← Акыда

Акыда · id 23088

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط التدمرية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (416 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مكتوب؛ لكن قبل الوقوع لا ندري إلا أن يأتي فيه خبرٌ من معصوم. وقوله: (لو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه] يعني: لو اجتمع الخلق على أن يغيروا ما سبق به علم الله وكتابه لم يقدروا، وهذا معلوم بالضرورة أن الخلق لا يقدرون على تغيير قدر الله، ومن أدلة ذلك ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (١) فالأمر قد فرغ منه، وهذا يوجب للعبد أن يعلق رجاءه وخوفه بربه لا بالأسباب ولا بالعباد؛ لأن العباد إن نفعوك فالله هو الذي أجرى تلك المنفعةَ على أيديهم، وأقدرهم عليها، وجعلهم يريدونها، وهيأ لهم أسبابها، وإن حصلت لك مضرة على يد أحد؛ فاعلم أن هذا بتقدير الله، فلا تغفلْ عن الله وتعلقْ قلبك بهم فتخافهم «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ» [العنكبوت: ١٠]. وقوله: (جف القلم بما هو كائن) جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (جف القلم بما أنت لاقٍ) (٢) جف القلم: هذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله وكتابه، لكن نؤكد على أن الله قضى بحكمته وعلمه وكتابه، إن هذه الأقدار متربط بعضها ببعض، ومن

стр. 177

قدر الله ترتيب المسبَبَات على الأسباب، ما يجيء لك ولد إلا إذا تزوجت، ولا يعقل أن تقول: إنْ كتب الله لي ولدا فسيأتي ولو لم أتزوج! أو تترك طلب الرزق وتقول: إنْ كتب الله لي رزقا سيأتيني وأنا نائم! نعم قد يكون؛ لكن ليس هذا موجب العقل والفطرة والشرع؛ بل موجب العقل والفطرة والشرع: أن تسعى في طلب الرزق، ولو توكلت على الله، فلا بد لك من الأخذ بالأسباب، وأعظم من ذلك أمر السعادة، فلا تكون السعادة إلا بأسبابها وهي الإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا إلا بالأسباب، فمن تحققت له أسباب السعادة فنعلم بذلك أنه قد سبق علم الله وكتابه بسعادته. وقوله: (وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبَه وما أصابه لم يكن ليخطئه). هذا تأكيد، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) (١) فما حصل لك من خير أو شر فقد سبق في علم الله وكتابه أنه يصيبك ويحصل لك، وما أخطأك وما فاتك وما سلمت منه فقد سبق علم الله وكتابه بذلك، ولم يكن في علم الله وكتابه أنه يصيبك ثم يخطئك. وقوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمُه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه). هذه الجملة تؤكد ما سبق، وهي أعم من قوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة،

стр. 178

فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا يُنقص منه) (١) فهذه الجملة بخصوص عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، وقد علم الله ذلك كله؛ لكن هنا المؤلف يؤكد ما يتعلق بالمرتبة الأولى من مراتب القدر، فلا بد أن يعلم العبد أنه قد سبق علم الله بكل ما هو كائن، وسبق قضاؤه وحكمه قضاء مبرما محكما، فلا مُغَيِّر ولا ناقض، ولا زائد ولا ناقص لعلمه وتقديره تعالى، وهذه الجملة شاملة يدخل فيها ـ مثلا ـ الملائكة، فقد سبق علم الله وكتابه وتقديره للملائكة بأعدادهم وصفاتهم ومنازلهم وفضائلهم وأعمالهم وأقوالهم، وقد سبق علمه وكتابه بعدد الأشجار وأنواعها وأجناسها وثمارها وأوراقها، قال تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: ٥٩] تأمل ماذا يتساقط من أوراق وحبوب الزروع والأشجار المأكولة وغير المأكولة في القفار وفي الديار؟! وتأمل قوله (وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ) فإنها تشمل كل شيء من هذه الكائنات. وقس سائر المخلوقات على هذين المثالين المذكورين. ولسيد قطب ﵀ في تفسيره كلام وتصوير بديع لدلالة هذه الآية، وما فيها من الشمولية العظيمة، والدلالة على الإعجاز. (٢) وقوله: (وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة). العلم بأن الله قد سبق علمه في كل كائن، وقدر ذلك تقديرا محكما هذا من عقد الإيمان، وباختصار نقول: الإيمان بالقدر بكل مراتبه؛ ولكن المؤلف ركَّز هنا على المرتبة الأولى والثانية: مرتبة الإيمان بالعلم السابق الأزلي، ومرتبة الكتاب فركَّز عليها وأكَّد عليها، بقوله: (وذلك

стр. 179

كله من عقد الإيمان) الذي يجب عقد القلب عليه، والإيمان اعتقاد يعقد الإنسان قلبه عليه. وقوله: (والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته). لاحظ أن الإيمان بالقدر هو من توحيد الربوبية؛ لأننا نقول في توحيد الربوبية هو: الإيمان بأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، هكذا نفسر توحيد الربوبية، وهذا يتضمن الإيمان بالقدر، وهو أن كل شيء جارٍ بقدر الله وبمشيئة الله على وفق علمه وتقديره السابق، ولهذا روي عن ابن عباس ﵄: (الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر فقد تم توحيده، ومن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيده) (١) فالمكذب بالقدر لم يحقق توحيدَ الربوبية؛ فإن كان من الغلاة جحد علم الله وتقديره السابق، ونفى عموم المشيئة وعموم الخلق، وإن كان من مقتصدي النفاة القدرية فهو يُخرج أفعال العباد عن مشيئة الله وعن قدرته وخلقه وملكه. إذًا؛ الإيمان بالقدر من توحيد الربوبية، فمن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه، وهذا يوضح قول المؤلف: (وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة). وقوله: (كما قال تعالى في كتابه: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيْرَاً» [الفرقان: ٢]، وقال تعالى: «وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرَاً مَقْدُوْرَاً» [الأحزاب]). هذان دليلان من الأدلة الدالة على الإيمان بالقدر، وأنه تعالى خلق كل شيء على وفق ما سبق به قدره. وقوله: (فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر

стр. 180

فيه قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سِرًا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما). بعدما ذكر أن هذا هو ما عليه الراسخون في العلم أولياء الله الذين نوَّر الله قلوبهم، وذكر أن هذا كله من عقد الإيمان وأصول المعرفة والتوحيد، أشار إلى من خالف ذلك ولم يعترف به، أو آمن بالقدر إيمانا ليس على الوجه المشروع، فقال: (فويل لمن صار) ويل: كلمة للوعيد والتهديد، قال تعالى: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» [المطففين: ١]، «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» [الهمزة: ١]، «فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» [الطور: ١١] وهذا الوعيد يشمل كل الطوائف: الجبرية المشركية، والمجوسية نفاة القدر، والإبليسية، كلهم يصدق عليهم هذا؛ ولكن دخول الجبرية والإبليسية أظهر؛ لأن الجبرية يحتجون بالقدر في معارضة الشرع كما قال المشركون: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا» [الأنعام: ١٤٨] فهم يعارضون شرعه بقدره، ويحتجون على الشرع بالقدر. والإبليسية الأمر فيهم أظهر وخصومتهم لله تعالى وطعنهم في حكمته أشهر، كما قال الله عن سلفهم إبليس لما أمره الله بالسجود لآدم فأبى وقال: «أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» [الأعراف: ١٢]. وقوله: (وأحضر للنظر) في القدر (قلبا سقيما) فنظر في القدر بقلب سقيم عليل مريض، لم ينظر بقلب حي سليم، والقلوب كما تقدم (١) ثلاثة على سبيل الإجمال: القلب السليم: وهو الذي سلم من أمراض الشبهات والشهوات، وقلب ميت، وقلب مريض. فالذي ينظر في القدر وهو عليل القلب لا يستقيم فهمه، وتضطرب الحقائق في نظره.

стр. 181

وقوله: (لقد التمس) هذا الذي نظر في القدر بقلب سقيم يطلب ما لا سبيل إلى معرفته؛ لأنه طلب ما استأثر الله بعلمه كما تقدم أن: (القدر سر الله تعالى في خلقه … والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان … فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه) (١) وهذا الكلام يؤكد ما سبق. فالذي نظر في القدر على غير هدىً، وعلى غير بصيرة لم يعتصم بالوحي، فالمعتصم في كل المضائق هو دين الله أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من اتبع الرسل اهتدى، ومن أعرض عما جاءوا به ضل وتخبط في الظلمات. وقوله: (بِوَهْمِه في فحص القدر سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما) سر كتيم أي: مكتوم، سرٌ استأثر الله بعلمه، ما دام أنه نظر فيه بقلب سقيم، ونظر فيه بوهمه وتكلف فسيعود بأقوالٍ في القدر هي إفك وكذب، فالجبرية، والقدرية النفاة، والإبليسية كلهم يشملهم هذا الكلام، عادوا بالكذب والإثم المبين، فالجبرية أعرضوا عن الشرع أو كذبوا به، والقدرية كذبوا بالقدر، والإبليسية طعنوا في حكمة الرب وضربوا أحكام الله بعضها ببعض. وهنا انتهى ما يتعلق بالقدر مما ذكره المؤلف وقد أطنب فيه ﵀، وقد أحسن في هذه الكلمات الطيبة في التأكيد على وجوب الإيمان بالقدر، وأكد على أصل التسليم وهو أصل عظيم، وحذر من الخوض فيما لا سبيل إلى معرفته من أسرار القدر، وأشار إلى أحوال القلوب، وغير ذلك، فجزاه الله خيرا ورحمه، وسائر أهل العلم والإيمان.

стр. 182

[إثبات العرش والكرسي، وغناه تعالى عن كل شيء] وقوله: (والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه). مما يجب الإيمان به عرش رب العالمين الذي تمدح الرب بربوبيته له، واستوائه عليه، فقال تعالى: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [التوبة: ١٢٩]، «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» [البروج: ١٥]، وأضافه تعالى إلى نفسه، فقال: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة: ١٧]. وقد جاء ذكر العرش في القرآن في مواضع كثيرة. وأخبر الله عن صفة العرش بأنه عرش عظيمٌ: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [التوبة: ١٢٩]، وكريمٌ «رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» [المؤمنون: ١١٦] ومجيدٌ على قراءة الجر «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ» [البروج: ١٥]. (١) وأخبر تعالى أن له حملة: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» [غافر: ٧]، «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة: ١٧]. وأخبر عن استوائه على العرش في سبعة مواضع من القرآن (٢)،

стр. 183

وجاء في السنة وصف العرش بأنه فوق السماوات (١)، وكل هذا يجب الإيمان به من غير تحديد لكيفيته، فنحن لا نتصور كيفية العرش؛ لأنه غيب. وأهل السنة والجماعة يثبتون العرش لله، ويثبتون استواء الله تعالى على العرش، ويثبتون كل ما ورد في صفة العرش، على أساس الإيمان بالله وبكتابه ورسوله ﷺ ، وأما المعطلة نفاة الصفات كالجهمية والمعتزلة؛ فإنهم لا يثبتون حقيقة العرش التي دلت عليها النصوص، فيفسرون العرش بالملك، ويقولون: «اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» [الأعراف: ٥٤] استولى على الملك، فالعرش عبارة عن كل المخلوقات. وُرد عليهم بأن هذا التفسير لا يستقيم مع ما ورد في وصف العرش بأن له حملة، قال تعالى: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» [غافر: ٧] أيكون معناه يحملون الملك؟! هذا لا يستقيم؛ لأن حملة العرش من جملة ملك الله، وفي الحديث عن النبي ﷺ : (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش) (٢) فتفسير العرش بالملك من تحريفات أهل البدع. وأما الكرسي فلم يرد في القرآن إلا في آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله، كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ (٣)، وسميت بهذا لذكر الكرسي فيها: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ» [البقرة: ٢٥٥] فأضاف الله الكرسي

стр. 184

إليه، وإضافة العرش والكرسي إليه تعالى من إضافة المخلوق إلى خالقه، وفي هذا تشريف للعرش والكرسي، وورد في السنة ذكر الكرسي، وأن العرش أعظم منه، كما في الحديث عن النبي ﷺ : (ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) (١)، فالكرسي عظيم وواسع، ومع سعته فالعرش أعظم منه. وقد اختلف المفسرون (٢) في الكرسي المذكور في الآية فقيل: علم الله تعالى، وعلى هذا القول فلا يكون في الآية دلالة على إثبات الكرسي الذي هو شيء قائم بنفسه موصوف بسعته للسماوات والأرض. وقيل: إن الكرسي هو العرش، وعلى هذا فليس هناك شيئان، فما هو إلا العرش. وقيل: وهو الصحيح عن ابن عباس (٣)، والمشهور من مذهب أهل السنة أن الكرسي مخلوق عظيم، وهو موضع قدمي الرب . (٤) وهذا أرجح الأقوال في تفسير الكرسي. وبهذا يتبين أن العرش أعظم من الكرسي بكثير، كما يظهر ذلك من ورود النصوص بذكر العرش وتنوعها، والله هو العلي العظيم، هو

стр. 185

العلي بكل معاني العلو، فله العلو ذاتا وقدرا وقهرا، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، فالمخلوقات كلها صغيرة في جنب عظمته، قال تعالى: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعَاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» [الزمر: ٦٧]. وقوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه). خلق الله السماوات والأرض ثم استوى على العرشِ، واستواؤه تعالى على العرش لا يلزم منه حاجته إلى العرش؛ بل هو تعالى مستوٍ على العرش مع غناه عن العرش، وما دون العرش، هو تعالى الممسك للعرش، والسماوات والأرض، «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا» [فاطر: ٤١]، «وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» [الحج: ٦٥] وليس استواؤه سبحانه على العرش كاستواء المخلوق على ظهر الفلك والأنعام ونحوها من المراكب، فالمخلوق مفتقر إلى ما هو مستو عليه مستقر عليه بحيث لو عثرت الدابة أو غرقت السفينة لسقط أو غرق المستوي عليها، فهو مفتقر إلى ما هو مستوٍ عليه، محتاج ومعتمد عليه، والله بخلاف ذلك، فاستواؤه على العرش لا يستلزم افتقاره ولا حاجته إلى العرش، بل هو مستغنٍ عن العرش وعن كل شيء، هو الغني عن كل ما سواه، والذين نفوا حقيقة الاستواء زعموا وتوهموا أنه إذا كان تعالى مستوٍ على العرش لزم أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق على ظهر الفلك والأنعام، وهذا فهم باطل وقياس للخالق على المخلوق، ولا يظن ذلك إلا جاهل ضال، فاستواؤه على العرش صفة فعلية من جملة أفعاله، وليس هو كاستواء المخلوق، كما يقال مثل ذلك في سائر الصفات، فكما أن علمه تعالى ليس كعلمنا، ولا قدرته كقدرتنا، ولا سمعه وبصره ورؤيته مثلنا، كذلك استواؤه على العرش ليس كاستوائنا، بل صفاته مختصة به مناسبة له لا تماثل صفات المخلوقين.

стр. 186

[إثبات صفة الإحاطة والفوقية لله تعالى] وقوله: (محيط بكل شيء وفوقه) محيط بكل شيء، وفوق كل شيء، الله تعالى وصف نفسه بالإحاطة في آيات كثيرة كقوله تعالى: «وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ» [البروج: ٢٠]، وفي الآية الأخرى: «وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» [الأنفال: ٤٧]، وقال : «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَاً» [الطلاق: ١٢]، هذا الذي جاء في القرآن الإحاطة العلمية، ومعناها: أنه لا يخرج عن علمه تعالى شيء، والشيء المحيط بغيره هو الذي يكون محيط به من جميع الجوانب، فعلم الله محيط بكل شيء، فهو تعالى محيط بكل شيء علما وقدرة «إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [فصلت: ٣٩]، «وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [البقرة: ٢٩]. أما الإحاطة الذاتية بمعنى أنها كإحاطة الفلك بما فيه فلا، فالله تعالى فوق كل شيء، وليس في ذاته شيء من مخلوقاته؛ بل هو بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته. وقوله: (وفوقه) ذكر الشارح ابن أبي العز (١) أن في بعض النسخ (محيط بكل شيء فوقه) بدون واو، وحينئذٍ يكون المعنى: محيط بكل شيء فوق العرش. وأما النسخة التي اعتمدها الشارح بإثبات الواو؛ (٢) فتكون مفيدة

стр. 187

لمعنىً آخر، وهو: أنه تعالى محيط بكل شيء، وفوق كل شيء، فتفيد الجملة أمرين: إثبات الإحاطة وإثبات الفوقية. والفوقية قد جاء ذكرها في القرآن في مواضع مثل قوله تعالى: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» [النحل: ٥٠]، وفي الحديث عن النبي ﷺ : (والله فوق العرش). (١) والقول في الفوقية كالقول في العلو، فهي ثلاثة أنواع كالعلو: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر لكل شيء. كذلك الفوقية يقال: فوقية الذات، وفوقية القدر، وفوقية القهر. ففوقية القدر هي: فوقية الصفات، والنزاع الذي بين أهل السنة والمبتدعة إنما هو في علو وفوقية الذات؛ فإن نفاة العلو والفوقية يفسرون علو الذات بعلو القدر، فيقولون: قوله تعالى: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨] كقولك: الذهب فوق الفضة، من حيث القدر والقيمة. وآيات الفوقية هي من جملة الأدلة على علو الله تعالى بذاته، فالله فوق عباده «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» [النحل: ٥٠]، وأدلة علو الله في ذاته على المخلوقات كثيرة جدا، وذكر ابن القيم (٢) أنها أنواع، وكل نوع تحته أفراد، فمنها: ١ - التصريح بوصفه تعالى بالعلو، كقوله تعالى: «وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» [البقرة: ٢٥٥] في آيات كثيرة. ٢ - التصريح بالفوقية «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» [النحل: ٥٠]. ٣ - التصريح بأنه في السماء: «أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [الملك: ١٦] وقال النبي ﷺ : (ألا تأمونني وأنا أمين من في السماء) (٣).

стр. 188

٤ - الإخبار برفع بعض المخلوقات إليه: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» [النساء: ١٥٨]. ٥ - الإخبار بعروج بعض المخلوقات إليه: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ» [المعارج: ٤]. ٦ - الإخبار بصعود بعض الأمور إليه: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» [فاطر: ١٠]. ٧ - الإخبار عن بعض المخلوقات بأنها عنده: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ» [الأعراف: ٢٠٦]، «وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» [الأنبياء: ١٩] ويستدل أهل السنة بهذا على العلو؛ لأن المبتدعة الذين ينفون علو الله يقولون: إنه في كل مكان، وإذا كان في كل مكان ـ تعالى الله عن ذلك ـ فلا تكون بعض المخلوقات عنده دون بعض؛ بل تصبح كل المخلوقات عنده؛ لأنه في كل مكان، فلا يختص الملائكة بقرب ولا يوجد قريب وبعيد! إذًا؛ الله تعالى ليس في كل مكان، وإذا لم يكن في كل مكان ـ وهو كذلك ـ فلا بد أن يكون في أكمل الأمور والأحوال وهو العلو لا في السفل. كما يستدلون بالسؤال عنه بـ (أين)؛ لأن من أدلة أهل السنة على إثبات علو الله على خلقه صحة السؤال عنه بـ (أين) كما قال النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) (١)، ونفاة العلو لا يجوز عندهم السؤال عن الله بـ (أين) إنما يُسأل بـ (أين) عمن هو في مكان، والله عندهم ليس في مكان، ويقولون المقولة التي فيها التضليل والتزوير: (كان الله ولا عرش، وهو على ما عليه كان) ويتوصلون بهذا التعبير إلى نفي الاستواء على العرش. (٢)

стр. 189

وإذا قلنا: إنه تعالى ليس في كل مكان؛ بل هو في العلو فليس معناه: أنه في مكان موجود محيط به؛ بل هو فوق العالم، وليس فوق العالم كله موجود إلا الله تعالى، فالله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقات؛ بل هو تعالى فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فتضمن قول الطحاوي: (محيط بكل شيء وفوقه) إثبات صفة الإحاطة وإثبات العلو لله تعالى، وبين إثبات العرش وإثبات العلو تناسب؛ لأنه تعالى مستوٍ على العرش، بل نصوص إثبات الاستواء هي من جملة ما يستدل به على علو الله تعالى بذاته.

стр. 190

[عجز الخلق عن الإحاطة بالله تعالى] وقوله: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه). أعجز الخلق عن أن يحيطوا به، فلا يحيطون به علما كما قال تعالى: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمَاً» [طه: ١١٠]، فالعباد يعرفون ربهم بما جعله في فطرهم، وبما أوحاه إلى رسله، ومع ذلك هم لا يحيطون به علما، يقول أعلم الخلق به ﷺ : (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (١)] لا يحيط العباد بما له من الأسماء، وبما له من الصفات، ولا يعلمون كيفية ذاته وكيفية صفاته، وكذلك إنْ رأوه لا يحيطون به رؤية: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] فلا تحيط به الأبصار.

стр. 191

[إثبات صفة الخلة والتكليم لله تعالى] وقوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما). نقول نحن أهل السنة: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، كما أخبر سبحانه في كتابه: «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَاً» [النساء: ١٢٥] وأخبر سبحانه أنه كلم موسى تكليما، قال سبحانه: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً» [النساء: ١٦٤]، وفي هذا فضيلة لإبراهيم وفضيلة لموسى، فإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) (١) وقال ﷺ : (إن صاحبكم خليل الله) (٢). وأهل السنة يثبتون المحبة ويثبتون الكلام لله، ويقولون: إن الله يُحِب ويُحَب، قال تعالى: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» [المائدة: ٥٤]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» [التوبة: ٤]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» [البقرة: ٢٢٢]، ويُكَلِّم ويَتَكَلَم، فيثبتون صفة المحبة وصفة الكلام. والخُلَّة هي أكمل المحبة، فإبراهيم ﷺ خليل الله، فله من محبة الله ما تبوأ به منزلة الخُلَّة التي هي: أعلى درجات المحبة، ونبينا ﷺ خليل الله أيضا، فإبراهيم ومحمد هما خليلان لله تعالى، وأما ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم خليل الله … وأنا حبيب الله

стр. 192

ولا فخر) فهو حديث ضعيف (١)، وقد تعلق به بعض الجهلة وأهل الغلو، فيسمون الرسول ﷺ : حبيب الله (٢)، وكأن المحبة عندهم أعلى من الخُلَّة، وهذا خلاف اللغة، وخلاف دلالات النصوص، فالمحبة ثابتة للأنبياء والمؤمنين والملائكة، كل على منزلته من محبة الله ، «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران: ٣١]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» [التوبة: ٤]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [البقرة: ١٩٥]، فالمحبة مشتركة بين سائر المؤمنين، كل له حظه من محبة الله بحسب إيمانه وتقواه، فوصف الرسول ﷺ بأنه: حبيب الله فقط ليس فيه خصوصية ولا تميز، فكل مؤمن هو حبيب الله ـ أي ـ: محبوب لله. وتقدم ذكر (٣) الأدلة على إثبات صفة المحبة، وصفة الكلام لله تعالى. والمعطلة من الجهمية والمعتزلة (٤) ومن تبعهم ينفون هذه الصفات، فالجهمية يقولون: إنه لا يُحِب ولا يُحَب؛ لأن المحبة ميل الشيء إلى ما يناسبه، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق، وهذا ـ إن صح أن يكون تفسيرا للمحبة ـ يختص بمحبة المخلوق، فالمحبة معنىً معقولٌ هو ضد البغض، والله تعالى أخبر بأنه يحب أولياءه ويحب المؤمنين والمقسطين والتوابين، وأخبر بأنه يمقت الكافرين: «لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» [غافر: ١٠]. ونفاة المحبة منهم من يفسر المحبة من الله بإرادة الإنعام، أو يفسرها بنفس النعم المخلوقة، ويفسر البغض بإرادة الانتقام، أو بنفس العقوبة، المهم عندهم نفي حقيقة المحبة عن الله، وينفون محبة المخلوق

стр. 193

للخالق سبحانه ويقولون: إن المحبة هي محبة ثوابه، أو محبة طاعته، والمحبة عندهم لا تتعلق إلا بالمخلوق. ومن المبتدعة من أثبت المحبة من جهة المخلوق، كالصوفية؛ فإنهم يبالغون في إثبات محبة المخلوق للخالق حتى يعبرون عن محبتهم لله بالعشق، وكذلك الفلاسفة يطلقون العشق على الله تعالى. (١) والحق: ما دل عليه كتاب الله، ودلت عليه الفطر والعقول بأنه يُحِب ويُحَب؛ يحب ملائكته وأنبياءه والصالحين من عباده، كما أخبر تعالى بذلك عن نفسه، ويحبه أولياؤه كما في الآية التي جمعت بين الأمرين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: «قل إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران: ٣١]. وكل صفة تثبت لله تعالى فليست مثل صفة المخلوق، فليس حبه تعالى كحبنا، وليس كلامه وتكليمه ككلامنا، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض، فـ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى: ١١] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما أنه تعالى له علم لا كعلمنا، وسمع لا كسمعنا، فله محبة لا كمحبتنا، ورِضًا لا كرِضَانا. وأما ما ذكره الشارح ابن أبي العز (٢) من الكلام في الخُلَّة، وقول الشاعر (٣): قد تخللت مسلك الروح مني … ولذا سمي الخليل خليلا فهذا تفسير للخُلَّة التي هي صفة المخلوق، وكذلك قوله: (٤) إن

стр. 194

الخُلَّة لا تقبل الشركة، فهذا فيه نظر؛ لأن الله اتخذ إبراهيم ﷺ خليلا واتخذ محمدا ﷺ خليلا، نعم من كان الله خليله فلا يكون أحد من الخلق خليله، كما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله) (١) فدل على أن المانع له من أن يتخذ أبا بكر خليلا أن الله اتخذه خليلا، وهذا يقتضي أن يكون الله خليله، وإن لم يرد ـ فيما أعلم ـ وصف الله بأنه خليل إبراهيم، أو خليل محمد، لكن هذا الحديث يشعر بهذا، وأن الله حين اتخذ محمدا خليلا لم يكن للرسول ﷺ خليل من الخلق، وأن ذلك يقتضي أن الله خليله، وهذا من الأدلة على أن أبا بكر ﵁ هو أفضل هذه الأمة على الإطلاق، فهو صديق الأمة وخيرها بعد نبيها؛ لأنه ﷺ قال: (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا).

стр. 195

[وجوب الإيمان بالملائكة والأنبياء والكتب] وقوله: (ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين). أهل السنة يؤمنون بهذه الأصول، بالملائكة وبالأنبياء وبالكتب، وهذه ثلاثة أصول من أصول الإيمان التي ذكرها الرسول ﷺ في جوابه لجبريل حيث قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره). (١) والإيمان بأصول الإيمان يكون على وجهين: مجمل، ومفصل. فأما الإيمان بهذه الأصول إجمالا فرض عين على كل مكلف، فعلى كل مكلف أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بالقدر، والإمام الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة لم يراعِ ترتيب مسائل الإيمان، فيذكر مسائل تتعلق ـ مثلا ـ بالإيمان بالله، ومسائل تتعلق بالإيمان بالرسل، ثم يعود ويذكر مسائل تتعلق بالإيمان بالكتب أو بالملائكة أو باليوم الآخر، من غير مراعاة للترتيب، ولهذا قال الشارح ابن أبي العز: (الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في الصفات في المختصر في مكان واحد، وكذلك الكلام في القدر ونحو ذلك، ولم يعتن فيه بترتيب. وأحسن ما يرتب عليه كتاب أصول الدين ترتيب جواب النبي ﷺ لجبريل ﵇ حين سأله عن الإيمان). (٢)

стр. 196

ولكن في الحقيقة هذا التفريق عندي له فائدة وهي: أن الصلة بهذه الأصول مستمرة لا تنقطع؛ فيتجدد الكلام ويتكرر؛ فيحصل بسبب ذلك التذكير والضبط، فعلى سبيل المثال: مسائل القدر جاءت متفرقة؛ لكن صار من فائدته: تجدد الكلام في القدر، وحصل فيه التأكيد ومزيد الإيمان والإيضاح؛ لكن إذا جُمع الكلام في موضع واحد فإنه مع طول الوقت يُغفل عنه. فهنا قال: (ونؤمن بالملائكة والنبيين) هذا إيمان مجمل، نؤمن بالملائكة كما ذكر، والإيمان بالملائكة كما جاء في السنة جاء في القرآن مقرونا بالإيمان بالله في ثلاثة مواضع في قوله تعالى: «وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» [البقرة: ١٧٧]، وقال : «وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالَاً بَعِيدَاً» [النساء: ١٣٦]، وقال سبحانه: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» [البقرة: ٢٨٥] فنؤمن بالملائكة الذين وصفهم الله بصفات كريمة، فقال تعالى عنهم: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَاً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ» [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]. وقد أخبر الله تعالى أن الملائكة أصناف منهم: ملك الموت، قال تعالى: «قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ» [السجدة: ١١]. ومنهم الملائكة الذين هم من أعوان ملك: ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقد أضاف الله إليهم التوفي كما أضافه إلى ملك الموت، قال تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» [الأنعام: ٩٣]، وقال تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [النحل: ٣٢]. ومنهم الملائكة الموكلون بحفظ وكتابة أعمال العباد «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ» [الانفطار: ١٠].

стр. 197

ومنهم الملائكة الموكلون بالوحي «يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ» [النحل: ٢]. وقد سمى الله من الملائكة في القرآن جبريلَ وميكائيل ومالك خازن النار، قال تعالى: «مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ» [البقرة: ٩٨] وقال تعالى: «وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ» [الزخرف: ٧٧]. وجاء في السنة تسمية إسرافيل ومنكر ونكير، ففي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يستفتح في قيام الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل) (١) وروى الترمذي عن النبي ﷺ تسمية الملكين الَّذَيْنِ يسألان المقبور: بـ «المنكر والنكير» (٢). والملائكة خلق من خلق الله فيجب الإيمان بأنهم عباد مخلوقون مربوبون مدبرون ليسوا بآلهة كما ظن المشركون، وليسوا بنات الله كما افترى المفترون «فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثَاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» [الصافات: ١٤٩ - ١٥٢] فمن الناس من ينكر وجودهم، ومنهم المتأول الذي يقول: الملائكة هي القوى الَخيِّرة في الإنسان، والشياطين هي القوى الشريرة في الإنسان، فليسوا خلقا قائمين بأنفسهم، وهذا خلاف ما أخبر الله به في كتابه من أمر الملائكة، فهم عباد عابدون لله مطيعون في غاية من العبودية والطاعة لله رب العالمين: «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ» [الأنبياء: ٢٠]، «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ» [الأعراف: ٢٠٦]، وذكر الله ما دار بينه وبين الملائكة في أمر خلق آدم: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ

стр. 198

خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» [البقرة: ٣٠] إلى آخر القصة. وأما الأنبياء فكذلك يجب الإيمان بهم إجمالا، ويجب الإيمان بمن سمى الله منهم تفصيلا، وقد ذكر الله الإيمان بالرسل في الآيات الثلاث التي تقدمت (١)، وذكروا في آيات أخرى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجَاً وَذُرِّيَّةً» [الرعد: ٣٨]، «وَرُسُلَاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلَاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ» [النساء: ١٦٤]، فرسل الله وأنبياؤه كثيرون؛ لكن منهم من قص الله علينا من أخبارهم، ومنهم من لم يقصهم علينا، ومنهم من ذَكر اسمه ولم يذكر تفصيلَ خبره، مثل: ذي الكفل وإدريس واليسع، وقص الله علينا أخبار أنبياء كثيرين؛ كنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى، فيجب الإيمان بما أخبر الله به عن الأنبياء والمرسلين إجمالا وتفصيلا؛ فأما الأيمان بهم مجملا؛ فهو فرض عين، وأما معرفة أخبارهم تفصيلا فهو فرض كفاية، ويجب على من علم شيئا من تفصيل أخبارهم أن يؤمن به. وبمناسبة ذكرِ المؤلف ﵀ (ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين) ترد مسألة الفرق بين النبي والرسول، وقد سبق الكلام عليها عند قول المؤلف: (وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى) (٢). والأصل الثالث من أصول الإيمان في عبارة المؤلف ﵀ هو الإيمان بالكتب، فإنه قال: (ونؤمن بالملائكة والنبيين وبالكتب المنزلة على المرسلين) وقدَّم ذكر الأنبياء على الكتب، مع أن الذي في الآيات والأحاديث تقديم ذكر الكتب على الرسل، قال تعالى: «وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» [البقرة: ١٧٧]، «كُلٌّ آمَنَ

стр. 199

بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ» [البقرة: ٢٨٥]؛ لكن الظاهر أن المؤلف قدم وأخر، مراعاة لتناسب الجمل. فيجب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على من شاء من رسله، والله أخبر في آيات كثيرة أنه أنزل الكتب وسمى لنا التوراة والإنجيل، قال تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ» [آل عمران: ٣]، والزبور «وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا» [الإسراء: ٥٥]، وصحف إبراهيم وموسى «صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى» [الأعلى: ١٩]، فيجب الإيمان بكتب الله إجمالا، وهذا فرض عين، وبما سمى الله منها تفصيلا وتعيينا فنؤمن بالتوراة المنزلة على موسى، وبالإنجيل المنزل على عيسى، وبالزبور المنزل على داود، وبصحف موسى وإبراهيم، ونؤمن بأنها كلام الله، فالكتب المنزلة كلها كلام الله. والإيمان بالكتب يندرج في الإيمان بالرسل؛ لأنهم هم الذين جاءوا بها قال الله تعالى: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» [البقرة: ١٣٦] لا نفرق بين الرسل ولا نفرق بين الكتب «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلَاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقَّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابَاً مُهِينَاً * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» [النساء: ١٥٠ - ١٥٢]. وأنكر الله على اليهود إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض. وهذه الأصول يتعلق بها كثير من مسائل الاعتقاد، نص المصنف ﵀ على بعضها، فيما تقدم، وكما سيأتي بعضها. وقوله: (ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين). ونشهد أن الأنبياء والمرسلين رسل من عند الله، جاءوا بالحق من عنده، وكلهم صادقون مَصْدوقون، «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» [البقرة: ١٣٦]،

стр. 200

وأنهم خير خلق الله، وأن بعضهم أفضل من بعض، كما قال سبحانه: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» [البقرة: ٢٥٣] وقال : «وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ» [الإسراء: ٥٥] وأفضلهم أولو العزم، وأفضل أولو العزم الخليلان إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأفضلهما نبينا محمد خاتم النبيين ﷺ .

стр. 201

[تسمية أهل القبلة بالمسلمين] وقوله: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين). أهل القبلة: هم الذين يستقبلون الكعبة في صلاتهم، فنسمي كل من يستقبل الكعبة: (مسلمين)، فجميع الفرق الإسلامية يسمون أهل القبلة؛ لأن القبلة تجمع المسلمين، وليس فيها خلاف بينهم. وأما قوله: (مؤمنين) هذا جارٍ على عدم الفرق بين الإسلام والإيمان، وأنَّ كلَ مسلمٍ مؤمنٌ وكلَ مؤمنٍ مسلمٌ، وأنهما اسمان لمسمىً واحد، وهي مسألة معروفة وكبيرة: فمن أهل العلم من يقول: إنهما اسمان لمسمىً واحد. ومنهم من يقول: بل هما متغايران ومختلفان. والقول الوسط هو: أن الإسلام والإيمان إذا أفردا اتحد معناهما، وإذا اقترنا وذكرا جميعًا اختلف معناهما، كقوله تعالى: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [الأحزاب: ٣٥]، فإذا ذكر الإيمان والإسلام كان المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، وبالإيمان اعتقاد القلب، ولهذا فرق ﷺ بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل، فلما قال: (أخبرني عن الإسلام) أخبره بأصول الأعمال الظاهرة، وهي أركان الإسلام، وعندما قال: (أخبرني عن الإيمان؟) (١)، فسره له بأصول الاعتقاد وهي الأصول الستة.

стр. 202

فعلى القول بالفرق لا نسمي كلَ أحدٍ مسلما مؤمنا؛ بل الفاسق لا نعطيه الاسم المطلق بل نقول: هو مسلم، وإذا وصفناه بالإيمان نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بما معه من الإيمان. وقوله: (ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، واستقاموا واستمروا على الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقوله: (وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) تأكيد للجملة الأولى؛ لأنها داخلة فيها. والرسول ﷺ جاء بأمرين: بعلم، وعمل، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ» [الفتح: ٢٨] فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق هو: العمل الصالح، والدين دائر على هذين الأصلين: العلم والعمل؛ فالإيمان بما جاء به الرسول ﷺ يشمل: الإيمان بما جاء به من مسائل الاعتقاد، ونسميها: المسائل العلمية. وبما جاء به من الشرائع والأحكام، ونسميها: المسائل العملية. فنسمي أهل القبلة مسلمين ما لم يكن منهم ما يوجب الردة، ومن عُلمت ردته من المنتسبين للإسلام فليس من أهل القبلة؛ بل هو مرتد، مثل: القائل بوحدة الوجود، أو من يقول بنبوة أحد غير الرسول ﷺ ؛ كالقاديانية الذين يقولون بنبوة مرزا غلام أحمد الهندي (١)، فهؤلاء ليسوا من أهل القبلة، وليسوا بمسلمين ولا مؤمنين، وإن انتسبوا للإسلام، فهم كفار وليسوا بمسلمين ولا مؤمنين.

стр. 203

[أهل السنة لا يتكلمون في الله ودينه وكتابه بغير علم] وقوله: (ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله). من منهج أهل العلم والتقوى أنهم لا يتكلمون في ذات الله وصفاته وأفعاله بغير علم أو بالكلام الباطل؛ بل يتكلمون في شأن الله بما علموا مما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة، فعلينا أن نصف الله بما وصف به نفسه ونسميه بما سمى به نفسه، ونخبر عنه بما أخبر به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله ﷺ ، وليس هذا من الخوض، هذا من بيان الحق ومن الثناء على الله، ومن تعظيم الله والإيمان به سبحانه، وما كان غير ذلك فهو من الخوض الباطل كالكلام في كيفية ذاته أو صفاته بغير علم. وقوله: (ولا نماري في دين الله) المراء: الجدال، وأكثر ما يطلق المراء على الجدال بالباطل، إما من جهة القصد، أو من جهة ما يجادل به ويحتج به من الحجج الباطلة الداحضة، فالاحتجاج بالحجج الباطلة كالاحتجاج والاستدلال بالشبه العقلية وبالروايات المكذوبة، أو الجدال على وجه التعصب لا لقصد إظهار وبيان الحق والوصول إليه، كل هذا من الجدال بالباطل، ومن المراء في الدين، ومن ذلك الجدال أو المراء على وجه المعارضة لما جاءت به النصوص، فكل هذا من المراء في الدين. والجدال بالباطل هو سبيل أعداء الرسل، قال تعالى: «مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ» [غافر: ٤]، ويقول

стр. 204

تعالى عن أعداء الرسل: «وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ» [غافر: ٥]، أما الجدال الذي يراد منه الوصول إلى الحق وإظهاره ودفع الباطل؛ فهذا مشروع، وهو من طرق الدعوة، كما قال : «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: «وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» [العنكبوت: ٤٦]، فالجدال بالبينات، وبالحجج الظاهرات، والأدلة العقلية والسمعية، كل هذا من طرق الدعوة إلى الله ومن الجدال بالتي هي أحسن، وما خالف ذلك فهو من المراء المذموم. وقوله: (ولا نجادل في القرآن) يظهر أن هذا يدخل في قوله: (لا نماري في دين الله) لكن عطفها على ما قبلها من عطف الخاص على العام، فلا نماري في دين الله، ولا نماري في القرآن، أي: لا نجادل فيه تكذيبا، ولا نجادل في معانيه تحريفا، لكن نحتج به ونستدل به؛ وهناك فرق بين الأسلوبين، فنجادل بالقرآن، أي: يكون القرآن هو السلاح الذي نجادل به، ونرد به على أهل الباطل؛ لكن لا نجادل فيه معارضةً لأخباره أو أحكامه، أو تكذيبا أو تأويلا له وصرفا له عن ظاهره، فكل هذا من سبل الباطل، فأهل الباطل هم الذين يجادلون في آيات الله، كما قال : «مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا» [غافر: ٤] فيقولون: هذا سحر، هذا شعر، هذا كهانة، تكذيبا له، «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتَاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» [غافر: ٣٥]، «إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» [غافر: ٥٦]. وقوله: (ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين،

стр. 205

فعلمه سيد المرسلين محمدًا صلى عليه وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين). هذا من شواهد ما تقدم ذكره (١) من أن المصنف لم يرتب الكلام في مسائل الاعتقاد، ويجمع كل صنف ويضمه إلى جنسه، بل فرق الكلام في أصول الإيمان. فهذه الجملة المذكورة تتعلق بالقرآن، وقد تقدم (٢) القول في عقيدة أهل السنة في القرآن، وأن القرآن كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه كلام الله على الحقيقة وليس ككلام البشر، والناس في القرآن منهم الكفار المكذبون للقرآن الذين قالوا: إنه كلام محمد: «إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» [المدثر: ٢٥]، ومنهم من يؤمن بتنزيل القرآن لكنه يتأوله على غير تأويله، ويفسره بما يوافق هواه وأصوله الباطلة كما فعل القدرية والجهمية والرافضة فكل طائفة تؤول القرآن على ما يوافق مذهبها وأصولها. وقوله: (ونشهد أنه كلام رب العالمين). نشهد ونؤمن ظاهرا وباطنا، ونقر بقلوبنا وألسنتنا أن هذا القرآن كلام ربنا، تكلم به سبحانه حقيقةً، وأنه كلام الله حروفه ومعانيه، هو كلام الله تعالى مكتوبا في المصاحف، أو محفوظا في الصدور، أو متلوا بالألسن، أو مسموعا بالآذان، فالذي يقرأه القارئ نقول: هذا كلام الله، أي: المتلو «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ» [التوبة: ٦] لكن نحن نسمع كلام الله من صوت القارئ، كما سمع الصحابة القرآن بصوت الرسول ﷺ ، وسمعه الرسول من جبريل ﵇، وسمعه جبريل من رب العالمين.

стр. 206

وقوله: (نزل به الروح الأمين) جبريل ﵇ هو: الروح الأمين، وهو روح القدس. وقوله: (فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى عليه وعلى آله أجمعين). كما قال : «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى» [النجم: ٤ - ١٠] فجبريل هو الموكل بالوحي، ولهذا أضاف الله القرآن إلى الرسول من البشر محمد ﷺ ، وأضافه إلى الرسول من الملائكة وهو جبريل ﵇، كما قال تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلَاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلَاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» [الحاقة: ٣٨ - ٤٥] فالمراد بالرسول في هذه الآيات: محمد ﷺ ، وقال سبحانه في سورة التكوير: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» [التكوير: ١٥ - ٢١] وهذا جبريل ﵇. وقوله: (وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين). هذا تأكيد لما سبق أنه كلام الله، ولا يساويه شيء من كلام العالمين، ولهذا تحدى الله به الثقلين: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» [الإسراء: ٨٨]. وقوله: (ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين). ولا نقول بخلق القرآن كما قالت المعطلة المبتدعة كالجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ بل نقول: إنه كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف (١).

стр. 207

وقوله: (ولا نخالف جماعة المسلمين). جماعة المسلمين في الصدر الأول، وإلا فالمسلمون بعد الصدر الأول قد تفرقوا واضطربوا واختلفوا في القرآن، فنحن لا نخالف جماعة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

стр. 208

[أهل السنة لا يكفرون بكل ذنب] وقوله: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله). عبارة المؤلف تقتضي أن أهل السنة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بأي ذنب، والذنوب نوعان: ذنوب من أنواع الردة؛ كالشرك وما في درجته، وهي أعظم الذنوب، وذنوب دون الشرك لا توجب الردة، وإذا أخذت عبارة المؤلف على إطلاقها فظاهرها أن كل من كان مسلما فإنه لا يكفر، بأي ذنب ارتكبه حتى ولو كان شركا، ولا ريب أن الطحاوي لم يقصد هذا، وإنما يقصد الذنوب التي دون الشرك. ولهذا قال الشارح ابن أبي العز: (امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب؛ بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب) (١) فهذه هي العبارة الدقيقة، وتكون من سلب العموم، لا من عموم السلب؛ كعبارة الطحاوي ومضمون سلب العموم: أنا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب، إنما نكفره بالشرك وما في حكمه، ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بما دون ذلك، والله تعالى قد جعل الذنوب قسمين: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] فنحن أهل السنة لا نكفر أحدا من أهل القبلة بشيء من الذنوب التي دون الشرك، خلافا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وقد يعدون ما ليس بذنب ذنبا فيكفرون به، والخوارج الذين ظهروا بهذه البدعة في عهد علي ﵁

стр. 209

فقاتلهم، وقد أخبر الرسول ﷺ عنهم وندب إلى قتالهم، وذكر الأجر العظيم لمن قتلهم، (١) إذًا؛ الذنوب فيها مكفر وغير مكفر؛ فكل ما هو من أنواع الردة فهو مكفر، كالشرك، والتكذيب بما جاء به الرسول ﷺ ، والاستهزاء بالرسول ﷺ ، أو بالقرآن، وهناك ذنوب اختلف العلماء في كفر فاعلها؛ كترك الصلاة. وقوله: (ما لم يستحله) أي: لا نكفره بهذا الذنب إلا أن يعتقد حله، فإن اعتقد حله كفر؛ كجحد وجوب الصلاة أو الحج أو صيام رمضان، وجحد تحريم المحرمات المعلوم حكمها بالضرورة من دين الإسلام؛ كتحريم الزنا، والخمر؛ لأنه يكون مكذبا للقرآن والسنة المتواترة، وما أجمع عليه المسلمون، ومن اعتقد حل ما حرمه الله مما تحريمه معلوم من دين الإسلام بالضرورة فهو كافر حتى ولو لم يفعله؛ لأنه ليس من شرط ثبوت الردة بالاستحلال فعل المكلف لما استحله من الحرام.

стр. 210

[تأثير الذنوب على الإيمان] وقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله). وأهل السنة لا يقولون: (لا يضر مع الإيمان ذنب) خلافا للمرجئة، والطحاوي في هاتين الجملتين يقصد الرد على الخوارج في الأولى، وعلى المرجئة الغلاة في الثانية، والمرجئة والخوارج على طرفي نقيض، فالخوارج يكفرون بالذنوب، فعندهم فاعل الكبيرة كافر مرتد خارج عن ملة الإسلام حلال الدم والمال (١)، أما عند المرجئة ما دام معه أصل الإيمان وهو التصديق أو معرفته للخالق فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان، لا يضره ما يفعل من الذنوب، (٢) وبدعتهم هذه أقبح من بدعة الخوارج؛ لأن الخوارج يعظمون أمر الذنوب، ويبالغون في الحذر والتحذير منها، وقد اختلف العلماء في تكفيرهم، فعن أحمد فيهم روايتان (٣)، ونقل شيخ الإسلام أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر الخوارج (٤) لكنهم مبتدعة ضُلَّال. أما بدعة المرجئة الغلاة فهي أشنع من بدعة الخوارج؛ لأن مضمونها الجرأة على المحرمات وعدم المبالاة بها، واقتراف السيئات، وهذا فيه رد لنصوص الكتاب والسنة الدالة على تحريم المحرمات، وترتب العقاب عليها؛ كالقتل، والتولي يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، قال تعالى:

стр. 211

«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّدَاً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: ٩٣] وقال تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفَاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزَاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» [الأنفال: ١٦]، وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمَاً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارَاً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرَاً» [النساء: ١٠] فكيف يقال: لا يضر مع الإيمان ذنب؟! وهذا مذهب جهم، وجهم إمام غلاة المرجئة، أما مرجئة الفقهاء فمذهبهم ليس كذلك إنما هم يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، لكن يقولون بوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، وترتب العقاب على فعل المحرمات وترك الواجبات، فالذنوب عندهم تضر مرتكبها، ويستحق العقاب الذي توعد الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ . وأهل السنة وسط في هذا المقام فلا يُكفِّرون أهل الكبائر، ولا يُؤَمِنُونَهم من العقاب، ويرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما ارتكب من الكبيرة، وما ورد في النصوص من إطلاق اسم الكفر على بعض الأعمال، أو بعض العاملين مما هو دون الشرك، فهو محمول على الكفر الأصغر الذي يعبر عنه بكفر دون كفر، كقول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) (١)، وقوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) (٢) وما أشبه ذلك، وفي الآخرة هو تحت مشيئة الله، هذا حكمهم في الآخرة، كما سيأتي تقرير حكم أهل الكبائر في قول الطحاوي: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن كانوا غير تائبين).

стр. 212

[الرجاء للمحسنين، والخوف على المسيئين] وقوله: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم، ولا نقنطهم). نرجو للمحسنين ـ لا أي أحد ـ أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز عن ذنوبهم؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأن يدخلهم الجنة برحمته ، ولا نأمن عليهم العقاب على ذنوبهم؛ لأن ذلك مردود إلى مشيئته ؛ لأن الله تعالى قال: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] وهو سبحانه أعلم وأحكم؛ فيجعل فضله وعفوه وإحسانه ورحمته حسبما تقتضيه حكمته البالغة، ويعاقب من يشاء، كما قال : «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨]، «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ» [البقرة: ٢٨٤] فالأمر مردود إلى مشيئة الله؛ لكن نعلم بدلالة النصوص أن من المذنبين من يعفو الله عنهم، ومنهم من يعاقبه ويدخله النار ثم يخرجه منها، ولا يصح أن نقول: يجوز أن يتجاوز الله عن جميع المذنبين فلا يدخل أحد منهم النار؛ لأن النصوص دلت على أن من أهل الكبائر من يدخل النار ثم يخرج منها. (١) وقوله: (ونرجو للمحسنين) يريد أهل الإحسان الذين حسن إسلامهم واستقاموا عليه، فهؤلاء

стр. 213

أهل الإحسان العظيم يرجى لهم من العفو والرحمة والمغفرة ما لا يرجى لغيرهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. وقوله: (ولا نشهد لهم بالجنة) لا نشهد لأحد من المحسنين الصالحين بالجنة، فضلا عمن دونهم، وهذه مسألة سيأتي النص عليها في كلام الطحاوي (١)؛ لأنه يكرر المعنى الواحد أحيانا في أكثر من موضع، فلا نشهد لأهل القبلة بجنة ولا نار. والشهادة بالجنة ذكر فيها الشارح ابن أبي العز ثلاثة مذاهب (٢): قيل: لا يشهد إلا للأنبياء. وقيل: يشهد بالجنة لكل من جاء فيه النص، وهو قول كثير من العلماء وأهل الحديث. وقيل: يُشهد بالجنة لهؤلاء، ولمن شهد له المؤمنون. والقول الثاني هو: أصحها فمن شهد له الرسول ﷺ شهدنا له بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة (٣)، وثابت بن قيس بن شماس (٤)، والحسن والحسين، (٥) رضوان الله عليهم، ومن شهد له الرسول ﷺ من الجماعات؛ كأهل بيعة الرضوان نشهد بأن جميعهم في الجنة، قال تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» [الفتح: ١٨]، وقال

стр. 214

النبي ﷺ (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (١) أما من شهد له المؤمنون، فيستدل له بحديث أنس ﵁ قال: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ : «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض». … (٢) لكن هذا خطاب لجماعة من خيار الصحابة ﵃، فلا يتأتى اعتبار أي جماعة من الناس أن شهادتهم للشخص توجب الشهادة له بالجنة، إذا شهدوا له بالخير والصلاح؛ لكن شهادة المسلمين والصالحين مما يستبشر به، ومما يبشر بالخير ويبعث على الرجاء، أما أن يشهد له بالجنة بناء على هذا فلا، وهذا المثنى عليه خيرا لم يعلم أنه في الجنة إلا بقول الرسول ﷺ : «وجبت»، وهذا لا يتأتى لغيره من الناس. وقوله: (ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم). نرجو للمحسنين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر للمسيئين، قال تعالى: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [محمد: ١٩] فالله ندب نبيه ﷺ أن يستغفر ربه لذنبه وللمؤمنين، وهذه سنة الأنبياء فقد ذكر الله عن نوح أنه قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنَاً وَلِلْمُؤْمِنِينَ» [نوح: ٢٨] وعن إبراهيم أنه قال: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ» [إبراهيم: ٤١] وقد أثنى الله على الذين يستغفرون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان: «وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ

стр. 215

رَحِيمٌ» [الحشر: ١٠]، فينبغي أن يكون هذا دأب المسلم فيستغفر ربه لنفسه ولإخوانه المسلمين. وقوله: (ونخاف عليهم) في المحسنين قال: (ولا نأمن عليهم) مع إحسانهم، وهنا قال: (ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم) فنخاف على المسيئين من عقاب الله، ولا نؤمنهم كحال المرجئة الذين يقولون: (لا يضر مع الإيمان ذنب)، ولا نقنطهم كحال الخوارج الذين يقولون: (لا يرجى لهم مغفرة ولا رحمة ولا يدخلون الجنة)، وهذا مسلك أهل السنة ﵃ ورحمهم فهم وسط بين هذه الفرق، وسط في باب الأسماء والصفات، وسط في أفعال العباد، وسط في أسماء الإيمان والدين، وسط في أهل الكبائر، وسط في الصحابة، فكل هذه العبارات تتضمن تقرير التوسط في أمر أهل الذنوب، فلا نكفرهم، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
следующие страницы →