← Акыда

Акыда · id 23088

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط التدمرية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (416 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وصلى الله وسلم على محمد عبدِ الله ورسولِه، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. … أما بعد: فإن أعظمَ نعمة على العبد بعد الإسلامِ، لزومُ السنة والجماعة، والسلامة من البدع والأهواء؛ فقد وقع في هذه الأمة ما أخبر به النبي ﷺ من التفرق، والابتداع في الدين، ـ كما وقع في من قبلها ـ فانحرفت هذه الفرق عن الصراط المستقيم، ولم يستقيموا على سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى؛ بل اتبعوا أهواءهم، وقدموا عقولهم القاصرة، وجعلوها حكما على الشريعة في مسائل أصول الدين، وهم في هذا الانحراف متفاوتون؛ فمنهم الغالي، ومنهم دون ذلك، ومنهم المعاند المتعصب لبدعته، ومنهم المجتهد المخطئ، فتصدى أئمة السنة للرد على المبتدعين، وكشف شبهاتهم، مع العدل في أحكامهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فكتبوا في ذلك، وفي بيان مذهب أهل السنة كتبا كثيرة، مطولة وقصيرة، وكان من هؤلاء الأعلامِ الإمامُ أبو جعفر الطحاوي ﵀، فقد كتب رسالة في عقيدة أهل السنة والجماعة، صغيرة الحجم كثيرة المعاني، ذكر فيها جملا من أصول مذهب أهل السنة من غير تفصيل ولا تدليل. وقد تصدى لشرحها جمع من العلماء منهم: العلامة أبو الحسن علي بن علي بن محمد المشهور بابن أبي العز الحنفي المتوفى سنة

стр. 2

٧٩٢ هـ ﵀ (١)، وقد اعتمد في أكثر شرحه على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم ـ رحمهما الله ـ، فجاء شرحا عظيما، حافلا بالتقريرات النفيسة، والبحوث المتينة، والردود الشافية على أهل البدع. وكان ممن تولى شرحها للطلاب في هذا العصر: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك ـ حفظه الله ـ فشرحها في مجالس علمية متعددة، ومن ذلك شرحه لها في جامع الإمام علي بن المديني ﵀ في مدينة الرياض ضمن الدورات العلمية المكثفة في الصيف في أربعة أعوام من عام ١٤٢٢ إلى عام ١٤٢٥ هـ. فعرضتُ على الشيخ ـ حفظه الله ـ فكرة العناية بهذا الشرح، وتهيئته للطباعة؛ لما يرجى من نفع ذلك، فوافق على طلبي، أجزل الله مثوبته. فاستعنت بالله على ذلك، وسار العمل في الإخراج على ما يلي: ١ - كتابة ما في الأشرطة من الشرح، ولم أدخل الأسئلة. ٢ - صححت المكتوب وهيئته ونسقته ليناسب الطباعة. ٣ - أثبت نصوص الأحاديث والآثار والنقول على ما جاءت في مصادرها. ٤ - عزوت الآيات إلى مواضعها من كتاب الله، وخرجت الأحاديث، والآثار، والطريقة في التخريج ما يلي: (أ) إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما اقتصرت في العزو عليه. (ب) إذا كان الحديث في غير الصحيحين خرجته من أشهر وأهم المصادر من غير استيعاب، ونقلت ما تيسر من كلام أهل العلم عليه تصحيحا، أو تضعيفا باختصار، إذ ليس هذا موضع استقصاء، وقد أحيل _________ (١) انظر ترجمته في: إنباء الغمر ٣/ ٥٠، ووجيز الكلام ١/ ٢٩٥، وشذرات الذهب ٨/ ٥٥٧.

стр. 3

للكتب المتخصصة في التخريج لمن أراد التوسع والزيادة في المواضع التي تحتاج لذلك. ٥ - وثقت النقول، وأحلت في مواضع كثيرة من الشرح إلى كتب الأئمة خصوصا شيخ الإسلام ابن تيمية زيادة في التوثيق، والفائدة لمن أرد التوسع. ٦ - اعتمدت في متن العقيدة الطحاوية على طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام ١٤٠٤ هـ مع مراجعة المتن الذي مع شرح ابن أبي العز، وبعض المخطوطات عند الحاجة، والفرق الذي لا يترتب عليه اختلاف في المعنى لن أنبه عليه حفظا لوقت القارئ، وقد ميزت المتن بتعريض الخط ووضعه بين أقواس صغيرة كهذه «». ٧ - وضعت عناوين في بداية المقاطع المشروحة من المتن في إطار للتوضيح. ٨ - قرأت الشرح كاملا على الشيخ ـ حفظه الله ـ فأضاف، وحذف، وعدَّل، وغيَّر ما رآه مناسبا. ٩ - وضعت بين يدي الكتاب ترجمة مختصرة للإمام الطحاوي وأخرى للشيخ البراك. ١٠ - وضعت فهرسا للأحاديث، وقائمة بالمراجع التي عزوت لها، وفهرسا شاملا لمسائل الكتاب، وفهرسا إجماليا لموضوعات الكتاب. هذا وأسأل الله أن يجزي الشيخ عبد الرحمن البراك خير الجزاء، وأن يمد في عمره على طاعته، وأن ينفع به المسلمين، إنه تعالى جواد كريم. كتبه عبد الرحمن بن صالح بن عبد الله السديس الرياض assdais@gmail.com

стр. 4

[ترجمة الإمام الطحاوي] اسمه ونسبه: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي المصري الطحاوي، نسبة لقرية «طحا» في صعيد مصر. كنيته: أبو جعفر. مولده: اختلف في سنة ولادته فقيل: ٢٣٩ هـ وقيل: ٢٣٨ هـ والأكثر على الأول. شيوخه: يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان المرادي، وخاله إسماعيل المزني، وبكار بن قتيبة، ويزيد بن سنان، وأحمد بن أبي عمران، ويحيى بن محمد بن عمروس، وهو الذي أدَّبه وعلمه القرآن. رحلته: رحل إلى الشام سنة ٢٦٨ هـ، ولقي القاضي أبا خازم عبد الحميد بن عبد العزيز، وتفقه عليه، وتنقل بين مدن الشام وسمع من جماعة من المحدثين. مذهبه الفقهي: كان الطحاوي في أول أمره شافعيا، ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة، وسببه:

стр. 5

أنه كان يقرأ على خاله المزني الفقيه الشافعي، فمرت مسألة دقيقة فلم يفهمها أبو جعفر، فبالغ المزني في تقريبها، فلم يتفق ذلك، فغضب المزني، فقال: والله لا جاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى مجلس القاضي الحنفي ابن أبي عمران. وقال الخليلي: سمعت عبد الله بن محمد الحافظ يقول: سمعت أحمد بن محمد الشروطي يقول: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه. وقال أبو سليمان بن زَبْر: قال لي الطحاوي: أول من كتبت عنه الحديث: المزني، وأخذت بقول الشافعي، فلما كان بعد سنين، قدم أحمد بن أبي عمران قاضيا على مصر، فصحبته، وأخذت بقوله. مؤلفاته: له مؤلفات كثيرة منها: «شرح مشكل الآثار»، و «معاني الآثار» و «اختلاف العلماء» و «الشروط»، و «المختصر» و «أحكام القرآن» و «الوصايا» و «شرح الجامع الكبير» «شرح الجامع الصغير» و «الفرائض» وغيرها. تلاميذه: يوسف بن القاسم الميانجي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر بن المقرئ، وأحمد بن عبد الوارث الزجاج، وعبد العزيز بن محمد الجوهري قاضي الصعيد، ومحمد بن المظفر الحافظ، وخلق سواهم من الرحالين في الحديث. ثناء العلماء عليه: قال ابن يونس: كان ثقة ثبتا فقيها عاقلا، لم يخلف مثله. قال مسلمة بن قاسم: كان ثقة جليل القدر، فقيه البدن، عالما

стр. 6

باختلاف العلماء، بصيرا بالتصنيف، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وكان شديد العصبية فيه. قال الخليلي في الإرشاد: للطحاوي كتب مصنفات في الحديث، وكان عالما بالحديث. وقال ابن عبد البر: كان من أعلم الناس بسير القوم ـ أي: أبي حنفيو أصحابه ـ وأخبارهم؛ لأنه كان كوفي المذهب، وكان عالما بجميع مذاهب الفقهاء. وقال السمعاني: وكان ثقة ثبتا فقيها عالما لم يخلف مثله. وقال الذهبي: الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها، وقال: من نظر في تواليف هذا الإمام علم محله من العلم، وسعة معارفه. وقال ابن كثير: الفقيه الحنفي صاحب المصنفات المفيدة والفوائد، وهو أحد الثقات الأثبات، والحفاظ الجهابذة. وفاته: توفي بمصر ليلة الخميس مستهل ذي القعدة سنة ٣٢١ هـ. مصادر الترجمة: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ص ١١٠، وجامع بيان العلم ٢/ ٧٨، والأنساب ٤/ ٧٣ و ٩/ ٥٣،، وتاريخ دمشق ٥/ ٣٦٩، ووفيات الأعيان ١/ ٧١، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٧، والبداية والنهاية ١٥/ ٧٢، والجواهر المضية ١/ ٢٧١، ولسان الميزان ١/ ٤١٥.

стр. 7

[ترجمة الشيخ عبد الرحمن البراك] اسمه ونسبه: عبد الرحمن بن ناصر بن براك بن إبراهيم البراك، ينحدر نسبه من بطن العرينات من قبيلة سبيع. ميلاده ونشأته: ولد الشيخ في بلدة البكيرية من منطقة القصيم في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ. وتوفي والده وعمره سنة، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمه، فتربى خير تربية. ولما بلغ الخامسة من عمره سافر مع أمه إلى مكة، وكان في كفالة زوج أمه محمد بن حمود البراك. وفي مكة التحلق الشيخ بالمدرسة الرحمانية، وهو في السنة الثانية الابتدائية قدر الله أن يصاب بمرض في عينيه تسبب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره. طلبه للعلم ومشايخه: عاد من مكة إلى البكيرية مع أسرته، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبا على عمه عبد الله بن منصور البراك، ثم قرأ على مقرئ البلد عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵏. وفي حدود عام ١٣٦٤ و ١٣٦٥ هـ بدأ الشيخ حضور الدروس والقراءة على العلماء، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السبيل

стр. 8

جملة من كتاب «التوحيد»، و «الآجرومية»، وقرأ على الشيخ محمد بن مقبل «الثلاثة الأصول». ثم سافر إلى مكة مرة أخرى في عام ١٣٦٦ هـ تقريبا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في مكة على الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي إمام المسجد الحرام في «الآجرومية»، وهناك التقى بعالم فاضل من كبار تلاميذ العلامة محمد بن إبراهيم، وهو: الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي ﵀، وكان من أصدقاء الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ فجالسه واستفاد منه، ولما عُيِّن الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي مديرا للمدرسة العزيزة في بلدة الدلم أحب الشيخ صالح أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن حفاوة به، فصحبه لطلب العلم على الشيخ ابن باز حين كان قاضيا في بلدة الدلم، فرحل معه في ربيع الأول من عام ١٣٦٩ هـ، والتحق بالمدرسة العزيزة بالصف الرابع، وكان من أهم ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد التجويد الأساسية. وفي نفس السنة سافر مع جمع من الطلاب مع الشيخ ابن باز إلى الحج، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة العزيزة، وآثر حفظ المتون مع طلاب الشيخ عبد العزيز بن باز، ولازم دروس الشيخ ابن باز المتنوعة، فقد كان يُقرأ عليه في: كتاب «التوحيد»، و «الأصول الثلاثة»، و «عمدة الأحكام»، و «بلوغ المرام»، و «مسند أحمد»، و «تفسير ابن كثير»، و «الرحبية»، و «الآجرومية». ومكث في الدلم في رعاية الشيخ صالح العراقي، فقد كان مقيما في بيته، ودرس عليه علم العروض. وحَفِظ في بلدة الدلم كتاب «التوحيد»، و «الأصول الثلاثة»، و «الآجرومية»، و «قطر الندى»، و «نظم الرحبية»، وقدرا من «ألفية ابن مالك»، ومن «ألفية العراقي» في علوم الحديث. وبقي في الدلم إلى أواخر سنة ١٣٧٠، وكانت إقامته في الدلم لها أثر كبير في حياته العلمية.

стр. 9

ثم لما فتح المعهد العلمي في الرياض في عام ١٣٧٠ هـ انتقل إليه كثير من طلاب المشايخ، ومنهم طلاب الشيخ عبد العزيز ابن باز، فاضطر الشيخ للتسجيل فيه، وبدأت دراسة أول دفعة فيه في محرم ١٣٧١ هـ، وكانت الدراسة في المعهد تتكون من مرحلتين: تمهيدي للمبتدئين الصغار، وثانوي لمن بعدهم، والتحق به كثير من طلاب العلم في وقتها، وكانت الدراسة الثانوية أربع سنوات فتخرج عام ١٣٧٤ هـ، والتحق بكلية الشريعة، وتخرج فيها سنة ١٣٧٨ هـ. وتتلمذ في المعهد والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم: العلامة عبد العزيز ابن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀، ودرَّسهم في المعهد في التفسير، وأصول الفقه، والعلامة عبد الرزاق عفيفي ﵀ ودرَّسهم في التوحيد، والنحو، وأصول الفقه، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان درس عليه النحو، وآخرين ﵏ جميعا. وكان في تلك المدة يحضر بعض دروس العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد. وأكبر مشايخه عنده، وأعظمهم أثرًا في نفسه الإمام العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عاما بدءا من عام ١٣٦٩ هـ إلى وفاته في عام ١٤٢٠ هـ، ثم شيخه العراقي الذي استفاد منه حب الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم اللغة، كالنحو، والصرف، والعروض. الأعمال التي تولاها: عيِّن الشيخ مدرسا في «المعهد العلمي» في مدينة الرياض عام ١٣٧٩ هـ وبقي فيه ثلاثة أعوام، ثم نُقل إلى «كلية الشريعة» بالرياض، وتولى تدريس العلوم الشرعية، ولما افتتحت كلية أصول الدين عام

стр. 10

١٣٩٦ هـ صُنِّف الشيخ في أعضاء هيئة التدريس في قسم «العقيدة والمذاهب المعاصرة»، ونقل إليها، وتولى التدريس في الكُليتين إلى أن تقاعد في عام ١٤٢٠ هـ، وأشرف خلالها على عشرات الرسائل العلمية. وبعد التقاعد رغبت الكلية التعاقد معه؛ فعمل مدة ثم تركه، كما طلب منه سماحة الشيخ ابن باز ﵀ أن يتولى العمل في الإفتاء مرارا فتمنَّع، فرضي منه الشيخ ابن باز أن ينيبه على الإفتاء في دار الإفتاء في الرياض في فصل الصيف حين ينتقل المفتون إلى مدينة الطائف، فأجاب الشيخ حياءً، إذ تولى العمل في فترتين ثم تركه. وبعد وفاة الشيخ ابن باز ﵀ طلب منه سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضوا في الإفتاء، وأَلَحَّ عليه في ذلك فامتنع، وآثر الانقطاع للتدريس في المساجد. جهوده في نشر للعلم: جلس الشيخ للتعليم في مسجده الذي يتولى إمامته ـ مسجد الخليفي بحي الفاروق ـ، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث، والعقيدة، والنحو، وغيرها، كما أنه له دروسا في بيته مع بعض خاصة طلابه، وله دروس منتظمة في مساجد أخرى في مدينة الرياض، وله مشاركات متكررة في الدورات العلمية المكثفة التي تقام في الصيف، إضافة لإلقائه كثيرا من المحاضرات والكلمات الدعوية، وإجابته على الأسئلة المعروضة عليه من عدد من أشهر المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية. طلابه: تصدى الشيخ لنشر قبل نصف قرن تقريبا، وتتلمذ عليه أمم من طلاب العلم يتعذر على العاد حصرهم، وكثير من أساتذة جامعاتنا الشرعية، والدعاة المعروفين، قد تتلمذوا عليه.

стр. 11

وبعد أن يسر الله جملة من الوسائل الحديثة، كالشبكة العالمية تمكن كثير من طلاب العلم في خارج البلاد من متابعة دروس الشيخ على الهواء مباشرة، عن طريق موقع البث الإسلامي: www.liveislam.net احتسابه: للشيخ جهود كبيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومناصحة المسؤلين، والكتابة لهم، والإصلاح بين الناس، والتحذير من البدع، وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى كثيرة، وله مشاركة مع بعض المشايخ في عدد من البيانات والنصائح الموجهة لعموم المسلمين. اهتمامه بأمور المسلمين: للشيخ ـ حفظه الله ـ اهتمام بالغ بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيتابع لأخبارهم، ويحزن ويتألم لما يحدث لهم من نكبات، وفي أوقات الأزمات يبادر بالدعاء لهم، والدعاء على أعدائهم، ويبذل النصح والتوجيه لهم، وللمسلمين فيما يجب نحوهم. إنتاجه العلمي: الشيخ انصرف عن التأليف مع توفر آلته، وبذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة على الأسئلة، وقد قُرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سجل بعضها، وما لم يسجل أكثر، ولا زالت دروسه عامرة كما كانت. وقد صدر للشيخ من المطبوعات: «شرح الرسالة التدمرية»، و «جواب في الإيمان ونواقضه»، و «موقف المسلم من الخلاف»، و «التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري»، و «توضيح مقاصد الواسطية». وفي حياة الشيخ جوانب كثيرة مشرقة أعلم أنه يكره ذكرها، أسأل الله أن يبارك في عمره، ويمد فيه على الطاعة، وينفع المسلمين بعلمه، إنه سميع قريب.

стр. 12

[المقدمة] الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فالعقيدة المعروفة بـ «الطحاوية» ـ نسبة إلى مؤلفها الإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ من المؤلفات المختصرة في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأهل العلم درجوا على التأليف في أصناف علوم الشريعة على مناهج متنوعة؛ فمنهم من ينهج نهج البسط والتفصيل والتدليل، ومنهم من ينهج طريق الاختصار، ولكل منهما خصائصه ومزاياه. والمختصرات تتميز بأنها ميسورة الحفظ، ويمكن الإلمام بها بوقت قصير، فَيُلِّمُ الطالب بِجُلِّ المسائل على سبيل الاختصار في وقت وجيز، فنسأل الله أن يمدنا وإياك بالتوفيق والفتح منه ، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يهدينا سواء السبيل. (قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي ـ بمصرـ ﵀: هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويَدينون به رب العالمين). هذه مقدمة مختصرة تناسب المضمون والمؤلَف المختصر. قوله: «هذا ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة» أي: ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة، وأكثر ما يعبر أهل العلم بالاعتقاد،

стр. 13

والمراد بالعقيدة والاعتقاد: نفس عقد القلب، وجزمه ويقينه. وتارة يطلق الاعتقاد على نفس الشيءِ المعتقَد المعلوم، فتقول في الأول: إن فلانا اعتقاده قوي، واعتقاده سليم، واعتقاده جازم. ويقال في الثاني: ـ مثلا ـ اعتقاد أهل السنة والجماعة: هو الإيمان بالله وملائكته … كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة ـ أهل السنة والجماعة ـ: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … » (١). ففسر الاعتقاد بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … إلخ. وكذلك العقيدة فعيلة بمعنى مفعولة أي: الشيء المعتقَد، فتقول هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، يقول الإمام الطحاوي: «على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني» لو قال: على مذهب فقهاء الملة منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن كان أولى؛ لأن هؤلاء الأئمة لاشك أنهم من فقهاء الأمة، لكن ليست الإمامة والفقه محصورة فيهم، ولكنه نظَر إلى كونه ينتمي إلى أبي حنيفة، وقد ذُكر في ترجمته (٢) أنه كان شافعيا، ثم تمذهب على مذهب أبي حنيفة وتفقه على فقه أبي حنيفة، وهو فقيه محدث، كما يدل على ذلك كتاباه: «معاني الآثار»، و «شرح مشكل الآثار»، فرحمه الله، ورحم أئمة الدين، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا. يقول: «وما يعتقدون في أصول الدين، ويدينون به رب العالمين» هذا هو المقصود: بيان ما يعتقدونه في أصول الدين، ويدينون به لرب

стр. 14

العالمين، وغلب على تعبير كثير من أهل العلم إطلاق أصول الدين على مسائل الاعتقاد، والواقع أن أصول الدين لا تختص بأمور الاعتقاد، بل أصول الدين منها: اعتقادية كأصول الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر هذه من أصول الدين الاعتقادية العلمية. ومنها: عملية كأصول الإسلام الخمسة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، وهذه أصول الدين العملية؛ لأن مسائل الدين نوعان: مسائل علمية، ومسائل عملية، فكل من القسمين له أصول وله فروع، إذًا؛ لا يختص اسم أصول الدين في مسائل الاعتقاد، ولا يختص اسم الفروع بالمسائل العملية، كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وأنكر على من يجعل جميع مسائل الاعتقاد من أصول الدين، بل الدين له أصول وله فروع علمية وعملية، اعتقادية وعبادات عملية.

стр. 15

[قول أهل السنة في التوحيد] يقول ﵀: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعجزه، ولا إله غيره). يقول ﵀: «نقول» هذا شروع في بيان ما قصد إليه «نقول» نحن أهل السنة، هو يعبر عن نفسه، وعمن ذكر من الأئمة وغيرهم من أئمة الدين «نقول» بألسنتنا «معتقدين» بقلوبنا، فجمع بين الإقرار باللسان، والاعتقاد بالجنان «نقول في توحيد الله» يعني نقول في موضوع التوحيد، والأصل في معنى التوحيد جعل الشيء واحدا، واعتقاده واحدا، والمراد بتوحيد الله يعني في شأن وحدانيته تعالى واعتقاد تفرده فهو تعالى واحد، والتوحيد: هو الإيمان بأنه واحد في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وتخصيصه وإفراده بالعبادة، هذا هو توحيد الله. فالتوحيد صفة العبد وفعله. أما الوحدانية فصفة الرب تعالى كما يدل على ذلك اسمه الواحد والأحد فهو واحد في كل شؤونه . والله تعالى يوحد نفسه بمعنى أنه يثني على نفسه بذلك، ويُعلِّم عباده بأنه واحد، كما قال تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ) [آل عمران: ١٨] فهذه شهادة منه تعالى لنفسه بالوحدانية تتضمن علمه بأنه واحد، وذكره لنفسه بتفرده بالإلهية، وأمره عباده بذلك، وقد ذكر ابن أبي العز ﵀ في الشرح كلاما مستفيضا على هذه الآية، وهو منقول من مدارج السالكين لابن القيم؛ فليرجع إليه (١)

стр. 16

يقول: «نقول في توحيد الله معتقدين» هذا فيه تنبيه على أنه لا بد من الجمع بين اعتقاد القلب وإقرار اللسان، فلا يكفي أحدهما دون الآخر، لا بد في التوحيد من اعتقاد القلب وهو: العلم والتصديق الجازم بأنه تعالى واحد، وإقرار اللسان بذلك. ثم يقول: «بتوفيق الله» هذه لها دلالة عظيمة، وهي: أن إيماننا وقولنا واعتقادنا إنما يتحقق لنا بتوفيقه وهدايته، فنحن نقول ونعتقد ما نعتقده بتوفيقه سبحانه، وهذا يتضمن الإيمان بالشرع والقدر جميعا. (إن الله واحد لا شريك له) هذا هو ما نقوله وما نعتقده في وحدانيته الله تعالى: (إن الله واحد لا شريك له) واحد اسم من أسمائه جاء في القرآن في مواضع مقرونا باسمه القهار (وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الرعد: ١٦]، «أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» [يوسف: ٣٩]، فهو الواحد قال تعالى: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ» [البقرة: ١٦٣] «وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ» [المائدة: ٧٣]. (إن الله واحد) هو واحد، والوحدة تنافي الشريك، ولهذا أكدها بقوله: (لا شريك له)، فهو متفرد عن الشركاء، فهو الربُ ولا ربَ غيره، فهو ربُ كلِ شيء، فهو واحد في ربوبيته في أفعاله، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر لهذا الوجود سواه، وهو واحد في إلهيته فلا إله غيره، ولا شريك له، ولا معبود بحق سواه، وهو واحد في أسمائه وصفاته، فلا شبيه له في شيء من صفاته وأفعاله. (إن الله واحد لا شريك له) إذاً؛ هذه الجملة ضمنها المؤلف أصل الدين، وهو التوحيد، فالتوحيد بكل معانيه هو أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، خصوصا توحيد العبادة. وقد أخبر عن الرسل إجمالا وتفصيلا بذلك قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ» [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [النحل: ٣٦]، وأخبر عن أنبيائه: نوح وهود وصالح

стр. 17

وشعيب أنهم قالوا لأقوامهم: «اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ» [المؤمنون: ٢٣ والأعراف: ٦٥ و ٧٣ و ٨٥] فالتوحيد هو أصل دين الرسل، وهو أول واجب على المكلفين، كما قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) (١) مع شهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن الشهادتين متلازمتان لا تصح إحداهما إلا بالأخرى، فلابد منهما جميعا، ولهذا قال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) (٢) فَعَدَّ هذه الشهادة واحدا من المباني الخمسة. فالكافر الأصلي أو النصراني أو اليهودي أو المشرك إنما يدخل في الإسلام بإقراره بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، مع التزامه بالشرائع الأخرى كما قال تعالى: «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» [التوبة: ٥]، «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ» [التوبة: ١١] وقال بعض أهل الكلام (٣): إن أول واجب هو النظر، ويريدون بالنظر التفكر في الأدلة الكونية مثلا، فقالوا: إن أول واجب هو النظر، وبعضهم تنطع وقال: بل أول واجب القصد إلى النظر، وأقبح من هذا وذاك من قال منهم: إن أول واجب هو الشك! يعني أول واجب أن يشك الإنسان في الحقائق، فيشك في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة! بئس ما قالوا أنْ جعلوا الكفر هو أول واجب؛ لأن الشك بالله كفر. وهذه الأقوال ظاهرة الفساد والبطلان. والنظر مشروع لكن لا يقال: إنه أول واجب، والنظر قد ندب الله إليه العباد، فمن كان عنده توقف أو شك مثل حال الكفار فعليه أن ينظر

стр. 18

ويتأمل في الأدلة، وينظر في الآيات ويتفكر «أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» [الأعراف: ١٨٥]، «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» [الروم: ٨]. والنظر من الأسباب التي يَقوى بها إيمان المؤمن، ولهذا أثنى الله على أولياءه أولي الألباب أثنى عليهم بالتفكر بالمخلوقات «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [آل عمران: ١٩١] وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل يرفع بصره إلى السماء، ويقرأ هذه الآيات ويتفكر (١)، فالتفكر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات الشرعية القرآنية هما من روافد الإيمان، ومما يسقي شجرة الإيمان، فالإيمان يزيد بالتفكر في مخلوقات الله. المقصود: أن النظر مشروع، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله. يقول المؤلف: (إن الله واحد لا شريك له) فالله تعالى نزه نفسه عن الشركاء في مواضع «سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْركُونَ» [الطور: ٤٣]، وفي الآية الأخرى «أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ» [الأعراف: ١٩١]، وقال : «وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ» [الإسراء: ١١١]، أي لا شريك له في ملكه ولا شريك له في تدبيره، ولا شريك له في إلهيته، «قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ» [سبأ: ٢٢ - ٢٣] هذه الآية قد قيل فيها: «إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب» (٢)، فليس لشرك المشركين أي شبهة يمكنهم التعويل عليها فكلها باطلة، فشركاؤهم لا يملكون مثقال ذرة، وليس لهم شرك في ذرة من

стр. 19

السماوات والأرض، وليس أحد منهم معينا لله، ولا أحد منهم يملك أن يشفع عند الله إلا بإذنه. الملائكة لا أحد منهم يشفع عند الله إلا بإذنه كما قال : «وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى» [النجم: ٢٦].

стр. 20

[أقسام التوحيد] في هذا المقام يحسن ذكر أقسام التوحيد، فأهل السنة والجماعة يقسمون التوحيد ثلاثة أقسام (١)، ومنهم من يجعل التوحيد قسمين وهما طريقتان متفقتان لا منافاة بينهما، فمنهم من يقول: إن التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، توحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات. ما معنى توحيد الربوبية؟ معناه: توحيد الله في شؤون الربوبية؛ كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة، ولهذا يعبر عنه بتوحيد الرب بأفعاله، وذلك بالإقرار بأنه لا شريك له في أفعاله. وتوحيد الإلهية: هو إفراد الله بالعبادة، هو الإقرار بأنه لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وتحقيق ذلك بالفعل وهو: تخصيصه تعالى بالعبادة. وتوحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بتفرده بما له من الأسماء والصفات، بأنه متفرد لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. أما من يجعل التوحيد قسمين ـ والعبارات تختلف لكن المؤدى واحد (٢) ـ يقول: توحيد في المعرفة والإثبات، وبعبارة أخرى: توحيد

стр. 21

في العلم والقول، أو: التوحيد العلمي الخبري، هذه كلها عبارات عن شيء واحد، هو التوحيد الاعتقادي، توحيد علمي اعتقادي معرفي، وهذا القسم يشمل: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فاندرج قسمان من الثلاثة في هذا القسم، في التوحيد العلمي الخبري، أو في توحيد المعرفة والإثبات؛ لأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات كل منهما توحيد يتعلق بالعلم، فهو اعتقادي علمي فقط، والنصوص الدالة عليهما كلها نصوص خبرية، يعني من نوع الخبر؛ لأن الكلام قسمان: خبر وإنشاء. القسم الثاني على الطريقة الثانية: توحيد الإلهية، أو توحيد العبادة، أو توحيد الإرادة والقصد والعمل، أو التوحيد الطلبي؛ لأن نصوصه طلبيه، انظر سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: ١ - ٤] جمل خبرية، كل نصوص الأسماء والصفات تجدها خبرية، لكن توحيد العبادة الآيات الواردة فيها إنشاء «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [النساء: ٣٦] «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» [الإسراء: ٢٣] «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» [البقرة: ٢٢] «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ» [البقرة: ٢١] فلا منافاة بين الطريقتين، فمن يجعل التوحيد قسمين يدرج توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات في التوحيد في المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد العلمي الخبري، فلاحظ هذا ولا يشكل عليك تنوع التقسيم. وهذا التقسيم مستمد من استقراء النصوص، وبعض أهل البدع يشنع على أهل السنة ويقول: إن هذا التقسيم مبتدع، وهذا تشنيع باطل (١)، نعم العبارات والتقسيمات هي اصطلاح جديد كما قسم الفقهاء ـ مثلاـ أفعال الصلاة إلى: أركان وواجبات وسنن، أخذا من الأدلة؛

стр. 22

لأن أفعال الصلاة ليست على مرتبة واحدة، وكذلك أفعال الحج: أركان وواجبات وسنن، أخذا من الأدلة، كذلك في مسائل الاعتقاد هذه التقسيمات مستمدة من النصوص. وقد دلت النصوص على وجوب توحيد الله في ربوبية، وذلك باعتقاد أنه رب كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا حق. ودلت النصوص على وجوب اعتقاد أنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه كما قال تعالى في خطابه لموسى ﵇: «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي» [طه: ١٤]، وقال تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ» [المائدة: ٧٣]، وقال تعالى: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ» [البقرة: ١٦٣]. وفي باب الأسماء والصفات قال : «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [الإخلاص: ١]، وقال تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» [الشورى: ١١]، وقال تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» [الإخلاص: ٤]. إذًا؛ هذا تقسيم مستمد من الكتاب والسنة، دال على أنه تعالى واحد في هذا كله، وهل التقسيم له ثمرة؟ نعم؛ بهذا عرفنا أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي، فإن المشركين كانوا مقرين بهذا التوحيد قال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» [لقمان: ٢٥] لكنهم جعلوا مع الله آلهة أخرى، وعبدوا مع الله آلهة سواه، إذًا؛ الانحراف الذي عندهم هو في توحيد العبادة، ولهذا قال أهل العلم: «إن توحيد العبادة هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم» (١)، كما قال المشركون ـ لما قال لهم

стр. 23

الرسول ﷺ : «قولوا: لا إله إلا الله» ـ: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ» [ص: ٥] (١). وهؤلاء المبتدعة الطاعنون على أهل السنة في هذا التقسيم يقسمون التوحيد تقسيما مبتدعا مشتملا على الباطل، كما ذكر شيخ الإسلام عن كثير من أهل الكلام أنهم يقولون: «إن التوحيد اسم لثلاثة: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، فيقولون: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له» (٢)، والكلام على هذا يطول، ولكن خلاصة القول: إن هذا التقسيم على طريقتهم قد أدخلوا في التوحيد ما ليس فيه، فأدخلوا في مسمى التوحيد نفي الصفات، وهذا إلحاد، وأخرجوا عن مسمى التوحيد توحيد العبادة فلا ذكر له عندهم، وأحسن ما يذكرون هو توحيد الربوبية، وهو توحيد الرب بأفعاله، فيقولون: هو واحد في أفعاله لا شريك له، وهو أن خالق العالم واحد، وهذا حق (٣).

стр. 24

[نفي المثل عن الله تعالى] وقوله: (ولا شيء مثله) نلاحظ أن الجمل التالية كأنها تفصيل للجملة الأولى، فالجملة الأولى فيها نوع من الشمول، لكن الجمل التي تلتها هي تفصيل لها، من ذلك قوله: (ولا شيء مثله) هذه الجملة قد دلت على نفي المثل عن الله، وأنه لا مثيل له من خلقه، لا شيء يماثله، ودليل ذلك قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى: ١١] وهذا نص في نفي مشابهة المخلوق للخالق، فلا شيء يماثله سبحانه، وقوله تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» [الإخلاص: ٤] أي ليس أحد كُفُوا له، وقال تعالى: «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا» [البقرة: ٢٢]؛ لأنه تعالى لا ند له ولا مثل له، والند والكفو والمثل والسمي ألفاظ متقاربة كلها تفسر بالنظير والشبيه ونحو ذلك. (لا شيء مثله) هذا من اعتقاد أنه واحد لا شريك له، فمضمون هذه الجملة في الحقيقة يندرج في الجملة الأولى. يجب الإيمان بأنه تعالى موصوف بصفات الكمال، وأن إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ليست من التشبيه في شيء خلافا للمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ فإنهم يزعمون أن إثبات الصفات (١)، فينفونها بهذه الشبهة، وبشبهٍ أخرى لكن هذه من أشهر شبههم، فينفون عن الله ما وصف به نفسه زاعمين أن إثبات هذه الصفات

стр. 25

يستلزم التشبيه، والله تعالى منزه عن التشبيه، حقا إنه منزه عن التشبيه، ولكن ليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء، وتسميةُ إثبات الصفات تشبيها هذا من التلبيس والتمويه، وأصل هذه الشبهة قولهم: المخلوق يوصف بأنه عليم وأنه سميع وأنه بصير وأنه حي وأنه يرضى ويغضب ويحب، فلو أثبتنا هذه الصفات لله كان مماثلا للمخلوق. وقد رد عليهم أهل السنة (١) واحتجوا عليهم بما يفحمهم، ومن ذلك أن يقال: يلزمكم أن تقولوا: إن وصفه تعالى بالوجود تشبيه، فالمخلوق موجود، وهذا ظاهر الفساد والبطلان، فالله تعالى موجود والمخلوق موجود، ولكل منهما وجود يخصه، وليس الموجود كالموجود. وإن كان بين الوجودين قدر مشترك، وهو مطلق الوجود الذي هو ضد العدم، ونقول مثل ذلك في سائر ما سمى ووصف به نفسه سبحانه، فالله تعالى الحي، والمخلوق الحي، قال تعالى: «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» [الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩] ولكن ليس الحي كالحي، فالله تعالى الحي بحياة تخصه وهي الحياة التامة، وهي الحياة الواجبة وهي الحياة التي لا يعتريها نقص ولا نوم ولا سنة «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» [الفرقان: ٥٨] وقال : «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» [البقرة: ٢٥٥] والمخلوق يوصف بالحياة التي تناسبه وهي الحياة المحدثة بعد موت والمتبوعة بالموت، «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» [البقرة: ٢٨] وهي حياة ناقصة، وهي حياة موهوبة للمخلوق، فالله هو الذي يحيي ويميت، وأما حياة الرب فليست كحياة المخلوق، بل حياة لازمة لذاته، وهي أكمل حياة. وإن اتفق الاسمان عند الإطلاق بمعنى أن كلا من الاسمين يدل

стр. 26

على الحياة التي تقابل الموت، فليس الحي كالحي، وقُلْ مثل هذا في بقية الأسماء والصفات. إذًا؛ إثبات الأسماء والصفات لله لا يقتضي تشبيها، والقدر المشترك بين اسم الخالق واسم المخلوق أو بين صفة الخالق وصفة المخلوق ليست من التشبيه في شيء، فإن القدر المشترك لا يمكن نفيه عن الموجودات، فكل الموجدات تشترك في مطلق الوجود، وكل الأحياء تشترك في مطلق الحياة، وكل المحسوسات تشترك في مطلق الحس، كما بين ذلك أهل العلم وبسطوه.

стр. 27

[نفي العجر عن الله تعالى] (ولا شيء يعجزه) لا شيء يعجز الرب، هذا فيه نفي العجز المنافي لكمال القدرة عن الله،، وقد صرح الله في قوله: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا» [فاطر: ٤٤]، وقال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» [ق: ٣٨]، وقال تعالى: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا» [البقرة: ٢٥٥]، يعني لا يتعبه ولا يشق عليه ولا يلحقه كلل ولا تعب ولا إعياء، وذلك لكمال القدرة. فالله تعالى يوصف بنفي النقائص؛ كالسِنة والنوم واللغوب والعجز والظلم والغفلة والنسيان، لكن كل ما يوصف الله به من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال، هذه قاعدة، فالله تعالى لا يوصف بنفي محض لا يدل على ثبوت؛ فإن النفي المحض ليس فيه مدح، وإنما المدح في النفي المتضمن للكمال (١). فكل ما جاء في صفات الكمال من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال الضد، قال تعالى: «اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» [البقرة: ٢٥٥] فنفي السِنة والنوم متضمنة لكمال حياته وقيوميته، وقوله

стр. 28

تعالى: «وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» [ق: ٣٨] متضمن لإثبات كمال قدرته ونهاية قوته، وقوله تعالى: «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ» [سبأ: ٣] يتضمن كمال العلم، ونفيُ الظلم يتضمن كمال العدل، «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» [الفرقان: ٥٨] نفي الموت عن الله يتضمن كمال الحياة، ونفي العجز يتضمن كمال القدرة. أما المعطلة فإنهم يصفونه بالنفي المحض؛ لأنهم قد يقولون: إن الله لا يجهل، وقد يقولون: إن الله لا يعجز، فيصفونه بالنفي، لكنهم لا يثبتون الأضداد، فيصفونه بالنفي المحض. ولهذا جاء في المناظرة التي جرت بين عبد العزيز الكناني (١) ﵀ وبين بشر المَرِيْسِي أنه لما طالبه بوصف الله بالعلم قال: أقول الله لا يجهل! (٢) لأن عنده أن نفي الجهل لا يستلزم إثبات علم، فيقول: الله لا يجهل. فهذه قاعدة لابد من ملاحظتها، وهي: أن الله موصوف بالإثبات والنفي، إثبات الكمال ونفي النقائص والعيوب والآفات ومماثلة المخلوقات، فإثبات الكمالات يتضمن نفي أضدادها، فوصفه بالعلم يتضمن نفي الجهل عنه ونفي النسيان ونفي الغفلة، ووصفه بالسمع والبصر يتضمن نفي الصمم والعمى عن الله، قال النبي ﷺ : «إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا» (٣)، فالنصوص

стр. 29

اشتملت على وصف الله بالكمالات، وعلى تنزيهه عن النقائص، فالله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهه تعالى عن النقائص بنفي ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ .

стр. 30

[كلمة التوحيد وما تتضمنه] قال المؤلف: (ولا إله غيره) هذه كلمة التوحيد، ولما سبق ذكر الاسم الشريف الذي هو لفظ الجلالة «الله» رد المؤلف الضمائر إلى ذلك الاسم الظاهر، وهذه الكلمة يأتي فيها ذكر الله بالاسم الظاهر، وبضمير المتكلم والخاطب والغائب، قال تعالى لموسى: «لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني» [طه: ١٤]، وقال يونس ﵇: «لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» [الأنبياء: ٨٧] وقال تعالى ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] فإذا خاطب الإنسان ربه قال: لا إله إلا أنت، وإذا كان يخبر يقول: لا إله إلا الله، أو يقول: لا إله إلا هو، أو يقول: لا إله غيره. أما إذا أراد أن يذكر ربه فيقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، والحمد لله فيأتي بالاسم الظاهر «إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ» [الصافات: ٣٥]. وأما الذكر باللفظ المفرد أو بالضمير فهو ذكر مبتدع كما يفعل الصوفية (١) يذكرون الله بالاسم المفرد (الله) ويكررونها، أو (هو) ويكررونها، ويعتبرون هذا ذكرا! وهذا ذكر مبتدع باطل لغة وعقلا وشرعا، فقول: (هو هو) أو (الله الله) ليس فيه ذكر، ولا إيمان، ولا كفر، فكلمة (الله) وحدها لا تفيد حكما بالنسبة للعبد، فمن سمعناه يقول (الله) لا نقول: إنه يذكر ربه، ولا نقول: إنه يسبح.

стр. 31

فكلمة (الله) يقولها الموحد إذا جعلها في كلام مركب فيقول (سبحان الله) أو (لا إله إلا الله) أو (الله أكبر)، ويقولها الكافر إذا قال: الله لا وجود له، فيكون بهذا كافرا ملحدا. إذًا؛ يجب أن يكون الذكر بالجملة التامة: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. (لا إله غيره) إله على وزن فِعال بمعنى مَفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، فإله بمعنى مألوه، من أَله يَأله بمعنى عَبَد، فمعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبودَ إلا الله، أو لا معبودَ غيرُ الله، لكن يرد على هذا بأن في الكون معبودات كثيرة مثل آلهة المشركين، قال تعالى: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ» [الكافرون: ١ - ٢]، وقال تعالى: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا» [ص: ٥] فلهم معبودات، إذًا؛ هذا التقدير لا يستقيم، والصواب أن يُقدَّر: لا إله حق، أو: لا معبود بحق، أما المعبودات بباطل؛ فهي منتشرة في الأرض، كل طائفة لهم معبود، ويقول الله تعالى لهم يوم القيامة: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد» (١).، فمنهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد البقر، ومنهم من يعبد الأصنام المختلفة، ومنهم من يعبد الصليب، لكن لا معبود بحق إلا الله . إذًا؛ هذه الجملة مركبة من النفي والإثبات، نفي الإلهية بحق عن كل أحد إلا الله، فالله تعالى هو الإله الحق، وكل معبود سواه باطل، قال تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» [الحج: ٦٢] فالنفي هو الكفر بالطاغوت، والإثبات هو الإيمان بالله قال تعالى: «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى» [البقرة: ٢٥٦].

стр. 32

(لا إله إلا الله) بما تتضمنه من إيمان وكفر، تتضمن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وتتضمن التولي لله ومحبته وإجلاله، والبراءة من كل معبود سواه كما قال الخليل لأبيه وقومه: «إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ» [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وفي آية أخرى يقول: «أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ» [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، وقال تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [النحل: ٣٦] فما بعث الله به رسله متضمن لمضمون هذه الكلمات، فقوله تعالى: «اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [النحل: ٣٦] هو معنى (لا إله إلا الله) فـ (اعبدوا الله) مقتضى الإثبات، و (اجتنبوا الطاغوت) مقتضى النفي، فتضمنت هذه الآية (أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) آمنوا بالله وخصوه بالعبادة، واجتنبوا عبادة ما سواه واكفروا به.

стр. 33

[دوام الرب تعالى أزلا وأبدا] قوله: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام) لما ذكر الإمام الطحاوي بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه من: الشريك والشبيه والعَجْر، ذكر أنَّ مما يجب إثباته لله القِدم والدوام ـ أي ـ دوام الوجود أزلا وأبدا، فهو تعالى دائم أزلا وأبدا، فلا ابتداء ولا نهاية لوجوده. والقديم في اللغة ضد الحديث، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، وقال عن إبراهيم ﷺ : ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥ و ٧٦]، وأصل القديم المتقدم على غيره فيشمل التقدم المطلق، والتقدم النسبي؛ فالتقدم النسبي للمخلوقات فبعضها متقدم على بعض، وأما التقدم المطلق فهو لله تعالى، فهو سابق في وجوده لكل شيء، ولا بداية لوجوده، ولهذا احتاج المؤلف أن يقول: (بلا ابتداء). ويقال: أزلي، فالأزل: هو الماضي الذي لا حد له، فالأزل والأبد متقابلان هذا في الماضي، وهذا في المستقبل. وهذان الوصفان حق؛ فالله تعالى دائم البقاء أزلا وأبدا، لكن ليس هذان الاسمان من أسمائه الحسنى التي يثنى عليه بها، ويدعى بها، فلا يقال: يا قديم، أو سبحان القديم، كما لا يقال: يا موجود، أو سبحان الموجود؛ فإن هذا لا يحصل به التخصيص والتعيين؛ بل يقال: سبحان الله، سبحان ذي الملك والملكوت، والعزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت.

стр. 34

فإن القديم والدائم لم يردا في الكتاب والسنة، وإنما الوارد: الأول والآخر، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وفي السنة ـ في دعاء النبي ﷺ ـ: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء»، (١) وهذا الحديث يفسر الآية. فهذان اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى الله بها نفسه، وسماه بها رسوله ﷺ أعلم الخلق به. وغلب على أهل الكلام إطلاق لفظ (القديم) على الله تعالى فيقولون: هذا يجوز على القديم، وهذا لا يجوز على القديم؛ فجعلوه اسما لله تعالى، وهذا من أغلاطهم، والواجب أن يقولوا: هذا يجوز على الله؛ فالله هو اسم رب العالمين. لكن القديم والدائم يصح الأخبار بهما عن الله مثل أن تقول: الله موجود، والله شيء، والله له ذات، والله قديم، والله دائم، لكن لا تقل: من أسمائه (قديم) بل من أسمائه (الأول) قال تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ففي الدعاء إنما يدعى الله بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ (٢). قوله: (لا يفنى ولا يبيد) هذه تأكيد لقوله (بلا انتهاء) ومن أجل تحصيل السجع مع ما بعده، والفناء والبيد معناهما واحد قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ» [الرحمن: ٢٦]، وقال الكافر صاحب الجنة: «مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا» [الكهف: ٣٥]، (لا يفنى ولا يبيد) سبحانه، وإنما الذي يفنى الخلق.

стр. 35

[إثبات الإرادة لله تعالى] قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) فإنه تعالى ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج: ١٦]، وهو يفعل ما يشاء، وهو رب كل شيء، وهو الخالق لكل شيء، فما شاء الله كونه لا بد أن يكون «إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [النحل: ٤٠]، وما لم يشأ لا يكون أبدًا. إذًا؛ كل ما يجري في الوجود من: حركات الأفلاك، وجريان النجوم، والشمس والقمر، وتقلب الليل والنهار، وأمواج البحار بمشيئة الله، وكل ما يقع من العباد، فما تلفظ ولا تحرك شفتيك إلا بمشيئة الله، ولا تفتح عينك إلا بمشيئة الله ولو شاء الله ما فتحت عينك. (ولا يكون إلا ما يريد). والإرادة هنا هي الإرادة الكونية الشاملة للوجود، ونقول: الإرادة الكونية؛ لأن الإرادة المضافة لله نوعان: إرادة كونية، وإرادة شرعية. (١) فمن شواهد الإرادة الكونية: قوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ»، وقوله: «وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ» وقوله: «فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» وقوله: «وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ»، وفي معناه المشيئة «إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ» «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي

стр. 36

مَنْ يَشَاءُ» فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة تمامًا. والإرادة الشرعية من شواهدها: قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» وقوله تعالى: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ». فهذه إرادة شرعية. والفرق بين الإرادتين منوجهين: الأول: أن الإرادة الكونية: عامة لكل ما يكون لا يخرج عنها شيء، فتشمل ما يحبه الله وما يبغضه الله. فإيمان المؤمنين وطاعة المطيعين، وكفر الكافرين ومعصية العاصين، كل ذلك بإرادته الكونية. وأما الإرادة الشرعية: فإنها تختص بما يحبه الله . إذًا؛ الإرادة الكونية عامة، وهذه خاصة. الإرادة الكونية لا تستلزم المحبة، وأما الإرادة الشرعية فإنها تستلزم المحبة. والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها أبدا، وأما الإرادة الشرعية: فإنه لا يلزم منها وقوع المراد. وتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، فهو مرادٌ لله كونا، ومرادٌ شرعا، فهو مرادٌ بالإرادتين. وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي، فهو مرادٌ بالإرادة الكونية لا الشرعية، إذ ليس ذلك بمحبوب بل مسخوط ومبغوض لله سبحانه. وتنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر الذي لم يقع؛ لأنا نقول: إنه مرادٌ من أبي جهل أن يؤمن بالإرادة الشرعية، لكنه لم يقع. لكن الإرادة الشرعية لا تفسر بالمشيئة، فلا نقول: إن الله شاء الإيمان من أبي جهل، لكن نقول: إن الله أراد منه الإيمان، يعني: الإرادة الشرعية، وأمره بالإيمان الأمر الشرعي،

стр. 37

وبهذه المناسبة الصحيح أن المشيئة لا تنقسم، فلا يقال: إن المشيئة نوعان شرعية وكونية. بل المشيئة كونية فقط، وليس لمن قال: (إن المشيئة نوعان) ما يدل على قوله؛ بل المشيئة كونية فقط، وهي عامة (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن). وتقسيم الإرادة إلى كونية، وشرعية يجري مثله في معاني متعددة في القرآن، فمما يضاف إلى الله الإذن، وهو: شرعي وقدري ـ والقدري هو الكوني ـ والقضاء، والتحريم، والبعث، والإرسال، وغيرها كلها يجري فيها هذا التقسيم (١). مثلا: الإذن منه كوني وشرعي، قال الله تعالى في شأن السحرة «وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» [البقرة: ١٠٢] فالسحرة لا يضرون أحدا بسحرهم إلا بإذنه الكوني. وأما الإذن الشرعي فقوله تعالى «مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ» [الحشر: ٥] والقضاء: قال تعالى: «وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ» [الإسراء: ٤] هذا قضاء كوني، وقال تعالى «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» [الإسراء: ٢٣] هذا القضاء الشرعي. والتحريم: قال تعالى «وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ» هذا تحريم كوني، لكن قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» و «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ» هذا تحريم شرعي. المقصود: أن قول الطحاوي: (ولا يكون إلا ما يريد) فيه تقرير واثبات للإرادة الكونية، وفي هذا رد على المعتزلة؛ فإنهم ينفون الإرادة الكونية، ومن أصولهم الباطلة ما يسمونه بالعدل، ويدرجون فيه نفي القدر، ومن نفيهم للقدر، نفيهم عموم المشيئة، فعندهم أن مشيئة الله

стр. 38

ليست عامة، فكل أفعال العباد عندهم ليست بمشيئة الله، (١) فالإنسان يقوم ويقعد، ويذهب ويجيء، ويقاتل كل ذلك ليس بمشيئة الله! تبًا لهم تبًا لهم، ما أضلهم، فقد أخرجوا عن ملك الله كثيرا مما في الوجود، ونسبوا ربَ العالمين إلى العجز، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. بل أفعال العباد لا خروج لها عن حكم سائر الموجودات، وكل الموجودات محكومة بمشيئة الله وقدرته .

стр. 39

[تنزيه الله تعالى عن الإحاطة به] قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام). هذا فيه تنزيه أيضًا، وتقدم بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه لكن المؤلف يُثَنَّي، فيذكر بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه، وما يجب إثباته له . (لا تبلغه الأوهام) يعني الظنون والخيال، فلا تبلغه ظنون الظانين، ولا خيال المتخيلين، فلا يمكن للعباد أن يدركوا حقيقة ذات الرب أو شيءٍ من صفاته بوهم وتخيل أبدا. (ولا تدركه الأفهام) فالعباد يعرفون ربهم بما هداهم به من الوحي، ومن الآيات الكونية، لكنهم لا يحيطون به علما؛ لذلك قال: (لا تدركه) الإدراك فيه الإحاطة، ولم يقل لا تعرفه الأفهام ولا يعرفه العباد! لا، العبادُ يعرفون ربهم على حسب مراتبهم في معرفة ربهم لكنهم لا يحيطون به علما، قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ» وقال تعالى: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» والله : «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» وهذا يتضمن أن تخيل الإنسان وظنونه إنما هو مرتبطٌ بما يعرفه، والله تعالى ليس كمثله شيء. ويقول بعض المتكلمين: (كل ما خطر ببالك فإن الله تعالى بخلاف ذلك) (١)

стр. 40

وهذا كلامٌ ولفظٌ مبتدع لم يأت في نص من كتاب ولا سنة، فيجب أن يحكم عليه بحكم الألفاظ المبتدعة المجملة. (كل ما خطر ببالك) إن أراد من الكيفيات فصحيح، والله بخلاف ذلك؛ لأن كل ما يخطر ببالك من الكيفيات فإنه راجعٌ إلى شيء من المخلوقات، والله تعالى بخلاف ذلك «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ». فكيفية ذات الرب وكيفية صفاته لا سبيل للعباد إلى معرفتها. أما ما خطر ببالك من أنه فوق السماوات فهذا علم وحق، وليس بخاطر، ويجب الإيمان بأنه فوق السماوات، وما يخطر ببالك أنه ينزل كما أخبر الرسول ﷺ (١) فهذا حق، فكل ما يخطر ببالك من المعاني الثابتة فهو حق. إذًا؛ هذا التعبير لا يصح على الإطلاق، فهو لفظ مبتدع مجمل، فلا بد فيه من التفصيل، فالخواطر إما أن تكون مما يعلم بطلانه، أو مما يعلم صحته، أو مما لا يعلم صحته ولا بطلانه، فيمسك عنه، ولا يقال: إن الله بخلاف ذلك.
следующие страницы →