وهناك روايات أخرى، ومجمل الروايات كلها: أن سبب نزول هذه السورة: هو استضعاف النبي ﷺ ، واستصغار أتباعه، والشماتة بموت أولاده الذكور، ابنه القاسم بمكة، وإبراهيم بالمدينة، والفرح بوقوع شدة أو محنة بالمؤمنين، فنزلت هذه السورة إعلاما بأن الرسول ﷺ قوي منتصر، وأتباعه هم الغالبون، وأن موت أبناء الرسول ﷺ لا يضعف من شأنه، وأن مبغضيه هم المنقطعون الذين لن يبقى لهم ذكر وسمعة ولا أثر، البعيدون عن كل خير، المحرومون من أي فضل.
والمعنى: لقد منحناك الخير الكثير، ومنه نهر في الجنة، جعله الله كرامة لرسول الله ﷺ ولأمته.
أخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك قال: «أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسما، فقال: إنه أنزل علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) حتى ختمها.
وفي الحديث: «هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك» .
وكما أعطيناك هذا الكوثر، فداوم على صلاتك المفروضة والنافلة، وأدّها خالصة لوجه ربك وانحر ذبيحتك وأضحيتك، وما هو نسك لك، وهو الهدي (شاة أو بعير مقدم للحرم) وغير ذلك من الذبائح لله تعالى وعلى اسم الله وحده لا شريك له فإنه هو الذي تعهدك بالتربية، وأسبغ عليك نعمه دون سواه، كما قال تعالى في آية أخرى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) [الأنعام: ١٦٢- ١٦٣] .
وهذا على نقيض فعل المشركين، الذين كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه ﷺ أن تكون صلاته ونحره لله، وهو أيضا نقيض فعل المنافقين
стр. 2942
المرائين. والمراد: صلاة العيد، ونحر الأضحية، قال ابن كثير: الصحيح أن المراد بالنحر: ذبح المناسك، بدليل ما نص عليه
حديث البراء بن عازب عند الشيخين: «كان رسول الله ﷺ يصلي العيد، ثم ينحر نسكه، ويقول: من صلّى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» . فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهي فيه اللحم، قال: شاتك شاة لحم، قال: فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين، أفتجزى عني؟ قال: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» .
إن مبغضك أيها النبي، ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع، والنور المبين: هو الأبتر أي الأقل الأذل، المنقطع عن خيري الدنيا والآخرة، والذي لا يبقى ذكره بعد موته، وهذا رد على ما قال بعض المشركين كالعاص بن وائل أو الوليد بن المغيرة أو أبي جهل لما مات ابنه عبد الله من خديجة: إنه أبتر. وقال الحسن البصري ﵀: عنى المشركون بكونه أبتر: أنه ينقطع عن المقصود قبل حصوله، والله بيّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك.
стр. 2943
تفسير سورة «الكافرون» أو المقشقشة «١»
البراءة من الشرك
حسم الإسلام بآيات القرآن العظيم قضية الإيمان والشرك، بعد أن أوضح الله تعالى الأدلة الدالة على صحة الاعتقاد، من توحيد الله تعالى، والتصديق بأنبيائه ورسله، وبكتبه وملائكته واليوم الآخر، فلم يبق بعدئذ مجال للوثنية أو الشرك، وجاءت سورة «الكافرون» المكية بالإجماع مبرئة من الشرك والنفاق، ومن عمل المشركين، وآمرة بإخلاص العبادة لله تعالى، فقال الله سبحانه:
[سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
[الكافرون: ١٠٩/ ١- ٦] .
سبب نزولها: ما
أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄: «أن قريشا دعت رسول الله ﷺ إلى أن يعطوه مالا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فأنزل الله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) إلى آخر السورة، وأنزل: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) [الزمر: ٣٩/ ٦٤] .
стр. 2944
والجماعة الذين دعوا النبي ﷺ إلى هذا، من تمويله وتزويجه من شاء من كرائم نساء قريش: هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية ابن خلف، وأبّي بن خلف، وأبو جهل، وابنا الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يسلم بعد. فنزلت هذه السورة للرد عليهم، ومضمونه:
قل أيها الرسول لقومك القرشيين: يا أيها الكافرون، لا أعبد على الإطلاق ما تعبدون من الأصنام والأوثان، فلست أعبد آلهتكم بأية حال. والآية تشمل كل كافر على وجه الأرض، والبدء بكلمة (قل) لرفع الحرج عن النبي، وبيان أنه مأمور بهذا الكلام، لا من عند نفسه.
لن أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي.
لا أعبد أنا عبادتكم، أي لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، وأنتم لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم، لأن عبادة الرسول ﷺ وأتباعه المؤمنين برسالته خالصة لله لا شرك فيها ولا غفلة عن الله الإله المعبود بحق. وهم يعبدون الله بما شرعه.
والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن الله بها، فكلها شرك وإشراك، ووسائلها من صنع الهوى والشيطان.
قيل: في الآيات تكرار، والغرض التأكيد، لقطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله ﷺ إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم.
والقرار الفصل والقول الحسم الذي يجعل الاستقلال لكل فئة أو جماعة بدينها:
هو أن لكم إشراككم أو كفركم، ولي ديني ومذهبي وهو التوحيد والإخلاص لله أو
стр. 2945
الإسلام، فدينكم الذي هو الإشراك، لكم لا يتجاوزكم إلي، وديني الذي هو التوحيد مقصور علي لا يتجاوزني، فيحصل لكم.
وليست هذه السورة على التحقيق منسوخة بآية القتال: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٩/ ٣٦] فإن المحققين من العلماء قالوا: لا نسخ لهذه السورة، بل المراد التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤١/ ٤٠] .
ونظير هذه الآية كثير في القرآن، منها قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس: ١٠/ ١٤] .
وهذا الفصل بين أتباع الأديان يريح كل فريق، ويجعل كل إنسان مسئولا عما يحب ويختار، ويعتقد ويعمل، إذ لا إكراه في الدين، والدين يقوم على أساس القناعة والحرية والاختيار، وهذا أساس توجيه المسؤولية لكل إنسان عما عمل، وسيرى كل واحد عاقبة فعله واعتقاده وقوله. وإذا لم يجد الإقناع وإعمال العقل الحر الطليق من غير تعصب ولا أحقاد ولا موروثات، فإن كل إنسان مطالب بترك غيره فيما اختاره أو اعتقده.
стр. 2946
تفسير سورة النصر
التسبيح والتحميد والاستغفار عند الفتوحات
يتميز الإسلام الحنيف، بالربط بين الدنيا والآخرة، وبين الله وعبده، وبين النصر والعزة والفتوح، واللجوء إلى الله فبل وعقب ذلك، حتى لا يترك الإنسان وأهواءه وشهواته، ويظل معتدل المزاج لا يبطر ولا يغتر ولا يفجر، وهذا ما نجده واضحا من توجيه الله تعالى نبيه وأمره له بعد الفتوح التي فتحت عليه، مكة وغيرها، بأن يسبّح ربه ويحمده ويستغفره، في سورة النصر المدنية إجماعا، حيث سئل ابن عباس عن مدلولها، فقال: هو أجل رسول الله ﷺ ، أعلمه الله تعالى بقربه إذا رأى هذه الأشياء، فقال عمر ﵁: ما أعلم منها إلا ما ذكرت «١» . وهذا الاتجاه الذي ذكر ابن عباس في تفسير هذه السورة هو ما ذكره ابن مسعود وأصحابه، وقتادة، والضحاك.
وروت معناه عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، وأنه ﷺ لما فتحت مكة، وأسلم العرب، جعل يكثر أن يقول: «سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك» يتأول القرآن في هذه السورة «٢» . وقال لها مرة: «ما أراه إلا حضور أجلي» .
هذه السورة هي سورة النصر:
стр. 2947
[سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [النصر: ١١٠/ ١- ٣] .
هذه السورة بشارة بالنصر للنبي ﷺ على العرب قاطبة، ونعي أجله والاستعداد للانتقال إلى الرفيق الأعلى بمداومة التسبيح والتحميد والاستغفار.
إذا تحقق لك أيها النبي نصر الله، وعونه، وتأييده على من عاداك، وهم قريش وبقية العرب، وفتحت لك مكة، وتحققت لك الغلبة، وإظهار دينك وانتشاره، فنزه الله تعالى، حامدا له نعمه وأفضاله عليك، واسأل المغفرة لك ولمن اتبعك، إن الله كثير القبول لتوبة عباده، حتى لا ييأسوا ويرجعوا بعد الخطأ.
و (النصر) الذي رآه رسول الله ﷺ : هو غلبته لقريش وهوازن وغير ذلك. و (الفتح) هو فتح مكة والطائف ومدن الحجاز وكثير من اليمن. قال ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب: لم يمت رسول الله ﷺ ، وفي العرب برجل كافر، بل دخل الكل في الإسلام، بعد حنين والطائف، منهم من قدم، ومنهم من قدم وافده، ثم كان بعده ﷺ من الردة ما كان، ورجعوا كلهم إلى الدين «٥» . والمراد بذلك: العرب وعبدة الأوثان.
وفائدة قوله: (نصر الله (مع أن النصر لا يكون إلا من عند الله: هو أنه نصر لا يليق إلا بالله، ولا يليق أن يفعله إلا الله، أو لا يليق إلا بحكمته، والمراد: تعظيم هذا النصر. وقوله: جاءَ نَصْرُ اللَّهِ: مجاز، أي وقع نصر الله.
أخرج الإمام أحمد والبيهقي والنسائي عن ابن عباس قال: لما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) قال رسول الله ﷺ : «نعيت إليّ نفسي» .
فإنه مقبوض في تلك السنة.
стр. 2948
قال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ.. فعاش بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما.
وكان من علامة ذلك: أنك أيها النبي تبصر الناس من العرب وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك به، جماعات، فوجا بعد فوج، بعد أن كانوا في بادئ الأمر، يدخلون واحدا واحدا، واثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. وتحقق ذلك في العام التاسع والعاشر عام الوفود حيث تتابعت الوفود العربية إلى المدينة معلنة إسلامها. قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، وإنما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، إذ كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل ﵇، وقادة العرب. فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا، كما قال تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ... السورة.
لقد جاء الأمر الإلهي للنبي ﷺ بالتسبيح بعد تحقيق الانتصارات العسكرية وانتشار الإسلام. والمعنى: إذا فتحت مكة وانتشر الإسلام، فاشكر الله على نعمه، بالصلاة له، وبتنزيهه عن كل ما لا يليق به، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به بالنصر. واقرن الحمد بالتسبيح، أي اجمع بينهما، فإن ذلك النصر والظفر يقتضي الحمد لله على عظيم منته وفضله.
стр. 2949
واطلب أيضا من الله المغفرة لك، تواضعا لله، واستقصارا لعملك، وتعليما لأمتك، وكذا اسأله المغفرة لمن تبعك من المؤمنين على ما كان منهم من القلق والخوف لتأخر النصر، فإن الله سبحانه من شأنه التوبة على المستغفرين له، يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم، وهو كثير القبول لتوبة عباده، حتى لا ييأسوا ويرجعوا بعد الخطأ.
стр. 2950
تفسير سورة المسد
عقاب أبي لهب وامرأته
كان أبو لهب: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتيبة، وامرأته: من أشد الناس عداوة وإيذاء للنبي ﷺ ، وكان أبو لهب في المجالس العامة هو الذي يجابه النبي ويعانده، ويقف في سبيل دعوته وقوف الأعداء الأشداء الألداء.
روي في الحديث عن ابن عباس الذي أخرجه البخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ قال: لما نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢٦/ ٢١٤] أي ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب! فاجتمعوا إليه فقال:
«أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت هذه السورة
المكية بالإجماع: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) . كذا قرأ الأعمش وعبد الله (ابن مسعود) وأبيّ، إلى آخر السورة، وقرأ حفص: وَتَبَّ أي الأول دعاء عليه، والثاني: خبر عنه. والسورة هي:
стр. 2951
[سورة المسد (١١١) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)
«١» «٢» «٣» «٤» [المسد: ١١١/ ١- ٥] .
المعنى: هلكت يدا أبي لهب (وكنّي بذلك لحمرة في وجهه) وخسرت وخابت، وهو مجاز عن جملته، أي هلك وخسر، وهذا دعاء عليه بالهلاك والخسران. ثم أخبر الله تعالى عنه: وَتَبَّ أي وقد وقع فعلا هلاكه، فقد خسر الدنيا والآخرة، وأبو لهب:
عم النبي ﷺ ، واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وقد كان كثير الأذى والبغض والازدراء لرسول الله ﷺ ولدينه، كما تقدم.
وقوله: تَبَّتْ معناه: خسرت، والتباب: الخسران والدمار. وأسند ذلك إلى اليدين من حيث كون اليد موضع الكسب والربح وضم ما يملك، ثم أخبر الله عنه أنه قد تب، أي حتم عليه ذلك.
ثم أخبر الله تعالى عن حال أبي لهب في الماضي، فقال: ما أَغْنى.. أي لم يدفع عنه يوم القيامة ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه والولد، ولم يفده ذلك في دفع ما يحل به من الهلاك، وما ينزل به من العذاب، لشدة معاداته لرسول الله ﷺ ، وصدّه الناس عن الإيمان به. والفرق بين المال والكسب: أن الأول رأس المال، والثاني هو الربح. وهذا إخبار عن أن جميع أحواله الدنيوية من مال وولد لم تغن عنه شيئا، حين حتم (أوجب) عذابه بعد موته، وهو ما أخبر الله تعالى عنه في المستقبل في الآخرة بقوله: سَيَصْلى.. أي إن أبا لهب سيذوق حر نار جهنم ذات
стр. 2952
اللهب المشتعل المتوقد، قال أبو حيان: والسين للاستقبال، وإن تراخى الزمان، وهو وعيد كائن إنجازه لا محالة، وإن تراخى وقته.
وتصلى امرأة أبي لهب معه أيضا النار، وهي أم جميل أروى بنت حرب، أخت أبي سفيان، عمة معاوية بن أبي سفيان. وامرأته: معطوفة على الضمير المرفوع فاعل (سيصلى) دون أن يؤكد الضمير، بسبب الحائل الذي ناب مناب التأكيد.
وكانت أم جميل هذه مؤذية رسول الله ﷺ والمؤمنين بلسانها وغاية قدرتها. قال ابن عباس: كانت تجيء بالشوك، فتطرحه في طريق النبي ﷺ وطريق أصحابه ليعقرهم، فبذلك سميت حمالة الحطب. فهي حقيقة كانت تحمل أنواع الحطب والأشواك للإيذاء. وقيل: إن قوله تعالى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ استعارة لذنوبها التي تحطبها على نفسها لآخرتها. وقيل: المراد أنها كانت تمشي بالنميمة، فيقال للمشّاء بالنمائم، المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي يوقد بينهم النائرة، ويورّث الشر. وهذا رأي الكثيرين.
ولون العذاب أو صفته ما عبر الله عنه بقوله: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) أي في عنقها حبل مفتول من الليف، من مسد النار، أي مما مسّد من حبالها، أي فتل من سلاسل النار، وقد صورها الله تعالى، في حالة العذاب بنار جهنم بصورة حالتها في الدنيا عند النميمة، وحينما كانت تحمل حزمة الشوك وتربطها في جيدها، ثم تلقيها في طريق النبي ﷺ ، لأن كل من أجرم في الدنيا يعذب بما يجانس حاله في جرمه. قال ابن عباس وآخرون: الإشارة إلى الحبل حقيقة، وهو الذي ربطت به الشوك وحطبه. قال السدي: والمسد: الليف.
ولما سمعت أم جميل هذه السورة، أتت أبا بكر، وهو مع رسول الله ﷺ في المسجد، وبيدها فهر (حجر) فقالت: بلغني أن صاحبك هجاني، ولأفعلن وأفعلنّ،
стр. 2953
وأعمى الله تعالى بصرها عن رسول الله ﷺ ، فروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال لها: هل ترين معي أحدا؟ فقالت: أتهزأ بي؟ لا أرى غيرك.
قال سعيد بن المسيب: كانت لأم جميل قلادة فاخرة، فقالت: واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد، فأعقبها الله حبلا في جيدها من مسد النار.
هذا اللون من العنفوان والاستكبار، وشدة العناد والإيذاء، الصادر من أبي لهب وزوجته، منشؤه تراكمات الجهالة والوثنية والتقاليد الموروثة، والحرص على الزعامة والسيادة. ولو كان عند أبي لهب وامرأته وأمثالهما عقل واع، وعلم كاف، وحظ من التحضر والتمدن، لما كان لهما مثل هذا الموقف من داعية الهدى والرشاد، والإنقاذ والنجاة.
وقد استنبط بعض علماء أصول الفقه من آية سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) جواز التكليف بما لا يطاق، لأن أبا لهب مكلف أن يؤمن بمحمد ﷺ ، ومكلف أن يؤمن بهذه السورة وصحتها، فكأنه قد كلف أن يؤمن، وأن يؤمن بأنه لا يؤمن، قال الأصوليون: ومتى ورد تكليف ما لا يطاق فهي أمارة من الله تعالى أنه قد حتم عليه عذابه، أي عذاب ذلك المكلف، لقصة أبي لهب.
стр. 2954
تفسير سورة الإخلاص
التوحيد والتنزيه
إن المبدأ الأساسي في الاعتقاد: هو إعلان توحيد الله وتنزيهه عما لا يليق به، والإقرار باللسان، والتصديق بالقلب، فهذا هو منطق الإيمان وجوهره، فمن لم يؤمن بوحدانية الله، وأنه الإله والرب الذي لا شريك له، ولا نظير ولا مثيل، لم يكن من أهل الدين على الإطلاق، مهما حاول تعويض ذلك بشيء من الأوهام والطقوس والأقوال. لذا كانت سورة الإخلاص المكية المسماة أيضا بالأساس معبرة عن ركن العقيدة، وكانت تعدل ثلث القرآن، لأن أصول التشريع الإلهي ثلاثة:
التوحيد، وتقرير الحدود والأحكام، وبيان الأعمال، أي العقيدة، والشريعة، والممارسة.
أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) يرددها، فلما أصبح، جاء إلى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّها، فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن» .
ومضمونها يقتضي الإخلاص في عبادة الله وحده والتوجه إليه وحده. قال ابن عباس ﵄: «تفكروا في كل شيء، ولا تتفكروا في ذات الله » .
وهذه السورة هي:
стр. 2955
[سورة الإخلاص (١١٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
«١» «٢» «٣» [الإخلاص: ١١٢/ ١- ٤] .
أخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن أبي بن كعب ﵁: أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن نسب ربه- تعالى عما يقول الجاهلون- فنزلت هذه السورة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس ﵄: أن اليهود دخلوا على النبي ﷺ ، فقالوا له: يا محمد، صف لنا ربك وانسبه، فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها، فارتعد رسول الله ﷺ ، حتى خرّ مغشيا عليه، ونزل عليه جبريل ﵇ بهذه السورة:
سورة الإخلاص.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية، وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: قالت الأحزاب لرسول الله ﷺ : انسب لنا ربك، فأتاه الوحي بهذه السورة.
والمعنى: قل أيها الرسول لمن سألك عن صفة ربك ونسبته: هو الله أحد، أي واحد فرد في ذاته وصفاته، لا شريك له، ولا نظير، ولا عديل، ليس كمثله شيء، وليس مركّبا ولا متعددا، وهُوَ مبتدأ أول، واللَّهُ مبتدأ ثان، وأَحَدٌ خبره، والجملة: خبر المبتدأ الأول، والتصدير بضمير الشأن هُوَ للتنبيه على فخامة الكلام الآتي، وبيان خطورته وروعته، لأن الضمير يدعوك إلى ترقب ما بعده.
فإذا جاء تفسيره وتوضيحه، تمكن في النفس تمكنا تاما، ولم يقل (الله الأحد) لأن المقصود إثبات أن الله ﷻ واحد، ليس متعددا في ذاته، فلو قيل: (الله الأحد) لأوهم التعدد، والمقصود نفي التعدد الذي كان المشركون يعتقدونه.
والله هو الصمد: أي المقصود وحده في قضاء الحوائج، لأنه القادر على تحقيقها.
стр. 2956
فالصمد: هو الذي يصمد إليه في الحوائج، أي يقصد، وصمد من باب نصر، أي قصد.
والمعنى المراد: هو الله الذي يقصد إليه كل مخلوق، لا يستغني عنه أحد، وهو الغني عنهم. وهذا لإبطال اعتقاد المشركين العرب وأمثالهم، بوجود الوسائط والشفعاء. قال ابن عباس في تفسير الصمد: يعني الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار.
وليس لله مصدر ولا ذرية فهو لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) أي إنه سبحانه لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شيء، لأنه لا يجانسه شيء، ولأنه قديم غير محدث، لا أول لوجوده، وليس بجسم. وهذا نفي للشبه والمجانسة، ووصف بالقدم (الأزلية) والأولية، ونفي الحدوث. بل ونفي النهاية والفناء، كما في آية أخرى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٥٧/ ٣] .
ثم إن الجملة الأولى لَمْ يَلِدْ ذات هدف مزدوج، فهي نفي لوجود الولد لله، ورد على المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وعلى اليهود القائلين:
عزير: ابن الله، وعلى النصارى الذين قالوا بالتثليث، وبأن المسيح ابن الله، وعلى المانوية القائلين بألوهية النور والظلمة، وعلى الصابئة الذين يعبدون النجوم. وكذلك الجملة الثانية مزدوجة الأثر: نفي لوجود الوالد، وسبق العدم، بمعنى أنه لم يكن غير موجود ثم وجد.
стр. 2957
ثم نفى الله تعالى عن ذاته مشابهة الحوادث فقال: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) أي ليس لله أحد يساويه، ولا يماثله، ولا يشاركه، وهذا متعدد الهدف، فهو نفي لوجود الصاحبة، وإبطال لما يعتقد به المشركون العرب، من أن لله ندّا في أفعاله (والند: النظير والمثيل) حيث جعلوا الملائكة شركاء لله، والأصنام والأوثان أندادا لله تعالى. فهذه السورة تتضمن أن الله واجب الوجود، ويحتاج إليه كل شيء موجود، وهو منزه عن كل ما لا يليق به، وليس كمثله شيء.
ولهذه السورة نظائر أخرى، منها آية: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: ٦/ ١٠١] . أي إنه مالك كل شيء وخالقه، فكيف له من خلقه نظير؟!.
جاء في صحيح البخاري: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» .
стр. 2958
تفسير سورة الفلق
التعوذ من شر الخلق
الله تعالى ملجأ كل المخلوقات، فهو الذي يمنع الشر والسوء، ويحمي من كل أذى، ويعافي كل مبتلى إن شاء. وقد علّمنا كيفية اللجوء إليه في الأزمات المستعصية، والتخلص من الأوهام والتخيلات، ومن تغوّل مردة الجن والشياطين، وذلك في سورة الفلق المكية في قول، والصحيح أنها مدنية، لأن اليهود سحروا النبي ﵊ في المدينة، وكذا سورة الناس مدنية على الصحيح، فبعد أن شرح الله تعالى أمر الألوهية في السورة التي سبقتها وهي سورة الإخلاص، جاء بهذه السورة شرحا لما يستعاذ منه بالله تعالى، من الشر الذي في مراتب العالم ومراتب مخلوقات الله.
وسورة الفلق والسورة التي بعدها وهي سورة الناس، نزلتا معا، كما في الدلائل للبيهقي، فلذلك قرنتا مع ما اشتركنا فيه من التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بقل أعوذ.
أخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي الليلة آيات لم أر مثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس» .
وسورة الفلق هي:
стр. 2959
[سورة الفلق (١١٣) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الفلق: ١١٣/ ١- ٥] .
نزلت هذه السورة- كما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ في قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله ﷺ . والنفاثات: بناته اللواتي كن ساحرات، فسحرن النبي ﷺ ، وعقدن له إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله تعالى إحدى عشرة آية بعدد العقد، هي المعوذتان، فشفي النبي ﷺ .
والنّفث: قيل: هو شبه النفخ دون تفل ريق، والأصح أنه مع الريق. وهذا النفث: هو على عقد تعقد في خيوط ونحوها على اسم المسحور، فيؤذى بذلك.
وقصة هذا السحر:
أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي ﷺ ولكن لم يؤثر السحر فيه وعوفي منه- سحره في جفّ (قشر الطلع) فيه مشاطة رأسه ﷺ ، وأسنان مشطه، ووتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروز بالإبر، فأنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد ﷺ في نفسه خفّة (نشاطا) حتى انحلت العقدة الأخيرة، فقام، فكأنما نشط من عقال. وجعل جبريل ﵇ يرقى رسول الله ﷺ ، فيقول: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسد وعين، والله يشفيك» .
وأنكر بعض المعاصرين هذه القصة، ورأى أنها من مفتريات اليهود، ليشككوا الناس في النبي ﷺ ، وليلصقوا به السحر، لأن الله تعالى يقول عن رسوله:
стр. 2960
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٥/ ٦٧] ، ويقول: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:
١٥/ ٩٥] .
المعنى: قل أيها النبي: ألجأ إلى الله، وأستعيذ برب الصبح، لأن الليل ينفلق عنه، وبرب كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله أو انفلق عن غيره، من الحيوان، والنبات، والحب، والنوى، والمطر، والولد، وكل شيء يفلقه الله. وأعوذ بالله تعالى خالق الكائنات من شر كل ما خلقه الله من جميع مخلوقاته. وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة الظلمة عن وجه الأرض، قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات والحسد والسحر والعين ونحو ذلك عن الإنسان.
أخرج الترمذي وحسنه، والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من عين الجان، ومن عين الإنس، فلما نزلت سورتا المعوذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك» .
وأخرج مالك في الموطأ عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه، كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده، رجاء بركتهما» .
ثم بعد تعميم الاستعاذة من جميع المخلوقات، خص بالذكر ثلاثة أشياء، لأنها أعظم الشرور وهي:
- وأعوذ بالله من شر الليل إذا أقبل، ودخل ظلامه في كل شيء، وغشّى ما يحيط به، لأن في الليل مخاوف ومخاطر من سباع البهائم، وهوام الأرض، وأهل الفسق والفساد.
- وأعوذ بالله من شر النفوس أو شر الساحرات، لأنهن كن ينفثن (أي ينفخن) في عقد الخيوط، حين يسحرن بها. فالنفاثات: صفة للنفوس رجالا أو نساء.
стр. 2961
والنفث: النفخ مع ريق، كما قال الزمخشري. وقيل هو شبه النفخ، يكون في الرقية، ولا ريق معه، فإن كان بريق فهو تفل، والأول هو الأصح.
- وأعوذ بالله من شر كل ذي شر، ومن شر كل حاسد إذا حسد، والحاسد: هو الذي يتمنى زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود.
قال قتادة: من شر عينه ونفسه، يريد السعي الخبيث والإذاية كيف قدر، لأنه عدو مجدّ ممتحن.
هذه السورة رقية ناجعة تفيد كل إنسان، لوقايته من الشرور، وحفظه من السوء، وتخلصه من الحسد والسحر والعين، وغير ذلك، والله على كل شيء قدير.
стр. 2962
تفسير سورة الناس
الاستعاذة من شر الشياطين
على الرغم من تميز الإنسان بالعقل والفكر، والمحاكمة وموازنة الأمور، فإنه لا سيما العامي، يظل ضعيفا، تتغلب عليه الأهواء، والشياطين من الإنس والجن، فينقاد لها، وتهيمن عليه فيرتجف منها، وتسيطر عليه، فلا يستطيع الفكاك منها إذا لم يلجأ لربه، أو يعتمد على إيمانه وصلته بالله تعالى. وقد علّمنا الله تعالى طريق الاستعاذة، تفضلا منه ورحمة في سورة الناس التي هي على الصحيح كالفلق مدنية وليست مكية، قال ابن عباس وقتادة وجماعة عن سورة الفلق: إنها مدنية، قال الألوسي: وهو الصحيح، لأن سبب نزولها سحر اليهود، وهم إنما سحروه ﵊ بالمدينة، كما جاء في الصحاح، فلا يلتفت لمن صحح كونها مكية، وكذا الكلام في سورة الناس، قال قتادة: هي مكية، والصحيح ما قال ابن عباس وغيره: هي مدنية، وهذا نصها:
[سورة الناس (١١٤) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [الناس: ١١٤/ ١- ٦] .
стр. 2963
قل أيها الرسول: ألجأ وأستعين بالله مربي الناس ومتعهدهم بعنايته ورعايته وخالقهم، ومدبر أمرهم، ومصلح أحوالهم، مالك الناس ملكا تاما، وله السلطان القاهر، وهو الإله المعبود الذي يعبده الناس، واسم الإله: خاص بالله، لا يشاركه فيه أحد. وأما الملك: فقد يكون إلها وقد لا يكون.
وهذه صفات ثلاث لله : الربوبية، والملك، والألوهية، فهو رب كل شيء، ومليكه، وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة عبيد له. وإنما قدم الربوبية لمناسبتها للاستعاذة، فهي تتضمن نعمة الصون والحماية والرعاية، ثم ذكر الملكية، لأن المستعيذ لا يجد عونا له ولا غوثا إلا مالكه، ثم ذكر الألوهية، لبيان أنه المستحق للشكر والعبادة دون سواه.
والسبب في تكرار لفظ النَّاسِ هو مزيد البيان والإظهار، والتنويه بشرف الناس، فإنهم مخلوقات الله تعالى. وإنما قال: بِرَبِّ النَّاسِ مع أنه رب جميع المخلوقات، فخص الناس بالذكر للتشريف، ولأن الاستعاذة لأجلهم.
- ألجأ إلى الله تعالى وأحتمي من شر الشيطان ذي الوسوسة، الكثيرة الخنوس، أي الاختفاء والتأخر، بذكر الله تعالى، أو الراجع على عقبه المستتر أحيانا، إذا ذكر العبد الله تعالى وتعوذ، وتذكّر فأبصر، وإذا لم يذكر الله انبسط على القلب، قال ابن عباس في هذه الآية: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل، وسوس، فإذا ذكر الله خنس.
وتذكر الله يفيد التبصر، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٧/ ٢٠١] .
وكذلك يخنس الشيطان بلمّة الملك، والحياء يردع، والإيمان يزجر بقوة، فتخنس العوارض المتحركة، والشهوات العارمة، والغضب يسكن، بذكر الله تعالى. وقد
стр. 2964
سلط الله تعالى الشيطان على الناس إلا من عصمه الله، للمجاهدة والفتنة والاختبار،
ثبت في الحديث الصحيح أنه: «ما منكم من أحد إلا وكّل به قرينه، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» .
وموضع وسوسة الشيطان أوضحه الله تعالى بقوله الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ أي الذي يلقي خواطر السوء والشر في القلوب، وإنما ذكر الصدور لأنها تحتوي علي القلوب، والخواطر محلها القلب، كما هو المعهود في كلام العرب.
والذي يوسوس نوعان: جني وإنسي، قال الله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي إن ذلك الموسوس إما شيطان الجن، فيوسوس في صدور الناس كما تفيد الآية المتقدمة، وإما شيطان الإنس، ووسوسته في صدور الناس أنه يري نفسه كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة، فيجعله فريسة وسوسة الشيطان الجني، وهذا يدل على أن الوسواس قد يكون من الجن، وقد يكون من الناس.
وقوله: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي من الشياطين، ونفس الإنسان، ووسوسة الناس:
إنما تكون بأن يوسوس البشر بالخداع، والدعوة إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان.
لكن ينبغي أن ندرك أن وسوسة الشيطان ليست قهرية، وإنما بسبب استجابة الإنسان واختياره لها، فقد يختار الإصغاء لوسوسة الشياطين، وقد يحذر عداوتهم ووسوستهم، كما جاء في آية أخرى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء: ١٧/ ٦٥] .