← Общие книги

Общие книги · id 23103

دليل الداعية

ناجي بن دايل السلطان

Полный текст (239 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمات: مقدمة المراجع: الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمد عبده ورسوله. أما بعد: فقد اطلعت على هذا الكتاب "دليل الداعية" لفضيلة الشيخ ناجي بن دايل السلطان فوجدته مليئا بالإرشادات، والنصائح والتوجيهات التي يستفيد منها عامة المسلمين، وخاصة الدعاة منهم الذين وضع هذا الكتاب من أجلهم ليستفيدوا منه؛ لأنه ثمرة جهد لأخيهم المؤلف جمعها خلال تجاربه في عمل الدعوة طيلة حياته الدعوية، فهو لا يستغني عنه داعية من دعاة الإسلام، وخاصة المبتدئين منهم؛ لأنه ينير لهم طريق الدعوة لكي يتجنب الداعية العقبات التي تعترض سبيله، وحتى يوصل ما لديه من علم بأحسن صورة، وأكثر فائدة فهو يدعو إلى الإخلاص في الدعوة، والترغيب فيها والقيام بها بجد ونشاط، وخاصة من تفرغ لعلم الدعوة، وأخذ عليه أجرا فالأمر في حقه أوجب وستجد أيها القارئ الكريم أن يدعو الدعاة أيضًا إلى أن يكونوا دعاة بأفعالهم، ومعاملاتهم قبل أن يكونوا دعاة بأقوالهم، وذلك بالالتزام بحسن الخلق والمعاملة الحسنة، ونفع الناس والتودد إليهم حتى يحبوه

стр. 2

فيسمعوا منه ويقبلوا دعوته، وأن يكون أسوة حسنة بالحضور إلى المسجد في أول الوقت، وأن يكون في الصف الأول، كما يحث أيضا على كرم الأخلاق، وكذا يرشد إلى معرفة أحوال أهل البلد الذين سيدعوهم وعاداتهم، ولهجاتهم وما هم عليه حتى يبدأ الداعية بالأهم، ثم المهم ثم الذي يليه وهكذا، ومجمل القول أن هذا كتاب كثير الفائدة من أخ كريم يحمل هم الدعوة غيور على دينه هكذا نحسبه، ولا نزكي على الله أحدا أسأل الله العلي القدير أن يجعل ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة، وأن لا يحرمنا ولا يحرمه الأجر، والثواب والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده، ورسوله محمد وعلى آله وصحبه. تقديم الدكتور محمد بن سعد بن شقير القاضي بمحكمة خورفكان بالإمارات

стр. 3

تقريظ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله نبينا محمد وآله وبعد: فقد اطلعت على هذا الكتاب المبارك المعنون "دليل الداعية" تأليف الأخ في الله الشيخ ناجي بن دايل السلطان، فألفيته مفيدًا في بابه وأنصح الإخوة الدعاة إلى الله، وعموم طلاب العلم بقراءته، والاستفادة منه أسأل الله أن ينفعنا جميعا بما علمنا، وأن يجعلنا من الداعين إليه سبحانه على بصيرة، وأن يجعلنا من المخلصين لوجهه الكريم المتبعين لهدي نبيه عليه الصلاة، والتسليم قال ذلك وكتبه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن حماد آل عمر، وصلى الله الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. حرر في ١٥/ ١١/ ١٤١٩هـ.

стр. 4

صفحة سكانر

стр. 5

مقدمة المطلع عليها ... مقدم المطلع عليها: بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وشاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فإن الدعوة إلى الله تعالى من أعظم الصالحات، وأزكى الطاعات وأحب الأعمال إلى الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . بها تنهض الأمم وتصلح المجتمعات وتستقيم الأحوال، فما أحسن عمل الدعاة وما أنفع جهودهم، وما أسعد الأمة بهم وأشد غبطتها، فمنهم البناة والهداة والسراة، وهم بهجة الدنيا، وزينتها ونعيمها. وإن الحديث عن الدعوة وهمومها وتطلعاتها، ووسائل نهضتها حري بالاهتمام والتأمل، ولا سيما حين يصدر عن ربيب للدعوة وإلف للدعاة، صاحب الفضيلة الشيخ ناجي بن دايل السلطان. فلقد سعدت بتصفح كتابه "دليل الداعية إلى الله تعالى"، وقرأ بعض ما تضمن من التوجيهات، والإرشادات وما جاشت به نفس

стр. 6

المؤلف من آمال، وتطلعات نحو إصلاح شأن الدعاة، وتصحيح سيرتهم وتعضيد كيانهم. وإني لأهنئ المؤلف على ما قام به من مجهود نافع، وعناية بالتنظيم والاستدلال والتوثيق. وأسأل الله تعالى له التوفيق والسداد، وأن يلهمه الثبات على على الحق والاستقامة عليه، وأن يحفظ قادة هذه البلاد، وولاة أمرها ويجزيهم خير الجزاء على ما قاموا به من دعم للدعاة، وتمكين للدعوة الإسلامية الصحيحة.. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. كتبه الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريان الرياض ٧/ ٣/ ١٤٢٠هـ

стр. 7

المقدمة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فإن الدعوة إلى الله من أفضل القربات، ومن أجل الطاعات، قال تعالى: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢. ويقول الرسول ﷺ لابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ عندما بعثه إلى خيبر: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعم" ٣. وعن ثوبان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٤.

стр. 8

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" ١. بهذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وغيرها في فضل الدعوة إلى الله، ووجوبها وضرورة القيام بها، رأيت أن أضع كتابًا واضح المعالم يحوي على إرشادات، ومعالم في طريق الدعوة خاصًّا بأعمال الدعوة والدعاة عله أن يستنير به كل داعية، كما يكشف هذا الكتاب عن الوسائل والأساليب، والطرق السليمة للدعوة إلى الله. كما أرجو أن يكون لبنة من اللبنات الصالحة لبناء الدعوة ورفع صرحها عالية خفاقة، ويكون نبراسًا يضيء الطريق ويسهل المسير للسالكين، ويزيل العوائق والعقبات التي صارت حجر عثرة في طريق الدعاة جعلت بعضهم يقف، وبعضهم يتراجع، فصار لكل شيخ طريقته، ولكل جماعة منهج، ولكل أمة من الأمم أسلوب، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، والطامة الكبرى أن بعضهم يقف حجر عثرة في طريق البعض الآخر. لكن ولله الحمد يوجد هنا، وهناك فئة مستمرة على الطريق الصحيح يسيرون بخطًا ثابتة، وحجة واضحة، جادون في المسير رغم العقبات، والصعوبات والعوائق، وهم أصحاب الهمة العالية الذين ينطبق عليهم قول الرسول ﷺ : "لا تزال طائفة" ٢. الحديث.

стр. 9

وفعلًا في وقتنا الحاضر ولله الحمد نرى ونسمع، رجالًا أفاضل: يدعون إلى الله، ويلاقون في دعوتهم ما لاقاه أسلافهم ممن سلك طريقهم، ونهج نهجهم في الماضي والحاضر ومع ذلك هم سائرون، فهي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، والدعوة إلى الله هي طريق المرسلين، وقد لاقى الأنبياء في ذلك ما لاقوا من العنت، والصد والإباء والاستكبار، من لدن نوح عليه الصلة والسلام إلى نبينا محمد ﷺ ومن جاء بعدهم من الدعاة، والمصلحين قد حصل هلم ما حصل من الإيذاء، والكيد فكن أخي الداعية من هذا الصنف الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد حاولت أن أسهل العبارة، وأختصر المقالة بقدر الاستطاعة حتى يسهل فهمه لكل قارئ، ويمكن استيعابه لكل سمع، وقد أسميته "دليل الداعية"، وقسمته إلى فصول تحت كل فصل ما يناسبه من الأبواب والموضوعات، ولا أقول: إنني أعطيت الموضوع حقه من البحث، لكني أدليت بدلوي مع الدلاء، وحاولت أن آتي بجديد، يجعل الداعية يحسن التعامل مع رئيسه والمسئولين عنه، ومع الزملاء في العمل ومع الحاكم والمحكوم، ومع الناس أجمعين، بأسلوب فيه سهولة ومرونة، ويسر وتعقل، خال من التعقيد المقيت، والمشادة والخلاف والنزاع الذي لا يأتي بخير، ولم أضع هذا الكتاب للمنتسبين للعمل في الدعوة والوعظ، والإرشاد فحسب، وإنما هو لجميع المسلمين العاملين لنصرة هذا الدين، أيا كان عملهم وحيثما كان موقعهم، فالمسلم يدعو إلى هذا الدين بقوله، وفعله بلسانه وسنانه، ينصر المظلوم ونشر العدل، هذا هو دأب المسلم الواثق من

стр. 10

وعد ربه، المتوكل عليه سبحانه، فإن الله جعل الرزق والأجل محدودين لكل إنسان، حتى لا تشغل هموم الرزق والأجل، وخشية الموت مؤمنا عن طاعة الله، فالرزق مضمون والأجل محدود، ونحن مكلفون أن نمارس منهاج الله في واقعنا الجديد على نفس النهج، والسنة التي رسمها رسول الله ﷺ ، وتبعه صحابته الأبرار وأئمة المسلمين، مرة أخرى أقول: هذا البحث عام، لا يخص المنتسبين لمكاتب الدعوة والوعظ فقط لكن مسئوليتهم أكبر، وعمل الدعوة مطلوب منهم أكثر من غيرهم؛ لأنهم قد فرغوا لذلك العمل، وأخذوا عليه أجرًا، يليهم في المسئولية العلماء والقضاة، وأئمة المساجد، والمسئولون عن التربية والتعليم: المعلم ومدير المدرسة وغيرهم من منسوبي وزارة المعارف "التربية والتعليم"، فمسئولية القيام بالدعوة ونشر هذا الدين وتعليمه، والصبر على الأذى فيه مسئولية الجميع، فلو أن كل واحد قام بما يجب عليه في محيطه، وفي مجتمعه وفي مكان عمله، وسكنه لم يبق جاهل بأمر دينه، فلنبدأ جميعًا: الإمام في مسجده، والعالم في مكانه، والقاضي في محكمته ومحيطه، والمدرس في مدرسته، وكذلك المتفرغون للدعوة وجميع منسوبي وزارات الشئون الإسلامية، فهي أهم مرفق ومديروها هم الذين يحركون الدعوة في الداخل والخارج. إن هؤلاء جميعا ليس لهم الخيار في أن يقوموا بهذا العمل أو يتركوه، فهو واجب على الجميع، أينما كانوا وحيثما حلوا، في أي زمان ومكان، وإن حصل التقاعس والسكون عن المنكرات حتى ظهرت واستشرى شرها وعم وطم ضررها، وركن الجميع إلى الدعة والراحة والسكون، فإن الله قد تكفل بتنحيتهم وتغييرهم بأفضل

стр. 11

منهم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ١ إذا عرف المسلم هذا فإن الداعية يهتم، ويشمر عن ساعده ويخوض غمار الدعوة، بل يغوص في أعماقها، إن الأمة الإسلامية قد ابتليت في العصر الحديث بتحديات كثيرة كادت أن تهدد هويتها، وظهرت هذه التحديات في صور شتى، فقد وجد من يدعو إلى التشكيك في القرآن الكريم، وصلاحية الشريعة الإسلامية ومبادئها للتطبيق، وسعى دعاة الهدم والإفساد إلى تشويه سيرة النبي ﷺ وأصحابه، ولم يقفوا عند هذا الحد بل سعوا أيضًا إلى إبعاد الحياة الاجتماعية عن القيم الإسلامية، فدعوا إلى ما سموه تحرير المرأة المسلمة عن طريق الدعوة إلى إلغاء الحجاب وغيره من المخالفات، والدعوات المنحرفة الكثيرة والكثيرة جدًّا، لذا فهي تحتاج إلى من يتصدى لها من أمثالكم أيها الدعاة المخلصون. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفق الدعاة في مشارق الأرض، ومغاربها إلى القيام بما أوجب الله عليهم من نشر هذا الدين والدعوة إليه، وأن يجمع شمل الدعاة على الحق، وأن يوحد كلمتهم ويؤلف بين قلوبهم، وأن يجعلهم هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ناجي بن دايل السلطان

стр. 12

الفصل الأول: صفات لا بد منها للداعية: ١- الإخلاص: لا بد للداعية إلى الله أن يجعل الإخلاص، والتجرد نصب عينيه، في القول والعمل، في السر والعلانية، وأن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن؛ لأنه صاحب رسالة وعليه مسئولية عظيمة قد شرفه الله بها، لذا ينبغي أن يكون هدفه إنقاذ البشرية، بهذا الدين الذي هو حياتها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢. فمهمتكم أيها الدعاة: هي مهمة الأنبياء والرسل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣، فالعمل في الدعوة من أشرف الوظائف وأجل الأعمال، وأعظم المهمات، فاحمدوا الله على هذا الشرف العظيم، وأدوا الأمانة التي حملتموها، فأنتم على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكم.

стр. 13

والإخلاص الذي يريده الله ، ويتوقف عليه قبول العمل هو إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة، وقصده بها دون سواه، وتجريد النية وتصفيتها من جميع الشوائب، لا يقصد بذلك المدح والثناء، أو أي معنى آخر سوى التقرب بها إلى الله : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ١. والإخلاص مصدره نية القلب، والنية هي معيار الأعمال ومقياسها العادل، فالطاعات تتفاوت بتفاوت النية: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢. وقبول العمل عند الله يكون بشرطين أساسيين: أ- الإخلاص لله وحده. ب- المتابعة للرسول ﷺ . فالداعية يجب عليه أن يبتغي بدعوته للأفراد والجماعات، وجه الله . كما يجب على الداعية أن يبتعد عن الرياء والسمعة، وأن يخلص العمل لله وحده، ولا يقصد من دعوته تكوين جماعة أو حزب، فإذا أخلص الداعية عمله لله، ورزق المدعو الاستقامة، فإن الله تعالى يكتب للداعية مثل أجر المدعو، ولا ينقص من أجره شيئًا. ففي الحديث: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه غير أنه لا ينقص من أجورهم شيئًا". الحديث٣. فأخلص أخي الداعية العمل لله. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٤، وعن أبي هريرة ﵁

стр. 14

قال: قال رسول الله ﷺ قال الله ﵎: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ١. فلا بد للداعية أن يجعل الإخلاص نصب عينيه أثناء قيامه بمهام الدعوة، وفي جميع أعماله، ومنها النصيحة فإنها طاعة وعبادة، والعبادة لا تقبل إلا إذا نوى بها وجه الله والدار الآخرة، فعملك معروض على الله لا تخفى منه خافية، فأتقن العمل فإن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه، ثم ثق ثقة تامة أن الله سوف يجازيك على عملك، فإن الأجير يأخذ أجره، إذا أتقن عمله وأنهاه بشرط أن يكون على المواصفات والشروط المطلوبة، فإن أخل العامل بشرط لم يستحق الأجر، فتنبه أخي الداعية، واجعل الإخلاص شعارك فإنه سبيلك إلى النجاح في الدنيا والآخرة، وأختم هذه الموضوع بقصة تبين أن قوة الداعية وتأثيره يمكنان في إخلاصه؛ لأنه يكون عندئذ موصولًا بالله القوي العزيز. كان عابد من العباد في الأمم السابقة، يعبد الله دهرًا طويلًا، فجاءه قوم فقلوا: إن ههنا قومًا يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فغضب لذلك وأخذ فأسه على عاتقه، وقصد الشجرة ليقطعها، فاستقبله إبليس في صورة شيخ، فقال: أين تريد ... رحمك الله؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة. قال: وما أنت وذاك؟ تركت عبادتك، واشتغالك بنفسك وتفرغت لغير ذلك.

стр. 15

قال: إن هذا من عبادتي. قال: فإني لا أتركك أن تقطعها. فقاتله، وما هي إلا لحظات، حتى طرحه العابد على الأرض، وقعد على صدره. فقال إبليس: أطلقني حتى أكلمك، فقام عنه فقال إبليس: يا هذا ... إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا، ولم يفرضه عليك، وأنت لا تعبدها، وما عليك من غيرك؟ ولله أنبياء في أقاليم الأرض، ولو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها. فقال العابد: لا بد لي من قطعها. ونابذه القتال، وتصارعا، فغلبه العابد ثانية وصرعه وقعد على صدره، فلما رأى إبليس عجزه وضعفه سلك طريق الاحتيال، وعلم أن هذا الرجل ما دام مخلصًا لله فلن تكون قوة في الأرض تغلبه، أو تثنيه عن عمله ... وبالفعل ... فقد لجأ إلى أن يغيير العابد نيته، وأن يريد غير الله وثوابه.. فقال له: هل لك في أمر فصل بين وبينك؟ وهو خير لك وأنفع؟ قال العابد: وما هو؟ قال إبليس: أطلقني حتى أقول لك، فأطلقه. فقال إبليس: أنت رجل فقير لا شيء لك.. إنما أنت كل على الناس يعولونك، ولعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وتواسي جيرانك، وتشبع وتستغني عن الناس؟ قال: نعم. قال: فارجع عن هذا الأمر، ولك علي أن أجعل لك في كل ليلة

стр. 16

دينارين تجدهما عند رأسك، إذا أصبحت أخذتهما، فأنفقت على نفسك وعيالك، وتصدقت على إخوانك، فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانها، ولا يغير عبادها قطعها شيئًا، ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك إياها. فتفكر العابد قليلًا فيما قال ... ثم قال: صدق الشيخ، وتعاهدا وحلف إبليس على الوفاء، ورجع العابد إلى صومعته، فبات فلما أصبح رأي دينارين عند رأسه، فأخذهما وكذلك في الغد مثل ذلك، ثم أصبح في اليوم الثالث وما بعده ولم يجد شيئًا، فغضب وأخذ فأسه على عاتقه ومضى إلى الشجرة يريد قطعها، فاستقبله إبليس في صورة شيخ، فقال له: إلى أين؟ قال: أقطع تلك الشجرة. فقال كذبت؟ والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك إليها. فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة، فقال: وما هي إلا لحظات حتى أخذه إبليس وصرعه، فإذا هو كالعصفور بين رجليه وقعد إبليس على صدره، وقال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك. فنظر العابد، فإذا لا طاقة له به. فقال: يا هذا. غلبتني فخل عني.. وأخبرني كيف غلبتك أولا وغلبتني الآن؟ فقال: لأنك غضبت أول مرة لله، وكانت نيتك الآخرة فغلبتني بقوة الله، وهذه المرة غضبت لنفسك وللدينار.. فصرعتك١.

стр. 17

فالعمل من غير إخلاص يضعف العزيمة، ويبطل العمل الصالح كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ : "أن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يقتتل في سبيل الله ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فإذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت: ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلانا قارئ فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسع عليك؟ حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد، قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذاك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل ذاك، ثم قال رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" ١. فقال معاوية ﵁ وقد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس، ثم بكى بكاءً شديدًا ثم قال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] .

стр. 18

٢- المعاملة الحسنة: من آداب النصحية اجتناب التشهير، بذكر أسماء من تنصحهم أو تعظهم، أو تدعوهم إلى الخير، ولا سيما إذا كانت الموعظة، أو النصحية من فوق المنبر، أو في الصحافة، أو الإذاعة، أو في الأندية الرياضية أو الثقافية، أو في الأشرطة أو النشرات؛ لأن ذكر الأسماء سيؤدي إلى التشويش والفوضى، وسيولد العناد في نفس المدعو، ويقطع عليه طريق الاستجابة ويسبب إثارة الأحقاد، والضغائن والبلبلة، والإنشغال بأمور لا فائة منها، إذًا لا داعي لذكر الأسماء كما هو واضح في منهج النبي ﷺ في الدعوة فقد كان يقول: "ما بال أقوام" ١. ومن حسن المعاملة أن يكون الداعية رفيقًا حكيمًا "وبمعنى آخر فإن الحكمة إتقان العلم، وإجزاء الفعل على وفق ذلك العلم، ومن شاء الله إتياءه هذه الحكمة -أي خلقه مستعدًّا لذلك قابلًا له، من سلامة التفكير واعتدال القوى، والطبائع- يكون قابلا لفهم الحقائق منقادًا إلى الحق إذا لاح له، لا يصده عن ذلك هوى ولا عصبية، ولا مكابرة ولا أنفة"٢. ومن المعاملة الحسنة النصيحة بالتي هي أحسن، وتكون بينك وبينه٣ وإلا صارت فضيحة. يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: "والنصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة، والشفقة عليه والغيرة

стр. 19

له وعليه، فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة، مراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه ... " انتهى كلامه ﵀. ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعبير إلا النية والأسلوب، وقد نهى النبي ﷺ عن التثريب، والتعنيف حتى في حالة الخطأ فعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها، ولا يثرب ثم إذا زنت فليجلدها، ولا يثرب ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولم بحبل من شعر" ١. يقول الفضيل: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير" وقد قيل: "من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيره"، وشتات من قصده النصحية ومن قصده الفضيحة، وعن المعاملة الحسنة يروي معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتونني، فلما رأيتهم يسكتونني سكت. قال: فلما صلى رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي ما ضربني ولا سبني. وفي رواية ما رأيت معلمًا قط أرفق من رسول الله ﷺ حيث قال: "إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير وقراءة القرآن" ٢. وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ

стр. 20

وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه جبذة حتى رأيت صفح، أو صفحة عنق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته فقال: "يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء"١. وفي الحديث عن عائشة ﵂ قالت: استأذن رهط من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال يا عائشة: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" قلت: أولم تسمع ما قالوا: قال: "قلت وعليكم" ٢ وفي رواية لمسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه". وقال ﷺ : "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه" ٣، وقصة الأعرابي الذي بال في المسجد مشهورة معروفة ظهر فيها الرفق، وحسن المعاملة من رسول الله ﷺ . وقد جاء أحد رجال الدعوة إلى جزار -وهو الذي يبيع اللحم- وقال له: صل يا حمار، فرد عليه الجزار: الحمار لا يصلي، وأخذ الساطورة يريد ضربه بها، لكنه هرب. وتأسف على عمله، وعرف أنه مخطئ، فتنكر وغير ثيابه، وأتى إليه مرة أخرى، وقال: السلام عليكم فرد ﵇ -وهو يفور غضبًا ويتميز غيظًا- فقال الداعية: هداك الله أما سمعت الأذان؟ هيا نصلي. فرد عليه بعد أن هدأت أعصابه قائلًا:

стр. 21

جزاك الله خيرًا، والله إنك أحسن من الذي جاءني قبلك يقول لي: صل يا حمار، فوالله لو وقف لضربته بهذه الساطورة. واستطاع الداعية بحكمته وأسلوبه الطيب أن يأخذه إلى المسجد، بعدها صار هذا الجزار من المحافظين على الصلوات الخمس لا تفوته فريضة في المسجد، بسبب المعاملة الحسنة والدعوة بالتي هي أحسن.

стр. 22

٣- كن قدوة: إن الناس ينظرون إلى الداعية بمنظار دقيق، فهو تحت المجهر، يلاحظون أفعاله وأقواله، ومعاملاته الخاصة والعامة، كما ينظرون إلى مظهره فهو المرآة لمخبره "فكل إناء بما فيه ينضح"، فيجب أن يكون المظهر موافقًا للمخبر، فإن الداعية في نظر الناس قدوة يقتدى بأفعاله وتصرفاته، فجدير بالداعية أن يكون على المستوى اللائق مقتديًا بالأنبياء، وأئمة الهدى، في سيرهم وفي منهجهم في الدعوة والسلوك، فهذا إبراهيم الخليل ﵊ قد جعله الله إمامًا للناس يقتدى به قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١. أخبر تعالى أن في ذريته، عاص وظالم لنفسه لا يستحق الإمامة، بنص قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ . ورأس الأمر وذروة سنامه، هو أن ندعو الناس بأفعالنا قبل أقوالنا، ولذلك لما تمنى الناس، تمنى عمر ﵁ رجالًا، أمثال أبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، قال ﵁: "فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله"، فكن أخي الداعية واحدًا من هؤلاء الذين تمنى عمر أمثالهم لإعلاء كلمة الله، وليكن همك الوحيد الدعوة إلى الله بعزيمة قوية، وتصميم يحمل صاحبه إلى العمل، على أن يأخذ نفسه بشيء من الحزم والعزم، ويروضها على ما يريده الإسلام، ويسعى لتطبيق ما يعلم على نفسه أولًا. ومن الشواهد البليغة على عظيم تأثير السلوك

стр. 23

ما تقرره كتب السيرة في صلح الحديبية الذي كان وقعه شديدًا على المسلمين: "لما انتهى أمر الصلح، أمر ﵊ أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم، وينحروا الهدي ليتحللوا من عمرتهم، فاحتمل المسلمون من ذلك همًّا عظيمًا، حتى إنهم لم يبادروا بالامتثال، فدخل ﷺ على أم المؤمنين أم سلمة وقال لها: "هلك المسلمون، أمرتهم فلم يمتثلوا" فقالت: يا رسول الله؟ اعذرهم فقد حملت نفسك أمرًا عظيمًا في الصلح، ورجع المسلمون من غير فتح، فهم لذلك مكروبون، ولكن يا رسول الله اخرج إلى الناس، وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت اتبعوك. فتقدم ﷺ إلى هديه فنحره، ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فلما رآه المسلمون تواثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا"، فبادر إلى التطيبق بحيث تكون داعية بأفعالك قبل أقوالك، ولا يغيب عن البال أن القدوة الحسنة لها تأثير عظيم في نفوس من تدعوهم، وكما قيل: حال رجل في ألف رجل أفضل من وعظ ألف رجل في رجل، فكن مثالا في الخير أسوة في السلوك، وإياك إياك والإنحدار.... فإن الذي ينحدر، ويهوي لن يستطيع الصعود، ولن يقدر أن يتسلق سلم الطاعات، فلا ينسى الداعية أن الناس ينظرون إليه نظر قدوة، على أنه مثلهم الأعلى الذي يرون في سلوكه مصداق ما يدعو إليه، فإن زل زلوا معه، فإن عاد إلى الصواب بعد ذلك قد لا يعودون؛ لأنهم فقدوا مصداقيته، ثم إن الناس لا ينظرون إلى خطأ الداعية أو العالم كما ينظرون إلى أخطاء العامة، فإن الخطأ من العالم وإن كان صغيرا يراه الناس في أعينهم كبيرا، وقد يستغله ضعاف الإيمان، أو من في قلوبهم مرض للنيل من الإسلام نفسه، فقد يستهزؤن بالعالم

стр. 24

أو الداعية مستخفين به وبدعوته، ويجعلونه حجة على الإسلام مع أن الإسلام حجة على الناس، وأخطاء الناس ليست حجة على الإسلام، ويكون سبب ذلك زلة العالم أو الداعية فاحذر أخي الداعية من أي زلة فإن لها عواقب وخيمة، ولنا في سلفنا الصالح القدوة الحسنة. والمثال على ذلك ما حصل من تمسك شديد، وعدم التنازل والثبات على الدين والمبدأ عند إمام أهل السنة الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في فتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون -وقد بسط القول في ذلك في سيرته- والداعية يكون قدوة في الورع؛ لأن الورع يجعله يترك كثيرًا من المباحات إن التبست عليه مع الحرام، ومن العلامات الأساسية للورعين شدة حذرهم من الحرام، وضعف جرأتهم على ما يجر إليه، فالورع الحقيقي كما وصفه يونس بن عبيد "الخروج من كل شبهة والمحاسبة عن كل طرفة عين"١. ورحلة الانحدار تبدأ بزلة قدم واحدة، والحريص على آخرته يجعل بينه، وبين الانزلاق وقايات تستره وتحميه. عن عبد الله بن العلاء قال: سمعت الخشني يقول: قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي ويحرم علي، قال فصعد النبي ﷺ وصوب فيَّ النظر فقال النبي ﷺ : "البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون" ٢. والورع يشمل الكتسب والمعاملات واللسان، وقد نظر ابن قيم الجوزية في أحاديث الرسول ﷺ . فوجد أنه جمعها في جملة واحدة

стр. 25

"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". فكن تقيًّا ورعًا تكن أعبد الناس، إن نجاح الداعية في دعوته يكمن في صدقه، وإخلاصه مع ربه وتطبيقه لأحكام الشريعة ظاهرًا وباطنًا سرًّا وعلانية بحيث لا يخالف فعله قوله، فإذا أمر بفضيلة كان هو أول المطبقين لها، وإذا نهى عن رذيلة كان أول المبتعدين عنها. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ١. وما أجمل قول الشاعر أبي السوداء حينما قال: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فإنهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

стр. 26

٤- كن صادقًا: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢، ما أحوج الداعية إلى هذا الخلق والتمسك به، والصدق يشمل كل ما يصدر عن الداعية من الأقوال، والأفعال والتصرفات الظاهرة منها والباطنة، فيكون صادقًا في مواعيده ومعاملاته، فلا يتأخر عن موعد المحاضرة أو الدرس، وإن حصل له مانع، عليه أن يعتذر في الحال، بأن يرسل نائبًا عنه، أو يتصل بالهاتف، أو يرسل من يخبرهم بالتأخير، ولا يترك الناس ينتظرون ويبدأ عندهم الهرج والمرج ويظنون به الظنون، والداعية إلى الله أحوج الناس إلى الصق في كل شيء، فالصدق منهج عام، وسمة من سمات شخصية الداعية في أقواله وأفعاله، والصدق في القول: تعبير عن شخصية واضحة، ومروءة عالية وشهامة وكرم، ولا يلجأ للكذب إلا لئيم الطبع خبيث النفس ضعيف الشخصية؛ والفطرة السليمة تستعيب الكذب وتستقبحه، ولذلك أجمعت الديانات السماوية على تحريمه وتجريمه، فما بالك بالداعية، أتراه يتصور صدور الكذب منه؟ أعتقد بمشيئة الله لا، ولكن قد يتوسع في التورية مما قد يظن السامع أنها كذب إذا فهم خلاف ما يقول. إن صدقنا في حمل دعوتنا هو الذي يجعل الناس يقبلون علينا

стр. 27

ويقبلون دعوتنا، إذا فالوسيلة الأولى لنجاح الداعية هي صدقه في حمل دعوته، وجديته في ذلك، وأن يكون الصدق في الأقوال، والأعمال منهجه وشعاره، وأن يكون حديثه عن معاناة، وقديما قيل: "الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان". والله سبحانه يجزي على الصدق كما يعاقب على الكذب قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ ١، والصدق من الأخلاق الأساسية التي يتفرع عنها غيرها، يقول الحارث المحاسبي: "واعلم -رحمك الله- أن الصدق والإخلاص أصل كل حال، فمن الصدق يتشعب الصبر، والقناعة والزهد والرضا والإنس، وعن الإخلاص: يتشعب اليقين والخوف، والمحبة والإجلال والحياء. والكذب ليس من أخلاق الرجال؛ لأنه منقصة وجبن، وكان العرب في الجاهلية يتحاشون الوقوع فيه، وإن من أشد الكذب إثما وأعظمه جرما أن يكذب على الله ورسوله، فينسب إلى دين الله ما ليس منه، ويدعي في الشرع بما لا يعلم، بأن يفتي الناس بدون علم ولا دليل شرعي، أو يختلق نصوصًا ليس لها أصل، أو يلوي عنق النص من القرآن، أو السنة ليوافق هواه ومبدأه، فهو كذب شنيع على دين الله، عن علي بن ربيعة قال: أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة قال: فقال المغيرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ٢، وعن

стр. 28

حفص بن عاصم قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"، وعن أبي هريرة مثل ذلك١. فليحذر الذين يبادرون إلى الفتوى بغير علم، وليحذر الذين يشيعون الأحاديث المنكرة، والموضوعة من المشاركة في الكذب على الله وعلى رسوله. وهل يكب الناس في النار على وجوههم، وقيل: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم، فقد تقوم صراعات وتثور فتن، وتتفرق جماعات وتضيع حقوق وتذهب أوقات دون فائدة بسبب كلمة طائشة، أو اتهامات غاضبة أو نقل لكلام خاطئ، ومنه الغيبة والنمية، والخوض في أعراض الناس في المجالس وغيرها، بل قد تكون فاكهة المجلس ومحور الحديث، فينبغي على الداعية حفظ لسانه عن مثل هذه المحرمات والتحذير منها. يفسر ابن حجر حفظ اللسان "بالامتناع عن النطق بما لا يسوغ شرعا مما لا حاجة للمتكلم به"، ويشير النووي إلى ما يعين المتكلم على حفظ لسانه فيقول: "وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه، فإن ظهرت مصلحته تكلم به وإلا أمسك لسانه"، "فالضابط الأساسي لحفظ اللسان الحذر من التسرع في الكلام، والتدبر والتفكر قبل إخراجه ووزن الكلمة في ميزان الشرع، وابتغاء المصلحة الشرعية وإلا فعليه أن يمسك لسانه". ومن حفظ اللسان حمايته من الخوض فيما لا يعني ولا يغني، فإن الرسول ﷺ قد وجه المسلم لاغتنام طاقاته فيما ينفع، وترك ما يضر ففي الحديث الصحيح: "إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا

стр. 29

"يعنيه" ١ ومن سوء استعمال اللسان أن يطلق له العنان، والأصل في اللسان الحفظ والصون قال ﷺ : "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع" ٢.

стр. 30

٥- العجب والغرور: قال الغزالي في كتابه: "إحياء علوم الدين" في تعريف العجب: "العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم"، فبناء على هذا التعريف أقول: إن الداعية أرفع وأسمى من أن يقع في الغرور، والعجب بعمله أو بقوله؛ لأن الداعية لا يريد من دعوته جزاءً ولا شكورًا، ولا تعظيمًا من أحد. ومعلوم أن العمل إذا دخله العجب، والرياء وحب المديح والظهور بطل. ومن المعلوم أن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أن يبدو منه احتقارهم أو استصغارهم، ولو كان ما يقوله حقًّا وصدقًا. إن الداعية الحق لا يصيبه اليأس ولا القنوط من صدود الناس ونفرتهم، بل هو دائم العمل والحركة حيثما حل وأينما كان. ولا ينشغل عن الدعوة إلى الله بالمجادلة، والتعصب للرأي مع إخوانه في طريق الدعوة، ومن واجب طلبة العلم والدعاة إذا تحاوروا فيما بينهم أن ينزع كل واحد منهم هذا المرض -العجب والغرور- من نفسه. ومن أسباب العجب والغرور: الإطراء والمديح في الوجه، دون مراعاة للآداب الشرعية المتعلقة بذلك، فهناك فريق من الناس إذا أطري ومدح في وجهه اعتراه خاطر أنه ما مدح إلا لأنه يملك من المواهب ما ليس لغيره، وما يزال هذا الخاطر يلاحقه، ويلح عليه حتى يصاب بالإعجاب بالنفس، ولذلك ذم الرسول ﷺ الثناء، والمدح في الوجه كما جاء في الحديث: عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثي في وجه المداحين التراب"١،

стр. 31

وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: مدح رجل رجلًا عند النبي ﷺ فقال: "ويحك قطعت عنق صاحبك مرارا، إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: "أحسب فلانا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا" ١، فلا تستكبر على أحد وتغتر بعلمك ومنزلتك عند الله، حتى حين ترى الفاسق فتستعلي عليه، وتعامله بأسلوب المتسلط المستكبر المستعلي. عن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: "من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت له وأحبطت عملك" ٢. واعلم أن العمل قد لا يقبل إذا عظم في عينك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣، ولهذا قال بعض السلف: "لو أعلم أن الله قبل مني تسبيحة لتمنيت أن أموت الآن"، والمستكبر المعبج بعمله صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يثني على أحد أو يذكره بالخير، وإن احتاج إلى ذلك شفعه ببعض عيوبه، فهيهات أن ينصاع أو يلين، وما ذاك إلا لمركب النقص في نفسه، ولهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد، والملاحظة بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل والضعف، ها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يحمل الراية ويحمل شعار: "رحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا"، فعليك أخي الداعية أن تحمل هم الدعوة، وأن يكون شعارك الإخلاص، وأن تبعد عن نفسك حب المدح والإطراء، وعلى الداعية إلى الله أن

стр. 32

يعمل ويجد حتى لو لم يجد تشجيعا، أو مناصرة أو مساندة من الزملاء في العمل أو من مرؤسيه؛ لأنه يعمل لله، والله هو الذي يعلم ويسمع ويرى لا تخفى عليه خافية من عملك فهو الرقيب عليك، فلا تنتظر مدحا أو إطراء أو تشجيعًا من أحد؛ لأن عملك ليس لهم، والجزاء المترتب على العمل ليس من عندهم، فماذا تنتظر منهم بعد ذلك؟ للأسف بعض ضعيفي النفوس والتي قعدت بهمالهمة يقول أحدهم: أصبت بالإحباط؛ لأن عملي مجهول بالنسبة للناس، فهو يريد الإطراء والمدح ويسميه تشجيعًا، وهذا في الواقع خطأ. والصحيح أنه إن أتى من الناس تأييد وموآزرة فحسن، وإن لم يحصل شيء من ذلك، فليس غريبًا وليس مثبطًا عن السير في هذا الطريق، بل عليك أن تسير بخطًا ثابتة، ويقين صادق واحذر العجب والغرور، فإنه مبطل للعمل. كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ : "أن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة ... ". الحديث١. فاحذر أخي الداعية من العجب والغرور، فإنه قد يدخل على نفس الداعية من حيث لا يشعر. "فمن مداخله: ١- أن يعجب الداعية كل العجب ببلاغته، وجمال منطقه وحسن إدارته وطلاقة لسانه. ٢- أن يغتبط ويسر ويفرح حين يتحدث الناس عن أعماله ونشاطه، ومدى أثره، وتأثيره فيصيبه الغرور. ٣- أن يعتقد الداعية أنه أصبح ذا شهرة علمية، وشخصية دعوية عالمية.

стр. 33

٤- أن يقتنع أنه إذا عالج في المجتمع مشكلة، أو أصدر في مجال العمل الإسلامي رأيًا لا يستطيع أحد أن ينحو نحوه، أو أن يأتي بمثله. ٥- أن يرى الناس يعظمونه، ويثنون عليه، ويقومون على خدمته. ٦- أن يجد المدعوين قد ازدحموا على درسه، ووثقوا به وتجمعوا حوله. إلى غير ذلك من هذه المداخل الشيطانية التي تجخل على نفوس بعض الدعاة، وتجعل منهم أناسًا يغترون بمواهبهم، ويعجبون بأنفسهم"١. "وقد يقول قائل: كيف يتحول بعض الدعاة من الإخلاص إلى المراءاة والمنافقة، ومن الولاء للإسلام إلى الولاء للفسوق، والكفر، والعصيان؟ وكيف ينحرفون وقد نشئوا في الدعوة، وتربوا على الإسلام؟ أقول: إن من أهم العوامل التي جعلت أولئك يتساقطون على درب الدعوة، وينحرفون عن طريق العمل الإسلامي، هو استشرافهم للزعامة، والوصول إلى السيادة، وتطلعهم إلى الرئاسة والجاه، فلما رأوا الطريق إلى تحقيق هذه الغاية طويلًا، والبلوغ إلى الرئاسة والجاه بعيدا، انحرفوا عن الجادة، وتحولوا عن المسيرة ليصيبوا دنيا زائلة، ويحظوا بزعامة فانية، وهكذا يفعلون"٢.

стр. 34

٦- لا بد أن تكون يدك ندية ١: الكرم والجود من صفات المسلم، بل من سنن الأنبياء، فقد ورد في القرآن الكريم، خبر إبراهيم ﵊ مع ضيوفه عند ما راغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين. وكان نبينا محمد ﷺ أجود من الريح المرسلة في الخير، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: "والله؟ لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي"٢. وعن أنس ﵁: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه". قال: "فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه. فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة"٣. ومن مظاهر الكرم والجود، الإهداء والهدية، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "تهادوا تحابوا" ٤ نعم إن الهدية تورث المحبة، ولها ذكرياتها الخاصة فينبغي للداعية أن لا يبخل بشيء من الهدايا، ولو كانت متواضعة وقليلة، فعلى الداعية إذا أراد أن يكسب قلوب الناس أن تكون يده ندية بتقديم الهدية، التي من شأنها أن تقرب الداعية إلى

стр. 35

قلوب الناس، وبالتالي يستطيع أن يملي عليهم ما يريد، ويكسب قلوبهم فيبوح المدعو بما لديه من آلام ومشاكل سببت له الحيرة والقلق، ينشد عندك أيها الداعية الحل والعلاج، الأمر الذي يجعلك تضع العلاج لمشاكله، وآلامه التي يعاني منها، وهنا تأتي فرصة الداعية، وهي ربط تلك القضايا بالدين، وأنه الحل الوحيد لكثير من القضايا الاجتماعية والمالية وغيرها، وعندها يستطيع الداعية غرس الإيمان في قلوب من يدعوهم، حتى يتمكن الإيمان من سويداء القلب، فيعيش الداعية والمدعو في ظلال هذا الإيمان، وتحت شجرته الوارفة الظلال، شعارهم العمل الدائب، والإخلاص لوجه الله . وبعد تمكن الإيمان يستطيع كل منهم أن يبذل، ويضحي وبين الكرم والتضحية ارتباط وثيق، وصلة قوية، فالمجاهد يجود بنفسه، وهذا غاية الجود، والمتحرر من شهوة المال يكون أقدر على الجهاد من البخيل بماله، وصاحب الكرم لا بد أن يكون شديد التوكل عظيم الزهد قوي اليقين. إن ديننا بماله من أهداف عظيمة يحتاج إلى النفوس الكريمة التي يفيض خيرها على الأقربين، واليتامى والمساكين، ومن الصفات المميزة لمن تأصلت فيه خصلة الكرم أنه لا يرد أحدا يسأله، وقد كان هذا حال رسول الله ﷺ ما سئل عن شيء قط فقال: لا، ومن أوجب الكرم معاملة الكرام بما يستحقون في الضيافة وغيرها، فقد ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" ١، وقد حث النبي ﷺ على الضيافة كمظهر من مظاهر الكرم، والجود: "من كان يؤمن بالله واليوم

стр. 36

"الآخر فليكرم ضيفه"، فأنت أيها الداعية أولى بأن تتلبس بهذا الخلق وهذه الصفة بل هذا النهج النبوي الكريم، واحذر البخل فإن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس. والمقصود بالبخيل كما عرفه صاحب عقبات في طريق الدعاة١ قال: "هو التقتير الشديد -مع السعة في الرزق- عن كل ما تتطلبه مسئولية الإنفاق العامة والخاصة، سواء ما يتعلق منها بنفقته على المجتمع في تحقيق تكاليفه، أوترميم كوارثه، أو دفع الاعتداء عنه". انتهى كلامه. فالبخل من الآفات القبيحة في المسلم، وخاصة إذا ظهرت في الداعية، وذلك حين يتقبل الهدية ولا يثيب عليها، ويعتاد الجلوس على الموائد، ولا يكافئ الداعين بمثلها، ويحث الناس على الإنفاق في سبيل الله، ولا ينفق في سبيل الله، وهذا الخلق وهو الشح والبخل يسبب النفور، ويستدعي القدح والذم، ولا سيما إذا كان الداعية محط أنظار الناس، ومعقد أملهم ورجاء ثقتهم. أذكر أننا زرنا مركزاً دعويًّا، وقد قدمنا من مسافات بعيدة، فلم يضيفونا، ولم يحتفوا بنا كما هو معروف ومألوف عند العرب حتى قبل الإسلام، فمثل هذا البخل لا يصلح ولا يليق بمسلم، فكيف بالداعية إلى الله. فإن الدعوة تريد منك يدًا ندية باذلة سخية، يدًا تمتد إلى كل من يحتاج العون، والمساعدة من إخوانك المسلمين، أنفق ينفق الله عليك، وتقرب إلى قلوب الناس بالكرم والجود، يكن له أثر وتأثير في قلوب الناس، ومن ذلك المكافأة لمن صنع لك معروفًا، فإن لم تجد فادع له، إن مكافأة من أحسن إليك خلق فطري، ولا يشكر الله

стр. 37

من لا يشكر الناس، وهذه الخصال الحميدة تجعل الداعية قريب من الناس محبوب في المجتمع، مقبول في دعوته، إن المكافأة أو الهدية ابتداءً لها وقع في النفس. ومن أهدى لك شيئًا فكافئه فإن لم تجد فادع له عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من استعاذ بالله بأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ومن استجاركم فأجيروه" ١ أيها الدعاة إلى الله تعالى أنتم أصحاب النفوس العالية، والهمم الرفيعة تحيون المعروف بين الناس، فلا تدعون محسنا إلا كافأتموه، ولا مسيئا إلا وجهتموه، وأرشدتموه إلى فعل الخير، وفي تقديري أن الداعية إلى الله إذا تدبر الآيات القرآنية، وأمعن النظر في الحاديث النبوية في ذم البخل والشح، والترف والإسراف، فإنه يربأ بنفسه أن يكون شحيحًا بخيلًا، بل ينهج في حياته المعيشية نهج الإسلام في دعوته إلى الوسطية والاعتدال، بل ينهج في بذله، وإنفاقه وأخذه وعطائه منهج الأسخياء الأتفياء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، وفي سبيل مصالح الدعوة الإسلامية، ذلك؛ لأن السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس. قال ﷺ فيما رواه الترمذي، عن أبي هريرة ﵁: "السخي قريب من الله قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار" ٢ إن الداعية، وهو وارث أخلاق النبوة حري به أن يتخذ البذل والعطاء خلقا له، والكرم والسخاء من سجاياه من غير إسراف ولا تبذير، ومن غير شح ولا تقتير.

стр. 38

٧- القول بلا علم: الداعية يصول ويجول، يدعو هذا ويلتقي بذاك، ويجلس في المجالس العامة، ويدعو أفرادًا وجماعات، يقوم بإعداد محاضرة، أو خطبة جمعة، أو إعداد ندوة أو المشاركة فيها، أو كتابة مقالة يلقيها في البث المباشر عبر إحدى وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة، وكثيرا ما يسأل الداعية في معظم هذه المناسبات وهذه اللقاءات. فلا بد أن يكون كيسا فظنًا، وأن يعرف من أين تؤكل الكتف -كما يقال- كما أن عليه أن يعرف ويتأكد مما يقول، وأن يزن ذلك بميزان الشرع والحكمة. فبعض الأسئلة مثلا، تستشف منها أن صاحبها لا يقصد الفائدة، وإنما يقصد منها التعجيز أو الإحراج، أو إيقاع الداعية في مشكلة اجتماعية أو سياسية، فينبغي للداعية أن يعلم هذا ولا يتسرع بالجواب إلا بعد معرفة الهدف من السؤال، ولا يتعجل بالكتابة أو المحاضرة، أو خطبة الجمعة إلا بعد أن يزنها بميزان الشرع، ولا يقوم بإصدار حكم إلا وهو موافق للشرع، وأن يكون لكل سؤال جواب يناسبه من الشرع، فالرسول ﷺ قد سئل سؤالًا واحدًا، وكان الإجابة متعددة. من ذلك على سبيل المثال، أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة في وقتها. وقال: لآخر. الجهاد في سبيل الله، وقال لثالث: بر الوالدين فإذا قصد السائل من سؤاله الفائدة، فلا بد من توضيح الجواب مقرونًا بالدليل من الكتاب والسنة ومن أقوال الأئمة الأعلام، وإذا كنت لا تعلم الإجابة، فقل: لا أعلم فمن قال: لا أعلم فقد أفتى. ولا غضاضة في ذلك. فقد سئل الإمام مالك عن عدة مسائل كثيرة، فأجاب على أربع،

стр. 39

وقال عن الباقي: لا أعلم، وكثير من الصحابة كانوا لا يتجرءون على الفتيا إلا للضرورة، وبعد التأكد من المسألة حتى تصبح عندهم مثل الشمس في رابعة النهار، أما محاولة الإجابة عن أي سؤال لا علم، بحيث تجعل السائل في دوامة، فلا تعطيه جوابًا صحيحًا واضحًا، بل تقول له كلامًا مبهما فيه لبس، وتلبيس قد يكون من تلبيس إبليس، لا يفهم منه شيء ولا يستفاد منه أية فائدة تذكر، هذا الأسلوب خطأ كبير، وأكبر منه أن تلوي عنق النص ليوافق هواك الخاطئ، فانتبه وتأكد قبل أن تقول على الله بلا علم، فتتعرض للوعيد الشديد. قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٢. فليس هناك أظلم ممن كذب على الله، وكذب بالصدق إذ جاءه. ويقول الرسول ﷺ : "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٣. فليحذر الذين يبادرون إلى الفتوى بغير علم، وليحذر الذين يشيعون الأحاديث المنكرة والموضوعة من المشاركة في الفتوى بغير علم.

стр. 40

٨- الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية: من الآداب التي يجب على الدعاة وطلبة العلم الاتصاف بها، عند المناصحة والمحاورة أن يحافظوا على صفاء القلوب والخواطر، أخذًا بقول من قال: "واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية"، وقدوتنا في ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فإنه لم ينشأ بينهم خلاف فيه هجر، وكراهة، فقد كان الاختلاف ينشأ بينهم أحيانا بأدب رفيع، وناقش جاد لا حاد، هدفهم الحق، فمتى اتضح الحق لأحدهم انصاع له، وفعلًا قد حصلت وحدثت بينهم محاورات ومناقشات كثيرة، ليس هذا مكان ذكرها، فليرجع إليها من أراد معرفة ذلك في كتب السير والمراجع وغيرها، ولا حرج أن تختلف مع عالم أو داعية، في رأي أو اجتهاد، متى كنت أهلًا لذلك، لكن الحرج كل الحرج، أن يتحول هذا الخلاف إلى معول هدم، وتنقص من قدر هذا العالم، والحط من مكانته والتشهير به وسوء الأدب معه، وإن حصل هذا من الدهماء والعامة، أو من أهل البدعة والضلال، فإنه لا يجوز بحال أن يقع من أهل السنة والجماعة، ومن طلاب العلم الشرعي ومن الدعاة خاصة، والخلاف باختلاف المقاصد، واختلاف الأحوال، شيء لا بد من حصوله، وهو الاختلاف في الرأي، وفي وجهات النظر وفي الأسلوب الأمثل للدعوة، فالخلاف الناشئ بين الأمم في العقائد، والأحكام والشرائع سبب في إرسال الرسل، وتوالي الكتب السماوية قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ١، ويكون الخلاف غالبًا في أمور الدين
следующие страницы →