مَنْ يَشَاءُ» فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة تمامًا.
والإرادة الشرعية من شواهدها: قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» وقوله تعالى: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ». فهذه إرادة شرعية.
والفرق بين الإرادتين منوجهين:
الأول: أن الإرادة الكونية: عامة لكل ما يكون لا يخرج عنها شيء، فتشمل ما يحبه الله وما يبغضه الله.
فإيمان المؤمنين وطاعة المطيعين، وكفر الكافرين ومعصية العاصين، كل ذلك بإرادته الكونية.
وأما الإرادة الشرعية: فإنها تختص بما يحبه الله .
إذًا؛ الإرادة الكونية عامة، وهذه خاصة.
الإرادة الكونية لا تستلزم المحبة، وأما الإرادة الشرعية فإنها تستلزم المحبة.
والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها أبدا، وأما الإرادة الشرعية: فإنه لا يلزم منها وقوع المراد.
وتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، فهو مرادٌ لله كونا، ومرادٌ شرعا، فهو مرادٌ بالإرادتين.
وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي، فهو مرادٌ بالإرادة الكونية لا الشرعية، إذ ليس ذلك بمحبوب بل مسخوط ومبغوض لله سبحانه.
وتنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر الذي لم يقع؛ لأنا نقول: إنه مرادٌ من أبي جهل أن يؤمن بالإرادة الشرعية، لكنه لم يقع.
لكن الإرادة الشرعية لا تفسر بالمشيئة، فلا نقول: إن الله شاء الإيمان من أبي جهل، لكن نقول: إن الله أراد منه الإيمان، يعني: الإرادة الشرعية، وأمره بالإيمان الأمر الشرعي،
стр. 37
وبهذه المناسبة الصحيح أن المشيئة لا تنقسم، فلا يقال: إن المشيئة نوعان شرعية وكونية.
بل المشيئة كونية فقط، وليس لمن قال: (إن المشيئة نوعان) ما يدل على قوله؛ بل المشيئة كونية فقط، وهي عامة (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن).
وتقسيم الإرادة إلى كونية، وشرعية يجري مثله في معاني متعددة في القرآن، فمما يضاف إلى الله الإذن، وهو: شرعي وقدري ـ والقدري هو الكوني ـ والقضاء، والتحريم، والبعث، والإرسال، وغيرها كلها يجري فيها هذا التقسيم (١).
مثلا: الإذن منه كوني وشرعي، قال الله تعالى في شأن السحرة «وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» [البقرة: ١٠٢] فالسحرة لا يضرون أحدا بسحرهم إلا بإذنه الكوني.
وأما الإذن الشرعي فقوله تعالى «مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ» [الحشر: ٥]
والقضاء: قال تعالى: «وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ» [الإسراء: ٤] هذا قضاء كوني، وقال تعالى «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» [الإسراء: ٢٣] هذا القضاء الشرعي.
والتحريم: قال تعالى «وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ» هذا تحريم كوني، لكن قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» و «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ» هذا تحريم شرعي.
المقصود: أن قول الطحاوي: (ولا يكون إلا ما يريد) فيه تقرير واثبات للإرادة الكونية، وفي هذا رد على المعتزلة؛ فإنهم ينفون الإرادة الكونية، ومن أصولهم الباطلة ما يسمونه بالعدل، ويدرجون فيه نفي القدر، ومن نفيهم للقدر، نفيهم عموم المشيئة، فعندهم أن مشيئة الله
стр. 38
ليست عامة، فكل أفعال العباد عندهم ليست بمشيئة الله، (١) فالإنسان يقوم ويقعد، ويذهب ويجيء، ويقاتل كل ذلك ليس بمشيئة الله! تبًا لهم تبًا لهم، ما أضلهم، فقد أخرجوا عن ملك الله كثيرا مما في الوجود، ونسبوا ربَ العالمين إلى العجز، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
بل أفعال العباد لا خروج لها عن حكم سائر الموجودات، وكل الموجودات محكومة بمشيئة الله وقدرته .
стр. 39
[تنزيه الله تعالى عن الإحاطة به]
قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام).
هذا فيه تنزيه أيضًا، وتقدم بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه لكن المؤلف يُثَنَّي، فيذكر بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه، وما يجب إثباته له .
(لا تبلغه الأوهام) يعني الظنون والخيال، فلا تبلغه ظنون الظانين، ولا خيال المتخيلين، فلا يمكن للعباد أن يدركوا حقيقة ذات الرب أو شيءٍ من صفاته بوهم وتخيل أبدا.
(ولا تدركه الأفهام) فالعباد يعرفون ربهم بما هداهم به من الوحي، ومن الآيات الكونية، لكنهم لا يحيطون به علما؛ لذلك قال: (لا تدركه) الإدراك فيه الإحاطة، ولم يقل لا تعرفه الأفهام ولا يعرفه العباد! لا، العبادُ يعرفون ربهم على حسب مراتبهم في معرفة ربهم لكنهم لا يحيطون به علما، قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ» وقال تعالى: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» والله : «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» وهذا يتضمن أن تخيل الإنسان وظنونه إنما هو مرتبطٌ بما يعرفه، والله تعالى ليس كمثله شيء.
ويقول بعض المتكلمين: (كل ما خطر ببالك فإن الله تعالى بخلاف ذلك) (١)
стр. 40
وهذا كلامٌ ولفظٌ مبتدع لم يأت في نص من كتاب ولا سنة، فيجب أن يحكم عليه بحكم الألفاظ المبتدعة المجملة.
(كل ما خطر ببالك) إن أراد من الكيفيات فصحيح، والله بخلاف ذلك؛ لأن كل ما يخطر ببالك من الكيفيات فإنه راجعٌ إلى شيء من المخلوقات، والله تعالى بخلاف ذلك «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ».
فكيفية ذات الرب وكيفية صفاته لا سبيل للعباد إلى معرفتها.
أما ما خطر ببالك من أنه فوق السماوات فهذا علم وحق، وليس بخاطر، ويجب الإيمان بأنه فوق السماوات، وما يخطر ببالك أنه ينزل كما أخبر الرسول ﷺ (١) فهذا حق، فكل ما يخطر ببالك من المعاني الثابتة فهو حق.
إذًا؛ هذا التعبير لا يصح على الإطلاق، فهو لفظ مبتدع مجمل، فلا بد فيه من التفصيل، فالخواطر إما أن تكون مما يعلم بطلانه، أو مما يعلم صحته، أو مما لا يعلم صحته ولا بطلانه، فيمسك عنه، ولا يقال: إن الله بخلاف ذلك.
стр. 41
[تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه]
قوله: (ولا يشبه الأنام)
أي لا يشبه الناس، ولا يشبه شيئا من المخلوقات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الرسالة التدمرية» (١): ـ في تقرير نفي المثل عن الله ـ «فيُعلم قطعًا أنه سبحانه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر»؛ لأنه تعالى ليس كمله شيء.
(لا يشبه الأنام) في حاشية الشرح (٢) أن في بعض النسخ (ولا يشبهه الأنام) وكأن الشارح ابن أبي العز رجح هذه النسخة، وعندي أن الصواب بدون الضمير (ولا يشبه الأنام) لأنك إذا قلت: (ولا يشبهه الأنام) لا يكون في العبارة معنىً جديدٌ يختلف عن قوله: (لا شيء مثله) فـ (لا شيء مثله) نفيٌ لتمثيل المخلوق بالخالق.
والتمثيل الذي يجب نفيه عن الله نوعان:
تمثيل الخالق بالمخلوق، وتمثيل المخلوق بالخالق، وضابط ذلك: وصف الخالق بخصائص المخلوق هذا تشبيهٌ للخالق بالمخلوق،
стр. 42
ووصف المخلوق بخصائص الخالق تشبيهٌ للمخلوقين بالخالق.
إذًا؛ فكل المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى قد شبهوا المخلوق بالخالق؛ لأنهم شبهوا ما يعبدونه برب السماوات والأرض فجعلوا لذلك المخلوق ما هو من خصائص الرب وهو الإلهية، ومن وصف الله بالفقر أو العجز والبخل ـ كما قالت اليهود ـ فقد شبه الخالق بالمخلوق؛ لأن العجز والبخل كل هذه من خصائص المخلوق.
إذاً؛ فقول المؤلف (ولا شيء مثله) هذا نفيٌ لتمثيل المخلوق بالخالق، وقوله (ولا يشبه الأنام) نفيٌ لمماثلة الخالق للمخلوق، فاختلف مدلول الجملتين، وأفادت الجملتان نفي التشبيه أو نفي التمثيل بنوعيه، وهذا هو المطلوب.
стр. 43
[إثبات الحياة والقيومية لله تعالى]
قال ﵀: (حيٌ لا يموت، قيوم لا ينام).
يقول ﵀ في ذكر بعض أسماء الرب وصفاته وتنزيهه عن ما يضادها ـ (حيٌ) أي: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله (حيٌ لا يموت، قيومٌ لا ينام) الحي القيوم اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه.
فأما (الحي) فقد ورد في مواضع كثيرة في القرآن، وأما (القيوم) فقد ورد في ثلاثة مواضع مقرونا بالحي: في آية الكرسي، وأول سورة آل عمران، وفي سورة طه «وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» حتى قيل: إنهما (الاسم الأعظم). (١) وأما الحي فقد ورد غير مقرون بهذا الاسم «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فمن أسمائه الحسنى أنه الحي القيوم، واسمه الحي يدل على إثبات الحياة له، فهو الحي والحياة صفته، فله الحياة التامة التي لا تشبه حياة المخلوق، الحياة المتضمنة لكل ما هو كمال للحياة، وهو القيوم، وقيل في معناه (٢): أنه القائم بنفسه،
стр. 44
فليس مفتقرًا إلى غيره في وجوده، ولا في شيء من صفاته وأفعاله ، وقيل: بأنه القائم بالمخلوقات (١) فكل المخلوقات لا قيام لها، ولا وجود لها، ولا بقاء لها، ولا صلاح لها أبدًا إلا به سبحانه، فهو المبدع الخالق لها، وهو الممد لها بما تحتاج، وهو المبقي لما شاء بقاءه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت.
قال ابن القيم ﵀: إن هذين الاسمين يتضمنان جميع الصفات، فاسمه الحي يتضمن جميع الصفات الذاتية من: العلم، والسمع، والبصر، والقدرة والعزة، والحكمة، والرحمة.
واسمه القيوم يتضمن جميع الصفات الفعلية من: الخلق، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والإعزاز والإذلال، والعطاء والمنع، والخفض والرفع. معنى كلامه. (٢)
والله تعالى لما ذكر هذين الاسمين أكد مضمونهما بقول: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ».
فنفي السنة والنوم عن الله يتضمن ويؤكد كمال الحياة والقيومية؛ لأن النوم أخو الموت، والسِنة التي هي مبادئ النوم نقص، وأكد ذلك في آية أخرى «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» فأثبت لنفسه الحياة، ونفى عنه كل ما يضاد الحياة.
يقول المؤلف: (حيٌ لا يموت، قيوم لا ينام) وهذا تفريق منه حين ربط نفي الموت بإثبات الحياة، ونفي النوم بإثبات القيومية، وإلا فالله تعالى ربط نفي النوم بالاسمين جميعا فقال: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ»؛ لأن النوم ينافي كمال الاسمين، والصواب أن نقول: إنه تعالى حيٌ لا يموت، ولا ينام، ولا تأخذه سنةٌ ولا نوم، فالموت والسنة والنوم كلها تنافي هذين الاسمين.
стр. 45
[تنزيه الله تعالى عن الحاجة والخوف والمشقة]
قوله: (خالقٌ بلا حاجة، رازقٌ بلا مؤونة) خالقٌ للخلق بدون حاجةٍ إليهم، اللهُ لم يخلق الخلق ليتكثّر بهم من قلة، أو يتعزز بهم من ذلة، أو ليستغني بهم من فقر، قال تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» فهو الذي يُطعم ولا يطعم، وهو الرزاق ذو القوة المتين «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وما ذلك على الله بعزيز».
فالخلق كلهم فقراء إليه في وجودهم، وفي جميع أحوالهم، وشؤونهم، والله تعالى غنيٌ الغنى التام عن كل ما سواه.
(رازقٌ بلا مؤونة) فالله هو الخالق الرازق «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ» رازق بلا مؤنه، أي: بلا كلفة ولا مشقة يرزق كل العباد «وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ» «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ»، «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا» والله تعالى خير الرازقين، وفي الصحيحين «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار» (١).
стр. 46
قوله: (مميتٌ بلا مخافة، باعثٌ بلا مشقة) الله تعالى منزهٌ عن الخوف، فلا يخاف من أحد وهو فعالٌ لما يريد، يميت من يشاء، فلو شاء أن يميت العالم كله؛ فإنه لا يخاف، فليس فوقه أحد؛ بل هو تعالى المالك لكل شيء.
ولعل مما يستشهد به في هذا المعنى قوله تعالى: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا» [الشمس: ١٤ - ١٥].
(باعث بلا مشقة) سيبعث الأموات في اليوم الموعود «أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ» [المطففين: ٤ - ٦] «قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] يبعث الأموات من أولهم إلى آخرهم من غير أن تلحقه مشقة، ولهذا يقول : «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» «مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» «وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» [الروم: ٢٧] وهذا في الاحتجاج على المكذبين بالبعث بأن الذي بدأ الخلق هو على الإعادة أقدر إنما أريد به أنه أقدر في معقول الناس (أن الإعادة أهون من البدء) ولكن بالنسبة إلى الله ليس في الأشياء هينٍ وأهون، ولا يقال: إن الله على كذا أقدر منه على كذا، بل قدرته على كل شيء واحدة، فقدرته تعالى على خلق السماوات والأرض، أو خلقه لذرة من المخلوقات واحدة، بمعنى أنه لا يعجزه شيء، فليس شيءٌ أهون عليه من شيء.
أما قوله تعالى: «وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» فقد قيل: إن (أهون) بمعنى هين، وهو هين عليه، فيكون من أفعل التفضيل الذي على غير بابه. كما يقول النحاة (١).
أو إن هذا من خطاب العباد بما يعقلونه وما يدركونه، فالناس
стр. 47
مفطورون على إن الإعادة أهون من الابتداء فخوطبوا على حسب معقولهم، ومفهومهم (١).
ولهذا الله تعالى يحتج عليهم في إنكارهم للبعث بالنشأة الأولى «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [يّس: ٧٩] والآيات في هذا كثيرة.
стр. 48
[إثبات الكمال المطلق لله تعالى أزلا وأبدا]
قوله: (مازال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان في صفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا).
ما زال ولا يزال فعلان يدلان على الاستمرار والدوام، ما زال يدل على الدوام في الماضي، ولا يزال في المستقبل، فالله تعالى مازال ولا يزال موصوفا بصفات الكمال في الأزل والقدم الذي لا نهاية له، ولا يزال كذلك موصوفا بصفاته .
(قبل خلقه) قبل وجود الخلق (لم يزدد بكونهم) يعني لم يزدد بوجودهم.
الله تعالى لم يزدد بوجودهم شيئًا من كماله لم يكن قبل خلقهم ووجودهم؛ بل مازال موصوفا بصفات الكمال، ولا يتوقف في شيءٍ من صفات الكمال على وجود شيء من المخلوقات.
(وكما كان في صفاته أزليا) أزلي نسبة للأزل، والأزل: يقابل الأبد، والأبد في المستقبل الدائم الذي لانهاية له، هذا هو الأصل في معنى الأبد، ويقابله الأزل، ويقال للموصوف: هذا أزلي، أبدي.
(وكما كان في صفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا)
أفاد في هذه الجملة أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال أزلا وأبدا، لا يتجدد له شيء من الكمال لم يكن، ولا يعدم شيء من كماله، فهو الموصوف بصفات الكمال على الدوام أزلا وأبدا.
قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً»، «إن الله كان
стр. 49
عزيزاً حكيماً»، «إن الله كان عليماً حكيماً»، «إن الله كان غفوراً رحيماً» كان هذه في مثل هذا تفيد الاستمرار، كان ولا يزال؛ لأن حدوث الكمال يستلزم سبق النقص، والله تعالى منزهٌ عن النقص، فحياته لم تسبق بموت تعالى الله، وعلمه لم يسبق بجهل، فلا يقال: إنه تعالى علم بعد أن لم يكن عالما، وكان سميعا بعد أن لم يكن، أو بصيرا بعد أن لم يكن تعالى الله، فهذا شأن المخلوق، فهو الذي كان بعد أن لم يكن، وتكلم بعد أن لم يكن متكلما، أما الخالق فلم يزل عالما، ولم يزل سميعا بصيرا، عزيزا حكيما، غفورا رحيما، حيا قيوما، لم يزل فعالا لما يريد لم يزل على كل شيء قدير، لم يزل متكلما إذا شاء بما شاء ولا يزل كذلك.
وهذه كلمة عامة من المصنف في كل الصفات (مازال بصفاته)، لم يخص شيئا من الصفات.
стр. 50
[صفات الله نوعان: ذاتية وفعلية]
وصفات الله نوعان: صفات ذاتية، وهي: اللازمة لذات الرب ـ التي لا تنفك عن الذات ـ كالعلم، والسمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والعزة، والرحمة، والقيّوميّة، فهي صفاتٌ ذاتية.
وصفاتٌ فعلية مثل: الاستواء على العرش، والنزول، والمجيء، والغضب.
فكل ما تستطيع أن تقول فيه (مازال كذا) فهي ذاتية.
وضابط الذاتية والفعلية (أن الذاتية لا تتعلق بها المشيئة، وأما الفعلية فتتعلق بها المشيئة).
فتقول: إن الله تعالى ينزل إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويجيء يوم القيامة إذا شاء، فهذه فعلية.
ولكن لا يصح أن تقول: إنه يعلم إذا شاء، ويسمع إذا شاء، وهو حيٌ إذا شاء؛ لأن هذه من لوازم ذاته .
وهناك صفات ذاتية فعلية (١)، مثل: الكلام، والخلق، والرَزق.
فيصح أن تقول: إنه مازال متكلما إذا شاء؛ لأن الكلام من جهة القدرة عليه معنى ذاتي، فيقال للمتكلم مازال متكلما، وهو يتكلم بمشيئةٍ، خلافا لمن قال: إن كلام الله قديم مطلقا.
والمعطلة المبتدعة أنواع (٢):
стр. 51
الجهمية نفوا كل الصفات ـ الذاتية والفعلية ـ، ولم يثبتوا إلا ذاتا مجردة، وتبعهم المعتزلة في ذلك.
وهناك طوائف لفّقوا واضطربوا أخذوا من هذا في جانب، ومن هذا في جانب مثل: الكُلَّابية ينفون الصفات الفعلية، وهي المتعلقة بالمشيئة، وكذلك الأشاعرة ينفون كثيرا من الصفات ـ الذاتية والفعلية ـ فيقولون: إنه تعالى لا تقوم به الأفعال الاختيارية.
الأفعال الاختيارية: هي المتعلقة بالمشيئة، مثل: النزول (فعل اختياري) يفعله الرب بمشيئته، والاستواء (فعل اختياري) يفعله الرب بمشيئته، والغضب والرضا والحب، فيغضب إذا شاء، ويرضى إذا شاء، ويحب مَن شاء إذا شاء.
ونُفاة الأفعال الاختيارية بنوه على شبهة باطلة لا أصل لها.
قالوا: إنه تعالى منزه عن حلول الحوادث، فيقال: هذا لفظٌ محدث فليس في القرآن ولا في السنة أن الله تعالى منزه عن حلول الحوادث.
وهو أيضا: لفظٌ مجمل يحتمل حقا وباطلا؛ فمن قال: الله منزه عن حلول الحوادث، نقول: ما معنى قولك: (منزه عن حلول الحوادث)؟
فإن قال: الله منزه أن يحل فيه شيءٌ من المخلوقات.
نقول: نعم هذا حق، اللهُ لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته.
وإن قال: إنه منزهٌ ـ أيضاـ عن أن تقوم به الأفعال الحادثة التي تكون بالمشيئة.
نقول: هذا باطل، الله تعالى يفعل ما يشاء، إذا شاء، كيف شاء، فهو تعالى فعّال لما يريد.
وأهل البدع منهم من نفى الأفعال الاختيارية مطلقا حذرا مما أصّلوه وهو نفي حلول الحوادث.
стр. 52
ومنهم من يثبت الأفعال لكن يقول: إنها لا تتعلق بها المشيئة، وهم الكلابية، فيقولون: إنه يتكلم ويغضب ويرضى لا بمشيئة؛ بل هذه الصفات قديمة، فهو لم يزل متكلما، وغاضبا عن من هو أهل للغضب، وراضيا عن من هو أهل للرضا.
والأشاعرة ينفون، ولا يثبتون إلا الصفات السبع على ما في إثباتهم من تذبذبٍ واضطراب.
والجهمية، والمعتزلة يقولون: إنه صار متكلما بعد أن لم يكن ـ ليس متكلما بمعنى أنه يقوم به الكلام ـ بل يريدون أنه خلق كلاما؛ لأن الكلام عندهم مخلوق، والقرآن مخلوق، وصار فاعلا بعد أن لم يكن، وليس معنى ذلك أنه يقوم به الفعل، وأنه يفعل فعلاً يقوم بذاته، ولهذا يقول ابن القيم في الشافية الكافية (١) عن الجهم:
وَقَضَى بِأنَّ الله لَيسَ بفاعِلٍ * … فِعلاً يَقومُ بِه بِلَا بُرهَانِ
فقضى بأن الله ليس بفاعل فعلا يقوم به؛ بل الفعل عند جهم، والمعتزلة، والأشاعرة هو نفس المفعول.
والحق المعقول أن الأمور ثلاثة: (فعل، وفاعل، ومفعول) فالمفعول يقتضي فاعلا، وفعلا يقوم به، هذا هو الشيء البدهي المعقول، ولا يعمى عن هذا إلا من لُبِّس عليه، وغُرست في قلبه الشبهات، وعاش على التقليد، والتبعية.
وهؤلاء الجهمية، والمعتزلة، ومن تبعهم في نفي قيام الأفعال الاختيارية به قالوا: إنه يجب أن تكون لجنس المخلوقات بداية، وقبل هذه البداية يمتنع دوام الحوادث، أو تسلسل المخلوقات، أو دوام المخلوقات، أو حوادث لا أول لها، قالوا: هذا مستحيل، ممتنع لذاته، وإذا كان دوام الحوادث ممتنعا فالرب تعالى غير قادرٍ على أن يخلق في الأزل!
стр. 53
وكفى بهذا تنقصا لرب العالمين!
لأن الممتنع لا تتعلق به القدرة.
ومن يقول: إن دوام الحوادث ممتنع، والرب لم يزل قادرا عليها؛ فقد جمع بين النقيضين؛ لأن كونه قادرا يقتضي أن يكون دوام الحوادث ممكنا، فكأنه يقول: إن دوام الحوادث ممكن ممتنع، وهذا جمعٌ بين النقيضين.
وجمهور المتكلمين على امتناع دوام الحوادث في الماضي.
لكن ينبغي فهم معنى دوام الحوادث، أو تسلسل الحوادث ـ أي: المخلوقات ـ أو حوادث لا أول لها فمعناه: هل يمكن أن يكون ما من مخلوق إلا قبله مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق إلى ما لا نهاية له، هل هذا ممتنع؟ هذا هو معنى الكلام.
وفي تسلسل المخلوقات ثلاثة مذاهب: (١)
قال جهم: بامتناع دوام الحوادث في الماضي والمستقبل فجنس الحوادث عنده لها بداية، ويمتنع دوامها في المستقبل، ولهذا قال بفناء الجنة والنار.
وجمهور المتكلمين قالوا بامتناع دوام الحوادث في الماضي، وجوازه في المستقبل.
وإقرارهم بدوام الحوادث في المستقبل حُجّةٌ عليهم، والصواب هو: جواز دوام الحوادث في الماضي والمستقبل؛ لأنه جائز ـ أي: ممكن لا مانع منه ـ فإذا كان الرب لم يزل على كل شيءٍ قدير، فلم يزل الفعل ممكنا، ومن يقول: إنه لم يخلق في الأزل فعليه الدليل.
والأمر الذي نقطع ببطلانه قول من يقول: بامتناع دوام الحوادث في الماضي.
стр. 54
أما إذا قيل: إنه ممكن، والله فعالٌ لما يريد فهذا هو الحق، وأهم شيء أن تعلم أن هذا لا يستلزم محذورا كما ضنه الضانون والجاهلون؛ لأنه على هذا التقدير ـ دوام الحوادث ـ معناه: أن كل مخلوق فإنه مسبوق بعدم نفسه. ـ أي محدث بعد أن لم يكن ـ والله تعالى متقدم على كل شيء، مهما يُفرض من مخلوقات متسلسلة فالله تعالى سابق لها، فكل مخلوق فالله تعالى خالقه، والمخلوق محدثٌ والله تعالى لم يزل.
وهذه في الحقيقة تُشكِل على كثير من الناس؛ لكن يجب أن تؤمن أيها المسلم بأن الله لم يزل على كل شيء قدير، ولم يزل فعالا لما يريد، وإذا آمنت بأن الله لم تحدث له قدرة ـ أي ـ لم يصر قادرا بعد أن لم يكن قادرا، ولم يصر فعالا بعد أن لم يكن فعالا، فإذا آمنت بهذا حصل المطلوب سواء فهمت المسألة أو ما فهمت.
لكن نقول لك: إذا استقر في نفسك هذا فهمت أن هذا يقتضي جواز وإمكان دوام الحوادث في الماضي، مادام أن ربك لم يزل على كل شيء قدير، ولم يزل فعالا لما يريد.
وأهم شيء هو الأصل: الإيمان بكمال ودوام قدرة وفاعلية الرب، وأنه تعالى لم يزل فعالا لما يريد، ولم يزل على كل شيء قدير، هذا هو الذي يجب أن تستمسك به.
والمسلمون هذه فطرتهم، وهذه عقيدتهم، ولا يتكلمون في مسألة التسلسل، لكن ألجأ إلى الكلام في ذلك أهل البدع المعطلة ـ الجهمية، والمعتزلة، والذين تأثروا بهم ـ حين تكلموا وقالوا: يمتنع دوام الحوادث!
فلزم بيان الحق، وهو أن الله تعالى لم يزل على كل شيء قدير، ولم يزل فعالا لما يريد، ولم يزل خالقا، ولم يزل قادرا، وهكذا (مازال بصفاته قديما قبل خلقه)
بعد هذه الجملة العامة المجملة، ذكر بعد ذلك جملا تفصيلية فيقول:
стр. 55
[وصف الله تعالى بالخالق والبارئ قبل خلقه للخلق]
(ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم «الخالق»، ولا بإحداث البرية استفاد اسم «البارئ» له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق).
هو الخالق والخلّاق ولو لم يخلق، والخالق البارئ اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾
و (الخَلق): يأتي بمعنى التقدير، وبمعنى الإيجاد.
و (البارئ): هو الذي يحدث الشيء من العدم إلى الوجود.
يقول: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) وهذه الجملة من جنس التي قبلها، فهو سبحانه موصوف بالربوبية، والخالقيّة، ولو لم يكن هناك مخلوق ولا مربوب، فليس مفتقرا في أسمائه وصفاته إلى خلقه.
قوله: (وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيٍ قدير) كما أنه استحق الاسم (محيي الموتى) قبل إحياء الموتى، كذلك استحق اسم (الخالق) قبل إنشائهم.
وفي هذه العبارة: تدليل وتعليل وتفصيل لما تقدم من أنّ أسماءَه، وصفاته لا تتوقف على ما يخلقه أو ما يفعله، فهو تعالى مستحقٌ لوصفه بإحياء الموتى، وأنه يحيي ويميت قبل إحياء الموتى.
стр. 56
وقوله: (ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق)
يحتمل أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي؛ لأنه حين يقول: (ليس بعد خلق الخلق)، (وله معنى الربوبية ولا مربوب) كأنه يفهم منه أن لجنس المخلوقات بداية.
لكن هل يقول: إن دوام الحوادث ممتنع؟ أو يقول: إنه ممكن لكنه غير واقع؟
فيه احتمال.
والمنكر هو القول بامتناع تسلسل الحوادث في الماضي، لكن هل هو واقع ـ أي: أن المخلوقات لم تزل فعلاً ـ أو يمكن دوامها وتسلسلها في الماضي لكنه لم يقع؟
الأمر في هذا واسع.
стр. 57
[إثبات كمال قدرته وغناه تعالى، وفقر خلقه إليه]
ثم قال: (ذلك بأنه على كل شيء ٍقدير، وكل شيءٍ إليه فقير، وكل أمرٍ عليه يسير لا يحتاج إلى شيء).
هذا تعليل لما سبق من أنه لم يزل هو الخالق، البارئ، المصور، المحيي، المميت ذلك بأنه لم يزل على كل شيءٍ قدير، وهذا وصف قد أثنى الله به على نفسه في مواضع كثيرة من القرآن كما قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ» «وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِِراً» «قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ» الآية.
وذِكر هذا الاسم في القرآن كثير جدا فهو القادر، وهو القدير، وهو المقتدر . والأدلة على كمال قدرته بدلالاتٍ أخرى متنوعة قال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» فإخباره تعالى بخلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء يستلزم إثبات كمال قدرته «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» [قّ: ٣٨] قال سبحانه: «مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» «وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عليه».
(ذلك بأنه على كل شيء قدير) فلا خروج لشيء عن قدرته؛ فكل الموجودات إنما وجدت بمشيئته وقدرته ، ولا خروج لشيء عن قدرته، وفي هذا ردٌ على القدرية؛ كالمعتزلة، الذين
стр. 58
يخرجون أفعال العباد عن قدرة الله وعن مشيئته، (١) فأفعال العباد عندهم لا تتعلق بها بمشيئة الله وقدرته وخلقه! فالعباد هم الخالقون لأفعالهم يتصرفون بدون مشيئة الله، والله لا يقدر أن يجعل القائم قاعدًا، والقاعد قائمًا، ولا المؤمن كافرا، ولا الكافر مؤمنا، فكل ما يجري في الوجود من أفعال العباد، بل وأفعال الحيوان، خارج عن مشيئة الله، والله تعالى لا يقدر على أن يمنع شيئا من هذه الأمور! فالقتال الذي يجري بين الناس لمختلف الأسباب والدوافع ليس بمشيئة الله بزعمهم، والله تعالى يقول «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ» [البقرة: ٢٥٣] «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ» [الأنعام: ١٣٧]
هذا مضمون هذا المذهب القبيح المنكر.
وقوله: (وكل شيءٍ إليه فقير) قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ» كل شيء إليه فقير وهو الغني بذاته عن كل من سواه.
فالغنى المطلق من لوازم ذات الرب تعالى، والفقر من لوازم المخلوق، فالفقر صفة ذاتية للمخلوق، والغنى صفة ذاتية للخالق.
فالمخلوق فقير إلى الله من جميع الوجوه، والله غني عن خلقه من جميع الوجوه «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» [فاطر: ١٥].
فكل شيءٍ مفتقر إلى الله في وجوده، وفي بقائه، وفي مصالحه، وفي كل شؤونه.
وقوله: (وكل شيءٍ عليه يسير)
كل شيءٍ عليه هين، وهذا يؤكد أنه على كل شيءٍ قدير، فليس
стр. 59
هناك ما يصعب عليه، ويعجزه «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ» «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» [العنكبوت: ١٩].
وقوله: (لا يحتاج إلى شيء)
هذا يؤكد كمال غناه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه.
لو قال المؤلف: (ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير، وكل شيءٍ عليه يسير، وكل شيءٍ إليه فقير لا يحتاج إلى شيء) لكان أكثر تناسبا؛ لأن الجملة الثالثة مناسبة للجملة الأولى، والجملة الرابعة مناسبة للجملة الثانية، لكن كأنه فعل ذلك لمراعاة السجع.
стр. 60
[إثبات صفاته تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات]
وقوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) هذه بعض آية من القرآن (١) تتضمن الدلالة على المذهب الحق في باب أسماء الله وصفاته، ورد الباطل؛ فهي تدل على أنه تعالى موصوف بصفات الكمال، منزهٌ عن مماثلة المخلوقات.
ومذهب أهل السنة والجماعة يقوم على إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
فقوله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» ردٌ على أهل التشبيه، والتكييف.
وقوله: «وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» ردٌ على أهل التعطيل.
فدلت على الحق ورد الباطل، وفيها ركائز المذهب الحق، وهو: (إثبات صفات الكمال لله تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات، ونفي العلم بالكيفية)؛ فإنه إذا كان تعالى لا مثل له؛ فلا يعلم كيف هو إلا هو.
ولأهل التفسير واللغة (٢) كلام حول (ليس كمثله شيء) فقيل: إن الكاف صلة ـ زائدة ـ للتوكيد، والمعنى: ليس شيءٌ مثلَه، هذا أنسب وأقرب وأسهل ما يقال في معنى هذا التركيب
стр. 61
وإعرابه «ليس كمثله شيء» فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ».
وهو (السميع البصير) اسمان من أسمائه الحسنى دالّان على صفتين من صفاته العلى، فهو السميع وهو ذو السمع، وهو البصير وذو بصر، فتدل الآية على إثبات الاسمين، وما تضمناه من صفة السمع، والبصر.
стр. 62
[إثبات علم الله تعالى، وتقديره الأقدار، وضربه الآجال]
وقوله: (خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، ولم يخف عليه شيءٍ قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم)
خلق الخلق عالما بهم، والخلق يستلزم العلم: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» [الملك: ١٤] فالله علم أحوال الخلق وأعمالهم بعلمه القديم، والإيمان بذلك هو أحد مراتب الإيمان بالقدر.
وفيه إثبات العلم لله، والأدلة على إثبات العلم لله كثيرة في الكتاب والسنة، وهو من الصفات الثابتة بالعقل والسمع، فالله تعالى اسمه العليم، وأخبر بأنه بكل شيءٍ عليم، يعلم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، يعلم الدقيق والجليل، والله تعالى قد فصّل ذلك في كتابه «وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ»، «إن الله عليمٌ بذات الصدور»، «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: ٥٩] «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا» [الطلاق: ١٢].
علمه تعالى محيطٌ بالأشياء، أحاط علمه بأعمال العباد، وأقوالهم، وأحوالهم، يعلم الخواطر التي ترد على النفوس، ويعلم ما في قلوب العباد: الملائكة، والأنبياء، وكل الناس يعلم ما في قلوبهم من أفكار،
стр. 63
وخواطر، «يعلم خائنة الأعين» اللحظة التي يرسلها الإنسان خُفية ما يدري عنها أحد، الله يعلمها «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور».
يعلم دقائق الأشياء: «إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله»، «وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتابٍ مبين».
والله تعالى من أسمائه العليم، وعلام الغيوب، وعالم الغيب والشهادة.
والعلم من صفاته تعالى، ومن أهل البدع من ينكر هذا!
فالجهمية ينفون عن الله أسماءَه وصفاتِه ويقولون: هذه الأسماء إضافتها إلى الله مجاز، وإلا فهي أسماء لبعض المخلوقات.
والمعتزلة ينفون الصفات، ويقولون: اسمه عليم لكنه بلا علم، فليس العلم صفةً قائمة به، وقدير بلا قدرة، وسميع بصير بلا سمع ولا بصر! كذا حكى أهل العلم عنهم (١).
وأما الحق الذي دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ودل عليه العقل، وأجمع عليه سلف الأمة، والذين اتّبعوهم بإحسان فهو أنه عليم بعلم، وأن العلم صفته ، وجاء ذكر العلم في القرآن، قال تعالى: «أنزله بعلمه» «ولا يحيطون بشيءٍ من علمه»، وفي السُنّة، قال النبي ﷺ : «اللهم إني أستخيرك بعلمك» (٢)
وهذا تصريح بلفظ العلم، ولو لم ترد هذه النصوص لكان ذكر الإسم كافيا في الدلالة على إثبات الصفة.
وعلمه تعالى أزلي لا يتجدد ـ بمعنى ـ أنه يصير عالماً بعد أن لم يكن، ويعلم الشيء بعد أن لم يكن عالما به! فهذا نقص، والله منزه
стр. 64
عنه، كما تقدم (١) في التنبيه على دوام كماله (ما زال في صفاته قديما قبل خلقه).
فنقول: ما زال بكل شيءٍ عليما، وعلمه تعالى مطابق للواقع؛ لأن ما لم يطابق الواقع جهل.
وأما ما جاء في القرآن مما قد يفهم منه تجدد العلم، كقوله تعالى «وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ» [البقرة: ١٤٣] وقوله تعالى: «أفحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله»، وقوله تعالى: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا»، فالمراد به علمه تعالى بالشيء موجوداً.
ولهذا بعضهم يعبّر عنه بـ (علم الظهور، أوعلم الوجود).
فالله تعالى قبل أن يخلق الخلق يعلم أحوالهم، وصفاتهم، ومن يطيعه، ومن يعصيه، لكن هل يعلمهم موجودين؟ لا؛ بل يعلم أن ذلك الشيء سيكون، فإذا وجد علمه موجوداً.
فهو تعالى يعلم من يجاهد، ومن لا يجاهد، ومن يصبر، ومن لا يصبر، ويعلم من يقبل تشريعه في أمر القبلة، ومن لا يقبل، ومن يتبع الرسول، ومن لا يتبع الرسول … إلخ
يعلم أنه سيكون وهم غير موجودين، فإذا وجدوا علمهم موجودين، والثواب والعقاب مرتبٌ على ما يوجد بالفعل، هذا مقتضى عدله وحكمته.
فالله لا يجزي العباد بموجب علمه قبل خلقهم؛ بل يجزيهم على ما وقع منهم بالفعل.
والله تعالى يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وشاهد هذا في
стр. 65
القرآن قوله تعالى: «ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه» [الأنعام: ٢٨]، وقد حكم الله بأنهم لا يُردّون «وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ» [الأنبياء: ٩٥]
وكما دل السمع على إثبات صفة العلم؛ دل العقل عليها، وبيان ذلك: أن إيجاد المخلوقات وإحكام هذا الخلق العظيم الواسع لابد أن يكون عن علم يقوم بالرب تعالى، ولا يتصور أن يكون بلا علم تعالى الله عمَّا يقول الجاهلون علوا كبيرا.
ومن الطرق العقلية ـ أيضا ـ أن العلم يوصف به المخلوق على يليق به، وهو صفة كمال، فلو لم يتصف الخالق سبحانه بالعلم لزم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق؛ وهذا ممتنع بداهةً.
وقوله: (وقدّر لهم أقدارا) قال تعالى: «وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً» «إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر».
وجاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) (١).
مقادير تكون من جهة الزمان، والمكان، والذات، فكل إنسان قدر الله له زمنا «وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» [الحج: ٥] يعني مقدار لُبْث الجنين في الرحم مقدّر، هذا ستة أشهر، وذا تسعة، وذا عشرة، وذا أكثر.
وعملهم مقدّر، ورزقهم مقدّر، وقدّر جميع الأشياء.
وقوله ﷺ (قدّر الله المقادير) كلمة قصيرة لكن مفهومها واسع جدا، لا نحيط به ولا نتصوره لكن نفهمه إجمالا.
وقوله: (وضرب لهم آجالا)
стр. 66
وعطف هذه الجملة على التي قبلها من عطف الخاص على العام، (ضرب لهم آجالا) حدد للخلق أجالا، والأجل: يطلق على نهاية المدة المقدرة، أو على نفس المدة المقدرة كلها، فالدنيا لها أجل، ينتهي بيوم القيامة «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» [الأنعام: ٢].
والأمم لها آجال «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» [يونس: ٤٩] كل أمة لها أجل ثم تنتهي كيف شاء الله، وفي تاريخ المسلمين، الدولة الأموية لها تاريخ وانتهت، ثم الدولة العباسية وانتهت، وهكذا غيرها.
وكذلك آجال مختصة بكل فرد مثل ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : (فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله) (١)، قال تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا» [آل عمران: ١٤٥].
إذًا؛ بأي شيء يموت الإنسان؟
هو ميت بأجله، وفي الوقت المحدود «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا» [آل عمران: ١٤٥] فالمقتول ميت بأجله هذا عند أهل السُنّة، خلافاً للمعتزلة، فإنهم يقولون: إن المقتول قد قطع القاتل عليه أجله، فيمكن أنه سيعيش مائة سنة لكن اعتدى عليه القاتل فقتله وهو ابن عشرين سنة فضيّع عليه القاتل ثمانين سنة! (٢)
نعوذ بالله من الجهالة، والضلالة؛ بل المقتول ميت بأجله، والآجال جعل الله لانقضائها أسبابا؛ فمن الناس من يموت بأسباب سماوية لا دخل لأحدٍ من الناس فيها، ومنها ماله تسببٌ من الناس؛ مثل المقتول، وكلٌ في كتابٍ مبين، معلوم لرب العالمين، «وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ» [فاطر: ١١].
стр. 67
فالآجال، والأعمار كلها مقدرة، ودلت النصوص على أن لطول العمر وقصره أسبابا كونية، وشرعية، فمن الأسباب الشرعية: صلة الرحم، وبر الوالدين، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ : (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) (١) وفي الحديث الآخر قال النبي ﷺ : (ولا يزيد في العمر إلا البر) (٢) والتحقيق أنه لا ينافي القدر، فليس معناه أن هذا سبق في علم الله وكتابه أن عمره ستون سنة، ثم يحدث أنه يبر بوالديه فيزاد في عمره، لا؛ بل هذا الذي وصَل رحمه، ومَد الله في عمره جزاءً له؛ قد سبق في علم الله وفي كتابه أنه يطول عمره بهذا السبب، وكل الأمور جارية على الأسباب والمسببات، ومندرجة في قدر الله التام.
ويقال مثل هذا في الدعاء، وبعضُ أهل البدع يقول: الدعاء لا فائدة منه؛ فإن كان الله قدَّر هذا المطلوب فلا حاجة للدعاء، فهو حاصل دعوت أو لم تدع، وإن كان غير مقدر فلا فائدة في الدعاء؛ لأنه لن يحدث!
وهذا فهم باطل مبني على عدم تأثير الأسباب في مسبَبَاتها، ويلزمهم أن يقولوا مثل هذا في كل الأسباب.
وما قدر الله حصوله في هذا الدعاء قد يُقدِّر سببه، وقد لا يقدر، فما لم يقدر سببه لا يحصل بالدعاء، وما قدر سببه يحصل السبب، والمسبَبَ.
فتارة يقدر الله السبب، ولم يقدر المسبَب.
وتارة يقدر هذا الأمر بدون هذا السبب.
стр. 68
وتارة يكون المقدّر السبب، والمسبَب، وهذا موضوع معناه واسع جدا، فالرزق للإنسان يحصل بسبب الطلب والكدح، وأحيانا يحصل بدون سعي ولا جهد (١).
وهذا كله يرجع إلى الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، والمؤلف لما قال: (خلق الخلق بعلمه، وقدّر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا) يريد تقرير الأصل السادس، وإن كان سيُثنّي ويردد الكلام في القدر.
ثم أكد المصنف قوله: (خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا) بقوله: (لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم) أكده بالنفي، فالأول إثبات، والثاني سلب.
ثم قال: (وعلم ما هم عاملون) وهذا أيضا تأكيد، لكن الجملة الأولى عامّة.
(علم ما هم عاملون) سبق علمه بأعمالهم: المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك وقضاه وقدّره في أم الكتاب.
وفي التقدير الثاني: قال النبي ﷺ : (فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله) (٢)
стр. 69
[وجوب الإيمان بالشرع والقدر]
وقوله: (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) في هذا التنبيه على وجوب الإيمان بالشرع مع الإيمان بالقدر؛
الإيمان بأن الله علم ما العباد عاملون بعلمه القديم، وكتب ذلك، وأن كل شيء يجري بمشيئة الله،
والإيمان بأن الله أمر عباده بطاعته، ونهاهم عن معصيته «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ» [البقرة: ٢١] «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا» [البقرة: ٢٢] «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [النساء: ٣٦] «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» [الإسراء: ٢٣].
لا بد للاستقامة على الصراط المستقيم في هذا المقام من الإيمان بالشرع، والقدر جميعا.
أما الإيمان بالقدر فهو الأصل السادس، وأما الإيمان بالشرع فهو موجب الإيمان بكتب الله ورسله.
فأهل الهدى والفلاح يؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بحكمة الرب في شرعه وقدره.
وأما فرق الضلال فالمشركون، وأتباعهم من الجبريّة فإنهم يثبتون القدر، ولكنهم ينكرون الشرع أو يعرضون عن الشرع كما قال الله عن المشركين: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]
قولهم: (لو شاء الله ما أشركنا) هذا يتضمن أنهم يُقرّون بالقدر، وبمشيئة الله، ولكنها كلمة حق أريد بها باطل، فهم يقولون ذلك معارضةً لما جاءت به الرسل من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيهم عن الشرك به.
стр. 70
والجبرية ـ المنتسبين للمسلمين ـ يقال لهم: مشركيّة؛ لأنهم بمنهجهم ذلك شابهوا المشركين الذين قالوا: «لو شاء الله ما أشركنا».
ويقابلهم المجوسية وهم: (القدرية) كالمعتزلة فإنهم ينفون تعلق مشيئة الله بأفعال العباد، ويخرجون أفعال العباد عن مشيئته وقدرته، وملكه، مع أنهم يقرون بالشرع.
وأسلافهم الأولون الذين ظهروا في عهد الصحابة ينفون القدر كله بمراتبه الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.
وطائفة قالت: إن الشرع والقدر فيهما تناقض، وإن أثبتتهما، فطعنت في حكمة الرب سبحانه، وتسمى: الإبليسية؛ فزعيمهم في هذا إبليس، فهو الذي أعترض على الرب، وطعن في حكمته، مع إقراره بخلق الله وأمره، فكان هو إمام هذه الطائفة المخذولة.
هذه فرق الضلال من الخائضين في القدر كما يُعبّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (١)
стр. 71
[إثبات عموم مشيئة الله تعالى]
قال رحمه الله تعالى: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا).
يقرر المؤلف في هذه الجملة عموم مشيئة الله، وأنها شاملة لكل شيء، فكل شيءٍ يجري بتقديره ومشيئته؛ كحركات الأفلاك، وتصريف الرياح، وحركات الناس كلها تجري بعلمه وبمشيئته قد سبق بها العلم، والكتاب.
(لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) فالعباد لهم مشيئة، وأفعالهم نوعان:
اختيارية؛ فالإنسان يذهب ويجيء، ويأكل ويشرب، ويتكلم، ويضرب، هذه حركات اختيارية.
وأفعال لا اختيارية كحركة النائم، والمرتعش، فهذه يقال لها: لا إرادية.
ومشيئة العباد مقيدة بمشيئة الله، قال تعالى: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» بإثبات المشيئة للعباد «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [التكوير: ٢٩] ففي هذه الآية رد على طائفتين: الجبرية، والقدرية؛ فقوله: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» رد على الجبرية، وقوله: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» رد على القدرية نفاةِ القدر.
стр. 72
(لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) وهذا الذي نعبّر عنه بقولنا: ما شاء الله كان، أما مشيئة الإنسان فقد تتحقق، وقد لا تتحقق، فيشاء العبد ما لا يكون، كالعاجز يريد شيئا ولا يكون، وقد يكون ما لا يريد، كالمكره يجري عليه من الأمور ما لا يريده.
أما الرب القدير على كل شيء فما شاء كان، وما لم يشأ لا يكون، .
وقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا)
أدلة هذا في القرآن كثيرة، قال الله تعالى: «فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» [البروج: ١٦] هذا دليل عام.
وقال تعالى: «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [النحل: ٩٣] «مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [الأنعام: ٣٩]
وقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا) يوفق من يشاء لسبل الخيرات، والأعمال الصالحات، ويعصم من الوقوع في الزلّات والسيئات، ويعافي من يشاء، وكل ذلك بفضله تعالى: «وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [الحجرات: ٧ - ٨] فضلٌ من الله «وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ» [إبراهيم: ١١]
فهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته فيضع ولايته في موضعها فضلا منه وحكمة، ولهذا قال سبحانه: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [النساء: ٢٦]، «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام: ١٢٤]، «ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا» [النساء: ٧٠].
وقوله: (ويضل من يشاء) هذا قد نص الله عليه في كتابه في مواضع (١) كما قال تعالى: «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [إبراهيم: ٤].
стр. 73
وقوله: (ويخذل ويبتلي عدلا) الخذلان: عدم التوفيق، ويبتلي: يصيب من يشاء بالبلاء، عدلا: أي: بعدله وحكمته.
والهداية المضافة إلى الله المتعلقة بالمكلف نوعان:
هداية عامة ـ للمؤمن، والكافر ـ وهي: هداية الدلالة، والبيان، والإرشاد لسبيل الخير والشر، قال تعالى: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» [البلد: ١٠]، «وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ» [فصلت: ١٧] أي: دلَّهُم، وبيَّن لهم بإرسال رسوله «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ» [النمل: ٤٥].
والنوع الثاني: هداية التوفيق لقبول الحق، وإلهام الرشد، وشرح الصدر، قال تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ» [الأنعام: ١٢٥] «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» [الزمر: ٢٢] فهاتان هدايتان:
الأولى تسمى: (الهداية العامة)، والثانية: (الهداية الخاصة).
أما الهداية الخاصة فلا يملكها إلا الله تعالى.
وأما الهداية العامة فالله قد جعلها للرسل ـ أيضا ـ قال تعالى: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [القصص: ٥٦] نفى عنه أن يهدي من يحب، وأثبتها لنفسه ، فبين الآيتين تعارض في الظاهر، والجمع بينهما بمراعاة التقسيم.
وأنكرت المعتزلة هداية التوفيق؛ لأنهم أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الرب وقدرته تعالى وتقدّس، فعندهم أن الله لا يقدر أن يهدي أحدا، وإنما أثبتوا الهداية العامة: هداية الدلالة والإرشاد.
وقالوا: (يضل) و (يهدي) أي: من اهتدى حَكَم له بالهداية، ومن ضل سماه ضالا، أما أنه يجعل هذا مهتديا أو هذا ضالا فلا! تعالى عن قول الظالمين والمفترين علوا كبيرا.
стр. 74
[إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله]
وقوله: (وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله).
من تتمةِ قولِه (يهدي من يشاء ويعصم، ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) قولُه (فكل الخلق يتقلبون بين فضله وعدله) هذه النتيجة، والله تعالى حكيم يضع فضله حيث شاء، وعدله حيث شاء له الحكمة البالغة، فالله يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.
فالحكمة معتبرة وجارية وواقعة في الكل له الحكمة البالغة في هدايته لمن شاء من عباده، وخذلانه لمن شاء، وكان من المناسب أن ينبه المؤلف إلى هذا.
والأدلة على حكمة الرب كثيرة فاسمه الحكيم يدل على الحكمة، وكذلك قوله: «ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا» [النساء: ٧٠] «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام: ١٢٤].
وأفعال الرب معللة (١) لكن من العلل والحكم ما نعلمه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ومنها ما يُهتدى إليه بالتدبُّر، ومنها ما لا يعلم؛ فالعباد لا يحيطون بحكمة الرب كما لا يحيطون بسائر الصفات.
فكل الخلق يتقلبون بين فضله وعدله، حتى في الساعة الواحدة يكون للإنسان حظ من فضل الرب بالتوفيق، أو يكون في حالة ابتلاء
стр. 75
وخذلان، واقرأ ما كتبه ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (١) في مشاهد الخلق في المعصية في مشهد التوفيق والخذلان.