تفسير سورة البينة أو سورة البرية، أو (لم يكن)
أسباب إنزال القرآن
سورة البينة فيها القرار الحاسم والقول الفصل في أمور أربعة: وهي علة إنزال القرآن وهو التكليف، وبيان أن ما جاء به النبي هو الحق الثابت، والفصل في شأن الكفار، من المشركين وأهل الكتاب، وجزاء أهل الإيمان بالنبي ﷺ ، وجزاء الباقين على الكفر وماتوا على ذلك. وليس هناك عذر لمن كفر بعد بيان القرآن وإقامة الحجة القاطعة فيه بالأدلة الكونية والتنزيلية، وهذا ما تضمنته هذه السورة المكية في قول جمهور المفسرين:
[سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)
وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [البينة: ٩٨/ ١- ٨] .
стр. 2907
هذه صيحة الحق تقض مضاجع السادرين وهم المتحيرون الذين لا يبالون ولا يهتمون بما يصنعون، لتوقظ فيهم مشاعر الإحساس، وتنبه فيهم مفاتح الإدراك، فليس بعد نزول القرآن عذر لمن بقي على شرك أو كفر، ولا سبب لتقصير أو إهمال.
وقد احترم القرآن ما كانوا عليه في الماضي، إذ لا بيان ولا حجة ظاهرة. لذا افتتحت سورة البينة بهذا الإنذار. لم يكن الذين جحدوا رسالة القرآن والنبي العربي الهاشمي، من اليهود والنصارى، وعبدة الأصنام والأوثان من مشركي العرب وغيرهم، منفكين عن الكفر والضلال، مفارقين كفرهم الموروث، منتهين عما هم عليه من الاعتقاد، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي القرآن الكريم، ورسالة الرسول ﷺ . ففي القرآن والرسالة النبوية: بيان الجهالة والضلالة، والدعوة إلى الإيمان.
والمراد من تلك البينة أو الحجة: هو رسول الله ﷺ الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، يقرأ عليهم ما تتضمنه صحف القرآن، المطهرة من الخلط والكذب، والشبهات والضلال، والتحريف واللّبس. والتي فيها الحق الصريح، وفيها، أي سورة البينة أحكام كتب قيمة، أي قائمة معتدلة، آخذة للناس بالعدل، أي فيها الآيات والأحكام المكتوبة المستقيمة المستوية المحكمة، والصلاح والرشاد، والحكمة والهدى. والمراد من الآية: ما كان هؤلاء القوم ليتركوا سدى. والبينة: القصة البينة والجليلة. وفِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) فيه حذف مضاف، تقديره: فيها أحكام كتب قيمة، تقوم بالحق والعدل.
ثم ذم الله تعالى المخالفين بقوله: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.. أي لا داعي للأسف، فإن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لم يتفرقوا في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل متفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من
стр. 2908
العرب حسدوه. أي إن تفرقهم واختلافهم لم يكن لاشتباه الأمر عليهم، بل بعد وضوح الحق والصواب، ومجيء الدليل المرشد إلى الدين الصحيح، وهو محمد ﷺ الذي جاء بالقرآن، موافقا لما عندهم من الكتاب بنعته وصفته، فلما بعثه الله، تفرقوا في الدين، فآمن به بعضهم، وكفر به آخرون، وكان عليهم الاتفاق على طريقة واحدة، كما كانوا يعتقدون، من اتباع دين الله، ومتابعة رسول الله.
ثم وبخهم الله على انحرافهم عن جوهر الدين: وهو إخلاص العبادة لله، فقال:
وَما أُمِرُوا أي انهم تفرقوا واختلفوا، مع أنهم لم يؤمروا في جميع كتب الله إلا بعبادة الله وحده، عبادة خالصة، لا يشركون به شيئا، يخلصون العبادة لله تعالى، مائلين عن الأديان كلها إلى الإسلام، ويؤدون الصلاة على الوجه الأتم الذي أراده الله، ويؤتون الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس كل عام، وذلك هو دين الملة القويمة.
ثم وجه الله تعالى الوعيد للكفار، وأصدر الوعد للمؤمنين. إن جزاء الذين كفروا بالله، وخالفوا كتب الله من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركين الوثنيين هو نار جهنم المستعرة، يصيرون إليها، ماكثين فيها على الدوام، وهم شر الخليقة مصيرا، لتركهم الحق حسدا وبغيا. ولم يقل: (أبدا) لأن رحمة الله أزيد من غضبه، وقال: هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ لإفادة النفي والإثبات، أي هم دون غيرهم.
وإن الذين آمنوا بقلوبهم بربهم، وصدقوا بكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال من أداء الفرائض والطاعات، هم خير الخليقة، حالا ومآلا.
وجزاؤهم يوم القيامة عند خالقهم على ما قدموا من حسن الاعتقاد وصلاح العمل:
جنات إقامة دائمة (بساتين) تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، ﵃ لإطاعتهم أوامره وقبولهم شرائعه، ورضوا عنه، بما تفضل الله عليهم من حسن الثواب والجنان، وتحقيق المطالب والآمال والأحلام.
стр. 2909
وذلك الجزاء الحسن مخصص لكل من خاف الله واتقاه، ورهب عقابه، وأدى فرائضه. وهذا دليل على أن شرط أداء العبادة كالصوم والصلاة: هو خشية الله والخشوع له.
وقوله تعالى: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ فيه حذف مضاف تقديره: سكنى جنات أو دخول جنات.
стр. 2910
تفسير سورة الزلزلة
علامات القيامة ونوع الجزاء
سور القرآن الكريم وآياته إنذار بعد إنذار، للتذكير والتحذير، فهذه سورة الزلزال المكية في قول ابن عباس وغيره، والمدنية في قول مقاتل وقتادة، لأن آخرها نزل بسبب رجلين كانا بالمدينة، والظاهر أنها مدنية، وهي تبين علامة يوم القيامة، فقد كان الكفار المشركون يسألون كثيرا عن الساعة ويوم الحساب، فيقولون: أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ [القيامة: ٧٥/ ٦] ونحو ذلك من الآيات، فأبان الله لهم في هذه السورة علامات القيامة فقط، ليعلموا أن علم ذلك عند الله، وليس لأحد معرفة ذلك اليوم، ولا تعيينه للجزاء والحساب. وآي السورة هي:
[سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» [الزلزلة: ٩٩/ ١- ٨] .
- إذا حركت الأرض بعنف من أسفلها حركة شديدة، واضطربت اضطرابا هائلا، حتى يتكسر كل شيء عليها.
стр. 2911
وقوله: زِلْزالَها أبلغ من قوله: (زلزالا) دون إضافة للأرض، لأن المصدر غير المضاف يقع على كل قدر من الزلزال، وإن قل، وإذا أضيف إليها، وجب أن يكون على قدر ما يستحقه، فهو يفيد إيفاء الشيء حقه.
- وألقت ما في جوفها من الأموات والدفائن، وهي أثقالها، وهذه إشارة إلى البعث، كما جاء في آية أخرى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) [الانشقاق: ٨٤/ ٣- ٤] . وذلك في النفخة الثانية. وقال ابن عطية: وليست القيامة بموطن لإخراج الكنوز، وإنما تخرج كنوزها وقت الدجال.
- وقال كل إنسان مؤمن أو كافر (جنس الإنسان) لمّا يبهره أمرها، ويذهله خطبها، ويستهول المرئي: ما لهذه الأرض، ولأي شيء زلزلت، وأخرجت أثقالها؟
وقد قال ﵊ فيما أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والحاكم- عن ابن عباس ﵄: «ليس الخبر كالمعاينة..» .
- في ذلك الوقت المضطرب، وقت الزلزلة، تخبر الأرض بأخبارها، وتحدّث بما عمل عليها من خير وشر، ينطقها الله تعالى، لتشهد على العباد، فإخبار الأرض:
هو شهادتها بما عمل عليها من عمل صالح وفاسد، كما قال ابن مسعود والثوري وغيرهما. فالتحديث من الأرض- على هذا المعنى- حقيقة، وكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى، وأضاف تعالى الأخبار إليها من حيث وعتها وحصّلتها. وقال الطبري وقوم: التحديث في الآية مجاز، والمعنى حينئذ: أن ما تفعله الأرض بأمر الله تعالى من إخراج أثقالها، وتفتّت أجزائها، وسائر أحوالها، هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها. ويؤيد القول الأول:
قول النبي ﷺ الذي أخرجه البخاري والنسائي ومالك وأحمد: «فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» .
стр. 2912
- ومصدر التحديث: بأن ربك ألهمها، أي تحدّث أخبارها بوحي الله وإذنه لها، بأن تتحدث وتشهد.
- في هذا اليوم المضطرب والخراب المدمر، يصدر (يخرج) الناس من قبورهم إلى موقف الحساب، متفرقين، مختلفي الأحوال، فمنهم المؤمن الآمن، ومنهم الخائف، ومنهم كافرون، ومنهم عصاة، ومنهم فريق الجنة، ومنهم فريق النار، الكل سائر إلى العرض ليريهم الله أعمالهم معروضة عليهم.
ثم أخبر الله تعالى أنه من عمل عملا رآه، قليلا كان أو كثيرا، فمن يعمل في الدنيا وزن نملة صغيرة، أو هباء لا يرى إلا في ضوء الشمس، يجده يوم القيامة في كتابه، ويلقى جزاءه، فيفرح به، أو يراه بعينه معروضا عليه، وكذلك من يعمل في الدنيا أي شيء من الشر، ولو كان حقيرا أو قليلا، يجد جزاءه يوم القيامة، فيسوؤه.
يرى الخير كله من كان مؤمنا، والكافر لا يرى في الآخرة خيرا، لأن خيره قد عجّل له في دنياه. وكذلك المؤمن أيضا له سيئاته الصغار في دنياه في المصائب والأمراض ونحوها. ويحصل من مجموع هذا: أن من عمل من المؤمنين مثقال ذرة من خير أو شر رآه، وألّا يرى الكافر خيرا في الآخرة. ويؤيد هذا حديث عائشة ﵂ الذي
أخرجه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما: «قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت ما كان يفعل عبد الله بن جدعان من البرّ، وصلة الرحم، وإطعام الطعام، أله في ذلك أجر؟ فقال: لا، إنه لم يقل قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» .
وكان رسول الله ﷺ يسمي هذه الآية: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ.. الجامعة الفاذّة.
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (ويطعمون الطعام على حبّه) الآية، كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل، إذا أعطوه،
стр. 2913
وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر، فأنزل الله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
وأخرج ابن جرير وغيره: أن هذه السورة نزلت، وأبو بكر ﵁ يأكل مع رسول الله ﷺ ، فترك أبو بكر ﵁ الأكل وبكى، فقال له رسول الله ﷺ : يا أبا بكر، ما يبكيك؟ قال: يا رسول الله، أو أسأل عن مثاقيل الذّرّ؟ فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر، ما رأيت في الدنيا مما تكره، فمثاقيل ذرّ الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذرّ الخير.
стр. 2914
تفسير سورة العاديات
الجحود والبخل عند الإنسان
يغلب على طبع الإنسان صفتان ذميمتان، الكفر بالنعم أو جحود المعروف والفضل، والبخل أو الشح، وينسى الإنسان أنه في عالم الدنيا في موضع الاختبار والابتلاء، فإن أحسن العمل فاز ونجا، وإن أساء العمل ضل وخسر وهلك. والله خبير مطلع على جميع أعمال الناس، ويحصيها عليهم، لتكون أداة أو وسيلة إثبات عليهم، وهذا تهديد بالعقاب الشديد يوم القيامة، وذلك يتبين من سورة العاديات المكية في قول جماعة من أهل العلم، وهو الراجح:
[سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤)
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩)
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [العاديات: ١٠٠/ ١- ١١] .
أخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا، ولبثت شهرا، لا يأتيه منها خبر، فنزلت: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١)
стр. 2915
المعنى: أقسم بالخيل التي تجري بفرسانها المجاهدين في سبيل الله إلى العدو، ويسمع لها حينئذ صوت زفيرها الشديد وأنفاسها المتصاعدة، بسبب شدة الجري، وتخرج شرر النار بحوافرها أثناء الجري لتصادم الحصى بالحصى، وبسبب اصطكاك نعالها بالحجر تتطاير منه النار، وتغير على العدو وقت الصباح. والضبح: تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهيل.
فهيّجن في وقت الصبح أو في ساحة المعركة غبارا يملأ الجو، ثم توسطن بعدوهن جمعا من الأعداء، اجتمعوا في مكان، ففرّقنه أشتاتا. والنقع: الغبار الساطع المثار، وقوله: جَمْعاً المراد به جمع من الناس هم المحاربون.
- وجواب القسم هو: إِنَّ الْإِنْسانَ.. أي إن جنس الإنسان سواء كان مؤمنا أو كافرا بطبعه للنعمة، كثير الجحود لها، أي ان الإنسان لنعمة ربه لكنود، أي كفور أو عاص.
- وإن الإنسان على كونه كنودا جحودا لشهيد، يشهد على نفسه بالجحود والكفران، أي بلسان حاله، وظهور أثر ذلك عليه، في أقواله، وأفعاله، بعصيان ربه.
- وإن الإنسان أيضا، بسبب حبه للمال، لبخيل به، أو إن حبه للمال قوي، فتراه مجدا في طلبه وتحصيله، متهالكا عليه، ويكون هناك معنيان صحيحان للآية:
أحدهما- وإنه لشديد المحبة للمال. والثاني- وإنه لحريص بخيل بسبب حبه المال، أي من أجل حب الخير لشديد، أي بخيل بالمال، ضابط له. والخير: المال في عرف القرآن.
ثم هدد الله الإنسان وتوعده إذا استمر متلبسا بهذه الصفات، فقال: أَفَلا يَعْلَمُ أي أفلا يدري الجاحد إذا أخرج ما في القبور من الأموات، وجمع محصّلا ما في النفوس أو الصدور من النوايا والعزائم، والخير والشر، إن رب هؤلاء المبعوثين من
стр. 2916
القبور لخبير بهم، مطلع على جميع أحوالهم، لا تخفى عليه منهم خافية في ذلك اليوم وفي غيره، وهو مجازيهم في ذلك اليوم على جميع أعمالهم أوفر الجزاء، دون أن يظلموا مثقال ذرة. وإذا علموا ذلك ووعوه، فعليهم ألا يشغلهم حب المال عن شكر ربهم وعبادته والاستعداد للآخرة بالعمل الصالح. وتخصيص أعمال القلوب بالذكر، لأنها البواعث على الأفعال العضوية الصادرة من الإنسان.
وهذا إخبار وتعريف بالمآل والمصير، أي أفلا يعلم الإنسان مآله ومصيره فيستعد له؟
وبعثرة ما في القبور: نقضه مما يستره والبحث عنه، وهي عبارة عن البعث. ثم استؤنف الخبر الصادق بأن الله تعالى خبير بهم يومئذ. والله تعالى خبير دائما، ولكن خصّص (يومئذ) لأنه يوم المجازاة، فإليه طمحت النفوس، وفي هذا وعيد مصرّح بما سيحدث.
تدل هذه الآية على أن الله تعالى عالم بالجزئيات الزمانية، لأنه تعالى نص على كونه عالما بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم، ويعد منكر هذا العلم كافرا.
إن القسم الإلهي بخيول الجهاد على توصيف طبع الإنسان، بكونه جحودا للنعمة، وشهادته بهذا الطبع على نفسه، وبكونه محبا للمال، بخيلا به بخلا شديدا، يوجب علينا الحذر من هذا الطبع، ومحاولة تعديله، وجهاد النفس وترويضها للتخلص من هذه الصفات السيئة فينا.
أما الإصرار على هذا الطبع والإبقاء عليه، فهو مدعاة للتهديد والوعيد والإنكار الشديد، لا سيما إذا علم الإنسان أنه سيلقى ربه، ويحاسبه على أعماله حسابا دقيقا، ويجازيه عليها جزاء وافرا.
وفي ملاحظة هذا الوضع وخطورة المصير، يدرك الإنسان في النهاية: أنه هو الجاني على نفسه إذا قصر في واجباته، وأهمل القيام بما عليه، ولم يتحمس لفعل الخير، ولم يرعو عن فعل الشر.
стр. 2917
وفي النهاية، إن الإنسان يترك بموته كل ما جناه، ولا يستفيد من ماله إلا ما ادخر فيه الثواب عند الله، بإنفاقه في سبيل النفس والأهل وفي سبيل الله، وذلك يشمل الجهاد وعون المحتاجين.
стр. 2918
تفسير سورة القارعة
أهوال القيامة
ما أصعب الإنسان وأقساه، وما أكثره غفلة وأبعده عن العظة والعبرة، وما أشده تورطا في المخاطر! يرى الخطر جاثما والضرر قائما، وتراه يقتحم المخاطر، ويتقحم الأهوال بعينه ولا يبتعد عنها، ألا وإن أخطر وأدهى شيء يجده الإنسان: هو أهوال القيامة، لذا سميت القيامة في القرآن العظيم بالقارعة: وهي القيامة نفسها، لأنها تقرع القلوب بهولها، وزادها القرآن تهويلا في سورة القارعة المكية بلا خلاف.
[سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [القارعة: ١٠١/ ١- ١١] .
القارعة وهي القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها ومخاوفها وأفزاعها، وأي شيء هي، وما أعلمك ما شأن القارعة؟ وهذا تأكيد لشدة هولها، وتعظيم أمرها، وتهويل شأنها.
وأماراتها: يوم يخرج الناس من القبور، يسيرون على غير هدى في كل اتجاه، شأنهم في ذلك كالحشرة الطائرة المنتشرة المتفرقة، والناس في انتشارهم وتفرقهم، كأنهم فراش مبثوث، أي متفرق منتشر.
стр. 2919
و (يوم) ظرف، العامل فيه (القارعة) قال الزمخشري: شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار.
- وتصير الجبال كالصوف ذي الألوان المختلفة، المندوف الذي نفش بالندف، لأنها تتفتت وتتطاير، كما في قوله تعالى: وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) [التكوير: ٨١/ ٣] .
وقوله سبحانه: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا (١٤) [المزّمّل: ٧٣/ ١٤] .
وهاتان الأمارتان فيهما تخويف شديد للناس وتحذير خطير، ويلاحظ أن التشبيه للجبال بالصوف متلائم، فالصوف منه الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وكذلك الجبال جدد (طرق) بيض وحمر وصفر وسود. والنّفش: خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصّها.
ثم ذكر الله الجزاء على الأعمال وتفرق الناس فرقتين.
فأما من ثقلت موازينه وهي التي في القيامة، بأن رجحت حسناته أو أعماله الصالحة على سيئاته، فهو في عيشة مرضية، يرضاها صاحبها في الجنة.
والعيشة: كلمة تجمع النعم التي في الجنة. والعيشة الراضية: معناه ذات رضا، على النّسب. قال جمهور العلماء والفقهاء والمحدثين عن الموازين: ميزان القيامة بعمود وكفّتين، ليبين الله تعالى أمر العباد، بما عهدوه وتيقّنوه. وجمعت الموازين للإنسان لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة، وثقل هذا الميزان: هو بالإيمان والأعمال، وخفّته بعدمها وقلّتها، ولن يخفّ ميزان مؤمن، أي لا يخلّد في النار. وإني لمؤمن بالميزان كما ورد في القرآن، دون معرفة كيفية وزنه وتقديره.
وأما من رجحت سيئاته على حسناته، أو لم تكن له حسنات يعتد بها، فمسكنه أو مأواه جهنم، وسماها أمه: لأنه يأوي إليها، كما يأوي الطفل إلى أمه، وسميت جهنم
стр. 2920
هاوية: وهي الهالكة، لأنه يهوي فيها مع عمق قعرها، ولأنها نار عتيقة.
روى المبرد:
أن النبي ﷺ قال: «لا أمّ لك» فقال: يا رسول الله، تدعوني إلى الهدى وتقول: لا أم لك؟ فقال: إنما أريد، لا نار لك، قال الله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
وما أعلمك ما هذه النار؟ والاستفهام للتهويل والتخويف، لبيان أنها خارجة عن المعهود، بحيث لا يدرى كنهها، إنها النار الملتهبة الشديدة الحرارة والاستعار، القوية اللهب والارتفاع، وهذا دليل على قوتها التي تفوق جميع النيران. قال الزمخشري:
هِيَهْ ضمير الداهية التي دل عليها قوله: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ أو ضمير هاوية، والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها.
أخرج مالك والشيخان عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «نار بني آدم التي توقدون: جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية؟ فقال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم» .
لقد ضمت سورة القارعة صنوي التهويل العظيمين وهما القيامة وأهوالها، والنار الشديدة الحرارة ومخاوفها. والناس أمام هذا المصير فريقان: فريق المحسنين الأبرار، الذين يتمتعون بجنان الخلد، والمعيشة ذات الرضا والاطمئنان، وفريق المسيئين الأشرار الذين يتلظون بنيران جهنم، ويحترقون فيها.
ومن علامات القيامة: تغير المألوف، وزوال المعروف من تكوين السماء والأرض، حيث تتصدع السماوات وتتساقط النجوم، وتتفتت الجبال، وتحترق البحار، وتدك الأرض دكا عنيفا، وتتغير معالم الكون، في هذا الجو الرهيب يقف الإنسان حائرا مضطربا في مواجهة الله تعالى والحساب العسير.
стр. 2921
تفسير سورة التكاثر
عاقبة التكاثر في المال والجاه
الناس في لغو ولهو وطرب، ينساقون وراء المال والجاه، والصيت والسمعة، ويحرصون على التنويه بذواتهم في إطار التفوق المادي وجمع المال بأي طريق. ويظل هذا الحرص مهيمنا على مشاعرهم طوال الحياة. فمنهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال. ولقد حذر القرآن الكريم في مناسبات كثيرة من الاغترار بالدنيا وزينتها ومفاتنها، ومن فتنة الأموال والأولاد والأزواج، ولا سيما في سورة التكاثر المكية بلا خلاف:
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)
كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [التكاثر: ١٠٢/ ١- ٨] .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة في قوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، وتفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما، فيكم مثل فلان ابن فلان وفلان؟ وقال الآخرون: مثل ذلك،
стр. 2922
تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول:
فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.
وأخرج ابن جرير عن علي ﵁ قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) إلى قوله: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) في عذاب القبر.
لقد شغلكم بلذاته ومفاتنه التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد والأعوان، والاعتناء بكثرتها وتحصيلها، شغلكم عن طاعة الله والعمل للآخرة، حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال. وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر. والتكاثر: التفاخر بالأموال والأولاد والعدد جملة، وهذا ولع أهل الدنيا ودأبهم وعادتهم، سواء من العرب وغيرهم، لا يتخلص منه إلا العلماء المتقون.
أخرج البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم: أن النبي ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» .
ومعنى حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) مختلف فيه، قال بعضهم بما يناسب سبب النزول: حتى ذكرتم الموتى في تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثّرتم بالعظام الرميم، وقال آخرون: المعنى، حتى متّم وزرتم بأجسادكم مقابركم، أي قطعتم بالتكاثر أعماركم. وعلى هذا التأويل روي أن أعرابيا سمع هذه الآية، فقال: بعث القوم للقيامة، وربّ الكعبة، فإن الزائر منصرف لا يقيم.
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) أي ارتدعوا وانزجروا عن هذا التكاثر الذي يؤدي إلى
стр. 2923
التقاطع والتدابر والأحقاد والضغائن، وإهمال العمل للآخرة، ومراعاة مصالح الأمة وخيرها، وتصحيح السلوك والأخلاق، وستعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة، وهذا زجر ووعيد.
ثم أكد الله تعالى ذلك الزجر والوعيد للاتعاظ، أي ارتدعوا عن هذا اللهو بالدنيا، فإنكم لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينيا، لانشغلتم عن التكاثر والتفاخر، ولبادرتم إلى صالح الأعمال، ولما ألهاكم التباهي عن أمر الآخرة العظيم والإعداد لها. وهذا زيادة في الزجر واللوم عن الانهماك في الدنيا، والانهماك بمظاهر الحياة الزائلة.
وقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ جواب (لو) محذوف مقدر في القول، أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة. واليقين: أعلى مراتب العلم. ثم فسر الله تعالى الوعيد، وأخبر الناس أنهم يرون الجحيم بقوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) أي لتشاهدن النار في الآخرة، أي تذوقوا عذابها، وهذا جواب قسم محذوف، وهو توعد بحال رؤية النار، التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرّب، ونبي مرسل، على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال الجسام.
ثم أكد الله تعالى ذلك الوعيد بقوله: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) أي ثم لتشاهدنّ الجحيم مشاهدة عيانا هي نفس اليقين، وهي المشاهدة أو الرؤية بأعينكم، فإياكم من الوقوع فيما يؤدي إلى النار من اقتراف المعاصي والسيئات.
ثم أكد الله تعالى المساءلة عن الأعمال، للتحذير، فقال: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) أي إنكم سوف تسألون عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، وتسألون عن أنواع نعيم الدنيا، من أمن وصحة وفراغ ومأكول ومشروب ومسكن، وغير ذلك من النعيم. قال الزمخشري: عَنِ النَّعِيمِ عن اللهو والتنعم
стр. 2924
الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. وقال الفخر الرازي: والأظهر أن الذي يسأل عن النعيم هم الكفار، وفي قول آخر: إنه عام في حق المؤمن والكافر، ويكون السؤال حينئذ في حق المؤمن ليعلم أنه وجّه هذا النعيم لما فيه الخير، وصرفه فيما يرضي الله تعالى.
стр. 2925
تفسير سورة العصر
أصول النجاة
ليست النجاة بين يدي الله بالمال أو الجاه، أو العلم، أو الابتكار، أو العمل الدنيوي المحض، أو غير ذلك من زخاف الحياة، ومظاهر العيش التي يتنافس فيها الناس، ويحرصون عليها، وإنما النجاة بين يدي الله إما بموقف كريم يعتمد على قاعدة الإيمان الصحيح بالله ورسوله، وإما بأصول أربعة هي: جسر النجاة في الموازين الإلهية، ألا وهي الإيمان الثابت، والعمل الصالح، والتواصي بالتزام الحق والعدل والخير، والتواصي بالصبر على الطاعة وعلى مصائب الدنيا، وهذا ما حكم به الله سبحانه في سورة العصر المكية عند الأكثرين:
[سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
«١» «٢» «٣» «٤» [العصر: ١٠٣/ ١- ٣] .
هذه سورة جامعة لأصول الخير والنجاة عند الله تعالى، قال الإمام الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم، لو لم ينزل غير هذه السورة لكفت الناس، لأنها شملت جميع علوم القرآن.
وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب عن أبي حذيفة- وكانت له
стр. 2926
صحبة- قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم إذا التقيا، لم يتفرقا، حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة: والعصر ثم يسلّم أحدهما على الآخر.
وفيها إشارة إلى حال من لم يلهه التكاثر، ولذا وضعت بعد سورته.
ومعناها: أقسم بالعصر: وهو الدهر أو الزمان الذي يمر به الناس، لما فيه من العبر وتقلبات الليل والنهار، وتعاقب الظلام والضياء، وتبدل الأحداث والدول، والأحوال والمصالح، مما يدل على وجود الصانع ، وعلى توحيده وكمال ذاته وقدرته وصفاته. أقسم بذلك على أن الإنسان (أي اسم الجنس) لفي خسارة وهلاك وسوء حال، في المتاجر والأعمال، والمساعي والأفعال، إلا من استثناهم الله فيما يأتي.
وهذا القسم بالدهر دليل على شرفه وأهميته، لذا
قال النبي ﷺ فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁: «لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر» أي خالقه.
والآية، كما ذكر الرازي، كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران والخيبة، وذلك بيّن غاية البيان في الكافر، إنه خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن- وإن خسر في دنياه أحيانا، كالتجارة، والهرم ومقاساة شقاء الدنيا- فذلك لا يعد شيئا في جانب فلاحه في الآخرة، وربحه الذي لا يفنى.
ثم استثنى الله تعالى من جنس الإنسان من اتصف بصفات أربع، حيث يجمع له الخير كله، وهذه الصفات:
- هي الإيمان الصحيح بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر، خيره وشره، حلوه ومره، والشر في المقضي بحسب تقدير الإنسان عاجلا، أما في المستقبل، أو في علم الله تعالى فلا شر في القدر.
стр. 2927
- والمداومة على العمل الصالح: وهو أداء الفرائض وبقية الطاعات، وفعل الخيرات، وترك المحرمات، وترداد الباقيات الصالحات وهي سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
- والتواصي بالحق وهو كل أمر ثابت صحيح خلاف الباطل: وهو الخير كله من الإيمان بالله ، واتباع كتبه ورسله ﵈، في كل عقد وعمل. قال الزمخشري: هو الخير كله. من توحيد الله، وطاعته، واتباع كتبه ورسله والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.
- والتواصي بالصبر عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الجبلّة البشرية، والصبر على الطاعات التي يشق على النفس أداؤها، وعلى ما يبتلي الله تعالى به عباده من المصائب.
والصبر المذكور داخل في الحق، وذكره بعده مع إعادة الجار والفعل المتعلق هو به، لإبراز كمال العناية به. والصبر: ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل أو ترك، بل هو تلقي ما ورد منه بالجميل والرضا به، باطنا وظاهرا.
واستدل بعض المعتزلة بما في هذه السورة، على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لأنه لم يستثن فيها عن الخسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. إلخ، وأجيب عنه بأنه لا دلالة في ذلك على أكثر من كون غير المستثنى في خسر، وأما على كونه مخلدا في النار، فلا.
كيف والخسر عام، فهو إما بالخلود إن مات كافرا، وإما بالدخول في النار إن مات عاصيا، ويبقى بعد ذلك الإحالة إلى مغفرة الله تعالى، فهو سبحانه إن غفر المعاصي لم يخلد،
وقد ورد في الحديث الثابت الذي أخرجه البزار عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله، مخلصا دخل الجنة» .
стр. 2928
تفسير سورة الهمزة
جزاء الطعن والتعييب
ليس لأحد أن يدعي الكمال، فالكمال لله وحده، وليس لأحد أن يزعم أنه خال من النقص والعيب، فإن الإنسان مبني على النقص في عقله وتجاربه، وما دام النقص من سمات الإنسان، فلا يصح أن يغفل عن نقائصه، ويوجه انتقاداته وطعونه إلى الآخرين، وإنما عليه العناية بنفسه، فيصلحها، ويحاول إكمال ما فيها من نقائص، وليترك الناس وما هم عليه من عيوب، فإن لم يفعل استحق الويل والهلاك والعذاب، الذي تنص عليه سورة الهمزة المكية بلا خلاف:
[سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [الهمزة: ١٠٤/ ١- ٩] .
قال عطاء وغيره: نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس ويغتابهم، وبخاصة رسول الله ﷺ ، وقيل: في جميل بن عامر الجمحي، وقال مقاتل: نزلت في
стр. 2929
الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي ﷺ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه، وروي أيضا أن أمية بن خلف كان يفعل ذلك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهذه قاعدة عامة، فهي تتناول كل من اتصف بهذه الصفات.
هلاك وعذاب وخزي لكل همزة لمزة. والهمزة: الذي يهمز الناس بلسانه، أي يعيبهم ويغتابهم، وقال ابن عباس: هو المشاء بالنميم. واللمزة: الذي يغتاب الناس ويطعن في الوجه.
- وسبب همزه ولمزه: إعجابه بما جمع من المال وأحصاه وحافظ على عدده ألا ينقص، وظن أن له به الفضل على غيره، فمنعه من الخيرات ونفقة البر.
- يظن أن ماله يضمن له الخلود، ويتركه حيا باقيا لا يموت، لشدة إعجابه بما يجمعه من المال، فلا يفكر فيما بعد الموت. ويحسب أيضا أن ماله هو معنى حياته وقوامها، وأنه حفظه مدة عمره ويحفظه.
ثم رد الله تعالى عليه هذه المزاعم والأوهام، وأخبر إخبارا مؤكدا أنه ينبذ في الحطمة، أي التي تحطم ما فيها وتلتهمه، لينزجر ويرتدع عما يقول، فليس الأمر كما زعم ولا كما حسب، بل ليلقين ويطرحن هذا الأفاك هو وماله في النار التي تحطم أو تهشم كل ما يلقى فيها.
ثم عظّم الله تعالى شأن النار، وأخبر أنهار نار الله الموقدة التي يبلغ إحراقها القلوب ولا تخمد، و (الفؤاد) القلب. وما أعلمك ما هذه النار، وأي شيء هي؟ فكأنها لا تدركها العقول والأفكار، هي النار المستعرة بأمر الله تعالى، التي لا تخمد أبدا.
وفائدة وصف جهنم بالحطمة: مناسبتها لحال المتكبر، المتجبر بماله، المترفع على غيره، فهي تكسر كسرا كل ما يلقى فيها، لا تبقي ولا تذر. وإضافة نارُ اللَّهِ للتفخيم، أي هي نار، لا كسائر النيران.
стр. 2930
ثم وصف الله تعالى النار بأوصاف ثلاثة، وأخبر بها خبرا دائما عاما، وهي:
- التي تعلو وتصل إلى القلوب وتغشاها بحرها الشديد، وتحرقهم وهم أحياء، وتتجدد الحياة ويدوم العذاب، والقلوب أشد أجزاء البدن تألما، وخصت بالذكر، لأنها محل العقائد الزائغة، والنيات الخبيثة، وسوء الأخلاق من الكبر واحتقار الناس، والأعمال القبيحة.
- وهي عليهم مطبقة، مغلقة عليهم أبوابها جميعا، فلا منافذ، ولا يستطيعون الخروج منها، كما جاء في آية أخرى: عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ [البلد: ٩٠/ ٢٠] . وقال الله تعالى مبينا استمرار بقائهم فيها: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [الحج: ٢٢/ ٢٢] . قال علي ﵁: أبواب النار بعضها فوق بعض.
- وهي أيضا كائنة ثابتة في أعمدة ممددة طويلة موثّقة، قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدّت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح، قال ابن زيد: المعنى: في عمد حديد مغلولين لها، والكل من نار.
والآية تفيد المبالغة في العذاب، بقوله تعالى: لَيُنْبَذَنَّ أي أنه موضع، له قعر عميق جدا كالبئر، وأن أبوابها لا تفتح ليزيد في حسرتهم، وتغلق إغلاقا محكما، للتيئيس من الخروج منها، وممددة في أعمدة دائمة اللهب، فلا أمل في إطفائها أو تخفيف شدة حرارتها.
إن من يشاهد أفران النار للتوتر العالي، أو مراكز الطاقة الذرية المتفجرة، أو البراكين التي تظهر فيها المعادن والحجارة منصهرة كالماء السيّال أو النيران المتآكلة، يفزع كل الفزع، ويهرب من غير وعي ولا عقل، فكيف بنيران جهنم التي هي أشد من جميع نيران الدنيا؟! ونار الدنيا جزء من سبعين أو مائة جزء من نار الآخرة، عافانا الله منها.
стр. 2931
تفسير سورة الفيل
قصة أصحاب الفيل
حرمات الله تعالى عظيمة مقدسة، ومنها بيت الله الحرام- الكعبة المشرفة، فمن حاول المساس بتلك الحرمات، رده الله وصده عنها، وحمى حرماته بما يشاء، وسورة الفيل المكية إجماعا من الرواة نزلت تذكيرا لقريش بنعمته العظيمة، حين أراد أبرهة ملك الحبشة هدم الكعبة، ووجّه جيشه لهذه المهمة، معهم الفيلة الكثيرة، بقصد توجيه حج العرب إلى بيت بناه أبرهة في اليمن، ولكن قدرة الله القهار فوق كل تقدير واعتبار، فحينما وجه أبرهه جيشه لهدم الكعبة، برك فيله بذي المغمّس (موضع قريب من مكة في طريق الطائف) ولم يمش نحو مكة، على الرغم من أنهم شقوا جلده بالحديد، وكان إذا وجهوه إلى غير مكة هرول. وبينما هم كذلك، بعث الله تعالى عليهم طيرا جماعات سودا أو خضرا من البحر، عند كل طير ثلاثة أحجار، في منقاره ورجليه، كل حجر فوق العدسة، ودون الحمّصة، فرمتهم بتلك الحجارة، وكان الحجر منها يقتل المرميّ، وتتهرأ لحومهم جربا وأسقاما، وانصرف أبرهة بمن بقي معه يريد اليمن، فماتوا في طريقهم متفرقين في كل مرحلة، وتقطّع أبرهة أنملة أنملة حتى مات، وحمى الله بيته، فنزلت هذه السورة منبّهة على الاعتبار بهذه القصة، ليعلم الكل أن الأمر كله لله تعالى، ويستسلموا للإله الذي ظهرت في ذلك قدرته، حين لم تغن الأصنام شيئا، فأصحاب الفيل: هم أبرهة الملك ورجاله.
وها هي سورة الفيل:
стр. 2932
[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» [الفيل: ١٠٥/ ١- ٥] .
ألم تعلم علم اليقين، وكأنك شاهدت الواقعة، بما صنع ربك العظيم القدير بأصحاب الفيل، حيث دمّرهم الله، وحمى بيته الحرام، أفلا يجدر بقومك أن يؤمنوا بالله؟! وقد شاهد بعضهم الواقعة بنفسه.
ألم تر أن ربك جعل مكرهم وتدبيرهم وسعيهم في تخريب الكعبة واستباحة أهلها، في تضليل وانحراف عما قصدوا إليه، وفي تضييع وإبطال، حتى إنهم لم يصلوا إلى البيت، ولا إلى ما أرادوا بكيدهم، بل أهلكهم الله تعالى. والكيد: إرادة مضرة بالغير على الخفية. والتضليل: الخسار والتلف.
وحيث إن قومك أيها النبي يعلمون بهذا الأمر، فليخافوا أن يعاقبهم الله بعقوبة مماثلة، ما داموا يصرون على الكفر بالله تعالى، وبرسوله ﷺ ، وكتابه الكريم، ويصدون الناس عن سبيل الإيمان بالله تعالى.
وأرسل الله تعالى على أصحاب الفيل جماعات متفرقة من طيور سود أو خضر، جاءت من قبل البحر فوجا فوجا، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئا إلا دمره وهشمه، وهي حجارة صغيرة من طين متحجر كالحمّصة وفوق العدسة، فإذا أصاب أحدهم حجر منها، خرج به الجدري أو الحصبة، حتى هلكوا.
стр. 2933
فجعلهم فضلات وبقايا، مثل ورق الزرع أو الشجر إذا أكلته الدواب، ثم راثته، فأهلكهم جميعا. وحجارة من سجيل: أي من ماء وطين، كأنها الآجر ونحوه مما طبخ، وهي المسوّمة عند الله تعالى للكفار الظالمين. والعصف: ورق الحنطة وتبنه.
والمعنى: صاروا طحينا ذاهبا كورق الحنطة، أكلته الدواب وراثته، فجمع ذلك المهانة والخسة والتلف.
هذه هي قصة أصحاب الفيل الثابتة ثبوتا قطعيا، أثبتها القرآن، وعاش أحداثها عرب مكة من قريش سنة (٥٧١ م) ، في العام الذي ولد فيه النبي محمد ﷺ .
وهي قصة عجيبة غريبة، لإظهار مثال من أمثلة قدرة الله تعالى، حيث يغفل الناس عن الأمثلة الكثيرة الواقعية المشابهة، يتبين منها أن الله تعالى بقدرته العظيمة قادر على أن يدفع السوء عن البيت الحرام وعن كل ما يريد حمايته في كل وقت، وهو القادر على أن يعاقب الطغاة المتجبرين، الذين يشركون مع الله إلها آخر، ويصدّون الناس عن البيت الحرام للعبادة فيه، وعن الإيمان برسالة الرسول محمد ﷺ .
وكفى بذلك إنذارا وتحذيرا، وحماية وصونا، وفضلا ونعمة، وإعلاما بأن الله جلت قدرته ينصر من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، وعقيدتنا: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ال عمران: ٣/ ١٢٦] .
стр. 2934
تفسير سورة قريش
نعم الله على قريش
لم يترك الحق وسيلة إقناعية أو تربوية أو ترغيبية أو تهديدية إلا أقامها وأداها لقبيلة قريش في صدر الإسلام، من أجل حملهم على الانضمام لراية الإسلام، وإعلان عقيدة توحيد الله تعالى، وترك الشرك والوثنية وعادات الجاهلية القبيحة، ومن هذه الوسائل تذكيرهم بما أنعم الله تعالى عليهم، من تيسير الحصول على مكاسبهم وأرزاقهم وتجاراتهم الرابحة، لقطري الشام واليمن، في قوافلهم الشتوية والصيفية، وذلك في سورة قريش المكية بلا خلاف:
[سورة قريش (١٠٦) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
«١» «٢» [قريش: ١٠٦/ ١- ٤] .
أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قال رسول الله ﷺ : «فضّل الله قريشا بسبع خصال أو خلال: أني منهم، وأن النبوة فيهم، والحجابة والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن، ثم تلا رسول الله
стр. 2935
صلّى الله عليه وسلّم: بسم الله الرّحمن الرّحيم: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.. (السورة)
وهو حديث غريب، كما قال ابن كثير.
هذه السورة نزلت إذن في بيان خصال قريش، وتذكيرهم بنعم الله عليهم.
ومعناها: لتعبد قريش (وهم ولد النضر بن كنانة) الله تعالى، شكرا له وإعظاما، لأجل إيلافهم (جعلهم يألفون) رحلتين في العام، واحدة في الشتاء إلى اليمن، لجلب العطور والبهارات الآتية من الهند والخليج، وهي بلاد حارة، وواحدة إلى الشام في الصيف، لأنها بلاد باردة، لجلب الحبوب الزراعية. وكانت قريش في مكة تعيش بالتجارة. ولولا هاتان الرحلتان لم يتمكنوا من المقام بها، ولولا الأمن بجوار البيت الحرام، لم يقدروا على التصرف، وكانوا لا يغار عليهم، لأن العرب يقولون: قريش أهل بيت الله وجيرانه.
وكل هذا الاحترام والإجلال لقريش أهل مكة إنما كان من الله ، الذي هيّأه ويسّره لهم بفضل البيت الحرام، فكان عليهم الإقرار بهذه النعمة، وإفراد الله بالعبادة والتعظيم.
كما أن النّعم الأخرى المذكورة في الحديث المتقدّم، ومن أهمها نعمة صدّ أصحاب الفيل عن هدم الكعبة، تستوجب الإقرار بها وعبادة الله تعالى المنعم. فعليهم عبادة ربّ البيت الحرام الذي كان سببا في تحقيق مجدهم وزعامتهم وأمنهم واستقرارهم. والله وحده هو المستحق للعبادة، لكونه ربّ هذا البيت، على الرغم من أوثانهم التي كانوا يعظّمونها حول الكعبة، فميّز الله تعالى نفسه عنها، وبالبيت تشرّفوا على سائر العرب، وهم يدركون هذا ويقرّون به. وكانت الإشارة إلى (البيت الحرام) في السورة لإفادة التعظيم.
ويلاحظ كما ذكر الرازي أن الإنعام على قريش بصدّ أصحاب الفيل إنما هو لدفع الضرر عنهم، ودفع الضرر عن النفس واجب، والإنعام عليهم بالبيت الحرام لجلب
стр. 2936
النفع، وهو غير واجب، فجمع الله تعالى بين النعمتين العظيمتين، جمعا بين الواجب وغيره، لتحقيق الكمال والإتمام، وأمرهم ربهم بعبادته والعبودية له، وأداء الشكر على ذلك، بقوله: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
(٣) .
والعبادة: هي التذلّل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون، وهي تحقّق معنى العبودية. ثم ذكر الله تعالى نعما أخرى على قريش، صادرة من الله تعالى وهي:
- أنه ربّ البيت هو الذي أطعمهم من جوع، ووسّع لهم في الرزق، ويسّر لهم سبيله، بسبب هاتين الرّحلتين، فخلّصهم من جوع شديد كانوا فيه قبلهما.
- وتفضّل عليهم بالأمن والاستقرار، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا وثنا، ولا شيئا آخر مما يعظّمونه.
قال ابن كثير: ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ [النّحل: ١٦/ ١١٢- ١١٣] .
وكانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضها بعضا (يسترقونهم) ، فأمنت قريش لمكان الحرم، كما آمنهم الله من خوف الحبشة مع الفيل، قال الله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٢٩/ ٦٧] .
فمن تأمين الله لقريش كما يبدو في الآية: أنه آمنهم من خوف التّخطف في بلدهم ومسايرهم، والذي كان ظاهرة شائعة في القبائل العربية الأخرى المجاورة. ومن التأمينات الإلهية لهم أيضا: تأمينهم من خوف الجذام والطاعون، فلا يصيبهم في بلدهم، فضلا من الله تعالى ونعمة.
стр. 2937
تفسير سورة الماعون
جزاء المكذب بالدين وصفاته
إن من أهم أسباب الشقاء والانحراف والضلال في الدنيا: هو إنكار يوم القيامة أو يوم الجزاء والحساب، فلو صدّق الناس به تصديقا تاما، لما تجرأ واحد منهم على العصيان والمخالفة، أو الكفر والجحود، أو إهمال الفرائض الإلهية، وتجاوز الآداب والأخلاق القويمة، لأن الخوف من العقاب والتهديد بالعذاب لا ينفع غير المؤمنين بوجود عالم الآخرة، وتذكير السامع بالتخلص من أمراض العصيان، والقسوة على المحتاجين، ومراءاة الناس، ومنع مساعدة الجيران وحجب وسائل العون عنهم وعن غيرهم، إنما يفيد المصدقين بالقيامة، كما جاء في سورة الماعون المكية:
[سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الماعون: ١٠٧/ ١- ٧] .
قال ابن عباس: نزلت هذه السورة في العاص بن وائل السهمي، وقال السدي:
نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي جهل، وكان وصيا ليتيم، فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه، فدفعه. ويروى أن هذه السورة نزلت في بعض المضطّرين في
стр. 2938
الإسلام بمكة، الذين لم يحققوا فيه، وفتنوا فافتتنوا، وكانوا على هذا الخلق من الغشم وغلظ العشرة، والفظاظة على المساكين، وربما كان بعضهم يصلي أحيانا مع المسلمين مدافعة وحيرة، فقال الله تعالى فيهم: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) .
وقال ابن جريج: كان أبو سفيان ينحر كل أسبوع جزورا، فجاءه يتيم، فقرعه بعصا، فنزلت السورة فيه. وقال سعد بن أبي وقاص ﵁ فيما
أخرجه ابن المنذر وابن جرير وغيرهما-: سألت النبي ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، قال: «هم الذين يؤخرونها عن وقتها»
يريد ﷺ والله تعالى أعلم- تأخير ترك وإهمال. وإلى هذا نحا مجاهد.
ويؤكد هذا ما أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) قال: نزلت في المنافقين كانوا يراءون المؤمنين بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العاريّة، أي الشيء المستعار.
والمعنى: أأبصرت أيها النبي الذي يكذب بالحساب والجزاء؟! أو بالمعاد والجزاء والثواب؟ وقوله: أَرَأَيْتَ وإن كان في صورة استفهام، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب. وهذا مثال آخر لكون الإنسان في خسر.
هذا الذي يكذب بالقيامة والجزاء، هو الذي يدفع اليتيم عن حقه دفعا شديدا، ويزجره زجرا عنيفا، ويظلمه حقه، ولا يحسن إليه، علما بأن عرب الجاهلية كانوا لا يورّثون النساء والصبيان.
وهذا هو الذي لا يحث نفسه ولا أهله ولا غيرهم على إطعام المسكين المحتاج، بخلا بالمال، كما جاء في آية أخرى: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: ٨٩/ ١٧- ١٨] .
стр. 2939
فويل، أي خزي وعذاب وهلاك للمنافقين الذين يؤدون الصلاة أحيانا تظاهرا، وللغافلين عن الصلاة، الذين لا يبالي أحدهم، صلّى أم لم يصلّ، لا يرجون ثوابا إن صلوا، ولا يخافون عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، إهمالا لها.
وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا. إن هؤلاء هم الساهون عن صلاتهم، أي التاركون لها، أو الغافلون عنها. قال عطاء بن يسار:
الحمد لله الذي قال: عَنْ صَلاتِهِمْ ولم يقل: (في صلاتهم) .
أولئك الساهون عن صلاتهم: هم الذين يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراءون الناس بكل ما عملوا من أعمال البر، ليثنوا عليهم.
وهم الذين يمنعون الماعون، أي يمنعون الإعارة وفعل الخير. والماعون: كل ما يتعاوره الناس بينهم، من الدلو والفأس والقدوم والقدر ومتاع البيت، وما لا يمنع عادة كالماء والملح، مما ينسب مانعة إلى الخسة ولؤم الطبع وسوء الخلق.
إن هؤلاء المنافقين وأمثالهم من المشركين، لم يحسنوا عبادة ربهم، ولم يحسنوا إلى الناس، حتى بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه، ورجوعه إليهم، وهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أشد منعا وبخلا. روى النسائي وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدّلو والقدر.
إن هذه السورة الكريمة تصلح عنوانا بارزا لكل أنواع التكامل والتضامن الاجتماعي فيما بين الناس، حتى تسود المحبة والود، ويتآلف البشر، ويعم الرفاه والاستقرار أنحاء المجتمع، وتعيش كل جماعة في أمن وعافية وسلام.
стр. 2940
تفسير سورة الكوثر
نعم الله على نبيه
سور الضحى والانشراح والكوثر فيها تعداد النعم الإلهية على النبي ﷺ وهي نعم كثيرة، في قمتها في الدنيا: النبوة والرسالة، وفي الآخرة: الكوثر وهو الخير الكثير، ولقد تضمنت سورة الكوثر المكية الخبر بما أعطى الله نبيه وهو الكوثر، وبما طالبه به من الصلاة والصدقة شكرا لله على ما أنعم، وتبشيرا بالنصر، وخذلانا لأعدائه، وانقطاع أثرهم وذكرهم، وهي أقصر سورة في القرآن الكريم، وهذا هو نصها في ثلاث آيات قصار فقط:
[سورة الكوثر (١٠٨) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
«١» «٢» «٣» [الكوثر: ١٠٨/ ١- ٣] .
سبب نزولها: ما أخرجه البزار وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى هذا المنصبر المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السقاية، وأهل السدانة، قال: أنتم خير منه، فنزلت: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أوحي إلى النبي ﷺ ، قالت قريش: بتر محمد منا، فنزلت: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .
стр. 2941
وهناك روايات أخرى، ومجمل الروايات كلها: أن سبب نزول هذه السورة: هو استضعاف النبي ﷺ ، واستصغار أتباعه، والشماتة بموت أولاده الذكور، ابنه القاسم بمكة، وإبراهيم بالمدينة، والفرح بوقوع شدة أو محنة بالمؤمنين، فنزلت هذه السورة إعلاما بأن الرسول ﷺ قوي منتصر، وأتباعه هم الغالبون، وأن موت أبناء الرسول ﷺ لا يضعف من شأنه، وأن مبغضيه هم المنقطعون الذين لن يبقى لهم ذكر وسمعة ولا أثر، البعيدون عن كل خير، المحرومون من أي فضل.
والمعنى: لقد منحناك الخير الكثير، ومنه نهر في الجنة، جعله الله كرامة لرسول الله ﷺ ولأمته.
أخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك قال: «أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسما، فقال: إنه أنزل علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) حتى ختمها.
وفي الحديث: «هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك» .
وكما أعطيناك هذا الكوثر، فداوم على صلاتك المفروضة والنافلة، وأدّها خالصة لوجه ربك وانحر ذبيحتك وأضحيتك، وما هو نسك لك، وهو الهدي (شاة أو بعير مقدم للحرم) وغير ذلك من الذبائح لله تعالى وعلى اسم الله وحده لا شريك له فإنه هو الذي تعهدك بالتربية، وأسبغ عليك نعمه دون سواه، كما قال تعالى في آية أخرى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) [الأنعام: ١٦٢- ١٦٣] .
وهذا على نقيض فعل المشركين، الذين كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه ﷺ أن تكون صلاته ونحره لله، وهو أيضا نقيض فعل المنافقين
стр. 2942
المرائين. والمراد: صلاة العيد، ونحر الأضحية، قال ابن كثير: الصحيح أن المراد بالنحر: ذبح المناسك، بدليل ما نص عليه
حديث البراء بن عازب عند الشيخين: «كان رسول الله ﷺ يصلي العيد، ثم ينحر نسكه، ويقول: من صلّى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» . فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهي فيه اللحم، قال: شاتك شاة لحم، قال: فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين، أفتجزى عني؟ قال: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» .
إن مبغضك أيها النبي، ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع، والنور المبين: هو الأبتر أي الأقل الأذل، المنقطع عن خيري الدنيا والآخرة، والذي لا يبقى ذكره بعد موته، وهذا رد على ما قال بعض المشركين كالعاص بن وائل أو الوليد بن المغيرة أو أبي جهل لما مات ابنه عبد الله من خديجة: إنه أبتر. وقال الحسن البصري ﵀: عنى المشركون بكونه أبتر: أنه ينقطع عن المقصود قبل حصوله، والله بيّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك.
стр. 2943
تفسير سورة «الكافرون» أو المقشقشة «١»
البراءة من الشرك
حسم الإسلام بآيات القرآن العظيم قضية الإيمان والشرك، بعد أن أوضح الله تعالى الأدلة الدالة على صحة الاعتقاد، من توحيد الله تعالى، والتصديق بأنبيائه ورسله، وبكتبه وملائكته واليوم الآخر، فلم يبق بعدئذ مجال للوثنية أو الشرك، وجاءت سورة «الكافرون» المكية بالإجماع مبرئة من الشرك والنفاق، ومن عمل المشركين، وآمرة بإخلاص العبادة لله تعالى، فقال الله سبحانه:
[سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
[الكافرون: ١٠٩/ ١- ٦] .
سبب نزولها: ما
أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄: «أن قريشا دعت رسول الله ﷺ إلى أن يعطوه مالا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فأنزل الله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) إلى آخر السورة، وأنزل: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) [الزمر: ٣٩/ ٦٤] .
стр. 2944
والجماعة الذين دعوا النبي ﷺ إلى هذا، من تمويله وتزويجه من شاء من كرائم نساء قريش: هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية ابن خلف، وأبّي بن خلف، وأبو جهل، وابنا الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يسلم بعد. فنزلت هذه السورة للرد عليهم، ومضمونه:
قل أيها الرسول لقومك القرشيين: يا أيها الكافرون، لا أعبد على الإطلاق ما تعبدون من الأصنام والأوثان، فلست أعبد آلهتكم بأية حال. والآية تشمل كل كافر على وجه الأرض، والبدء بكلمة (قل) لرفع الحرج عن النبي، وبيان أنه مأمور بهذا الكلام، لا من عند نفسه.
لن أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي.
لا أعبد أنا عبادتكم، أي لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، وأنتم لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم، لأن عبادة الرسول ﷺ وأتباعه المؤمنين برسالته خالصة لله لا شرك فيها ولا غفلة عن الله الإله المعبود بحق. وهم يعبدون الله بما شرعه.
والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن الله بها، فكلها شرك وإشراك، ووسائلها من صنع الهوى والشيطان.
قيل: في الآيات تكرار، والغرض التأكيد، لقطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله ﷺ إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم.
والقرار الفصل والقول الحسم الذي يجعل الاستقلال لكل فئة أو جماعة بدينها:
هو أن لكم إشراككم أو كفركم، ولي ديني ومذهبي وهو التوحيد والإخلاص لله أو
стр. 2945
الإسلام، فدينكم الذي هو الإشراك، لكم لا يتجاوزكم إلي، وديني الذي هو التوحيد مقصور علي لا يتجاوزني، فيحصل لكم.
وليست هذه السورة على التحقيق منسوخة بآية القتال: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٩/ ٣٦] فإن المحققين من العلماء قالوا: لا نسخ لهذه السورة، بل المراد التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤١/ ٤٠] .
ونظير هذه الآية كثير في القرآن، منها قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس: ١٠/ ١٤] .
وهذا الفصل بين أتباع الأديان يريح كل فريق، ويجعل كل إنسان مسئولا عما يحب ويختار، ويعتقد ويعمل، إذ لا إكراه في الدين، والدين يقوم على أساس القناعة والحرية والاختيار، وهذا أساس توجيه المسؤولية لكل إنسان عما عمل، وسيرى كل واحد عاقبة فعله واعتقاده وقوله. وإذا لم يجد الإقناع وإعمال العقل الحر الطليق من غير تعصب ولا أحقاد ولا موروثات، فإن كل إنسان مطالب بترك غيره فيما اختاره أو اعتقده.