وقال أبو الضحى: لما نزلت هذه الآية: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ تعجّب المشركون، وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقا فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية المذكورة.
أرشدت آية التوحيد السابقة إلى أن الإله الذي يعبد هو واحد لا شريك له، فلا معبود بحق في الوجود إلا هو، وهو الرّحمن الرّحيم بخلقه، اللطيف بعباده، الذي يتولى شأن مخلوقاته من النشأة أو الولادة إلى العدم أو الموت. ولا يدرك عظمة الله ورحمته إلا إنسان عاقل يدرك مدى عجزه وحاجته إلى ربّه، فإذا كان المريض يسعد سعادة عظمي بمساعدة غيره من الأطباء والممرضات، فكيف بعون الله ورعايته للإنسان في كل لحظة وثانية من لحظات وثواني العمر المديد، وفي تقلّبات الحياة الخطيرة الرّهيبة.
وأدلّة وحدانية الله ورحمته ملموسة واضحة في الكون المشاهد، ألم ير الإنسان أن الله هو الذي خلق السموات وما فيها من عوالم وأفلاك، وكواكب ومجرّات، ذات نظام دقيق، تسير في مداراتها دون تصادم مع غيرها بقدرة الله الذي أودع فيها ما يسمى بالجاذبية؟
والله هو الذي خلق الأرض وما فيها من إنسان وحيوان ونبات، ومعادن وأنهار وجبال ووديان، تسير فينا كأننا في سفينة، وتدور بنظام محكم، لا اضطراب فيه، مما يدلّ على وحدانية الله ورحمته الواسعة. والله الذي أوجد الليل والنهار، وجعلهما متعاقبين، متفاوتين طولا وقصرا على مدى العام، ومختلفين برودة وحرارة، وحركة وهدوءا، وأوجد فصول السّنة، مما يدلّ على وحدانية الرّحمن الرّحيم.
والله الذي ألهم الإنسان صناعة السفن، وعلّمه كيفية تسييرها في البحر بعد معرفة
стр. 72
طبيعة الماء وقانون ثقل الأجسام، وطبيعة الهواء والرياح والبخار والكهرباء، مما يرشد إلى وجود إله واحد رحمن رحيم.
والله أنزل المطر لإحياء الأرض بعد موتها، فأنعش النبات والإنسان، فمن تأمّل في تكاثف البخار، وتكوّن السّحب ومناظرها الخلابة التي يراها كل من ركب الطائرات، وتسييرها بالرياح لإنزال المطر بحكمة الله وتقديره، مما يدل على الإله الواحد الأحد الرّحمن الرّحيم.
إن هذه الظواهر والمخلوقات والأسرار المودعة في المواد آيات دالات على الوحدانية والرحمة بالعباد، ولا يعرفها إلا العقلاء.
علاقة المشركين بآلهتهم
الشّرك بالله وثنية وخرافة ووهم، والشّرك وكر الخرافات والأباطيل، وعلاقة المشركين بآلهتهم من الأصنام والأوثان والملائكة والجنّ علاقة ضعيفة واهية أوهن من بيت العنكبوت، لا تفيدهم شيئا ولا تضرّهم، وتتبدّد جميع الآمال المعقودة عليهم في الآخرة، وتنقطع الصلات والأنساب، ويتبرأ المتبوعون من الأتباع، والأتباع من المتبوعين، يتبرأ كل معبود من الملائكة والجنّ المتبوعين من الذين اتّبعوهم وعبدوا غير الله.
ويظهر المشركون حبّا وتعاطفا وتفانيا في خدمة آلهتهم المزعومة ويحبونهم كحب الله، مع أن الله واحد لا شريك له، لا إله إلا هو ولا ندّ ولا نظير له، ولا شريك معه، فعلاقة المشركين علاقة واهية كاذبة. على عكس علاقة المؤمنين المخلصين بربّهم، فهم أشد حبّا لله، وأكثر حبّا لله، ومن تمام محبّتهم وتعظيمهم لربّهم أنهم لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده، ويلجأون إليه في جميع أمورهم قائلين دائما:
стр. 73
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) [الفاتحة: ١/ ٥] .
والمشرك متناقض مع نفسه، عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضّرر والسوء، فتراه إذا وقع في محنة أو أزمة لجأ إلى الله، ثم نسيه، وإذا ركب المشركون في السفن دعوا الله مخلصين لكي ينجيهم من المخاطر والأهوال، فإذا ما نزلوا على الأرض، اتجهوا إلى آلهتهم، وقالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فهم في الشّدة مع الله، وفي الرّخاء يسوّون بالله غيره، فإذن هم يحبّون آلهتهم كحبّ الله، والذين آمنوا لا يحبّون إلا الله وحده لا شريك له.
حكى القرآن أحوال المشركين مع آلهتهم في الدنيا والآخرة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦٥ الى ١٦٧]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
«١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ١٦٥- ١٦٧] .
وأتبع ذلك بمناسبة كون أوضاع المشركين خبيثة المنافع، أمر الله بالطيب النافع فقال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦٨ الى ١٦٩]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)
стр. 74
يا أيها الناس كافّة كلوا مما يوجد في الأرض حلالا أحلّه الله لكم، طيبا لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق الغير، وألا تأكلوا الخبائث التي منها ما يأخذه الرؤساء من الأتباع، فهو حرام خبيث لا يحل أكله. وألا تتبعوا طرق الشيطان بالإغواء والإضلال والوسوسة، فهو يوسوس بالشّر والمنكر، وهو لكم عدوّ ظاهر العداوة من عهد أبينا آدم ﵇، فلا يأمر بالخير أصلا، ولا يأمر إلا بالقبيح من الذنوب، فاحذروه ولا تتبعوه، ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون يقينا أنه شرع الله في العقائد والشعائر الدينية، أو تقدموا على تحليل الحرام وتحريم الحلال، للتوصل لإفساد العقيدة وتحريف الشريعة.
ثم حكى الله عن المشركين وبعض اليهود ما هم عليه من التقليد الأعمى،
قال ابن عباس: دعا رسول الله اليهود إلى الإسلام، ورغّبهم فيه، وحذّرهم عذاب الله ونقمته، فقال رافع بن حرملة ومالك بن عوف: بل نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرا منا، فأنزل الله في ذلك:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٠ الى ١٧١]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٧٠- ١٧١] .
أي إن هؤلاء الكفار في تقليدهم الأعمى آباءهم كالببغاوات وكرعاة السّوائم التي لا تعي ولا تفقه ما يقال لها، فكل من الفريقين لا يعي شيئا مما يسمع، وإنما يسمع بجرس اللفظ ورنينه فقط لأن الله قد ختم على قلوب الكفار، وجعل على أسماعهم وأبصارهم غشاوة.
стр. 75
إباحة الطّيبات وتحريم الخبائث
أذن الله لعباده المؤمنين وغير المؤمنين أن يتناولوا الحلال الطيب المفيد الذي لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق للغير مهما كان، ونهاهم عن اتّباع الأهواء والشياطين الذين يوسوسون بالشّر، ويزيّنون المنكر، ويوقعون الناس في الإثم والضلال، فالشيطان لا يأمر إلا بالقبيح، فكل ما يأباه الطبع السليم والعقل الراجح وينكره الشّرع هو من أعمال الشيطان وأماراته، فيجب الحذر منه وتجنّب ما يوهمه من الخير، والشيطان يأمر الناس عادة أن يقولوا على الله ما لا يعلمون من أمور الشرع والدين، قال الله تعالى مبيّنا هذا كما تقدّم:
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) [البقرة: ٢/ ١٦٨- ١٦٩] .
ثم أكّد الله تعالى في الآيات التالية إحلال الطّيبات بلا إسراف ولا تقتير، وأمر عباده بشكر نعمة الله، وإخلاص الشكر لله إن كانوا يعبدونه حقّا، فذلك غذاء الروح ووفاء المعروف. قال الله سبحانه:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)
[البقرة: ٢/ ١٧٢] .
ثم أبان القرآن الكريم تحريم المضارّ والخبائث مما لا يفيد الجسم، وإنما يضرّه ويؤذيه، إما في صحته وعافيته، وإما في روحه وعقيدته، فقال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٣]
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)
«١» «٢»
стр. 76
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٧٣] .
إن تحريم الميتة: بسبب ما فيها من الدم المحتبس الضّار، الذي قد يكون ملوّثا بالأمراض والسّمّيات في الغالب، والنفوس تعاف الميتة التي قد يمضي عليها ساعات أو يوم فتتلوث بالجراثيم والميكروبات وتفترسها الديدان. وحرّم الله الدّم السائل المسفوح لما فيه من السّميات ولتلوثه بالأمراض وكونه مباءة الجراثيم والميكروبات.
وحرّم الإسلام تناول لحم الخنزير وشحمه لأنه حيوان قذر لا يتمثل الطعام ولا يهضمه، ولا يأكل إلا من القاذورات والنجاسات حتى وإن ربّي في أرقى الحظائر، وينقل الدودة الوحيدة للإنسان، والطب، وشرع الله القديم كاليهودية، والجديد كالإسلام، يحرّم الخنزير وينفّر منه.
وحرّم القرآن الكريم ما ذبح لغير الله وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى عند الذبح، فقد كان المشركون يذبحون في الجاهلية للأصنام، ويقولون عند ذبحها باسم اللات والعزى، وبما أن الذّبح تعظيم، وتعظيم غير الله لا يجوز، ويسيء إلى العقيدة النّقية، فإن الله حرّم كل ما ذبح لغير الله حماية لمبدأ الإيمان بالله تعالى، وإبعادا للناس من التّقرب للأصنام ونحوها. ثم راعى الشرع حالة الضرورة حفاظا على النفس البشرية فأباح أكل شيء من الميتة والدّم والخمر والمذبوح لغير الله إذا لم يجد الإنسان شيئا من المباحات يأكله، بشرط ألا يكون طالبا المحرّم لذاته ولا باغيا، ولا متجاوزا الحدّ في سدّ جوعه، فيأكل بقدر الضرورة فقط لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.
стр. 77
جزاء كتمان آيات الله
إن العلماء أمناء على ما يقولون وعلى ما ينقلونه ويخبرون عنه من شرع الله ودينه، فإذا خان العالم الأمانة، وغيّر وبدّل، وحرّف وشوّه الحقائق، فقد الثقة به من العالم أجمع، واستحقّ العذاب في نار جهنم.
ولقد هدد الله تعالى في قرآنه بعض علماء أهل الكتاب وأحبارهم وأنذر المشركين الذين حرّموا بعض الحلال، وابتدعوا في الدين أمورا ليست منه، فقال الله سبحانه:
«١» «٢»
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٦]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)
«٣» [البقرة: ٢/ ١٧٤- ١٧٦] .
قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من أتباعهم الهدايا، وكانوا يرجون أن يكون النّبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ فغيّروها، ثم أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النّبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا النّبي الذي بمكة، فإذا نظرت الأتباع إلى النعت المتغيّر، وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ ، فلا يتّبعونه.
إن سبب نزول هذه الآيات كما ذكر عن ابن عباس يبين المقصود من الآيات ويحدد المراد منها، ومعناها: إن الذين يكتمون ما أنزل الله في الكتاب المنزل عليهم من وصف النّبي ﷺ وبيان زمانه وغير ذلك مما يشهد بصدق نبوّته وكمال رسالته
стр. 78
وكونه خاتم النّبيين، هم قوم بعيدون عن الحق، مغرقون في الضّلال، ففعلهم هذا بقصد الحفاظ على رياسة كاذبة، والحصول على الأموال والهدايا أشدّ المنكرات، إنهم باعوا الخير والهدى بثمن بخس قليل لا ينفع، ولا يأكلون في بطونهم على التحريف والتغيير إلا ما يؤدي بهم لدخول النار، وهم بهذا الفعل الشنيع يستحقون غضب الله ولعنته، ولا يكلمهم الله يوم القيامة كلام رحمة، ولا يثني عليهم بالخير كما يفعل مع أهل الجنة، وللكافرين عذاب شديد مؤلم في الدنيا والآخرة.
وأكّد الله تعالى على سوء صنعهم بأنهم استبدلوا الضّلالة بالهدى، واستحقّوا العذاب بدل المغفرة، فما أجرأهم على الضّلال، وما أصبرهم على نار جهنم، فإنهم ارتكبوا ما يوجب دخول النار من غير مبالاة منهم، والله أراد من إنزال الكتاب السماوي إقرار الحق، ودحر الباطل، وهداية الناس، فمن منع ذلك عن الناس حارب الله، وإن الذين اختلفوا في كتب الله، فقالوا: بعضها حقّ، وبعضها باطل، لفي مخالفة بعيدة عن الحق.
هذه الآيات التي تحرّم كتمان أحكام الله تشمل أيضا علماء المسلمين إذا كتموا الحقّ مختارين لذلك، لسبب دنيا يصيبونها أو مصلحة دنيوية يحققونها.
حقيقة البر
يظن بعض الناس خطأ أن الدين أو البر والخير هو في العبادة وحدها دون ما سواها، وهذا غير صحيح، فإن البر والدين بناء متكامل وميزان شامل، يشمل العقيدة والعبادة والأخلاق وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وقد أنزل الله تعالى آية في القرآن الكريم جمعت أصول البر كلها، وخاطبت المؤمنين بأنه ليس البر الصلاة وحدها، كما خاطبت غير المؤمنين الذين اختلفوا في التوجّه إلى القبلة، فاليهود
стр. 79
يتّجهون إلى الغرب وبيت المقدس، والنصارى يتّجهون إلى المشرق ومطلع الشمس، وتكلموا في تحويل قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وفضّلت كل فرقة تولّيها واتّجاهها إلى قبلتها.
قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله ﷺ عن البر، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٧]
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
[البقرة: ٢/ ١٧٧] .
وقال قتادة: وقد كان الرجل قبل الفرائض «٧» إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك، وجبت له الجنة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أراد الله تعالى أن يبين للناس كافّة أن مجرّد التوجه نحو قبلة معينة ليس من جوهر الدين، وليس هو البر المقصود، وإنما البر وهو اسم جامع للخير ولكل فعل مرض محبوب هو شيء آخر، ليس في الاتجاه جهة المشرق والمغرب، إنما هو إيمان بالله ورسوله مقرون بالعمل الصالح.
البر إذن: إيمان كامل بالله ورسوله واليوم الآخر على أنه محل الجزاء والثواب، وإيمان بالملائكة على أنهم من خلق الله لهم مهام عديدة كإنزال الوحي، وحمل العرش، وإنزال المطر، وقبض الأرواح، وطاعة الله، وإيمان بالأنبياء جميعا لا فرق
стр. 80
بين نبي ونبي، وإيمان بالكتب المنزلة من عند الله، سواء كان الكتاب المنزل زبورا أم توراة أم إنجيلا أم قرآنا، نؤمن بما نزل فيه كله، ولا يقتصر الإيمان على بعضه والكفر بالبعض الآخر، كما يفعل الذين جزّؤوا الدين، وقطعوا الصلة بين الدين الأول والآخر، فالدين كله لله، ومن عند الله تعالى.
ولا بد مع الإيمان من العمل الصالح، كإقامة الصلاة تامة الأركان والشروط مع الخشوع واستحضار القلب، وإيتاء الزكاة المفروضة لمستحقيها على نحو دقيق شامل جميع أموال الزكاة من النقود والمواشي والزروع وأموال التجارة، وإيتاء المال للمستحق مع حبّه له، وهو إيتاؤه ذوي القرابة، واليتامى والمساكين وأبناء السبيل (المنقطعين في السفر) والسائلين وتحرير الرقاب وفكاك الأسرى، ففي المال حق آخر سوى الزكاة.
ومن أعلى درجات البر: الوفاء بالعهد والوعد وتنفيذ المعاهدات، والصبر في البأساء (شدة الفقر) والضّراء (المرض والمصائب في المال والأهل) وحين البأس (وقت شدة القتال) .
هؤلاء الموصوفون بما ذكر هم الصادقون في إيمانهم، المتّقون عذاب الله، الفائزون بثوابه وجنّته ورضوانه.
عقوبة القصاص
المنازعات والمخاصمات والاعتداءات ظاهرة اجتماعية مستمرة بين الناس بسبب الأطماع وحبّ السيطرة والتفوق والغلبة، أو بسبب الشّجار وشدة الغضب وفقد الوعي، أو حبّا للانتقام وأخذ الثأر، وغير ذلك من الأسباب التي لا تتفق في شيء مع الخلق الكريم، والدين والفضيلة، أو الإنسانية، فإن الخلق الكريم يأبى الإيذاء
стр. 81
والاعتداء، والدين يحرّم الظلم والبغي والإساءة إلى كرامة الآخرين، والإنسان أخو الإنسان أحبّ أم كره، فلا يظلمه ولا يؤذيه ولا ينتقصه ولا يعتدي عليه.
وقد أراد الله سبحانه أن ينظم شأن العداوات والاعتداءات بين الناس، ففرض تشريع القصاص، وألزم الوقوف عند جانب الحق والعدل، دون تجاوز في العقاب، أو معاقبة غير المتّهم المسيء، فتجب المساواة الدقيقة التّامة بين الجريمة والعقوبة، ولا يجوز بحال قتل غير القاتل، أو قتل أكثر من شخص بجريمة قتل واحدة.
قال الشعبي: كان بين حيّين من أحياء العرب قتال، وكان لأحد الحيّين طول «١» على الآخر، فقالوا: نقتل بالعبد منا الحرّ منكم، وبالمرأة الرجل، فنزلت آية القصاص.
وقال سعيد بن جبير: إن حيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، وكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيّين يتطاول على الآخر في العدد والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى.
قال الله تعالى: «٢»
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
[البقرة: ٢/ ١٧٨- ١٧٩] .
خاطب الله تعالى الناس في هذه الآية بوصف الإيمان، مبيّنا لهم فرضية القصاص
стр. 82
بسبب القتلى، يقتصّ من القاتل بمثل ما فعل مع ملاحظة الأوصاف، فيقتل الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وعلى ولي القتيل أن يترك التّعدي على غيره كما كانت العرب تتعدى، وتقتل بقتيلها الرجل من قوم قاتله ولو لم يكن قاتلا، وعلى الحكام أولي الأمر تطبيق القصاص وإقامة الحدود، بشرط ألا يتجاوز القصاص إلى اعتداء. ولولي الدم أن يعفو عن القصاص مجانا أو يأخذ الدية، فذلك مباح، فإذا عفا ولي الدم عن بعض الدم للقاتل أو عفا بعض الورثة عن القصاص، سقط القصاص ووجبت الدية، وحينئذ يطالب القاتل بالدية بالمعروف من غير شدة ولا عنف، وعلى القاتل الأداء بالمعروف من غير مماطلة ولا تسويف.
وتشريع القصاص والدية والعفو عن كليهما أو أحدهما تخفيف من الله لنا ورحمة بنا، فمن تجاوز ذلك وقتل بعد العفو والدّية، فله عذاب مؤلم في نار جهنم. وفي تشريع القصاص حياة متحققة للجماعة، فيرتدع سفّاكو الدماء إذا علموا أن من قتل غيره يقتل به، ويمنع القصاص انتشار الفوضى والظلم في القتل، ويتخلص الناس من عادة الأخذ بالثأر أو حبّ الانتقام، وتمتنع الجريمة ويوضع الحدّ للشّر.
ثم ذكر الله تعالى حالة وجوب الوصية بقوله:
«١»
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)
«٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١٨٠- ١٨٢] .
فرض عليكم أيها المؤمنون حال ظهور علامات الموت بمرض مخوف أو حادث خطير ونحوهما، إن ترك الواحد منكم مالا كثيرا لورثته، أن يوصي للوالدين
стр. 83
والأقربين من هذا المال، وصية عادلة، في حدود ثلث التركة، حقّا مقرّرا على أهل التقوى الخائفين من الله وحسابه، فمن غيّر الإيصاء من شاهد ووصي بعد سماعه، فإنما ذنب هذا التغيير عليه، وبرئت منه ذمّة الموصي، وثبت له الأجر عند ربّه، إن الله سميع لأقوال عباده المبدّلين، عليم بأفعالهم وتصرفاتهم، ونياتهم. فمن خاف من موص ميلا عن منهج الشّرع والحق خطأ، أو وقوعا في المعصية عمدا، فأصلح بين الموصي والموصى له، بردّ الوصية إلى العدل والمقدار المحدد لها شرعا، فلا إثم عليه، والله غفور لمن بدّل للإصلاح، رحيم به.
فرضية الصيام
الصيام أحد فرائض الإسلام وأركانه، تهذيبا للنفس البشرية وتقويما لها، وحفاظا على البنية الجسدية، وتقوية للإرادة والصحة،
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «سمعت رسول الله ﵌ يقول: بني الإسلام على خمس:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان» .
الصيام في تقدير الإسلام رياضة روحية، وطريق لإعداد النفس لتقوى الله في السّر والعلن، ومدرسة للصبر والجهاد وتحمل المشاق، لذا
ورد في السّنة النّبوية فيما رواه ابن خزيمة والبيهقي أن «الصوم شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة» .
ليس الصيام مفروضا على المسلمين وحدهم، وإنما هو عبادة قديمة مفروضة في مختلف الشرائع الإلهية، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)
[البقرة: ٢/ ١٨٣] .
стр. 84
والصيام مطهرة للنفس، ومرضاة للرّب، وليس فيه مشقة شديدة أو شيء لا يحتمل، وإنما هو أيام معدودات قلائل في العام، شهر واحد:
«لو علمت أمتي ما في رمضان من الخير، لتمنّت أن يكون السّنة كلها» .
وقال الله سبحانه عن الصوم:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٤]
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٨٤] .
وقد يسّر الله أداءه على الناس، فأباح قضاء الصيام في أيام أخر للمسافر والمريض والحامل والمرضع، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٥]
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
أما الذين يتحملون الصوم بمشقة شديدة كالشيخ الفاني والمريض مرضا مزمنا فعليهم فدية، إطعام مسكين (نصف صاع أو مدّان من حنطة عند الحنفية، ومدّ عند الجمهور) ، ومن تطوع وزاد في الفدية على طعام مسكين فهو خير له وأكثر ثوابا، وصوم هؤلاء المعذورين خير لهم إن علموا وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين، إذا لم يتضرّروا.
وقد تميز شهر رمضان بفضائل وميزات عديدة، أهمها أن ابتداء نزول القرآن حدث في رمضان، قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
стр. 85
[البقرة: ٢/ ١٨٥] .
ومن مزايا رمضان: أن فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ «١» فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ... [القدر ٩٧/ ١- ٣] إلى آخر السورة المعروفة.
ومن مزايا رمضان: أنه شهر العبادة وإجابة الدعاء والتقرب إلى الله، والإحسان بقوة النفس والروح، وصفاء الفكر، والترفع عن الماديات والشهوات الدنيوية، والتشبه بالملائكة الأطهار الأبرار الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولا تتحقق فوائد الصيام إلا بعفة اللسان، والتزام حدود الله تعالى واتّباع أوامره، واجتناب نواهيه، لذا ختم الله تعالى آيات الصيام بقوله:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) [البقرة: ٢/ ١٨٧] .
وقال رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: «ألا وإن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه» «ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» .
стр. 86
مشروعية الدعاء وآدابه وحدود الصوم وما يباح فيه ليلا
الدعاء إلى الله تعالى نوع من العبادة والخضوع والتّذلل، فإن الداعي يشعر دائما بالحاجة الملحة إلى ربّه، والاستعانة بعزّته وقوته، وطلب المدد والعون في المحن والبلايا، أو الاستزادة من الخير والتوفيق في وقت الرخاء والنعمة.
ثبت عن النّبي ﷺ أنه قال في حديث صحيح: «الدعاء هو العبادة» «الدعاء سلاح المؤمن» .
والدعاء مفيد في مصارعة القضاء والقدر، وفي تخفيف المصاب، وفي رفع البلاء وجلب الرزق،
قال النّبي ﷺ : «الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» «الدعاء ينفع بما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء» «١» .
والدعاء إلى الله أمر مباشر بين العبد وربّه، يسمع صوت عبده مهما كثرت أدعية العباد، ومهما اختلفت الألسنة، وإن كان الوقت واحدا واللحظة واحدة، وسواء أكان الدعاء سرّا أم جهرا،
جاء أعرابي إلى النّبي ﷺ ، فقال: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه فأنزل الله:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٦]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)
[البقرة: ٢/ ١٨٦] .
وسأل أصحاب رسول الله ﷺ النّبي ﷺ : أين ربّنا؟ فأنزل الله الآية السابقة:
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
الله قريب من عباده، وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، يعلم أعمالهم، ويراقب أحوالهم، يجيب دعوة من دعاه مخلصا له، قد شفع دعاءه بالعمل الخالص لوجه الله سبحانه.
стр. 87
روي أن المشركين قالوا لما نزل: فَإِنِّي قَرِيبٌ: كيف يكون قريبا من بيننا وبينه على قولك سبع سموات في غلظ سمك (سقف) كل واحدة خمس مائة عام، وفيما بين كل سماء مثل ذلك، فنزلت: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
أي فإني قريب بالإجابة والقدرة، أجيب إن شئت. وإذا استجاب الله دعاء عبده، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفّر عن العبد خطاياه وذنوبه، وإما أن يدّخر له أجر في الآخرة، أخرج الإمام مالك في موطئه عن زيد بن أسلم أنه كان يقول: «ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفّر عنه» وهذا حديث في حكم المرفوع، أيّده حديث جابر المرفوع إلى النّبي ﷺ بالنّص السابق.
والدعاء بالسوء والأذى والاعتداء ممنوع، قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٧/ ٥٥.]
وإذا سبق القدر بشيء فلا يجاب الدعاء، فهذا أفضل البشر المصطفى محمد ﷺ قد «دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم» فلا يتنازعون ولا يتخاصمون، ولا يتفرقون شيعا وأحزابا، فمنع ذلك لأن القدر سبق بغير ذلك.
سئل عبد الله بن جابر بن عتيك في بني معاوية، وهي قرية من قرى الأمصار: «هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن رسول الله؟ فقال: دعا بألا يظهر عليهم عدوّا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، قال ابن عمر: صدقت، ثم قال ابن عمر: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة»
والهرج: الفتنة والانقسام والاختلاط في الأمور.
ومن أهم آداب الدعاء: الأدب مع الله وخشوع القلب وصدق الطلب، والاستقامة واستجابة ما دعا الله إليه من الإيمان بالطاعة والعمل، فاستجابة الله للعبد مرتبطة باستجابة العبد لله فيما أمره به، وفيما نهاه عنه.
ثم ذكر تعالى ما يحلّ في ليالي الصوم وحدود الصوم نهارا، فقال:
стр. 88
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٧]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ١٨٧] .
يباح لكم في ليالي الصيام وقاع زوجاتكم، فهنّ ستر لكم عن الحرام، علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم بالجماع ليلة الصيام، فتاب الله عليكم وعفا وصفح عنكم، والآن أباح الله لكم بأن تباشروا نساءكم، واطلبوا ما أباحه الله لكم من الاستمتاع لإنجاب الذرّية. ويباح لكم الأكل والشرب أثناء الليل كله، حتى يطلع الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام إلى غروب الشمس. ولا تجوز مباشرة النساء أثناء الإقامة في المساجد للعبادة بالاعتكاف. وتلك الأحكام المذكورة للصيام والاعتكاف هي حدود الله، أي محظوراته وممنوعاته، فلا تقربوها بالمخالفة، وبمثل هذا التوضيح يبين الله أحكام دينه للناس ليتّقوا ربّهم، ويبتعدوا عن المحرمات.
أخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل قال: كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال: قيس بن صرمة صلّى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتى أصبح، فأصبح مجهودا، وكان عمر أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النّبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فأنزل الله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.
стр. 89
الرشوة وأخذ أموال الناس بالباطل
المال قوام الحياة المعيشية، وأساس تقدم الدول والجماعات، فبه تنهض الأمة، وهو المعوّل عليه في الحرب والسلم وبناء النهضات والحضارات. لذا صانه الإسلام، وجعل تحرّكه وانتقاله بين الناس مرهونا بالحق والعدل، فلا غشّ ولا غبن ولا ظلم ولا استغلال ولا اغتصاب، ولا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد إلا بإذنه ورضاه،
قال النّبي ﷺ في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»
«كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»
«لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»
فالأموال لجميع الناس، وقد قسمها الله بينهم قسمة عادلة لا جور فيها.
ومن أهم القضايا التي تثار أمام المحاكم القضائية: قضايا المال والاقتصاد، وإذا أصدر القاضي حكما في الدعوى أو الخصومة، فإن حكمه لا يحلّ الحرام ولا يحرّم الحلال، ويظل الواجب على المحكوم له أن يراقب الله تعالى، ولا يأخذ من خصمه إلا الحق الثابت الشرعي الذي يطمئن إلى أنه ماله بحق، قال سعيد بن جبير: إن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي اختصما في أرض، وكان امرؤ القيس هو المطلوب، وأراد أن يحلف، وعبدان هو الطالب، فأنزل الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٨]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)
«١» [البقرة: ٢/ ١٨٨] . فحكم عبدان في أرضه ولم يخاصم الخصم الآخر، وتنازل له عن حقّه.
نهانا الله سبحانه في هذه الآية أن نأكل أموال بعضنا بالباطل وبدون وجه حق، ونهانا أن نلقي بالأموال إلى الحكام مستعينين في ذلك بالدفاع بالباطل، والآية تشمل أخذ مال الآخرين بغير حق بمختلف الوسائل، كالرشوة والقمار، والخداع
стр. 90
والغضب وجحد الحقوق والأمانات، والمعاصي والملاهي وشرب المسكرات، والإكراه والغبن مع الاستغلال، والغش وكتمان العيوب، وأكل أموال اليتامى ظلما، والتحايل والاختلاس والانتهاب، والخيانة والسرقة والرّبا وتطفيف الكيل والميزان بأخذ زيادة عن الحق أو نقص حق الآخرين، فتكون الآية الكريمة عامّة في الأشخاص والأموال، فلا يحق لأي شخص أخذ مال غيره مهما كان صغيرا أم كبيرا، ولا يجوز الباطل في سائر المعاملات المالية وغير المالية.
إن كثرة التقاضي بالباطل وشيوع الرشوة في الأمة خطر عليها وعلى اقتصادها وأخلاقها ووجودها. كيف يحلّ لإنسان أن يأخذ مال إنسان آخر بالإثم والزور، والبهتان والرشوة، وهو يعلم أنه حرام، ولا يأكل في بطنه إلا النار.
إن قضاء القاضي لا يحل ما حرّمه الله كما ذكرت، وإن كان هناك بيّنة أو شهود أو أيمان، وقاعدة القضاء الشهيرة:
الحديث النّبوي الثابت: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن «١» بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» .
ولما سمع خصمان بهذا الحديث في عهد النّبي ﷺ بكيا وقال كل واحد منهما:
حقي لصاحبي.
الشهور القمرية والعادات الحسنة
القرآن الكريم معلّم البشرية في جميع أحوالها، في دينها وعبادتها ومعاملاتها وعقائدها وعاداتها، فلا يرشد إلا إلى خير، ولا يدل إلا على معروف، ولا يشرع إلا
стр. 91
ما ينسجم أو يتّفق مع العقول السليمة، والعادات المألوفة المستحسنة الموافقة للغرض العقلاني والتقلب المفيد في شؤون الحياة.
لقد سأل العرب المسلمون عن أشكال الهلال وتبدّلاته في دورته الشهرية أو عن العلّة في أن القمر يبدو دقيقا كالخيط في مطلع الشهر، ثم لا يزال يكبر حتى يصير بدرا في وسط الشهر، ثم يصغر ويتضاءل حتى ينمحي، وكان الغرض من السؤال بيان السبب أو فائدة الشهور القمرية،
وكان السائل معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة، وهما رجلان من الأنصار، قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو، فيطلع دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدقّ، حتى يكون كما كان، لا يكون على حالة واحدة، فنزلت الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ
[البقرة: ٢/ ١٨٩] وقال ابن عباس: نزلت على سؤال قوم من المسلمين النّبي ﷺ عن الهلال، وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس؟
لقد أجاب الله تعالى عن هذا السؤال ببيان فائدة القمر وأسباب أطواره التي يمر بها، وهي ضبط الزمان وحساب الأيام لمعرفة أوقات حلول الديون وآجال العقود، وتواريخ استحقاق الأجور والأكرية، وزمن انقضاء العدد للنساء وما أشبه ذلك من بيان مصالح العباد، ولمعرفة مواقيت الحج أيضا يعرف بها وقته وأشهره. والتوقيت بالسّنة والشهور القمرية سهل في الحساب ومناسب للعرب، يؤقتون بدورات القمر أعمالهم وتجارتهم ومزارعهم وعبادتهم من صوم وحج وعدّة وغيرها.
وتضمنت الآية أيضا الكلام عن شأن العادة المستحسنة في دخول البيوت والخروج منها، فقال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)
[البقرة: ٢/ ١٨٩] .
стр. 92
وسبب نزول هذه الآية: تغيير عادة العرب في الجاهلية في الدخول إلى البيوت بعد الإحرام بالحج أو العمرة، فقد كان أناس من الأنصار إذا أحرموا بحج أو عمرة لم يدخلوا الدور من الباب، فإن كان من أهل المدر (أي المدن) نقب نقبا في ظهر بيته، وإن كان من أهل الوبر (البدو) دخل من خلف الخباء، فقيل لهم في القرآن الكريم:
ليس البر هذا، ولكن البر من اتّقى الله وخاف عقابه، ثم أمرهم الله بأن يأتوا البيوت من أبوابها، ويتّقوا الله في كل شيء، رجاء أن يكونوا من المفلحين.
لقد سوّى القرآن الكريم بين جميع الناس في الدخول إلى البيوت والخروج منها، سواء أكانوا من أهل المدينة أم من الأعراب والبدو، فلا يكون الإحرام بالحج أو العمرة سببا في تغيير المألوف والمعروف والعادات، لأن تقوى الله في القلوب والنفوس، وليست التقوى في المظاهر والشكليات التي لا معنى لها، إن الإسلام يقرّ ما ينسجم مع العقل والمنطق، وينبذ كل المظاهر الجوفاء، والأشكال التي لا معنى لها، فأي ارتباط بين الإحرام بالحج وبين الدخول من الباب الخلفي للبيت؟ ولماذا يسمح للقرشيين بالدخول من الأبواب الإمامية ولا يسمح لغيرهم بذلك؟ إن الدين واحد، والهدي واحد، والناس جميعا سواسية في أحكام الشريعة.
قواعد القتال
علّمنا القرآن الكريم في سورة البقرة في ستّ آيات ستّ قواعد في القتال في سبيل الله، لمعرفة أسباب مشروعية القتال وغاياته وآدابه وزمنه. وأول هذه القواعد: أن القتال في سبيل الله أذن به الشّرع لردّ العدوان وحماية الدعوة وحرية الدين ونشره في العالم، قال الله تعالى:
стр. 93
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٠]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)
[البقرة: ٢/ ١٩٠] .
نزلت هذه الآية لما صدّ المشركون رسول الله وأصحابه عن البيت الحرام في السنة السادسة من الهجرة، ثم صالحوه صلح الحديبية على أن يرجع عامه، ثم يأتي في العام القابل، على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت الحرام ويفعل ما شاء، وخاف المسلمون أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعني قريشا.
القاعدة الثانية في القتال: أن القتال حين الاعتداء يجوز في أي مكان، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩١]
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٩١] أي قاتلوهم إذا أدركتموهم وصادفتموهم على أي حال، وأخرجوهم من مكة حيث أخرجوكم منها، وفتنتهم المسلمين في الحرم عن دينهم بالإيذاء من مكة حيث أخرجوكم منها، وفتنتهم المسلمين في الحرم عن دينهم بالإيذاء والتعذيب ومصادرة الأموال، والإخراج من الوطن، كما يفعل الصهاينة الآن بعرب فلسطين، أشدّ قبحا من القتال في الحرم لأن الإيذاء والاضطهاد على العقيدة أمر خطير وشرّ وبيل.
القاعدة الثالثة: أنه لا يبدأ المسلمون قتال غيرهم في المسجد الحرام «٣» في مكة حتى يبدأهم الأعداء، فإن قاتلهم أعداؤهم، جاز القتال وردّ العدوان، حتى ينتهي المعتدون عن عدوانهم لأن الشّر بالشّر، والبادئ أظلم، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩١ الى ١٩٢]
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)
стр. 94
[البقرة: ٢/ ١٩١- ١٩٢] .
القاعدة الرابعة: أن غاية القتال المشروع في الإسلام شيئان: منع الفتنة في الدين، وضمان حريته، وإقرار السّلم واستتباب الأمن والطمأنينة، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٣]
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)
[البقرة: ٢/ ١٩٣] .
القاعدة الخامسة: أن الإذن بالقتال في الشهر الحرام: ذي القعدة من قبيل القصاص والمعاملة بالمثل، فإن مشركي مكة انتهكوا حرمة هذا الشهر الحرام، وردّوا المسلمين عن العمرة يوم الحديبية، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء، وكراهتهم القتال في الأشهر الحرم: الشهر الحرام بالشهر الحرام وهتكه بهتكه، فمن عظّمه عظّمناه، ومن انتهك حرمته انتهكناه، والقتال فيه في هذا العام كالقتال من المشركين في العام السابق، فالواجب القصاص والأخذ بالمثل، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٤]
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)
«١» [البقرة: ٢/ ١٩٤] .
القاعدة السادسة والأخيرة: أن القتال في سبيل الله يتطلب التضحية بالنفس والمال، ويتوقف القتال كغيره على المال، فيجب الإنفاق في سبيله لأن الإنفاق في الحروب وسيلة النصر وطريق الفوز والغلبة، وترك الإنفاق مهلكة للأمة، مضيعة للجماعة، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٥]
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
«٢» [البقرة: ٢/ ١٩٥] .
стр. 95
فرضية الحج وأحكامه
الحج على المستطيع أحد فرائض الإسلام الخمس وأحد أركانه الأساسية فرض سنة ست من الهجرة، والعمرة فريضة أيضا مثل الحج في بعض المذاهب الإسلامية، لقوله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٦]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ١٩٦] .
والحج فضلا عن كونه عبادة شخصية تقرّب إلى الله تعالى، ويكفّر المعاصي والذنوب، ويجدد المسلم العهد مع ربّه على الطاعة والاستقامة، هو أيضا مظهر اجتماعي ومؤتمر إسلامي عام، به يتعارف المسلمون بعضهم على بعض، ويتذاكرون في شؤونهم العامة والخاصة، وفي مصائر أمتهم وأحوال دنياهم وآخرتهم.
ويبدأ الحج بالإحرام به في هيئة مخصوصة وفي مواقيت مكانية وزمانية معلومة، ويكون أداء الحج والعمرة بإحدى صور ثلاث: الإفراد بأن يحرم بالحج وحده ثم بالعمرة بعد انتهائه، والتّمتع بتقديم العمرة على الحج، والقران بالإحرام بالحج والعمرة معا، وأوقات الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فلا تصح نية الحج إلا في هذا الوقت، وتنتهي أعماله في أيام عبد الأضحى التي تسمى أيام التشريق. أما العمرة فوقتها السنة كلها.
стр. 96
ومن أحرم بحج أو عمرة ثم حيل بينه وبين إتمامه بسبب مانع مرضي أو إداري أو خوف من عدو، وجب عليه التّحلل في مكانه وذبح الهدي (أي شاة) ، ويجب الهدي أيضا على المتمتع والقارن شكرا لله على تيسيره وفضله، فمن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج قبل اليوم الثامن من ذي الحجة، وسبعة أيام في وطنه إذا لم يكن الشخص من سكان الحرم المكي (المسجد الحرام) .
وعلى الحاج التزام آداب وقواعد معينة في أثناء الحج ومنها الابتعاد عن الصلة الخاصة بالزوجات، وعن فحش الكلام وعن الفسوق والخروج عن طاعة الله بفعل أي شيء محرّم كالصيد والطيب والزينة ولبس المخيط من الثياب والأحذية، والتّنابز بالألقاب، والجدال والمراء والخصام لأن الحاج في طاعة وعبادة وتقشف لا يناسبه هذه الأمور، لقوله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٧]
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ١٩٧] .
ويجوز للحاج والمعتمر التجارة بعد الانتهاء من أعمال الحج والعمرة، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٨]
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)
«٣» [البقرة: ٢/ ١٩٨] .
ويكثر الحاج والمعتمر من التلبية والتهليل والدعاء عند المشعر الحرام بالمزدلفة، ومن ذكر الله ذكرا كثيرا حسنا، اعترافا بفضل الله الذي هدى المؤمن هداية حسنة، وعلّمه كيف يذكر ربّه، وكان قبل ذلك ضالّا جاهلا لا يعرف كيف يكون ذكر الله.
ويستمر في الحج وبعده ذكر الله والاستغفار والدعاء بالخير للمؤمن نفسه ولوطنه وأمته، فمن دعا الله لأمر دنيوي فقط، فلا نصيب له في الآخرة، والأفضل الدعاء بالتوفيق والرزق والصحة في الدنيا، وبالثواب والجنة في الآخرة، وتجنب الأعمال
стр. 97
التي تؤدي إلى النار، ويتأكد ذكر الله في أيام التشريق الثلاث، فيكثر من التهليل والتكبير عقب الصلاة وعند رمي الجمار أثناء المبيت بمنى ليلتين أو ثلاثا، تخفيفا من الله، وعلى الحاج والمعتمر التزام تقوى الله والاستعداد للآخرة، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٨ الى ٢٠٣]
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [البقرة: ٢/ ١٩٨- ٢٠٣] .
بعض مظاهر العصيان والنّفاق وبعض نماذج الإيمان الصادق
الناس بالنسبة لدين الله وشرعه صنفان: منافق عاص، ومؤمن طائع، قلب المنافق مظلم مملوء كفرا ومعصية، وقلب المؤمن مضيء بالإيمان مشرق بنور الله، سائر بتوفيق الله.
стр. 98
وعلائم الإيمان والنّفاق معروفة واضحة من خلال المواقف والتصرفات والكلام المنطوق، بعض الناس يروقك قوله، ويعجبك طلاقة لسانه، وقوة بيانه، ولكنه يخادع ويداهن، ويتملق ويكذب، ولا يتكلم إلا ليحظى بشيء من الدنيا وزخارفها وأطماعها، ويحاول زخرفة كلامه إما بحلف الأيمان، وإما بأن يشهد الله على ما في قلبه، فكلما قال قولا شفعه وقرنه بقوله: يعلم الله هذا، ويشهد أني صادق، والله يعلم أنه أشهد الناس خصومة وعداوة، وأقواهم جدلا، وأكثرهم حقدا وبغضاء.
قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٦]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦)
«١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ٢٠٤- ٢٠٦] .
قال السّدي: نزلت هذه الآيات في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف بني زهرة، أقبل إلى النّبي ﷺ في المدينة، فأظهر له الإسلام، وأعجب النّبي ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم إني لصادق، وذلك قوله: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ. ثم خرج من عند رسول الله ﷺ ، فمرّ بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع، وعقر الحمر، فأنزل الله تعالى فيه: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.
هذا أنموذج من عناصر التخريب والفساد والنّفاق، لم يكرهه أحد على ما صنع، ولكنه ارتضى لنفسه موقف الخبث، وإضمار السوء والعمل على هدم مقومات أمته، وتدمير أمجاد مجتمعة ومفاخرهم.
стр. 99
وفي مقابل هذا العنصر الخبيث نجد في الأمة أنموذجا طيبا آخر، هو صهيب بن سنان وأمثاله من المجاهدين المخلصين، أراده المشركون على الكفر، فأبى، وأخذوا ماله، وفرّ بدينه إلى المدينة، فأنزل الله في شأنه:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٠٧]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)
«١» [البقرة: ٢/ ٢٠٧] أي رؤف بعباده حيث كلفهم الجهاد في سبيل الله، فعرّضهم بذلك لثواب الشهداء.
قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو رسول الله ﷺ ، فاتّبعه نفر من قريش من المشركين، فنزل عن راحلته، ونثر ما في كنانته «٢» ، وأخذ قوسه، ثم قال: «يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. قالوا: دلّنا على بيتك ومالك بمكّة ونخلّي عنك، وعاهدوه إن دلّهم أن يدعوه، ففعل، فلما قدم على النّبي ﷺ قال: «أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع» وأنزل الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ.
وقال المفسّرون: أخذ المشركون صهيبا فعذّبوه، فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير، لا يضرّكم، أمنكم كنت أمّن من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟
ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة، فتلقاه أبو بكر وعمر ورجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى، فقال صهيب: وبيعك، فلا بخس، وماذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه هذه الآية.
стр. 100
اتّباع جميع أحكام الدّين
الإسلام وأحكامه دين الله وشرعه الذي لا يتجزّأ ولا يختلط بغيره، فهو بمثابة المظلة الواقية من الضلال والانحراف والشّر والسوء، والعاصم من كل أذى وضرر، فمن كان مسلما بحق اتّبع جميع أحكام الدين، والتزم كل ما شرعه القرآن الكريم، فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه.
لذا أمر الله المسلمين وغيرهم أن يستسلموا لله تعالى ويطيعوه في الظاهر والباطن، وأن يدخلوا في الإسلام كله، ولا يخلطوا به غيره. قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٠٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٠٨] .
والمراد بالسّلم في الآية: الإسلام، فعلى من آمن بالإسلام دينا العمل بجميع فروعه وأحكامه، فلا يؤمن من يعمل ببعض أحكامه كالصلاة والصيام مثلا، ويترك بعض الأحكام الأخرى كالزكاة والجهاد والحكم بكتاب الله وحدوده، وترك الحرام كله ومنع الخمر والرّبا والزّنا والرشوة والظلم.
قال ابن عباس: نزلت هذه في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنّبي ﷺ ، آمنوا بشرائعه وشرائع موسى، فعظّموا السبت، وكرهوا لحوم الإبل (الجمال) وألبانها بعد ما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنّبي ﷺ :
إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ...
ثم هدّد الله تعالى في الآيات التالية بالانتقام من المائلين عن الحق، المبتعدين عن
стр. 101
الإسلام، بعد ما جاءتهم الآيات الواضحات والحجج البيّنات، وهل ينتظر هؤلاء المبتعدون عن شرع الله، الخارجون عن أمر الله إلا أن يأتيهم عذاب الله، وتأتيهم الملائكة بما قدّر الله وأراده لهم.
ثم قرّع الله ووبّخ بني إسرائيل على تركهم الآيات التي جاءت بها الرّسل الكرام السابقون، وبخاصة موسى وعيسى، ووبّخهم أيضا على عدم الإيمان بشريعة الإسلام، مع إقامة البراهين والمعجزات الدّالة على صدق النّبي محمد ﷺ ، فكل من يغيّر نعمة الله التي توصّل بها إلى الهداية والخير، فيستعملها في الكفر والضلال والعصيان، فليستعدّ لعقاب الله الشديد الصارم.
وأرشدت آيات القرآن إلى أن سبب عدم اتباع أحكام الدين هو الحرص على الدنيا، ومحبّتها، وتحسينها في أعين الكفار، والافتتان بها، والاستهزاء بالمؤمنين والسخرية منهم، مع أن للمؤمنين الدرجة العالية يوم القيامة، وهم فوق الكفار في الدرجة والقدر، إذ هم في أعلى عليّين، والكفار في أسفل السّافلين، ونبّه القرآن الكريم إلى أن الرزق ليس على قدر الإيمان والكفر، وإنما يرزق الله من يشاء، ولو كان كافرا عاصيا، ويقتّر الرزق على من يشاء، ولو كان مؤمنا طائعا لأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة. قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٩ الى ٢١٢]
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٢٠٩- ٢١٢] .
стр. 102
الحاجة إلى الأنبياء والرّسل
لقد ثبت في التاريخ الإنساني أن الناس لم يتمكّنوا بمجرد عقولهم وخبراتهم وتجاربهم وفطرتهم البدائية أن يعرفوا الحلّ الأمثل والتشريع الأفضل الذي يحتكمون إليه في منازعاتهم وخلافاتهم، ليتوصلوا إلى الوحدة والانسجام، والسكينة والاطمئنان، والسعادة والاستقرار. فكان من الضروري وجود الهداية الإلهية والإرشادات الرّبانية لإنقاذ الناس من الضلالة والانحراف إلى نور الحق والإيمان، وصار من المؤكد أن الاهتداء بهدي الأنبياء والرّسل ضروري للبشر، وتبين فعلا أن الدين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة النوع الإنساني، والمصلح لأمر الحياة، والمقوّم لاعوجاج البشر، يوحّد بين الآراء، ويجمع العقول والأفكار، وينبّه إلى ما فيه المصلحة الحقيقة، ويبعد عما فيه شرّ وفساد، وزيغ وانحراف.
قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٣]
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)
«١» [البقرة: ٢/ ٢١٣] .
ومعنى الآية أن الناس كانوا في بداية أمرهم على السواء على الفطرة الساذجة، والبدائية العقلية، يتصرفون في حياتهم ومعايشهم وعلاقاتهم الاجتماعية بحسب الرغبات الذاتية والغرائز البشرية، لا يعرفون منهج الحياة الأفضل، ولا مستوى المدنية والحضارة الأرقى، ولا شيئا عن الأنظمة والشرائع التي تنظم علاقات الناس، وتجعلهم يعيشون في راحة وطمأنينة، بعيدين عن المنازعات والخلافات التي تهدّد وجودهم وتضعف شأنهم، فجاءت الشرائع الإلهية على يد الأنبياء والرّسل يبشّرون
стр. 103
الناس بالخير والسعادة، وينذرونهم من الشّر والأهواء، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، لأن استسلام الناس إلى عقولهم بلا هدي إلهي مما يدعو إلى الشقاق والنزاع والانحراف والاضطراب والقلق، فكثيرا ما حالت الأوهام والمصالح الذاتية بين الناس وبين الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام التشريعية المنظمة لشؤون المجتمع.
وأنزل الله تعالى مع الأنبياء والرّسل الكتب الإلهية القائمة على الحق والعدل والرحمة والمصلحة الحقيقية، ليحكم الله بين الناس فيما اختلفوا فيه من أمور دنياهم ودينهم، ولم يقع الاختلاف في الدين بين العلماء وأهل النظر في الكتاب الإلهي إلا بسبب البغي والحسد والطمع في الدنيا وزينتها، أما الذين آمنوا وأخلصوا دينهم لله، وعملوا صالحا من أنفسهم، وثابوا لرشدهم فهداهم ربّهم للحق بإذنه وإرادته، والله مصدر الخير يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
عاقبة الصّبر على الدعوة إلى الله
تعرّض النّبي ﷺ والمؤمنون من أصحابه لمختلف أنواع الأذى والاضطهاد والتعذيب، فصبروا وصابروا، وكافحوا وجاهدوا، حتى ظفروا وانتصروا، وتحققت لهم الآمال الكبرى والغايات السامية. قال الله تعالى مبيّنا هذا الموقف المشرّف للرسول وصحابته:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٤]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
«١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٢١٤] .
стр. 104
ذكر العلماء سببين لنزول هذه الآية، فقال قتادة والسّدّي: نزلت في قصة الأحزاب، حين حاصر المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه في المدينة. نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين من الجهد والشدة، والحر والبرد وسوء العيش وأنواع الأذى، وكان كما قال الله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ٣٣/ ١٠] .
وقال عطاء وجماعة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين الذين أصيبت أموالهم بعدهم في بلادهم، وفتنوا هم قبل ذلك. لما دخل رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، اشتدّ الضّر عليهم، بأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ..
الآية.
خوطب الرسول ﷺ والمؤمنون معه بهذه الآية، حثّا لهم على الثبات والمصابرة على مخالفة الكفار، وتحمل المشاق، مع بيان عاقبة الصبر. وكان ذلك من قول الرسول ﷺ بقصد استعجال النصر، لا لسبب الشّك والارتياب في وعد الله وعدله.
ومعنى الآية أتظنون أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة، ولما تتعرفوا على أخبار من مضى من قبلكم من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين؟ فأنتم لم تتعرضوا للمحنة والبلاء مثل ابتلائهم، مسّتهم الشدة والخوف والفقر والألم والأمراض، تعرضوا للبأساء أي الفقر، وللضّراء أي المرض والمصائب، وزلزلوا أي أزعجوا إزعاجا شديدا بأنواع البلايا، حتى اضطرهم الألم والكرب إلى أن يقول الرسول- وهو أعلم الناس بصدق وعد الله، وأوثقهم بنصره- ويقول المؤمنون المقتدون به من غير أي شك بإنجاز وعد الله: متى يأتي نصر الله للمؤمنين؟ فكاد صبرهم ينفد من هول ما لاقوا، فأجيبوا:
стр. 105
ألا إن نصر الله قريب الحصول، مؤكد الوقوع، ولكن في الوقت الذي يريده الله، وبحسب مقتضى الحكمة الإلهية التي يعلم بها الله، وقدّم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدّم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان والحدوث قبل قول الرسول ﷺ ذلك القول.
ترشيد الإنفاق
المال حصيلة الجهد الإنساني، وأمانة عند صاحبه، فلا يجنيه إلا من كسب حلال مباح، ولا ينفقه إلا في موضع مشروع يفيد المالك والمجتمع. فإذا ما أنفق الإنسان ماله في طرق غير مشروعة وبذّر ماله ذات اليمين وذات الشمال، خسر وندم، وأضاع ماله، وخان الأمانة، ولم يرع حق الله في ماله.
والعاقل الرشيد الذي ينفق ماله فيما يجب عقلا وعرفا وشرعا، ويختار الأفضل، ويراعي الألزم والأوجب لمن يحتاج للنفقة، وهؤلاء العقلاء الراشدون يسألون عادة عن وجوه الإنفاق السليمة وعمن هو أحق الناس بالنفقة،
وقد سأل جماعة من المؤمنين النّبي ﷺ عن مقدار ما ينفقون وعن بيان الجهة التي ينفقون فيها، نفقة التطوع، لا الزكاة الواجبة المفروضة. وكان أحد السائلين عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا يتصدق، وعلى من ينفق؟ فنزلت الآية الكريمة في سورة البقرة:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٥]
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
[البقرة: ٢/ ٢١٥] .
ومعنى الآية: أيّ مقدار تنفقونه قليلا كان أو كثيرا من المال، فهو لكم وثوابه خاص بكم، ومن أفضل ما تنفقون العطاء للوالدين والأولاد والزوجات لأنهم
стр. 106
القرابة القريبة، ثم للأقارب الأباعد، الأقرب فالأقرب، ثم لليتامى والمساكين وابن السّبيل، يعطون من هذا المال، وما تنفقوا من خير مطلقا، فإن الله سيجازي به لأنه عليم بكل شيء.
إن النفقة على الوالد والولد والزوجة وغيرهم له ثواب عند الله في الدار الآخرة، وإن كان واجبا شرعا وعرفا على الإنسان، وهذا من مزايا الإسلام وفضائله: أن المرء يقوم بواجبه، ومع ذلك يثاب عليه ويعدّ ذلك في سجل حسناته.
وقد بيّن النّبي ﷺ أولويات النفقة وترتيب المستحقين لها
فقال فيما أخرجه مسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك» .
وذكر الرّواة الثّقات سببا آخر للآية السابقة،
قال عطاء: نزلت الآية في رجل أتى النّبي ﷺ فقال: إن لي دينارا، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: إن لي دينارين، فقال:
أنفقهما على أهلك، فقال: إن لي ثلاثة، فقال: أنفقها على خادمك، فقال: إن لي أربعة، فقال: أنفقها على والديك، فقال: إن لي خمسة، فقال: أنفقها على قرابتك، فقال: إن لي ستة، فقال: أنفقها في سبيل الله، وهو أخسّها، أي أقلّها أجرا.
يدلّ هذا الحديث على أن الإنفاق على الأسرة أفضل وجوه الإنفاق.
وتكون نفقة التطوع بعد النفقات الواجبة مما هو زائد عن الحاجة وهي سنة، لقوله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) [البقرة: ٢/ ٢١٩] .
стр. 107
تشريع القتال وثوابه
أبان القرآن الكريم أن القتال أو الجهاد في سبيل الله، وإن كان مكروها للنفس البشرية، ففيه خير كبير للأمة، لأنه إعلاء لكلمة الله والإسلام، ودفع للظلم، ورفع لمنارة الحق والعدل، وسبيل لطرد المعتدين واسترداد الحقوق المغتصبة، وعسى أن يحب الناس شيئا، والواقع أنه شر مستطير عليهم، وعسى أن يكره الناس شيئا والواقع أن فيه خيرا عظيما لهم، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٦]
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)
«١» [البقرة: ٢/ ٢١٦] .
ثم بيّن القرآن الكريم أن انتهاك حرمة الشهر الحرام أخف من فتنة الناس عن دينهم، والأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم ورجب. وصدّ الناس عن سبيل الله وعن الإسلام، وقتل المسلمين وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، ومنعهم عن المسجد الحرام وعن أداء الحج والعمرة وإخراج أهله منه، وهم النبي ﷺ وأصحابه، كل واحدة من هذه الجرائم التي ارتكبها المشركون، أكبر إثما، وأعظم جرما عند الله والناس، من القتال في الشهر الحرام. قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٧]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)
«٢» [البقرة: ٢/ ٢١٧] .
أوضح الزهري سبب نزول هذه الآية فقال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن
стр. 108
جحش، ومعه نفر من المهاجرين، فقتل عبد الله بن واقد الليثي عمرو بن الحضرمي في آخر يوم من رجب، وأسروا رجلين، واستاقوا العير (الإبل) فوقف على ذلك النبي ﷺ وقال: «لم آمركم بالقتال في الشهر الحرام» . وقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... الآية، إلى قوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
أي قد كانوا يقتلونكم وأنتم في حرم الله بعد إيمانكم، وهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم في الشهر الحرام مع كفرهم بالله.
ثم أوضح القرآن المجيد ثواب المجاهدين في سبيل الله كعبد الله بن جحش وصحبه في القصة السابقة، فهؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله، وفارقوا الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه ونصرة الحق والعدل، ولحقوا بالنبي ﷺ ، وجاهدوا في الله حق جهاده، هؤلاء لهم الدرجات العلا عند الله، والله يكافئهم ويجازيهم أحسن الجزاء، ويغفر لهم خطاياهم ويرحمهم بفضله وإحسانه، وهو الغفور الرحيم، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)
[البقرة: ٢/ ٢١٨] .
هنيئا لهؤلاء المجاهدين المقاتلين أعداءهم لدفع العدوان، واسترداد الحق السليب.
حكم الخمر وبيان مضارها
التدرج في التشريع في صدر الإسلام من خصائص التشريع الإسلامي أخذا بالمبدأ التربوي الذي يعالج الأمر شيئا فشيئا، لإعداد النفس على تقبل الأحكام، والانتقال تدريجا من الأيسر والأسهل إلى الوسط ثم إلى الأشد الأكمل. وهكذا كان تحريم
стр. 109
الخمر، فإنها حرمت بالمدينة وكانت تصنع من العسل والزبيب، والتمر والشعير والقمح، وأنزل الله في الخمر آيات أربعا تدرجت بالعرب لتنقلهم مما ألفوه إلى حكم الشرع النهائي. وأول آية بدأت بالتعريض بالخمر قول الله تعالى:
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: ١٦/ ٦٧] .
وصف تناول العنب والتمر على سبيل التفكه الطازج بالحسن ولم يوصف السّكر بذلك مما يدل على التفرقة بينهما. ثم جاء عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)
«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢١٩] .
ويلاحظ أن الإثم في الخمر: ذهاب العقل والسباب والافتراء وإيذاء الآخرين، والتعدي عليهم في أعراضهم وكراماتهم، والمقصود بالمنافع: كسب الأثمان والنفع التجاري، ولما أخبر الله أن الإثم أكبر من النفع أو اللذة، وأعود بالضرر في الآخرة، كان ذلك تقدمة أو تمهيدا للتحريم.
ثم منع الله المصلين من أداء الصلاة حال السكر، لأنهم لا يعقلون ما يقولون، فقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) [النساء: ٤/ ٤٣] .
стр. 110
ثم أنزل الله تعالى آية تحريم الخمر تحريما قاطعا، مع بيان أسباب التحريم فقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ- رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) [المائدة: ٥/ ٩٠- ٩١] .
والأمر باجتناب الخمر والميسر يدل على التحريم وزيادة: وهو التنفير من الاقتراب منها، والبعد عنها بعدا شديدا، لأن تناول الخمر مضيعة للمال، مذهبة للعقل، تدمير للصحة، فهي كما أثبت الأطباء تلحق أضرارا شديدة بجميع أجزاء جهاز الهضم، فضلا عن أضرارها الأدبية حيث يصير السكران موضع استهزاء وسخرية واحتقار لما يصدر عنه عادة من كلام الهذيان، بسبب ضياع عقله واهتزاز أفكاره، وفقد توازن شخصيته، لذا حرّم الله الخمر والمخدرات كالأفيون والحشيش والهراوين، لما فيها من الأضرار،
وقال النبي ﷺ : «مدمن الخمر كعابد الوثن» «الخمر أم الخبائث» والكبائر، و «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» و «ما أسكر كثيره فقليله حرام» و «لعن الله الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها» .
فهذه آثام كثيرة، وكل من ساعد في شرب الخمر حكمه وإثمه كحكم وإثم الشارب تماما، وهكذا يتبين ما للخمر من أضرار شخصية واجتماعية ومالية، ففيها ضرر للفرد والجماعة وفي شرائها تبديد للثروة والمال من غير أي نفع.
تحريم الميسر (القمار) وأضراره
حرم الله الميسر (القمار) كما حرم الخمر، وقرن في آيات التحريم بين الخمر والميسر، لما فيهما من تضييع الأموال وإتلاف الثروات، فقال الله تعالى: