طريق قويم نافع في العقيدة والعبادة والمعاملة والخبر. وخصصوا موسى ﵇ بالذكر، لأحد أمرين: إما لأن هذه الطائفة من الجن كانت تتدين بدين اليهود، وإما لأنهم كانوا يعرفون أن موسى ﵇ قد ذكر محمدا ﷺ وبشّر به. وأضافت الجن قائلين: يا قومنا، أجيبوا داعي الله: وهو رسول الله خاتم النبيين، أو أجيبوا القرآن الداعي إلى توحيد الله وعبادته وطاعته، يغفر لكم بعض ذنوبكم التي هي من حقوق الله، ويحمكم ويمنعكم من عذاب موجع مؤلم، هو عذاب النار، والمؤمن يدخل الجنة، وتحميه الحفظة من النار. وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى أرسل محمدا ﷺ إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم سورة الرحمن التي فيها خطاب الفريقين، فكان النبي إذا قرأ: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) [الرحمن: ٥٥/ ١٣] قالوا: لا شيء من آلائك ربنا نكذّب، ربنا لك الحمد. ولما ولّت هذه الجماعة تفرقت على البلاد منذرة للجن، قال قتادة: ما أسرع ما عقل القوم. وأتم الجن كلامهم لقومهم بعد الأمر بإجابة داعي الله، وبالتحذير من مخالفته،

стр. 2423

قالوا: ومن لا يجب رسول الله ﷺ محمدا إلى توحيد الله وطاعته، فلا يتمكن من الإفلات من الله، ولا يعجز الله أبدا، والمعجز: الذاهب في الأرض، لتعجيز طالبه، وليس له من غير الله أنصار ينصرونه ويمنعونه من عذاب الله، أولئك الذين لا يجيبون داعي الله في خطأ واضح، وانحراف ظاهر عن الحق، وهذا تهديد ووعيد، فجمع الجن في كلامهم على طريقة القرآن بين الترغيب والترهيب. ثم توالت وفود الجن إلى رسول الله ﷺ ، وفدا وفدا. إثبات عقيدة البعث والأمر بالصبر أثبت الله تعالى بالأدلة القاطعة مسألة المعاد بعد الموت، لأن المشركين الوثنيين كانوا ينكرونها، وذلك في مناسبات مختلفة، ومنها في سورة الأحقاف التي تهدف إلى إثبات أصول العقيدة الثلاثة: وهي التوحيد، والنبوة، والبعث، وناسب هذه الأصول الأمر بالصبر في الدعوة إلى هذه الأصول، كما صبر الأنبياء والرسل الكرام في دعوتهم، لتعليمنا وعظتنا. وهذا ما ذكرته الآيات الآتية: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) «١» «٢» «٣» [الأحقاف: ٤٦/ ٣٣- ٣٥] . الآية الأولى: أَوَلَمْ يَرَوْا خطاب لقريش، لأنهم قالوا: إن الأجساد لا يمكن أن

стр. 2424

تبعث ولا تعاد، وهم مع ذلك معترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض، فأقيمت عليهم الحجة من أقوالهم. والرؤية في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا رؤية القلب، أي أولم يتفكر القرشيون المنكرون للبعث، ويعلموا أن الذي خلق الكون من السماوات والأرض في ابتداء الخلق، ولم يعجز عن ذلك ولم يضعف عن الخلق، بل قال لها: كوني فكانت، بقادر على أن يحيي الموتى من قبورهم مرة أخرى؟! بلى (جواب بعد النفي المتقدم) أي بل إن الله قادر على ذلك كله، إنه قادر على أي شيء أراد خلقه، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وبعد لفت النظر هذا، جاء وعيد الكفار من قريش وسواهم، واذكر أيها الرسول لقومك يوم يعذّب الكافرون بالله في نار جهنم، ويعرضون مباشرة عليها، ويقال لهم توبيخا وتقريعا: أليس هذا العذاب الذي تعذّبونه حقا وعدلا وواقعا لا شك فيه، وقد كنتم تكذبون به؟ فيجيبون: بلى وربنا، فذلك تصديق حيث لا ينفع. قال الحسن البصري: إنهم ليعذّبون في النار، وهم راضون بذلك لأنفسهم، فيعترفون أنه العدل، فيقول لهم المحاور من الملائكة عند ذلك: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي يقال لهم على سبيل الإهانة والتوبيخ: ذوقوا عذاب النار، بسبب كفركم به في الدنيا وإنكاركم له. والداعية الناجح: هو الذي لم يترك سبيلا للإصلاح والإرشاد إلا سلكه، وتدرّع بالصبر، ولم يغضب ولم يضجر، لذا أمر الله نبيه بأن يصبر على تكذيب قومه، قائلا: فاصبر يا محمد على تكذيب قومك كصبر أولي الجد والعزيمة من الرسل، وأنت منهم، وهم أصحاب الشرائع الكبرى: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، ولا تستعجل يا محمد لهم العذاب، فإنه واقع بهم حتما.

стр. 2425

ومفعول الاستعجال محذوف: وهو العذاب، معناه: لا تستعجل لهم عذابا، فإنهم إليه صائرون. كأن الكافرين حين يشاهدون الوعيد المحقق بالعذاب، لم يمكثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من الساعات، لاحتقارهم ذلك، ولما يشاهدونه من الأهوال العظام، كما جاء في آية أخرى: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) [المؤمنون: ٢٣/ ١١٢- ١١٣] . وآية: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) [النازعات: ٧٩/ ٤٦] وهذا القرآن العظيم الذي يتم الوعظ به: تبليغ كاف، يقطع حجة الكافرين، والبلاغ: بمعنى التبليغ، فالقرآن بلاغ، كما قال تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢) [إبراهيم: ١٤/ ٥٢] . وقال سبحانه: إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) [الأنبياء: ٢١/ ١٠٦] . ولا يهلك الله بعذابه إلا القوم الفسقة الخارجين عن الطاعة، المنغمسين في المعصية، وهذا من عدل الله تعالى ألا يعذّب أحدا إلا بذنب. وفي هذه الآية وعيد عظيم وإنذار بيّن، لأن الله تعالى جعل الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، وأمر بالطاعة ووعد عليها بالجنة، ونهى عن الكفر وأوعد عليه بالنار، قال ﷺ فيما أخرجه مسلم والدارمي وأحمد: «لا يهلك على الله إلا هالك» . قال الثعلبي: يقال إن قوله تعالى: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أرجى آية في كتاب الله تعالى للمؤمنين.

стр. 2426

تفسير سورة محمد ﵇ الموازنة بين سلوك الكافرين والمؤمنين كثيرا ما يعقد الحق موازنة أو مقارنة بين أحوال الكافرين وسلوكياتهم، وبين أحوال المؤمنين الذين يعملون الصالحات واختياراتهم، فيزيد الفريق الأول وهم الضالون ضلالا وحيرة، ويجعلهم مثلا وعبرة، ويزيد الفريق الثاني وهم المؤمنون صلاحا وتوفيقا، ويكفّر عنهم سيئاتهم، ويعصمهم من المعاصي، ويرشدهم إلى عمل الخير في الدنيا، ويورّثهم نعيم الجنة في الآخرة، وهذا لون بيّن من هذه المقارنة في الآيات الآتية في مطلع سورة محمد المدنية بالإجماع، علما بأن التشريع المكي ما كان قبل الهجرة، والتشريع المدني: ما كان بعد الهجرة: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [محمد: ٤٧/ ١- ٣] . قال ابن عباس ومجاهد: نزلت هذه الآيات في أهل مكة والأنصار، فقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) : هم أهل مكة نزلت فيهم. وقوله:

стр. 2427

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ هم الأنصار، أما أهل مكة فأخرجوا رسول الله ﷺ من بلده، والأنصار أهل المدينة آووه، ثم هي بعد تعمّ كل من دخل تحت ألفاظها. المعنى: الذين جحدوا توحيد الله وآياته، وعبدوا غيره، وصدّوا غيره عن الإسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، وهم كفار قريش، أبطل الله ثواب أعمالهم وأحبطها وضيّعها، ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء في الآخرة، فقوله تعالى: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أتلفها، ولم يجعل لها غاية خير، ولا نفعا. وهذا يشمل جميع أعمال الكفار البرّة في الجاهلية، من صلة الرحم ونحوه، والإنفاق الذي أنفقوه في سفرهم إلى بدر، ومثلها أعمال الكفار في كل زمان. وذلك كما في آية أخرى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٥/ ٢٣] . وأما الذين صدّقوا بالله ورسوله وبالقرآن، وعملوا صالح الأعمال، واعتقدوا بالحق المنزل من ربهم، فيكفّر الله عنهم سيئاتهم، ويصلح شأنهم وحالهم في الدنيا والآخرة، ويغفر لهم سيئاتهم، ويرشدهم إلى أعمال الخير في الدنيا، ويمنحهم نعيم الجنة في الآخرة. وهذا يشمل المهاجرين والأنصار وغيرهم من التابعين لهم بإحسان، والمؤمنين الذي يعملون الصالحات: وهي الفرائض والواجبات، وبقية أعمال البر. وقوله: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ معناه حالهم، أو أمرهم، أو شأنهم، وأصل معنى هذه اللفظة: أنها بمعنى الفكر، وموضع نظر الإنسان وهو القلب، فإذا صلح ذلك فقد صلحت حاله، فكأن اللفظة مشيرة إلى إصلاح عقيدتهم وغير ذلك تابع. ثم أوضح الله تعالى أن سبب إضلال الكافرين، وإصلاح وإسعادهم: المؤمنين هو أفعال كل منهم، فالجزاء المتقدم للفريقين بسبب اتباع الكافرين الباطل، من الشرك بالله، والعمل بمعاصيه واختيارهم على الحق، وإصغائهم للشيطان وكل ما

стр. 2428

يأمر به، وأما جزاء المؤمنين فبسبب اتباعهم الحق وهو الشرع وكل ما أمر الله باتباعه من التوحيد والإيمان، والعمل الصالح، واتباع ما جاء به النبي محمد ﷺ . ومثل ذلك البيان الرائع، يبين الله للناس أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة، ويظهر مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم، فالاتباع المذكور من الفريقين: هو سبب التفرقة بينهما، وجعل ذلك مضرب الأمثال، فكما اتّبعوا هذين السبيلين، وصار مصيرهم على هذا النحو، يجعل الله ذلك تبيانا لكل الناس، ومعرفة أمر كل فرقة، ليعتبروا ويحتاطوا للأمر. إن تبيان جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين في الآخرة سلفا في الدنيا، أمر يتفق مع أصول التجريم والعقاب، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، أو لا جزاء إلا بعد إنذار سابق، فإذا عرف الإنسان في الدنيا مصيره في الآخرة، هان الأمر، وظهر الحق والعدل، ولم يبق ما يسوّغ اللوم والعتاب، وامتنعت المفاجأة بعناصرها المعروفة، وحينئذ يكون المرء مأخوذا بذنبه أو بما كسبت يداه، ولا ظلم ولا محاباة ولا داعي للاعتراض أو الانتقاد، قال الله تعالى: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) [القيامة: ٧٥/ ١٢- ١٥] . وقال سبحانه: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٥٢/ ٢١] . أحكام القتال والأسرى إذا نشبت الحرب بين المؤمنين وغيرهم، وجب على المؤمنين اتباع قواعد حربية معينة أثناء المعركة وبعد انتهائها، لأن الحرب ضرورة، وخاضعة للنظام، حتى لا تبيد البشرية، وتسود الفوضى، ويصعب تلافي الآثار والنتائج المترتبة عليها. والإسلام حريص على السّلام والأمن. وانتشار دعوته، إنما هو بالحكمة والإقناع

стр. 2429

والموعظة الحسنة. وإذا أصرّ العدو على الحفاظ على دينه وأحواله، وجب إبرام المعاهدات التي تنظم العلاقات المختلفة، حتى لا يبغي أحد على أحد، ويطمئن كل طرف إلى وضعه، ومراعاة مصالحه، على قدم المساواة. وهذه آيات تدعو لتنظيم معارك القتال وتسوية آثارها، وتوجيه الطبائع البشرية وجهة صالحة: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٤ الى ٩] فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [محمد: ٤٧/ ٤- ٩] . آية وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال فيها قتادة- كما أخرج ابن أبي حاتم- نزلت يوم أحد، ورسول الله في الشّعب، وقد نشبت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: اعل هبل (أكبر أصنامهم) ونادى المسلمون: الله أعلى وأجل، فقال المشركون: إن لنا العزّى، ولا عزّى لكم، فقال رسول الله ﷺ : قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم. والمعنى: إذا واجهتم أيها المسلمون الكفار في القتال، فاحصدوهم حصدا بالسيوف، واضربوا الرقاب ضربا. وهذا بمثابة قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٩/ ٥] وهذا حكم في أثناء القتال الناشب إذا توافرت أسبابه أو دواعيه المشروعة، وهو قائم على مبدأ المعاملة بالمثل ومراعاة طبيعة القتال وأدواته

стр. 2430

وهي في الماضي: السلاح الأبيض. وهذه الآية محكمة غير منسوخة مبيّنة لآية فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. قال ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء: إن هذه الآية (آية سورة محمد هنا) محكمة مبيّنة لتلك (آية سورة براءة) . ثم بيّن الله حكم الأسر وتوابعه وهو: حتى إذا أكثرتم فيهم القتل، وتحققت الغلبة لكم عليهم، وانتهت الحرب بتحقيق النصر، فأسروهم وأحكموا القيد عليهم لئلا يفلتوا ويهربوا، ومصيرهم بعد الأسر: إما المنّ عليهم بإطلاق سراحهم بعوض أو بغير عوض، وإما الفداء بمبادلتهم بالأسرى المسلمين أو بدفع الفداء: وهو المال الذي يفدي به الأسير نفسه من الأسر. وذلك حتى تضع الحرب أوزارها أي أثقالها وآلاتها: وهذا مجاز عن انتهاء الحرب، أي حتى تنقضي الحرب، بتحقيق الغلبة والنصر. والمن والفداء ثابت غير منسوخ، صرّح به هنا، ولم يصرح به في آية التوبة السابق ذكرها، وقد منّ رسول الله ﷺ على ثمامة بن أثال، وفادى أسرى بدر، كما قال الحسن البصري. وذلك هو الحكم في قتال الكفار، والله قادر على الانتصار من أعدائه، بالانتقام منهم، وإهلاكهم وتعذيبهم، بما شاء من أنواع العذاب كالخسف والرجفة، والغرق دون قتال منكم أيها المؤمنون، ولكن الله أمركم بحربهم ليختبر بعضكم ببعض. والذين قتلوا في سبيل الله، أي استشهدوا، فلن يضيع الله تعالى أجرهم، ولا يبطل ولا يحبط أعمالهم كإحباط أعمال الكفار وهذا أحد أنواع ثواب الشهداء. ومن فضل الله على الشهداء: أنه تعالى يوفقهم قبل موتهم للعمل بما يحبه ويرضاه، وسيهديهم إلى طريق الجنة، ويصلح شأنهم أو موضع نظرهم وفكرهم وهو القلب. ويرشدهم إلى طريق الجنة التي قد عرّفها وبيّنها لهم، وأعلمهم بها، أي

стр. 2431

جعلهم يعرفون منازلهم منها. أخرج البخاري من قوله ﷺ : «.. والذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا» . ثم بشّرهم الله بالنصر بشرطه: وهو يا أيها المؤمنون بالله والقرآن والإسلام، إن تنصروا دين الله ورسوله، بجدّكم وإيمانكم، ينصركم الله بخلق القدرة لكم والجرأة وغير ذلك من المعارف. والذين كفروا بالله ورسوله، فهلاكا وعثارا وخيبة لهم، وأبطل الله أعمالهم، فلا ثواب لهم، ولا خير يرتجى منها في الآخرة. وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ مقابل تثبيت أقدام المؤمنين المنتصرين، الناصرين لدين الله ورسوله. ذلك التعس أو الهلاك، وإضلال الأعمال أو إبطالها بسبب كراهيتهم القرآن، أي ما أنزل الله في قرآنه على نبيه المصطفى ﷺ ، من التكاليف الإلهية، فهم لا يريدونه ولا يحبونه، فأبطل الله ثواب أعمالهم بذلك السبب. والمراد بالأعمال المحبطة أو الملغاة: أعمال الخير أو الحسنات حال الكفر، لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه، وإنما تفيدهم هذه الأعمال الخيرية في الدنيا. وإذا أسلم الكافر يضاف عمله الخيري إلى حسناته في الإسلام. الاعتبار بآثار الماضين رغّب القرآن الكريم في مناسبات مختلفة في النظر في آثار الأمم المتقدمة، والتأمل في أحوال أهل الإيمان وأهل الكفر، للعبرة والاتعاظ، بقصد إصلاح الأفراد والجماعات، حين يعلمون أن الله ناصر المؤمنين، وخاذل الكافرين، ثم يكافئ أهل الإيمان بجنان الخلد، لانحيازهم إلى الحق وإيمانهم به، ويعاقب أهل الضلال أو الكفر

стр. 2432

بنيران الجحيم، لاتباعهم أهواءهم في عبادة الأوثان، وهذه آيات تناسب الكلام على فريقي الناس عادة: مؤمنين وكفارا، قال الله تعالى: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٠ الى ١٤] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) «١» «٢» «٣» [محمد: ٤٧/ ١٠- ١٤] . أفلا يتأمل القرشيون المشركون بمصائر الأمم السابقة، فيسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان مصيرهم أو عاقبتهم، مثل أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، ليعتبروا ويروا ما حلّ بهم، كيف دمّر الله عليهم ديارهم، واستأصلهم بالإهلاك، وأتلف ممتلكاتهم وأموالهم، بسبب تكذيبهم رسلهم، وما أداه إليه كفرهم، ولهؤلاء الكافرين المكذبين أمثال عاقبة من قبلهم من الكفرة في الدنيا، مثل هزيمتهم في بدر وفتح مكة، ولهم عقاب أشد في الآخرة. وهذه الآية توقيف لقريش وتوبيخ، نزلت يوم أحد، ومنها انتزع رسول الله ﷺ ردّه على أبي سفيان بن حرب حين قال له: الله مولانا، ولا مولى لكم. وسبب هذا العقاب بالتدمير والاستئصال للكافرين، ونجاة المؤمنين: أن الله ناصر عباده الذين آمنوا بالله تعالى، وأطاعوا رسوله، وأن الكافرين المكذبين لرسوله لا ناصر لهم، يدفع عنهم العذاب. قال قتادة: نزلت يوم أحد، والنبي ﷺ في

стр. 2433

الشّعب، إذ صاح المشركون: يوم بيوم، لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النبي ﷺ : قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم. كما تقدم بيانه. ثم بيّن الله تعالى أحوال المؤمنين والكافرين في الآخرة، فقال عن المؤمنين: إن الله يدخل عباده المؤمنين المصدقين بالله ورسوله، والعاملين الأعمال الصالحة جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، تكريما لهم. وأما الذين جحدوا بوجود الله وتوحيده، وكذبوا رسوله، فيتمتعون أو ينتفعون بمتاع الدنيا الحقير، ويأكلون منها كأكل الأنعام (الإبل والبقر والغنم) لا همّ لهم إلا ملء بطونهم، وإشباع شهواتهم، والنار مقر لهم أو مثوى، أي موضع الإقامة، والتشبيه بأكل الأنعام يراد به الأكل المجرد من الفكر والنظر، أي إن هذا التشبيه وقع فيما عدا الأكل على قلة الفكر وعدم النظر. ثم هدّد الله مشركي مكة وتوعدهم بما حدث لأمثالهم، فكثير من أهل المدن والأمم السابقة ذات القوة والنفوذ، كانوا أشد بأسا وقوة، من أهل مكة الذين أخرجوك منها، فأهلكناهم، ولم يجدوا لهم ناصرا ولا معينا يدفع عنهم العذاب. فإذا أهلك الله تعالى عتاة الأمم الذين كذبوا الرسل. فسيفعل الأمر نفسه بأمثالهم. وإن امتنع عذاب الاستئصال في الدنيا إكراما لرسول الله ﷺ نبي الرحمة، فإن عذاب الآخرة كائن لهم حتما. وسبب التفرقة بين الفريقين في الجزاء هو: هل من كان على بصيرة ويقين من أمر دينه، وبما جبل عليه من الفطرة السليمة بتوحيد الله، مثل من زيّن له سوء عمله، فرآه حسنا، وهو عبادة الأوثان، والإشراك بالله، واقتراف المعاصي، فإنهم اتبعوا أهواءهم في عبادة الأصنام،

стр. 2434

وانهمكوا في أنواع الضلالات، بلا شبهة توجب الشك، أو دليل صحيح من المنقول أو المعقول؟ والمعنى: لا يستوي الفريقان. وهذا توقيف وتقرير على شيء متفق عليه، وهي معادلة بين هذين الفريقين. وقوله تعالى: عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ معناه على قضية واضحة، وعقيدة نيّرة بيّنة. قال قتادة: الإشارة بهذه الآية إلى محمد ﷺ ، في أنه الذي على بيّنة من ربه، وإلى كفار قريش في أنهم الذين زيّن لهم سوء أعمالهم، وبقي اللفظ عاما لأهل هاتين الصفتين غابر الدهر. وهذا دليل على خلود معاني القرآن وألفاظه إلى يوم القيامة. مثل الجنة وموقف المنافقين من القرآن يختلف المؤمنون والكافرون في الاهتداء والضلال، وفي الجزاء والمآل، فيكون للمؤمنين ألوان النعيم في الجنة، وللكافرين والمنافقين أصناف العذاب الدائم في جهنم، ويزيد الله المهتدين هدى ويوفقهم للعمل الصالح، ويتعرض الضالون يوم القيامة لعذاب شديد، والله سبحانه إله واحد لا شريك له، وهو المتفرد بالحساب، والعليم بتصرف العباد وسكونهم. وهذا ما عبرت عنه الآيات الآتية: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٥ الى ١٩] مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) «١» «٢» «٣»

стр. 2435

«١» «٢» «٣» [محمد: ٤٧/ ١٥- ١٩] . صفة الجنة الموعود بها للمتقين القائمين بأوامر الله وطاعته ما تسمعون فيها كذا وكذا، فيها أنهار جارية من ماء غير متغير الطعم والريح واللون لطول مكثه، بل إنه ماء عذب فرات متدفق نقي، من شربه لا يظمأ أبدا، وفيها أنهار من حليب طازج، لم يتغير طعمه بحموضة أو غيرها، وفيها أنهار من خمر لذيذة الطعم، طيبة الشرب، ليست مرة أو كريهة الرائحة، ولا تسكر ولا تصدّع الشارب أو تذهب عقله، وإنما هي لذيذة للشاربين، وفيها أنهار من عسل صاف غير مشوب بمادة أخرى، حسن اللون والطعم والريح، ولهم في الجنة مختلف الثمار والفواكه ذات الألوان البديعة، والروائح الذكية، والطعوم الشهية، أساكن هذه الجنان أو أهؤلاء كمن هو خالد في النار إلى الأبد؟ وسقوا بالإكراه من ماء حار شديد الغليان، فقطّع أمعاءهم وأحشاءهم؟! والمراد: أمثل أهل الجنة، بهذه الأوصاف، كمن هو خالد مقيم دائما في النار؟ فتكون الكاف في قوله تعالى: كَمَنْ مؤكدة للتشبيه. وفِيها أَنْهارٌ: في موضع الحال، على هذا التأويل. ثم ذكر الله تعالى حال المنافقين، فقال: ومن الكفار الخالدين في النار: منافقون يستمعون كلام النبي ﷺ في خطبه ومجالسه، فلا يدركون منه شيئا لعدم إيمانهم، فإذا خرجوا من عنده قال بعضهم لأهل العلم الواعين لما سمعوا، على طريقة الاستهزاء والاستخفاف: ماذا قال النبي

стр. 2436

آنفا؟ أي في الساعة المتقدمة لهذا الوقت؟ أي ماذا قال قبيل وقتنا؟ والمراد: أنا لم نلتفت إلى قوله، ولم نأبه لكلامه، أو لا معنى لقوله ولا نفع له ولا قدر. روى مقاتل: أن النبي ﷺ كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء: ماذا قال محمد آنفا؟ قال ابن عباس: وقد سئلت فيمن سئل. فوصفهم الله بأنهم هم أولئك المنافقون الذين طبع الله على قلوبهم، بسبب نفاقهم، فلم يؤمنوا ولم يهتدوا إلى الحق، ولم ينفذ الخير إلى قلوبهم، واتبعوا شهواتهم وأهواء نفوسهم في الكفر والعناد، أي تركوا اتباع الحق. والطبع على قلوبهم إما حقيقة واقعية، وإما استعارة بتشبيه قلوبهم التي لم يتسرب إليها الخير بالآنية المختومة. وعلى عكسهم المؤمنون الذين طلبوا الهداية إلى طريق الخير والإيمان، فوفقهم الله تعالى، وشرح صدورهم، فآمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمروا به، وزادهم الله هدى بزيادة التفهيم والأدلة، وبالتوفيق للعمل الذي يرضاه، وأعانهم على التقوى، وأعطاهم إياها، أي جعلهم متقين له، والتقدير: تقواهم إياه. ثم هدد الله المنافقين بما يجدونه في القيامة، وهو: هل ينتظر المنافقون والكافرون إلا مجيء القيامة التي تأتيهم فجأة، وهم غافلون عنها، وقد حدثت أماراتها وعلاماتها، منها بعثة النبي ﷺ ، ومن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة (القيامة) حيث لا ينفعهم ذلك، كما في آية أخرى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [الفجر: ٨٩/ ٢٣] . وقوله تعالى: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها إخبار مستأنف، فينبغي الاستعداد والخوف منها لمن حزم أمره ونظر لنفسه. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «بعثت والساعة كهاتين» وأشار بإصبعيه.

стр. 2437

وبعد هذه المقارنة بين المهتدين والضالين ومصير كل فريق، أمر الله تعالى رسوله بالثبات على منهاجه وعلى استغفار ربه، فإذا علمت أيها النبي حال الفريقين: المؤمن والكافر، من السعادة والشقاوة، وعلمت بمجيء القيامة ومعرفة أشراطها (علاماتها) فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومراقبة النفس، واعلم أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه، وداوم على الاستغفار من الذنوب الصادرة منك على خلاف الأولى، والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، أي بالدعاء لهم بالمغفرة عن المعاصي، والله يعلم أعمالكم، ومتقلبكم، أي تصرفكم يقظة في أشغالكم نهارا، وسكونكم ومستقركم ليلا في منامكم في مضاجعكم وإقامتكم في قبوركم. وإدراك هذه المعلومات سبيل لغرس رقابة الله في النفس، سرا وعلانية، وواجب على كل مؤمن أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات. روى مسلم عن الأغر المازني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ليغان على قلبي «١» حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة» . حال المؤمنين والمنافقين في الدين يختلف حال المؤمنين والمنافقين وموقفهم من الدين أو الأحكام العملية، كالجهاد والصلاة والزكاة ونحوها، أما المؤمنون فيجدّون في فهم دين الله تعالى وتنفيذه، ويحرصون على ظهوره وانتشاره في العالم، وأما المنافقون فيتكاسلون في تطبيق الدين ويحرصون على فساده وأهله. وكان المؤمنون يأنسون بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، والله تعالى جعل للوحي أمدا معينا ووقتا محددا لا يتجاوزه، فمدح الله المؤمنين على حرصهم على انتشار الدين، وذمّ المنافقين على تقاعسهم في الدين وتبرمهم من أحكامه، وصف الله تعالى في هذه الآيات الآتية حال الفريقين.

стр. 2438

[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٣] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) «١» «٢» «٣» [محمد: ٤٧/ ٢٠- ٢٣] . يتمنى المؤمنون المخلصون تشريع الجهاد، حرصا على ثوابه، ونيل درجات المجاهدين، وللدفاع عن أنفسهم وأموالهم، وإظهار عزتهم ورفعتهم، فيقولون: هلا أنزلت سورة يأمرنا فيها ربنا بقتال الأعداء، فإذا أنزلت سورة محكمة، أي دائمة المشروعية، لا يقع فيها نسخ، يأمر الله فيها بالقتال، وصيرورته فرضا على المسلمين، فرح بها المؤمنون، وشق على المنافقين، ورأيت الذين في قلوبهم شك ومرض «٤» وهو النفاق، ينظرون إليك أيها النبي- بسبب الجبن والخوف من لقاء الأعداء- نظر المحتضر الذي شخص بصره إلى السماء عند الموت، أو المغمى عليه، خوفا من قتال الأعداء، فالويل أي الهلاك لهم. وفي هذا تهديد للمنافقين، ووعيد بقرب هلاكهم، وافتضاح شأنهم. فلعلكم إن توليتم عن الطاعة والجهاد، وأعرضتم عن القتال وتنفيذ أحكامه، أن تعودوا إلى سيرة الجاهلية، فتسفكوا الدماء وتفسدوا في الأرض بالبغي والنهب، وارتكاب المعاصي، وتقطعوا أرحامكم بالقتل والعقوق، ووأد البنات، ومقارفة سائر مفاسد الجاهلية. وكلمة (عسى) للتوقع، وهي من الله تفيد التحقق.

стр. 2439

لكن طاعة وقول معروف: أحسن أو أمثل، فذلك هو الأمر المرضي لله تعالى، فإذا جدّ الحال ووجب، أي وفرض القتال، فلو صدقوا في ذلك القول، وفي القتال، وأطاعوا الله تعالى، وأخلصوا له النية، لكان إظهار الإيمان والطاعة خيرا لهم من المعصية والمخالفة. ثم وبخهم الله تعالى على تقصيرهم، فلعلكم إن توليتم عن الطاعة والجهاد، وأعرضتم عن الإسلام أو عن القتال وتنفيذ أحكامه، أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، فتسفكوا الدماء، وتفسدوا في الأرض بالبغي والظلم، والنهب والسلب وسائر المعاصي، وتقطّعوا أرحامكم بالقتل والعقوق ووأد البنات وارتكاب سائر مفاسد الجاهلية، وبعبارة أخرى: فهل عسى أن تفعلوا إن توليتم غير أن تفسدوا في الأرض، وتقطّعوا أرحامكم؟ ثم صب الله عليهم اللعنة، فقال: أولئك الظالمون، وسفاكو الدماء بغير حق: هم الذين أبعدهم الله من رحمته، وطردهم عنها، فأصمهم في الدنيا عن استماع الحق، وأعمى أبصارهم عن رؤية الحق «١» ، وعن النظر في أدلة الكون الدالة على عدالة نظام الله تعالى، وشرعه في عباده، من تحريم الدماء والأموال بغير حق، وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا، ويتضمن الأمر بالإصلاح في الأرض، وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: وخلق الله تعالى الخلق، فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بحقوي «٢» الرحمن ، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك» قال أبو هريرة

стр. 2440

رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؟! أوضحت هذه الآيات موقف المنافقين المخزي من القرآن وتكاليفه العملية أو الواقعية، فهم يخافون من الجهاد، ويتنكرون لقول المعروف وطاعة الشرع الشريف. وهم بطبيعتهم قوم جهلاء، يمارسون أفعال الجاهلية، ويميلون إليها: من الإفساد في الأرض، وتقطيع الأرحام، مما يوجب عليهم الطرد من رحمة الله، ومنع تسرب الخير والفكر الرشيد إلى قلوبهم. تدبر القرآن الكريم أمر الله تعالى كل السامعين للقرآن العظيم بتدبر آياته وفهمها، وحذرهم من هجره، ووبخهم على الإعراض عنه، كي تتحقق الفائدة من استماع القرآن، ويبتعدوا عن الموبقات المهلكات التي يقعون فيها إذا لم يفعلوا ذلك. والذين آثروا الكفر وانحازوا إليه، إنما فعلوا ذلك، لا جهلا بمصداقية القرآن والنبوة، وإنما يعد تبيّن حقيقة الإسلام بالأدلة القاطعة، والمعجزات النبوية الباهرة. وسيلاقون الأهوال العظام عند الموت، لاتباع أهوائهم، والله قادر على كشف أحوالهم، ولكنه تركهم سادرين في غوايتهم لاختبارهم في الدنيا، وسيجازيهم بما عملوا، كما جاء في الآيات الآتية: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٤ الى ٣٢] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 2441

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [محمد: ٤٧/ ٢٤- ٣٢] . أفلا يتفهم المنافقون وغيرهم آيات القرآن، فيعملوا بمواعظة، ويقتنعوا بأدلته، أم (بمعنى بل وألف الاستفهام) على قلوبهم أغطية منعتهم الإيمان!! والآية توبيخ لهم، لتركهم هدي القرآن وبيانه. إن الذين فارقوا الإيمان، ورجعوا إلى الكفر، من بعد تبيّن الهدى عند الداعي إليه، بالأدلة الواضحة، والمعجزات الظاهرة، زين لهم الشيطان خطاياهم، وسهّل لهم الوقوع فيها، وحسّن لهم الكفر، وخدعهم بالأماني المعسولة والأمنيات الزائفة. قال قتادة: إنها نزلت في قوم من اليهود، كانوا قد عرفوا من التوراة أمر محمد ﷺ ، ثم ارتدوا عن الهدى. وقال ابن عباس: نزلت في منافقين كانوا أسلموا، ثم نافقت قلوبهم. ثم أوضح الله مظاهر ضلالهم وهي: ذلك الارتداد والكفر بعد الإيمان من المنافقين: بسبب كراهية ما نزّل الله تعالى في قرآنه، وقولهم للمشركين واليهود: سنطيعكم في بعض الأمور، كعداوة النبي ومخالفة

стр. 2442

ما جاء به، والتخلف عن الجهاد معه، والله عالم بتآمرهم سرا، وبكل ما بيّتوه من مكائد ومؤامرات. وهذا مثل قولهم في آية أخرى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ.. [الحشر: ٥٩/ ١١] . وحالهم عند الموت في غاية السوء، فإن الملائكة عند قبض أرواحهم تستخرجها بعنف وقهر، وتضرب وجوههم وظهورهم، أي إنهم إذا خافوا من فرض القتال وقراع الأعداء، فكيف يكون فزعهم وجزعهم إذا توفتهم الملائكة؟!. وسبب أهوال موتهم: اتباعهم ما أسخط الله، من الكفر والمعاصي، وتآمرهم مع أعداء الله، على معاداة النبي ﷺ ، وكراهيتهم ما يرضي الله من الإيمان الصحيح وتوحيد الله وطاعته، فأبطل الله أعمالهم الخيرية قبل الردة وبعدها كالصدقة وإغاثة الملهوف، لأنهم فعلوها في حال الكفر، كما جاء في آية أخرى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٥/ ٢٣] . ثم وبخ الله المنافقين وهددهم بقوله: أيظن هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شك ونفاق وحقد وعداوة للمؤمنين أن الله لن يكشف أحقادهم وعداوتهم؟ إنهم مخطئون في هذا، فالله عالم الغيب والشهادة، يعلم السر وأخفى. ولو نشاء أيها النبي لعيّناهم بالأسماء والتعريف التام ولعرفتهم بعلاماتهم المميزة، ولكنه تعالى لم يعينهم إبقاء عليهم وعلى قراباتهم، وو الله لتعرفنهم في لحن القول، أي الأسلوب المعتمد على التعريض والتلويح، والمنحى والمقصد، والله يعلم جميع أعمالهم، فيجازيهم عليها من خير أو شر، وهذا وعد ووعيد، روى مسلم وأحمد عن حذيفة ما يدل على أن النبي ﷺ عرّفه بهم أو ببعضهم. ومنهج الحياة: الاختبار، فلنختبرنكم أيها المنافقون وغيركم بالأوامر والنواهي

стр. 2443

أو لنعاملنكم معاملة المختبر، ومنها الجهاد في سبيل الله، حتى نتبين أو نعلم علم ظهور وانكشاف المجاهدين في سبيل الله بحق، والصابرين على دينه ومشاق التكليف، ونظهر أخباركم ونكشفها للناس، ليعرف الطائع من العاصي. وعلم الله تعالى بالمجاهدين قديم أزلي. وإنما المراد إظهار جهادهم إلى الوجود، وتبيان تكسبهم الذي يتعلق به ثوابهم. إن الذين كفروا بالله ووحدانيته، وصدّوا الناس عن دينه وطريق الحق، بمنعهم من الإسلام واتباع الرسول ﷺ ، ومخالفتهم إياه، فكانوا في شق أو جانب والنبي ﷺ في شق، بعد أن تبينوا معالم الهدى عند الداعي إليه، لن يلحقوا أي ضرر بالله، وسيبطل الله أعمالهم، ويبدد مكرهم، ولا يثيبهم على أعمالهم يوم القيامة. نزلت في قوم من بني إسرائيل فعلوا هذه الأفاعيل، بعد تبيّنهم أمر محمد ﷺ من التوراة. وقيل: نزلت في قوم من المنافقين، وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين في سفرة بدر. إطاعة الله والرسول لم يترك القرآن الكريم شيئا من أمور الدين إلا بيّنه، فإن الله تعالى أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، وأوضح حكم من مات من الكفار على كفرهم، وأنهم لا يعفون من العقاب، ونهى المؤمنين عن الدعوة إلى السلم أو المسالمة في حال القوة والتفوق، وحرّضهم على الجهاد بالنفس والمال، ورغبّهم في الإنفاق في سبيل الله، وحذّرهم من التقصير بإبدالهم أقواما آخرين، هم أفضل لإقامة الدين، ونصرة الإسلام، وكل ذلك ظاهر في الآيات الآتية: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)

стр. 2444

«١» «٢» «٣» [محمد: ٤٧/ ٣٣- ٣٨] . أخرج النسائي والبزار وابن مردويه عن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية (إطاعة الله والرسول) نزلت في بني أسد من العرب، وذلك أنهم أسلموا وقالوا لرسول الله ﷺ : نحن قد آثرناك على كل شيء، وجئناك بنفوسنا وأهلينا، كأنهم منّوا بذلك، فنزل فيهم يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا.. الآية [الحجرات: ٤٩/ ١٧] ، ونزلت فيهم هذه الآية. المعنى: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، أطيعوا الله وأطيعوا رسوله، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولا تبطلوا حسناتكم بالردة، أو بالمعاصي الكبائر، أو بالرياء والسمعة، والمن والأذى، أو بالشك والنفاق، أو بالعجب والتكبر. وإذا بطلت أعمال المكلف، ففضل الله باق، يغفر له إن شاء، ما لم يمت على الكفر، فإن الذين جحدوا وحدانية الله، ومنعوا أنفسهم والناس عن دين الله، ثم ماتوا وهم كفار، فلا غفران لذنوبهم، بل يعاقبهم الله تعالى. قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي ﷺ عن والده، وقال: إنه كان محسنا في حال كفره. أخرج مسلم: أن هذه الآية نزلت بسبب أن عديّ بن حاتم قال: يا رسول الله، إن حاتما كانت له أفعال برّ، فما حاله؟ فقال رسول الله ﷺ : هو في

стр. 2445

النار، فبكى عدي ﵁ وولّى، فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال له: أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن في النار، ونزلت هذه الآية في ذلك، وظاهر الآية العموم في كل ما تناولته الصفة. ونظيرها آية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤/ ٤٨] . ثم أمر الله تعالى المؤمنين بترك مسالمة الأعداء، وهم في حال قوة، فلا تضعفوا عن القتال أيها المؤمنون، ولا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة ابتداء منكم، وإظهارا للعجز والضعف، ولا مانع من قبول السلم إذا مال إليه الأعداء، أما في حال كونكم أنتم الغالبون القاهرون، فلا تبدؤوهم بطلب الصلح، والله معكم، بالنصر والمعونة عليهم، ولن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم أو جزائها. وقوله تعالى: وَاللَّهُ مَعَكُمْ فيه بشارة بالنصر على الأعداء. فأما إن كان الكفار أقوى من المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صدّه كفار قريش عن مكة. وعملا بقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٨/ ٦١] . فقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ في موضع الحال، أي وأنتم الغالبون والظاهرون. واحرصوا أيها المؤمنون على جهاد الأعداء، واسترخصوا الحياة الدنيا واطلبوا الآخرة، توهب لكم الحياة، فإن حياة الدنيا لعب ولهو، أي باطل وغرور، لا ثبات له ولا قيمة له، وهذا تحقير لأمر الدنيا، أي فلا تهنوا في الجهاد بسببها. وإن تؤمنوا بالله ورسوله حق الإيمان، وتتقوا ربكم حق التقوى، بأداء فرائضه، واجتناب نواهيه، يؤتكم ثواب أعمالكم وطاعاتكم في الآخرة، ولا يطالبكم بالتصدق أو الزكاة بجميع أموالكم، بل يطالبكم بإخراج القليل منها. وسبب الحرص على الدنيا: أن ربكم إن يطلب أموالكم كلها، ويلح في الطلب عليكم، تشحوا وتبخلوا، وتمتنعوا من الامتثال.

стр. 2446

وها أنتم أيها المؤمنون المخاطبون: مدعوون للإنفاق في سبيل الله، أي في الجهاد والزكاة ونحوهما، فبعضكم يبخل باليسير من المال، ولا يجيب لدعوة الإنفاق، ومن يبخل في هذا الجانب، فإنما يمنع نفسه من الأجر والثواب بفعله، ويعود عليه وبال أعماله، والله هو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه. وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى، وعن طاعة الله واتباع شرعه، يستبدل قوما آخرين أطوع لله منكم، وليسوا أمثالكم في التولي عن الإيمان والتقوى، وفي البخل بالإنفاق في سبيل الله. أخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ سئل عن هذا، وكان سلمان إلى جنبه، فوضع يده على فخذه، وقال: قوم هذا، ولو كان الدين في الثريا، لناله رجال من أهل فارس» .

стр. 2447

تفسير سورة الفتح صلح الحديبية وآثاره إن أهم شيء في حياة الشعوب والأمم المعاصرة الاعتراف بهم من الدول أو أنظمة الحكم الأخرى ليصير لهم وجود قانوني دولي، فيصبح التعامل معهم والتبادل وإبرام المعاهدات ذا صفة نظامية قوية، ومن هنا كان صلح الحديبية بين النبي ﷺ وأمته وبين المشركين القرشيين أصحاب الزعامة العربية فتحا عظيما سمي فتحا مبينا، والفتح الأكبر أو الأعظم في السنة السادسة من الهجرة، تمهيدا لفتح مكة، قال الزهري: «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه» . ونزلت سورة الفتح المدينة (بعد الهجرة) بسببه، بعد انصراف النبي ﷺ من الحديبية، فهي بهذا في حكم المدني. أخرج الحاكم وغيره عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: «نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها» وهذا مطلعها: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) «١» «٢»

стр. 2448

«١» [الفتح: ٤٨/ ١- ٧] . إنا فتحنا لك أيها النبي فتحا ظاهرا عظيما هو صلح الحديبية، عند جمهور الناس، وهو الصحيح، وليس فتح مكة، أي إن ما يسّر الله تعالى لك أيها الرسول في خروجك إلى مكة للعمرة فتح مبين تستقبله، ونزلت سورة الفتح مؤنسة للمؤمنين، لأنهم كانوا استوحشوا من ردّ قريش لهم، ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي ﷺ ، فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت الحرام، ومذهبة ما كان في قلوبهم. ورأى النبي ﷺ أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية، حيث وضع فيه سهمه، وثاب (تفجر) الماء، حتى كفى الجيش، وتمت فيه بيعة الرضوان. وهي الفتح الأعظم، كما قال جابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وأدى ذلك إلى فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين خيرا، ولم يفتتحها إلا أهل الحديبية، ووقعت في تلك السنة ملحمة عظيمة بين الروم وفارس، انتصر فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله ﷺ ، لظهور أهل الكتاب على المجوس، وتخضيد شوكة الكفر الوثني. ثم عظّم الله تعالى أمر نبيه ﷺ وشرّفه بأن أنبأه بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أي لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، والهداية إلى الصراط المستقيم، والنصر العزيز المنيع الذي لا ذل معه، أو الفريد الذي لا شبيه له. ولكي يتم الله إنعامه عليك بإعلاء شأن الدين، وانتشار الإسلام، وفتوح البلاد شرقا وغربا، وليرشدك إلى الطريق القويم بما يشرعه لك من الشرع العظيم، ولينصرك الله على أعدائك نصرا غالبا منيعا، لا يتبعه ذل. وإتمام النعمة على النبي:

стр. 2449

هو إظهاره، وتغلبه على عدوه، والرضوان في الآخرة، والنصر العزيز: هو الذي معه غلبة العدو والظهور عليه. أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي ﷺ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ : لقد أنزلت على آية أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا لك يا رسول الله، قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ حتى بلغ فَوْزاً عَظِيماً. إن الله هو الذي أوجد الطمأنينة في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة ﵃، يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله، ليزيدهم الله يقينا جديدا على يقينهم الحاصل من قبل. ويسمى هذا اليوم: رفع الروح المعنوية للجيش، وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين: هو تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا أن وعد الله حق. فازدادوا بذلك إيمانا إلى إيمانهم الأول، وكثر تصديقهم. وهذا دليل على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب. ولله تعالى السلطان على جنوده في السماوات والأرض، من الملائكة والإنس والجن والشياطين، والقوى الكونية في السماء والأرض، من بحار وأنهار وزلازل وبراكين وأعاصير. وكان الله ولا يزال عليما بمصالح خلقه، حكيما في صنعه وتقديره وتدبيره، وهذا إشارة إلى تسكين النفوس أيضا، وأن تكون مسلمة، لأنه ينصر من شاء، متى شاء، وعلى أي صورة شاء، مما لا يدبره البشر. ومن جنده السكينة التي أنزلها في قلوب الصحابة، فثبّتت بصائرهم. ثم عرف الله نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين والكافرين، فقد دبر الله ما دبر، من تسليط المؤمنين على الكافرين، ليعرفوا نعمة الله في ذلك، ويشكروها، وليدخل

стр. 2450

المؤمنين والمؤمنات جنات (بساتين) تجري الأنهار من تحت قصورها، وهم ماكثون فيها على الدوام، وليكفّر (يستر) عنهم خطاياهم ولا يظهرها، وكان إنجاز ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله، وفي حكمه، فوزا عظيما كبيرا، ونجاة من كل غم، وظفرا بكل مطلوب. ولكي يعذب أهل النفاق وأهل الشرك بالهم والغم بسبب ما يشاهدونه، من انتشار الإسلام وانتصار المسلمين، وقهر المخالفين، وبما أصيبوا به من القهر والقتل والأسر في الدنيا، وبما أعد لهم من العذاب في الآخرة، ولقد أصابهم ما أرادوا بالمسلمين فعليهم دائرة هي السوء، والمراد: الهزيمة والشر، أي دائرة السوء الذي أرادوه بالمسلمين في ظلهم السيئ. ثم أكد الله تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، فلله تعالى تدبير أمر جنوده في هذا العالم كيف يشاء، كما تقدم بيانه، وكان الله وما يزال عليما بمصالح خلقه، حكيما في صنعه وتقديره وتدبيره. مهام النبي ﷺ ومغزى بيعة الرضوان إن مهمة تكليف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسّلام مهمة عظيمة وشاقة، وتتميز مهمة نبينا ﷺ بمعان أو وظائف تتفق مع كونه خاتم النبيين وإمام المرسلين، فهو الشاهد على أمته والأمم المتقدمة بتبليغ الرسالة الإلهية، وهو المبشر أهل الطاعة برحمة الله تعالى، والمنذر لأهل الضلال من عذاب الله تعالى. والغاية من رسالته التوصل إلى الإيمان الحق بالله ورسوله، وتأييد دعوته، وتنزيه (تسبيح) الله بوصفه بكل صفات الكمال، وتجريده عن كل صفات النقصان. ومعنى بيعته بيعة الرضوان يوم الحديبية على الموت دفاعا عنه: بيعة لله تعالى ذاته، فمن نقض بنود البيعة عاد

стр. 2451

وبال نقضه على نفسه، ومن أوفى بالعهد مع الله، فسيلقى الثواب العظيم. وهذا ما سجلته الآيات التالية: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٨ الى ١٠] إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الفتح: ٤٨/ ٨- ١٠] . إنا أرسلناك أيها النبي لأداء وظائف ثلاث هي: الشهادة على الناس من أمتك وغيرهم، بأعمالهم وأقوالهم بتبليغ شرع الله إليهم، وتبشير المؤمنين الطائعين برحمة الله وجنته، وإنذار الكافرين والعصاة وتخويفهم من عذاب الله . والغرض السامي من إرسالك أيها الرسول: هو أن تؤمن أمتك بالله ورسوله- والخطاب للرسول وأمته- وأن يعظموك ويفخموك، وأن يحترموك ويقدروك، وينزهوا الله تعالى عما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة، والتشبّه بالمخلوقات، وذلك على الدوام، وبخاصة في الصباح والمساء، لقوله: بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي في الغدو والعشي. وهذه هي صلاة البردين، أي صلاة الفجر والعشاء، جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي موسى: «من صلّى البردين دخل الجنة» . والفعلان: (تعزروه وتوقروه) عند جمهور المفسرين: للنبي ﷺ ، وفعل (تسبحوه) لله تعالى. وقال بعض المتأولين: الضمائر في الأفعال الثلاثة هي كلها لله تعالى. ثم بيّن الحق تعالى عظمة بيعة الرضوان في الحديبية مع النبي ﷺ ، وهي بيعة

стр. 2452

الشجرة حين أخذ رسول الله ﷺ الأهبة لقتال قريش، لما بلغه مقتل عثمان بن عفان ﵁، الذي أرسله لمفاوضة قريش، قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ من الحديبية، وكان معه ألف وأربع مائة رجل، وبايعهم رسول الله ﷺ على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله ﷺ على الموت. وقال ابن عمر وجابر: على ألا نفرّ. والمبايعة مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ثم صار اسم البيعة يطلق على معاقدة الخلفاء والملوك. وعلى هذا سمّت الخوارج أنفسها الشّراة، أي الذين اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم. ومعنى الآية: إن الذين يبايعونك أيها الرسول بيعة الرضوان بالحديبية: تحت الشجرة على قتال قريش، إنما يبايعون الله، أي يطيعونه ويعاهدونه على امتثال أوامره، وصفقتهم إنما يمضيها الله تعالى ويمنح الثمن، أي الثواب عليها، فمن بايع النبي في الظاهر، فقد بايع الله في الحقيقة والواقع. وأكد الله هذا المعنى بقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي بأنّ عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده مع الله تعالى على السواء، وأن الله حاضر معهم، يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، والله تعالى هو المبايع حقيقة بوساطة رسوله ﷺ ، فهو السفير المعبر عن الله، وسفارته بين الله وأوليائه المؤمنين. فمن نقض البيعة مع النبي ﷺ ، فإنما وبال نقضه وضرره على نفسه، لا يجاوزه إلى غيره. ومن وفى بالعهد وثبت عليه، ونفّذ ما عاهد عليه الرسول ﷺ في البيعة، فسيؤتيه الله ثوابا جزيلا، ويدخله الجنة، كما عبر الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ٤٨/ ١٨] .

стр. 2453

إن هذه البيعة تعد وقفة مشرفة، وتضحية بالغة، وتصميما عاليا من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لتحقيق أعظم الغايات، لذا كان هذا الموقف مما يغبطون عليه، وقد أكرمهم الله تعالى بهذا الرضوان الإلهي على مدى الدهر، وجعله قرآنا يتلى، وأنموذجا عظيما للأبطال والشجعان، في سجلات اللقاءات والإعداد للمعارك الفاصلة الخالدة. أوضاع المتخلفين عن الحديبية تخلف عن الذهاب مع النبي ﷺ في عمرته يوم الحديبية قوم من الأعراب «١» : هم جهينة ومزينة ومن كان حول المدينة من القبائل وهم غفار وأشجع والدّليل، رأوا أنه يستقبل عدوا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة وهم الأحابيش، ولم يكن الإيمان قد تمكن من قلوبهم، وقالوا: لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم الله تعالى في الآيات الآتية، وأعلم محمدا ﷺ باعتذارهم في الظاهر قبل أن يصل إليهم، وبطلبهم المشاركة في وقعة خيبر وغنائمها، ودعوتهم إلى قتال قوم أولي بأس شديد. قال الله تعالى: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١١ الى ١٧] سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧) «٢» «٣»

стр. 2454

[الفتح: ٤٨/ ١١- ١٧] . هذه أخبار أنبّأ الله تعالى بها نبيه قبل وقوعها، أولها اعتذار المتخلفين عن الذهاب معه في عمرته يوم الحديبية، فإنهم سيقولون له بعد عودته: شغلتنا الأموال والأهلون، فاستغفر لنا، لكنهم لم يصدقوا في هذا الاعتذار، وإنما قالوا ذلك بألسنتهم في الظاهر، وبما لا يعبر عن حقيقة نواياهم وقلوبهم، في أن محمدا وصحبه سينهزمون أمام قريش وثقيف والقبائل المجاورة لمكة وهم الأحابيش، فقل أيها النبي لهم: من يحمي أموالكم وأهليكم إن أراد الله بكم سوءا، أو أراد بكم نفعا، ثم رد الله عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً. ثم فسر لهم علة تخلفهم بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ أي لم يكن تخلفكم تخلف معذور، بل ظننتم أنه لن يعود الرسول ﷺ والمؤمنون معه إلى أهليهم وأوطانهم أبدا، وأن العدو سيقتلهم، وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، فقبلتموه، وظننتم أن الله تعالى لن ينصر رسوله، وكنتم قوما هلكى أو هالكين عند الله تعالى، بسبب فساد هذا الاعتقاد. ثم أخبر الله تعالى عن عقاب أهل الكفر: وهو أن من لم يصدّق بالله تعالى ورسوله، ولم يخلص عمله لربه، كما صنع هؤلاء المتخلفون عن الحديبية، فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير المتلظية بهم.

стр. 2455

وقدرة الله شاملة، فهو مالك السماوات والأرض، وسلطانه مطلق فيهما، يتصرف فيهما كيف يشاء، يغفر لمن شاء مغفرة ذنوبه، ويعذب من أراد تعذيبه على كفره وعصيانه، وكان الله وما يزال غفورا لذنوب عباده التائبين رحيما يرحم جميع خلقه. وسيقول لك أيها النبي هؤلاء الأعراب المتخلفون عنك في عمرة الحديبية: إذا سرتم إلى خيبر، وظفرتم بمغانمها: اتركونا نتبعكم في السير، ونشهد معكم الموقعة، وهذا دليل آخر على كذبهم في اعتذارهم بعد كشف أمرهم: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ إنهم يريدون في شأن غنائم خيبر تبديل حكم الله ووعده لأهل الحديبية، بتخصيصهم بمغانم خيبر، فقد أمر الله رسوله ألا يسير معه إلى خيبر أحد من غير أهل الحديبية، ووعدهم بمغانمها وحدهم، فقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أن يغيروا وعده لأهل الحديبية بغنيمة خيبر. فقل أيها النبي لهم: لن تسيروا معنا إلى خيبر، وقد قال الله ذلك سابقا: وهو أن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية خاصة، لا نصيب فيها لغيرهم. وحينئذ سيقول المخلفون عند سماع هذا القول: بل إنكم تحسدوننا في المشاركة في الغنيمة، فلذا لم تأذنوا لنا في الخروج، فرد الله عليهم: ليس الأمر أمر حسد كما تزعمون، بل إنكم لا تفهمون إلا فهما قليلا، أي لا تفهمون شيئا من أحكام الدين: وهو جعل القتال من أجل الله تعالى، والإخلاص فيه. ومع ذلك، ميدان القتال متسع، فإنكم إن أردتم صدق الانتماء للمسلمين، فإنكم ستطالبون إلى قتال قوم أولي شدة وبأس، تخيرونهم بين أحد أمرين: إما القتال وإما الإسلام، لا ثالث لهما. وهذا يشمل مشركي العرب والمرتدين. قال عكرمة وابن جبير وقتادة: هم هوازن ومن حارب رسول الله ﷺ في حنين ثم وعد الله وأوعد،
следующие страницы →