[إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة]
قال رحمه الله تعالى: (والرؤية حقٌّ لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربِّنا: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة ٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى، وعلمه)
أي رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم ثابتة وواقعة، فيجب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربَّهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم.
وقوله: (بغير إحاطة) أي: يرونه ولا يُحيطون به، فلا يرونه رؤية يدركونه بها من كل وجه، فهو تعالى أعظم من أن يُحيطَ به العباد، فإنهم: «لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا» [طه: ١١٠]، وكذلك لا يُحيطونَ به رؤية، قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] يعني: لا تُحيطُ به الأبصار.
وقوله: (ولا كيفية) هذا يصح إن أريد به نفي العلم بالكيفية، وإلا فرؤية المؤمن لربه لها كيفية، وله تعالى كيفية، لكن لا نعلمها، فالنفي للكيفية مُتعلِّقٌ بالعلم، فيكون المعنى: بغير إحاطة ولا كيفية معلومة لنا.
ومسألة الرؤية، مسألة عظيمة افترقت فيها الأمة، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم، يرونه في عرصات القيامة ـ يعني: في مواقف القيامة ـ، ويرونه في الجنة، كما يشاء ، يرونه ويسعدون، وينعمون بالنظر إلى ربهم، «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وفي الآية الأخرى: «عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» [المطففين: ٢٣ - ٢٤].
стр. 107
وقد دلَّ على مسألة رؤية المؤمنين لربهم القرآن، والسنة المتواترة عن النبي ﷺ (١)، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة؛ فأما القرآن فأصرح دليل في ذلك آية سورة القيامة التي ذكرها المصنف: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ» أي: بهيَّةٌ مشرِقَةٌ حسنةٌ «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» يعني: تنظر إلى ربها، وهذا الفعل: «نَظَرَ» يأتي على وجوه في اللغة العربية (٢):
يأتي متعدِّيا «بنفسه» فيكون بمعنى الانتظار، قال تعالى: «هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ» [الأعراف: ٥٣] أي: هل ينتظرون إلا تأويله.
ويأتي متعدِّيا بـ «في» فيكون معناه: التفكر، قال تعالى: «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأرض» [الأعراف: ١٨٥] وقال تعالى: «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ» [الروم: ٨].
ويأتي مُعدَّا بـ «إلى» فيُرادُ به نظر العين، قال تعالى: «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ» [ق: ٦] وقال تعالى: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ» [الغاشية: ١٧].
ومما أُستُدلَّ بها على إثبات الرؤية من القرآن قولُه تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ» [يونس: ٢٦]، وقد بيَّن النبي ﷺ أن الزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم (٣)، وفي معناها: قوله تعالى: «لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ» [ق: ٣٥] (٤) كما استدل أهل السنة بقوله تعالى في الكفار: «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» [المطففين: ١٥]، فلو كان المؤمنون لا يرونه؛ لاستووا هم والكفار.
ومما استُدلَّ به من القرآن قوله تعالى: «عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ
стр. 108
فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» قيل: ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينظرون إلى الكفار وهُم يُعذَّبون، فيغتبطون بنعمة الله عليهم أن نجَّاهم وعافاهم، وقيل: ينظرون إلى ما أعطاهم الله من النعيم، وقيل: ينظرون إلى ربهم، أقاويل في تفسيرها للسلف (١) كما هي عادتهم يذكرون بعض ما تدلّ عليه الآية، قال ابن القيم ﵀: ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى: ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون. (٢)
وأما السنة فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ في إثبات الرؤية، ومن ذلك قوله ﷺ : حين سألوه: هل نرى ربنا؟ قال: (هل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك) (٣)، وقال ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُون في رؤيته) (٤)
إذًا؛ رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وهي من مطالب المؤمنين، ومما يرجون الفوز به، ولهذا جاء في دعاء النبي ﷺ : (أسألك لذة النظر إلى وجهك) (٥).
стр. 109
ومع هذه الأدلة قد عَميَ عنها من لبَّسَ عليهم الشيطان، فأضلَّهم عن سواء السبيل من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم فقالوا: إنه تعالى لا يُرى، وهذا ليس غريبا منهم، فالذين ينفون عن الله كل الصفات حقيق بأن يقولوا: إنه تعالى لا يُرى، بل لعل قولهم: إنه لا يُرى هو من لوازم نفيهم لجميع الصفات؛ لأن نفي جميع الصفات يستلزم نفي الذات، والمعدوم لا يُرى، فقولهم بنفي الرؤية مناسبٌ لمذهبهم في التعطيل.
ومن شبهاتهم في ذلك استدلالهم بقوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] فقالوا: معناه لا تراه الأبصار.
وأُجيب (١) عن هذا بأن قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» نفي للإحاطة، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وعلى هذا فالآية دالة على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنها دالة على إثبات الرؤية من غير إحاطة.
وقد قيل في تفسير هذه الآية: لا تُدركه الأبصار في الدنيا، أو لا تُدركه أبصار الكفار (٢)، وهذان تفسيران مرجوحان:
أولا: لأن الإدراك أخصُّ من مطلق الرؤية، وليس المنفي الرؤية.
ثانيا: إنه على هذا التفسير لابد من التقييد أو التخصيص، أما على التفسير الأول لا تدركه، فالآية على إطلاقها.
ومن صفات ربنا أنه لا تُدركه الأبصار، وهذه صفة سلبية، وتقدم (٣) أن النفي الذي من صفات الله تعالى لابد أن يتضمن ثبوتا،
стр. 110
فأما النفي الذي لا يتضمَّنُ ثبوتا؛ لا يدخل في صفاته تعالى، بل كلُّ نفيٍ في صفاته فإنه مُتضمِّنٌ لإثبات، فنفي إدراك الأبصار له يتضمَّنُ إثباتَ كمال عظمته سبحانه، فلِكمالِ عظمته لا تُدركه الأبصار.
إذًا؛ فهذا نفي مُتضمِّن لإثبات مدح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومعلوم أن كونه الشيء لا يُرى ليس صفة مدح؛ لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا؛ ولأن المعدوم لا يُرى، والمعدوم لا يُمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه» (١).
أما الآيات؛ التي فيها إثبات الرؤية فإنهم يُحرِّفونها، فأظهر آية في الدلالة على إثبات الرؤية: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة: ٢٣] قالوا: ناظرة إلى ثواب ربها، أو يُفسِّرون النظر بالانتظار!
وتقدم (٢) إن هذا لا يتفق مع قاعدة اللغة.
وقد جاء في الحديث: تشبيه رؤية المؤمنين لربهم برؤية الشمس والقمر، فالمشبَّه والمشبَّه به هو الرؤية، فشبَّهَ الرؤية بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئي بالمرئي، فلا يُقال: إن الله تعالى كالشمس والقمر، فقوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون) يعني: ترون ربكم رؤية كرؤيتكم للشمس والقمر، ووجه الشبه بين الرؤيتين:
أولا: إنها رؤية بصرية لا علمية، ونفاة الرؤية يفسرون هذه الرؤية بالرؤية العلمية، ـ أي ـ يزداد علمهم بالله يوم القيامة، لا أنهم يرونه بأبصارهم.
ثانيا: إنهم يرونه في العلو كما يُرى القمران في العلو.
ثالثا: إنها رؤية من غير إحاطة، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة من غير إحاطة، كما أن الناس في الدنيا يرون الشمس والقمر من غير إحاطة.
стр. 111
فماذا يصنعون بهذا الحديث وغيره؟!
يزعمون أنها أخبار آحاد، ومن أصولهم الباطلة: أن أخبار الآحاد لا يُحتجُّ بها في مسائل الاعتقاد!
أو يردونها، طاعنين في بعض رواتها، مع أنهم ليسوا أهلا أن يتكلَّموا في ذلك.
فقول الجهمية والمعتزلة قولٌ باطل مردود بالكتاب والسنة والإجماع، وإنكار الرؤية كفر؛ لأنه إنكار لأمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، إذ إنه جحد لما دلَّت عليه هذه النصوص المستفيضة من القرآن، ومن الحديث، ولما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
وأما الأشاعرة: فيقولون: إنه يُرى لا في جهة! فلا يُرى من فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف!
فأضحكوا عليهم العقلاء، وفتحوا بابًا للمعتزلة فاحتجوا عليهم، وكأنهم ما أثبتوا الرؤية. فقول الأشاعرة فيه تلفيق، وهذه عادتهم، فهم في باب الصفات يثبتون بعضا من الصفات، وينفون كثيرًا منها، وفي الكلام ـ كما تقدم ـ (١) يثبتون الكلام، لكن ليس على الوجه المعقول الذي دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة.
وهكذا الرؤية إثباتهم ليس على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، بل ولا على الوجه المعقول.
وهذا يرجع إلى أن من أصولهم الباطلة نفي علو الله على خلقه، ويقولون: إن الرؤية تحتاج إلى مقابلة.
نعم فليكن، الله تعالى في العلو والعباد ينظرون إلى ربهم كيف شاء .
وقال ﵀: (وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعَلِمَه).
стр. 112
هذه العبارة مضمونها التفويض، يعني: ونحن لا نعلم معاني تلك النصوص، لكن لا يصح أن يُريده المؤلف؛ لأنه أثبت الرؤية، فقال: (بغير إحاطة ولا كيفية) فأثبت رؤية حقيقية، فلا يصح أن يقال: يُريد المؤلف بهذا إنا لا نعلم تفسير ما ورد في هذه النصوص من ذكر الرؤية؛ بل تفسيرها على ما أراد الله!
فإنَّ مراد الله من ذلك أنهم ينظرون إلى ربهم، كما دلت على ذلك السنة الصحيحة الصريحة، فما أراد الله من معانيها معلوم لنا، وما أراد الله من حقائق ذلك وكيفياته هو الذي لا نعلمه، فنحن نعلم مراد الله بقوله: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» [النساء: ٥٨] أنه ذو سمع وبصر، هذا مرادٌ معلوم لنا، والله أراد منا أن نعلمه، فعلَّمنا إياه وعرَّفنا به، وهكذا نقول في الرؤية.
وكذلك قول الرسول ﷺ : (إنكم سترون ربكم) (١) مراده أن نعلم أننا نرى ربنا يوم القيامة.
والذي يظهر لي من مراد المؤلف بالتفسير: معرفة الحقيقة والكيفية؛ فذلك الذي لا نعلمه، كما سيأتي (٢) في الكلام على التأويل، فكأنه قال: وكيفية ذلك على ما أراد الله وعَلِمَه.
стр. 113
[وجوب التصديق بخبر الرسول ﷺ وحمله على مراده]
وقوله ﵀: (وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ ، فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك مُتأوِّلين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا؛ فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه)
يعني: ما جاء عن الله تعالى في كتابه هو على ما أراده وعَلِمَه، وما جاء عن النبي ﷺ وصحَّ من سنته؛ فهو كما قال، فقد قال ﷺ : (إنكم سترون ربكم) فسنرى ربنا كما قال، وهذا معناه التصديق، فما جاء عن النبي ﷺ من الحديث الصحيح فهو حقٌّ كما أخبر، هذا معنى (كما قال) فنحن نؤمن به مصدقين لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ ، وهذا بيان لوجوب الإيمان بما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله ﷺ في هذه المسألة وغيرها.
وقوله: (ومعناه على ما أراد) الكلام في هذا كالكلام فيما قبله، فقوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم) ماذا أراد ﷺ ؟ أراد الرؤية البصرية، ونعلم أنه أراد ذلك يقينا، وليس المقصودُ التفويضَ، فنقول: الله أعلم بمراده ومراد رسوله؛ بل نقول: نعم هو كما قال، ومعناه على ما أراد، ونحن نعلم المعنى الذي أراده من قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم)؛ لأنه يُخاطبنا بكلام واضح مبين مفسَّر لا إجمال فيه ولا إبهام، فلا يجوز أن يكون المراد ستعلمون ربكم؛ لأن العباد يعلمون ربهم وهم في الدنيا قبل أن يموتوا: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا» [طه: ١١٠] يعرفون ربهم أنه خالقهم، وخالق كل شيء، وأنه الله الذي لا إله غيره، فلا يجوز أن يُراد
стр. 114
بقوله ﷺ : (سترون ربكم) يعني: تعلمون، وتكون الرؤية علمية؛ فإنه ﷺ قال: (كما ترون الشمس .. كما ترون القمر .. ) هذا كلام واضح قاطع مبطل لكل التحريفات.
وهذه الكلمات توهم التفويض، لكن لا يصح أن نقول: إن المصنف يُفوِّض في هذه النصوص؛ لأن التفويض لا يجري إلا على مذهب من ينفي حقيقة الرؤية، والمصنف بريء من هذا، فإنه يثبت الرؤية.
وقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا)
التأول بمعنى التأويل، فلا ندخل في ذلك متأولين لتلك النصوص برأينا المحض فنؤولها على خلاف ظاهرها.
قال الإمام ابن تيمية: «إن التأويل صار مستعملا في ثلاثة معان:
الأول: التأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمال مرجوح لدليل يقترن به.
الثاني: التأويل بمعنى: التفسير وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين.
الثالث: التأويل بمعنى: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام». (١)
والمأثور من هذه المعاني هو الثاني والثالث، وأما الأول فهو اصطلاح حادث، وهو نوعٌ من التفسير، لكن الأصل إن الكلام يُحمل على ظاهره، ولا يجوز صرفه عن ظاهره إلا بدليل يجب المصير إليه، فهذه النصوص لا يجوز صرفها عن ظاهرها، بل يجب إجراؤها على ظاهرها، كالقول في سائر نصوص الصفات، وظاهرها هو إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم، ولا يجوز صرفها عن هذا الظاهر؛ لأنه ليس هناك حجةٌ صحيحة توجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها.
стр. 115
وإذا قال الأصوليون: هذا مُأوَّل، أو مُتأوَّل؛ معناه: أنه مصروف عن ظاهره إلى غيره، لكن تارة يكون بحجة صحيحة، فيكون هذا التأويل صحيحا، وتارة يكون ذلك التأويل بغير حجةٍ صحيحة، كتأويل المبتدعة للنصوص المخالفة لأصولهم، فكل تأويلات المبتدعة للنصوص المخالفة لأصولهم من نوع التأويل الباطل، والاسم المطابق لتأويلهم، هو التحريف؛ فإن صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمالٍ مرجوح، أو صرفه عن ظاهره إلى غيره بغير دليل يوجب ذلك، هو من تحريف الكلم عن مواضعه.
قوله: (ولا متوهمين بأهوائنا)
ولا نتوهم فيها خلاف ظاهرها بدافع الهوى؛ فإن من التأويل ما لا دليل عليه غير وهم باعثه الهوى؛ فإن الإنسان إذا كان له هوى في شيء يكون في عقله تصورات واعتقادات تنبعث من هواه، وهذا هو الذي يرمي إليه المؤلف بقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا) فنحرف النصوص ونصرفها عن ظاهرها بموجب آراء وشبهات، بل يجب أن نُجري النصوص على ظاهرها، ونفهمها على موجب ما دل عليه اللسان العربي، وعلى موجب فهم السلف الصالح؛ فإن أي فهم لآية أو حديث يتناقض مع فهم الصحابة، أو فهم السلف الصالح؛ فهو باطل.
وقوله: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، ورد عِلْمَ ما اشتبه عليه إلى عالمه)
هذا تعليل لقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا)، بل نؤمن به على مراد الله، ومراد رسوله ﷺ ، فإن الواجب علينا الإيمان بهذه النصوص، والتسليم لما أخبر الله به، فما علمنا منه آمنا به على ما فهمنا منه، وما لم نعلمه نكل علمه إلى عالمه، هذا هو الواجب على المؤمن إذا ورد عليه آية من كتاب الله، أو حديث صحيح عن رسوله ﷺ يجب عليه أن يؤمن به فورا ولا يتوقف، فهم معناه أو لم يفهمه، يجب أن يقابل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ بالإيمان والإذعان.
стр. 116
فإنه ما سلم عبدٌ في دينه؛ إلا إذا انقاد لله بالتصديق وإخلاص العبادة، وانقاد للرسول ﷺ بالتصديق والمتابعة، ومن عارض النصوص بعقله فليس عابدا لله تعالى، ولا متبعا لرسوله ﷺ ، بل متبع لهواه، قال الله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ» [النجم: ٢٣] وكل أهل الباطل ينطلقون من هذين الأصلين: الظن، أو الهوى.
فمذاهبهم مبنية على الظنون، والخَرص، وليست مبنية على حجج وبينات، بل على شبهات واهيات، وعلى الهوى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ»، «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» [الأنعام: ١١٦]، «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ» [القصص: ٥٠] فإنهم قد يكونون على علم بالحق، لكن يمنعهم من اتباعه الهوى، وقد يضلون عن الحق بسبب ظنونهم، وآرائهم، وشبهاتهم، وفي كثير من الأحيان يجتمع الأمران: فيكون الباعثُ على ذلك الباطلِ الشبهةُ والهوى؛ فالذين يُحكِّمون عقولهم ـ مثلا ـ في باب الصفات؛ كالجهمية والمعتزلة أصلهم هو تحكيم العقل الفاسد؛ لأن العقل الصحيح لا يُناقض النقل الصحيح أبدًا، لكنهم حكَّموا عقولهم الفاسدة، ولو حكَّموا العقل الصريح لكان موافقا لما جاءت به الرسل، «فإن الرسل لا يأتون بما تُحيلُهُ العقول أبدًا، لكن قد يُخبرون بما لا تدركه العقول، أو بما تحار فيه العقول، ولا يأتون بما تقطع العقول السليمة ببطلانه» (١).
فما تأتي به الرسل إما أن يكون العقل شاهدا ومصدقا على صدقه وحسنه، أو يكون العقل واقفا جاهلا، والجاهل عليه أن ينقاد ويُسلِّم.
стр. 117
فأخبار الرسل دائرة بين الأمرين، أما شيء يُحيله العقل فلا والله لا تأتي به الرسل؛ لأن العقل الصريح والقضايا العقلية القطعية لا تتناقض، والحق لا يتناقض، وهذه القضية الكبيرة أعني: الوفاق بين العقل والنقل، ألَّف فيها الإمام العلم شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم: (العقل والنقل) أو (درء تعارض العقل والنقل) الذي قال فيه ابن القيم:
وَاقرَأ كِتَابَ العَقلِ وَالنَّقلِ الذِي … مَا فِي الوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِ (١)
يعني في بابه.
стр. 118
وقوله: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ورد عِلم ما اشتبه عليه إلى عالمه).
هذا فيه تقرير وجوب التسليم لله، والانقياد لحكمه، وحكم الله نوعان:
حكم كوني.
وحكم شرعي.
ويجب على العبد الرضا عن الله في تدبيره وحكمه الكوني وحكمه الشرعي، فلا يعارض حكم الله برأي ولا ذوق ولا استحسان، هذا بالنسبة للحكم والقضاء الكوني.
وأما الأمور المكونة والمقضية فهذه يجب أن يعمل فيها من حيث الاستسلام والدفع والطلب بموجب الشرع، فيحكم شرع الله، فما أمره الله بفعله فعله، وما أمره بتركه تركه، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويأتي ما أمره الله به، ويذر ما نهاه الله تعالى عنه، ويصبر على ما أوجب الله عليه فيه الصبر، ويدفع ما أوجب الله عليه دفعه من المكروهات.
وهذه الأعمال من طلب أو دفع للمقدرات تجري فيها الأحكام التكليفية: الواجب والمحرم والمكروه والمستحب والمباح.
فلا بد من التسليم لحكم الله؛ بالرضا بحكمه وتدبيره، وأنه حكيم عليم، وذلك بعدم الاعتراض عليه في قضائه الكوني وقضائه الشرعي.
стр. 119
وجهلة الصوفية وغلاتهم يرون أن من التسليم للقدر الاستسلام لكل ما يجري على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما يجري عليه، ولا يدفع شيئا من المكروه، حتى يقول قائلهم: إن العارف لا حظ له! أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل!
قال الإمام ابن تيمية: «فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه». (١) وهذا كلام باطل، ولا يمكن تحقيقه في الواقع أبدا.
[وجوب التسليم لحكم الله تعالى ورسوله ﷺ ، وتقديمه على الآراء]
وقوله: (ما سلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ) كأنه يظهر من سياق الكلام أنه يريد التسليم لشرع الله في المسائل العلمية الاعتقادية، وفي المسائل العملية؛ فإن الدين يتضمن قسمين:
اعتقادات، وأعمال، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ» [التوبة: ٣٣] الهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمَاً» [الأنعام: ١١٤]، «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» [الأنعام: ٥٧]، قال تعالى: «وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدَاً» [الكهف: ٢٦]، قال تعالى في تحكيم الرسول: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً» [النساء: ٦٥] لا بد من التسليم لحكم رسول الله ﷺ ، وقبوله بانشراح صدر، وطيب نفس، لا يتحقق الإيمان كاملا إلا بهذه الشروط: «حَتَّى يُحَكِّمُوكَ» وذلك بالإيمان به، وأن ما جاء به حق من عند الله، وأن ما حكم به في كل مسائل الدين هو الحق والعدل والصواب، فإنه ﷺ إنما يحكم بشرع الله وحكمه، «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ» [النساء: ٨٠]، «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» [الحشر: ٧]، «ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً» [النساء: ٦٥].
стр. 120
وقد خرج عن هذا السبيل المبتدعة على اختلاف بدعهم، فلم يقنعوا بما جاء به الرسول ﷺ ، فالمعطلة يرون أن كل ما في القرآن والسنة من صفات الرب ؛ ليس المراد منها ظاهرها، وأهل التفويض يرون أنها لا معنى لها، وهذا خروج عن تحكيم الرسول ﷺ ، وعن الرضا بحكمه، والتسليم له، فعندهم أن الحق في معرفة الله، وفيما يجوز عليه وما لا يجوز عليه؛ هو ما عرفوه بعقولهم، ومضمون هذا الكلام أن الرسول ﷺ لم يبين للناس ما يجب أن يعتقدوه في ربهم، فترك هذا العلم العظيم الذي هو أهم العلوم وأجل المطالب بلا بيان.
وقد فند شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة العقيدة الحموية (١) هذا التصور الساقط الباطل، وذكر وجوها من دلالات العقل على بطلان هذا القول، فكيف يبين الرسول ﷺ كل صغير وكبير للناس حتى آداب قضاء الحاجة، ثم لا يبين ما يجب على العباد أن يعتقدوه في ربهم؟! هذا من أبطل الباطل.
ومن الوجوه التي ذكر: «إن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصل الدين» (٢)؛ لأنهم يقولون: إن نصوص الأسماء والصفات ظاهرها التشبيه، ثم يلجئون للتخلص من ذلك إما بالتفويض فيقولون: هذه نصوص الله أعلم بمراده منها، فنحن لا نفهمها وليس علينا أن نتدبرها، بل علينا أن نتلوها ألفاظا، والأكثرون منهم يسلكون طريق التأويل، وهو
стр. 121
تفسير النصوص بمعان بعيدة مخالفة لظاهرها، ولما دلت عليه سائر النصوص الأخرى الموضحة لها، فكل الآيات والأحاديث الواردة ـ مثلا ـ في اليدين مؤولة عندهم بخلاف ظاهرها، فيجعلون ذلك كله من قبيل المجاز والتخييل، وهذا كله ضد التسليم للرسول ﷺ ، فحكموا عقولهم، ولم يحكموا النبي ﷺ ، فضلوا ضلالا بعيدا، وهذا ما يتضمنه قول المؤلف: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ، ورد ما اشتبه عليه علمه إلى عالمه) وهذا هو الواجب، فما خفي على الإنسان فهمه وأشكل عليه؛ فعليه أن يقول: الله أعلم، والله تعالى يعلم نبيه ﷺ ويعلمنا بقوله: «قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ» [الكهف: ٢٢]، «قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا» [الكهف: ٢٦]، «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» [الإسراء: ٣٦] فالواجب على المكلف فيما لم يعلم أن يفوض علم ذلك إلى الله.
وقوله: (ورد ما اشتبه عليه علمه إلى عالمه) فهناك أمور استأثر الله بعلمها، كحقائق ما أخبر الله سبحانه عن نفسه من أسمائه وصفاته، وحقائق اليوم الآخر، فهذا كله مما يخفى على العباد ولا يمكنهم معرفته؛ فالواجب في هذا هو التفويض، ورد علم ذلك إلى الله.
أما معاني النصوص؛ فالأصل أنها كلها يمكن فهمها، فما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عن اليوم الآخر هذه لا بد أن تكون معلومة لنا من جهة معانيها، لكن قد يخفى بعضها على بعض الناس في بعض الأحوال، فهنا قبل أن يعرف المراد، يرد ما اشتبه عليه؛ فيقول: الله أعلم به، ثم هذا لا يمنع التدبر والبحث لمعرفة المراد، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في القاعدة الخامسة من الرسالة التدمرية (١) «إنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه»
وقوله: (ورد ما اشتبه عليه علمه إلى عالمه) هذا أدب رفيع، وهو مقتضى علم العبد بربه وعلمه بنفسه، فلا يتجاوز حده فيدعي علم ما
стр. 122
لا علم له به، ولا يتكلف في البحث عما لا سبيل إلى معرفته، فما علمه قال به واعتقده وآمن به، وما خفي عليه رد علمه إلى عالمه.
وقوله ﵀: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحيح الإيمان)
هذا تعبير فيه شيء من التشبيه والاستعارة على طريقة أهل البيان، فقوله: (لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم) فيصور المؤلفُ الإسلامَ كأن له قدم يقوم عليها، والتسليمَ بأنه مركب ثابت إذا اعتمد الإنسان عليه استقر وأمن من السقوط والاضطراب.
فلا يستقر إسلام العبد، وتحصل له الطمأنينة إلا إذا ثبتت تلك القدم على ظهر التسليم.
والاستسلام، والتسليم معناهما متقارب، قال تعالى: «وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ» [لقمان: ٢٢]
الإسلام: الاستسلام والانقياد، وهذا يقتضي عدم المنازعة؛ لأن من ينازع لم يسلم، وهذا الكلام يؤكد قولَه السابق: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ).
والتسليم أصل مهم، فإذا أصَّلت أصل الدين: الإيمان بالله ورسوله وكتابه، والإيمان بالله يتضمن أنه تعالى هو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه موصوف بالكمال منزه عن النقص، فلا ظلم ولا عبث في خلقه وشرعه وقدره؛ بل هو تعالى حكيم في ذلك كله، إذا حققت هذا؛ فكل ما يرد عليك عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ فلا بد أن يقوم على التسليم؛ لأن المعارضة والمنازعة ما تجيء إلا من ضعف الإيمان بعدل الرب، ومن ضعف الإيمان بحكمة الرب.
وكل ما يعارض الحق فهو باطل؛ لكن تارة تكون المعارضة وقحة صريحة، كما يفعل الكفرة أو الذين قد تزلزل إيمانهم، أو كاد أن يزول،
стр. 123
فهؤلاء يتكلمون بالمعارضات في شرع الله وقدره، وأحيانًا لا يتكلم بها لكن تكون في النفس.
والمسلم يجب عليه أن يدفع كل المعارضات التي تخطر بباله، أو يسمعها على ألسن الشياطين، أو ألسن الجاهلين، يدفع ذلك بالإيمان بأن الله تعالى حكم عدل، حكيم عليم.
وهذا لا يقتضي أن الشرع مخالف للعقل؛ بل العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح؛ لكن العقل مع النقل له طاقة وله حدود، فلا يمكن لعقل الإنسان أن يدرك ويحيط بكل شيء؛ بل له حدود يقف عندها؛ لأن الإنسان ناقص، فلا يمكن أن كل سؤال تجيب عليه، أو يجاب عليه، فلا بد من أن تقول: الله أعلم، الله حكيم عليم.
فإذا سلم الإنسان استراح كثيرا وأراح، وما يرد عليك من المعارضات:
إما أن تدفعه بالبينات والحجج الكاشفة لزيف تلك الشبهات الواردة.
وإن لم يتهيأ ذلك لقلة العلم فادفعه بهذا الأصل وقل: آمنت بالله ورسوله، فإن الشيطان يلقي الوساوس في النفوس.
والرسول ﷺ ما ترك شيئا يقرب أمته إلى الجنة، ويبعدهم من النار إلا دلهم عليه، ولا ترك أمرا يحتاجون إليه في دينهم إلا بينه، وقد قال ﷺ : (يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته). (١)
وفي لفظ آخر: (فليقل: آمنت بالله ورسله) (٢)
فهل بعد هذا الوسواس وسواس؟!
فإن ورد عليك ادفعه بسرعة بالعلاج النبوي:
стр. 124
فقاطع الوسواس، ولا تسترسل معه، واترك التفكير، وقل: أعوذ بالله من الشيطان، آمنت بالله ورسله؛ فأنك إذا تفكرت فيه زاد وطمع الشيطان فيك؛ لأنه وجد عندك قابلية للوسواس.
وانظر إلى إيمان الصحابي الذي وجد مثل هذا، فجاء مذعورا يتذمر، ويقول: (يا رسول الله، إني أحدث نفسي بالشيء ما لو أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. فقال النبي ﷺ : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة﴾ (١)
وقال في لفظ آخر: ﴿ذاك صريح الإيمان﴾ (٢)
والمراد كراهة هذا الوسواس، وبغضه والخوف منه، وهذا نابع من الإيمان، فبقدر إيمان العبد وقوته يكون موقفه من تلك الأفكار والوساوس.
وهذا كله يرجع إلى التسليم فأي شبهة، أو فكر، أو خاطر، أو قول يعارض الحق فهو باطل، وهذا المبدأ عصمة للمسلم من كثير من الشرور والشبهات والضلالات.
فالتسليم لله ولرسوله ﷺ ، معتصم للمسلم أمام كل باطل وكل مجادل، فلا يعط لعقله الحرية التي تسمى حرية العقل، وليست حرية للعقل؛ بل عبودية للشيطان، وخروج عن عبودية الله، فليكن هذا الأصل على بالك، فكل ما يخالف الحق الذي جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ فهو باطل من الوهلة الأولى، وليس بلازم أن يكون الإنسان عنده القدرة على تزييف تلك الشبهة، المهم أن الحق عنده ثابت، فما يُدعى أن هذا يعارضه فهو مردود مدفوع، فاعتصم بالحق واثبت عليه واطرح كل ما خالفه.
стр. 125
وأحببت أن أؤكد على هذا فإنه ينفع المسلم ويريح باله عند ورود الشبهات على قلبه، (١) فقد انفتح على الناس أبواب شر في هذا العصر ممثلة في وسائل الإعلام، وفي الشبكة العنكبوتية، فهي وسائل عظيمة الأثر في الخير والشر؛ ولكن أكثر ما تستعمل في الشر؛ لأن أكثر الناس على غير هدى، فكن على حذر مما يطرح في هذه الوسائل، فقد أصبح الناس في فتنة مدلهمة، فكل يستطيع أن يتكلم بما يريد، الملحد والمبتدع والذي ينتسب للسنة فإن من المنتسبين للسنة من تسربت إليه أفكار وتوجهات فيحملها ويحمل لواءها، فيصير ـ والعياذ بالله ـ داعي فتنة، سواء مما يتعلق بالاعتقادات أو بالسلوكيات.
وقوله ﵀: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان).
هذا بيان لأثر عدم التسليم، (من رام) يعني: طلب (ما حظر عنه علمه) يعني: حجب عنه ومنع من علمه، (ولم يقنع بالتسليم) فهو كثير الاعتراض والسؤال، فيقول: ـ مثلا ـ لم خلق الله الحشرات؟ لم خلق الله هذه المؤذيات؟ لم خلق الله الناس هذا دميم، وهذا قصير؟ لم أضل من أضل من الخلق؟ لم أغنى هذا وأفقر هذا؟ في تساؤلات عن حِكِم الله في تقديراته، ففي نفسه اعتراضات!
ومن الأشياء التي تجري على بعض الألسن ـ وهي نابعة من عدم التسليم ـ: (فلان والله ما يستحق أنه يبتلى بهذه الأمراض والأوجاع والمصائب أو يبتلى بالفقر) هذا اعتراض على تدبير أحكم الحاكمين.
وقوله: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم) فيريد أن يفهم كل شيء، وهذا لا يمكن؛ لأن عقل الإنسان له حد، فلا يمكن أن يعرف أسرار الوجود، وتفاصيل حِكِم الله في أقداره، وإن لم يسلم لله؛
стр. 126
(حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان) هذه هي النتيجة، (حجبه مرامه) أي: منعه طلبه وتكلفه، معرفة ما هو محجوب عنه، عن خالص التوحيد وصحيح الإيمان، فالتكلف وطلب ما لا سبيل إلى معرفته ينافي تحقيق التوحيد، فتحقيق التوحيد يقتضي التسليم؛ لأن التسليم والاستسلام لله هو موجب التوحيد والإيمان الصحيح والمعرفة الحقة، قال تعالى: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولَاً» [الإسراء: ٣٦]، «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة: ١٦٩] ومما يأمر به الشيطانُ أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم.
стр. 127
[سوء عاقبة من لم يسلم لخبر الله تعالى ورسوله ﷺ -]
وقوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها، شاكا زائغا).
من (لم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه … ) فيبقى متذبذبا مترددا كحال المنافق «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ» [النساء: ١٤٣] بين المؤمنين والكفار «لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ» [النساء: ١٤٣] فبسبب عدم التسليم والانقياد لما جاء به الرسول ﷺ يبقى مترددا.
وقوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان) إما أنه يقع في الكفر الأعظم فِعلا فيصير مرتدا ثم يرجع، وهذا يحصل تارة ظاهرا، كما قال الله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرَاً» [النساء: ١٣٧].
ويحصل تارة داخل القلب فقط، فلا يتبين أمره، وقد يرجع إلى الإيمان، وقد لا يرجع ـ والعياذ بالله ـ، وقد يتردد ويكون عنده حالة من الحرج والضيق فيما جاء وحكم به الرسول ﷺ ، ولهذا قال سبحانه: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ» [النساء: ٦٥].
وقوله: (والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار) هذه الكلمات متقاربة، فالكفر يكون بالتكذيب والإنكار، والإيمان يكون بالتصديق والإقرار، فهذا تنويع في التعبير، وإن كانت الألفاظ مختلفة المعاني لكنها متلازمة.
стр. 128
وقوله: (موسوسا تائها)
فيبقى متذبذبا بين هذه الأضداد (موسوسا تائها) فالوساوس التي يلقيها الوسواس الخناس تجعله في حيرة، فما يخطر بالبال من شبهات وأفكار تعارض الحق كلها من إلقاء الشيطان، فهو مسلط على الإنسان، والإنسان مبتلى بالشيطان، هو عدو خفي، والله أقدره على أن يوسوس للإنسان، والقلب بين حالتين:
بين لَمَّةِ الملك، ولَمَّةِ الشيطان؛ فلمة الملك لقلب المؤمن المسلم، أما الكافر فقد أحاط الشيطان به، وليس للملك فيه لمة، «فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق»، (١) فالشيطان يوسوس، فيبقى هذا المتكلف الذي لم يوفق للتسليم متذبذبا موسوسا، فقلبه في هذه الوساوس فتجعله في تردد، كما قال سبحانه في المنافقين: «فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» [التوبة: ٤٥] فهو يتقلب، فتارة يكون مؤمنا، وتارة كافرا، وتارة حائرا.
وقوله: (شاكا زائغا) أي: مترددا تائها، زائغا منحرفا، قال تعالى: «فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» [الصف: ٥] «وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» [التوبة: ١٢٧] فهذه آثار عدم التسليم، وعكس ذلك من كان مُسَلِّما لله ، ولرسوله ﷺ قد قام دينه على التسليم، فأصبح ثابت القلب ليس عنده تردد ولا تذبذب ولا حيرة ولا قلق، بل هو يسير على صراط واضح مستقيم، يمشي بنور من الله، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 129
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورَاً تَمْشُونَ بِهِ» [الحديد: ٢٨] فالمؤمن الصحيح التوحيد يمشي في هذه الحياة بنور الحق، فيعرف مواقع أقدامه، والطريق الذي يسير عليه «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمَاً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» [الأنعام: ١٥٣] لكن هذا المتذبذب لا يدري أين طريق النجاة، فهو متذبذب متردد بين التصديق والتكذيب والإقرار والإنكار فهو في حيرة دائمة؛ لأن الشك والحيرة عذاب، أما المؤمن فقلبه في نعيم، وكلامنا هذا في إنسان ينتمي للإسلام، أما الكافر فهو غارق في بحر الضلال والكفر، فليس عنده تفكير، وتردد بين حق وباطل وإقرار وإنكار وإيمان وكفر؛ بل عنده كفر خالص وإنكار دائم تام؛ لكن هذا الذي ينتمي للدين، ويدعي الإيمان، ولكنه لم يكن مستقيما مسلما مستسلما، فهذا الذي يحصل له ما يحصل من الاضطراب والقلق، فإما أن يعصمه الله ويثبته ويوفقه؛ فيثبت على الإيمان وينجو من هذه الوساوس والشكوك، وإما أن يقوى في قلبه سلطان الباطل؛ فيصير إلى الكفر دائما ولا يكون عنده تردد.
وقوله: (لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا، ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية ـ وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ـ بترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين).
هذا كأنه كلام معترض من قوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه … ) واسترسل في هذه الكلمات في التأكيد والحث على التسليم والاستسلام والتحذير من ضد ذلك، وبيان الآثار المترتبة على عدم التسليم والاستسلام، فكل هذا الكلام معترض في ثنايا كلامه في تقرير رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وبَيَّن أن من أثبت الرؤية على خلاف ظاهر النصوص، أو تخيل كيفيتها بوهم، أو تأولها بفهم، كما صنع المعطلة نفاة الرؤية، فلا يصح إيمانه برؤية المؤمنين لربهم.
стр. 130
وقوله: (إذ كان تأويل الرؤية ـ وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ـ بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين).
فالصراط المستقيم والمنهج القويم: بترك التأويل الذي معناه: صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره، أو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمال مرجوح.
فتأويل الرؤية يعني: تفسيرها، وتفسير كل معنى يضاف إلى الرب من صفاته بترك التفسير، ومثل هذه العبارة توهم ـ أيضا ـ التفويض، كقول السلف: «أمروها كما جاءت بلا كيف»، فتفسيرها بترك تفسيرها، وهذا لا يقصده السلف، فإنه قد علم أن أهل السنة يثبتون حقيقة الرؤية، وأنها رؤية بصرية، ويصرحون بذلك، ويثبتون لله الصفات بالمعاني المعقولة المفهومة من النصوص، فإذا جاءت مثل هذه العبارات فلا بد أن نفهمها على وجهها الصحيح، أمروها كما جاءت: أجروها على ظاهرها، مثبتين لما دلت على ثبوته، بلا بحث عن الكيفية، ولا تحديد لِكُنْهِ تلك الصفات، وليس المقصود: أمروها ألفاظا من غير فهم للمعنى! هذا باطل؛ لأن معناه أننا ما أثبتنا شيئا.
فتفسيرها أن نجريها على ظاهرها بترك صرفها عن ظاهرها، بترك التأويل في اصطلاح المتأخرين، ونجد في كلام بعض الأئمة مثل نحو هذه الكلمة: الواجب في هذه النصوص عدم تأويلها، أو إجراؤها على ظاهرها بترك التأويل.
وتركُ التأويل ليس تركَ التفسير مطلقا، فيكون كلاما لا يفهم معناه؛ لأن الكلام الذي لا يفهم معناه لا فائدة منه، تعالى الله عما يقول الجاهلون والظالمون علوا كبيرا.
المقصود: أن عبارة الطحاوي من جنس عبارات بعض السلف التي توهم أنه يقرر التفويض وليس كذلك، إذ كيف يقول: (الرؤية حق لأهل الجنة) إذا كانت الرؤية لا تفسر ولا تفهم، فلا معنى لقوله: (حق).
فمن يقول: إن الله خاطب عباده بما لا يفهم منه شيء لا يجوز أن
стр. 131
يتكلم في النصوص بأنها تدل على كذا، أو لا تدل على كذا، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القاعدة الخامسة من الرسالة التدمرية، يقول: (وهؤلاء) يعني: أهل التفويض (قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء، وهذا مع أنه باطل فهو متناقض) إلى آخره. (١)
стр. 132
[مذهب أهل السنة في إثبات الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة]
وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) الناس في باب الأسماء والصفات ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: المعطلة نفاة الأسماء والصفات: الجهمية ورأسهم الجهم بن صفوان ومن تبعه، والمعتزلة ومن وافقهم.
والطائفة الثانية: المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه.
فهما طائفتان متقابلتان على طرفي نقيض، المعطلة يزعمون أنهم بنفيهم للصفات يقصدون تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فأظهروا الباطل بصورة من الحق، فأفرطوا في التنزيه، وتجاوزوا الحدود حتى وقعوا في الإلحاد والضلال البعيد.
والمشبهة أثبتوا لله الصفات لكنهم شبهوه بخلقه، يقول قائلهم: له سمع كسمعنا وبصر كبصرنا، فأفرطوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه.
وكلتا الطائفتين زائغتان عن الصراط المستقيم.
والطائفة الثالثة: أهل الصراط المستقيم ـ أهل السنة والجماعة ـ الذين آمنوا بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله ﷺ ، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبهم بريء من التحريف والتعطيل، والتكييف والتمثيل، ولهذا قال نعيم بن حماد ﵀ ذلك الأثر الجليل: (من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر،
стр. 133
وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه) (١) ليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء؛ بل إثبات الصفات هو التوحيد.
وقوله: (ومن لم يتوق) يجتنب ويحذر (من النفي) نفي الأسماء والصفات، وهو التعطيل، (والتشبيه) من لم يجتنب ويحذر هذين المذهبين الباطلين (زل) زلت قدمه عن الصراط المستقيم (ولم يصب التنزيه) يعني: المعطلة زعموا أنهم ينزهون الله، وما نزهوا الله؛ بل تنقصوه تعالى أعظم تنقص، والمشبهة الذين قالوا: إن الله له سمع كسمعنا، هؤلاء وإن كان مذهبهم باطلا؛ فإنهم خير من المعطلة النفاة، ولهذا قال بعض أهل العلم: (إن المعطل يعبد عدما، والمشبه يعبد صنما) (٢)؛ لأن نفي الأسماء والصفات يستلزم نفي الذات، فكلهم مبطلون؛ لكن الذي يعبد موجودا أعقل من الذي يعبد معدوما.
وقوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية).
المصنف ﵀ يتحرى السجع؛ لأنه يروق للسامع، فهو من جنس الشعر (فإن ربنا موصوف بصفات الوحدانية) هذه الكلمات فيها تنويع في التعبير، وتحسينات لفظية مترادفة تقريبا، والوحدانية نسبة للواحد بزيادة (نون).
وقوله: (منعوت بنعوت الفردانية) نسبة للفرد، (ليس في معناه أحد من البرية) ليس له مِثلٌ من خلقه، فالجمل الثلاث مدلولها واحد، وتتضمن أمرين:
إثبات أنه الواحد.
стр. 134
ونفي الشريك والمثيل عنه ؛ فهو الواحد الذي لا نظير له «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَاً أَحَدٌ» [الإخلاص: ٤].
واسم (الواحد) ثابت في القرآن ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥] وهو الأحد «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [الإخلاص: ١].
стр. 135
[الواجب في الألفاظ المحدثة في صفاته تعالى]
وقوله: (وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات).
كلمة (تعالى) تفيد التنزيه، وجاءت في القرآن في مواضع: « » [الأنعام: ١٠٠]، «تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، وهي من جنس «سُبْحَانَهُ» و «تَبَارَكَ» [الأعراف: ٥٤] فكلها ألفاظ تفيد التنزيه.
(تعالى) تنزه وتقدس، وهذه الألفاظ التي استعملها الإمام الطحاوي ـ عفا الله عنا وعنه ـ لم ترد في كتاب ولا سنة، فليس في شيء من النصوص هذا النوع من النفي، فليته لم يأت بهذه العبارات التي هي من جنس عبارات أهل البدع؛ فإنهم يأتون بألفاظ محدثة ومجملة، والقاعدة في الألفاظ المحدثة المجملة: التوقف عن الحكم على قائلها أو عليها إلا بعد الاستفصال؛ فإن أراد منها حقًا قبلنا ما أراد، وإن أراد باطلا؛ رددنا الباطل، وإن أراد حقا وباطلا؛ وقفنا اللفظ، وقبلنا الحق، ورددنا الباطل. (١)
وهذا الموقف هو موقف العدل والإنصاف، فإن الموافقة على مثل ذلك يؤدي إلى الوقوع في الباطل وموافقة المبطل، والمبادرة بالرد يؤدي
стр. 136
إلى رد الحق؛ لأن المتكلم بذلك قد يريد حقا، فكان التوقف والاستفصال فيه مخرج من التورط برد الحق، أو الموافقة على الباطل، هذه قاعدة مقررة معروفة، وهي منهج من مناهج الجدل والمناظرة.
ونأتي لهذه الكلمات: (تعالى عن الحدود) هذا لفظ مجمل، والحد يطلق ويراد به تحديد الماهية، مثل الحد عند المناطقة، أي: التعريف الذي يتضمن تحديد كنه الشيء وماهيته؛ فإن أريد هذا فهو ممتنع، إذ لا سبيل إلى تحديد الرب تعالى وذكر حقيقته، فتعالى عن أن يحده الحادون، وأن يصلوا إلى معرفة كنهه وحقيقته، قال شيخ الإسلام: «أهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها» (١)، فهذا المعنى حق، تعالى الله عن أن يدرك أحد حقيقة ذاته أو حقيقة صفاته.
ويأتي لفظ (الحد) ويراد به أنه ليس ساريا في العالم حالا في المخلوقات؛ بل هو فوق سماواته، وهذا المعنى جاء عن الإمام ابن المبارك، لما قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. قيل: بحد؟ قال: بحد» (٢)
وقوله: (والغايات) الغاية تطلق ويراد بها النهاية، وتطلق ويراد بها المقصود من الفعل، أي: الحكمة منه، فإذا أريد أن الله تعالى منزه عن أن تكون له غايات في أفعاله؛ فهذا باطل؛ لأن الله له الحكمة البالغة في خلقه وفي شرعه، يقول شيخ الإسلام ﵀ في التدمرية (٣): «والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته ـ وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة ـ تدل على حكمته البالغة».
стр. 137
ومن العلل والحكم ما علمناه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ومنها ما يُهتدى إليه بالتدبُّر والتفكر، ومنها ما طوى الله علمه عن عباده؛ فالعباد لا يحيطون بحكمته تعالى. (١)
وكذلك إذا أريد بنفي الغايات: نفي أن يكون الله في السماء فوق العرش؛ وأنه في كل مكان، كقول الجهمية الحلولية.
فنفي الغايات من النفي المحدث لمعان أو ألفاظ مجملة.
وقوله: (والأركان والأعضاء والأدوات) لا حول ولا قوة إلا بالله! عفا الله عن المؤلف وغفر الله لنا وله! ماذا يريد بالأركان والأعضاء والأدوات؟! لقد كان في غنى عن هذا الكلام، أين الآية أو الحديث الذي فيه هذا الألفاظ؟
الأركان: الجوانب، والأعضاء التي في الإنسان والحيوان هي أجزاؤه التي يمكن أن تتبعض والمخلوق يتبعض، فالإنسان يتجزأ، وأجزاؤه يقال لها: أعضاء؛ لأنه يمكن انفصالها.
فنفي الأعضاء بمعنى تعالى أنه منزه عن التجزؤ، حق فالله منزه عن التجزؤ، فهو تعالى أحد صمد؛ لكن هذا التعبير المحدَث يمكن أن يفهم منه المبطل نفي بعض الصفات؛ لأن قوله: (والأعضاء) يحتمل نفي بعض الصفات الذاتية كالوجه والعينين واليدين، فيقول المبطل: هذه أعضاء، فننفي الأعضاء، وهذا باطل، ونرجو أن المؤلف لم يرد هذا، وإنما أراد نفي ما يحصل ما به مماثلة المخلوق للخالق، لاسيما أنه قال: (موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية) فهو في مقام تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات.
стр. 138
وقوله: (لا تحويه الجهات الست).
الجهات الست: فوق وتحت، وأمام وخلف، ويمين وشمال. والمبدعات: المخلوقات.
وهذه ـ أيضا ـ من الألفاظ المجملة؛ فنفي الجهة عن الله لفظ مجمل مبتدع، ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة ﷺ ؛ أن الله ليس في جهة؛ بل النصوص مصرحة بأنه تعالى فوق: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨] «أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [الملك: ١٦] فهو سبحانه في العلو، «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [طه: ٥] والعرش فوق المخلوقات، والله فوق العرش.
قال شيخ الإسلام ﵀: «لفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السماوات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم». (١)
فإذا أُريد بالجهة ما وراء العالم فالنافي للجهة مبطل، إذ ليس وراء العالم شيء مخلوق؛ بل وليس وراء العالم شيء موجود إلا الله تعالى.
وإذا أريد بالجهة شيء مخلوق، مثل أن يراد بالجهة نفس السماء أو العرش، وأن الرب سبحانه حال في ذلك؛ فالنافي لهذا محق والمثبت له مبطل.
فإذا أريد بكلمة (الجهات) أشياء موجودة مخلوقة؛ فالله منزه من أن يحيط به شيء من المخلوقات؛ بل هو تعالى أعظم وأكبر من أن يحيط به شيء من المخلوقات؛ لأنه تعالى العظيم الذي لا أعظم منه فهو الذي «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» [البقرة: ٢٥٥]، وهو الذي «يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا» [فاطر: ٤١] ﴿والْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 139
وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] لا يحيط به شيء من الجهات؛ لكنه في العلو فوق جميع المخلوقات، بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في المخلوقات شيء من ذاته.
وقد وقف الشارح ابن أبي العز ﵀ في هذا الموضع (١)، وتكلم على هذه الألفاظ، فجزاه الله خيرا على ما فعل، وقد أحسن كثيرا بهذا الشرح، الذي لزم فيه منهج أهل السنة.
стр. 140
[مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج]
وقوله: (والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ ، وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم: ١١]، فـ ﷺ في الآخرة والأولى).
الإمام الطحاوي ﵀ في هذا المؤلَف المختصر في مسائل الاعتقاد لم يلتزم بالتنسيق بين المسائل، وضم كل نوع إلى ما يناسبه؛ بل نوَّع؛ فتارة يذكر المسائل المتعلقة بالتوحيد وبأسماء الله وصفاته، والمسائل التي تخص الرسول ﷺ ، ومسائل أخرى كثيرة تتصل بالقدر، والملائكة … ، فتجده يتنقل؛ فمثلا: قال هنا: (والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ ) فالإسراء والمعراج مما يتصل بخصائص نبينا ﷺ ، فَصَلَه المؤلف عما تقدم من كلامه (١) في رسالة نبينا محمد ﷺ ، وما ذكره من بعض خصائصه.
وأصل كلمة (مِعْرَاج) في اللغة: آلة العروج (٢)، والعروج: الصعود، فتقول: عرج إلى السطح وإلى الجبل وإلى السماء، أي: صعد، قال تعالى: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ» [المعارج: ٤] وفي الحديث: (ثم يعرج الذين باتوا فيكم) (٣) وليس المراد هو إثبات الآلة أو الوسيلة التي
стр. 141
عرج بها النبي ﷺ ؛ بل إثبات عروج النبي ﷺ إلى السماوات، وإلى حيث شاء الله من العلا، فكأن المصنف يقول: وعروج نبينا ﷺ إلى ما شاء الله حق؛ لكن صار لفظ (الِمعراج) عَلَم على هذا الأمر.
وقد أشار الله إلى العروج بالنبي ﷺ في القرآن في سورة النجم: «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى» [النجم ١١ - ١٤] وقد ثبت في الصحيح: (أنه ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلِق عليها له ستمائة جناح، مرتين) (١)
والمراد بالإسراء هو: الذهاب بالنبي ﷺ ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، قال الله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلَاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ» [الإسراء: ١]
وقد جاء ذِكرُ صفات المِعْراج في أحاديث؛ لكن الغالب أنها ليست من الأحاديث المعتمدة، لكن الإسراء بالنبي ﷺ ، والعروج به إلى السماوات هذا أمر معلوم، ومجمع عليه بين أهل السنة، ودلت عليه الأحاديث الصحاح المتواترة (٢).
وقد اختلف الناس في حقيقة الإسراء والمعراج ـ مع الاتفاق على ثبوتهما ـ على أي وجه وقع؟
والحق أنه قد أسري بالنبي ﷺ بروحه وبدنه، وعرج به إلى حيث شاء الله من العلا يقظة لا مناما، ولهذا نص المؤلف على ذلك بقوله: (وقد أسري بالنبي ﷺ ، وعُرج بشخصه في اليقظة) وهذا هو الذي يدل عليه ظاهر الأدلة، قال تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ» [الإسراء: ١] والعبد اسم للروح والبدن.
стр. 142
وتصدير هذه الآية بالتسبيح دال على عظم الأمر، والإسراء كان بروحه وبدنه يقظة لا مناما؛ فإن الذهاب والانتقال في النوم أمر ليس بمستغرب ولا مستنكر، فهو يحدث لسائر الناس.
ومما يؤكد هذه الحقيقة ما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ لما أخبر قريشا استعظموا ذلك وكذبوه، وسألوه عن أشياء من بيت المقدس، قال النبي ﷺ : «فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطّ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ» (١) فهذا كله يؤكد أن الإسراء كان بروحه وبدنه يقظة لا مناما.
وكذلك العروج به إلى ما شاء الله من العلا كان بشخصه ﷺ يقظة لا مناما، فهذا هو الأمر الخارق العظيم أن يقطع هذه المسافات ويعود في ليلة.
وفي حديث الإسراء والمعراج أمور كثيرة، فيها أن جبريل ﵇ صعد به واستفتح له السماء، ثم فتح له، فلقي الأنبياء: آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وعند كل سماء يستفتح، فكل سماء لها أبواب وحراس من ملائكة الله، وكل ذلك من الغيب، لا نتصوره ولا ندرك حقائقه، فيستفتح جبريل ﵇، فيقول له الملك الموكل بباب السماء: من؟ فيقول: جبريل. فيقول: ومن معك؟ فيقول: محمد ﷺ . فيقول: وهل أرسل إليه؟ فيقول: نعم، فيقول: مرحبا ولنِعم المجيء جاء، عند كل سماء يتجاوزها حتى بلغ سدرة المنتهى، وفرض الله عليه الصلوات الخمس. (٢)
وقال بعضهم: إنه كان مناما! واحتجوا برواية شريك بن عبد الله ابن أبي نمر: «واستيقظ وهو في المسجد الحرام» (٣) ورد ذلك
стр. 143
المحققون وقالوا: إن هذا وهم من شريك، وقد وهم في هذا الحديث في مواضع عدة. (١)
وهذا قول باطل ليس بشيء، فلو قال الرسول ﷺ لقريش: إني رأيت في المنام، لم يكذبوه؛ لأنه أمر عادي يحصل لآحاد الناس.
ونُسب إلى عائشة ومعاوية ﵄ (٢) أن الإسراء والمعراج كان بروحه ﷺ دون جسده. وهو رأي عندي غير مقبول، ويَرِدُ عليه ما يرد على القول بأنه كان مناما، فإذا كان جسده باقيا عندهم فلا يكون بينه وبين رؤيا المنام كبير فرق، وما معنى أن جبريل يأتيه بالبراق، ويحمله عليه ويسير به، ويصلي بالأنبياء؟
فهذا القول فيه نظر، وهو خلاف ظاهر الأدلة.
ومن اختار هذه الأقوال من العلماء أراد أن يوفق بين الروايات فيقول: إن الإسراء كان مرة يقظة ومرة مناما، ومرة في مكة ومرة في المدينة!
وهذا وهنه العلامة ابن القيم، وقال: «هذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع! والصواب الذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة، ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، ثم يقول: «أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرا عشرا». (٣)
стр. 144
فالصواب: أن الإسراء والمعراج حدث مرة واحدة والنبي ﷺ في مكة قبل الهجرة، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وقد اتفق أهل العلم: أن الصلوات الخمس قد فرضت عليه وهو في مكة قبل الهجرة، والمشهور أن ذلك قبل الهجرة بثلاث سنوات، وقيل: بأقل، وقيل: بأكثر. (١)
وفي قصة الإسراء والمعراج الدلالة على عظم شأن الصلاة حيث فرضت على النبي ﷺ بلا واسطة وفرضت عليه وهو في أعلى المقامات فوق السماوات.
وفي قصة الإسراء والمعراج دلالة على علو الله تعالى على خلقه، فإنه عرج به إلى ربه، كما قال تعالى: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ» [المعارج: ٤] الملائكة والأرواح تعرج إلى الله؛ لأنه في العلو.
وفيها إثبات صفة الكلام والتكليم لله تعالى، وتكليمه لنبينا محمد ﷺ بلا واسطة.
وفي ذلك فضيلة لنبينا ﷺ حيث أكرمه الله ورفعه على سائر النبيين والمرسلين، حتى تجاوز كل الأنبياء، حتى إبراهيم ﵇ لقيه في السماء السابعة وتجاوز إلى مكان فوق ذلك يسمع فيه صريف الأقلام. (٢)
سبحان الله مع هذه الأبعاد العظيمة يتم هذا في ليلة، هذا أمر خارق، ولا تقل: كيف؟
الآن أتَى الله للناس بشيء ما كان يخطر ببالهم، هذا الصوت الآن في أقصى الدنيا، يقول لك: السلام عليكم، فتقول: وعليكم السلام، فتسمعه وترد عليه، والذين يصعدون في المراكب الفضائية أيضًا مع البعد العظيم الذي تنتهي إليه تلك المراكب، يتكلمون مع من يكلمهم
стр. 145
في الأرض، ويصل الصوت في نفس الوقت، فهذا مثال أصغر للحدث العظيم حدث الإسراء والمعراج، سبحان الله! هذه أمثلة وآيات لعلها تدخل في عموم: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» [فصلت: ٥٣].
وأي أمر تستعظمه مما أخبرت به الرسل فرده إلى كمال القدرة يسهل عليك جدًا، «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [البقرة: ٢٠] ومتى استبعد الإنسانُ شيئًا من ذلك، فذلك لنقص إيمانه بكمال قدرة الرب تعالى وتقدس، «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمَاً قَدِيرَاً» [فاطر: ٤٤]