التفرق والاختلاف.
يقول ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم: "وأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم ورشدهم، وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله ، والبغض لمن رأى الخروج عليهم".
وكذلك الدعاء لهم بالهداية ومعاونتهم على الحق، وطاعتهم في غير معصية الله تعالى، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وبما أن الداعية لا بد أن يختلط بالناس فعليه أن يصبر على أذاهم وأن يجنبهم أذاه، فلا يعسر عليهم حيث يمكن التيسير، ولا يشق عليهم حيث يمكن التخفيف، ولما لشخصية الداعية الميسر من كبير الأثر في نفوس المدعوين، فقد حمل النبي ﷺ هذه الوصية للصاحبين، أبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل ﵄ قبل إرسالهما إلى اليمن، فقال ﷺ : "يسرا ولا تعسرا وبشرا، ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا" ١، ولم يكن صلوات ربي وسلامه عليه يقبل من أصحابه أي نوع من الغلظة والجفاء والإحراج، وإنما كان يقول لهم كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يتبول فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه، مه، فقال رسول الله ﷺ : "لا تزرموه دعوه"، فتركوه حتى بال، ثم إن الرسول ﷺ دعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة، وقراءة القرآن، ثم أمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فأراقه عليه" ٢.
стр. 72
وقد ثبت عن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها"١، فتنبه وأنت تقوم بالدعوة في الميدان تنتقل من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر ومن مكان إلى آخر، ومن بيت إلى بيت ومن حي إلى حي أن تكون عارفا ومدركا لأحوال الناس، وما يصلح لهم وما يصلح، فلكل مقام مقال ولكل وقت ما يناسبه، ولكل أناس ما يصلح لهم ولكل حادثة حديث.
"ومما يدل على ضرورة مراعاة أحوال المخاطبين، وأهميتها في الدعوة إلى الله تعالى أن الله اصطفى الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من بين أقوامهم، فلم يرسل رسولا إلا بلسان قومه، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ٢".
стр. 73
٢- قبل أن تدعو:
لا بد أن تكسب قلوب الناس ويكون ذلك بإظهار المودة، والمحبة والنصح وحب الخير لهم، وبصفة أعم التخلق بمجموعة من الصفات الرفيعة والأخلاق العالية التي إن توفرت في شخصية المسلم الداعية تجعل الناس ينجذبون إليه، ويتعلقون به ويقبلون على كلامه ويقبلونه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله، وأحبني الناس قال ﷺ : "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبونك" ١، وقد أثر عنه ﷺ : "أنه من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه" ٢ الحديث. فاحرص أيها الداعية اللبيب على كسب قلوب الناس أولًا، وليكن قصدك من ذلك ضمان توصيل الخير لهم عن طريق الدعوة بالتي هي أحسن بالوسائل والأساليب المؤثر، علمًا أن هناك وسائل تحبب الناس إليك، وتحببك إلى الناس منها الرفق واللين، والزهد فيما في أيدي الناس، والبشاشة وغيرها كثير لكن ذلك يعتمد على أسلوبك وحسن تصرفك مع الناس، فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- حريصين كل الحرص أن تكون شخصياتهم مقبولة ومرضية لدى الناس، بالإضافة إلى حرصهم على أن يبلغوا رضى الله أولا وقبل كل شيء، ولا تعارض بين الحرصين، ولا بين الإرادتين فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضا الله بسخط الناس
стр. 74
"كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس" ١. وقد كان ﷺ يتحبب إلى بعض ضعاف الإيمان بشيء من العطايا تأليفا لقلوبهم واستنقاذًا لهم من النار.
بالإضافة إلى أن "الدعوة الإسلامية تهذب رغبات الناس وشهواتهم، وتسمو بهم إلى مدارج الكمال البشري المنشود، وهي مع ذلك تصادم كثيرًا من الطبائع المنحرفة والفطرة السقيمة، والإرادات الشيطانية، لذا فقد يجنح الداعي إلى توخي رضا من يدعوهم، فهل هذا من آفات ترك الإخلاص؟ الواقع أننا في هذه المسألة إزاء حالتين متباينتين متضادتين.
الحالة الأولى: أن يطلب رضا من يدعوهم للرضا ذاته لا يشوبه مقصد آخر من مقاصد الدعوة، وهذا لا يسلكه إلا ضعيف الإيمان.
الحالة الثانية: أن يطلب رضا من يدعوهم يتوخى إيمان المدعو، وصلاح أمره وفيأته إلى الحق ورجعته إلى خالقه، فهو يداريه إما توقيا لشره ودفعا لغائلته، أو طلبا لخيره واستجابته من غير مداهنة، فالحال آنئذ لا يطعن في أصل الإخلاص وإنما الأعمال بالنيات، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة، وبئس بن العشيرة". فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت له؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة متى عهدتني فحاشا إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" ٢.
стр. 75
والتحبب إن لم يكن خالصًا لله، فسينقلب إلى نوع من النفاق والمداهنة، فالحب في الله هو الذي يجعلك تحرص على اكتساب قلوب الناس لما تطمح من إيصال الخير لهم على يديك، فالواجب على المؤمن أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب وأبغض لله وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ١، ومن الصور الداعية إلى كسب قلوب الناس أيضًا؛ الهدوء والسكينة والوقار، وكذلك اللقاء بالترحيب والبشاشة واستدامة التبسم، وفي سيرته ﷺ الكثير من هذه الصور، فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ويلاطفهم ويمازحهم. وكثيرًا جدًّا ما كان يفعل ذلك، ومجمل هذه الصفات تجعل صاحبها مقبولًا محبوبا عند الناس، وقد يكون التحبب أحيانًا بصور بسيطة كالتي أشار إليها رسول الله ﷺ في الحديث الشريف عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان فمن رأى شيئا يكرهه، فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوذ من الشيطان، فإنها لا تضره وإن الشيطان لا يتراء بي" ٢، في الحديث الآخر عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا، فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب، فلا يحدث بها إلا من يحب وإن رأى ما يكره، فليتفل عن يساره ثلاثًا
стр. 76
"وليتعوذ بالله من الشياطين وشرها، ولا يحدث بها أحدا فإنها لا تضره" ١، وذلك كنوع من المشاركة الوجدانية، واختيار المداخل إلى القلوب لكن ذلك يحتاج منك إلى فطنة، ومعرفة تامة بمداخل القلوب والتسلل إلى أعماقها بأسلوب جذاب تستطيع -أخي الداعية- من خلاله أن تأسر النفوس، وتملك زمام القلوب، وذلك بالصدق والأمانة والحلم والأناة، والتواضع والكرم والسخاء والجود والبذل والعطاء، وهذه الصفات من صفات الأنبياء والمرسلين. كما أنها من خصال الدعاة والمصلحين، وشعار المتقين والصالحين. وأصل الأمر وملاكه أن تكون محبوبًا عند الله، فهو بعد إذ يضع لك القبول في الأرض، فاحرص على حب الله لك يفتح لك قلوب الناس، وتخلق بما يدعو إلى التحبب، فالداعية اللبيب من يكون قادرًا على فتح قلوب العباد قبل فتح البلاد.
стр. 77
٣- العلاقات الإنسانية:
لا بد للداعية من ربط الصلات والعلاقات الطيبة مع الناس، فالداعية صاحب هدف وصاحب منهج فله غاية سامية، وهي إيصال الخير والنفع إلى الناس كافة، وإنقاذهم مما هم فيه من بعد عن الله والدار الآخرة، وانتشالهم من الغفلة التي غطت القلوب، وأضعفت النفوس وجعلتها تركن إلى الدعة والسكون وحب المادة مما جعل الجوانب الروحية تضعف، فانقلبت الموازين عند كثير من الناس حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة، فقد اختلت المعايير والمقاييس فالداعية عليه والحالة هذه أن يعيد المياه إلى مجاريها، بربط الصلات، والعلاقات الطيبة مع الناس، بما يقدمه لهم من كلمة صادقة، وحسن معاملة، وتطبيق للسنة ظاهرًا وباطنًا، ومما يقربه ويحببه إلى الناس فتح حلقة تعليم القرآن في المسجد، أو إحدى المدارس الخيرية مع ما يقدمه من دروس في العقيدة، والسنة المطهرة والسيرة وغير ذلك من الدروس النافعة وأن يكون الداعية مع ذلك متصفا بالألفة حتى يكون آلفًا مألوفًا، ومما يعين على ربط الصلات وتقوية العلاقات، ما يقوم به الداعية من صلات، وعلاقات وزيارات فردية وجماعية، وما يقدمه في هذه المجالس من أحاديث ودية مع الأفراد ومع الجماعات، ثم فتح قلبك لآرائهم وأفكارهم وتطلعاتهم وتساؤلاتهم، والرد على ذلك بما يغني ويشفي. وقد أخبر النبي ﷺ فقال: "المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف، ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس" ١، وعدم
стр. 78
الألفة من صفات المنافقين. إن الداعية يستطيع جذب قلوب الناس إليه بما يقدمه من خدمات، وما يستطيعه من عون ومساعدة سواء كانت مادية أو معنوية أو بدنية، فإن النفوس من طبيعتها تميل إلى من أحسن إليها بالكلمة الطيبة، والبشاشة الدائمة، وطلاقة الوجه وحلاوة اللسان، وأن يحاول الداعية حل بعض المشاكل التي يفصحون عنها سواء كانت اجتماعية، أو اقتصادية أو غير ذلك، وأن يخالط الداعية الناس ويصبر على أذاهم من أجل مصلحة الدعوة، ومع ذلك على الداعية أن يحافظ على الهيبة والاحترام، وألا يذوب مع الناس ويخوض فيما يخوضون فيه، فعليه وهو يخالط الناس أن يحسن التصرف ويوازن بين المواقف، ولذلك نجد في وصف الرسول ﷺ "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه"، وخيار الدعاة هم الذين يألفون ويؤلفون والداعية يستطيع جذب الناس إليه، وربط الصلات والعلاقات الطية معهم بحسن التعارف والخلطة والمعاشرة، وعدم الانكماش والفتور فإن الانكماش يسبب العزلة والانطواء، والبعد عن الناس ومن ثم يكون عنده عدم ارتياح، واكتئاب كل ذلك ناشئ عن البعد والانطواء، وعدم الخلطة مع الناس. وإذا وصل الداعية إلى الصفات فلا يمكن أن يفيد أو يستفيد، فالحذر كل الحذر من هذه الصفات التي تبعدك عن الناس وعن مخالطتهم، بل يكون شعارك: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وهذا الشعار يقتضي منك البسمة والبشاشة، وإفشاء السلام ورده وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 79
- ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" ١، وعن البراء بن عازب ﵄ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم"٢.
стр. 80
٤- عليك بالمبادرة:
أخي الداعية أنت قدوة، وأنت داعية بأفعالك قبل أقوالك، فحاول التبكير إلى المسجد من حين سماع النداء بالأذان للصلاة في كل وقت حيثما كنت أو حللت، وخاصة عند إلقاء الدرس أو المحاضرة بل حاول الصلاة في الصف الأول خلف الإمام أو قريبًا منه، واحذر أن تصلي في آخر الصف أو يكون عليك قضاء فوائت، وعندك درس تريد أن تلقيه بعد الصلاة، فإن هذا يؤخذ عليك وينقص من قدرك عند المصلين، فإن من الدعاة من حدد له عمل رسمي في المساجد ومراكز الشباب ومراكز التنمية الاجتماعية وغيرها، فأحيانا الداعية أو الواعظ يتأخر عن موعده وهو قدوة فيتضايق الناس، ويبدأ الهرج والمرج، فإذا حصل لك ظرف طارئ، وعرفت أنك سوف تتأخر فأعلمهم عن هذا التأخر، إذ لا بد من إعلامهم عن طريق الهاتف، أو إرسال بديل أو أي شخص يخبرهم عن هذا التأخر، أما إذا كانت الموعظة في المسجد فعليك التبكير إلى المسجد، سواء كنت واعظًا أم مصليًا، اجعله عادة وسجية فإنك سوف تتعود على ذلك، وتتربى عليه والمبادرة إلى فعل الخيرات مطلوبة، وخاصة من الداعية.
أما إذا تأخرت عن الصف الأول فإن العدد التنازلي سيستمر إلى أسفل حتى تفوتك بعض الركعات ثم كامل الصلاة، وهذا مؤشر خطير وغير لائق من الداعية الذي سوف يقوم يعظهم ويحدثهم، وهو يعتبر قدوة في المحافظة على الصلاة، لا شك أنه سوف ينزل من أعين الناس، إذا تخلف عن الصلاة فيصبح كلامه قليل الفائدة، وقد لا
стр. 81
يستمع له أحد إلا القليل، فعلى الداعية أن يريهم من نفسه خيرًا، وألا يتأخر عن المواعيد بل عليه أن يحسب لها حسابًا، ويأتي قبل الموعد تحسبًا لأي طارئ.
стр. 82
٥- النظام ١:
لكل بلد نظام وتقاليد وأعراف سائدة ومرعية، ومحمية ومعلنة من قبل الدولة فعلى الداعية مراعاة مثل هذه الأنظمة، وعدم الخروج عليها، أو خرقها أو مخالفتها، بأن يصب كلامه على الأنظمة وما فيها من سلبيات ومخالفات، فالنقد بسيط وإبراز السلبيات والمعايب سهل لكن العلاج صعب، يحتاج من الداعية إلى دراية، وحكمة ووقت طويل وهو يدعو ويدعو ويربي لكن بعض الدعاة هداهم الله يسلك طريق النقد وإبراز العيوب، دون دراسة أو دراية، ولو فتشنا عن العيوب والأخطاء لعشنا في قيل وقال، وغصنا في بحر عميق ونحن لا نحسن السباحة، والذي لا يحسن السباحة يغرق، فعلى الداعية أن يبحث ويسأل المتخصصين، والعلماء الكبار في البلد عن الأنظمة واللوائح التي تسير عليها الدولة، حتى لا يقع تصادم مع النظام فتكون الكارثة، وعدم قبول الدعوة بل محاصرتها أو حصرها في زاوية ضيقة، أو القضاء عليها في مهدها، كثير من الدعاة هداهم الله غفلوا عن هذا الجانب، والله يقول في محكم التنزيل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢.
إن التقيد بنظام البلد ليس معناه عدم إنكار المنكر، والسكوت عن المعاصي وترك الحبل على الغارب لأهل الفساد يعيثون في الأرض فسادًا، وتخريبًا ويهلكون الحرث، والنسل والله لا يحب الفساد، ولا
стр. 83
أريد أن أدخل في تفاصيل هذا الباب فهو واسع ومتشعب، والآراء فيه كثيرة، فلا نستطيع في هذه العجالة أن نعطيه حقه من البحث والإيضاح، إذ إن له أهلا يعرفون ضوابطه وشروطه ودرجاته الشرعية، يجب الرجوع إليها عند إرادة التغيير، لكنك أيها الداعية بإمكانك الجهر بالدعوة إلى الله، وبيان أن هذا هو الدين الحق لجميع البشر، حتى ولو كنت في مجتمع كافر أو دولة كافرة أو نظام كافر، فالجهر بهذا الدين وإعلانه في أي مكان، وزمان واجب على كل مسلم أينما كان وحيثما حل، كما كان يفعل النبي ﷺ وهو وسط المشركين يدخل عليهم في منتدياتهم، وفي أماكن تجمعهم حتى إنه ينتهز الفرص التي فيها التجمع أكثر، وأكبر مثل مواسم الحج وغيرها، وكان ينادي في المشركين في مكة حتى إذا ما اجتمعوا حوله قال: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" حتى دخل الناس في دين الله أفواجا. إن الداعية يجب أن يكون حكيما في دعوته، وتعامله مع الأفراد والجماعات والدول، وألا يتدخل فيما لا يعنيه من انتقاد، أو سب لفرد أو جماعة أو نظام، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١ الآية إذا على الداعية أن يقوم بما أوجب الله عليه من أمور الدعوة مع استصحاب الدليل من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة سلف الأمة في كل ما يقول، وفي كل ما يأمر به أو ينهي عنه، ولا يدخل في المسائل الخلافية التي لا يستطيع الإقناع بما هو صواب فيها، ولا يتدخل في بعض المخالفات التي لا يستطيع تغييرها ولا الحد منها، فيتركها لمن هو أقدر منه وأعلم، وعلى الداعية إلى الله أن يهتم بدعوة الناس إلى
стр. 84
الكتاب والسنة، والعقيدة الصحيحة، وتصحيح العبادات من المخالفات التي انتشرت بين الناس، وتعارفوا عليها بل وألفوها حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من عبادتهم؛ لأن العبادة لا تقبل إلا أن تكون "صحيحة صوابا" ولن تكون عبادات الناس صحيحة صوابًا إلا إذا اجتهد الداعية بالتصحيح، وتعليم الناس كيف يؤدون العبادات بفروضها وواجباتها، وسننها مع الإخلاص وهو "قوة الإيمان"، وقوة الإيمان تجعلك أيها الداعية تحرص على نشر الأمن، والطمأنينة داخل المجتمع، وكف المظالم ورد الحقوق إلى أهلها، ويجمع ذلك كله أن يسعى الداعية إلى تهيئة أرضية خصبة نشر الدعوة، وتعاليم الإسلام السمحة ولا يكون ذلك إلا بالمحافظة على الضرورات الست الذي جاء الإسلام بالمحافظة عليها، وبقائها في المجتمع المسلم وهي:
أولًا الدين: وقد جاء الشرع بالمحافظة عليه، ولذلك ورد في الحديث عن عكرمة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من بدل دينه فاقتلوه" ١.
ثانيا الأنفس: وقد شرع الله القصاص محافظة على الأنفس ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٢.
ثالثًا العقول: وقد جاء القرآن الكريم بالمحافظة عليها بتحريم الخمر، وكل مسكر ومفتر.
رابعًا الأنساب: وقد حافظ الشرع عليها بتحريم الزنا.
стр. 85
خامسًا الأعراض: ولأجل المحافظة عليها شرع جلد القاذف وتأديبه.
سادسا الأموال: ولأجل المحافظة عليها شرع الله قطع يد السارق.
ولعل من أنجح الطرق وأنفعها الاستعانة بعد الله بالإخوة الدعاة الذين هم من أهل البلد الأصليين ممن يوثق بصفاء عقيدتهم، وحسن سيرتهم وذلك لتوضيح الحق لعامة الناس، ودحض الباطل ودفعه بما يرونه مناسبًا بالحكمة، وبالتي هي أحسن.
стр. 86
٦- درجات تغيير المنكر:
الداعية طبيعة عمله ميداني يصول ويجول، ويغشى الناس في أنديتهم وأماكن تجمعاتهم، حتى في أسواقهم، وأماكن أفراحهم وأتراحهم وأحيانًا في بيوتهم، يقدم لهم الخير والهداية الربانية بالحكمة والموعظة الحسنة، بكل رفق ولين، وهو بهذا العمل العظيم يحسن به أن يكون على درجة عالية من العلم والمعرفة، وخاصة بدرجات تغيير المنكر الوارد في الحديث الصحيح: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ١، هذا حديث عظيم يرسم لك أيها الداعية الطريق، ويضع عليه المعالم في درجات تغيير المنكر على حسب قدرات الدعاة، وإمكاناتهم ومناصبهم ومسئولياتهم، فمن الدعاة من يستطيع أن يغير بيده كالحاكم، والأمير ومن ينوب عنهم في هذا الأمر فكلهم مكلفون بالدعوة، ومسئولون مسئولية كبيرة في -هذا الباب- تغيير المنكر الظاهر باليد إذ هم الذين يستطيعون تغييره باليد وبيدهم السلطة.
فعلى هذا فالدعوة إلى الخير وأعلاها الدعوة إلى الله، واجبة على الجميع على قدر استطاعة الداعية وقدرته؛ لأن هذه الدعوة من صفات المؤمنين والحديث الشريف قد أمر كل مسلم، ومسلمة بإزالة المنكر حسب استطاعته وقدرته، والشأن في المسلم المبادرة إلى الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون انتظار غيره، فقد لا يقوم به الغير فيقع في الإثم، كما أن رب البيت راع في أهل
стр. 87
بيته ويستطيع تغيير المنكر الذي في بيته بيده، وعليه مسئولية عظمى أمام الله إذا هو ترك المنكر في بيته، أو ساهم فيه أو جلبه إلى بيته أو رضي به، بل تنطبق عليه الدياثة١ الوارد ذكرها في أحاديث كثيرة.
فالواجب على كل مسلم أن يتفقد بيته، وأحوال أسرته من أولاد وبنات وزوج، فهو راع ومسئول عن رعيته، ويعتبر بهذه الصفة التفقدية لبيته من الدعاة إلى الله.
كما أن الوزير وأمير المنطقة والمحافظ، والوالي مسئول أمام الله يوم القيامة عما يجري في هذا المحيط الذي تحت سلطته كما أن الرئيس المباشر، ومدير الدائرة والمدير العام، ورئيس المصلحة أو الشركة أو مدير المدرسة، أو عميد الكلية أو مدير الجامعة، أو المعلم داخل الفصل، لهم تأثير مباشر على من تحتهم، فالواحد منهم يستطيع أن يأمر وينهى ويسمع كلامه ويدخل حيز التنفيذ، فكل من هؤلاء راع ومسئول عن رعيته بحكم سلطته، ورئاسته فهو مسئول عن تغيير ما يراه منكرًا بيده، وواجب عليه أن يأمر المعروف، وينهى عن المنكر من كان تحت يده وفي دائرة مسئوليته فحري به أن يستجاب له فهو راع ومسئول عن رعيته، وكثير من الناس بل من الدعاة إلى الله يستطيعون تغيير المنكر باللسان بالضوابط الشرعية، والآداب المرعية ولكنه لا يغير ساكنا، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وآخر درجة من درجات تغيير المنكر، التغيير بالقلب بأن يحترق قلبه ويتألم لما يرى من المعاصي والمنكرات، وهو غير قادر على تغييرها حتى باللسان فيبقى التغيير بالقلب وذلك أضعف الإيمان، وحديث الملائكة الذين
стр. 88
بعثهم الله إلى القرية للخسف بها، وكان فيها رجل عابد في صومعته فقال الله تعالى: به ابدءوا فإنه لم يتمعر وجهه في قط.
فالداعية مطلوب منه أن يكون على درجة عالية من معرفة درجات تغيير المنكر، وأن يكون على دراية واعية بهذا الباب من جميع جوانبه حتى لا يقع في المحذور وهو لا يعلم، فيريد أن يغير منكرًا فيقع في منكر أشد منه وقد قال سبحانه: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١، وليس معنى هذا السكوت على المنكر، لكن الأمر يحتاج إلى حكمة ومعرفة ودراية بالمنكر أنه منكر، ومن الأمور التي لا بد من معرفتها في تغيير المنكر أن يكون الناصح رفيقًا حكيمًا، فاعلًا لما يأمر به منتهيًا عما ينهى عنه، فمن الخطأ أن يقع الداعية في فعل ما ينهى عنه، أو ترك ما يأمر به أو يتبع سبيل العنف والغلظة والطيش والتهور، بينما الأصل في النصيحة الرفق واللين، والحكمة وفي الحديث المتفق عليه: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" ٢ إذًا الرفق مطلوب من الداعية فيكون الداعية رفيقًا حكيمًا فيما يأمر به، وفيما ينهى عنه ويبتعد كل البعد عن الشدة، والغلظة والعنف والإثارة، وقد قال لصفوة خلقه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٣.
والذي نحب أن نصل إليه لرفع اللبس والحيرة، نقول: المنكر لا بد من السعي والعمل على تغييره، والمعروف لا بد من الأمر به،
стр. 89
لكن الخلاف بين الدعاة والمصلحين، والعلماء في مشارق الأرض ومغاربها في طريقة تغيير المنكر، والأسلوب المتبع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن الدعاة من يأخذه الحماس ويريد أن يغير بسرعة ولأول وهلة يرى فيها المنكر، ومنهم من يتأنى ويفكر كيف يتم تغيير هذا المنكر دون أن ينتج عنه منكر آخر أو مضاعفات أشد، وفريق آخر من الدعاة إذا أراد أن يغير استشار العلماء وأهل الرأي والصلاح قبل ذلك، فلا يندم على ما عمل بعد ذلك؛ لأن من استشار الناس شاركهم في عقولهم، وهذا هو الطريق الصحيح والخط السليم للدعوة إلى الله على بصيرة وبرهان.
стр. 90
٧- العادات والتقاليد:
لا بد للداعية من معرفة اللهجات والعادات، والتقاليد الخاصة بأهل البلد حتى لا يقع في مشكلة وهو لا يعلم. من المعروف والمألوف أن كل دولة تختلف عن الدولة الأخرى، بل قد يوجد في الدولة الواحدة اختلاف كبيرة في العادات والتقاليد واللهجات، وليس هذا مكان تفصيلها، وإنما أرشد وأنبه عليها.
فمعرفتها ضروري للداعية حتى لا يقع في مشكلة مع الناس فيقول شيئا، ويفهم الناس غيره، والداعية بحاجة ماسة إلى معرفة اللهجات الدارجة إذا قدم إلى بلد للدعوة فيها سواء كانت من البلاد العربية، أو الإسلامية أو الأجنبية، ويفضل أن يتعلم الداعية لغة البلد التي يدعو فيها من أجل أن يستطيع توضيح بعض المسائل باللهجة المحلية، أو بلغة البلد لو اضطر إلى ذلك، وأنت تعلم أخي الداعية أن الناس متباينون في طبائعهم مختلفون في مداركهم، متفاوتون في العلم والذكاء وفي الأمزجة والمشاعر، مختلفون في الميول والاتجاهات، مما يدعو رجل العلم والدعوة إلى تخير المداخل المناسبة لتلك النفوس المختلفة، والعقول المتباينة. نعم إن فيهم الغضوب والهادئ والمثقف والأمي والوجيه وغيره، إن الداعية اللبيب هو الذي عنده سعة صدر وإحاطة بطبائع النفوس. إذا عرف العادات والتقاليد، واللهجات فهو كفيل بتحقيق الخير في الناس وتوصيل النفع لهم.
أما كلام الداعية وإلقاؤه فلا بد أن يكون باللغة العربية الفصحى إذا
стр. 91
كان المخاطبون عربًا؛ لأنها لغة القرآن ويفهمها الجميع، أما إذا كان المخاطبون غير عرب، فلا بد للداعية أن يتحدث إلى الناس باللغة التي يفهمونها، وإذا احتاج الداعية إلى توضيح جملة بالعامية، أو اللهجة المحلية فلا بأس مع استحسان الإكثار من ضرب الأمثال الدارجة في البلد إذا كانت توضح المقصود من الكلام؛ لأن الغاية توصيل المعلومات إلى أذهان الناس بأسهل طريق وأيسر سبيل دون تعقيد، أو التواء أو تنطع في الكلام.
ومن الأمور الهامة التي يجب على الداعية معرفتها ما ينتشر في البلد من مذاهب هدامة، وأفكار منحرفة فعلى الداعية أن يعرف هذا ويتنبه له، وخاصة البلد الذي يعيش فيه ويدعو فيه، عليه أن يتعرف أيضًا على ما يقوم عليه البلد من نظم وما يسوده من مذاهب، وما فيه من قوى متصارعة، وما يجري فيه من تيارات متعددة، وما يعاني من متاعب، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، ومصادر وعوامل ضعف هذا البلد، حتى يتمكن من معالجتها بالتي هي أحسن من جهة، ومن جهة أخرى يشارك في البناء والتعمير بناء القلوب بالعقيدة والإيمان، وتعمير النفوس بالطاعة لله رب العالمين، إن الداعية الواعي لا ينجح في دعوته ما لم يعرف أحوال من يدعوهم، بما في ذلك اللغة واللهجة التي يتكلمونها، حتى يستطيع الداعية أن يتكلم بلسانهم وينطق بلهجتهم، كل ذلك ينبغي أن يعرفه رجل الدعوة قبل أن يبدأ بدعوته، حتى تكون دعوته من علم وتخطيط، وإحكام ودراسة وبهذا تؤدي الدعوة ثمارها، ويجد الداعية لعمله قبولا وفائدة، وتأثيرا واضحا في قلوب الناس، وسلوكهم، وتصرفاتهم ومعاملاتهم، وفي كل شئونهم الخاصة والعامة.
стр. 92
الفصل الثالث: حسن الاختيار:
١- الموضوع:
من الأمور الهامة للداعية أن يفكر كثيرًا في اختيار الموضوع المناسب للزمن والوقت والبلد، حتى يكون له فائدة وثمرة، فاختيار المواضيع العصرية والتي هي من أحداث الساعة، وتحتاج إلى بيان وإيضاح وما يتعلق بهذه الأحداث من أحكام شرعية تجليها وتوضحها شرعًا، وتقطع دابر البلبلة والخلاف والنزاع بين الناس، مع التنويع في المواضيع والاعتدال فيها، واجتناب الغلو والتعصب للمذهب وقد قال الحق : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ١، عن ابن عباس ﵄ قال: قال ﷺ : "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ٢، فإن الغلو ينتج عنه التعصب المقيت الذي يجب على الداعية أن ينأى بنفسه عنه في القول والعمل، فحاول اختيار المواضيع التي يكون فيها شيء من رفع الهمة، وتقوية العزيمة في حالات الاضطراب والخوف، فلكل مقام مقال، والداعية يجب أن يكون طبيب عصره ينتقي ما لذ، وطاب من الكلام البليغ المؤثر ومن المواضيع الجديدة الحية العصرية التي تعالج مشاكل الناس الاجتماعية والمالية، والسياسية وغيرها مما يناسب العصر
стр. 93
ويحرك في الناس وجدانهم ومشاعرهم، والساحة لا تخلو من ذلك في كل زمان ومكان، وحسن اختيار الموضوع ومناسبته يجعل المستمع مرتبطًا مع الداعية طيلة حديثه، فإن المستمع إذا بدأ يخرج من المكان، أو انصرف عن الاستماع أو نام أثناء الحديث، فإن هذا دليل على عجز الداعية عن اختيار الموضوع المناسب، وعن صياغة الأسلوب صياغة تناسب المستمع، فعليه والحالة هذه أن يغير من أسلوبه، ويسهل من عباراته بحيث تكون سهلة الفهم قريبة المعنى وإذا أتى ببعض العبارات الصعبة المعنى، أو اللفظ فعليه توضيح ذلك، ولا باس أن يكثر لهم من ضرب الأمثلة من واقعهم الذي يعيشون فيه حتى يتضح المعنى ويسهل الفهم، مع إيراد بعض الحكم والأمثال، فإنها نافعة وموضحة للموضوع الذي يتكلم فيه، ومعلوم أن الناس تختلف أفهامهم ومداركهم، فلا بد أن يراعي الداعية ذلك أثناء اختيار الموضوع والحديث، فحسن اختيار الموضوع من الأمور الهامة لجذب الناس وإفادتهم.
стр. 94
٢- الوسطية:
على الداعية مراعاة الوقت فلا يأت بموضوعات طويلة ينثر فيها الكلام نثرًا وكأنه يقرأ في كتاب، أو يهذ عليهم الكلام هذا وكأنه مشغول بشيء آخر يريد إنهاء الحديث سريعًا، ومعلوم أن الناس يحبون الكلام الواضح القصير الذي لا يستغرق منهم وقتا طويلًا، وخاصة الكلمات الوعظية في المساجد فهي تحتاج من الداعية إلى تحضير، وإتقان وإلقاء جيد وصوت واضح فإن إطالة المحاضرة والموعظة أكثر مما حدد لها مما ينفر الناس، ويجعلهم يملون ويكسلون عن السماع والاستيعاب، وبالتالي يفرون ويخرجون. إذًا على الداعية أن يحذر من بتر الموضوع، والاختصار المخل والإسهاب الممل، وإذا كان الموضوع طويلًا ولا بد من استيفائه، فيقسم إلى أقسام متساوية، ومشوقة ومفيدة ونافعة، ومناسبة للزمن يلقيها على فترات، وأن يكون الحديث بإتقان جيد، وأن يختار المتحدث العبارات الجيدة المناسبة للحضور، وأن تكون الكلمات والعبارات جامعة لأطراف الموضوع مانعة من الغموض والإيهام، بحيث تصل إلى المستمع بأوضح عبارة، وأصح مقالة سهلة المعنى واضحة المغزى، أما الموضوعات من حيث الإطالة وعدمها، فإنها تختلف باختلاف الناس والزمان والمكان؛ فإذا كان المستمعون من المثقفين والمتعلمين، وطلاب العلم والمعرفة فإن هؤلاء تناسبهم الإطالة والتفصيل والتوضيح، وذكر بعض الخلاف والترجيح، أما إذا كان المستمعون للداعية من عامة الناس أو خليط من صغار وكبار، فينبغي له أن يراعي عامة الناس، فينزل
стр. 95
إلى مستواهم أكثر، ولا ينسى ما يناسب المثقفين بالإشارة وعدم الإطالة، وإن كان هناك صغار فلا بد أن يشير إلى ما يناسبهم من توجيه وإرشاد، وتشجيع على فعل الخير والتحذير من الشر وبيان عاقبته، وأحيانا يكون الزمان مناسبا والإطالة مطلوبة، مثل مواسم الحج ورمضان وغيرها مما يجعل الناس يحبون الحديث عن أحكام هذه المواسم وما يدور حولها، فعلى الداعية والحالة هذه أن يبسط القول ما دام يرى قبولًا وإقبالًا على حديثه، وأحيانًا يكون المكان غير مناسب، إما ضيقا أو مكتومًا لا يدخله الهواء، أو حارًّا شديد الحرارة، أو الصوت غير واضح للجميع، فعلى الداعية أن يكون فطنًا لهذا الأمر ويوجز في الكلام ويجمل القول في العبارة، ويخفف على الناس معاناتهم فإن هذا أدعى للقبول،
стр. 96
٣- البداية:
من الأمور الهامة في بداية المحاضرة أو الموعظة الثناء على الحضور، والإشادة بهم بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، كما ينبغي لفت انتباه الحضور إلى أهمية الموضوع بالنسبة لهم، ويبين أن هذا الموضوع لا يستغرق منهم وقتًا طويلًا، ولا يستغنون عن سماعه ويشجعهم وبشكرهم على حضورهم وحسن استماعهم، ويبين لهم أثناء حديثه أن الموضوع له علاقة وثيقة بحياتهم اليومية من عبادات، ومعاملات وعادات وتقاليد، وأمور اقتصادية أو اجتماعية إلى غير ذلك ... ، كما ينبغي أن يعلم الحضور أن هذا الموضوع هام حتى يستمعوا إليه بارتياح وانشراح صدر دون ملل أو سأم، ويجعل عباراته سهلة ومتدرجة، وبهذا يستطيع الداعية أن يدخل إلى قلوب الناس يصب فيها ما يريد من أفكار، وأخبار وعلوم ومعارف يأتي لهم بما يقوي عزائمهم، ويشرح صدورهم ويبعث فيهم النشاط، والحيوية بهذا العمل وهذه الكيفية لا يمل المستمع، ولا يسأم حتى لو طال الحديث قليلًا، تجدهم يقبلون على كلامه بكل شوق وارتياح، ولا يريدونه أن يسكت فلكلامه درر وعباراته تصل إلى القلب؛ لأنها تنبع من القلب، ومما يساعد على الاستماع، والبقاء أن يعمل الداعية مقدمة بين يدي الموضوع فهم يحتاجون إليها يبين لهم فيها أن هذا الموضوع يهمهم وله علاقة وثيقة بحياتهم وآخرتهم أو بمعاشهم، أو بأمورهم الاقتصادية أو الاجتماعية، أو بأمورهم التربوية وخاصة تربية الأولاد والطريق الأمثل إلى ذلك، مع أنه ينبغي للداعية بيان فضل الاستماع إلى الذكر والجلوس مع الناس للاستماع، والأجر المترتب على ذلك، والفوائد الجمة التي يجنيها
стр. 97
المستمع ويستفيدها في الدنيا، والآخرة من البقاء والاستماع للذكر، وأن ذلك أي البقاء والاستماع دليل على حب الخير والفائدة، ومن ثم يستطيع المستمع أن يستفيد ويفيد، ويصبح عضوًا نافعا وفاعلا في المجتمع، ينفع نفسه وأهل والمجتمع الذي يعيش فيه، فطلب العلم والاستفادة واجب على كل مسلم ومسلمة، وخاصة العلوم الدينية التي يتعبد الله بها المسلم، ثم يبين الداعية للمستمع أنه لا بد من معرفة الأمور التي يتعبد الله بها بحيث تكون سليمة صحيحة، فلا بد إذًا من حضور مثل هذه المجالس، والمشاركة فيها بالرأي والمناقشة بروح عالية ورغبة جادة في الاستفادة، فعلى الداعية بيان ذلك للحضور والمستمعين، إما عن طريق مقدمة في أول الحديث أو بتخصيص موضوع بعينه لبيان ذلك، وشرحه وتوضيحه من جميع الجوانب، وبيان أن الموضوع عصري ومرتبط بالواقع المحسوس، وأنه يعالج المشاكل الاجتماعية المنتشرة في البلد، ويناقش الظواهر الغير طبيعية عند الشباب، والتي كثيرًا ما نراها تظهر بين فترة، وأخرى بين الشباب تقليدًا أعمى جريًا وراء الموضة -إن صح التعبير- فيكشف الداعية عنها النقاب، ويبين خطر الظواهر الغريبة على ديننا ومجتمعنا المسلم المحافظ، ثم ينبغي أن يشير الداعية إلى أنه سوف يتحدث مثلا عن بعض المذاهب، والانحرافات والخلافات المنتشرة في البلد، والتي تنخر في كيانه وأركانه كما ينخر السوس في الخشب، فيبين الداعية حكم الشرع فيها مقرونًا بالدليل من الكتاب والسنة المطهرة حتى يجلس المستمع، وهو على يقين من الحكم فلا يمل إذا عرف أن الحديث يهمه ويمس كيانه، ويعالج مشاكله ويضع لها الحلول المناسبة.
стр. 98
٤- توحيد الموضوع:
إذا أردت أن تتحدث إلى الناس، فيفضل أن يكون حديثك في موضوع واضح المعالم محدد الهدف، ولا تحاول أن تشعب موضوع حديثك وتبعثره، فتضيع الفائدة، فإن الكلام في موضوع واحد وإشباعه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة من سلف الأمة وعلمائها أفضل وأدعى للقبول.
كما ينبغي لك أيها الداعية ألا تخرج عن الموضوع الذي تتحدث فيه، فتزل بك القدم في متاهات قد لا تستطيع الخروج منها، ومن ثم تجعل الناس يعيشون في دوامة وتذبذب لا يخرجون بفائدة، ولا يستفيدون علما؛ لأن الموضع تشعب وتفتت فتبخر، وطار في الهواء وأصبح كصيحة في واد أو نفخة في رماد. يرجع الجميع -إن صح التعبير- "بخفي حنين"، فلا بد للداعية أن يتحدث في موضوع واحد ولا يخرج عنه إلى غيره حتى يتم فهم هذا الموضوع الذي يتحدث عنه، ويرسخ في الأذهان وتستوعبه النفوس وتعيه القلوب، وإليك مثال على ذلك:
تريد مثلًا أن تتحدث عن مرض العصر "القلق":
أ- أسبابه.
ب- علاجه.
أولًا أسبابه:
١- ضعف الإيمان.
٢- الإعراض عن ذكر الله.
٣- الخوف على الحياة وعلى الرزق.
٤- ارتكاب المعاصي.
٥- الغفلة عن الآخرة.
стр. 99
ثانيًا العلاج:
١- المحافظة على الصلوات الخمس.
٢- قراءة القرآن.
٣- الدعاء.
٤- ذكر الله.
٥- شغل وقت الفراغ.
٦- مجالسة الصالحين الناصحين.
٧- استشارة العلماء وطلب النصح، والتوجيه منهم حول الموضوع.
مع إيراد الأدلة من الكتاب والسنة التي فيها تقوية العقيدة والإيمان، ثم على الداعية أن يركز بعد ذلك على بعض النقاط الهامة، والتوقف عنها وخاصة محور الحديث، مع محاولة تكرار بعض العبارات والألفاظ والجمل والأدلة الهامة، للفت الانتباه إليها وبيان أهميتها حتى تعيها القلوب مع ضرورة التحضير مسبقًا للموضوع الذي تريد الحديث عنه حتى تستطيع الكلام عنه بطلاقة، ودراية ووضوح، فإن الحديث عن موضوع واحد، وإيضاحه وبيانه من جميع جوانبه، وإزالة اللبس والغموض، والتساؤلات التي قدتحصل أو كانت شائعة عند الناس، على الداعية أن يجليه ويوضحه للناس ويزيل اللبس، والغموض عنه حتى يتضح كل شيء للحاضرين والمستمعين، ويخرج الجميع بفائدة واقتناع تام ويحصل الحاضر، والمستمع على ثمرة يانعة من هذه المحاضرة أو الموعظة، بهذا يتحقق الهدف ويحصل المطلوب الذي يسعى له الداعية من نشر العلم، والفائدة التي تجعل جميع الحاضرين، والمستمعين يستفيدون ويخرجون بنتائج إيجابية بحيث يرسخ في أذهانهم كل صحيح موافق للشرع، ويبعد عنهم الغث والمخالف
стр. 100
لشرع الله، وبهذا التركيز على موضوع واحد يستطيع المستمع التطبيق، والتركيز والفهم الاستيعاب، ومن ثم يكون عند المستمع حصيلة علمية عن هذا الموضوع الذي تحدث عنه الداعية، والغريب أن بعض الوعاظ هداهم الله لا يركزون على موضوع واحد بل يأتي أحدهم بعدة مواضيع وأحكام ومسائل، وينتقل من موضوع إلى آخر ومن حكم إلى حكم ومن مسألة إلى أخرى، وإذا انهى حديثه وسألت الجالسين، أو أحدهم هل استفدت شيئًا؟ أجابوك بعدم الفائدة، حتى الموضوع الذي يتحدث عنه الداعية أحيانا لا يعرفونه ولا يدركونه، ولا يعرفون عنوانه وهذا خطأ ننبه عليه هنا، وأخيرا أقول: ينبغي للداعية أن يذكر موضوع المحاضرة، أو الدرس أو الموعظة في أول حديثه، وأن يتبع الطرق والأساليب المعروفة والمألوفة، والتركيز على موضوع واحد وإشباعه من جميع الجوانب، فإن ذلك أدعى وأحرى للفائدة والقبول.
стр. 101
٥- حدث الناس بما يعرفون:
من عوامل نجاح الدعوة أن ينزل الداعية الناس منازلهم ويحدثهم بما يعرفون، فمن كان من أهل الوجاهة في قومه أنزله المنزلة التي تليق به، ومن كان شيخا للقبيلة أنزله منزلته وهكذا ... إلخ، فلكل مقام مقال، وكل حادثة حديث، فلا بد من معرفة أحوال الناس ومراعاة ظروفهم وأحوالهم، وما يناسب مداركهم وأفكارهم وأفهامهم، ولا بد من معرفة الأسلوب الأمثل والمؤثر حتى يسلكه الداعية في دعوته وحديثه مع الناس، فلا يأتي لهم بما لا يطيقون ولا يدركون، فيكذبونه، وقد قال علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله". ويقول ابن مسعود ﵁: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". وحديث الناس بما يعرفون، أي ما يناسب عقولهم، وما تستوعبه مداركهم وأفهامهم، ويكون حديثه معهم بالتدرج في أمور الشرع وأحكامه، وفي الأمور التكليفية كذلك، ويقول أيضا: على المتحدث مراعاة توفر رغبة الناس في الحديث عند التحدث إليهم، كما أمر بالتوقف عن الموعظة عند انصراف قلوب المخاطبين عن المتحدث، فقد روى الإمام البغوي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم١ وأقبلت عليك قلوبهم، فإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم".
قيل: وما علامة ذلك؟ قال: إذا التفت بعضهم إلى بعض، ورأيتهم يتثاءبون لا تحدثهم.
стр. 102
ويقول: أيضا فيما رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"١.
روى مسلم في مقدمته من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم"٢، وكان النبي ﷺ إذا كتب كتابا إلى ملك أو غيره أنزله منزلته، فمن ذلك على سبيل المثال ما كتبه إلى هرقل: $"من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم"، الشاهد هنا قوله: عظيم الروم. فإنزال الناس منازلهم وحديثهم بما يعرفون أمر هام، ومطلوب من الداعية مراعاته في جميع الأحوال، فالحديث مع الشباب يختلف عنه مع الكبار، والحديث مع الصغار والأطفال يختلف عنه مع الشباب، وكذلك الحديث مع العلماء والمثقفين يختلف عنه مع عامة الناس، والحديث مع الحكام والسلاطين، وعلية القوم ورؤساؤهم يختلف كذلك، والحديث إلى النساء يختلف عنه مع الرجال، فلا بد أن يكون الداعية مدركا لهذا وحاسبًا له حسابا من أجل أن يعطي كل ذي حق حقه، ويكون لحديثه وقع في النفس، وقبول في قلوب الناس وتقبل وارتياح، فإن الكلام كلما كان مناسبا لمدارك الناس، وأفهامهم كلما كان أدعى للقبول، وكلما كان بعيدا عن أفهامهم كلما كان قبوله بعيدًا، وبالتالي يكون كلام الداعية هباءً منثورًا، أو كسراب بقيعة، فلا بد من مراعاة الناس وأفهامهم ومداركهم، وأخذهم باللين والتدرج معهم في الأوامر والنواهي خطوة خطوة، فكما أن
стр. 103
المريض لا يأخذ الدواء جرعة بل يأخذه على جرعات وعلى فترات متقطعة، فأنت أيها الداعية تدرج مع الناس حسب فهمهم، وإدراكهم واستيعابهم لمسائل الشرع بأسلوب لبق وبلاغة عالية.
والداعية الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في النفوس، ويقصد إلى تقويتها مع العطف، والصبر على أخطاء الناس وحماقاتهم، من هذا المنطلق لا بد أن يكون الداعية "كيِّس فَطِن".
стр. 104
٦- أسند قولك بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة:
إسناد القول بالدليل وخاصة في الأحكام الشرعية، والأحوال الشخصية والأمور المالية والمعاملات والعبادات، والعادات والتقاليد والحوادث والظواهر الطبيعية وغير الطبيعية، وما يبهر الناس اليوم من التقدم العلمي والصناعي وسرعة الاتصال والمواصلات، والمكالمات الهاتفية بجميع أنواعها وأشكالها حتى أصبح العالم، وكأنه قرية واحدة حيث إنك تستطيع أن تكلم الذي في الشرق، أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، بل تستطيع أن تكلم جميع دول العالم، وأنت جالس في مكانك بل وأنت تسير في البر أو البحر، أو الجو فتخبرهم ويخبرونك بما جد وحدث، وقد يأتي أعظم من هذا العلم الذي بهر الناس في هذا الزمان بما هو أشد منه، وأكثر تساؤلًا ودهشة، فالله سبحنه وتعالى كل يوم هو في شأن قال الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١ وأن ما حصل وما سوف يحصل في المستقبل من خلقه وإرادته سبحانه، كل هذا التطور والتغير الذي بهر عقول الناس، وشد انتباهم ما زال يحتاج من الداعية إلى وعي، وإدراك وربط الناس بالخالق سبحانه، وذلك عن طريق البحث الجاد لهذه الأمور، وربطها بالقدرة الإلهية الباهرة والقوة الإلهية القادرة والغالبة، وأن ما يظهر وما يحدث في هذا الكون بتقدير، وعلم مسبق من الخالق المبدع بل هو سبحانه الذي خلقه وقدره، وأوجده من العدم إلى الوجود بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢ فأنت أيها الإنسان مهما
стр. 105
كنت في القوة فأنت مخلوق ضعيف مخلوق من العدم، وعملك مخلوق أيضا فالفضل والشكر كله لله الذي خلق، وأبدع وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وفطر السماوات والأرض ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١، فدورك أيها الداعية الكريم أن تربط هذا التطور وهذا التقدم الذي بهر العقول، أن تربطه بالقدرة الإهلية وتبين للناس أن الله سبحانه هو الخالق وحده لهذه الأمور، فهو وحده القادر على تدميرها أو تطويرها، تبين لهم ذلك بأسلوبك، ولباقتك المعهودة لتجعل المؤمن يزداد إيمانًا أما الذي في قلبه مرض، وشك وشرك ونفاق فيزداد ريبة، وظلمة قال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ٢.
إن كل أطروحة وكل قول: يحتاج منك أيها الداعية إلى ما يدعمها بالحجة والبرهان، لا بمجرد الكلام فإن الرد من غير دليل، والوعظ بلا برهان بمنزلة هدم العلم بالشك المجرد، ويشترط للدليل صحته، فلا يحدث عن كذوب، ولا ينقل عن غير ثقة، حتى لو كان ذلك في مصلحة الدعوة إذ إن صحة الدليل شرط لقبوله.
وإياك والتحكم في الدليل حسب الهوى، فذلك شأن المبطلين ودأب المضلين، وإن من الأمور الأساسية في أي قول، أو أي ادعاء أن
стр. 106
يسند بالدليل الواضح الجلي من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، فإنه أدعى للقبول، إذ إن الدليل يطمئن النفس ويربح الصدر، ويجعل القبول سهلا يسيرًا، والإقناع ممكنا ما دام هذا القول يوافق الدليل والبرهان، أما إذا كان حديث الداعية، وكلامه خاليًا من الدليل مجردًا من الواقعية يغلب عليه الحشو والعبارات الجوفاء المنمقة، فلا تدخل إلى القلب ولا تؤثر في نفوس المستمعين ولا الحاضرين؛ لأن الناس دائما يطالبون المتكلم بالدليل الساطع "من قال الله قال رسوله قال ألوا العلم والعرفان"، وباختصار "الكلام بدون دليل كالطعام بدون ملح"، فليتفطن الداعية لهذا، وليأخذه بالحسبان ولا يغفله أو يغفل عنه أثناء حديثه مع الناس سواء كان هذا الحديث جماعيًّا، أو فرديًّا خاصًّا أو عاما سرا أو علانية فإنه أدعى للقبول والانقياد، إذ إن الحديث في الوعظ والمحاضرات والندوات، وخطب الجمع والعيدين وغيرها إذا لم يتوج بالدليل من الكتاب والسنة، فإنه يكون حافًّا جافًّا لا خير ولا ثمرة، فكثير ما نسمع الكلام الطويل المنمق، والعبارات المعسولة الفصيحة والجمل البليغة الرنانة الخالية من الدليل أثناء الخطب، والمواعظ لا تعد أن تكون مجرد حشو للكلام، وصف للعبارات لا يستفيد منها أحد، ولا تدخل إلى أعماق القلوب، فيا أيها الداعية إلى الله يا من تبذل وقتك، وجهدك بل وحياتك وأغلى ما عندك في سبيل دعوتك، ومنهجك المستمد من السماء أسند قولك بالدليل دائمًا، ولا تترك مجالًا للشك والريب، وعدم الوضوح عند الناس، فيبقى الناس في شك وريبة من أمرهم ولا يقتنعون بما تقول ولا بما تدعو إليه، فإن الدليل مريح للقلب مريح للنفس يجعل قبول الموعظة سهلًا فلا تدع أقوالك
стр. 107
وكتاباتك دون دليل شرعي، واحذر الأجلة الضعيفة أو المكذوبة، فإنها تفسد عليك كلامك، أو مقالتك أو كتابتك فالزم الدليل في جميع ذلك كله تجد الثمرة، والقبول والأجر والثواب عند الله .
стр. 108
٧- ابدأ مع الناس بالأهم قبل المهم:
عند ما يريد الداعية الحديث إلى الناس، فإنه يحتاج إلى أن يقف قليلا ويتأمل، ويفكر كثيرًا فيما يبدأ به وما هو الأهم، وما هي المواضيع التي يجب أن يبدأ بها، ولكثرة المواضيع وحاجة الناس إلى معظمها، فإنه فعلا يحتار ويبدأ يوازن ويعيد حساباته، ثم يرى موضوعًا مهمًّا في نظره فيبدأ به، وإن كان هذا الموضوع غير مهم في نظر غيره، فالداعية هو بماثبة الطبيب الذي يصف الدواء بعد تشخيص الداء، فإن بعض الموضوعات قد يكون مهمًّا عند غير الداعية، فبعض الناس قد يرى ما لا يرى الداعة بالنسبة للأهمية، والحاجة الماسة إلى موضوع "ما" من بين الموضوعات الكثيرة والمحيرة فعلا، عند هذا التوافق وكثرة الموضوعات الهامة والمحيرة بأيها يبدأ الداعية، فإن هناك معايير ومقاييس يجب مراعاتها والرجوع إليها مثل:
١- التأمل في حاجة البلد إذ تختلف عن البلد الآخر.
٢- المعاصي والبدع المنتشرة.
٣- الظواهر غير الطبيعة في البلد.
وباختصار أقول: إذا اجتمع عند الداعية عدة مواضيع فعليه أن ينتقي الأهم، وما تدعو له الحاجة وما يتطلبه البلد من هذه الموضوعات، ولكن الجامع لهذا كله هو التركيز دائمًا على تقوية الإيمان وترسيخ العقيدة والعبادات، والسيرة النبوية، وسيرة الصحابة والعلماء الأبرار، والأحاديث وشرحها والآداب والأخلاق، وكذلك -وهو الأهم- القرآن
стр. 109
الكريم وعلومه، فهو الجامع لما تقدم، فالبلد الذي تنتشر فيه البدع من تعظيم القبور وكثرة الأضرحة المعظمة، والتي تقصد ببعض العبادات كطلب الشفاعة والشفاء وغير ذلك، فهنا الأولى أن يبدأ الداعية بترسيخ العقيدة من جميع جوانبها، والتحذير من الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، وبيان خطره على الفرد والمجتمع والدول، ثم بعد ذلك يواصل العمل في الدعوة في الموضوعات الأخرى متدرجًا بالأهم قبل المهم، وبإمكان الداعية أن يجمع بين الأبواب المذكورة بأسلوبه الواضح يشبع الموضوع بحثا وبيانًا من جميع جوانبه، ويبدأ بما تدعو إليه الحاجة وما تقتضيه المصلحة، لكن ينبغي للداعية أن يبدأ بالأهم قبل المهم، وخاصة قضايا العقيدة وترسيخ الإيمان، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لما أرسل معاذًا إلى اليمن: "إنك تقدم قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم، وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١، ففي هذا الحديث التدرج في الدعوة وعمومها، وأن المسلم يجب عليه معرفة أمور دينه عن طريق الداعية المحتسب الذي يستطيع توصيل العمل النافع إلى كل الناس، فأنت أيها الداعية الكريم كقائد السفينة، فلا تدع السفينة تغرق وأنت فيه، بل أنت من ربانها، فلا بد أن تلتمس الطرق والسبل التي تجعلك تنجو، وتنجي غيرك بإذن الله من الغرق في أوحال المعاصي
стр. 110
وأعماق البحار المظلمة المخيفة، فاعمل على النجاة من عذاب الله ، فالنجاة إذًا تكون باختيار الموضوع المناسب وتحضيره، ووضع عناصر له مرتبة ومنسقة واجب من واجبات الداعية، والبدء بالموضوعات الأهم ثم التدرج بعد ذلك، وليس أدل على ذلك من حديث مبعوث الدعوة إلى اليمن معاذ بن جبل ﵁، وقد رسم له رسول الله ﷺ هذا المنهج في الدعوة، حين قال له: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله....". الحديث تقدم فالمطلوب من الداعية أن يبدأ مع الناس بالأهم قبل المهم، فإنه أدعى لقبول الفائدة وسرعة الانقياد.