فلهذا يقول الطحاوي ﵀: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء).
والنبي والولي والرسول بين هذه المراتب الثلاثة عموم وخصوص، فكلُ رسولٍ نبيٌ، وكلُ نبيٍ وليٌ، فالرسل هم أفضل الأنبياء، وهم جميعا أفضل الأولياء، وليس كل ولي نبيا، والله تعالى قد قال: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» [يونس: ٦٢ - ٦٣] فهذا هو تعريف الولي: كل مؤمن تقي؛ فهو ولي ـ وأما تعريف النبي والرسول فقد تقدم (١) ـ، وهذا وصف ينطبق على الأنبياء بما فيهم الرسل، وينطبق على الصديقين والشهداء والصالحين، وهذه الآية لا نقول: إنها في خصوص الولي الذي ليس بنبي، لا؛ بل هي عامة «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [يونس: ٦٢] وأولى الناس بهذا الوصف هم النبيون والمرسلون.
فالنبوة والرسالة تستلزم الولاية، ومطلق الولاية لا تستلزم النبوة والرسالة؛ لأنه ليس كل من يكون وليا لله يكون نبيا، فإذا قلنا: الولي: كل مؤمن تقي؛ فإن ذلك يعم الأنبياء والمرسلين وغيرهم، لكن إذا قلنا: الرسول والنبي والولي؛ فإنا نريد بالولي: كل مؤمن تقي سوى النبيين والمرسلين.
إذًا؛ فالولي في عبارة الطحاوي: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء) من غير الأنبياء.
وتقدم (٢) أن أولياء الله طبقتان: مقتصدون وسابقون، أو نقول: مقربون وأصحاب يمين، كما ذكر الله ذلك في مواضع من القرآن: «فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ
стр. 387
مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ» [الواقعة: ٨٨ - ٩١] وهكذا في أول السورة، وفي سورة الإنسان: «إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا» [الإنسان: ٥ - ٦]، وهكذا في سورة المطففين ذكر الله هذا التصنيف للأولياء: «إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ـ إلى قوله ـ: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» [المطففين: ٢٢ - ٢٨] (١).
стр. 388
[منهج أهل السنة في كرامات الأولياء]
وقوله: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم).
أي: أن أهل السنة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة والأخبار من كرامات الأولياء، وما صح عن الثقات في ذلك من رواياتهم.
والكرامات: يراد بها الأمر الخارق للعادة، والله تعالى يكرم أولياؤه بأنواع الكرامات، ومن ذلك خوارق العادات، فيجري الله على يد من شاء من أوليائه بعض الأمور الخارقة للسنن الكونية، والعادة التي أجراها الله في هذا الوجود؛ فإن هذا الوجود يجري على السنن، وهذا بالنسبة لكرامات الأولياء، وكذلك بالنسبة لمعجزات الأنبياء حسب الاصطلاح المشهور.
ومعنى المعجزة في اللغة يعم كل خارق سواء كان على يد نبيٍّ أو على يد وليٍّ، فكل خارق؛ فهو معجز لمن لم يجره الله على يده، مما لا يدخل في قدرة العبد بحكم العادة.
ولكن خوارق الأنبياء وهي دلائل على نبوتهم ورسالاتهم اسمها الشرعي: البينات والآيات والبراهين، كما ذكر الله ذلك في كتابه في مواضع: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ» [الحديد: ٢٥]، ويقول تعالى في شأن موسى: «فِي تِسْعِ آيَاتٍ» [النمل: ١٢] «فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ» [القصص: ٣٢].
ولكن في اصطلاح المتكلمين خوارق الأنبياء يسمونها معجزات، حتى إن المعتزلة يقولون: إن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة، فقصروا
стр. 389
ما تثبت به النبوة على المعجزة، وهي الأمر الخارق للعادات، ونتج عن قولهم ذلك ـ مع بطلانه وتقدم تفنيده (١) ـ نفي كرامات الأولياء، فقالوا: لا يجوز خرق العادة إلا لنبي؛ لأنه لو خرقت العادة لغير نبي لالتبس على الناس أمر النبي بالولي، فلا يحصل التمييز.
وأجيب عن هذه الشبهة: بأن الولي الذي تحصل على يديه الكرامة، وهي: الأمر الخارق للعادات لا يدعي النبوة إذ لو ادعى النبوة لم يكن وليا، ولم يكن ما جرى على يده كرامة؛ بل هو مَخْرَقة وفتنة.
فلهذا كان من المسائل التي ينبه عليها أنها من مذهب أهل السنة: إثبات كرامات الأولياء، والمقصود: إثبات جنس الكرامات؛ لأنه ليس كل ما يذكر يكون ثابتا، ويجب التسليم به.
فما يروى ويذكر من كرامات الأولياء منها ما هو ثابت في القرآن أو في السنة أو في أخبار صحيحة، ومنه ما يروى ولم تحقق صحته ولا كذبه؛ فهذا لا يلزم التصديق به، كما لا يجوز نفيه بغير حجة.
ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما في قصة مريم وولادتها لعيسى ﵇؛ فإن ولادتها لعيسى بلا أب خارق للعادات.
ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما جاء في قصة أصحاب الكهف حيث بقوا في كهفهم مدة طويلة، قال تعالى: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا» [الكهف: ٢٥] بقوا في كهفهم يقلبهم ربهم: «وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ» [الكهف: ١٨] وعاشوا هذه المدة الطويلة، بلا طعام ولا شراب، وبعد ذلك يستيقظون ويتحدثون ولم يشعروا بما جرى لهم «قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ» [الكهف: ١٩].
وجماع صفات الكمال: الغنى والعلم والقدرة، ويستشهد لهذا بأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ ألا يدعي شيئا منها إلا ما أعطاه الله:
стр. 390
«قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إلي» [الأنعام: ٥٠]، وهكذا قال نوح لقومه: «وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ» [هود: ٣١].
فأول الرسل وآخرهم تبرءوا من دعوى هذه الأمور إلا ما أعطاهم الله منها، والمقصود من ذكر هذا المعنى: بيان أن خوارق العادات مدارها على هذه الثلاث: إما أن ترجع إلى القدرة والتأثير، أو العلم، أو الغنى.
وتسمى الخوارق العلمية المتعلقة بالعلم: الخوارق الكشفية؛ لأن خرق العادة بعِلْمِ أمرٍ مستورٍ هو كشف لغائب.
وهذه المعاني ترجع إلى كل الخوارق سواء كانت على يد أنبياء أو أولياء فمثلا: عصا موسى ترجع إلى القدرة والتأثير، وكذلك فلق البحر يرجع للقدرة والتأثير.
ما ذكر الله عن أصحاب الكهف يرجع إلى الغنى؛ لأن الله أغناهم عن الطعام والشراب تلك المدة الطويلة، وكلما يخبر به الأنبياء من أمور غائبة هو من الخوارق العلمية، وهكذا دلائل نبوة محمد ﷺ راجعة إلى هذه، فقد أخبر ﷺ بأمور مستقبلة غائبة لا تزال تظهر بين حين وآخر، فهي من أعلام نبوته ﷺ .
وذكر شيخ الإسلام: أن «عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله؛ بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه» (١)، لذا لا يستدل بعدم حصول كرامة على عدم الولاية، كما لا يستدل بحصول خارق على الولاية؛ بل ضابطها: الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [يونس: ٦٢].
стр. 391
فإن الخوارق قد تجري في الظاهر على يدي الكهان والسحرة، وهي: مخاريق، وأكاذيب، ولهذا جاء عن بعض السلف أنه قال: «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء؛ فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة» (١).
فلا تغتر بمن حصل له شيء من ذلك حتى تعرض حاله وعمله على الكتاب والسنة؛ فإن الشياطين قد تحمل أولياءهم حتى يظن أنه يسير في الماء أو يطير في الهوى، وإنما حمله الشيطان ووضع له ما يسير عليه في الماء.
والكرامة قد تكون لحاجة العبد، فيخرق الله العادة لحاجته، وقد تكون لإقامة الحجة، وكل كرامة وخارق للعادة على يدي ولي؛ فإنه دليل على نبوة مَن هذا الولي تابع لشريعته.
من خوارق العادات التي جرت على يد بعض الأنبياء ـ وتسمى: المعجزات ـ ما جرى لخليل الله إبراهيم ﵇ عندما ألقي في النار فصارت عليه بردا وسلاما، حين قال الله لها: «يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ» [الأنبياء: ٦٩] فهل استحالت النار وصارت روضة بحيث لو دخلها غيره لم تضره؟ لا؛ بل هي على إبراهيم ﵇ فقط.
وهذا دليل على نبوته ﷺ ، فخرق العادة لإبراهيم هو للحاجة والحجة، للحاجة؛ لأنه ألقي فيها، فهو محتاج إلى أن ينجيه الله من النار، فنجاه الله منها، «فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ» [العنكبوت: ٢٤] وللحجة؛ لأن هذا دليل على صدق نبوته حيث نجاه الله من النار.
стр. 392
وقد يدعي بعض الدجاجلة أنه يدخل النار ولا تحرقه! وحدث هذا في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية فتحداهم في مناظرة كبيرة بحضور الأمراء والعلماء والعامة وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها: أي شيء فعلوه في النار؛ فأنا أصنع مثل ما تصنعون! ومَن احترق فهو مغلوب، وربما قلت: فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك؟ فقلت: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق» فبهتوا ولم يفعلوا، فقال الناس: «فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين» (١).
ولعل هذا القدر مما يتعلق بالكرامات يكفي، وتقدم أنه: إنما يجب الإيمان بجنس الكرامات، ويجب الإيمان بما صح؛ مما جاء في القرآن أو جاء في السنة أو في أخبار صحيحة.
وقد نقل الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع (٢) كلاما كثيرا، وكلامه قد غَرَفَه من بحر شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه شرح غالب العقيدة الطحاوية بكلام الإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وشيء من كلام غيرهما ﵏ جميعا ـ.
стр. 393
[أشراط الساعة الكبرى]
وقوله: (ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها).
أشراط الساعة: علاماتها، قال : «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا» [محمد: ١٨] أي: جاءت علاماتها، ومجيء أشراطها مؤذن باقترابها، والله تعالى قد نبه إلى قرب الساعة في مواضع من القرآن: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» [القمر: ١] «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا» [الأحزاب: ٦٣] «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ» [الأنبياء: ١].
وأشراط الساعة كثيرة، أولها: مبعث محمد ﷺ ، فإنه خاتم النبيين، وخَتْمُ النبوة مؤذن باقتراب نهاية الدنيا، وقد أخبر النبي ﷺ بأمور كثيرة مما يكون بعده، وأهل العلم يعدون كل ما أخبر به ﷺ مما يكون بعده من أشراط الساعة.
ومن ذلك ما جاء في حديث جبريل ﵇ حيث قال للنبي ﷺ : «أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل! قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أنْ تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاءَ الشاءِ يتطاولون في البنيان» (١).
فهذه بعض العلامات، وعلامات الساعة وأشراطها كثيرة، جاءت
стр. 394
في عدد من الأحاديث من ذلك، حديث عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مَوْتان يأخذ فيكم كَقُعَاصِ الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» (١).
وقوله ﷺ : (كقعاص الغنم) هو مرض يهلك الدواب، والمراد: موت عام يهلك به خلق كثير، و (بني الأصفر) أي: الروم.
وهذه العلامات منها ما وقع؛ كموته ﷺ ، وفتح بيت المقدس، واستفاضة المال، ومنها ما لم يقع.
وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبا» (٢).
وفي حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك: نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٣).
وهذه يسميها العلماء علامات الساعة الكبرى؛ لأن هذه الأحداث تكون قرب قيام الساعة، وقرب الساعة الذي ذكره الله ليس مقدرا بزمن،
стр. 395
ولا يمكن لأحد أن يتخيل قدره، فقد يخطر ببال الناس في حياة النبي ﷺ أو بعده: إن الساعة بعد مائة أو مائتين أو ثلاثمائة سنة، ولكن مضى الآن أربعة عشر قرنا من الزمن، ولا ندري ماذا بقي؛ فإن موعد قيام الساعة من الخمس التي استأثر الله بعلمها، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل: «ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» [الأعراف: ١٨٧].
ونص الإمام الطحاوي على أربع من هذه العلامات العشر: الدجال، ونزول المسيح، طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وهذه العلامات منها ما ذكر في القرآن نصا أو إشارة، فأما خروج الدابة، فقد قال تعالى: «وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ» [النمل: ٨٢].
وأما طلوع الشمس من مغربها فقد أشير إليها في قوله سبحانه: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» [الأنعام: ١٥٨].
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (١).
فهذا الحديث تفسير للبعض الذي في الآية وهو: طلوع الشمس من مغربها.
وهكذا نزول المسيح فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» (٢).
стр. 396
ونزوله عيسى ﵇ أشير إليه في القرآن، كما جاء في تفسير قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا» [الزخرف: ٦١] … (١) وقرئ: (وإنه لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا) (٢).
أما الدجال فلم يأت له ذكر في القرآن، وإنما تواترت بالإخبار عنه سنة الرسول ﷺ (٣).
منها أنَّ النبي ﷺ أنذر أمته المسيح الدجال فقال ﷺ : «ما بعث الله من نبيٍّ إلا أنذر قومه الأعور الكذاب، إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» (٤).
ومنها الدعاء الذي أرشدنا ﷺ لقوله في كل صلاة فقال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» (٥).
والإمام الطحاوي نص على هذه الأربعة؛ لأنها أمور عظيمة ومشتملة على خرق العادة.
وبين نزول المسيح وخروج الدجال تناسب؛ لأنهما حدثان في زمن متقارب، والمسيحُ ابن مريم مسيحُ الهدى يقتلُ المسيحَ الدجال مسيحَ الضلالة.
المقصود: أن أهل السنة يؤمنون بهذه الأمور الخارقة للعادة، فطلوع الشمس من مغربها أمر خارق للعادة، فمنذ خلق الله الشمس
стр. 397
وأجراها وهي تأتي من المشرق وتذهب للمغرب، وفي طلوعها من المغرب خرق لهذه العادة، وهكذا خروج دابة الأرض التي تكلم الناس حدث عظيم وهو خارق للعادة، وخروج الدجال بما معه من خوارق حقيقية يجريها الله على يده فتنة وابتلاءً، ولهذا كانت فتنته أعظم فتنة، فقد صح أن النبي ﷺ قال عن الدجال إنه: «يأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت» وأنه «يمر بالخَرِبة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها» وأنه «يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَض، ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك» (١).
هذه كلها أحداث عظيمة، وأهل السنة يؤمنون بذلك كله تصديقا لخبر الصادق المَصْدُوق ﷺ ، أما الذين يحكمون عقولهم؛ فإنهم يستبعدون ذلك كله؛ فإما أن يكذبوا به، أو يتأولوه بأنواع التأويل، وليس هذا من أهل الضلال بغريب.
والعلم بأن هذا من أشراط الساعة ينبني على العلم بما جاء عن النبي ﷺ ، والعلم بالواقع، فقد يكون الإنسان قد عرف أن من أشراط الساعة كذا وكذا، ولكنه لم يعلم بوقوعه، فكم من أشراط الساعة وعلاماتها وأحداث الزمان مما حدث وكثير من الناس غافل عنه؟!
فأشراط الساعة منها ما حدث وانقضى، ومنها ما سيحدث، ومنها ما حدث ويتكرر، ومنها العلامات الكبرى المذكورة في حديث حذيفة بن أسيد الذي تقدم (٢).
стр. 398
[وجوب الحذر من تصديق الكهان والعرافين ونحوهم من المخالفين]
وقوله: (ولا نصدق «كاهنا» ولا «عرافا» ولا من يدعي شيئا يخالف «الكتاب» و «السنة» و «إجماع الأمة»).
أي: نحن أهل السنة المتبعون لمنهج السلف الصالح لا نصدق «كاهنا» ولا «عرافا» طاعة لله ورسوله؛ فإن الكهان والعرافين والمنجمين من أكذب الكذابين، قال تعالى: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ» [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
وجاء في السنة التحذير من تصديق الكاهن والعراف، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (١).
وعن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عَرَّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٢).
والعراف والكاهن معناهما متقارب، ومن العلماء من يفرق بين الكاهن والعراف، فيقول: «العراف: هو الذي يدعي معرفة الأمور
стр. 399
بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق … ومعرفة مكان الضالة» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعراف قد قيل: إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق، ولو قيل: إنه في اللغة اسم لبعض هذه الأنواع؛ فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي» (٢).
إذًا؛ العراف أعم من الكاهن، فالكاهن عراف، والمنجم عراف، والرمال الذي يضرب بالحصى ويخط بالأرض عراف؛ لأن عراف صيغة مبالغة من المعرفة، فيكون عطف العراف على الكاهن في كلام الطحاوي من عطف العام على الخاص.
فهؤلاء الكذابون لا يجوز سؤالهم مطلقا؛ فإن سؤالهم ينبئ عن الاعتراف بهم، ويجر إلى تصديقهم، وكيف يسألون وهم يدَّعون العلم بمغيبات، والله تعالى قد تفرد بعلم الغيب كما قال تعالى: «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» [النمل: ٦٥].
فالكهانُ والمنجمون والرمَّالون من المفسدين في الأرض، ومن أشرار الخلق الذين يضلون الناس بما يدَّعون، فيجب على ولاة الأمر أن يمنعوهم من إظهار منكرهم، وأن يضربوا على أيديهم عملا بقوله تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» [آل عمران: ١٠٤] فلا يجوز إقرارهم، ويجب على المسلمين أن يحذروا من سؤالهم.
والمنجم هو الذي ينظر في النجوم ويستدل باجتماعها وافتراقها وبما يحدث عند طلوعها ويستدل بذلك على ما يحدث في الأرض؛ فمنهم من يفعل ذلك دجلا، ومنهم من يعتقد أن للنجوم تأثيرا فيما يحدث في الأرض من خير وشر، وما يحصل للأفراد من أحوال، فيضلون الناس ويوهمونهم،
стр. 400
بما عندهم من قواعد ومصطلحات: أنَّ من يولد في النجم الفلاني يحصل له كذا، من السعْد أوالنحس!
وهذا تخرص وكذب؛ فالنجوم جعلها الله لثلاثة أشياء، كما قال قتادة ﵀: «خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به» (١).
والتنجيم ضرب من السحر، كما في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : «من اقتبسَ عِلمًا من النجومِ اقتبس شُعْبة من السحر زادَ ما زاد» (٢).
وأما الكاهن فهو الذي تخبره الشياطين بالأخبار، سواءً من أخبار الأرض التي يطلعون عليها، أو مما يسترقون من السمع، قال الله تعالى: «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ» [الملك: ٥] وقال تعالى: «وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ» [الحجر: ١٦ - ١٨].
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا﴾ للذي قال: ﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ـ ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه ـ فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهابُ قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال:
стр. 401
أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سُمِعَت من السماء» (١).
والمقصود: أن مما يجب على المسلمين الحذر من تصديق هؤلاء ومن إقرارهم على ما يدعونه؛ بل يجب الإنكار عليهم، ومنعهم وكف شرهم، ومنع ذهاب الناس إليهم، وقد كثروا في هذا العصر، لكنهم إنما يكثرون في المواضع التي يغلب فيها الجهل وضعف الدين، فإذا غلب الجهل على الناس وضعف دينهم كثرت الشرور، وراج الباطل على الناس كما هو الواقع.
أما إذا ظهر العلم الشرعي وقوي سلطان الحق؛ اختفت هذه الشرور؛ لأن العلم يكشفها ويفضحها، وسلطان الحق يقمعها.
وقوله: (ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).
أي: ونحن أهل السنة لا نصدق من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ بل كل من أدعى من يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يجب الرد والإنكار عليه، وهذا يتناول ما يدعيه المتصوفة من الأحوال والقدرة والكشوف والدعاوى العريضة، كدعوى بعضهم أنه يسعه التدين بغير هدي رسول الله ﷺ !
والإيمان بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ يستلزم رد كلما خالف ذلك، فلهذا قال الطحاوي: (ولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).
стр. 402
[من منهج أهل السنة لزوم الجماعة والحذر من الفرقة]
وقوله: (ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفُرقة زيغا وعذابا).
من منهج أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، والحذر من التفرق في الدين؛ لأن الله تعالى أمر عباده بالاجتماع، ونهاهم عن الافتراق، قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾، وقال تعالى: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾.
لهذا قال الطحاوي: (ونرى الجماعة حقا وصوابا) الجماعة؛ الاجتماع على الحق، نراه حقا وصوابا، ونرى أن الفُرقةَ شر وعذاب وزيغ عن الصراط؛ فإن الناس إذا تفرقوا تنافروا، وتعادَوا، وساءت أحوالهم الدينيةِ والدنيوية، وبغى بعضهم على بعض، وكما دل القرآن على ذلك، دلت سنة النبي ﷺ ، فقد استفاضت الأحاديث في لزوم الجماعة، والتحذير من الفُرقة، ولكن قد أخبر النبي ﷺ بأن هذه الأمة ستفترق، فالفرقة واقعة؛ وإخباره بوقوع الشيء لا يدل على أنه صواب؛ بل هو ﷺ يخبر به إخبار المحذِّر، ولهذا قال ﷺ : «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا
стр. 403
عليه اليوم، وأصحابي» (١) وفي لفظ: «وهي الجماعة» (١).
فنبه النبي ﷺ إلى أن سائر الفِرق متعرضة للعذاب، وأن الناجي فرقةٌ واحدة، ولهذا عُرف أهل السنة بـ «الفِرقة الناجية» أخذا من هذا الحديث.
فيجب على أهل السنة أن يحذروا من مشابهة أهل البدع الذين خالفوا الكتاب، وتفرقوا في دينهم، وابتدعوا ما لم يشرع الله من البدع الاعتقادية أو العملية.
فالخير في الاجتماع على الحق، والشر في التفرق في الدين؛ لأن التفرق اتباع للهوى، ولهذا يعرف أهل البدع بأهل الأهواء؛ لأن كل فرقة متبعة لهواها الذي أصَّله شيوخها ومتبوعوها، فكل فرقة لها إمام تقلِّدُه دينَها.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «أن الاختلاف الواقع بين الناس نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد؛ فاختلاف التنوع في الحقيقة ليس من الاختلاف، ولهذا اسمه تنوع.
ولكن المختلفين اختلاف تنوع إنما يُؤتَوْن من بغي بعضهم على بعض، والواجب في المختلفين اختلاف التنوع، أن يُقِرَّ بعضهم بعضا؛ كالاختلاف في القراءات، وأنواع الأذان، والاستفتاحات والتشهدات، وما أشبه ذلك؛ لأنهم مصيبون جميعا.
وأما اختلاف التضاد، فقد يكون الصواب في أحد الجانبين، وقد يكونون جميعا على الباطل، كاختلاف ملل الكفر، وأهل البدع، فكلهم مخطئ، كما قال سبحانه: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾، فالمختلفون اختلاف تضاد قد يكونون مذمومين كلهم، كاختلاف أهل الباطل في باطلهم، وقد يكون أحد المختلفين محمودا
стр. 404
والآخر مذموما، كالاختلاف بين المخطئ والمصيب، كما قال : ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن، ومنهم من كفر﴾، فالاختلاف بين المؤمنين والكفار اختلاف تضاد، والحق والصواب في جانب المؤمنين.
وأما اختلاف التضاد الذي يكون بين علماء الأمة؛ فالحق أن المصيب من المجتهدين واحد، لكن المخطئ مأجور على اجتهاده كما في الحديث المشهور عن النبي ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر» (١)، فكلهم محمود؛ المصيب منهم والمخطئ؛ لأنهم مجتهدون، طالبون للحق، محمودون على اجتهادهم، ولكنَّ الله تعالى يوفق من شاء للصواب، كما ذكر الله عن النبيين داود وسليمان ﵉ فقال: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلاً آتينا حكماً وعلماً﴾، فشهد لهما جميعا، بالحكم والعلم» (٢).
стр. 405
[وسطية دين الإسلام]
وقوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وقال تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس).
حقيقة دين الإسلام: عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته ، وهذه الحقيقة يدين بها أهل السماوات من ملائكة الله، وهي: دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فدين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هو الإسلام، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أي: الدين المرضيّ، المعتبر في حكمه هو الإسلام، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾، وهذه ليست خاصة بما جاء به محمد ﷺ ؛ بل هذا عام في الأولين والآخرين؛ من ابتغى غير دين الإسلام فلن يقبل منه.
وقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾. وقوله ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (١).
فنوح ﵇ جاء بالإسلام؛ لأنه جاء يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر الله عنه أنه قال لقومه: ﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾
стр. 406
[هود: ٢٦]، ﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ [نوح: ٣]، ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ [يونس: ٧٢]، وهكذا من جاء بعده من الرسل، كإبراهيم ويعقوب قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ويوسف ﵇ قال: ﴿توفني مسلما﴾، وموسى ﵇ قال: ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾، والسحرة لما آمنوا ﴿قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين﴾، وهكذا الحواريون أتباع المسيح ﴿قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾.
فالإسلام دين الله، لكن يجب أن يعلم أنه بعد أن بعث الله محمدا ﷺ صار الإسلام هو ما جاء به، وكل من لم يؤمن بشريعة محمد ﷺ ويلتزم بمتابعته؛ فليس على الإسلام مهما تدين، حتى ولو لم يشرك.
فاليهود، والنصارى وإن انتسبوا إلى الأنبياء، وإلى التوراة، والإنجيل، فليسو بمسلمين؛ لأنهم جمعوا بين أنواع من الكفر، والشرك؛ وانضاف إلى ذلك كفرهم برسالة محمد ﷺ ؛ فالنصارى يقوم دينهم الباطل على الشرك، قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار * لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾.
واليهود كفروا بما ارتكبوا من العظائم؛ كتحريف كتب الله، والتلاعب بدينه، وقتل الأنبياء، وقد ذكر الله بعض قبائحهم، قال تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾. الآيات.
ولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده
стр. 407
لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (١).
ومن يقول: إن اليهود والنصارى على دين صحيح؛ فإنه كافر؛ لأن ذلك يناقض ما وصفهم الله به، وأخبر عنهم، وهذه قضية ينبغي التنبه لها؛ لأنه قد اشتهر في هذا العصر الدعوة إلى وحدة الأديان، واعتقاد أن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم على دين صحيح!
ودين الإسلام توسط واعتدال، بين الغلو والتقصير. والغلو: مجاوزة الحد. والتقصير: هو نقص فيما يجب القيام به. فهذان مدخلان للشيطان على الإنسان، فالشيطان؛ إما أن يحمل الإنسان على الغلو في الدين؛ فيقع في التجاوز؛ فيبتدع في الدين ما لم يأذن به الله.
أو يحمله على التقصير بترك واجب، أو فعل محرم.
والواجب الوقوف عند حدود الله، قال تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ أي: بالتجاوز وهو الغلو.
وقال سبحانه: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ وهي: المحرمات؛ فقربانها تقصير، وقد يجتمع في الشخص الغلو والإفراط في جانب والتفريط والتقصير في جانب آخر؛ فيجمع بين الغلو والتقصير.
وهذا كثير في الأفراد والطوائف، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ فتحريم الحلال من الابتداع والتنطع والغلو في الدين، ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ وهذا تقصير.
وقد أنكر النبي ﷺ على الذين أرادوا أن يتبتلوا، وأن ينقطعوا للعبادة حين: «سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام
стр. 408
على فراش! فحمد الله وأثنى عليه، فقال: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
والغلو يجري في مسائل الدين كلها: الاعتقادية والعملية.
وقوله: (بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) عطفُ هذه المتقابلات من قبيل عطف الخاص على العام؛ فإن التشبيه والتعطيل يندرجان في الغلو والتقصير؛ فالتشبيه غلو في إثبات الصفات، فالمشبهة يقول أحدهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي! فيشبه الله بخلقه، ويشبه صفاته بصفات خلقه.
ويقابل التشبيه التعطيل، والتعطيل نفي الصفات، ونفيها تقصير فيما يجب إثباته لله تعالى؛ فإنه تعالى أوجب على عباده الإيمان بما أخبر به عن نفسه من أسمائه وصفاته، قال تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير).
والتشبيه والتعطيل كلاهما يتضمن الغلو والتقصير؛ فالتشبيه غلو في الإثبات وتقصير في التنزيه، والتعطيل غلو في التنزيه، وتقصير في الإثبات، فالمعطلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الرب تعالى زاعمين أنهم قالوا ذلك تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، فجمعوا بين التعطيل والتشبيه وبين الإفراط والتفريط.
وأهل السنة وسط في باب أسماء الله وصفاته بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، ومذهبهم هو دين الإسلام في هذا الباب.
وقوله: (وبين الجبر والقدر)
الجبر هو مذهب الجهمية، ومن وافقهم، وحقيقته: أن العبد ـ
стр. 409
عندهم ـ مجبور على أفعاله، وأنه يتصرف بغير مشيئة ولا اختيار ولا قدرة؛ كحركة الريش في مهب الريح، وحركة المرتعش، وحركة الأشجار.
ويقابله القول بالقدر، وهو مذهب المعتزلة القدرية، ويسمون: القدرية، كما أن الجبرية يقال لهم: قدرية أيضا، لكن هذا الاسم أشهر في القدرية النفاة الذين ينفون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه؛ فيخرجون أفعال العباد عن أن تكون مخلوقة لله وواقعة بمشيئته وقدرته.
والجبرية يسلبون العبد فاعليته وقدرته ومشيئته، والقدرية النفاة يقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعله بمحض قدرته ومشيئته، ولا أثر ولا تأثير لمشيئة الله في أفعالهم.
فالجبرية غلو في إثبات القدر وإثبات فاعلية الله، وقصروا في إثبات فعل العبد وفاعليته واختياره حيث سلبوا العبد قدرته ومشيئته واختياره وفاعليته.
والقدرية غلو في إثبات فاعلية العبد حتى قالوا: إنه هو الذي يخلق فعله بمحض مشيئته وقدرته، وقصروا في إثبات ربوبيته تعالى حيث نفوا تعلق مشيئة الله وقدرته وخلقه بأفعال العباد، فأخرجوا كل أفعال العباد من أقوال وحركات سواء كانت محمودة أو مذمومة عن مشيئة الله وخلقه وقدرته وملكه!
وقد تقدم ذكر بعض شبهات هذين المذهبين ومناقشتهما والرد عليهما، وهذه الكلمات جاءت أخيرا في كلام الطحاوي كالتلخيص لبعض ما تقدم (١).
والقول بالجبر مغالطة وإنكار، وهنا بهذه المناسبة يسأل بعض الناس ويقول: هل الإنسان مخير أو مسير؟ فنقول: لا يصح إطلاق أحد الكلمتين؛ لأن كلا منهما يحتمل حقا وباطلا؛ فإن أردت أن الإنسان
стр. 410
مخير، أي: له اختيار ومشيئة؛ فيقوم ويقعد ويتكلم بمشيئة، فهذا حق.
وإن أردت أنه مخير، أي: أن له مشيئة وقدرة لا ترتبط بمشيئة الله، فهذا باطل، قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) أو أراد أن له الحرية المطلقة في أفعاله؛ فهو مخير بين الفعل والترك، كما يفهمه بعض الغالطين من قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فإن هذا ليس تخييرا؛ بل هذا أسلوب تهديد ووعيد شديد، ولذا قال تعالى بعدها: (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها).
وهكذا قول القائل هل العبد مسير؟ نقول: إذا كنت تريد أنه مسير، أي: أنه لا اختيار له ولا مشيئة فهذا باطل، وهذا هو الجبر. وإن أردت أنه مسير، أي: أن أفعاله تسير على وفق قدر الله ومشيئته، وأنه ميسر لما خلق له، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «اعملوا فكل ميسر» (١). فهذا حق.
والخلاصة: أن الكلمتين لم تردا في النصوص ولا يصح إطلاقهما نفيا ولا إثباتا لما فيهما من احتمال الحق والباطل (٢).
وقوله: (وبين الأمن والإياس).
دين الإسلام وسط في باب الوعد والوعيد، بين الأمن والإياس، والله قد وصف عباده وأولياءه بالخوف والرجاء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] فالوسطية ما دلت عليه هذه
стр. 411
الآيات، فلا أمن ولا إياس، والأمن واليأس من كبائر الذنوب، قال : ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] وقال : ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وقال : ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]
فالأمن هو سبيل المرجئة الغلاة، والإياس سبيل الوعيدية الذين يُقَنِّطُون مرتكب الكبيرة من دخول الجنة فيقولون: بوجوب إنفاذ الوعيد، وأنه لا يجوز أن يغفر الله لأهل الكبائر؛ بل لا بد أن يعذبهم، وإذا دخلوا النار فلن يخرجوا منها، وهذا يتضمن تيئيس الموحدين من أهل الكبائر.
فدين الله (بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) وهو صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، أما سائر الطرق والسبل؛ فإنها منحرفة إلى الطرف، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط في كل مسائل الدين.
стр. 412
[براءة أهل السنة من المذاهب المبتدعة]
وقوله: (فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه. ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل: المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم، من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق).
ختم الطحاوي بهذه الكلمات ما أثبته من مسائل اعتقاد أهل السنة والجماعة، وقوله: (فهذا) إشارة إلى كل ما ذكره من المسائل المتعلقة بأصول الإيمان، من مسائل التوحيد والرسالة، والمسائل المتعلقة بالقرآن وبالإيمان وبالصحابة وغير ذلك.
فهذا ديننا واعتقادنا الذي ندين لله به، ونخضع لله به، ونعبد الله به، كما قال في الأول: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له) إلخ.
وقوله: (ظاهرا وباطنا)
أي: نقر به بألسنتنا، ونصدقه بأفعالنا، ونعتقده بقلوبنا، وإنما ينفع الإيمان والدين إذا تطابق الظاهر والباطن، فدين الإسلام يتعلق بالباطن: اعتقادا وعملا؛ فالاعتقاد: التصديق واليقين. والعمل: الخوف والرجاء والتوكل والحب والبغض.
ويتعلق بالجوارح؛ باللسانِ إقرارًا، وبالجوارحِ فعلا للمأمورات،
стр. 413
وتركا للمنهيات، مما يُصَدِّق ما يقوله العبد بلسانه، ولهذا قال: (هذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا).
وقوله: (ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه)
أي: ونحن نبرأ إلى الله ونعادي وننابذ ونباعد كل من خالف ما تقدم ذِكره وتقريره؛ لأنه مستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويعني: البراءة من طوائف المبتدعين الذين خالفوا الكتاب والسنة، وقد أوضح ذلك ببيان البراءة من المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، فهؤلاء هم الذين يعنيهم بقوله: (ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه) لأنها مذاهب مبتدعة رديئة مفتراة، ومخالفة لما جاء في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ .
وقوله: (ونسأل الله أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به)
وهذا ختم للكلام بالدعاء بالثبات على الإسلام، وهو أمر مهم، فنسأل الله أن يثبتنا على الإسلام والإيمان والاعتقاد الحق، والعبد فقير إلى تثبيت ربه وهدايته وعصمته حتى يلقاه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ومن دعاء الأنبياء والصالحين: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] ومن دعائه ﷺ «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (١). فالدعاء بالثبات على الإسلام حتى الممات من أنفع وأهم وأحوج ما يكون للعبد.
وقوله: (ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية)
الاستقامة على الصراط إنما تكون بعصمة الله وهدايته، ولذا أمرنا أن نقول في كل صلاة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ
стр. 414
عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] (١). فالعبد فقير إلى أن يعصمه ربه من هذه الضلالات، يقول ابن القيم ـ لما ذكر مذاهب المبتدعين ـ:
لَو شَاءَ رَبُّكَ كُنتَ أيضاً مِثلَهُم … فَالقَلبُ بَينَ أصابِعِ الرَّحمَنِ (٢)
فمن عافاه الله مما عليه أهل الضلال؛ كالمشركين والرافضة والجهمية والصوفية والقدرية؛ فليعلم أن ذلك بتوفيق من الله لا بحوله ولا بقوته، وعلى المسلم أن يلهج دائما بسؤال العصمة والوقاية من طرائق المضلين من أصحاب الأهواء والمناهج المنحرفة عن هدى الله؛ فإن هذه المذاهب الردية متناقضة مختلفة ومضطربة وأهلها متبعون لأهوائهم ومتفرقون، كل حزب بما لديهم فرحون.
وقوله: (مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم)
هذه أسماء أبرز الطوائف المنحرفة في مسائل الاعتقاد؛ فالجهمية وإمامهم جهم بن صفوان، قد جمعوا بين ثلاث بدع كبرى: التعطيل في باب الأسماء الصفات، والجبر في باب أفعال العباد والقدر، والإرجاء في باب الإيمان (٣).
والمعتزلة على النقيض من الجهمية في باب القدر، وباب الإيمان، وهم قريبون منهم في باب الأسماء والصفات؛ فالمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون ما تدل عليه من الصفات، ولهم أصول خمسة:
١ - التوحيد، ويقصدون به: نفي الصفات فعندهم إثبات الصفات تشبيه وتجسيم وشرك، ونفي الصفات هو التوحيد.
стр. 415
٢ - العدل، ويدخلون فيه نفي القدر؛ لأن عندهم أن الله تعالى لو شاء أفعال العباد، وكانت ذنوبهم بمشيئته كان تعذيبه لهم ظلما! فلهذا لم يجدوا مخرجا إلا بنفي تعلق مشيئة الله بها، فمذهبهم يتضمن أنه يكون في ملكه تعالى ما لا يشاء، فجميع ما يجري من حركات العباد وأفعالهم وتصرفاتهم وكلامهم كل ذلك بغير مشيئته، فعندهم أن الله تعالى لا يقدر على أن يجعل المؤمن كافرا أو الكافر مؤمنا، أو المطيع عاصيا أو العاصي مؤمنا؛ بل ولا يقدر أن يجعل القائم قاعدا والقاعد قائما، والمتكلم ساكتا والساكت متكلما؛ لأن هذه الأفعال لا تتعلق بها مشيئته ولا قدرته ولا خلقه.
٣ - المنزلة بين المنزلتين، وهي: أن مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق، فليس بمؤمن ولا كافر، لكنه في الآخرة مع الكافرين.
٤ - إنفاذ الوعيد، ويعنون به: أنه يجب على الله إنفاذ وتحقيق ما توعد به العاصين، فلا يجوز عندهم أن يعفو عن من مات مصرا على شيء من الذنوب.
٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون فيه الخروج على الأئمة الظلمة بحجة إنكار المنكر (١).
وقد جاءت الشريعة بالنهي عن ذلك لما يفضي إليه من الفساد العريض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم على قاعدة: «ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما»
فإنكار المنكر إذا كان يفضي إلى زيادة المنكر، أو إلى منكر أعظم كان الإنكار منكرا.
стр. 416
وقوله: (من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق)
هذه هي الحقيقة، فهؤلاء قد خالفوا جماعة المسلمين، التي هي الفرقة الناجية، (وحالفوا الضلالة) أي: لزموا الضلالة، واتبعوا أهواءهم، فهم أصحاب الأهواء؛ لأنهم حكموا عقولهم وقدموها على المنقول.
فأهل السنة منهم ومن بدعهم يتبرؤن، ويرون أنهم قد ضلوا وحادوا عن الصراط المستقيم بهذه المذاهب الباطلة.
نسأله أن يعافينا من المحدثات واتباع الأهواء، ونسأله تعالى أن يعصمنا منها، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وقد أوجب الله على عباده هذا الدعاء في كل ركعة من الصلاة ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] (١) وإن كان المراد بالمغضوب عليهم والضالين في الأصل اليهود والنصارى، فهذه الفرق منها ما يكون مشابها للمغضوب عليهم، ومنها من هو مشابه للضالين، كما قال بعض السلف: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (٢).
هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.