← Акыда

Акыда · id 23088

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط التدمرية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (416 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا» [الفتح: ١٨]، وقال تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا» [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، ومن السنة ما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) (١) وفي الحديث الآخر: (خيرُ أمتي القرن الذي بُعِثتُ فيه) (٢) وهم أصحاب الرسول ﷺ ، وقال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (٣). ومن ذلك قوله ﷺ : (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) (٤) ومن ذلك قوله ﷺ في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (٥) وجاءت نصوص تدل على فضلِ أعيان منهم؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس (٦)، وعكاشة بن محصن (٧)، وغيرهم. فالأدلة على فضلهم منها ما هو عام في جنس الصحابة، ومنها ما هو أخص من ذلك، ومن الأدلة على فضلهم وتفاضلهم قوله : «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا» [الحديد: ١٠]، والمراد بالفتح: صلح الحديبية الذي عقده

стр. 352

الرسول ﷺ مع المشركين بمكة في السنة السادسة من الهجرة، سماه الله فتحا؛ لأن هذا الصلح صارت عاقبته خيرا للإسلام وأهله (١). وفيها تصريح بنفي التساوي، «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ» ثم تصريح بالتفوق والفضل، «أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا» وهم من أسلم بعد صلح الحديبية، والذين أسلموا بعد الصلح وقبل فتح مكة أفضل ممن أسلم يوم فتح مكة، وهم المعروفون بالطلقاء. وأحسن ما قيل في بيان المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين ذكرهم بقوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ» [التوبة: ١٠٠]: إنهم الذين أنفقوا وقاتلوا قبل صلح الحديبية، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم؛ وصلح الحديبية حد فاصل بين مرحلتين، ونوعين من المسلمين (٢). وقيل: المراد بالسابقين هم من صلى إلى القبلتين (٣)، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لا دليل على تخصيص من صلى إلى القبلتين، ثم كل من صلى إلى القبلة المشروعة فقد أطاع الله، لكن من قال ذلك لاحظ أنَّ من صلى إلى القبلتين لابد أن يكون متقدم الإسلام. ولكن هذا يخرج من مات قبل نسخ القبلة الأولى، وهو من السابقين قطعا، ويخرج من أسلم بعد نسخ استقبال بيت المقدس، ونسخ الاستقبال كان في السنة الثانية، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ بعدما هاجر «صلى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشر أو سبعةَ عشر شهرا» (٤). فهذا لا يصلح ضابطا للسبق. وقد اختلف الناس في أصحاب الرسول ﷺ إلى ثلاث طوائف

стр. 353

طرفان ووسط، فغلا فيهم أو في بعضهم قوم، وجفا فيهم آخرون، وتوسط فيهم أهل السنة والجماعة، فأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج؛ فالخوارج والنواصب مع الروافض على طرفي نقيض، فالروافض يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ، ويسبونهم ويخصون أبا بكر وعمر بمزيد من السب، ويغلظون فيه، فيبغضون الصحابة عموما، ولا يستثنون منهم إلا القليل، وفي المقابل يغلون في أهل البيت، ولاسيما في علي وذريته من فاطمة ﵃، فمن الروافض من يكفر الصحابة، ومنهم من يفسقهم، فجمعوا بين ضلالتين: ظلاله العداوة والبغضاء لجمهور الصحابة، وظلاله التعصب والغلو في آل البيت. وأما الخوارج فضلالهم في أصحاب الرسول ﷺ حيث كفروا عليًا وعثمان وأصحاب الجمل وأهل التحكيم، فنصبوا العداوة لأفضلَ أهلِ بيتِ الرسولِ ﷺ عليِّ ﵁، وكذلك من تبعهم من النواصب الذين يؤذون أهل البيت ويسبونهم بدوافع سياسية. وأهل السنة والجماعة بين ذلك يحبون أصحاب الرسول ﷺ ، ويتولونهم جميعا، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لكل فضله عموما وخصوصا، ويتبرؤون من ضلالة الروافض، والخوارج، والنواصب. فأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق في جميع مسائل الدين، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، فقال: «هم الوسط في فِرَق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله ، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة. وهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية، والجبرية. وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية: من القدرية وغيرهم.

стр. 354

وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض وبين الخوارج» (١). والطحاوي ﵀ أتى بالعبارات المتضمنة لمعتقد ومنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ ، حيث قال: (ونحبُ أصحاب رسول الله ﷺ ) وحب الصحابة ﵃، هو من الحب في الله، والحب في الله واجب لكل المسلمين؛ فكل من آمن بالله ورسوله تجب محبته على قدر ما يعرف به من الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وأحق الناس من ذلك الواجب هم أصحاب الرسول ﷺ ؛ لما خصهم الله به من فضيلة صحبتهم للرسول ﷺ التي لا يشركهم فيها أحد ممن جاء بعدهم. وقوله: (ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم) الإفراط: الغلو وتجاوز الحد، والواجبُ الاعتدال والتوسط، بعدم الإفراط والتفريط، فكل انحراف؛ فإنه يعود إلى أحد الأمرين: إما انحراف بإفراط وتجاوز وغلو، أو تفريط وتقصير وجفاء، وكلهما انحراف عن الصراط، والحق ما وافق الصراط المستقيم. وقوله: (ولا نتبرأُ من أحد منهم) ولا نتبرأ من أحد منهم كما تفعل الروافض أو الخوارج؛ بل نواليهم جميعا، وعند الرافضة مقولة: «لا ولاء إلا ببراء» فلا يكون الإنسان عندهم مواليا لأهل بيت الرسول إلا إذا تبرأ من أبي بكر وعمر، فعندهم أن من والى أبا بكر وعمر؛ فقد أبغض عليا، ومن أبغض عليا فهو ناصبي. نعم من أبغض عليا فهو ناصبي هذا صحيح، لكن زعمهم: أن من والى أبا بكر وعمر فقد أبغض عليا هذا عين الباطل؛ بل أهل السنة

стр. 355

يوالون الصحابة عموما، ويعرفون لهم فضلهم، وينزلونهم منازلهم، فلا يتبرؤون من أحد منهم. والتبري يتضمن: التخلي عنهم، وكراهتهم ومعاداتهم. وقوله: (ونبغِضُ من يبغِضُهم). هذا تأكيد لقوله: (نحب أصحاب رسول الله، ولا نفرط في حب أحد منهم)، فلا نُفْرِط في حب أحد منهم خلافا للرافضة، ولا نبغض أحدا منهم خلافا للخوارج والروافض والنواصب؛ بل لا بد أن نبغض من يبغضهم، فيجب بغض الرافضة والخوارج لضلالاتهم وبدعهم وبغضهم أصحاب الرسول ﷺ . وقوله: (وبغير الخير يذكرهم) كما تفعل الرافضة؛ فإنهم يذكرون الصحابةَ بالسبِ والذم واللعن والتنقص وأنواع الطعن، وكما تفعل الخوراج بتكفيرهم. لكن أشقى الناس في هذا هم الرافضة، فهم شر طوائف الأمة على الإطلاق، فجمعوا إلى أصولهم الكفرية البدعية بعض أصول الطوائف الأخرى، فدخل عليهم مذهب الاعتزال فصاروا رافضة ومعتزلة في آن واحد، وهم الأصل في نشوء الغلو في القبور في هذه الأمة، فهم أصحاب بناء المشاهد والقباب على القبور على معظميهم ممن يعدونهم في أئمتهم أو في عظمائهم، فدينهم يقوم على الشرك، والغلو. وقوله: (ولا نذكرهم إلا بخير). فنذكرهم بصحبتهم للرسول ﷺ ، وفضائلهم، وأعمالهم الصالحة، كالهجرة، والنصرة، ويدخل في ذلك الكف عن مساويهم، وما وقع بينهم مما هو من لوازم البشرية، سواء كان اختلافا جماعيا كما حصل في عهد علي ﵁، أو كان خلافا فرديا، كالذي حدث بين خالد بن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقد كان بينهم شيء؛ فسبَّ خالدٌ

стр. 356

عبدَ الرحمن، فقال النبي ﷺ لخالد: (لا تسبوا أصحابي) (١) يريد النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف، وأمثاله من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد ممن أسلم بعد الفتح، أي: صلح الحديبية. فمن منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عما جرى بين الصحابة، فلا يجعلونهم موضع كلام وقيل وقال، فإن هذا يوغر الصدور، ويسبب سوء ظن بالصحابة ﵃، واقرأ العبارات الحكيمة الدقيقة لشيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية في قوله: «ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ ـ إلى أن قال: ـ ويمسكون عمَّا شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها: ما هو كذب، ومنها: ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورن؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : «إنهم خير القرون» (١)، «وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم» (١). ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابْتُلي ببلاء في الدنيا كُفِّر به عنه؛ فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين؛ فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا، فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم» (٢) وهذا رصين جدير بالحفظ.

стр. 357

وقوله: (وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). هذا تأكيد لما قاله أولا، فحب الصحابة من الدين، قال النبي ﷺ «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (١)، فإذا كان هذا في الأنصار فالمهاجرون من باب أولى؛ لأنهم في جملتهم أفضل من الأنصار. فإذا كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، ومن أسباب ذوق طعم الإيمان وحلاوته، فمن أفضل وأكمل وأعظم ذلك هو حب الصحابة ﵃. وقوله: (حب الصحابة دين وإيمان) يَرِدُ على ما تقدم (٢) من تفسيره للإيمان؛ لأن الحب عمل قلبي، فمن قال: الإيمان هو: تصديق القلب وإقرار اللسان، أو قال: هو تصديق القلب، أو قال: هو المعرفة، فموجب قوله: أن أعمال القلوب فضلا عن أعمال الجوارح لا تدخل في مسمى الإيمان، فهذا الكلام يعارض تعريفه للإيمان؛ إلا أن تكون هذه العبارة على وجه المجاز؛ فإن المرجئة يقولون: إطلاق اسم الإيمان على الأعمال كما في النصوص المصرحة بذلك من باب المجاز، كقوله ﷺ : (الإيمان بضع وستون شعبة) (٣) وعلى كل حال فما قاله الطحاوي في شأن الصحابة كلام حق عظيم رصين، بيَّن فيه مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول ﷺ اعتقادا وعملا.

стр. 358

[الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ -] وقوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهتدون) من فروع ما يجب اعتقاده في أصحاب الرسول ﷺ هذه المسائل التي أردفها المؤلف لما قبلها، فذكر أولا: ما يجب لعموم الصحابة ﵃ من المحبة والاحترام وذكر المحاسن والكف عن المساوي إلخ، ثم قال: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁) هذا أيضا مما يقرروه، ويدين لله به أهل السنة: أنَّ الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، فيثبتونها له تفضيلا له وتقديما له على سائر الصحابة؛ فولايته للخلافة بعد رسول الله ﷺ كانت عن أهلية واستحقاق، وليس أثباتهم لها واقعا فقط، كما تقول الرافضة؛ فالرافضة يقولون: الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر واقعا، لكن عندهم أن خلافته بغير حق. فقول الطحاوي: (تفضيلا له) أي: هو الأحق بتولي الخلافة بعد رسول الله ﷺ ؛ لأنه أفضل الأمة، كما دلت على ذلك الأحاديث في فضل أبي بكر ﵁. ثم اختلف الناس في خلافة أبي بكر ﵁ بعد الرسول ﷺ ، هل ثبتت بالنص أو بالاختيار؟

стр. 359

فمن أهل السنة من قال: إنها ثبتت بالنص الجلي. ومنهم من قال: إنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة. ومنهم من قال: إنها ثبتت بالاختيارـ أي ـ: باتفاق الصحابة ﵁ (١). وقد جاءت أدلة تدل على أن أبا بكر هو الأحق بالأمر بعد رسول الله ﷺ ، من ذلك أنه ﷺ قال وهو في مرض موته ﷺ : «مُروا أبا بكر فليصلِ بالناس» (٢) وكرره وأكده، وفعلا كان هو الإمام، ومات النبي ﷺ وهو الذي يصلي بهم، فتقديمه في إمامة الصلاة فيه التنبيه على أحقيته بالأمر من بعده؛ لأن هذا هو الأصل، فالرسول ﷺ كان هو إمام المسلمين عموما وخصوصا؛ فهو إمامهم في الصلاة، وهو إمامهم في تدبير أمورهم وولاية شؤونهم. ومن ذلك أنه أراد في مرض موته أن يكتب لأبي بكر كتابا، فقال لعائشة ﵁: (لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون) (٣). وفي الحديث الصحيح: «أن امرأة أتت النبي ﷺ فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ ـ كأنها تريد الموت ـ قال: إنْ لم تجديني فأتي أبا بكر» (٤). وما ثبت في الصحيح: أنه ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلوٌ فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذَنُوبا أو ذَنُوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غَرْبا

стр. 360

فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس يَنْزِع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعَطَنٍ) (١). أي: سقى للناس، وهذا ما وقع في خلافته من استقرار الأمر، وانتشار الإسلام، وكثرة الفتوح. فتأولها أهل العلم (٢) على أمر الولاية والخلافة من بعده ﷺ ، فأبو بكر ولي الأمر بعد الرسول ﷺ مدة قصيرة سنتين وأشهر، وحصل في ولايته خير كثير ومن أعظم ذلك تثبيت أمر الإسلام ودولته، وقتال المرتدين، ورد كثيرا منهم إلى الإسلام. وأظهر الأقوال عندي فيما ثبت به أمر الخلافة هو أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة؛ إذ ليس هناك نص جلي يقول: الخليفة من بعدي هو أبو بكر، لكن هذه النصوص بمجموعها تدل دلالة بينة على أن أبا بكر هو الأحق بالأمر، وأنه الخليفة من بعده ﷺ ، ثم وفق الله أصحاب رسول الله ﷺ لاختياره عندما اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وقال قائل منهم للمهاجرين: «منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فبايِعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال: عمر بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس» (٣). ولم يخالف في ذلك من يعتد بخلافه، فلا نزاع بين الصحابة في أن أبا بكر ﵁ أفضلهم، كما في حديث عمرو بن العاص ﵁، قلت يا رسول الله: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم مَن؟ قال: عمر فَعَدَّ رجالا) (٤). فهو أحب الناس إلى الرسول ﷺ وأَمَنِّهم عليه في صحبته وماله،

стр. 361

فهو أحق بالأمر من بعده؛ فلذلك كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأحق بالأمر بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر. ولشيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضع جمع حسن، قال: «خلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله ﷺ له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه، اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا» (١). وأما قول عمر ﵁: «إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ » (٢). فقد حمل على أن الرسول ﷺ لم يستخلف بعهد مكتوب، ونص صريح كما تقدم. وأهل السنة يثبتون الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لعمر ﵁، وهذا موضع اتفاق، وكانت خلافته بعهد من أبي بكر، فانتقل أمر ولاية المسلمين إلى عمر ﵁، ولم يكن هناك أي اختلاف، ولا ريب أن عمر ﵁ هو الأحق بالأمر من بعده، فهو قرينُه في النصوص الدالة على فضل أبي بكر ﵁، فقد كان رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» (٣) وكذلك في حديث الرؤيا المتقدم (٤). فأهل السنة يثبتون الخلافة لأبي بكر ثم عمر ولا ينازع في هذا إلا الرافضة، فالرافضة ينازعون في خلافة الخلفاء الثلاثة كلهم، وعندهم أن خلافتهم باطلة وظلم، واغتصاب للحق؛ لأنهم يزعمون أن الوصي

стр. 362

بعد رسول الله ﷺ هو علي ﵁، وأن الصحابة ﵃ ظلموه واغتصبوا حقه وجحدوا وصية الرسول ﷺ ! ولا نزاع بين أهل السنة في أن الأحق بالأمر بعد الرسول ﷺ الثلاثة على مراتبهم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃، ثم علي ﵁ هو الأحق بالأمر بعد عثمان، فإن عمر ﵁ جعل الأمر شورى بين الستة الذين قال: «إن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض» (١)، فبعدما تشاورا وشاور عبدُ الرحمن الناسَ قال: «لم أرهم يعدلون بعثمان، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون» (٢)، فتم الأمر واستقرت الخلافة لعثمان من بعد عمر ﵄، وبعد الفتنة ومقتل عثمان لا أحد ينافس عليا ﵁ في الفضل، ولا أحد يدعي أنه أحق بالأمر منه. وأهل السنة والجماعة يرتبون الخلفاء في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فيقولون: أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: «كنا نُخَيِّرُ بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃» (٣). قال شيخ الإسلام ﵀: «بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدَّم قومٌ عثمانَ، وسكتوا، أو ربَّعُوا بعلي، وقدَّم قومٌ عليا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة ـ مسألة عثمان وعلي ـ ليست من الأصول التي يُضَلَّل المخالِف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يُضَلَّل المخالف فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن

стр. 363

طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضل من حمار أهله» (١). وجاء عن بعض السلف أنه قال: «من قدَّم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار» (٢). أي: تنقصهم واستخف بعقولهم وسفه رأيهم؛ لأنهم أطبقوا على تولية عثمان، من طعن في خلافة عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، فهؤلاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون، وإذا أطلق الخلفاء الراشدون؛ فإنه ينصرف إليهم، فخلافتهم خلافة نبوة، وهذا لا ينفي أن يقال في بعض من ولي أمر المسلمين إنه خليفة راشد، كما قيل ذلك في عمر بن عبد العزيز ﵀. وعلي ﵁ وإن لم يتم له الأمر على جميع المسلمين فهذا لا ينفي اعتباره من الخلفاء الراشدين، ولا ينفي أن تكون خلافته خلافة نبوة، لكن لا ريب أن خلافته ليست كخلافة مَن قبله في أثرها على الإسلام والمسلمين، كما أن عثمان ﵁ دون عمر ﵁. ولكن على كل حال هم الخلفاء الراشدون المهديون كما في الحديث المعروف أن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعَضَّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) (٣). واعتمد أهل العلم في اعتبار ما سنه الخلفاء على هذا الحديث. وقال ﷺ في أبي بكر وعمر: (اقتدوا بالذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر) (٤).

стр. 364

فأمر ﷺ بالاقتداء بهما، واتباع سنة الخلفاء الراشدين، فكل ما سنُّوه مما لا يخالف ما جاء عن الرسول ﷺ ؛ فإن على الأمة أن يتبعوهم في سنتهم، فهم أحرى بالصواب من غيرهم، حتى قال بعض أهل العلم: «إن إجماع الخلفاء الأربعة حجة» (١)؛ لأنهم لا يكادون يجمعون على خطأ، ولا أذكر أنهم أجمعوا في مسألة وكان الصواب في خلافها.

стр. 365

[العشرة المبشرون بالجنة] قوله: (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ ، وبشرهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ ، وقوله الحق، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة الزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين). بعدما ذكر الطحاوي ﵀ اعتقاد أهل السنة والجماعة في الخلفاء الراشدين، وأنهم خير هذه الأمة وأفضلها، وهم في الفضل على مراتب على ترتيبهم في الخلافة، ويليهم في الفضل بقية العشرة؛ ولهذا أردف الطحاوي الكلام في الخلفاء الراشدين بذكر فضل بقية العشرة فيقول: إن العشرة المبشرين بالجنة الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالجنة نشهد لهم بشهادته ﷺ إيمانا وتصديقا له ﷺ ، وأن ما أخبر به هو الحق، فقد ثبت من حديث سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عشرة في الجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد) (١). وقد ورد لكل منهم فضيلة، بل فضائل، جاءت في الأحاديث كفضائل أبي بكر وعمر خاصة، وفضائل لعثمان ولعلي، والزبير، وهكذا، ومن ذلك ما أشار إليه الطحاوي من قوله: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة) ففي حديث حذيفة ﵁: «جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث لنا رجلا أمينا، فقال: لأبعثنَّ إليكم رجلا أمينا حَقُّ أمين،

стр. 366

فاستشرف له الناس فبعث أبا عبيدة بن الجراح» (١). فهذا يدل على فضيلةٍ له، وأن له تميزا في هذا الشأن، وإلا فالأمانة صفة كل مؤمن. وقد ثبت تبشير أبي بكر وعمر وعثمان بالجنة في غير هذا الحديث ففي حديث أبي موسى ﵁ في الصحيحين (كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله ثم قال: الله المستعان) (٢). وقد وقع كما أخبر ﷺ فقد ابتلي عثمان بأهل الفتنة الذين ثاروا عليه، وطعنوا في ولايته، وحاصروه في داره حتى انتهى أمرهم إلى قتله. فهؤلاء العشرة ﵃ لهم فضيلة على سائر الصحابة، وأفضلهم الخلفاء وترتيبهم في الفضل حسب ترتيبهم في الخلافة، وأما بالنسبة للستة فلا يفضل بعضهم على بعض، هذا هو ظاهر هذه الأحاديث؛ لأن التفضيل موقوف على الدليل. وقد تقدمت هذه المسألة (٣)، لكن هنا بمناسبة ذكر الخلفاء الراشدين وبقية العشرة، فهم من جملة من يشهد له بالجنة، وليست هذه الفضيلة مختصة بهم، بل شهد الرسول ﷺ لثابت بن قيس، والحسن والحسين، وعكاشة بن محصن؛ بل نشهد بالجنة لكل من شهد بيعة الرضوان؛ لقوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ

стр. 367

الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ» [الفتح: ١٨]؛ ولقوله ﷺ : (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (١). والرافضة يبغضون العشرة إلا عليا ﵁، فهم يبغضون التسعة من العشرة، ومن حماقاتهم أنهم صاروا يكرهون رقم العشرة، ويتشاءمون به، ويتجنبونه مبالغة في بغض أولئك العشرة، مع أن العدد ليس متعلَقا لمدح ولا ذم، فقد يكون لمحمود ومذموم، وطرد هذا أن يبغض رقم تسعة بسبب التسعة الذين هم من قوم صالح «وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ» [النمل: ٤٨] أفيصح في عقل عاقل أن يهجر عدد التسعة، وأن يتشاءم به؛ من أجل أنه عدد أولئك الرهط؟! هذه جهالة وحماقة، وهذه الحماقة من الرافضة ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في أول منهاج أهل السنة، في معرض ذكر حماقات الرافضة وناقشها فقال: «بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع، كقوله تعالى في متعة الحج: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]» (٢) إلخ كلامه.

стр. 368

[منهج أهل السنة في أزواج النبي ﷺ وأهل بيته] وقوله ﵀: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرِّيَّاته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق). هذا تأكيد لما سبق من قوله: (ونحبُ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم، ولا نتبرأُ من أحد منهم، ونبغِضُ من يبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبُهم دينٌ وإيمان وإحسان، وبغضُهم كفرٌ ونفاق وطغيان) (١) فإحسان القول في الصحابة يكون بذكرهم بفضائلهم، وبالترضي عنهم، وبمعرفة أقدارهم، وإحسان القول فيهم. وقوله: (وأزواجه) عطف الأزواج على الأصحاب من عطف الخاص على العام، فإن أزواج رسول الله ﷺ لهن من الصحبة ما ليس لغيرهن من نساء المؤمنين؛ للعلاقة الزوجية. وقوله: (الطاهرات) المنزهات البريئات من كل دنس يعيب شرفهن وفضلهن، وزوجات الرسول ﷺ يشمل كل من مات عنهن وهن تسع، ومن ماتت وهي في عصمته ﷺ ، فهؤلاء كلهن أمهات المؤمنين، فمجموعهن إحدى عشرة: أولهن خديجة بنت خويلد وقد توفيت في حياته ﷺ بمكة قبل الهجرة، وزينب بنت خزيمة أم

стр. 369

المساكين وقد توفيت في حياته ﷺ ، وبقية التسع (١) مات النبي ﷺ وهنَّ في عصمته. ومما جاء في بيان فضلهن قوله : «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» [الأحزاب: ٦] ويحرم نكاحهن؛ لحق النبي ﷺ «وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا» [الأحزاب: ٥٣] فأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم، ولسن أمهات المؤمنين في المحرمية (٢). وقال تعالى: «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا» [الأحزاب: ٣٠ - ٣٤]. فنساء النبي ﷺ لهن من الفضل ما ليس لغيرهن؛ لعظم صلتهن وصحبتهن للنبي ﷺ ، وأفضلهنَّ خديجة وعائشة فقد ثبت لهما من الفضائل ما ليس لسائر أمهات المؤمنين، فهن يشتركن في أنهن أزواج النبي ﷺ ، وأنهن أمهات المؤمنين، ويشملهن هذا الثناء العطر: «لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ» [الأحزاب: ٣٢] فمن العلماء من قال: خديجة أفضل (٣)؛ لأنها أول المؤمنات، بل قيل: إنها أول من آمن به ﷺ كما

стр. 370

جاء في قصة بدء الوحي (١)، وثبت في الصحيح: «أن جبريل أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ) (٢). وقال النبي ﷺ : «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد» (٣). وفضَّل بعض أهل العلم عائشة؛ لأنها عاصرت الدعوة ونزول الشرائع، وتلقت وحفظت من العلم الذي جاء به النبي ﷺ ما لم تدركه خديجة، وجاء في فضلها مثل قوله ﷺ لما قيل له: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة) (٤) وجاء فيها الحديث الصحيح: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) (٥). وجمع بعض أهل العلم بين القولين فقال: إن خديجة أفضل من وجه، فلها تأثير في أول الإسلام بنصر وتأييد النبي ﷺ ومواساته، ولها منه المنزلة العالية، وهي أم أكثر أولاده، وكان ﷺ يذكرها وينوه بها، حتى قالت عائشة ﵁: «ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد». (٦) وعائشة أفضل من جهة حمل العلم وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة (٧).

стр. 371

فهذا بعض ما يتعلق بزوجات النبي ﷺ ، وهن مبرآت، وليس معنى ذلك أنهن معصومات، فليس أحد معصوم بعد النبي ﷺ . وقوله: (وذرِّيَّاته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق). ذرية الرسول ﷺ هم: أولاده من صلبه وكلهم ماتوا في حياته ﷺ إلا فاطمة فُضْلى أولاد النبي ﷺ . ولاشك أن ذريته ﷺ يصدق عليهم هذا الوصف وأنهم مبرؤون من الأرجاس والعيوب التي تدنس الأخلاق، ويدخل في هذا الاسم من ذرية النبي ﷺ أولاد فاطمة ﵁ وما تناسل منهم، فذرية الحسن والحسين كلهم من ذرية النبي ﷺ ، قال الله تعالى في إبراهيم الخليل ﵇: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦] كل هؤلاء الأنبياء الذين جاءوا متأخرين عدهم الله من ذرية إبراهيم ﵇. فهكذا ما تناسل من أولاد الحسن والحسين ﵄ كلهم من ذرية النبي ﷺ ، وبهذا نحتاج إلى احتراز؛ لأن قول الطحاوي: (وذرِّيَّاته المقدسين من كل رجس) ليس على إطلاقه؛ لأن فيهم المحسن والمسيء، كما قال تعالى في ذرية إبراهيم: «وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ» [الصافات: ١١٢ - ١١٣]. وقال : «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» [البقرة: ١٢٤] فمن ذرية إبراهيم المؤمن والكافر، فبنو إسرائيل كلهم من ذرية إبراهيم وكذلك ذرية

стр. 372

إسماعيل هم من ذرية إبراهيم ومنهم المؤمن والكافر، والمحسن والمسيء. وهكذا ذرية محمد ﷺ وهم من تناسل من ذرية الحسن والحسين فيهم العلماء والصالحون، وفيهم من هو خلاف ذلك، فليس كل من كان من ذرية الحسن والحسين ـ وهم الذين يُسمَون بالأشراف ـ يكون مبرأً، فهذه عبارة لا تُسَلَّم بهذا الإطلاق، فيجب قصرها على ذرية الرسول ﷺ الأدنين ممن ثبت فضلهم، أما من بعدهم فهم كغيرهم من الناس معرضون، ومتنوعون. وقوله: (فقد بريء من النفاق). لأن بغض الصحابة والطعن فيهم، وفي أزواج النبي ﷺ ولا سيما عائشة، ورميها بما برأها الله منه؛ هو من شأن المنافقين، وقد حمل عبء الإفك رأس المنافقين عبد الله بن أُبي «إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [النور: ١١]. وأشار الشارح ابن أبي العز (١) إلى أن أصل الرفض الذي هو بغض الصحابة وتكفيرهم والغلو في علي ﵁ وذريته أسسه المنافقون، والمؤسس الأول لمذهب الرفض هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي بَذَرَ بذرت الفتنة بين الناس وألبهم على عثمان ﵁ حتى قتل، ثم سعى في فتنة أخرى وهي الغلو في علي ﵁. سبحان الله العظيم! في ذلك العصر الزاهي وقرب عهد النبوة ظهر هذا المذهب الكفري، وهو تأليه علي ﵁، فحرق علي ﵁ قوما أتوه فقالوا: أنت هو! فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت ربنا! فأمر بنار فأججت فألقوا فيها. وفيهم قال علي ﵁: لما رأيت الأمر أمرا منكرا … أججت ناري ودعوت قنبرا (٢).

стр. 373

وبقي هذا المذهب الملعون مذهب الرفض والغلو في علي ﵁ وأهل البيت، واسمهم الذي يتسمون به قديما وحديثا: الشيعة. والشيعة يقسمهم العلماء ثلاثة أقسام إجمالية (١)، وإلا فهم فرق كثيرة: الأولى: الغلاة، وهم طوائف منهم: السبأية والقرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية. الثانية: الإمامية، ومنهم: الإثني عشرية، وهم كذلك طوائف. الثالثة: ويعرفون بالمفضلة. وهذه الأقسام الثلاثة كانت قد ظهرت في عهد علي ﵁، فالغلاة المؤلهون لعلي ﵁. والطائفة الثانية: السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر، وكان رأسهم عبد الله بن سبأ، فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب منه. والثالثة: المفضلة الذين يفضلون عليا على أبي بكر وعمر لكنهم لا يسبونهما، وقد قال علي ﵁: (لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري) (٢). وقد ذكر العلماء أن سبب تسمية الرافضة بهذا الاسم أن الشيعة الغلاة طلبوا من زيد بن علي بن الحسين أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فقال: كيف أتبرأ منهما وهما وزيرا جدي؟! فرفضوه فسموا: الرافضة (٣).

стр. 374

وزيد بن علي بن الحسين هو الذي تنتسب إليه فرقة الزيدية. والرافضة الغلاة هم الذين تعرف طوائفهم بالباطنية؛ لأنهم يظهرون الإسلام، كما يقول بعض أهل العلم: (يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض) (١) فحقيقة أمر الباطنية أنهم لا يؤمنون بالله، ولا بملائكته ولا رسله ولا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا يؤمنون بالأنبياء ولا يؤمنون بفضل أحد، حتى لا يؤمنون ولا يعترفون بفضل علي ﵁؛ فإذا جحدوا وكفروا بالرسالات فهل يبقى شيء؟ فما يدعونه من موالاة علي وتعظيمه والغلو فيه كل هذا تضليل للسذج من الناس، وإلا فليس عندهم شيء من ذلك. ولهذا نقل الشارح ابن أبي العز عن القاضي أبي بكر بن الطيب طريقة الباطنية في دعوتهم، أنهم «قالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعلي، وقتلهم الحسين والتبري من تَيْم وعدي وبني أمية وبني العباس، وأن عليا يعلم الغيب! يُفوض إليه خلق العالم! … فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا أوقفته على مثالب علي وولده» (٢). لأن مهمة الباطنية هو إخراج المسلم عن ملة الإسلام، لكنهم يعمقون فيه مبدأ النفاق والتقية، ولهذا مذاهبهم وأقوالهم تكون أسرارا. وقد ذكر العلماء أقوالهم ومذاهبهم في كتب الملل والنحل، كـ «الملل والنحل» للشهرستاني (٣)، وألف فيهم مؤلفون كالغزالي له كتاب:

стр. 375

«فضائح الباطنية» (١). وسموا بالباطنية؛ لأنهم يزعمون أن للنصوص وللشرائع معاني باطنة تخالف ظاهرها، فيجعلون للشرائع معاني باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، فيفسرون القرآن بمعاني باطنة، من ذلك قولهم: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ» [الرحمن: ١٩] أي: علي وفاطمة «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ» [الرحمن: ٢٢] أي: الحسن والحسين. «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ» [المسد: ١] أبو بكر وعمر! فهذه من تفسيرات الباطنية. ومن تأويلاتهم للشرائع قولهم: الصيام هو كتمان أسرار الباطنية، والصلاة هو معرفة تلك الأسرار، والحج هو السفر إلى طواغيتهم وشيوخهم (٢). إذًا؛ الباطنية ملاحدة منافقون، وكفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى (٣).

стр. 376

[احترام علماء الأمة من السلف ومن اقتفى أثرهم] وقوله: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين ـ أهل الخير (١) والأثر، وأهل الفقه والنظر ـ لا يُذْكَرُون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) أهل العلم من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة الهدى يجب أن يعرف لهم قدرهم، ويجب أن يعاملوا بما تستوجبه منازلهم من العلم والدين، وذِكرُ الطحاوي حق العلماء في هذه الجملة مناسب جدا؛ فإنه ذكر ما يجب للصحابة ﵃، وأهل بيت الرسول ﷺ ثم أردف ذلك بذكر ما يجب لعلماء هذه الأمة من السلف من الصحابة، ومن جاء بعدهم، ولهذا قال: (ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر). أهل الخير: العمل الصالح، وأهل الآثار: الذين يقتفون آثار النبي ﷺ ويقتفون آثار من سلف قبلهم من أهل العلم والدين، وأهل الفقه والنظر فهم العلماء الفقهاء العباد الصلحاء. والله تعالى قد نَوُّه بفضل العلماء في كتابه حيث قال: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ» [آل عمران: ١٨] أولوا العلم: أصحاب العلم الشرعي، وهم على مراتب، فيدخل فيهم الأنبياء، كما يدخل فيهم العلماء من أتباعهم، وقال : «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» [المجادلة: ١١]. فخص العلماء برفع الدرجات، وقال : «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ

стр. 377

عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [فاطر: ٢٨] فخص وحصر خشيته بالعلماء ـ أي: العلماء بالله وشرعه ـ وكل دليل يدل على فضل العلم؛ هو دليل على فضل العلماء، وفي حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ الذي رواه الترمذي وغيره وفيه: «وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (١). فالصحابة فيهم علماء، وفي التابعين وتابعيهم علماء، وهم حملة هذا الدين فإنه (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (٢) فهم المبلغون عن الله دينه، والقائمون بأمره على مراتبهم في العلم والدين. وقد ضرب النبي ﷺ المثل للعلم والعلماء، كما في الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادِب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة

стр. 378

أخرى إنما هي قِيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به؛ فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) (١). قال العلماء في شرح هذا الحديث: إن حملة العلم نوعان: علماء نقل ورواية، وعلماء فقهاء، وليس المراد بالفقهاء أولئك المعنيون بأقوال من يتبعونه من الأئمة؛ فإن الغالب على هؤلاء التقليد؛ بل المراد الفقهاء الذين جمعوا بين معرفة النصوص والفقه والفهم والاستنباط. فقوله ﷺ : (فكان منها طائفة طيبة قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) هذا مثل للعلماء الفقهاء. وقوله: (وكان منها أجادب أمسكت الماء) هذا مثل حفاظ السنة. ولهذا قال الرسول ﷺ عندما خطب بمنى: (فَلْيُبَلِّغْ الشاهدُ الغائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من سامِع) (٢) ولهذا قال ﷺ : (فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به). أما من أعرض فمثله في قوله ﷺ : (طائفة أخرى إنما هي قِيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ) فلم تنتفع بهذا الغيث، ولهذا قال: (ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). فيجب على سائر الأمة أن يعرفوا لهؤلاء العلماء فضلهم؛ لأنهم حملة هذا الدين، والقائمون به، فتجب محبتهم لعلمهم ودينهم وإيمانهم، والحب في الله واجب لجميع المسلمين، لكن يجب إنزال كل أحد منزله، الصحابة لهم منزلة، وحبهم هو من الحب في الله، ولكن يجب لهم من المحبة والتقدير والذكر الجميل ما ليس لغيرهم، وهكذا العلماء يستوجبون من المحبة والإجلال والذكر الجميل والثناء العاطر ما لا يستحقه من دونهم، وأصل الحب في الله تابع لمحبة الله، فمن كان

стр. 379

أقرب إلى الله وأقوم بدين الله، وأتقى لله كان له من المحبة والإكرام ما يليق بمقامه. وقد انقسم الناس في العلماء ثلاث أقسام: طرفان ووسط، فطائفة تغلوا في من تعظمه من العلماء؛ لأن لكل طائفة من المقلدين إماما ينتمون إليه، وهذا الغلو يتمثل بالتعصب لأقوالهم، وتقديمها على أقوال غيرهم؛ فالمتعصبون من المتمذهبين لا يعتبرون أقوال الأئمة الآخرين إنما يتمسكون بأقوال إمامهم الذي يقلدونه؛ بل ويَعْرِض نصوص الشرعية على قول إمامه فما وافقها قبله، وما خالفها تأوله، وتلمس له أنواع التفسير والتأويل؛ ليدفع معارضتها لقول الإمام، وهؤلاء مذمومون، ولهم شبه بمن قال الله فيهم: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» [التوبة: ٣١]. ولهذا عَقَدَ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بابا في كتاب «التوحيد» عنوانه: «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله» (١). ويقابل هؤلاء: مَن لا يعرف للعلماء قدرهم، ولا يعتبر أقوالهم، ولا ينظر فيما استنبطوه من نصوص الكتاب والسنة؛ بل يجعل نفسه ندًا لهم؛ بل يتنقصهم فيما يخالف هواه ورأيه، ويطعن عليهم فيما اجتهدوا فيه واستنبطوه من النصوص، وهذا قد حُرِم من الانتفاع بهم؛ لأنه متبع لهواه متعصب لرأيه، وإنما يأخذ من أقوال العلماء ما وافق رأيه. مثلما يفعل الآخرون في النصوص حين يأخذون منها ما يوافق آراءهم ومذاهبهم، فتجد أحدهم يستدل بالآية أو الحديث حين يوافق المذهب الذي مشى عليه، وما جاء من النصوص معارضا لمذهبه ورأيه دَفَعَه بكل وسيلة؛ إما بالتكذيب أو الرد، وإما بالتحريف الذي يسمونه تأويلا، كما تفعل طوائف المبتدعة، فهذا منهجهم في النصوص، وهو

стр. 380

منهج المتعصبين من أهل المذاهب بالنسبة لما خالف مذهبهم. فهذان فريقان على طرفي نقيض: المتعصبون للأئمة المقدمون لأقوالهم على كتاب الله وسنة رسوله، والمتنقصون المستخفون بأهل العلم من السلف الصالح ومن سار على منهجهم وطريقتهم، وبين ذلك القول الوسط، وهو الذي عبَّر عنه الإمام الطحاوي وقصد إليه، وهو الاعتراف بفضل العلماء، وإنزال كل منزلته، والانتفاع بعلومهم وفهومهم، فمن كان قاصرا عن فهم الأدلة؛ فليس له إلا أن يقلد من يثق بعلمه ودينه من أهل العلم. لكن الشأن في من يقدر على فهم النصوص؛ فهذا عليه أن ينتفع بفهم العلماء، ويرجع إلى أقوالهم، ولا يقصر نفسه على معين يقلده ولا يخرج عن أقواله ولا يلتفت إلى أقوال غيره، لا؛ بل عليه أن يستفيد من كل الأئمة، ويأخذ من أقوالهم ما تشهد له الأدلة من الكتاب والسنة، فأقوال الأئمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة فهذا واجب الإتباع؛ لأنه يستند إلى الأصل الصحيح مهما كان قائله منهم. والثاني: ما خالف الدليل فيجب تركه، وهذا ما أوصى به الأئمةُ المتْبُوعُون تلاميذهم (١). والثالث: أقوال لم تظهر مخالفتها للأدلة، ولا موافقتها لها، فهذه يقول فيها المحققون: إنها سائغة الإتباع، لا واجبة الإتباع ولا ممنوعة الإتباع؛ لأنها موضع اجتهاد. ومما يجب اعتقاده أن هؤلاء العلماء ليسوا معصومين، فلهذا يصيبون تارة ويخطئون أخرى. ولكن الأئمة المعروفون يجب اعتقاد أنهم لا يتعمدون مخالفة

стр. 381

الدليل حاشاهم من ذلك، ومن ظن ذلك فهو متجن عليهم ومسيء للظن بهم، فإذا ثبت عن أحدهم أنه خالف دليلا من كتاب أو سنة، فيجب الاعتذار عنه بما يمكن. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة صغيرة اسمها: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (١)، وذكر أعذار العلماء في مخالفة بعضهم لبعض الأدلة، وأهمها: عدم بلوغ الدليل، فقد يخالف الدليل؛ لأنه لم يبلغه. أو بلغه من طريق ضعيف، فيعتقد أن النبي ﷺ لم يقله. أو بلغه وصح عنده لكنه لا يعتقد أن المراد به هذا الحكم؛ فيفهمه فهما قد يكون خلاف ما يقتضيه ظاهره، فيكون متأولا للحديث باجتهاد لا عن هوى. أو يعرض له ما يجعله يظن أنه منسوخ. فهذه أهم الأعذار التي يعتذر بها عن العلماء إذا خالف أحدهم دليلا من كتاب أو سنة. ومعروف أن مخالفة الآية لا تكون إلا بتأول؛ لأن القرآن قطعي الثبوت. وقوله: (ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) قال تعالى: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا» [النساء: ١١٥]. فهذا وعيد لمن انحرف عن سبيل أهل العلم والدين، وهذه الآية قد استدل بها الشافعي على حجية الإجماع (٢)، فمن عدل عن سبيل ما أجمع عليه المؤمنون؛ فإنه متوعد بهذا الوعيد.

стр. 382

قال الشارح ابن أبي العز (١) في معرض ثنائه على العلماء وأن الله: «جعلهم بمنزلة النجوم يهدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين؛ فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته». وهذه المقولة ليست مستقيمة عندي؛ فالأمم الماضية كبني إسرائيل فيهم العلماء المهديون المهتدون، قال تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» [السجدة: ٢٤]، «وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» [الأعراف: ١٥٩]، وكذلك بالعكس فهذه الأمة فيهم العلماء المهديون المهتدون المقتدى بهم الذين يصدق عليهم ما جاء من الثناء على أهل العلم وأنهم ورثة الأنبياء، وفيهم علماء السوء؛ مثل أئمة أهل البدع؛ فإنهم ليس لهم حظ من الثناء الذي جاء في الكتاب والسنة للعلماء، فهذه الأمة فيها فرق ضالة، فلو خص هذا بعلماء أهل السنة فنعم، أما على الإطلاق أن علماء المسلمين هم خيارهم فلا يصح، ولاشك أن العلماء المعنيون الذين اقتفوا آثار نبيهم وآثار أصحابه هم خير هذه الأمة بعد الصحابة ﵃. فينبغي أن نتواصى بتحصيل المزيد من علم الكتاب والسنة، ومهما بلغ الإنسان من التحصيل والعلم؛ فإنه لا يزال يطلب العلم والفائدة ويسأل العلماء، والعلماء يسأل بعضهم بعضا، ويرجع بعضهم لبعض كما كان يفعل الأئمة الكبار في صدر هذه الأمة. وينبغي للمسلم أن يكون متواضعا لا يأنف عن أن يستفيد ممن فوقه، أو مثله، أو دونه، فقد يجد الفائدة عند من هو دونه في العلم وفي

стр. 383

السن، كما كان الأئمة يفعلون ذلك، فالحق والعلم ضالة المؤمن، فأين وجدها قبلها وأخذها. ويجب التعويل في تحصيل العلم على الكتب الموثوقة، ككتب السلف الصالح، والعلماء المعروفين الموثوقين، فإن الكتب والمؤلفات كثيرة ومتنوعة، ودخلتها أفكار ومذاهب بدعية، فيجب على طالب العلم أن يكون عنده أصل يميز به بين النافع والضار والحق والباطل، فإن المذاهب البدعية دخلت في كثير من كتب التفسير وشروح الحديث، وفي سائر المصنفات. فينبغي لطالب العلم أن يجتهد ويتحرى الكتب الموثوقة، كتب الأئمة المشهورين بالعلم والدين والتحقيق والأصالة والسلفية، كما أن عليه أيضا أن يستفيد ويرجع إلى من يثق بعلمه ودينه، وبتحريه للحق، وطريق السلف الصالح.

стр. 384

[مرتبة الولاية دون النبوة] قوله: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء). هذا رد على ملاحدة الصوفية، ومنهم الاتحادية أصحاب وحدة الوجود الذين شيخهم الضال الملحد ابن عربي صاحب المقالات الكفرية في كتبه المشهورة المعروفة كـ «الفتوحات المكية» و «فصوص الحِكم» (١)، فإن من ضلالاته التي تضمنتها كتبه قوله: إن الولي أفضل من النبي، وعنده أن المراتب ترتب هكذا: الولاية أعلاها، ودونها النبوة ودونها الرسالة، وذكروا عنه بيتا: مقام النبوة في برزخ * فويق الرسول ودون الولي (٢). إذًا؛ أدنى هذا المراتب بزعمه الرسالة، وأعلاها الولاية، ومن أقواله الباطلة: إن النبوة ختمت ـ وهذا حق ـ والولاية لم تختم! صحيح أن الأولياء لا يزالون في هذه الأمة لكنه يزعم أنه هو خاتم الأولياء! وبناءً على ما تقدم من زعمه: أن الولي أفضل من النبي؛ فخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء! ما أعظمها من فرية! وما أجرأ هذا الملحد على الأقوال الباطلة المناقضة للشرع والعقل!

стр. 385

يزعم أن للأولياء خاتما، وليس للأولياء خاتم معين يقال: فلان هو خاتم الأولياء كما نقول: خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ ، لكن خاتم الأولياء هو آخر من يخلقه الله من أوليائه، لكنه ليس معروفا على وجه التعيين. ويزعم أنه تابع في الشرع الظاهر للنبي ﷺ وغير تابع له في العلم الباطن؛ فإنه بزعمه يأخذ من المعدن الذي يأخذه منه الملَك! وهل هناك معدن يأخذ منه؟! فإن عنده الوجود كله شيء واحد وعين واحدة، فوجود كل موجود هو عين رب الوجود سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والملحدون علوا كبيرا. وذكر الشارح ابن أبي العز «وقال ابن عربي في فصوصه: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة فكان هو ﷺ موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية فيرى ما مثله النبي ﷺ ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين! ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكمل الحائط! والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملَك الذي يوحى إليه إلى الرسول ﷺ قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه، فقد حصل لك العلم النافع! فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسول المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟! تلك أمانيهم: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟» (١).

стр. 386

فلهذا يقول الطحاوي ﵀: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء). والنبي والولي والرسول بين هذه المراتب الثلاثة عموم وخصوص، فكلُ رسولٍ نبيٌ، وكلُ نبيٍ وليٌ، فالرسل هم أفضل الأنبياء، وهم جميعا أفضل الأولياء، وليس كل ولي نبيا، والله تعالى قد قال: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» [يونس: ٦٢ - ٦٣] فهذا هو تعريف الولي: كل مؤمن تقي؛ فهو ولي ـ وأما تعريف النبي والرسول فقد تقدم (١) ـ، وهذا وصف ينطبق على الأنبياء بما فيهم الرسل، وينطبق على الصديقين والشهداء والصالحين، وهذه الآية لا نقول: إنها في خصوص الولي الذي ليس بنبي، لا؛ بل هي عامة «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [يونس: ٦٢] وأولى الناس بهذا الوصف هم النبيون والمرسلون. فالنبوة والرسالة تستلزم الولاية، ومطلق الولاية لا تستلزم النبوة والرسالة؛ لأنه ليس كل من يكون وليا لله يكون نبيا، فإذا قلنا: الولي: كل مؤمن تقي؛ فإن ذلك يعم الأنبياء والمرسلين وغيرهم، لكن إذا قلنا: الرسول والنبي والولي؛ فإنا نريد بالولي: كل مؤمن تقي سوى النبيين والمرسلين. إذًا؛ فالولي في عبارة الطحاوي: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء) من غير الأنبياء. وتقدم (٢) أن أولياء الله طبقتان: مقتصدون وسابقون، أو نقول: مقربون وأصحاب يمين، كما ذكر الله ذلك في مواضع من القرآن: «فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ

стр. 387

مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ» [الواقعة: ٨٨ - ٩١] وهكذا في أول السورة، وفي سورة الإنسان: «إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا» [الإنسان: ٥ - ٦]، وهكذا في سورة المطففين ذكر الله هذا التصنيف للأولياء: «إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ـ إلى قوله ـ: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» [المطففين: ٢٢ - ٢٨] (١).

стр. 388

[منهج أهل السنة في كرامات الأولياء] وقوله: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم). أي: أن أهل السنة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة والأخبار من كرامات الأولياء، وما صح عن الثقات في ذلك من رواياتهم. والكرامات: يراد بها الأمر الخارق للعادة، والله تعالى يكرم أولياؤه بأنواع الكرامات، ومن ذلك خوارق العادات، فيجري الله على يد من شاء من أوليائه بعض الأمور الخارقة للسنن الكونية، والعادة التي أجراها الله في هذا الوجود؛ فإن هذا الوجود يجري على السنن، وهذا بالنسبة لكرامات الأولياء، وكذلك بالنسبة لمعجزات الأنبياء حسب الاصطلاح المشهور. ومعنى المعجزة في اللغة يعم كل خارق سواء كان على يد نبيٍّ أو على يد وليٍّ، فكل خارق؛ فهو معجز لمن لم يجره الله على يده، مما لا يدخل في قدرة العبد بحكم العادة. ولكن خوارق الأنبياء وهي دلائل على نبوتهم ورسالاتهم اسمها الشرعي: البينات والآيات والبراهين، كما ذكر الله ذلك في كتابه في مواضع: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ» [الحديد: ٢٥]، ويقول تعالى في شأن موسى: «فِي تِسْعِ آيَاتٍ» [النمل: ١٢] «فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ» [القصص: ٣٢]. ولكن في اصطلاح المتكلمين خوارق الأنبياء يسمونها معجزات، حتى إن المعتزلة يقولون: إن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة، فقصروا

стр. 389

ما تثبت به النبوة على المعجزة، وهي الأمر الخارق للعادات، ونتج عن قولهم ذلك ـ مع بطلانه وتقدم تفنيده (١) ـ نفي كرامات الأولياء، فقالوا: لا يجوز خرق العادة إلا لنبي؛ لأنه لو خرقت العادة لغير نبي لالتبس على الناس أمر النبي بالولي، فلا يحصل التمييز. وأجيب عن هذه الشبهة: بأن الولي الذي تحصل على يديه الكرامة، وهي: الأمر الخارق للعادات لا يدعي النبوة إذ لو ادعى النبوة لم يكن وليا، ولم يكن ما جرى على يده كرامة؛ بل هو مَخْرَقة وفتنة. فلهذا كان من المسائل التي ينبه عليها أنها من مذهب أهل السنة: إثبات كرامات الأولياء، والمقصود: إثبات جنس الكرامات؛ لأنه ليس كل ما يذكر يكون ثابتا، ويجب التسليم به. فما يروى ويذكر من كرامات الأولياء منها ما هو ثابت في القرآن أو في السنة أو في أخبار صحيحة، ومنه ما يروى ولم تحقق صحته ولا كذبه؛ فهذا لا يلزم التصديق به، كما لا يجوز نفيه بغير حجة. ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما في قصة مريم وولادتها لعيسى ﵇؛ فإن ولادتها لعيسى بلا أب خارق للعادات. ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما جاء في قصة أصحاب الكهف حيث بقوا في كهفهم مدة طويلة، قال تعالى: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا» [الكهف: ٢٥] بقوا في كهفهم يقلبهم ربهم: «وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ» [الكهف: ١٨] وعاشوا هذه المدة الطويلة، بلا طعام ولا شراب، وبعد ذلك يستيقظون ويتحدثون ولم يشعروا بما جرى لهم «قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ» [الكهف: ١٩]. وجماع صفات الكمال: الغنى والعلم والقدرة، ويستشهد لهذا بأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ ألا يدعي شيئا منها إلا ما أعطاه الله:

стр. 390

«قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إلي» [الأنعام: ٥٠]، وهكذا قال نوح لقومه: «وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ» [هود: ٣١]. فأول الرسل وآخرهم تبرءوا من دعوى هذه الأمور إلا ما أعطاهم الله منها، والمقصود من ذكر هذا المعنى: بيان أن خوارق العادات مدارها على هذه الثلاث: إما أن ترجع إلى القدرة والتأثير، أو العلم، أو الغنى. وتسمى الخوارق العلمية المتعلقة بالعلم: الخوارق الكشفية؛ لأن خرق العادة بعِلْمِ أمرٍ مستورٍ هو كشف لغائب. وهذه المعاني ترجع إلى كل الخوارق سواء كانت على يد أنبياء أو أولياء فمثلا: عصا موسى ترجع إلى القدرة والتأثير، وكذلك فلق البحر يرجع للقدرة والتأثير. ما ذكر الله عن أصحاب الكهف يرجع إلى الغنى؛ لأن الله أغناهم عن الطعام والشراب تلك المدة الطويلة، وكلما يخبر به الأنبياء من أمور غائبة هو من الخوارق العلمية، وهكذا دلائل نبوة محمد ﷺ راجعة إلى هذه، فقد أخبر ﷺ بأمور مستقبلة غائبة لا تزال تظهر بين حين وآخر، فهي من أعلام نبوته ﷺ . وذكر شيخ الإسلام: أن «عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله؛ بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه» (١)، لذا لا يستدل بعدم حصول كرامة على عدم الولاية، كما لا يستدل بحصول خارق على الولاية؛ بل ضابطها: الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [يونس: ٦٢].
следующие страницы →