← Общие книги

Общие книги · id 23103

دليل الداعية

ناجي بن دايل السلطان

Полный текст (239 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"الآخر فليكرم ضيفه"، فأنت أيها الداعية أولى بأن تتلبس بهذا الخلق وهذه الصفة بل هذا النهج النبوي الكريم، واحذر البخل فإن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس. والمقصود بالبخيل كما عرفه صاحب عقبات في طريق الدعاة١ قال: "هو التقتير الشديد -مع السعة في الرزق- عن كل ما تتطلبه مسئولية الإنفاق العامة والخاصة، سواء ما يتعلق منها بنفقته على المجتمع في تحقيق تكاليفه، أوترميم كوارثه، أو دفع الاعتداء عنه". انتهى كلامه. فالبخل من الآفات القبيحة في المسلم، وخاصة إذا ظهرت في الداعية، وذلك حين يتقبل الهدية ولا يثيب عليها، ويعتاد الجلوس على الموائد، ولا يكافئ الداعين بمثلها، ويحث الناس على الإنفاق في سبيل الله، ولا ينفق في سبيل الله، وهذا الخلق وهو الشح والبخل يسبب النفور، ويستدعي القدح والذم، ولا سيما إذا كان الداعية محط أنظار الناس، ومعقد أملهم ورجاء ثقتهم. أذكر أننا زرنا مركزاً دعويًّا، وقد قدمنا من مسافات بعيدة، فلم يضيفونا، ولم يحتفوا بنا كما هو معروف ومألوف عند العرب حتى قبل الإسلام، فمثل هذا البخل لا يصلح ولا يليق بمسلم، فكيف بالداعية إلى الله. فإن الدعوة تريد منك يدًا ندية باذلة سخية، يدًا تمتد إلى كل من يحتاج العون، والمساعدة من إخوانك المسلمين، أنفق ينفق الله عليك، وتقرب إلى قلوب الناس بالكرم والجود، يكن له أثر وتأثير في قلوب الناس، ومن ذلك المكافأة لمن صنع لك معروفًا، فإن لم تجد فادع له، إن مكافأة من أحسن إليك خلق فطري، ولا يشكر الله

стр. 37

من لا يشكر الناس، وهذه الخصال الحميدة تجعل الداعية قريب من الناس محبوب في المجتمع، مقبول في دعوته، إن المكافأة أو الهدية ابتداءً لها وقع في النفس. ومن أهدى لك شيئًا فكافئه فإن لم تجد فادع له عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من استعاذ بالله بأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ومن استجاركم فأجيروه" ١ أيها الدعاة إلى الله تعالى أنتم أصحاب النفوس العالية، والهمم الرفيعة تحيون المعروف بين الناس، فلا تدعون محسنا إلا كافأتموه، ولا مسيئا إلا وجهتموه، وأرشدتموه إلى فعل الخير، وفي تقديري أن الداعية إلى الله إذا تدبر الآيات القرآنية، وأمعن النظر في الحاديث النبوية في ذم البخل والشح، والترف والإسراف، فإنه يربأ بنفسه أن يكون شحيحًا بخيلًا، بل ينهج في حياته المعيشية نهج الإسلام في دعوته إلى الوسطية والاعتدال، بل ينهج في بذله، وإنفاقه وأخذه وعطائه منهج الأسخياء الأتفياء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، وفي سبيل مصالح الدعوة الإسلامية، ذلك؛ لأن السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس. قال ﷺ فيما رواه الترمذي، عن أبي هريرة ﵁: "السخي قريب من الله قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار" ٢ إن الداعية، وهو وارث أخلاق النبوة حري به أن يتخذ البذل والعطاء خلقا له، والكرم والسخاء من سجاياه من غير إسراف ولا تبذير، ومن غير شح ولا تقتير.

стр. 38

٧- القول بلا علم: الداعية يصول ويجول، يدعو هذا ويلتقي بذاك، ويجلس في المجالس العامة، ويدعو أفرادًا وجماعات، يقوم بإعداد محاضرة، أو خطبة جمعة، أو إعداد ندوة أو المشاركة فيها، أو كتابة مقالة يلقيها في البث المباشر عبر إحدى وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة، وكثيرا ما يسأل الداعية في معظم هذه المناسبات وهذه اللقاءات. فلا بد أن يكون كيسا فظنًا، وأن يعرف من أين تؤكل الكتف -كما يقال- كما أن عليه أن يعرف ويتأكد مما يقول، وأن يزن ذلك بميزان الشرع والحكمة. فبعض الأسئلة مثلا، تستشف منها أن صاحبها لا يقصد الفائدة، وإنما يقصد منها التعجيز أو الإحراج، أو إيقاع الداعية في مشكلة اجتماعية أو سياسية، فينبغي للداعية أن يعلم هذا ولا يتسرع بالجواب إلا بعد معرفة الهدف من السؤال، ولا يتعجل بالكتابة أو المحاضرة، أو خطبة الجمعة إلا بعد أن يزنها بميزان الشرع، ولا يقوم بإصدار حكم إلا وهو موافق للشرع، وأن يكون لكل سؤال جواب يناسبه من الشرع، فالرسول ﷺ قد سئل سؤالًا واحدًا، وكان الإجابة متعددة. من ذلك على سبيل المثال، أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة في وقتها. وقال: لآخر. الجهاد في سبيل الله، وقال لثالث: بر الوالدين فإذا قصد السائل من سؤاله الفائدة، فلا بد من توضيح الجواب مقرونًا بالدليل من الكتاب والسنة ومن أقوال الأئمة الأعلام، وإذا كنت لا تعلم الإجابة، فقل: لا أعلم فمن قال: لا أعلم فقد أفتى. ولا غضاضة في ذلك. فقد سئل الإمام مالك عن عدة مسائل كثيرة، فأجاب على أربع،

стр. 39

وقال عن الباقي: لا أعلم، وكثير من الصحابة كانوا لا يتجرءون على الفتيا إلا للضرورة، وبعد التأكد من المسألة حتى تصبح عندهم مثل الشمس في رابعة النهار، أما محاولة الإجابة عن أي سؤال لا علم، بحيث تجعل السائل في دوامة، فلا تعطيه جوابًا صحيحًا واضحًا، بل تقول له كلامًا مبهما فيه لبس، وتلبيس قد يكون من تلبيس إبليس، لا يفهم منه شيء ولا يستفاد منه أية فائدة تذكر، هذا الأسلوب خطأ كبير، وأكبر منه أن تلوي عنق النص ليوافق هواك الخاطئ، فانتبه وتأكد قبل أن تقول على الله بلا علم، فتتعرض للوعيد الشديد. قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٢. فليس هناك أظلم ممن كذب على الله، وكذب بالصدق إذ جاءه. ويقول الرسول ﷺ : "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٣. فليحذر الذين يبادرون إلى الفتوى بغير علم، وليحذر الذين يشيعون الأحاديث المنكرة والموضوعة من المشاركة في الفتوى بغير علم.

стр. 40

٨- الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية: من الآداب التي يجب على الدعاة وطلبة العلم الاتصاف بها، عند المناصحة والمحاورة أن يحافظوا على صفاء القلوب والخواطر، أخذًا بقول من قال: "واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية"، وقدوتنا في ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فإنه لم ينشأ بينهم خلاف فيه هجر، وكراهة، فقد كان الاختلاف ينشأ بينهم أحيانا بأدب رفيع، وناقش جاد لا حاد، هدفهم الحق، فمتى اتضح الحق لأحدهم انصاع له، وفعلًا قد حصلت وحدثت بينهم محاورات ومناقشات كثيرة، ليس هذا مكان ذكرها، فليرجع إليها من أراد معرفة ذلك في كتب السير والمراجع وغيرها، ولا حرج أن تختلف مع عالم أو داعية، في رأي أو اجتهاد، متى كنت أهلًا لذلك، لكن الحرج كل الحرج، أن يتحول هذا الخلاف إلى معول هدم، وتنقص من قدر هذا العالم، والحط من مكانته والتشهير به وسوء الأدب معه، وإن حصل هذا من الدهماء والعامة، أو من أهل البدعة والضلال، فإنه لا يجوز بحال أن يقع من أهل السنة والجماعة، ومن طلاب العلم الشرعي ومن الدعاة خاصة، والخلاف باختلاف المقاصد، واختلاف الأحوال، شيء لا بد من حصوله، وهو الاختلاف في الرأي، وفي وجهات النظر وفي الأسلوب الأمثل للدعوة، فالخلاف الناشئ بين الأمم في العقائد، والأحكام والشرائع سبب في إرسال الرسل، وتوالي الكتب السماوية قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ١، ويكون الخلاف غالبًا في أمور الدين

стр. 41

والدنيا صغيرها وكبيرها، ولعل من أسباب ذلك تباين الطبائع فالناس مختلفون في عقولهم، وأفهامهم وفي ميولهم ورغباتهم، وفي تنشئتهم وثقافاتهم ناهيك عن اختلاف الهمم، فعلى الدعاة والحالة هذه مراعاة الآداب الشرعية في ذلك. لكن الداعية مطلوب منه موقف شرعي مرجعه الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ١. وفي هذه الآية الفصل الحق لمن أراد الحق من الخلاف. وهناك أمور خلافية رفع بعض الدعاة شعارها، وحمل رايتها وأخذ يدعو لها ويدافع عنها؛ ألا وهي ما يسمى بالوحدة الوطنية وجمع الكلمة ونسيان الخلاف، دون تحديد ضابط دقيق لمن يمكن الوحدة معهم، ومن تجب مفاصلته لبدعته وضلالته وانحرافه، وفي الطرف الآخر هناك من يبالغ في الشروط، حتى إنه ليريد من الناس أن يوافقوه في كل شيء حتى في اجتهاداته الشخصية الفردية، وآرائه الخاصة، فإذا خلفه أحد في ذلك أعرض عنه، بل يتخذ منه موقفًا مناوئًا لا يقيم له وزنًا ولا يرى له قدرًا، بينما العدل، يقتضي تقبل الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه، كالوسائل في الدعوة، والفرعيات، وبعض الأحكام التي اختلف فيها العلماء السابقون، أما التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة، والانحرافات الجوهرية، بحجة توحيد الصف وجمع الكلمة فمسلك خاطئ، يختلط فيه الحابل بالنابل، والحق بالباطل، ومعلوم أنه لا يجتمع حق وباطل في خندق واحد،

стр. 42

بل لا بد من التميز، ليميز الله الخبيث من الطيب. فتنبه لهذا وكن على حذر من أمرك، فما أحوج طلبة العلم وشباب الدعوة إلى أن يتأدبوا بآداب الإسلام الشرعية، ويتخلقوا بأخلاق الرسول ﷺ والصحابة وسلف الأمة في مناصحتهم لولاة المسلمين وعامتهم. دون التشهير وإثارة الخلاف. كما على الدعاة أن يتحلوا أيضًا بهذه الصفات الشرعية والأخلاق النبوية فيما بينهم إذا تحاوروا في مسألة من المسائل الشرعية، حفاظا لأنفسهم من الوقوع في الفتنة والتشهير والجدال والخصام. قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١. فالتنازع والنزاع، والاختلاف شر كله، ومذهب للقوة، ومسبب للضعف وللشحناء والبغضاء، وقاتل للوقت ومضيع للجهد، ومفرق للجماعة، ومضعف لجهودها، بينما ينتج عن التطاوع -وهو الاستعداد من الطرفين بالتنازل عن بعض الأمور- الألفة، والقوة، والمحبة، والتعاون، والراحة النفسية، وكثرة الإنتاج، والرخاء في المعيشة، وخلق التطاوع كان واضحا بين الصحابة، وقد كان من دعائه ﷺ كما روت عائشة ﵂ عندما سألها عبد الرحمن بن عوف بأي شيء كان نبي الله ﷺ بفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبرائيل، وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات، والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ٢. وأخطر ما يكون التنازع في

стр. 43

مواقف الجهاد والدعوة. ولذلك كان من وصاياه ﷺ لمعاذ وأبي موسى الأشعري قبل إرسالهما إلى اليمن قال: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا" ١. ويكون محرجا عند ما يتنازع داعيان فاضلان حول مسألة شرعية، والناس بأعينهم ينظرون، وقد قال النبي ﷺ : "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" ٢، وكان من هديه ﷺ عندما يسوي صفوف الصلاة أن يقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" ٣، تأمل أخي الداعية حتى الاختلاف في صفوف الصلاة قد ينعكس أثره على تأجيج اختلاف القلوب، وكلما كان احتكامنا للشرع صالحًا نكون أبعد عن مهاوي الفرقة والاختلاف، فيجب على عقلاء الأمة، وأصحاب الرأي والعلم دفع كل خلاف، وفض كل نزاع، والمبادرة إلى الأخذ بكل ما يوحد الصفوف، ومن ذلك فعل عمر ﵁ في مبايعة أبي بكر عندما كثر اللغط قال: أمدد يدك أبايعك فتتابع الناس، ويكون بهذا العمل كما قيل في المثل: "قطعت جهيزة قول كل خطيب". لا شك أنه كلما زادت الروابط بين أفراد فريق العمل الواحد كلما زاد تماسكه، وكلما زاد تماسكه زادت قوته في التأثير على أفراد المجتمع، فقد دلت الأبحاث على أن كثيرًا من الأفراد ينصاعون لرأي الجماعة المتماسكة حتى ولو كان ذلك مخالفًا لرأيهم، فقرار الجماعة المؤمنة من أقوى القرارات في تعديل بعض الاتجاهات المخالفة، وتلافي السلبيات، ومما يعين على المطاوعة والتنازل، التزام حدود

стр. 44

الشرع وطاعة الأمير، وقد يكون أمر أميرك -في عمل أو سفر- مخالفا لما تميل إليه، فعليك طاعته، فإن ذهب كل امرئ حسب هواه فسنرى اختلافًا كثيرًا، وإن أطاع أميره وتنازل عن رأيه فتلك هي السنة، وإنما يكون هلاك الأمة باختلافها كما جاء في الحديث الصحيح: "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" ١. وينبغي أن يدرك الداعية أن الله الذي رضي الإسلام دينًا خلق عقول الناس، وأفهامهم متفاوته فنشأ الخلاف، لكن المحذور في الخلاف أن ينشأ عن هوى أو ممن لم يستكمل أهلية الاجتهاد الشرعي وشروطه. أما الاختلاف بين من استكملوا أهلية الاجتهاد الشرعي، وشروطه فهذا أمر عادي لم ينكره الشرع ففي الحديث الصحيح عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ٢. وقد أقر الرسول ﷺ الاجتهاد الناشئ عن الاختلاف في فهم النص، فعندما قال للصحابة بعد غزوة الأحزاب: "لا يصلين أحدكم العصر إلا بني قريظة" ٣. فهم بعض الصحابة أن الأمر للحث على السرعة في المشي وصلوا العصر قبل غروب الشمس، وفهم البعض الآخر أن وقت العصر الشرعي أصبح في هذا اليوم حين يصلون إلى بني قريظة وصلوه بعد وقته الأصلي، وبعد أن غربت الشمس ووصلوا

стр. 45

إلى بني قريظة، وأقر ﷺ الفريقين ولم ينكر على أحدهما. "إن مما يحقق الهدف المرجو أن يقوم تفاهم، وتعاون بين الدعاة إلى الله وتنسيق في خطواتهم، حتى يكمل بعضهم بعضًا. علما أن واجب الدعوة ونشر دين الله لا يتم إلا بقيام متفرغين١، عندما يتوفر المتفرغون، فإن التفاهم فيما بينهم يكون أمرًا ميسورًا، وعندما تضمن وجود أناس متفرغين للدعوة في كل بلد من بلاد المسلمين نستطيع أن نطمئن إلى أن الواقع الحالي آخذ بالتغيير"٢. وأخيرًا نقول: إن الخلاف أمر حذرت منه الشريعة، وإن كان الخلاف موجودًا فينبغي أن لا يفسد الود ولا يمنع التعاون على البر والتقوى بين الدعاة وغيرهم، "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك".

стр. 46

٩- الداعية صاحب همة: والهمة تقتضي المبادرة في فعل الخيرات، والثبات عليها والاستمرار دون ملل أو سأم والدوام على ذلك، وهذا دأب رجال الدعوة إلى الله تعالى في كل زمان ومكان، عن علقمة قال: قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يختص من الأيام شيئا؟ قالت لا: "كان عمله ديمة وأيكم يطيق ما كان النبي ﷺ يطيق" ١. وضده التأخير والتسويف، صورة من صور الضعف البشري التي قد تعتري صاحب الهمة العالية فيفوته خير كثير، وهذا ما أحرق قلب كعب بن مالك، إذ فاته الغزو مع رسول الله ﷺ ، عاش بعدها كعب فترة من العذاب النفسي خمسين يومًا من الهجران إلى أن نزلت توبته من فوق سبع سماوات، عاش على ذلك الضيق نتيجة تباطؤ وتسويف انزلق إليه، وكلما ضعف الإيمان ضعفت الهمة عن فعل الطاعات، فكن أخي الداعية صاحب همة عالية، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تكل ولا تمل، فأنت صاحب همة عالية وهدف نبيل، كما أنك صاحب رسالة سماوية تسير على هدى ونور من الله تعالى، فإياك إياك أن تخبو جذوة الإيمان في قلبك فتهلك وتهلِك، وصاحب الهمة العالية يستمر في المسير ولا يتوقف في تبليغ دعوة الله تعالى، ونبذ العزلة والانطواء، ثم متابعة المسيرة في إعزاز دين الله تعالى، ومن الأمثلة على ذلك. أبو بكر ﵁، صاحب الهمة العالية، والقلب الكبير فقد روت لنا كتب التأريخ

стр. 47

والسير بعد وفاة النبي ﷺ صموده حيث قال قولته المشهورة: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة، بعد أن تولى أبو بكر ﵁ الخلافة، فبعد بيعته ﵁، عظم الخطب واشتد الحال، ونجم النفاق، وارتد من ارتد من أحياء العرب، وظهر مدعو النبوة، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وأصبح المسلمون كما يقول عروة بن الزبير ﵁: "كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم، وقلة عددهم وكثرة عدوهم. حتى وجد من المسلمين من قال لأبي بكر ﵁: "يا خليفة رسول الله أغلق بابك، والزم بيتك، واعبد ربك حتى تأتيك اليقين". أي الموت، ولكن خليفة رسول الله ﷺ صاحب الهمة العالية والقلب الكبير الثابت الذيث يستمد قوته من خالقه، ومعبوده قاهر الجبابرة وكاسر الأكاسرة، لم يصب بعجز ولم يستحوذ عليه قنوط ولا يأس، وإنما واجه هذه الأحداث الجسام كلها بإيمان راسخ وعزيمة ثابتة، وشجاعة نادرة، وتفاؤل عظيم. "وهو الذي قال للدنيا في غمرة الفتن، والأحداث "لا ينقص الدين وأنا حي"، فهو صاحب همة عالية وعزيمة راسخة، وهو الذي قال لعمر ﵁ حين جاءه يعارضه في قتال مانعي الزكاة: "مه يا عمر: رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك، أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟؟؟ ماذا عسيت أن أتألفهم بسحر مفتعل أم بشعر مفترى؟ هيهات هيهات؟؟ مضى رسول الله ﷺ وانقطع الوحي، فوالله لأجاهدنهم ما استمسك السيف

стр. 48

في يدي، ولأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فوالله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه". فقال عمر: "ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق فلم يزل صاحب الهمة أبو بكر ﵁ يخطط ويعمل، ويجاهد ويجند الجيوش ويبعث البعوث، ويقضي على الفتن، حتى استطاع بتوفيق من الله أن يتغلب على الصعاب، وأن يخمد الثورات، ويمحق المرتدين، ويقاتل مدعي النبوة، ويحارب مانعي الزكاة.. وأن يعيد للمسلمين عزتهم، ولليائسين تفاؤلهم، وللإسلام دولته، وللخلافة هيبتها؟؟ "١. وهكذا يصنع صاحب الهمة العالية صاحب الإيمان القوي الراسخ المعجزات، ويخمد الثورات بنصر من الله، حري بأصحاب الدعوة إلى الله أن يكونوا من هذا الصنف في المضي في الدعوة إلى الله تعالى مهما كانت الظروف، ومهما كانت العقبات، فالداعية بحكمته ولباقته يستطيع بإذن الله تعالى تذليل الصعاب، ومعالجة الخلافات التي قد تعترض طريق الدعاة، فطرق الدعوة كثيرة، ومجالاتها متعددة، فكلما أغلق باب من أبواب الدعوة، أوسد طريق من طرقها فتح الله لك غيره، بل قد يكون خيرًا منه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، والله هو المدبر والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 49

١٠- من خلق الداعية التواضع والقناعة: وخلق التواضع من الأمور الأساسية للداعية، بل لكل مسلم، فهو خلق عظيم أمر به القرآن الكريم، وتخلق به النبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١ فخلق التواضع من الأمور المهمة للداعية إلى الله تعالى، ومن التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه، وكثيرًا ما تثور بين الأقران، والأنداد روح المنافسة والتحاسد، ربما استعلى الإنسان على قرينه، وربما فرح بالنيل منه، والحط من قدره وشأنه، وعيبه بما ليس فيه، أو تضخيم ما فيه، ومن التواضع معرفة قدر النفس بألا ينظر الداعية إلى عمله ويكبر في عينه، ومن التواضع التواضع مع من هو دونك، فإذا وجد الداعية من هو أصغر منه سنًّا أو أقل منه قدرا فلا يحقره، بل يتواضع له -فمن تواضع لله رفعه. ومن التواضع قبول النصيحة من أي إنسان، فإن الشيطان يدعوك إلى ردها، وسوء الظن بالناصح. والتواضع لعامة الناس قد أمر الله به في محكم التنزيل قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ ٢. ومعنى ذلك أن من أوصافهم، أنهم يرأفون بالمؤمنين، ويرحمونهم ويلينون لهم الجانب، ويغلظون على الكفار ويعادونهم، والمؤمن

стр. 50

الشديد على الكفار يتراحم مع المؤمنين، واللائق بالمؤمن العزيز على الكفار، أن يتعامل بالذل مع المؤمنين ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقد كان عمر الفاروق ﵁ يدرب ولاته على الذلة للرعية، وينهاهم عن إذلال الناس، كما يعلم الناس أن يعيشوا كرامًا، ومما جاء في خطبة له: "ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده إذا لأقصنه منه.. ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم"٢. وفي خلق التواضع الاعتراف بالخطأ، والرجوع عنه عندما يتضح لك ذلك، ويعبر عن ذلك ابن القيم: "من أساء إليك ثم جاءك يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته -حقًّا كانت أم باطلًا- وتكل سريرته إلى الله تعالى، وعلامة الكرم التواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه"٣. وليس من خلق التواضع إذلال الناس، فمن أذلك عباد الله، فقد أعلن الحرب على الله قال: في الحديث القدسي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ قال الله : "من أذل لي وليًّا فقد استحل محاربتي، وما تقرب إلي عبدي بمثل الفرائض، وما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته ... " الحديث٤ إن الداعية

стр. 51

وهو يتصدر قيادة الناس وتوجييهم، وكسب قلوبهم لا بد أن يتمتع بقدر كبير من التواضع، ولذلك أمر الله تعالى نبيه بقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا أردت أن تكسب أنصارًا لدعوتك، ومتبعين لمنهج الحق، فعليك بالتواضع، واحذر العجب والكبر. يقول الفضيل بن عياض: "تواضع المؤمن بأن يخضع للحق، وينقاد له، ويقبله ممن قاله"، وهذا الخضوع للحق هو عين التواضع والعز؛ لأنه طاعة لله ورجوع إلى الصواب، وتعويد للنفس أن لا تصبر على باطل؛ عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ما نقصت صدقة مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" ١، ما أكثر هذه الخصال في الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وما أقلها في وقتنا الحاضر الذي نشأ فيه التعصب المقيت للأشخاص وللمذاهب والطرق، وهذا ناتج عن ضعف الإيمان بما تحويه هذه الكلمة من معان كثيرة، ومن الصفات الملازمة للداعية القناعة بما في يده، ولا تنال قناعة إلا بمجاهدة النفس مع توفيق من الله، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله" ٢، والزهد فيما في أيد الناس يحبب المرء إليهم، وفي وصية موجزة، قال الرسول ﷺ : "من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله، ومن يصبر يصبر الله.." الحديث٣، ومن أسباب القناعة، أن ينظر المرء

стр. 52

إلى من هو دونه ليعرف نعمة الله عليه، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" ١. ومن التواضع حفظ اللسان عن مدح النفس، واطرائها فمن تواضع لله رفعه.

стр. 53

١١- الثبات على المبدأ: الثبات على المبدأ: المقصود به الاستمرار في طريق الهداية، والدعوة والالتزام بمقتضيات هذا الطريق، والمدوامة على الخير، وتحمل التبعات المترتبة على ذلك، وللثبات على طريق الدعوة صور منها: ١- الاستمرار والثبات في طريق الدعوة ليل نهار، سرًّا وعلانية، جماعية وفردية، على شكل زيارات وتنقلات للأقارب وغيرهم، إنها دعوة عالمية؛ لأن هذا الدين عالمي، لا يحده مكان، ولا يختص بزمان دون زمان، وليس مقصورًا على جنس ولا شعب دون شعب، ولا لون دون لون، لذا كان مجالك أيها الداعية واسعا، فكل أرض أرضك تدعو فوق كل أرض، وتحت كل سماء وفوق كل ماء، لا تحد الداعية حدود، ولا توقفه رسوم أو حواجز أو أسوار ولا تثبطه عقبات. ٢- الثبات في الشدائد، والأزمات كما ثبت الربيون الكثير مع أنبيائهم مثل ثبات الفئة الصابرة مع طالوت، وثبات الصحابة مع النبي ﷺ في غزواته الكثير وفي أزماته العديدة، ومن الكبائر في الدين الفرار من الزحف، قال ﷺ : "إياك والفرار من الزحف، وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موت، وأنت فيهم فاثبت" ١؛ ولأن الثبات على المبدأ وعلى هذا الدين والدعوة إليه، وتعلمه وتعليمه للناس فضيلة تشغل فكر المسلم، وقد كان من هديه ﷺ أنه يكثر من

стр. 54

الدعاء بالتثبيت على هذا الدين والدعوة إليه، ويخشى على نفسه في مواجهة الجاهلية أن يداهن أو يلين، ولذلك خاطبه ربه بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ١. هذا هو حبيب الله وصفيه من خلقه يأتيه التهديد الشديد من السماء محذرًا إياه أنه لو ركن إلى الكفار ولو شيئًا قليلًا، لجاءه العذاب، فاحذر أخي الداعية وأنت تواجه ظلما قد انتشر، وهوى متبعا واستبداد كل ذي رأي برأيه، أن تغيير أو تبدل ولاءك وانتماءك من هذا الدين العظيم إلى غيره من الولاءات والطرق، والأهواء والمجاملات والمداهنات، والتنازلات على حساب الدعوة فتضل وتضل، فقد كان أهل الكتاب من يهود ونصارى يكيدون لهذا الدين من طلوع شمسه إلى يومنا الحاضر، فيتظاهرون بالدخول فيه، ثم يرتدون ليرتد معهم آخرون. قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢. لكن القرآن فضحهم وكشف مخططهم الإجرامي الخبيث ضد هذا الدين وأهله. فمن ينبري لهم الآن وينذر نفسه لكشف عوارهم، وفضح مخططاتهم الإجرامية ضد هذا الدين وأهله التي تحاك، وتبرم في مؤتمراتهم السرية، والعلنية بل موآمراتهم وخلواتهم إلى شياطينهم السرية، والمعلنة أحيانا ضد المسلمين، والكيد لهذا الدين العظيم، من غيرك أخي الداعية يتصدى لهذا الكيد؟، إن هذا واجبك أن تبصر إخوانك المسلمين بما

стр. 55

يحاك ضدهم قبل فوات الأوان، وقبل نزول القارعة بتنفيذ وتطبيق المخططات الإجرامية للقضاء على أغلى شيء لديك وهو دينك وعقيدتك، ولا تكن النملة أفقه منك عندما أنذرت قومها بخطر داهم، فصاحت في جماعتها وقومها أن يدخلوا بيوتهم، ويتحصنوا فيها خوفًا من هذا الخطر القادم، وهو سليمان وجنوده، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ١. إن عليك أخي الداعية واجب عظيم، وهو الذب عن هذا الدي والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، والاستمرار على نشر تعاليمه السمحة لجميع البشر، والثبات على المبدأ القويم، والصراط المستقيم، فالعمل الدائب هو منهج الأنبياء والمصلحين إلى يوم القيامة، واحذر التغيير أو التبديل في المنهج فإنه خطر عظيم. والتغيير والتبديل في سنة رسول الله ﷺ سبب لمنع هؤلاء المغيرين، والمبدلين من ورود الحوض والوصول إليه والرسول ﷺ يقول: "يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيدعوا عليهم بقوله سحقًا سحقًا". عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا: يا رسول الله أولسنا إخوانك، قال: أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك، فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل

стр. 56

"غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله"، قالوا: بلى يا رسول الله قال: "فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقًا سحقًا" ١. وفي رواية أخرى يقال له: "والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم". فاحذر أن تكون من هذا الصنف فتحرم خيري الدنيا والآخرة، لكن الداعية إلى الله وهو على طريق البناء، والإصلاح قد يصاب بشيء من الضعف البشري، فيتعرض لمرض من أمراض القلب، أو آفة من آفات النفس أو نزغة من نزغات الشيطان، فيزل بعد نهوض، أو يضل بعد هدى أو يرائي بعد إخلاص، أو يغضب بعد حلم، أو يفتر بعد عزيمة، أو يبخل بعد كرم، أو يتشاءم بعد تفاؤل، أو يسكت بعد جرأة، أو يجبن بعد شجاعة، أو يعجز بعد صبر، أو يتعاظم بعد تواضع، فإذا أصيب الداعية -لا سمح الله- بهذه الآفات أو ببعضها، ولم يسارع إلى التخلص منها ومعالجتها، فإنه أشد ما يخشى عليه أن تزل قدمه بعد ثبوتها، أو أن يتساقط على طريق الدعوة، أو أن ينحرف عن جادة الإسلام وهو يحسب أنه يحسن صنعًا؟؟ إن الثبات على المبدأ مظهر بارز للاستقامة؛ لأن المذبذب المتقلب لا يقدر على الثبات، ولا يقوى على الاستقامة، والقول الجامع للثبات: هو عندما سئل ﷺ عن حقيقة الإسلام قال: "إيمان وثبات". وعندما سئل أيضًا قل ليس في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" ٢.

стр. 57

١٢- والله إني لأحبك . من صفات الداعية التفاني في العمل، وإظهار الحب للناس وخاصة إخوانه المؤمنين وحب الخير لهم، نحن بحاجة إلى داعية يملك قلبًا يتحرق على واقع الإسلام والمسلمين، وعلى أوضاع الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، يعطف على إخوانه، ويحقق قول الحق : ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١، وقول رسوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٢ هكذا يكون المؤمن الداعية، يعيش هموم الدعوة ويسلك الطرق، والوسائل التي تقربه من الناس وتجعل حديثه مقبولًا، ومن ذلك إظهار الحب للناس وإيصال الخير لهم، بما يقدمه من علم نافع، وتوجيهات صائبة تكون لهم معالم في الطريق إلى الله ، علما أن إظهار الحب من سنن المرسلين، فقد قال ﷺ لمعاذ: "والله إني لأحبك"، وكان أسامة بن زيد يلقب بحب رسول الله ﷺ ، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر رجل بالنبي ﷺ عند النبي ﷺ رجل جالس، فقال الرجل: والله يا رسول الله إني لأحب هذا في الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه سلم: "أخبرته بذلك؟ قال: لا، قال: قم فأخبره تثبت المودة بينكما فقام إليه الرجل فأخبره فقال: إني أحبك في الله أو قال: أحبك لله، فقال:

стр. 58

"الرجل أحبك الله الذي أحببتني فيه" ١، وما ينبغي للداعية أن يقول للمدعوين: أثناء حديثه معهم: -إني أحبكم في الله، وأحب لكم الخير والسعادة، والسعادة تكمن في التعاون بين أفراد المجتمع، بين الحاكم والمحكوم بين الجار وجاره٢، وبين أفراد المجتمع المسلم بعضهم مع بعض وبين أفراد الأسرة، وغيرهم قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣، كان الشيخ محمد رشيد رضا يتألم لواقع المسلمين، وتظهر أحزانه على قسمات وجهه حين تحل بأحد المسلمين مصيبة أو قارعة، ويفرح إذا كان الأمر على العكس من ذلك، حتى إن والدته عرفت عنه هذا الخلق، فإذا رأته حزينًا كاسفًا سألته ما لك يا ولدي: أمات اليوم مسلم بالصين؟؟ وهذا هو الولاء الحقيقي للمسلمين وحب الخير لهم، ومن هذه العاطفة الجياشة التي ينبغي أن يحملها المسلم الداعية، أن يملك قلبا يتأثر لأخطاء المسلمين وانحرافه عن الدين، فيحزن لانتشار الفسق والمعاصي بينهم حزنا لا يدفعه لاعتزالهم، إنما يدفعه للعمل المتواصل معهم فهو كالطبيب يحاول إنقاذهم، فإن لم يدرك ذلك كله فليقلل من هذا الانحراف بقدر ما يستطيع، فينبغي

стр. 59

أن تدعوه هذه العاطفة١ إلى الغيرة على نفسه، وزوجه وولده والناس أجمعين فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويمنعهم عن ارتكاب ما يسخط الله . إن عاطفة حب الناس وحب الخير لهم إذا تحركت في القلب أثمرت دعوة، ونصيحة وصار لها قبول في الأرض وتوفيق في السماء. أما حين يفقد الإنسان هذه العاطفة فيعيش لنفسه، وولده وزوجه، يعيش ليستمتع ويتلذذ بما حوله وينسى هموم إخوانه المسلمين، فإنه حينئذ يكون قد تخلى عن حقيقة الولاء للمؤمنين، وإن دندن في أحاديثه حول الدعوة، والدعاة ومصائب المسلمين، فينبغي أن تصدر الكلمات والعبارات عن حماس وغيرة على هذا الدين وأهله، والسعي الحثيث على توصيل النفع والخير إلى عموم الناس حتى يدخلوا في هذا الدين أفواجًا كما دخل أسلافهم. إن التوازن في شخصية الداعية أمر مطلوب، وإظهار الحب والشفقة واللين من الأمور الأساسية لنجاح الداعية، ومن اللين أن يتعامل مع كل حالة بما يقتضيه من الأخذ بقوة أو الرفق واللين، غير أنه يبقى أن الأصل في التعامل الاجتماعي اللين والرفق؛ لأن اللين والشفقة ظاهرة سلوكية تنبع من القلب. فحب الخير للناس وإظهار الشفقة عليهم، وحب إنقاذهم مما هم فيه من معاص، وآثام تجعلهم ينقادون مع الداعية ويتبعونه، ويتركون ما هم عليه من معاص وشر، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. إن شخصية الداعية لتقتضي القدرة على التعامل مع كل الناس بالشفقة

стр. 60

واللين، وبما أن الداعية له علاقة مع الناس، ينبغي أن تسود هذه العلاقة الشفقة، والرحمة واللين والعطف في جميع صور التعامل في جميع نواحي الحياة التي تقتضي منه السماحة، والشفقة واللين فإن الناس إذا تبين لهم واتضح لهم المقصود من دعوة الداعية، فإنهم سرعان ما يستجيبون وينقادون لهذه الدعوة، وهذا هدف أساسي للداعية إلى الله أن يخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن ظلمات الجهل والجاهلية إلى نور الإسلام، ومن الموت إلى الحياة قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ١. فإظهار الحب للناس من الأمور الهامة والأساسية للداعية؛ لأن الناس يتوسمون فيه الخير، وينتظرونه منه، فعلى الداعية أن يجمع بين حسن الخلق وحب الخير للناس، فإنه أدعى لقبول دعوته، إذ إن صور الشدة والغلظة والعنف صور مشينة معيبة تنفر منها الطباع البشرية، بينما صور الشفقة والرحمة، تزين صاحبها وترتاح لها النفوس، وتأنس إليها القلوب.

стр. 61

١٣- كيف تكسب قلوب الناس: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" ١، إن الأصل في المسلم وخاصة الداعية أن يسعى إلى تقديم الخدمات لمن يحتاجها من المسلمين، والنصيحة لمن يطلبها، والمنفعة لمن هو بحاجة إليها، ويكون ذلك سجية وخلقًا من أخلاق الداعية التي لا تفارقه في العسر، واليسر في المنشط والمكره، وخاصة مع الأقربين أولا قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢، ومعلوم أن النافع والضار هو الله . لكن من ولي أمرًا من أمور المسلمين، قد ينفع ويضر بقدر من الله تعالى. والداعية المؤمن يقدم الخير لجميع الناس، وقد شبهه النبي ﷺ بالنخلة لدوام خضرتها، وإمكانية الانتفاع بها وبكل ما فيها؛ فقال ﷺ : "إني لأعلم شجرة ينتفع بها مثل المؤمن" ٣، فمن استطاع أن ينفع أخاه، وذلك بتسهيل أمره أثناء مراجعته لإحدى الدوائر الحكومية، وإرشاده إلى أسهل طريق لإنجاز معاملته؛ لأن المراجع غالبا يجهل الأنظمة، والطلبات الخاصة بمعاملته فعلى الموظف المسلم إنجاز المعاملات، وإرشاد المراجعين إلى ما ينهي إجراءات معاملاتهم بيسر وسهولة، وألا يعقد المعاملة، ويعذب المراجع فقد أوصى النبي

стр. 62

- ﷺ بالمبادرة إلى تقديم النفع قبل طلبه، واغنتام كل الأوقات في تقديم، وتوصيل الخير للآخرين، ومن لم يقدر أن ينفع فليحرص على أن لا يضر، فقدم الخير للناس تستقطب قلوبهم. إن دينًا يفرض على أتباعه الإحسان في كل شيء، لا يرضى من أتباعه أن يألفوا الإساءة أو أن يمارسوها. أخي الداعية إن الإحسان يقتضي منك إتقان العمل وتحسين الأداء، ولا تكن إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت. روى البخاري عن عثمان بن مظعون ﵁ قوله: "فإن أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم". وتربية القرآن تنشئ في نفس المؤمن صورًا من الإحسان، قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ١.

стр. 63

١٤- ثمرة مرة: إياك ثم إياك والجدل وكثرة المحاجة، فإن كان ولا بد فجادلهم بالتي هي أحسن، وإذا رأيت أن المجادلة أصبحت معاندة، وصاحبها لا يقتنع بالدليل ولا يرضى ويسلم بالأمر الواقع، فأعرض عن مثل هذا الصنف وقل: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين، وقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ١، فالجدل والخلاف "ثمرة مرة". في هذا الموضوع؛ يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عيثمين -رحمه الله تعالى- وهو يتحدث عن خصائص الفرقة الناجية: "إن اتفاق الكلمة وائتلاف الهدف، والقلب من أبرز خصائص الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، فهم لو حصل بينهم خلاف في بعض الأمور، لا يحمل بعضهم على بعض حقدًا ولا عداوة ولا بغضاء، بل يعتقدون أنهم إخوة، حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف، فقد وقع شيء من ذلك كما ثبت في السنة، من أجل أن تتفق الكلمة وتتآلف القلوب". انتهى كلامه ﵀. "حبذا لو راجع الدعاة إلى الله أنفسهم من وقت لآخر؛ لأن وظيفتهم التي شرفهم الله بها تعتمد في أصلها على الحار والمراجعة، وقد فطن لذلك عبد الله بن مسعود بقوله: "والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان". ولنتذكر أن هوى النفس لا يأتي عريانًا بل مزخرفًا بألفاظ النية

стр. 64

الخالصة، إحقاق الحق انتصارًا للأمة.. إلخ. ثم يندس هواه بعد ذلك من حيث يعلم أو لا يعلم"١. ومن أجل أن تتفق الكلمة، وتتآلف القلوب نبين الآداب الشرعية الواجب مراعاتها في المحاورات، والمناظرات والمناقشات، فعندما يتحاور الدعاة والعلماء يجب أن تكون نيتهم طيبة، وهدفهم الوصول إلى الحق، والمسلم دائمًا يسعى أن يجعل أعماله كلها خالصة لوجه الله تعالى ليؤجر عليها، والعمدة في ذلك الحديث المشهور: "إنما الأعمال بالنيات ... " ٢ الحديث، ومن مسببات الخلاف والتنازع، والجدل اتباع الهوى في بيان حكم مسألة من المسائل. فليحذر الدعاة من اتباع الهوى في مناقشاتهم، والعجب والغرور، والاعتزاز بالرأي والتعصب له أثناء المناقشة قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٣، ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٤ فعليك أثناء المجادلة أن تبين المسألة بالدليل قبله من قبله ورده من رده ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء. ولأجل أن تتفق الكلمة وتتآلف القلوب بين دعاة الأمة الإسلامية وعلمائها، الكف عن الجدال الذي لا فائدة فيه، وإذا كان ولا بد من جدال فله آداب شرعية الواجب مراعاتها في المحاورات، والمناظرات والمناقشات إذا حدث ذلك فيما بين الدعاة، أو الجماعات أو الأفراد

стр. 65

في مسألة شرعية، أو اجتماعية أو مالية أو سياسية أو غير ذلك. أولًا: تنقية وتجريد النية من الشوائب، والانتصار للنفس والتشفي بذلك، فكثيرا ما يظهر الخلاف بين بعض أفراد، وجماعات الدعوة ظاهرها أنه خلاف على مسائل علمية، وباطنها حب الذات واتباع الهوى، والمسلم الداعية يسعى أن تكون أعماله خالصة لوجه الله تعالى والدار الآخرة. ومن الشوائب التي قد تدخل المناقشات الهوى وحب الانتصار للنفس، فكثيرًا ما ترى المحاورات والمناقشات يتنازعها الهوى، فيجب على الداعية والعالم أن يجرد مناقشاته، ومحاوراته عن الهوى، ويفرح بالحق وظهور الحق على يديه أو على يدي خصمه، وإذا دخل الهوى فإن له مضارا كثيرا منها: أ- أنه يصد عن الحق. ب- أنه يفسد العقل والتفكير، ولا يدع لهما مجالا للتفكير والتأمل. ج- أنه يخالف بين قلوب الدعاة ومن الشوائب التي قد تدخل المناقشات العجب والغرور١ ومن أسبابه الإطراء والمديح، فإنه يورث العجب والغرور، وقد ينتج العجب والغرور من تبوء الصدارة للعمل قبل النضج وكمال التربية، ولذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "تفقهوا قبل أن تسودوا" وفي رواية: "قبل أن تسَوَّدُاوا" ٢.

стр. 66

ومن شوائب المحاورات: التعصب للرأي أو المذهب، أو الجماعة أو الأشخاص فهو مفسد للحوار مذهب للفائدة موغر للصدر مفرق للجماعة ومن الشوائب في الحوار: سوء الظن في الخصم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا" ١. ثانيًا: تنقية اللسان من الشوائب، ومن شوائبه اتهام الآخرين بالكفر بغير دليل ولا حجة واضحة، وقد حذرنا النبي ﷺ فيما رواه البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه" ٢. ومن شوائب اللسان أثناء المحاورات أن يلعن المسلم أخاه أو يسبه. ومن شوائب اللسان: الجدال والمراء. ثالثًا: الجرأة في قول: لا أدري وهي من الآداب التي يجب على طلبه العلم والدعاة أن يتحلوا بها عند المحاورة، والمناظرة والمناصحة. فإن خرجت المحاورة عن آدابها الشرعية إلى التعصب للرأي، والمذاهب بلا دليل كانت نتائجها مرة وثمرتها ضعف، وتشتت وهلاك.

стр. 67

الفصل الثاني: أساليب ومداخل: ١- معرفة أحوال: الناس ١: من أداب النصيحة معرفة أحوال الناس ومراعاة منازلهم ومقاماتهم، بأن يعرف الداعية من يدعو معرفة يطمئن إليها، ومعرفة تسمح له أن يقدر تقديرًا مبدئيا حالة من يدعوه وطاقته ومقامه، وأن يكون المنهج سليما فإذا اطمأن من تدعوه إلى سلامة منهج الدعوة الإسلامية، وتكاليفها ووعاها وآمن بها واستعد لحملها والدفاع عنها والمضي بها، فإنه يكون قد أصبح قادرًا على أن يدخل مرحلة البناء الإعداد والتربية، ومن ثم يلتزم بالمنهج الخطة السليمة. إن الدعوة الإسلامية، حين تتوجه إلى كافة الناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله ، وحين تتوجه الدعوة الإسلامية، إلى كافة الشعوب الواسعة، وتتحرر من الإقليمية الضيقة إلى الأفق الواسع إلى أرض الله الواسعة، حينئذ تؤتي ثمارها وتحقق الأهداف المناطة بها، أضف إلى ذلك إذا عرف الداعية مقامات الناس، وأنزلهم منازلهم فإن دعوته يكون لها قبول عند الناس، فالأمي يختلف عن من يحمل شهادات عالية، ونصيحة الرجل العادي تختلف عن نصيحة السلطان،

стр. 68

وصاحب الجاه يختلف عن غيره في توصيل النصيحة له من حيث الأسلوب والتوجيه، والوقت ولتكن النصيحة بينه وبينه وأن يحذر من نصيحة العلانية، عن عائشة ﵂ قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم"١. فهذا علي بن أبي طالب ﵁ قال: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله" ٢، فالناصح الحكيم كالطبيب الماهر الذي يشخص المرض، ويعرف الداء ويعطي بعد ذلك الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيا في ذلك قوة المرض وضعفه وتحمل المريض للعلاج، وهكذا الداعية الناصح الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويحدد الداء ويصف الدواء، فمعرفة أحوال الناس من الأمور الضرورية للداعية، ومما يشهد على ذلك قوله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن. فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ فقال: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإنهم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ٣، فالدعاة إلى الله هم أطباء المجتمع، ومن شأن الطبيب أن يهتم بمعرفة الأدواء، ثم يعمل على علاجها بادئًا بالأهم قبل المهم، إذا من الضروري جدا

стр. 69

للداعية معرفة أحوال الناس، وما هم عليه من عادات وتقاليد، وما لديهم من إيجابيات وسلبيات حتى يتمكن الداعية من تنمية الإيجابيات وتطويرها ورعايتها، والقضاء على السلبيات إن أمكن أو الحد منها على الأقل والوقوف في طريقها، ومنعها من الانتشار في المجتمع؛ لأنها إن تركت فهي كالنار في الهشيم، فإذا عرف الداعية أحوال البلد تمكن بعد ذلك من العمل بجد وإخلاص؛ لأن الطريق أمامه واضح، والهدف مرسوم عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع مقالتي هذه فحملها فرب حامل الفقه فيه غير فقيه، ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ١، وفي رواية للدارمي أن رسول الله ﷺ قال: "نضر الله عبدا مع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وعن تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة" ثلاثًا قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ٢. فمعرفة أحوال الناس ودرجاتهم، وما يناسبهم من النصيحة التي هي من الدين واجب على العلماء لا سيما الدعاة إلى الله. "فالداعي إلى الله يخاطب جميع أصناف الناس إنه يوجه الدعوة إلى أصحاب السلطة والرعية والعلماء، والأثرياء والفقراء والمساكين،

стр. 70

وأصحاب المؤسسات والمصانع والعمال، والأزواج والزوجات وعامة الناس وخاصتهم، فيجب عليه أن يحدث كل طائفة من الناس بما هم في حاجة إليه وما ينفعهم. فيبين للولاة ما يجب عليهم تجاه رعيتهم، ويبين للرعية ما فرض الله عليهم من حقوق السلطان، ويذكر أهل العلم بما للعامة من حقوق عليهم، وينبه العوام بما يجب عليهم من احترام العلماء، وحسن الاستفادة منهم. يخبر الأثرياء بما وعد الله تعالى المنفقين على أهل الحاجة، والفقر في الدنيا والآخرة، ويبين للفقراء والمساكين فضل العفاف، وكراهية المسألة. يسمع أرباب العمل وأصحاب المؤسسات، والشركات ما بشر به رسول الله ﷺ من أعطى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، ويؤكد على العمال ضرورة الإخلاص في العمل وإتقانه. يوضح للرجال ما لزوجاتهم عليهم من حقوق، ويشرح للزوجات ما فرض الله عليهن تجاه أزواجهن"١. فأئمة المسلمين وعامتهم بحاجة إلى مناصحة، لكن الداعية الذي يريد مناصحة ولاة الأمر لا بد أن يكون عالمًا أمينًا ثقةً صالحًا ورعا مقبولا عند الجميع، وأمر النصيحة لأئمة المسلمين ليس متروكًا للأفراد والجماعات؛ لأنه بهذه الحال سوف يؤدي إلى التشويش والفتنة والفوضى، وهذا هو منهج السلف الصالح، فالعلماء هم الذين كانوا يدخلون على الخلفاء من بني أمية، وبني العباس يعظونهم وينصحونهم، ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، فعلى الداعية أن يدعو الناس إلى الاجتماع، والتحذير من

стр. 71

التفرق والاختلاف. يقول ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم: "وأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم ورشدهم، وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله ، والبغض لمن رأى الخروج عليهم". وكذلك الدعاء لهم بالهداية ومعاونتهم على الحق، وطاعتهم في غير معصية الله تعالى، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وبما أن الداعية لا بد أن يختلط بالناس فعليه أن يصبر على أذاهم وأن يجنبهم أذاه، فلا يعسر عليهم حيث يمكن التيسير، ولا يشق عليهم حيث يمكن التخفيف، ولما لشخصية الداعية الميسر من كبير الأثر في نفوس المدعوين، فقد حمل النبي ﷺ هذه الوصية للصاحبين، أبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل ﵄ قبل إرسالهما إلى اليمن، فقال ﷺ : "يسرا ولا تعسرا وبشرا، ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا" ١، ولم يكن صلوات ربي وسلامه عليه يقبل من أصحابه أي نوع من الغلظة والجفاء والإحراج، وإنما كان يقول لهم كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يتبول فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه، مه، فقال رسول الله ﷺ : "لا تزرموه دعوه"، فتركوه حتى بال، ثم إن الرسول ﷺ دعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة، وقراءة القرآن، ثم أمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فأراقه عليه" ٢.

стр. 72

وقد ثبت عن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها"١، فتنبه وأنت تقوم بالدعوة في الميدان تنتقل من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر ومن مكان إلى آخر، ومن بيت إلى بيت ومن حي إلى حي أن تكون عارفا ومدركا لأحوال الناس، وما يصلح لهم وما يصلح، فلكل مقام مقال ولكل وقت ما يناسبه، ولكل أناس ما يصلح لهم ولكل حادثة حديث. "ومما يدل على ضرورة مراعاة أحوال المخاطبين، وأهميتها في الدعوة إلى الله تعالى أن الله اصطفى الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من بين أقوامهم، فلم يرسل رسولا إلا بلسان قومه، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ٢".

стр. 73

٢- قبل أن تدعو: لا بد أن تكسب قلوب الناس ويكون ذلك بإظهار المودة، والمحبة والنصح وحب الخير لهم، وبصفة أعم التخلق بمجموعة من الصفات الرفيعة والأخلاق العالية التي إن توفرت في شخصية المسلم الداعية تجعل الناس ينجذبون إليه، ويتعلقون به ويقبلون على كلامه ويقبلونه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله، وأحبني الناس قال ﷺ : "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبونك" ١، وقد أثر عنه ﷺ : "أنه من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه" ٢ الحديث. فاحرص أيها الداعية اللبيب على كسب قلوب الناس أولًا، وليكن قصدك من ذلك ضمان توصيل الخير لهم عن طريق الدعوة بالتي هي أحسن بالوسائل والأساليب المؤثر، علمًا أن هناك وسائل تحبب الناس إليك، وتحببك إلى الناس منها الرفق واللين، والزهد فيما في أيدي الناس، والبشاشة وغيرها كثير لكن ذلك يعتمد على أسلوبك وحسن تصرفك مع الناس، فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- حريصين كل الحرص أن تكون شخصياتهم مقبولة ومرضية لدى الناس، بالإضافة إلى حرصهم على أن يبلغوا رضى الله أولا وقبل كل شيء، ولا تعارض بين الحرصين، ولا بين الإرادتين فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضا الله بسخط الناس

стр. 74

"كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس" ١. وقد كان ﷺ يتحبب إلى بعض ضعاف الإيمان بشيء من العطايا تأليفا لقلوبهم واستنقاذًا لهم من النار. بالإضافة إلى أن "الدعوة الإسلامية تهذب رغبات الناس وشهواتهم، وتسمو بهم إلى مدارج الكمال البشري المنشود، وهي مع ذلك تصادم كثيرًا من الطبائع المنحرفة والفطرة السقيمة، والإرادات الشيطانية، لذا فقد يجنح الداعي إلى توخي رضا من يدعوهم، فهل هذا من آفات ترك الإخلاص؟ الواقع أننا في هذه المسألة إزاء حالتين متباينتين متضادتين. الحالة الأولى: أن يطلب رضا من يدعوهم للرضا ذاته لا يشوبه مقصد آخر من مقاصد الدعوة، وهذا لا يسلكه إلا ضعيف الإيمان. الحالة الثانية: أن يطلب رضا من يدعوهم يتوخى إيمان المدعو، وصلاح أمره وفيأته إلى الحق ورجعته إلى خالقه، فهو يداريه إما توقيا لشره ودفعا لغائلته، أو طلبا لخيره واستجابته من غير مداهنة، فالحال آنئذ لا يطعن في أصل الإخلاص وإنما الأعمال بالنيات، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة، وبئس بن العشيرة". فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت له؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة متى عهدتني فحاشا إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" ٢.

стр. 75

والتحبب إن لم يكن خالصًا لله، فسينقلب إلى نوع من النفاق والمداهنة، فالحب في الله هو الذي يجعلك تحرص على اكتساب قلوب الناس لما تطمح من إيصال الخير لهم على يديك، فالواجب على المؤمن أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب وأبغض لله وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ١، ومن الصور الداعية إلى كسب قلوب الناس أيضًا؛ الهدوء والسكينة والوقار، وكذلك اللقاء بالترحيب والبشاشة واستدامة التبسم، وفي سيرته ﷺ الكثير من هذه الصور، فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ويلاطفهم ويمازحهم. وكثيرًا جدًّا ما كان يفعل ذلك، ومجمل هذه الصفات تجعل صاحبها مقبولًا محبوبا عند الناس، وقد يكون التحبب أحيانًا بصور بسيطة كالتي أشار إليها رسول الله ﷺ في الحديث الشريف عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان فمن رأى شيئا يكرهه، فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوذ من الشيطان، فإنها لا تضره وإن الشيطان لا يتراء بي" ٢، في الحديث الآخر عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا، فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب، فلا يحدث بها إلا من يحب وإن رأى ما يكره، فليتفل عن يساره ثلاثًا
следующие страницы →