← Акыда

Акыда · id 23088

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط التدمرية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (416 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[إثبات عموم مشيئة الله تعالى] قال رحمه الله تعالى: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا). يقرر المؤلف في هذه الجملة عموم مشيئة الله، وأنها شاملة لكل شيء، فكل شيءٍ يجري بتقديره ومشيئته؛ كحركات الأفلاك، وتصريف الرياح، وحركات الناس كلها تجري بعلمه وبمشيئته قد سبق بها العلم، والكتاب. (لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) فالعباد لهم مشيئة، وأفعالهم نوعان: اختيارية؛ فالإنسان يذهب ويجيء، ويأكل ويشرب، ويتكلم، ويضرب، هذه حركات اختيارية. وأفعال لا اختيارية كحركة النائم، والمرتعش، فهذه يقال لها: لا إرادية. ومشيئة العباد مقيدة بمشيئة الله، قال تعالى: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» بإثبات المشيئة للعباد «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [التكوير: ٢٩] ففي هذه الآية رد على طائفتين: الجبرية، والقدرية؛ فقوله: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» رد على الجبرية، وقوله: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» رد على القدرية نفاةِ القدر.

стр. 72

(لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) وهذا الذي نعبّر عنه بقولنا: ما شاء الله كان، أما مشيئة الإنسان فقد تتحقق، وقد لا تتحقق، فيشاء العبد ما لا يكون، كالعاجز يريد شيئا ولا يكون، وقد يكون ما لا يريد، كالمكره يجري عليه من الأمور ما لا يريده. أما الرب القدير على كل شيء فما شاء كان، وما لم يشأ لا يكون، . وقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا) أدلة هذا في القرآن كثيرة، قال الله تعالى: «فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» [البروج: ١٦] هذا دليل عام. وقال تعالى: «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [النحل: ٩٣] «مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [الأنعام: ٣٩] وقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا) يوفق من يشاء لسبل الخيرات، والأعمال الصالحات، ويعصم من الوقوع في الزلّات والسيئات، ويعافي من يشاء، وكل ذلك بفضله تعالى: «وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [الحجرات: ٧ - ٨] فضلٌ من الله «وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ» [إبراهيم: ١١] فهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته فيضع ولايته في موضعها فضلا منه وحكمة، ولهذا قال سبحانه: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [النساء: ٢٦]، «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام: ١٢٤]، «ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا» [النساء: ٧٠]. وقوله: (ويضل من يشاء) هذا قد نص الله عليه في كتابه في مواضع (١) كما قال تعالى: «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [إبراهيم: ٤].

стр. 73

وقوله: (ويخذل ويبتلي عدلا) الخذلان: عدم التوفيق، ويبتلي: يصيب من يشاء بالبلاء، عدلا: أي: بعدله وحكمته. والهداية المضافة إلى الله المتعلقة بالمكلف نوعان: هداية عامة ـ للمؤمن، والكافر ـ وهي: هداية الدلالة، والبيان، والإرشاد لسبيل الخير والشر، قال تعالى: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» [البلد: ١٠]، «وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ» [فصلت: ١٧] أي: دلَّهُم، وبيَّن لهم بإرسال رسوله «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ» [النمل: ٤٥]. والنوع الثاني: هداية التوفيق لقبول الحق، وإلهام الرشد، وشرح الصدر، قال تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ» [الأنعام: ١٢٥] «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» [الزمر: ٢٢] فهاتان هدايتان: الأولى تسمى: (الهداية العامة)، والثانية: (الهداية الخاصة). أما الهداية الخاصة فلا يملكها إلا الله تعالى. وأما الهداية العامة فالله قد جعلها للرسل ـ أيضا ـ قال تعالى: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [القصص: ٥٦] نفى عنه أن يهدي من يحب، وأثبتها لنفسه ، فبين الآيتين تعارض في الظاهر، والجمع بينهما بمراعاة التقسيم. وأنكرت المعتزلة هداية التوفيق؛ لأنهم أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الرب وقدرته تعالى وتقدّس، فعندهم أن الله لا يقدر أن يهدي أحدا، وإنما أثبتوا الهداية العامة: هداية الدلالة والإرشاد. وقالوا: (يضل) و (يهدي) أي: من اهتدى حَكَم له بالهداية، ومن ضل سماه ضالا، أما أنه يجعل هذا مهتديا أو هذا ضالا فلا! تعالى عن قول الظالمين والمفترين علوا كبيرا.

стр. 74

[إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله] وقوله: (وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله). من تتمةِ قولِه (يهدي من يشاء ويعصم، ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) قولُه (فكل الخلق يتقلبون بين فضله وعدله) هذه النتيجة، والله تعالى حكيم يضع فضله حيث شاء، وعدله حيث شاء له الحكمة البالغة، فالله يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته. فالحكمة معتبرة وجارية وواقعة في الكل له الحكمة البالغة في هدايته لمن شاء من عباده، وخذلانه لمن شاء، وكان من المناسب أن ينبه المؤلف إلى هذا. والأدلة على حكمة الرب كثيرة فاسمه الحكيم يدل على الحكمة، وكذلك قوله: «ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا» [النساء: ٧٠] «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام: ١٢٤]. وأفعال الرب معللة (١) لكن من العلل والحكم ما نعلمه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ومنها ما يُهتدى إليه بالتدبُّر، ومنها ما لا يعلم؛ فالعباد لا يحيطون بحكمة الرب كما لا يحيطون بسائر الصفات. فكل الخلق يتقلبون بين فضله وعدله، حتى في الساعة الواحدة يكون للإنسان حظ من فضل الرب بالتوفيق، أو يكون في حالة ابتلاء

стр. 75

وخذلان، واقرأ ما كتبه ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (١) في مشاهد الخلق في المعصية في مشهد التوفيق والخذلان.

стр. 76

[تنزيه الله تعالى أن يكون ضد أو ند] وقوله: (وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد). وصف الرب بالتعالي كثيرٌ في القرآن «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» [يونس: ١٨] «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ» [الأنعام: ١٠٠] «فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» [الأعراف: ١٩٠] تعالى: تقدّس وتنزّه وترفّع، فهذا اللفظ يدل على التنزيه، فنقول: تعالى الله عن الصاحبة والولد، وتعالى الله عن السنة والنوم والموت، وتعالى الله عن الشركاء، والأضداد والأنداد، فلا ضد له ولا ند له. فالمضاد: المقاوم المدافع، والند: المثل. فلا ضد يضاد أمره وحكمه .

стр. 77

[نفاذ قضائه وحكمه تعالى] وقوله: (لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره). هذا تفصيل لما قبله؛ فلا ضد له يرد قضاءه ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]. وقوله: (ولا معقب لحكمه) أي: مؤخر لحكمه فحكم الله ماض قال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ» [الرعد: ٤١]. وقوله: (ولا غالب لأمره) هذه الجمل الثلاث معناها متقارب كلها تفيد أن أمر الله وحكمه وقضاءه نافذ، وأنه غالبٌ لا يُغلب. وقوله: (آمنّا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده). هذه الإشارة ترجع إلى كل ما ذكره من قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله … الخ) (وأيقنا) اليقين: الإيمان الذي لا يخالجه شك، (أن كلا من عنده) أي: كل ما يجري في الوجود فهو بتدبيره وتقديره : «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨] ويحتمل أن المؤلف أراد (آمنا بذلك كله) أي: ما قرره من أمر الهداية والضلال، ونفاذ المشيئة، والتقدير، ويحتمل أنه يريد عموم ما تقدم.

стр. 78

[وجوب اعتقاد أن محمدا عبد الله ورسوله، وذكر ما تثبت به النبوة] وقوله: (وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى). قرر المؤلف في الكلام المتقدم التوحيد بأنواعه الثلاثة، ثم ذكر بعض الأسماء، ثم ذكر أشياء مما هو من توحيده ، ثم ذكر ما يتعلق بالقدر، فما تقدم كله يتضمن تقرير توحيده بأنواعه الثلاثة، وأنواع التوحيد الثلاثة كلها تندرج في شهادة أن لا إله إلا الله. فكأن مجمل قوله: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه لا إله غيره، وأنه الموصوف بصفات الكمال المنزّه عن كل نقصٍ وعيب، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وبهذا تتضح المناسبة في قوله: وإن محمدًا عبده المصطفى، ـ يعني ـ نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له، ونقول في شأن محمد ﷺ معتقدين بتوفيق الله: إن محمدا عبده المصطفى بكسر همزة (إنَّ)؛ لأنها مقولُ القول. وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. ومحمد هو أشهر أسمائه ﷺ ، وإلا فله أسماء فإنه قال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر

стр. 79

الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب» والعاقب الذي ليس بعده نبي. (١) وأسماؤه ﷺ أعلام وصفات، فاسمه محمد علم وصفة يدل على كثرة محامده، وكثرة حامديه؛ لأنه اسم مفعول من حُمِّد، وهو أبلغ من حُمِد. (٢) وقوله: (وإن محمدا عبده المصطفى) مما تجب الشهادة به للنبي ﷺ أنه عبد الله «وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا» [الجن: ١٩] «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ» [الإسراء: ١] «وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا» [البقرة: ٢٣] «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ» [الفرقان: ١] في هذه الآيات وصفٌ له، وثناء عليه بالعبودية، وهي العبودية الخاصة، وفيها إضافته ﷺ إلى ربه فالله أضافه في هذه المواضع إلى نفسه إضافة تشريف، فهو أكمل الناس وأقومهم بالعبودية لله، فلا بد في الشهادة من شهادة أنه عبد الله ورسوله خلافا لمن يغلوا فيه ويجعل له بعض خصائص الإلهية. وقوله: (المصطفى) المختار، والاصطفاء، والاختيار: طلب خير الشيئين. وقوله: (ونبيه المجتبى) هو ﷺ عبدٌ نبيٌ منبأٌ بالوحي الذي أنزله الله إليه، قال تعالى: «إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ» [النساء: ١٦٣]. والاجتباء: قريب من معنى الاصطفاء. وقوله: (ورسوله المرتضى) فهو نبي رسول ﷺ ، والمرتضى: الذي ارتضاه الله، قال : «إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا» [الجن: ٢٧].

стр. 80

ونلاحظ هنا إن المصنف قد أحسن في تناسب هذه الكلمات حيث ربط الاصطفاء بالعبودية، فقال (عبده المصطفى)، والاجتباء بالنبوة (ونبيه المجتبى)، والارتضاء بالرسالة (ورسوله المرتضى)؛ فإن هذا موافق لما جاء في القرآن، فقد قال : «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى» [النمل: ٥٩] وفي سورة الأنعام لما ذكر الله إبراهيم، ومن هدى الله من ذريته: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» [الأنعام: ٨٤] قال بعد ذلك: «وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ» [الأنعام: ٨٧] فوصف هؤلاء الصفوة من الأنبياء بالاجتباء. وأما الارتضاء ففي قوله تعالى: «إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» [الجن: ٢٧]، فكأنه استوحى هذا من الآيات. والنبي محمدٌ ﷺ نبيٌ ورسول، والله خاطبه بـ (يا أيها النبي) في آيات (١)، وبـ (يا أيها الرسول) في آيتين (٢) فخاطبه بالصفتين: النبوة، والرسالة. نبي؛ لأنه منبأ، فقد أنزل الله عليه النبأ العظيم ـ القرآن ـ. وهو رسول مرسلٌ إلى الناس كافة: «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا» [الأعراف: ١٥٨] «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ» [سبأ: ٢٨] «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا» [النساء: ٧٩]. وأكثر ما يُذكر ﷺ بصفة الرسالة؛ لأنها هي المتعلقة بالمكلفين، والمقتضية للبلاغ. لكن ما الفرق بين النبي والرسول؟ فإن الله قال: «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وأتينا داود زبوراً» وقال : «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» فنجد آيات فيها ذكر الأنبياء وآيات فيها ذكر الرسل.

стр. 81

والفرق المشهور بين النبي والرسول: أن النبي من أوحي إليه بشرعٍ ولم يؤمر بتبليغه. والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. فلفظة نبي لا تشعر بالتبليغ، وكأن هذا التعريف مستمد من لفظة (نبي)، ولفظة (رسول) ليس إلا، وهذا تعريف غير مستقيم؛ لأن قولهم: إن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. فيه ملاحظتان: الأولى: أنه أوحي إليه بشرع يدل على أنه يكون على شريعة يستقل بها. وثانيا: أنه لا يؤمر بالتبليغ؛ بل إنما هو مكلف بنفسه؛ فكأن الشريعة التي أوحي بها إليه مختصةٌ به فيتدين بدين يخصّه، هذا ما يفيده هذا التعريف، ومعناه أنه لا يؤمر، ولا يدعو، ولا ينهى! وهذا خلاف ما وصف الله به الأنبياء؛ كأنبياء بني إسرائيل، قال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ [(٤٤) سورة المائدة] فكان أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة، وكانوا يسوسون الناس كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي). (١) والصواب: أن كل نبي رسولٌ مأمور بالتبليغ، لكن الإرسال على نوعين: الإرسال إلى قوم مؤمنين بتعليمِهِم، وفتواهُم، والحكمِ بينهم. والإرسال إلى قوم كفار مكذبين لدعوتهم إلى الله. وبهذا يحصل الفرق بين النبي، والرسول.

стр. 82

وهذا هو التعريف الذي اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «النبوات» (١). إذًا؛ فالإرسال الشرعي فيه هذا التفصيل قال الله تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي» فأثبت الإرسال للنبي أيضا، فإذا ورد ذكر الأنبياء بإطلاق فإنه يشمل الرسل، وإذا ذكر الرسل بإجمال فإنه يشملهم كلهم. فإذا جاء ذكر نبي ورسول فلا بد من هذا التفصيل، كما قال الله تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» وهذا يشمل نوحا ومن بعده، وكذلك قول الله تعالى: «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض» يشمل نوحا ومن بعده. ولذا سمّى الله تعالى أنبياء بني إسرائيل رسلا: «ولقد أتينا موسى بالكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جائكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم» فإذا أردنا أن نصنف في ضوء التعريف المختار؛ فنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وعيسى؛ هؤلاء رسل قص الله علينا أخبارهم مع أممهم. وزكريا، ويحيى، وداود، سليمان وأيوب أنبياء. وذهبت المعتزلة أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزات، مثل: عصى موسى، ويده، وغيرهما من الآيات، ومثل: انشقاق القمر لمحمد ﷺ . وهذا باطل؛ فإن من الأنبياء من لم يذكر الله لهم آيات، لكن قال النبي ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثلُه آمن عليه البشر) (٢) فالنبوة تثبت بغير المعجزات، بأدلة من حال المُدّعي للنبوة، ومن حال ما جاء به، وما يدعوا إليه.

стр. 83

ففي الصحيحين أن خديجة ﵂ لما جاءها النبي ﷺ يرجف ويقول: «إني خشيت على نفسي» قالت له: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». (١) فاستدلّت على صدقه، وحفظ الله له، ووقايته من شر الشيطان بما هو عليه من الفضائل العظيمة. وكذلك مما احتُجّ به على النبوة في القرآن أنه ﷺ عاش بين أهله ولم يُجرب عليه كذب، قال تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقائنا إئت بقرآن غير هذا أو بدِّله قل ما يكون لي أن أبدِّلهُ من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يومٍ عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون» فإنه نُبِّأ على رأسٍ أربعين سنة من عمره ﷺ . (٢) وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن هرقل استدل على نبوته ﷺ بما تضمنه جواب المسائل العشر التي سأل عنها أبا سفيان بن حرب. (٣) وعقلاء الناس يفرقون بين النبي الصادق، والمتنبي الكاذب، وإن كان المتنبي يمكن أن يأتي بخوارقَ وشعوذاتٍ، لكن من له عقل حسن لا يلتبس عليه المتنبي الكذّاب بالنبي الصّادق؛ بل يعرف ذلك من ملامحه، (٤) ومن سيرته، ومن أقواله، ومن أفعاله، قال تعالى:

стр. 84

«هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفّاكٍ أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون». فالصواب: أن النبوة تثبت بأدلةٍ كثيرة، ولا يتوقف إثبات النبوة على مجرد المعجزات. وتأمل قولَه : «وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون» فمن أدلة صدقه ﷺ إنه جاء بهذا الكتاب العظيم، وهو ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ بل يكتبُ ويقرأ له أصحابُه ﵃. فكونه بهذه المثابة من الصدق، والأمانة، والطهر، والشرف، والفضائل، ولا يقرأ، ولا يكتب، ولا اتصل بأحد يمكن أن يتلقى عنه، ثم يأتي بهذا القرآن العظيم المحكم؛ هذا أعظم دليل على صدقه، قال تعالى: «وقالوا لولا أنزل عليه آياتٌ من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذيرٌ مبين * أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقومٍ يؤمنون».

стр. 85

[من خصائصه ﷺ أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين] قوله: (وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين) أي الذي ختم به الأنبياء فلا نبي بعده، وقد دل على ذلك قوله سبحانه: «ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النّبيّين»، وقال تعالى: «وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل» فجميع الرسل، والأنبياء قد مضوا قبله، فلا نبي، ولا رسول بعده ﷺ . وقد دلت نصوصٌ كثيرة من السنة على أنه ﷺ لا نبي بعده، فمن أسمائه ﷺ العاقب وهو الذي جاء بعد الأنبياء، فلا نبي بعده. (١) وفي حديث ثوبان ﵁: (إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) (٢) وهذه قضيةٌ معلومةٌ من دين الإسلام بالضرورة ليس في ذلك اختلاف، ولا خفاء بل هو أمرٌ ظاهر مثل الشمس، ومن شك في أنه ﷺ خاتم النبيين فهو كافر، فضلا عن من يدّعي النبوة، أو يُصّدق مدعيها. إذًا؛ فلا بد في شهادة أن محمدًا رسول الله من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء.

стр. 86

ولا بد من الشهادة أنه ﷺ رسول إلى جميع الناس، وهذه ـ أيضا ـ من ضرورات الدين، قال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً» «وما أرسلناك إلَّا كافَّةً للنَّاس» «تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً» «وما أرسلناك إلى رحمةً للعالمين». فمن اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ فهو كافر، فضلا عن من ادعى ذلك لنفسه. ومن اعتقد أن اليهود والنصارى لا يلزمهم اتباع محمدٍ ﷺ فهو كافر، قال النبي ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) (١)، وقال ﷺ : (لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) (٢) وعيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد ﷺ (٣). فشريعة محمد، ودعوة محمد ﷺ لازمة لجميع البشرية، ولا يسع أحدًا الخروجُ عن شريعته ﷺ . قوله: (وإمام الأتقياء) الأتقياء: جمع تقي، وإمامهم ـ أي ـ مُقدّمَهُم، فجميع المتقين من النبيين فمن دونهم إمامهم مطلقا محمد ﷺ ، لكن يمكن للإنسان أن يكون إماما لجنس من المتقين، ولهذا كان من دعاء عباد الرحمن: «واجعلنا للمتقين إماماً» [الفرقان: ٧٤] فيمكن أن تقول: اللهم اجعلني إماما للمتقين ـ أي ـ قدوة في الخير، ويقتدي به المتقون.

стр. 87

قوله: (وسيد المرسلين) أي: أفضلهم، ودليل ذلك قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) (١). أي: هو أفضل ذرية آدم من أولهم إلى آخرهم بما فيهم من الأنبياء والمرسلين، ومن الأدلة ـ أيضا ـ أنه يوم القيامة عندما يطلب الناس الشفاعة من آدم، وأولي العزم فيترادّونها حتى ينتهي الأمر إلى النبي ﷺ ، فيقول: (أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع). (٢) وهذا هو المقام المحمود الذي خصّهُ الله به وفضّلهُ به قال تعالى: «عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا» [الإسراء: ٧٩] (٣) ولا شك أن الأنبياء، والرسل متفاضلون بنص القرآن، فأفضلهم على الإطلاق محمد ﷺ ، ويليه إبراهيم، ويليه بقية أولوا العزم، وهم في المشهور عند أهل العلم أنهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] إذًا؛ فأفضل الأنبياء والرسل هم أولوا العزم، وأفضلهم الخليلان، فالله تعالى قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلا ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]، وأخبر النبي ﷺ أن الله اتخذه خليلا كما اتخذا إبراهيم خليلا (٤)

стр. 88

أما ما جاء من النهي عن التفضيل في قوله ﷺ قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) فهذا محمول عند أهل العلم بالتفضيل على وجه التعّصب الذي يتضمن تنقُّص الآخر، كما يبينه سبب الحديث الصحيح: أن يهوديا عرض سلعة له فأعطي بها شيئا كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا، وقال: فلان لطم وجهي، فقال رسول الله ﷺ : «لم لطمت وجهه»؟ قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، وأنت بين أظهرنا، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال: «لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي» (١). فالنهي عن التفضيل على سبيل التعّصب، أو الذي يتضمن تنقّص الأنبياء، أما التفضيل لبيان الواقع ولاعتقاد الحق، وإنزال كل منزلته فهذا لا بد منه، فالرسول ﷺ نوه بفضله؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته أو من القرآن، والله تعالى نص على التفاضل بين الأنبياء ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]

стр. 89

[إثبات الخلة له ﷺ كإبراهيم ﵇] وقوله: (وحبيب رب العالمين) (حبيب) بمعنى محبوب له ، والله تعالى يحب الرسل والأنبياء، والصالحين، وكل مؤمن له حظٌ من محبة الله تعالى؛ فإن الله تعالى يحب المتقين، والتوابين، والمتطهرين، والمقسطين، والصابرين، والمجاهدين «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ» [الصف: ٤] إذًا؛ وصفه ﷺ بأنه حبيب رب العالمين لا تظهر فيه خصوصية؛ فكل نبي، وكل مؤمن فهو حبيب لرب العالمين، فمثلا: علي ﵁ حبيب رب العالمين قال النبي ﷺ : (يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) (١)، ولهذا كان اللائق بالمؤلف أن يقول: وخليل رب العالمين؛ لأن المحبة مشتركة بين جميع المؤمنين، وعباد الله الصالحين. أما الخلة فمن خصائصه ﷺ مع إبراهيم ﵇، والخلة أعلى مراتب المحبة؛ فالخليل هو أحب العباد إلى الله، والله أخبر في كتابه أن الله اتخذ إبراهيم خليلا ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] وثبت في السنة الصحيحة أن الله اتخذ محمدا ﷺ خليلا، ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا إني أبرأ إلى كل خِل من خِله، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا إن صاحبكم خليل الله) (٢)، وفي الحديث

стр. 90

الآخر: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) (١) فإبراهيم ومحمد خليلا رب العالمين، ففيه إثبات صفة المحبة لله، وأنه يحب إبراهيم ومحمدا محبة تامة، وذلك؛ لأنهما أكمل الأنبياء توحيدا، ومباعدة من الشرك والمشركين، فكان المناسب أن يقول المؤلف: وخليل رب العالمين. وكثيرٌ من الصوفية يعبر عن الرسول ﷺ بأنه (حبيب الله) ويرددون مثل هذا، ولا يعلمون أن هذه ليس فيها خصوصية، ومزيّة بيّنة (٢). وقد روي أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم خليل الله … وأنا حبيب الله ولا فخر) (٣) فجعل الخلة لإبراهيم، والمحبة له، وهو حديث ضعيف معارض للأحاديث الصحيحة، ولا يصح سندا ولا متنا.

стр. 91

[حكم دعوى النبوة بعد محمد ﷺ -] قوله: (وكل دعوى النبوة بعده فغيٌ وهوى) هذا نفيٌ وإبطال لدعوى النبوة بعد النبي ﷺ ، وهذا هو مقتضى أنه خاتم الأنبياء، فإذا علم بالضرورة أنه خاتم الأنبياء، فيعلم بالضرورة أن كل دعوى للنبوة بعده فهي دعوى باطلة، وهي من الغي ضد الرشد، ومن الهوى ضد الهدى. فكل دعوى النبوة بعد مبعثه ﷺ سواء كانت في حياته أو بعد مماته فهي دعوى باطلة، ومن يدعي النبوة بعد رسالته ﷺ فهو من أكذب وأظلم الخلق قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ» [الأنعام: ٩٣]. وقد ادعى النبوة في حياته ﷺ مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي (١)، وادعاها غيرهما بعده ﷺ ، وأخبر ﷺ عن ذلك في حديث ثوبان: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يدعون أنهم نبي، وأنه لا نبي بعدي) (٢) فكل من يدعي النبوة فهو كذاب، ولا نحتاج إلى أن ننظر في ما عنده إلا لبيان كذبه لمن قد يلتبس عليه أمره.

стр. 92

[عموم بعثته ﷺ للجن والأنس] قوله: (وهو المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى) وهو المبعوث ﷺ إلى عامة الجن، وكافة الورى ـ أي ـ الناس، وهذا كله مراعاة للسجع لينسجم هذا الكلام مع ما تقدم من العبارات. فهو ﷺ مرسل إلى الثقلين ـ الجن والإنس ـ وهذا تقريرٌ لعموم رسالته ﷺ ، وهذا معلومٌ من الدين بالضرورة (١)، ولا يكون الإنسان شاهدا بأن محمدا رسول الله حتى يشهد بأنه رسول الله إلى الناس كافة قال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً»، «وما أرسلناك إلا كافة للناس» إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأدلة على إرساله للجن سورة الجن، والآيات من سورة الأحقاف، وخطاب الثقلين في سورة الرحمن. قال تعالى: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا» [الجن: ١ - ٢] إلى آخر السورة. وفي سورة الأحقاف «وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ» [الأحقاف: ٢٩] الآيات. وفي سورة الرحمن ذكر الله خلق الثقلين، وخاطبهما وذكر جزاءهما قال تعالى: «يا معشر الجن والإنس»، «يرسل عليكما شواظٌ من

стр. 93

نار»، «فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جان»، وفي الثواب «ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان» إلا آخر السورة. ويظهر من آيات الأحقاف أن موسى ﷺ كذلك مرسلٌ إلى الجن قال تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠]. واختلف الناس هل من الجن رسل، أم الرسل كلهم من الإنس؟ جمهور أهل العلم على أن الرسل من البشر، وأما الجن فمنهم دُعاة، ونُذُر، (١) قال تعالى: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى» وإذا صح وعلم بالوحي أن الرسول ﷺ مرسلٌ إلى الجن، وموسى كذلك؛ علم أن إرسال الإنس إلى الجن يحصل به قيام الحجة عليهم. واستدل أهل القول الثاني بقول الله تعالى: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا» [الأنعام: ١٣٠] فخوطب الجميع: الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم. والجمهور قالوا: إن هذه الآية محتملة، وليست صريحة، والمراد من المجموع؛ لأن الخطاب للجميع. والأمر في هذا سهل، والمقصود إن الجن والإنس كلهم مكلفون، وقد خلقهم الله لعبادته، وأقام الحجة عليهم، وكلهم منهم المؤمن والكافر، والصالح، والطالح. والجن عالَمُ غيب وإن ظهروا للناس وتمثلوا بأشكال مختلفة، وهم

стр. 94

كثير، ويعيشون على الأرض مع الناس، ولهم صفاتهم، ويأكلون ويشربون، ومنهم الذكور والإناث، ويتوالدون، قال تعالى: «وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا» [الجن: ٦] وفي القرآن وفي السنة من الإخبار عنهم شيءٌ كبير، ومن ينكر وجود الجن؛ فهو كافر.

стр. 95

[فضل رسالته، وكمال شريعته ﷺ -] وقوله: (بالحق والهدى، وبالنور والضياء) أي فمحمد ﷺ مرسل بالحق والهدى، والنور والضياء، والمؤلف ينوع في التعبير، فهو ﷺ مرسلٌ إليهم بالحق، وهو ضد الباطل، والهدى، وهو ضد الضلال، وبالنور والضياء، يدل على ذلك قوله تعالى: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق» وقال : «إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً» بالحق في الأمور الاعتقادية، والعملية، وهذا الحق الذي جاء به ﷺ نور وهدى للناس «فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا» «فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون» نورٌ يبصر به المهتدون طريق السعادة، ومن حرم هذا النور؛ تخبط في ظلمات: الجهل، والغفلة، والكفر، وأكثر البشرية تتخبط في الظلمات فلا طريق لمعرفة الحقائق، والحق من الباطل، والحلال والحرام إلا من طريق الوحي. فهذا الذي ذكره المؤلف جملة من خصائص الرسول ﷺ ، وله خصائص كثيرة فُضِّل بها على سائر الأنبياء، منها ما يختص به، ومنها ما يتعلق بأمته، مثل قوله ﷺ : (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه

стр. 96

خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) (١) وفي حديث آخر: (فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (٢) وخصائص الرسول ﷺ كثيرة عُني أهل العلم بجمعها (٣) فأما حقه على أمته فهو الإيمان به، وبما جاء به، ومحبته فوق محبة الأهل والولد، والمال، والنفس، قال النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … ) الحديثَ. (٤) وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (٥) وتحقيق متابعته ﷺ بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وتصديقه بكل ما أخبر به، والتقيد في عبادة الله بشريعته وما جاء به ﷺ ، ومن ذلك تحكيمه ﷺ والتحاكم إلى شريعته، قال تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً» والناس في شأن الرسول ﷺ ثلاثة أقسام: منهم: من يغلو فيه ﷺ ويجعل له بعض خصائص الإلهية. ومنهم: الجافون المقصرون، وشرهم المكذبون له، وكذلك

стр. 97

المعرضون عن سنته، والمقصرون في تحقيق متابعته، وطاعته، وتحكيمه ﷺ . والوسط من آمن به، وصدقه، واتبع أمره، وترك نهيه، وعبَد الله بشرعه.

стр. 98

[عقيدة أهل السنة في القرآن، والرد على المخالفين] وقوله: (وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده سقر حيث قال تعالى: «سأصليه سقر» فلما أوعد الله بسقر لمن قال: «إن هذا إلا قول البشر» علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر) قوله: (وإن) هذا عطف على ما سبق، مثل ما قلنا في قوله: (وإن محمدا) (١) يعني: ونقول في القرآن معتقدين بتوفيق الله: (إن القرآن كلام الله) أي: نُقِرُّ ونعتقد أن الكتاب المنزل على محمد ﷺ ، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس هو كلام الله، تكلم به تعالى، وأنزله على رسوله ﷺ ، كما قال : «وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله» وقوله: «أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون» وقال : «يريدون أن يبدلوا كلام الله»، فالقرآن كله «كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلامُ الله

стр. 99

الحروفَ دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف» (١) «الم» كلام الله «ذلك الكتاب لا ريب فيه» كلام الله تكلم به تعالى بما فيه من أوامر، ونواهي، وأخبار. وقوله: (منه بدا) أي: ظهر. أو بدأ: ابتدأ ظهوره ونزوله من الله، ودليل ذلك قوله تعالى: «تنزيلُ الكتاب من الله العزيز الحكيم» «نزيلٌ من الرحمن الرحيم» «قل نزله روح القدس من ربك» فـ (مِن) في هذه الآيات لابتداء الغاية، فنزول القرآن مبتدأ من الله نزل به الروح الأمين جبريل ﵇. وقوله: (بلا كيفية) يعني: كيفية معقولة لنا، لا بد من هذا التقييد، فلا نقول: إن الله تكلم على هيئة كذا وكذا، أو بصفة كذا وكذا. وقوله: (قولاً) مصدرٌ مؤكِد لقوله: (منه بدا بلا كيفية)، أي: بدا من الله كلاما مسموعا، سمعه جبريلُ، وبلغه محمدًا ﷺ ، وأهل السنة يقولون: «إن القرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوق، منه بدا، وإليه يعود» (٢)، ومعنى إليه يعود، ما ورد في الآثار أن القرآن يُسرى عليه في آخر الزمان، ويرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى له وجودٌ في الأرض، … (٣) وهذا عندما يعطل، وينتهي الأجل المعدود، والمحدود بتكليف العباد، وأمرهم ونهيهم بهذا القرآن. وقوله: (وأنزله على رسوله وحيًا) بدأ من الله قولا، وأنزله وحْيًا على رسوله محمدٍ ﷺ بواسطة الرسول جبريل ﵇، قال تعالى: «نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسانٍ عربيٍ مبين»

стр. 100

وقال : «فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لُدّاً». وقوله: (وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا) صدق المؤمنون الرسول ﷺ فيما جاء به تصديقا، والنبي ﷺ لما أرسله الله ودعا الناس رموه وسفّهوه، ووصفوه بالشعر، والكهانة، والجنون، والسحر، وصدّقه من صدقه، وأول من صدقه خديجة بنت خويلد ﵂ أم المؤمنين السيدة العظيمة، وفازت بهذا الفضل العظيم، ثم آمن به بعض الناس على قلة من الأحرار والعبيد: واحد، واثنين، وثلاثة، حتى تتابع الناس على الإيمان، حتى دخلوا في دين الله أفواجا، وهؤلاء المؤمنون صدّقوا بأن القرآن كلام الله، وأن محمدا ﷺ رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله. وقوله (حقا) مصدر مؤكِد لقوله (صدقوه)؛ كأنه قال: صدقوه تصديقا، والمصدر المؤكِد يشترط أن يكون من لفظ الفعل، كما إذا قلت: قمت قياما، أو من معناه كما إذا قلت: قمت وقوفا. وقوله: (وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية) أي: وأيقن المؤمنون الذين صدّقوا: أنه كلام الله على الحقيقة لا المجاز؛ فإن المعطلة من الجهميّة، والمعتزلة يقولون: إنه كلام الله، لكنه مخلوق، فإضافته إلى الله إضافة مخلوقٍ إلى خالقه، فليس هو كلام الله على الحقيقة؛ لأنهم يعتقدون أن الله لا يتكلم! إذًا؛ فالقرآن عندهم ليس كلاما تكلم الله به، ولا يخصون القرآن بهذا؛ فكل كلام الله عندهم مخلوق حتى الخطاب الذي نودي به موسى ﵇ في الوادي المقدس زعموا أن الله خلق كلاما في الشجرة سمعه موسى! وردَّ عليهم أهل السنة بأن هذا يقتضي أن الشجرة هي التي قالت: «إني أنا الله لا إله إلا أنا»؛ لأن الله إذا خلق كلاما في بعض مخلوقاته؛ فالكلام لا يوصف به إلا من قام به الكلام. وهذه المسألة هي التي نشأت عنها فتنة القول بخلق القرآن، حتى

стр. 101

حُمل الناس على هذه البدعة بالقوة، وامتُحِن العلماءُ، وعلى رأسهم إمامُ أهل السنة الإمامُ أحمد ﵀. (١) والقول بخلق القرآن قول مبتدع باطل مبني على باطل، فهو مبني على أن الله لا يقوم به كلام، وهذا قولُ الجهميةِ والمعتزلةِ. والأشاعرةُ مذهبهم في القرآن ملفق، فيثبتون الكلام لله، ويقولون: إنه تعالى متكلم، والكلام يقوم به. (٢) لكن ما هو الكلام الذي يثبتونه؟ يقولون: إن كلام الله معنى نفسي قديم واحد. هذا ضابط كلام الله عندهم، فهو عندهم: معنىً واحدٌ قديم قائم به سبحانه لازمٌ لذاته لا تتعلق به المشيئة، ليس بحروف وأصوات، ولا يسمع من الله، هذا تحرير مذهبهم. وعلى هذا؛ فالقرآن المسموع، المتلو، المحفوظ، المكتوب؛ عبارة عن ذلك المعنى النفسي! إذًا؛ فحقيقة قولهم: إن هذا القرآن مخلوقٌ للدلالة على ذلك المعنى النفسي. فالجهمية والمعتزلة، والأشاعرة، كلهم يقولون: القرآن كلام الله، لكن كلٌ على أصله. فالجهمية، والمعتزلة: يريدون أنه مخلوقٌ لله، وإضافته إلى الله من إضافة المخلوق إلى الخالق. والأشاعرة يقولون: إنه كلام الله، فهذا الكلام المكتوب في المصاحف دليلٌ على المعنى النفسي، وفي هذه

стр. 102

يقتربون جدا من الجهمية، والمعتزلة، فليس بينهم كبير فرقٍ؛ لأن النزاع في هذا القرآن الذي يحفظه المسلمون، ويسمعونه، ويتلونه، ويكتبونه. وأهل السنة والجماعة عندهم: أن القرآن كلام الله على الحقيقة كيف ما تصرف: مكتوبا، ومحفوظا، ومسموعا، ومتلوّا. فالكلام المكتوب في المصاحف هو كلام الله، وما في صدورِ حَفَظَةِ القرآن هو كلام الله، وما يتلوه التالون هو كلام الله، لكن الصوت صوت القارئ، والكلام المتلو كلام البارئ، وكل عاقل يفرق بين الكلام الذي يبتدؤه المتحدث، وبين كلام غيره حين يقرأه، فالكلام إنما يضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. فإذا سمعت إنسانا يقرأ حديث «إنما الأعمال بالنيات» (١) تقول: هذا قول الرسول ﷺ ، ولا تقول هذا كلام الذي قرأ الحديث؛ لأن القارئ يقرأ كلام النبي ﷺ . وإذا سمعته ينشد قصيدة للشاعر امرئ القيس فإنك لا تقول: هذا كلام فلان الذي ينشد القصيدة بل تقول: هذا كلام امرئ القيس (٢). فالقرآن هو (كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق)، كما تقول: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة (ككلام البرية) فالبشر وكلامهم، وأفعالهم، وصفاتهم مخلوقة. وقوله: (فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه، وأوعده بسقر حيث قال تعالى: ﴿سأصليه سقر﴾). من سمع القرآن فزعم أنه كلام البشر، أنشأه محمد فهو كافر، مكذب للرسول ﷺ ، مفتر على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ . ويشير المؤلف إلى الآيات من سورة المدثر النازلة في الوليد بن

стр. 103

المغيرة، فإنه جاء إلى النبي ﷺ فسمع القرآن فرق له، فجاء إلى قريش فأثنى على القرآن، فعابوه، فلما عيروه بذلك أراد أن يحتفظ بمكانته ـ نسأل الله العافية ـ فقال ما أخبر الله به عنه: «ذرني ومن خلقت وحيداً * وجعلت له مالاً ممدوداً * وبنين شهوداً * ومهدت له تمهيداً * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيداً * سأرهقه صعوداً * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحرٌ يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر * وما أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر * لواحةٌ للبشر * عليها تسعة عشر». (١) وقوله: (فلما أوعد الله بسقر لمن قال: «إن هذا إلا قول البشر» علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر) لما علمنا أن الله ذمّ وتوعّد من قال: إنه قول البشر؛ علمنا أنه قول رب العالمين، لا قول البشر، ولا يشبه قول البشر، ولهذا كان القرآن معجزا تحدى الله الثقلين أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أوبسورةٍ من مثله قال تعالى: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً»، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾

стр. 104

وقال تعالى: «وإن كنتم في ريبٍ مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله» وقوله: (ولا يشبه قول البشر) لا في بيانه وفصاحته، ولا في معناه؛ لاشتماله على المعاني العظيمة في أخباره، فقد بلغ الغاية في الصدق في أخباره، والعدل في أحكامه «تنزيلٌ من حكيمٌ حميد» «تنزيلٌ من الرحمن الرحيم» «تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم»، لا يشبه قولَ البشر، مع أنه كلام، وقول البشر كلام، ولذا قال بعض أهل العلم (١): إن افتتاح السور بالحروف المقطعة فيه تنبيه على الإعجاز، وأن القرآن كلام مؤلفٌ من هذه الحروف التي يتألف منها سائر الكلام: (ال م رص ط هـ ك ع ق) فهو حروف وكلمات، وسور وآيات. وقوله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر) يعني من شبه الله بخلقه فقد كفر؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، «ولم يكن له كفواً أحد». فالله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، قال الإمام نعيم بن حماد (٢): (من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس في ما وصف الله به نفسه

стр. 105

ولا رسوله تشبيه). (١) وقوله: (فمن أبصر هذا اعتبر) من أبصر هذا بعقله وبصيرته اعتبر وحذر من حال المكذبين، وانزجر عن المقالات الباطلة، كقول الوليد بن المغيرة، وقول الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة. فالقرآن كلام الله، والله تعالى يتكلم بما شاء إذا شاء، وكلام الله يسمعه من شاء الله بلا واسطة. والأدلة على إثبات كلام الله كثيرة ومتنوعة ففي القرآن قال تعالى: ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ «وكلم الله موسى تكليماً» «ولما جاء موسى بميقاتنا وكلمه ربه» ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فقد جاء ذكر الكلام بلفظ القول، والكلام، والكلمات، والنداء، والمناجاة. والله كلم موسى، وناداه، وناجاه ناداه بصوت مرتفع، وناجاه بصوت خفي، قال تعالى: «وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيّا» فموسى كليم الله، ونجي الله؛ لأن الله ناجاه، وهو تعالى يوصف بالمناداة، والمناجاة، والتكليم. والمخلوق يوصف بالمناداة، والمناجاة، والتكليم، ولكن نقول: ليس التكليم كالتكليم، ولا المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة، كما نقول: إن حياته ليست كحياة المخلوقين، ولا علمه كعلمهم، ولا قدرته كقدرتهم، فالقول في الصفات واحد ولا فرق، وهذا أصل معقول صحيح.

стр. 106

[إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة] قال رحمه الله تعالى: (والرؤية حقٌّ لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربِّنا: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة ٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى، وعلمه) أي رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم ثابتة وواقعة، فيجب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربَّهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم. وقوله: (بغير إحاطة) أي: يرونه ولا يُحيطون به، فلا يرونه رؤية يدركونه بها من كل وجه، فهو تعالى أعظم من أن يُحيطَ به العباد، فإنهم: «لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا» [طه: ١١٠]، وكذلك لا يُحيطونَ به رؤية، قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] يعني: لا تُحيطُ به الأبصار. وقوله: (ولا كيفية) هذا يصح إن أريد به نفي العلم بالكيفية، وإلا فرؤية المؤمن لربه لها كيفية، وله تعالى كيفية، لكن لا نعلمها، فالنفي للكيفية مُتعلِّقٌ بالعلم، فيكون المعنى: بغير إحاطة ولا كيفية معلومة لنا. ومسألة الرؤية، مسألة عظيمة افترقت فيها الأمة، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم، يرونه في عرصات القيامة ـ يعني: في مواقف القيامة ـ، ويرونه في الجنة، كما يشاء ، يرونه ويسعدون، وينعمون بالنظر إلى ربهم، «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وفي الآية الأخرى: «عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» [المطففين: ٢٣ - ٢٤].

стр. 107

وقد دلَّ على مسألة رؤية المؤمنين لربهم القرآن، والسنة المتواترة عن النبي ﷺ (١)، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة؛ فأما القرآن فأصرح دليل في ذلك آية سورة القيامة التي ذكرها المصنف: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ» أي: بهيَّةٌ مشرِقَةٌ حسنةٌ «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» يعني: تنظر إلى ربها، وهذا الفعل: «نَظَرَ» يأتي على وجوه في اللغة العربية (٢): يأتي متعدِّيا «بنفسه» فيكون بمعنى الانتظار، قال تعالى: «هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ» [الأعراف: ٥٣] أي: هل ينتظرون إلا تأويله. ويأتي متعدِّيا بـ «في» فيكون معناه: التفكر، قال تعالى: «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأرض» [الأعراف: ١٨٥] وقال تعالى: «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ» [الروم: ٨]. ويأتي مُعدَّا بـ «إلى» فيُرادُ به نظر العين، قال تعالى: «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ» [ق: ٦] وقال تعالى: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ» [الغاشية: ١٧]. ومما أُستُدلَّ بها على إثبات الرؤية من القرآن قولُه تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ» [يونس: ٢٦]، وقد بيَّن النبي ﷺ أن الزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم (٣)، وفي معناها: قوله تعالى: «لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ» [ق: ٣٥] (٤) كما استدل أهل السنة بقوله تعالى في الكفار: «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» [المطففين: ١٥]، فلو كان المؤمنون لا يرونه؛ لاستووا هم والكفار. ومما استُدلَّ به من القرآن قوله تعالى: «عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ

стр. 108

فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» قيل: ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينظرون إلى الكفار وهُم يُعذَّبون، فيغتبطون بنعمة الله عليهم أن نجَّاهم وعافاهم، وقيل: ينظرون إلى ما أعطاهم الله من النعيم، وقيل: ينظرون إلى ربهم، أقاويل في تفسيرها للسلف (١) كما هي عادتهم يذكرون بعض ما تدلّ عليه الآية، قال ابن القيم ﵀: ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى: ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون. (٢) وأما السنة فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ في إثبات الرؤية، ومن ذلك قوله ﷺ : حين سألوه: هل نرى ربنا؟ قال: (هل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك) (٣)، وقال ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُون في رؤيته) (٤) إذًا؛ رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وهي من مطالب المؤمنين، ومما يرجون الفوز به، ولهذا جاء في دعاء النبي ﷺ : (أسألك لذة النظر إلى وجهك) (٥).

стр. 109

ومع هذه الأدلة قد عَميَ عنها من لبَّسَ عليهم الشيطان، فأضلَّهم عن سواء السبيل من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم فقالوا: إنه تعالى لا يُرى، وهذا ليس غريبا منهم، فالذين ينفون عن الله كل الصفات حقيق بأن يقولوا: إنه تعالى لا يُرى، بل لعل قولهم: إنه لا يُرى هو من لوازم نفيهم لجميع الصفات؛ لأن نفي جميع الصفات يستلزم نفي الذات، والمعدوم لا يُرى، فقولهم بنفي الرؤية مناسبٌ لمذهبهم في التعطيل. ومن شبهاتهم في ذلك استدلالهم بقوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] فقالوا: معناه لا تراه الأبصار. وأُجيب (١) عن هذا بأن قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» نفي للإحاطة، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وعلى هذا فالآية دالة على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنها دالة على إثبات الرؤية من غير إحاطة. وقد قيل في تفسير هذه الآية: لا تُدركه الأبصار في الدنيا، أو لا تُدركه أبصار الكفار (٢)، وهذان تفسيران مرجوحان: أولا: لأن الإدراك أخصُّ من مطلق الرؤية، وليس المنفي الرؤية. ثانيا: إنه على هذا التفسير لابد من التقييد أو التخصيص، أما على التفسير الأول لا تدركه، فالآية على إطلاقها. ومن صفات ربنا أنه لا تُدركه الأبصار، وهذه صفة سلبية، وتقدم (٣) أن النفي الذي من صفات الله تعالى لابد أن يتضمن ثبوتا،

стр. 110

فأما النفي الذي لا يتضمَّنُ ثبوتا؛ لا يدخل في صفاته تعالى، بل كلُّ نفيٍ في صفاته فإنه مُتضمِّنٌ لإثبات، فنفي إدراك الأبصار له يتضمَّنُ إثباتَ كمال عظمته سبحانه، فلِكمالِ عظمته لا تُدركه الأبصار. إذًا؛ فهذا نفي مُتضمِّن لإثبات مدح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومعلوم أن كونه الشيء لا يُرى ليس صفة مدح؛ لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا؛ ولأن المعدوم لا يُرى، والمعدوم لا يُمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه» (١). أما الآيات؛ التي فيها إثبات الرؤية فإنهم يُحرِّفونها، فأظهر آية في الدلالة على إثبات الرؤية: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة: ٢٣] قالوا: ناظرة إلى ثواب ربها، أو يُفسِّرون النظر بالانتظار! وتقدم (٢) إن هذا لا يتفق مع قاعدة اللغة. وقد جاء في الحديث: تشبيه رؤية المؤمنين لربهم برؤية الشمس والقمر، فالمشبَّه والمشبَّه به هو الرؤية، فشبَّهَ الرؤية بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئي بالمرئي، فلا يُقال: إن الله تعالى كالشمس والقمر، فقوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون) يعني: ترون ربكم رؤية كرؤيتكم للشمس والقمر، ووجه الشبه بين الرؤيتين: أولا: إنها رؤية بصرية لا علمية، ونفاة الرؤية يفسرون هذه الرؤية بالرؤية العلمية، ـ أي ـ يزداد علمهم بالله يوم القيامة، لا أنهم يرونه بأبصارهم. ثانيا: إنهم يرونه في العلو كما يُرى القمران في العلو. ثالثا: إنها رؤية من غير إحاطة، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة من غير إحاطة، كما أن الناس في الدنيا يرون الشمس والقمر من غير إحاطة.
следующие страницы →