«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّدَاً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: ٩٣] وقال تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفَاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزَاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» [الأنفال: ١٦]، وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمَاً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارَاً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرَاً» [النساء: ١٠] فكيف يقال: لا يضر مع الإيمان ذنب؟!
وهذا مذهب جهم، وجهم إمام غلاة المرجئة، أما مرجئة الفقهاء فمذهبهم ليس كذلك إنما هم يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، لكن يقولون بوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، وترتب العقاب على فعل المحرمات وترك الواجبات، فالذنوب عندهم تضر مرتكبها، ويستحق العقاب الذي توعد الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ .
وأهل السنة وسط في هذا المقام فلا يُكفِّرون أهل الكبائر، ولا يُؤَمِنُونَهم من العقاب، ويرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما ارتكب من الكبيرة، وما ورد في النصوص من إطلاق اسم الكفر على بعض الأعمال، أو بعض العاملين مما هو دون الشرك، فهو محمول على الكفر الأصغر الذي يعبر عنه بكفر دون كفر، كقول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) (١)، وقوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) (٢) وما أشبه ذلك، وفي الآخرة هو تحت مشيئة الله، هذا حكمهم في الآخرة، كما سيأتي تقرير حكم أهل الكبائر في قول الطحاوي: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن كانوا غير تائبين).
стр. 212
[الرجاء للمحسنين، والخوف على المسيئين]
وقوله: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم، ولا نقنطهم).
نرجو للمحسنين ـ لا أي أحد ـ أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز عن ذنوبهم؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأن يدخلهم الجنة برحمته ، ولا نأمن عليهم العقاب على ذنوبهم؛ لأن ذلك مردود إلى مشيئته ؛ لأن الله تعالى قال: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] وهو سبحانه أعلم وأحكم؛ فيجعل فضله وعفوه وإحسانه ورحمته حسبما تقتضيه حكمته البالغة، ويعاقب من يشاء، كما قال : «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨]، «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ» [البقرة: ٢٨٤] فالأمر مردود إلى مشيئة الله؛ لكن نعلم بدلالة النصوص أن من المذنبين من يعفو الله عنهم، ومنهم من يعاقبه ويدخله النار ثم يخرجه منها، ولا يصح أن نقول: يجوز أن يتجاوز الله عن جميع المذنبين فلا يدخل أحد منهم النار؛ لأن النصوص دلت على أن من أهل الكبائر من يدخل النار ثم يخرج منها. (١)
وقوله: (ونرجو للمحسنين)
يريد أهل الإحسان الذين حسن إسلامهم واستقاموا عليه، فهؤلاء
стр. 213
أهل الإحسان العظيم يرجى لهم من العفو والرحمة والمغفرة ما لا يرجى لغيرهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
وقوله: (ولا نشهد لهم بالجنة) لا نشهد لأحد من المحسنين الصالحين بالجنة، فضلا عمن دونهم، وهذه مسألة سيأتي النص عليها في كلام الطحاوي (١)؛ لأنه يكرر المعنى الواحد أحيانا في أكثر من موضع، فلا نشهد لأهل القبلة بجنة ولا نار.
والشهادة بالجنة ذكر فيها الشارح ابن أبي العز ثلاثة مذاهب (٢):
قيل: لا يشهد إلا للأنبياء.
وقيل: يشهد بالجنة لكل من جاء فيه النص، وهو قول كثير من العلماء وأهل الحديث.
وقيل: يُشهد بالجنة لهؤلاء، ولمن شهد له المؤمنون.
والقول الثاني هو: أصحها فمن شهد له الرسول ﷺ شهدنا له بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة (٣)، وثابت بن قيس بن شماس (٤)، والحسن والحسين، (٥) رضوان الله عليهم، ومن شهد له الرسول ﷺ من الجماعات؛ كأهل بيعة الرضوان نشهد بأن جميعهم في الجنة، قال تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» [الفتح: ١٨]، وقال
стр. 214
النبي ﷺ (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (١)
أما من شهد له المؤمنون، فيستدل له بحديث أنس ﵁ قال: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ : «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض». … (٢)
لكن هذا خطاب لجماعة من خيار الصحابة ﵃، فلا يتأتى اعتبار أي جماعة من الناس أن شهادتهم للشخص توجب الشهادة له بالجنة، إذا شهدوا له بالخير والصلاح؛ لكن شهادة المسلمين والصالحين مما يستبشر به، ومما يبشر بالخير ويبعث على الرجاء، أما أن يشهد له بالجنة بناء على هذا فلا، وهذا المثنى عليه خيرا لم يعلم أنه في الجنة إلا بقول الرسول ﷺ : «وجبت»، وهذا لا يتأتى لغيره من الناس.
وقوله: (ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم).
نرجو للمحسنين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر للمسيئين، قال تعالى: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [محمد: ١٩] فالله ندب نبيه ﷺ أن يستغفر ربه لذنبه وللمؤمنين، وهذه سنة الأنبياء فقد ذكر الله عن نوح أنه قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنَاً وَلِلْمُؤْمِنِينَ» [نوح: ٢٨] وعن إبراهيم أنه قال: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ» [إبراهيم: ٤١] وقد أثنى الله على الذين يستغفرون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان: «وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ
стр. 215
رَحِيمٌ» [الحشر: ١٠]، فينبغي أن يكون هذا دأب المسلم فيستغفر ربه لنفسه ولإخوانه المسلمين.
وقوله: (ونخاف عليهم) في المحسنين قال: (ولا نأمن عليهم) مع إحسانهم، وهنا قال: (ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم) فنخاف على المسيئين من عقاب الله، ولا نؤمنهم كحال المرجئة الذين يقولون: (لا يضر مع الإيمان ذنب)، ولا نقنطهم كحال الخوارج الذين يقولون: (لا يرجى لهم مغفرة ولا رحمة ولا يدخلون الجنة)، وهذا مسلك أهل السنة ﵃ ورحمهم فهم وسط بين هذه الفرق، وسط في باب الأسماء والصفات، وسط في أفعال العباد، وسط في أسماء الإيمان والدين، وسط في أهل الكبائر، وسط في الصحابة، فكل هذه العبارات تتضمن تقرير التوسط في أمر أهل الذنوب، فلا نكفرهم، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
стр. 216
[مذهب أهل السنة وسط بين الوعيدية والمرجئة]
وقوله: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة).
الأمن ضد الخوف، والمراد الأمن من عذاب الله ومكره، كما قال تعالى: «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتَاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ» [الأعراف: ٩٧ - ٩٩] والأمن من عذاب الله يتضمن التكذيب بوعيد الله، وهو مقتضى قول غلاة المرجئة: (لا يضر مع الإيمان ذنب)، وهذا إذا كان عن اعتقاد أنه في مأمن من عذاب الله، لا إن كان ناتجا عن غفلة، كحال كثير من الناس، إذ لو كان يخاف من العذاب ويستحضره لأوجب ذلك خوفه من الله، وإقباله عليه، وقيامه بالواجبات، واجتنابه للمحرمات، فهذا ليس من الأمن الذي جاء في شأنه الوعيد.
وضد الأمن من عذاب الله وبأسه ومكره، اليأس من رحمة الله، والإياس: هو اليأس، وهو ضد الرجاء، وقد قال : «إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ» [يوسف: ٨٧] وقريب من معنى اليأس القنوط، وهو أشد اليأس، كما قال تعالى عن إبراهيم أنه قال: «وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ» [الحجر: ٥٦].
والقنوط واليأس يتضمن إنكار التوبة، وأن الله لا يتوب على من تاب، وفي هذا تكذيب لخبر الله أنه يتوب على التائبين، قال تعالى:
стр. 217
«إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلَاً صَالِحَاً» [الفرقان: ٧٠]، «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ» [النساء: ١٧]، وهذا هو مقتضى مذهب الخوارج، فإن مذهبهم يتضمن أن مرتكب الكبيرة يخرج عن الإسلام، وأن مات على ذلك من غير توبة؛ فهو مخلد في النار كسائر الكفار، وهذا تقنيط للعصاة من رحمة الله، ولهذا قال الطحاوي: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام) ومقتضى هذا أنهما ردة عن الإسلام، ولا شك في كفر من قال: إن الله لا يتوب على من تاب، لمخالفة وتكذيب خبر الله في كتابه، وخبر رسوله ﷺ .
ويلاحظ أن الأمن غلو في الرجاء، والإياس غلو في الخوف، فالغلو في الخوف ينتهي إلى اليأس والتيئيس والتقنيط من رحمة الله، والغلو في الرجاء يفضي إلى الأمن من عذاب الله؛ ولكن إذا كان هذا اليأس عارضا للإنسان ليس عن اعتقاد؛ بل استعظم ذنبه، وخاف منه، وبلغ به الأمر أنه ظن بجهله أنه لا يغفر له؛ فهذا قد يعذر بأنه يسيء الظن بنفسه، وأن الله لا يغفر له لسوء عمله؛ مثل الذي أمر أولاده أن يحرقوه إذا مات لشدة خوفه من عذاب الله (١).
(وسبيل الحق بينهما) الصراط المستقيم بين الأمن واليأس، فالواجب على العبد أن يكون خائفا راجيا، فالرجاء من مقامات الدين، ومما أثنى الله به على المؤمنين: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ» [البقرة: ٢١٨]، وقال : «وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ» [الإسراء: ٥٧].
والخوف من مقامات الدين، والله أثنى على أوليائه بأنهم يخافونه ويرجونه: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفَاً وَطَمَعَاً» [السجدة: ١٦]، وقال : «يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبَاً وَرَهَبَاً» [الأنبياء: ٩٠]، وقال : «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
стр. 218
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ» [الإسراء: ٥٧] فهذا هو الصراط المستقيم في هذا المقام فلا أمن ولا يأس.
والأمور المقتضية للعمل ثلاثة أمور: المحبة، والرجاء، والخوف، فالرسل وأتباعهم يعبدون ربهم حبا له تعالى، ورجاء لرحمته وفضله وثوابه، وخوفا من سخطه وعقابه، فيعبدونه بكل هذه الأحوال والمقامات.
أما أهل الضلال فمنهم من يعبده بالحب فقط؛ كجهلة الصوفية وغلاتِهم، ويستخفون بمقام الرجاء والخوف.
ومنهم من يعبده بالرجاء كالمرجئة، ومنهم من يعبده بالمبالغة في الخوف كالخوراج، ولهذا قال بعض أهل العلم: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) (١) من كانت عبادته لربه فقط بالحب لا يخاف ولا يرجو، فهذا ضد طريق الرسل، فالله ذكر أسماءَه وصفاتِه المقتضية للرجاء والخوف، وأثنى على رسله بالرجاء والخوف.
و (حروري) أي: من الخوارج، (ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) لأن هذا هو الصراط المستقيم في هذا المقام، لا أمن ولا إياس، بل خوف ورجاء، فالخوف يُعَدِّل الرجاء، والرجاء يُعَدِّل الخوف.
فالواجب على الإنسان أن يسير إلى الله في هذه الحياة بين الخوف والرجاء، فيرجو ويخاف، وفي الأثر: (لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه) (٢).
стр. 219
[ما يخرج به المسلم من الإيمان]
وقوله: (ولا يَخرج العبدُ من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه).
أي: لا يصير كافرا مرتدا بعد أن صار مسلما مؤمنا إلا بجحود ما أدخله فيه، وهذه الجملة خطيرة جدا؛ لأن الإنسان يدخل الإسلام بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فالكافر إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ظاهرا وباطنا، صار مسلما؛ فإن شهد بها بلسانه فقط فهو منافق، وإن شهد بها في باطنه دون ظاهره فهو جاحد، قال تعالى: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» [الأنعام: ٣٣]، وقال تعالى: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمَاً وَعُلُوَّاً» [النمل: ١٤] فلا بد أن يشهد الشهادتين ظاهرا وباطنا، عن علم وانقياد وإقرار، بذلك يدخل في الإسلام حقيقة.
فقوله: (إلا بجحود ما أدخله فيه) معنى ذلك أن ينكر تفرد الله بالإلهية، فيصير بها مشركا، أو ينكر رسالة الرسول ﷺ إلى جميع الناس، فيصير مُكذبا للرسول ﷺ ، هذا معنى هذه الجملة.
فإذا كان يخرج عن الإسلام بجحود التوحيد أو جحود الرسالة، فلأن يخرج عن الإسلام بالتكذيب أو الشك أولى، وعلى هذا فلا يخرج عن الإسلام إلا بالتكذيب، أو الشك في الباطن، أو بالجحود سواءً مع تكذيب وشك أو مع تصديق.
ويمكن أن يقال: إن هذه العبارة تقتضي أنه لا يكفر بأي فعل بعد ذلك إذا لم يجحد، وهذا لا يستقيم؛ بل من تكلم بما هو كفر؛ فإنه
стр. 220
يكفر ولو لم يجحد؛ كمن يستهزئ بالرسول ﷺ مع إقراره برسالته؛ فهل يقال: إنه جحد الرسالة؟ لا، ومن ذبح لغير الله؛ فإنه يكفر، ولو قال: لا إله إلا الله وأن الله هو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، فهذا غير جاحد، فكفره بالفعل، وقد سبق أن الكفر يكون قولا وفعلا واعتقادا، فهذه العبارة لا تصح على هذا الإطلاق؛ فإنه حصر الحكم بالكفر بالجحود، وهي تساوي قولك: لا يكفر المسلم إلا بالجحود. والله أعلم.
стр. 221
[مذاهب الفِرَقِ في مسمى الإيمان]
وقوله: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان).
هذا هو تعريف الإيمان عند مرجئة الفقهاء، وهو يقتضي أن أعمال الجوارح كلها ليست من الإيمان؛ بل وأعمال القلوب.
وهو خلاف ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة: أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، أو هو: قول وعمل، قول القلب وهو: اعتقاده، وقول اللسان: وهو إقراره، وعمل: وهو عمل القلب، وعمل الجوارح، فالإيمان يشمل كل هذه الجوانب، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، قال الله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [الأنفال: ٢]، وقال الله في الصلاة التي صلاها المسلمون إلى بيت المقدس ومات من مات قبل نسخ القبلة: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ» [البقرة: ١٤٣] إي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعقد البخاري ﵀ أبوابا عديدة في كتاب الإيمان تَرْجم بها لمختلف الأعمال: باب: الجهاد من الإيمان، (١) باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان، … (٢) باب: اتباع الجنائز من الإيمان، (٣) باب: أداء الخمس من الإيمان (٤)، ومن الأحاديث الجامعة قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون أو بضع
стр. 222
وستون شعبة) (١). فالصلاة والصيام والحج والجهاد وبر الوالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان، وقال النبي ﷺ : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). (٢)
ومسألة مسمى الإيمان مسالة كبيرة، وقد خالف أهل السنة والجماعة طوائف المرجئة، فمنهم مرجئة الفقهاء وهم الذين ذكر الطحاوي مذهبهم: أن الإيمان هو: «تصديق القلب وإقرار اللسان»، وبعضهم يجعل الإيمان هو: «تصديق القلب»، والإقرار شرط فيه، وليس من مسماه، فلا يصح إيمان القلب إلا بإقرار اللسان.
والقول الآخر قول الجهمية ومن تبعهم: «الإيمان هو مجردُ التصديقِ أو مجرد المعرفةِ»، والمعرفةُ والتصديقُ في نظري محصلهما متقارب، فعلى تقريرهم: إذا كان المكلف يعرف ربه فهو مؤمن، والكفر هو جحود الخالق، فأما الإقرار بالإنسان، وعمل الجوارح، وعمل القلب؛ فالكل ليس من مسمى الإيمان، وهذا يقتضي أن كل طوائف الكفر مؤمنون؛ لأنهم يعرفون الله، حتى كفار قريش، قال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» [لقمان: ٢٥]، وأخبر الله عن عادٍ وثمودَ أنهم قالوا: «لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً» [فصلت: ١٤]، وقوم نوح قالوا: «ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً» [المؤمنون: ٢٤]، إلى غير ذلك، فهذا أفسد أقوال الناس في مسمى الإيمان.
ومن الأقوال الباطلة قول الكرامية: أن الإيمان هو: «الإقرار باللسان»، فالمنافق عندهم مؤمن، لكنه إذا مات فهو مخلد في النار، يقول شيخ الإسلام ﵀ تعليقا على هذا: «فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم» (٣)،
стр. 223
فالمنافق عند المسلمين ليس بمؤمن؛ لأنه يبطن التكذيب والشك والإباء، قال تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» [البقرة: ٨] ويقول شيخ الإسلام عن قولهم: (قول منكر لم يسبقهم إليه أحد) (١)
فهذه أربعة مذاهب في مسمى الإيمان، وأهمُ هذه الأقوالِ المخالفةِ قولُ مرجئة الفقهاء: الإيمان هو: «التصديق، وإقرار اللسان»، وأن الأعمال ليست من الإيمان، ولهم على ذلك شبهات كثيرة، وقد أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية في «الإيمان الكبير» و «الإيمان الأوسط» وغيرهما.
والمقصود: أنه قول مخالف لما دل عليه القرآن، والسنة الصحيحة أن الإيمان اسم لكل أمور الدين: الاعتقادية والعملية والقولية، كما في الحديث: (الإيمان بضع وستون شعبة) (٢)، وإن كان ما في القلب أصل لأعمال الجوارح كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلَحت صلَح الجسد كلُه وإذا فسدت فسد الجسد كلُه ألا وهي القلب) … (٣). فالجوارح تابعة للقلب صلاحا وفسادا، وهو بالنسبة لها بمثابة الملك مع جنوه.
ومن شبهات المرجئة قولهم: إن الإيمان معناه في اللغة العربية: التصديق.
وقد رد ذلك ابن تيمية (٤) بوجوه كثيرة، منها:
أنه ليس كذلك في اللغة العربية؛ بل الإيمان أخص من مطلق
стр. 224
التصديق، وهو الإيمان بالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبِر، فلا تقول لمن قال لك: طلعت الشمس: آمنتُ لك، بل صدقتُك، لكن من أخبرك بأمر لا تدركه ولا تعرفه بحسك نعم، كما قال إخوة يوسف: «وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ» [يوسف: ١٧] فالإيمانُ في اللغة العربية تصديقٌ، لكن ليس كلُ تصديقٍ يكون إيمانا.
وهكذا بالنسبة للاستعمال، فـ (آمن) يتعدى باللام وبالباء تقول: آمنت به، هذا بالنسبة للخبر أو المؤمَن به، وآمنت له بالنسبة للمخبِر، وأما (صَدَّق) فإنه يتعدى بنفسه، فتقول: صَدَّقه، فهو يختلف عن الإيمان من جهة اللفظ والاستعمال، ومن جهة المعنى والمضمون، وسيأتي لهذا مزيد بحث عند قول المؤلف: (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء). (١)
стр. 225
[وجوب الإيمان والعمل بكل ما صح عن النبي ﷺ -]
وقوله: (وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق).
أي: ما رواه الثقات العدول حسب قواعد أهل الحديث؛ فالروايات عن الرسول ﷺ مروية بالأسانيد، وهي قسمان: متواتر، وآحاد. (١)
فالمتواتر: هو الذي يرويه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى أن يبلغ النبي ﷺ .
والآحاد هو: ما يروى بأسانيد معدودة، وقسمه العلماء إلى مشهور وعزيز وغريب.
لكن القسمة العامة: متواتر وآحاد.
أما المتواتر فكل الطوائف متفقة على ثبوته.
والآحاد تنقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.
أما الضعيف فهو مردود لا يعتمد عليه، لكن الشأن في المقبول الذي يشمل الصحيح والحسن، فأهل السنة والجماعة يقبلون ما توافرت فيه شروط القبول، ولو كان واحداً، في جميع أمور الدين، في الأمور الاعتقادية؛ كصفات الرب ، وأفعاله، أو ما يتعلق باليوم الآخر، وفي
стр. 226
الأمور العملية؛ كأحكام الطهارة والصلاة والزكاة والمعاملات.
وهذه قضية أصولية عقدية، وهي: حجية خبر الواحد، والصواب: أن خبر الواحد حجة في مسائل الدين الاعتقادية والعملية، والأدلة على قبول خبر الآحاد كثيرة في السنة، منها: أن الرسول ﷺ كان يرسل الرسل آحادًا. (١)
وعند أهل البدع من المتكلمين: أن خبر الواحد لا يحتج به في العقائد، فيردون كثيرا من النصوص الواردة في صفات الله تعالى بحجة أنها خبر آحاد.
والتفريق بين مسائل الاعتقاد ومسائل العمل من حيث الإثبات بدعة، فكل مسائل الدين ما ثبت به هذا ثبت به ذاك، فما تثبت به الأحكام الشرعية الحلال والحرام تثبت به مسائل الاعتقاد، ثم إن أهل البدع ليس مقصودهم فقط الاحتياط في الثبوت، إنما مقصودهم رد النصوص المخالفة لأصولهم، فما استطاعوا رده ردوه بقولهم: إن هذه آحاد لا تثبت بها مسائل الاعتقاد؛ لكن إذا جاء متواترًا فماذا يصنعون؟
يقولون: نعم. هذا قطعي الثبوت؛ لكن نفس النصوص ظنية الدلالة، ويقولون: إن مسائل الاعتقاد لا تثبت بالأدلة اللفظية!
والأدلة السمعية: الآيات والأحاديث كلها أدلة لفظية في مقابل الأدلة العقلية، وعندهم: إن العقائد لا تثبت إلا بالدلائل العقلية، هذا هو الأصل الفاسد والطاغوت الأكبر الذي أفضى بهم إلى التلاعب بكلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ ، وإلى رد كثير من كلام الرسول ﷺ وأخباره، فردوا نصوص الصفات، ونفوا الصفات بالشبهات العقلية التي هي بزعمهم حجج، ولهذا يقول شيخ الإسلام فيهم: «ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون
стр. 227
في السمعيات». (١)
فلما أصلوا نفي الصفات وقفوا من النصوص أحد ثلاثة مواقف:
الأول: الرد لما قدروا على رده؛ كأخبار الآحاد قالوا: هذه لا تثبت بها العقائد.
الموقف الثاني: التأويل لما لا يستطيعون رده؛ كالقرآن، فسلكوا فيه طريق التأويل، وهو صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها.
والثالث: مسلك التفويض، وهو إمرار النصوص ألفاظا من غير فهم لمعناها ومراد الله منها؛ بل إمرارها ألفاظا دون توقف في تدبرها، وفهم دلالاتها.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله تعالى به، ورسوله ﷺ ، من الشرع والبيان، وهو يشمل: مسائل الاعتقاد، ومسائل الأحكام، فكلها حق من عند الله.
стр. 228
[زيادة الإيمان ونقصانه]
وقوله: (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتُّقَى، ومخالفة الهوى وملازمة الأَوْلى).
الإيمان واحد هو: التصديق بالقلب، ومعناه أنه لا يزيد ولا ينقص، ومسألة الزيادة والنقصان هي من فروع الخلاف بين أهل السنة والمرجئة، فمرجئة الفقهاء عندهم: أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، وعند أهل السنة: أنه يزيد وينقص، فالتصديق نفسه يزيد وينقص، يقوى ويضعف، وهذا أمر معقول، فـ «ليس الخبرُ كالمعاينةِ»، وليس ما يستفاد بالخبر المتواتر كالمستفاد بخبر الآحاد من حيث قوة العلم واليقين، فهل وجوب الصلوات الخمس كوجوب الوتر عند من يقول به؟ أو كوجوب بعض واجبات الصلاة؟ فالتصديق نفسه والعلم نفسه يتفاوت قوة وضعفا، وكذلك أعمال القلوب: الحب والبغض والخوف والرجاء والتوكل هذه الأعمال القلبية تتفاوت قوة وضعفا، فهناك بغض وبغض شديد، وحب وحب شديد، قال تعالى: «قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» [التوبة: ٢٤]، وقال النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (١)، فهو أمر محسوس لا يستطيع المنصف العاقل أن ينكره أو أن يتجاهله.
أما أعمال الجوارح فالزيادة فيها والنقص ظاهر للعيان، والآيات
стр. 229
الدالة على الزيادة كثيرة؛ كقوله سبحانه: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً» [آل عمران: ١٧٣]، «وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً» [الأنفال: ٢]، «لِيَزْدَادُوا إِيمَانَاً مَعَ إِيمَانِهِمْ» [الفتح: ٤]، «وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانَاً» [المدثر: ٣١]، «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» [التوبة: ١٢٤].
وقوله: (وأهله في أصله سواء) إذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص فلا بد أن يكون أهله فيه سواء؛ لأنه شيء واحد. لكن المؤلف أتى بتعبير فيه عندي عدم وضوح، وهو قوله: (وأهله في أصله) ولم يقل: (وأهله فيه)
والمناسب على مذهبه أن يقول: (وأهله فيه سواء)؛ لأن هذا مقتضى كون الإيمان واحدا، أن يكون الناس فيه سواء، ولا أدري ماذا يريد بقوله: (في أصله)، إن أراد أن المؤمنين كلهم عندهم إيمان فهم مشتركون في الأصل، وبينهم قدر مشترك، فهذا لا يصح أن يقال: إنهم فيه سواء؛ لأن وجود قدر مشترك لا يصح معه أن يقال: إنهم فيه سواء، وحقيقة القول عند المرجئة: أن أهله فيه سواء، لكن الطحاوي ﵀ كأنه تحاشى أن يقول: وأهله فيه سواء فقال: (وأهله في أصله سواء) ويؤكد هذا أنه قال: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) ولم يقل: يتفاضلون في الإيمان، فعنده أن أعمال القلوب فيها زيادة ونقص؛ لكن الخشية، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى، والتقوى هل هي من الإيمان عند هؤلاء المرجئة؟ لا، ليست من مسمى الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، وإقرار اللسان.
فعندهم أن أعمال القلوب وأعمال الجوارح كلها ليست من الإيمان، فالتفاضل في أعمال القلوب والجوارح هي ثمرة وأثر ذلك الإيمان وليست منه.
وعلى قولهم: يكون إيمان أفسق الناس الذي معه الإيمان وإيمان أبي بكر وعمر ﵄ سواء!
стр. 230
وقوله: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأَولى)
أي: الخشية من الله، قال تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [فاطر: ٢٨]، «فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي» [البقرة: ١٥٠].
و (التقى) التقوى، وهي: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وعقابه وقاية بفعل أمره وترك معصيته.
و (مخالفة الهوى) طاعةً لله ورسوله، قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى» [النازعات: ٤٠]، «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ» [الفرقان: ٤٣]، «وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» [ص: ٢٦]، «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» [القصص: ٥٠].
و (ملازمة الأَولى) المحافظة على ما هو الأولى به، هذا هو مجال التفاضل عندهم، أما الإيمان الذي هو التصديق فليس فيه تفاضل ولا زيادة ولا نقص، وبهذا يعلم أن الخلاف بين أهل السنة والمرجئة ليس خلافا لفظيا؛ لأن الخلاف اللفظي يقال: لا خلاف فيه.
كيف يكون الخلاف لفظيا وتبذل فيه هذه الجهود من المؤلفات، وتقرير الدلائل، ورد الشبهات، ويشتد الإنكار على من اخرج الأعمال عن مسمى الإيمان؟!
لا، ليس الخلاف لفظيا؛ بل هو حقيقي، ترتب عليه: مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ومسألة الاستثناء في الإيمان.
стр. 231
[ولاية الله وبم تكون؟]
وقوله: (والمؤمنين كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم، وأتبعهم للقرآن).
قال تعالى: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» [يونس: ٦٢ - ٦٣] والأنبياء هم خير وأفضل الأولياء، وهم أكمل المؤمنين إيمانا وتقوى، وأتباعهم المؤمنون كلهم أولياء الله، قال تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ» [النساء: ٦٩] فهؤلاء أصناف أولياء الله: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون. وطبقات أولياء الله إجمالا طبقتان: (١)
مقربون، ومقتصدون.
فالمقربون: هم الذين يفعلون الفرائض والنوافل والمستحبات، ويجتنبون المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، وهم المسارعون في الخيرات.
والمقتصدون: هم الذين يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم، وليس لهم تميز في النوافل، وليس معنى ذلك أنهم لا يفعلون شيئا مع النوافل.
فالمؤمنون هم أولياء الله، وهو وليهم، قال تعالى: «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» [آل عمران: ٦٨]، والكافرون والمنافقون أعداؤه وهو عدوهم، قال تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ» [البقرة: ٩٨].
стр. 232
وقوله: (وأكرم أولياء الله أطوعهم) أكرم أولياء الله عند الله هو: أطوعهم لله تعالى ولرسوله ﷺ ، (أطوعهم) أفعل تفضيل، أي: أكملهم طاعة وامتثالا للأوامر، واجتنابا للمنهيات.
وقوله: (وأتبعهم للقرآن) هذا من التنويع في التعبير؛ لأن من كان أطوع فهو أتبع، ومن كان أتبع فهو أطوع، ولا طاعة إلا باتباع القرآن، قال الله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [الحجرات: ١٣] فالمؤمنون متفاضلون تفاضلا لا يعلمه إلا الله، فالأنبياء بعضهم أفضل من بعض، والصديقون متفاضلون، والشهداء متفاضلون.
واتباع القرآن يكون بامتثال ما فيه من الأوامر، واجتاب ما فيه من المناهي، والإيمان بكل ما فيه من الأخبار مما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، أو بما كان وما سيكون، والله تعالى ذكر الاتباع في مواضع: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى» [طه: ١٢٣]، «اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ» [الأعراف: ٣] فأمر الله باتباع القرآن، واتباع الرسول: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» [الأعراف: ١٥٨] فلا رأي لأحد مع ما جاء في القرآن، ولا رأي لأحد مع بيان الرسول ﷺ ؛ بل يجب أن يكون العبد تابعا لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، لا يقدم عليهما هوىً ولا رأيا.
стр. 233
[الإيمان بالأصول الخمسة، وتفصيل الإيمان باليوم الآخر]
وقوله: (والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر).
فسر الطحاوي الإيمان في هذا الموضع بما فسره به النبي ﷺ ، في حديث جبريل (١)، فهذه الأصول الستة هي: أركان الإيمان، أو أصوله، أو أصول الاعتقاد: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، وهذا هو الإيمان بالمعنى الخاص، فإن الإيمان يُطلق إطلاقين:
إطلاقا عاما يشمل جميع أمور الدين العلمية والعملية، فهو اعتقاد، وقول، وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
ويطلق إطلاقا خاصا ويراد به هذا الأصول الستة.
وهذا هو ما يفسر به الإيمان إذا قرن بالإسلام، كما في حديث جبريل حينما سأله عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ففسر الإسلام بمبانيه الخمس، وفسر الإيمان بأصوله الست، وقال الطحاوي فيما تقدم: (الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان) (٢)، وهنا قال: (الإيمان هو الإيمان بالله … ) فيما تقدم أراد أن يبين مسمى الإيمان،
стр. 234
وأنه يكون بتصديق بالقلب وبالإقرار، وهنا أراد أن يفسر الإيمان ببيان ما يتعلق به فالتصديق بالجنان والإقرار باللسان، بأي شيء؟ فكأنه يقول: الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان بهذه الأمور الستة، وهذه الأصول الستة هي أصول اعتقاد أهل السنة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع العقيدة الواسطية: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة ـ أهل السنة والجماعة ـ: الإيمان بالله وملائكته ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره» (١)، فالإيمان بهذه الأصول إجمالا فرض عين على كل مكلف، أما الإيمان والعلم بهذه الأصول تفصيلا فهو من فروض الكفاية؛ لكن من علم بشيء من علم التفصيل؛ وجب عليه الإيمان به، وهذا الكلام فيه تكرار؛ لأن الطحاوي ﵀ ذكر الأصول الثلاثة فيما تقدم بقوله: (ونؤمن بالملائكة، والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين) (٢) وسبق الكلام على هذه الأصول الثلاثة: الملائكة والكتب والرسل هناك، وتقدم ما يتعلق بالإيمان بالله عند قوله: (إن الله واحد لا شريك له) (٣).
وأما الإيمان باليوم الآخر، فهو الأصل الخامس من أصول الإيمان، وقد ذكره الله في كتابه وفصَّل الخبر عنه تفصيلا عظيما، لم يتقدم مثله في كتاب من كتب الله المنزلة، فذكر الله الإيمان باليوم الآخر على سبيل الإجمال، كما في قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» [البقرة: ١٧٧]، «وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا» [النساء: ١٣٦].
أما التفصيل؛ فكثير جدا؛ فسورة الواقعة والحاقة والتكوير
стр. 235
والانفطار والانشقاق والزلزلة والقارعة كلها في شأن القيامة وما يجري في ذلك اليوم من التغيرات والتحولات، ولهذا اليوم أسماء متعددة: يوم القيامة، والحاقة، والغاشية، والصاخة، والطامة الكبرى، ويوم الحساب، ويوم النشور، والساعة، ويوم الدين.
ويدخل في الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ بعد الموت، من فتنة القبر وعذاب القبر، والإيمان بالقيامة الكبرى، والمراد بها: قيام الناس من قبورهم وبعثهم ونشرهم، قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعَاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ» [ق: ٤٣ - ٤٤]، ومن الخبر المفصل عن اليوم الآخر قوله تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ» [الروم: ١٤ - ١٦] وقوله تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئَاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ» [الأنبياء: ٤٧].
ومن أهم ما يجب الإيمان به من أمر اليوم الآخر هو الإيمان بالبعث، والجنة والنار؛ لأن البعث هو الذي أنكره الكفار من عهد نوح إلى عهد محمد ﷺ ولا يؤمن به إلا المنتسبون إلى دين الرسل، كاليهود والنصارى؛ لكن اعتقادهم للبعث فيه خلل؛ لكن بعث الناس من قبورهم هذا قدر مشترك، يؤمن به جميع المسلمين، ولا ينكره إلا الخارجون عن أديان الرسل، ولهذا المكذبون للرسل مكذبون باليوم الآخر، قال تعالى: «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابَاً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ» [ق: ١ - ٣]، ثم جاء الرد عليهم في نفس السورة فالسورة من أولها إلى آخرها في شأن القيامة، وهذا المعنى ثُنِّي في القرآن كثيرا، وأمر الله نبيه ﷺ أن يقسم على البعث في ثلاثة مواضع: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ» [التغابن: ٧]،
стр. 236
«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ» [سبأ: ٣]، «وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» [يونس: ٥٣]، فحكى الله إنكار الكفار للبعث والنشور ومعاد الأجساد، وأنكر عليهم ذلك وأبطل دعواهم، وذكر الأدلة العقلية على إمكان البعث ووقوعه في آيات كثيرة.
وأظهر طرق القرآن في تقرير إمكان البعث أربعة:
١ - الاستدلال بخلق السماوات والأرض.
٢ - الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها.
٣ - الاستدلال بالنشأة الأولى.
٤ - الاستدلال بما وقع من إحياء الموتى فيما سبق.
تجد هذه الأربع تثنى في القرآن في آيات كثيرة، فمثلا في سورة ق، لما ذكر الله عن المكذبين إنكار البعث، ذكر الأدلة الدالة على بطلان قولهم، وبيان صحة وإمكان البعث، فقال تعالى: «قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» [ق: ٤ - ٨]. هذا الدليل الأول.
«وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكَاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقَاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتَاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ» [ق: ٩ - ١١]. هذا الدليل الثاني. أي: الخروج من القبور كإخراج هذا النبات من الأرض.
الدليل الثالث بعد ذلك: «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» [ق: ١٥].
فتارة يذكر الله هذه الأدلة في سياق واحد، أوفي سورة واحدة، وتارة يذكر الله منها اثنين، وأحيانا يذكر واحدا، فمثلا في سورة الحج:
стр. 237
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا» [الحج: ٥] الآية، هذا استدلال بالنشأة الأولى، ثم قال تعالى: «وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» [الحج: ٥ - ٧] وهذا استدلال بإحياء الأرض بعد موتها.
وهذا المعنى تجده ـ أيضا ـ في قوله تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [فصلت: ٣٩].
وهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: «فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [الروم: ٥٠].
وجاءت هذه المعاني في سورة يس: «وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ» [يس: ٣٣] «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ» [يس: ٣٧]، «وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» [يس: ٤١] كلها فيها الدلائل على القدرة؛ لكن في آخر السورة ذِكْرٌ خاص لهذه القضية: «أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلَاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» [يس: ٧٧ - ٧٨] جاء الرد في نفس الآية قبل التصريح بمقالة الكافر: «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلَاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ» [يس: ٧٨] فذكر الحجة على إبطال الدعوى قبل ذكرها، «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [يس: ٧٩] وهذا استدلال بذكر النشأة الأولى، إلى قوله: «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» [يس: ٨١]، ومن هذا القبيل قوله تعالى: «لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ» [غافر: ٥٧]
[الإيمان بالقدر خيره وشره]
وقوله: (والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى)
هذا الأصل السادس من أصول الإيمان: وهو الإيمان بالقدر، قال النبي ﷺ : (وتؤمن بالقدر خيره وشره) (١) والطحاوي هنا ﵀ قال: (والقدر خيره) ولم يقل: وبالقدر؛ بل عَطَف، والجملة كأنها مستأنَفة، وتكون: (والقدرُ خيرُه وشرُّه وحلوُه ومرُّه من الله تعالى).
ولفظ القدر يطلق بمعنى التقدير، كما إذا قلنا: القدر السابق، والقدر العام، والقدر الخاص، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات، والأرض بخمسين ألف سنة) (٢) أي: تقدير الله لمقادير الأشياء.
ويطلق القَدَر على الشيء المقدَّر، وهذا كثير في اللغة العربية؛ فالمصدر تارةً يطلَق ويراد به الفعل، ويطلَق ويراد به المفعول، مثل كلمة الخَلْقِ: فالخلقُ يطلق ويراد به فعل الرب تعالى، فإن الله تعالى من صفته ومن فعله الخلق، فهو يخلق، وهو الخلاق، وهو الخالق.
ويطلَق على نفس المفعول، فتقول: هذا خلق الله، كما قال تعالى: «هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ» [لقمان: ١١] أي: هذا هو المخلوق لله.
стр. 240
كذلك القدر يطلق ويراد به المقدر، فإذا حدث الآن حادث للإنسان يقول: هذا قدر، أي: هذا مُقَدَّرٌ قد قَدَّره الله، قال النبي ﷺ : (وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل). (١)
ومثلُ القدرِ القضاءُ؛ فإنه يطلق ويراد به الحكم، وهو فعل الرب تعالى، ويطلق ويراد به المقضي، وهو ما قضاه الله وشاءه من المخلوقات، ولهذا يقول المسلمون فيما يحدث: هذا قضاء وقدر، أي: هذا أمر مقضي مقدر، أي: هذا أمر حكم الله به، وقدره .
وقوله: (والقدر خيره وشره)
لاشك أن المقدرات المخلوقات فيها خير وشر وحلو ومر، فيها النعم والمصائب، فيها طيب وخبيث، وحسن وقبيح، هذه المخلوقات فيها هذا التنويع.
فإذا أريد بالقدر: المقدر فهذا أمر ظاهر، نؤمن بأن كل الأشياء مُقدرة مخلوقة لله، واقعة بقدرة الله ومشيئته، لا يخرج شيء منها عن ملك الله، فكل ما يجري في الوجود من خير وشر؛ فهو بمشيئة الله وخلق لله، ومقدر بتقدير الله، وهو مقضي بحكم الله وقضائه.
وقوله: (وحلوُه ومرُّه) كأن هذا التعبير من تنويع الكلام؛ لأن الأمور المقدرة منها ما هو حلو في حس وذوق الناس؛ كالنعم والأشياء المستطابة، والمر الأشياء الكريهة كالمصائب؛ لأن لها مرارة في النفوس.
ويفسر الخير باللذات وأسبابها، والشر بالآلام وأسبابها، لكن هناك لذات في نفسها لكنها أسباب لآلام طويلة، فتكون في ذاتها خيرا، لكنها شر باعتبار ما تفضي إليه، فالمعاصي شر وإن استلذتها النفوس؛ لأنها تفضي إلى أعظم الآلام.
стр. 241
والطاعات خير في ذاتها ومآلها، وإن اشتملت على بعض المشاق والكُلَف، لكنها خير؛ لأنها نفسها مصالح ومنافع عظيمة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (١)، والله تعالى اقتضت حكمته تنويعَ الخلْقِ، وخلْقَ الأضداد في هذا الوجود، فخلَقَ الخير والشر، والنافع والضار، والحسن والقبيح في الذوات والصفات والأفعال، فخلق النور والظلمات، وخلق الملائكة والشياطين، وخلق الصحة والمرض والحياة والموت: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلَاً» [الملك: ٢].
إذاً؛ الأشياء المخلوقة فيها خير وشر والله خالق الخير والشر، أما فعل الرب سبحانه: حكمه وقضاؤه وتقديره؛ فكله خير، ليس فيه شر، والشر لا يضاف إلى الله اسمًا، ولا صفةً ولا فعلا، فالشر لا يكون في أسمائه فكلها حسنى، ولا في صفاته فكلها صفات كمال وحمد، ولا في أفعاله فكلها أفعال عدل وحكمة، وإنما يكون في مفعولاته، أي: مخلوقاته.
وهذا ما فُسر به قول النبي ﷺ : (والشر ليس إليك) (٢)
أنه تعالى لا يخلق شرا محضا؛ بل كل الشر الذي في المخلوقات شر نسبي ليس شرًا محضًا، وهذا يرجع إلى الإيمان بحكمته ، وأنه حكيم، ما خلق شيئا عبثا، لم يخلق شيئا إلا لمصالحَ وحكمٍ يعلمها سبحانه، وليس من شرط ذلك أن تكون عائدة للعبد، بل قد يكون فيها شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق؛ فالله تعالى منزه عنه.
وكل ما خلقه الله إما أن يكون خيرا محضا، أو أن وجوده خير من
стр. 242
عدمه باعتبار الحكمة العامة، فالله خلق هذه الأضداد لحكم بالغة، ومن حِكمه تعالى في خلقه: الابتلاء، قال تعالى: «خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ» [الملك: ٢] وقال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلَاً» [الكهف: ٧]، (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود: ٧].
والشر الذي في المخلوقات لا يضاف إلى الله مفردا أبدا؛ بل إما يدخل في عموم المخلوقات كقوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨]، وكقوله: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» [الرعد: ١٦]، يعني: الخير والشر.
وإما بصيغة البناء للمفعول، كقوله تعالى عن الجن: «وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ» [الجن: ١٠]، وإما أن يضاف إلى خلقه سبحانه، كقوله تعالى: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» [الفلق: ٢]. (١)
هذه الوجوه التي يعبر بها في إضافة الشر المخلوق.
وعلى هذا فلا ينبغي أن تقول: الله خالق الشر، لكن قل: الله خالق كل شيء، وهذا معنى التعبير بالعموم، وقل: فلان أريد به السوء، ولا تقل: أراد الله به.
وكذلك إذا أردت أن تخبر عن خلق الله للمخلوقات، قل: الله خالق كل شيء، الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن، ولا تقل: الله خالق الحشرات وخالق الكلاب، أو: الله رب الكلاب، هذا منكر؛ بل قل: رب السماوات والأرض، رب كل شيء، هذا الذي فيه التعظيم، كما تَمَدَّح بذلك «رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [المؤمنون: ٨٦].
стр. 243
وهكذا في النفع والضر فلا تقل: الله هو الضار؛ بل قل: الله هو النافع الضار، وهذا من جنس الأول في التعبير بالعموم.
ومن هذا ما ذكر الله من قول إبراهيم ﵇: «فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» [الشعراء: ٧٧ - ٨٠] ولم يقل: وإذا أمرضني شفاني، وهذا من الأدب في الإخبار عن الله .
ومما يتعلق بهذا الجمعُ بين آيتي سورة النساء، وهي قوله : «وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨] وقوله تعالى في الآية التي تليها: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [النساء: ٧٩] فظاهر الآية الأولى أن الحسنة والسيئة كلها من عند الله، ومعنى أن الحسنة والسيئة من عند الله أنهما بمشيئته وتقديره وتدبيره، وليس في تقديره شر ؛ بل حكمة وعدل.
وأما قوله تعالى: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [النساء: ٧٩] فالمعنى: بسبب نفسك، والحسنة والسيئة تطلق في القرآن إطلاقين:
١ - حسناتُ وسيئات الجزاء، وهي: النعم والمصائب، ومنه قوله تعالى: «وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» [الأعراف: ١٦٨].
٢ - حسناتُ وسيئات الأعمال، ومنه قوله تعالى: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» [هود: ١١٤].
وأما الحسنة والسيئة في الآيتين:
ففي الآية الأولى: النعمة والمصيبة.
وفي الثانية: كذلك على الصحيح، وفسرت الحسنة بالنصر والخصب، والسيئة بالهزيمة أو بالمصيبة وبالجدب وما أشبه ذلك، فتكون الآية: «وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [النساء: ٧٩] من جنس «أَوَ لَمَّا
стр. 244
أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» [آل عمران: ١٦٥] وقوله تعالى: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» [الشورى: ٣٠].
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وابن القيم (٢) هذا المعنى تقريرا حسنا، ونقل بعضه الشارح ابن العز في شرحه (٣) فجزاهم الله خيرا.
وقوله: (من الله تعالى) أي: كله بخلق الله، وبقدرة الله، وبمشيئة الله، لا خروج لشيء عن ذلك.
وقوله: (ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به).
أي: بكل ما تقدم من مسائل الاعتقاد التي ذكرها مما يتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.
(لا نفرق بين أحد من رسله) بل نؤمن بهم جميعا، كما وصف الله المؤمنين بذلك: «كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» [البقرة: ٢٨٥]، فالكفار هم الذين فرقوا بينهم، وكفرهم الله بذلك: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلَاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقَّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابَاً مُهِينَاً» [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
(ونصدقهم بكل ما جاءوا به) فكما نؤمن بجميع الرسل، نؤمن بكل ما جاءوا به، فمن آمن ببعض
стр. 245
الرسل وكفر ببعض؛ فهو كافر لا ينفعه إيمانه، ومن كذَّب رسولا واحدا؛ فهو كالمكذِّبِ لجميعهم، وكذلك من آمن بالرسول الواحد ولكنه كفر ببعض ما جاء به؛ فهو كافر لا ينفعه إيمانه، فلو آمن أحد بكل ما جاء به الرسول ﷺ إلا مسألة واحدة مع ثبوتها وقطعيتها، ولا يحمله على ذلك التوقف في ثبوتها؛ فإنه كافر، فلو قال: أنا أؤمن بالقرآن كله إلا هذه الآية؛ فهو كافر، أنا أؤمن بكل أحكام الإسلام إلا تحريم الخمر؛ فإنه كافر.
стр. 246
[حكم أهل الكبائر في الآخرة]
وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون).
أصحاب الكبائر من المسلمين وهم الذين ارتكبوا بعض الذنوب الكبيرة، والذنوب فيها: كبائر وصغائر، على الصحيح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ» [النساء: ٣١] وقال : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ» [النجم: ٣٢] واللمم هي: الصغائر، كالنظرة المحرمة، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه)). (١)
ومن قال: إن الذنوب كلها كبائر باعتبار أنه لا يستهان بشيء منها؛ إن أراد هذا المعنى فهو حق، ولو كانت مما يعد من الصغائر، أما إن أراد أن الذنوب كلها كبائر فليس بصحيح.
وقد اختلف الناس في حد الكبيرة اختلافا كثيرا، وذكر ابن القيم في «الجواب الكافي»، (٢) وفي «مدارج السالكين» (٣) أكثر أو جميع أقوال الناس في ضابط الكبيرة، وضعف كثيرا منها. (٤)
стр. 247
والذين عرفوا الكبيرة منهم من عرفها بالحد، ومنهم من عرفها بالعد، فقالوا: الكبائر سبع، أو تسع، أو سبعون.
وأحسنُ حدٍ للكبيرة أنها: «كل ذنب رُتِّب عليه حد في الدنيا، أو تُوُعِد فاعله بلعن أو غضب أو نار، أو نُفي الإيمان عن صاحبه، أو تبرأ منه النبي ﷺ ».
ومثال ما رتب عليه الحد في الدنيا: السرقة، قال تعالى: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا» [المائدة: ٣٨].
ومثال ما لعن فاعله: قذف المحصنة، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [النور: ٢٣].
ومثال ما تُوُعِد فاعله بالغضب: التولي يوم الزحف، قال تعالى: «وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ» [الأنفال: ١٦]
ومثال ما تُوُعِد فاعله بالنار: أكل مال اليتيم، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» [النساء: ١٠]
ومثال ما نُفي عن صاحبه الإيمان: الزاني، كقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) (١)
ومثال ما تبرأ منه النبي ﷺ ، قوله ﷺ : (مَن غشَّ فليس مني) (٢) وقوله ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية). (٣)
والكبائر نفسها متفاوتة، ليست على حد سواء، بل بعضها أكبر من
стр. 248
بعض، حتى تنتهي الذنوب إلى أكبر الكبائر، وهو الشرك، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت). (١)
وبهذا يتبين أن النهي المجرد يدل على التحريم؛ فإن ورد فيه تغليظ فهو كبيرة.
فأما الذنوب الصغيرة فمثل ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ السابق (٢)، ومثل سرقة الشيء الحقير الذي لا قطع فيه، ومثل كذبة الأم على طفلها إذا قالت: تعال أعطيك كذا، ثم لا تعطيه.
فهذه الصغائر جاء في الأحاديث الصحيحة أنها تكفر بالأعمال الصالحة وباجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلَاً كَرِيمَاً» [النساء: ٣١] وقول النبي ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) (٣)
وقوله ﷺ : (ما اجتنبت الكبائر) قيل: إن هذا شرط في تكفير الصغائر، فلا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر، ومنهم من قال: إنها تكفر ما بينها إلا الكبائر. (٤)
أما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة النصوح، أو بالحدود المقدرة؛ فإن الحدود كفارات لأهلها، أو برجحان الحسنات، فقد يكون للعبد حسنات عظيمة ترجح بما عليه من سيئات.
هذا ما يتعلق بالكبائر.
стр. 249
أما مرتكب الكبيرة فله حكم في الدنيا وحكم في الآخرة، فحكمه في الدنيا تقدمت الإشارة إليه (١)، وأن مرتكب الذنوب التي دون الشرك لا يكفر بذلك خلافا للخوارج؛ بل ولا يخرج من الإيمان خلافا للمعتزلة؛ بل هو مؤمن ناقص الإيمان.
أما حكمه في الآخرة فأهل السنة والجماعة يقولون: إنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له ولم يدخله النار، وإن شاء عذبه ثم أخرجه من النار برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات.
وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ ) (٢)
هذا القيد قد يكون له مفهوم، وأن حكم أهل الكبائر مختص بأمة محمد ﷺ ؛ وأهل الكبائر من الأمم الماضية ليس عندنا في حكمهم دليل، إنما النصوص الصريحة جاءت في شأن أمة محمد ﷺ ، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة ـ إن شاء الله ـ من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) (٣) وكذلك أحاديث الشفاعة المصرحة بأنه ﷺ يشفع أربع مرات وفي كل مرة: (يسجد ﷺ لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ثم أشفع: فيَحُدُّ لي حدًا فأخرجهم من النار) (٤) وهذا ما عناه الطحاوي بقوله: (وأهل الكبائر … في النار لا يخلدون) (في النار) متعلق بـ (يخلدون) أي: وأهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا دخلوها، وليس مقصوده أنهم لا بد لهم من دخول النار ولكنهم لا يخلدون فيها.
وقوله: (إذا ماتوا وهم موحدون، وإن كانوا غيرَ تائبين)
стр. 250
هذا قيد لا بد منه، وهذا هو محل الخلاف بين طوائف المسلمين، أما التائب فقد اتفقوا أن من تاب تاب الله عليه، لكن الخلاف في من مات مصرا على ذنبه لم يتب منه، فهذا هو المُعَرَّضُ للوعيد؛ أما من تاب توبة نصوحا مستوفية للشروط إقلاعا وندما وعزما؛ فإنه مغفور له، وليس هو من أهل الوعيد.
والطحاوي هنا بيَّن مذهب أهل السنة والجماعة في حكم أهل الكبائر في الآخرة: أنهم مستحقون للوعيد؛ ولكنهم تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ومن عذبه منهم فلا بد أن يخرجه من النار؛ لأنه لا يخلد أحد من أهل التوحيد، إذ (من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان) لابد أن يخرج من النار، كما تقدم في أحاديث الشفاعة. (١)
أما الخوارج والمعتزلة فقد اتفقوا على حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة، وهو: أنه لابد من دخول النار، وعندهم أن من دخل النار؛ فإنه لا يخرجون منها.
وقوله: (بعد أن لقوا الله عارفين) أي: مؤمنين بربهم الإيمان الصحيح، وعلق الشارح ابن أبي العز على قوله: (عارفين) بأنه: «لو قال: (مؤمنين) لكن أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، ثم قال: وكأنه يريد المعرفة التامة المستلزمة للاهتداء التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر؛ بل هم سادة الناس وخاصتهم». (٢)
لأن أهل الكبائر ليسوا من أهل العلم التام بالله ، وإنما يريد مطلق المعرفة، إذا ماتوا بعد أن لقوا الله عارفين موحدين.