← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23137

المعجزة الكبرى القرآن

محمد أبو زهرة

Полный текст (438 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وذكر الله خلق الإنسانن وما عهد إليه من تكليفات في ثنايا القرآن الكريم، وقد ذكر الكون على أنه مسخَّر للإنسان يكشف منه أسرار الوجود التي يكون في طاقته أن يعلم بها، ويذكر خلق الإنسان وما أودعه الله تعالى من قوى ليعبد الله تعالى وحده. ويذكر أنه بمقتضى ذلك التكوين النفسي والعقلي وكل القوى التي خلقها قد أخذ عليه عهدًا أن يكون ربانيًّا لله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٤] . وبذلك يبيِّن سبحانه أنّ المواهب الإنسانية التي خلقها الله في الإنسان عهد بينه وبين ربه، فإن استجاب لفطرته ارتفع، وإن خالف واتبع الشيطان هوى، وبيِّنَ كيف يهوى، فيقول سبحانه بعد الآية السابقة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥-١٧٩] . النفس الإنسانية في القرآن: ٢٢٧- إذا اتجه التالي للقرآن إلى دراسة النفس الإنسانية من خلال آياته، فإنه بلا ريب في مكان فسيح للدراسة، يعطي مجموعة من المعلومات الحقيقية المصورة للنفس في إيمانها وفي فجورها، ويمكن أن يجد الإنسان فيها قواعد علمية تكشف عن نواميس النفوس، وما تتأثَّر به، وما تتجه إليه في إيمانها وفي انحرافها، ولنتجه إلى بعض هذه المعاني في كتاب الله تعالى، ولا ندَّعي أننا نستطيع الإحاطة بها علمًا، ولا إحصاءها ولو بالتقريب، فإنَّ ذلك يحتاج إلى تفرغ لا قِبَل للأخذ به إلَّا أن يكون ممن يعنون بدراسته، أو من المتخصِّصين في علم النفس، ولنضرب بعض الأمثال، وكثير منها في قصص القرآن، وبعضها في شرح أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين:

стр. 387

"أ" من هذه الأمثلة أنَّ النفس التي تسارع إلى الاعتقاد من غير دليل سابق، ولا فحص لقول لاحق من شأنها أن تقع في الخطأ، وإذا أصرت بعد البيان كانت في ضلال أصابها الصمم عن الحقائق، والعماء عنها، اقرأ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ، وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١، ١٠٢] . إن الذي وهبه الله الهداية لفهم القرآن الكريم بعباراته وإشاراته تبدو بين يديه الحقيقتان الآتيتان: أولاهما: إنَّه يقرّر أنه ليس من شأن الذين سارعوا إلى التكذيب من غير أن يفحصوا ويدرسوا أن يؤمنوا؛ لأن الإيمان يقتضي قلبًا مذعنًا لما يأتي به الدليل، لا أن يكون سابقًا بالحكم قبل الدليل، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالت كلماته: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ وواضح أن العلة في سد باب الإيمان هو مسارعتهم بالتكذيب من غير برهان، ومن يكذب بالبرهان لا يؤمن بما جاء به البرهان. الحقيقة الثانية: إنَّ المسارعة بالتكذيب تؤدِّي إلى تغليق القلب عن أن يصل إليه النور، ويتوالى التكذيب من غير دراسة للأدلة يكون منع الهداية، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] أي: بهذه الحال ومثلها يطبع الله تعالى على قلوب الكافرين، ويتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] . "ب" ولننتقل إلى مثل آخر من كتاب الله، وإنَّه المعين الذي لا ينفد في دراسة النفس الإنسانية، ذلك المثل هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] . فهذا النص الكريم يبيِّن لنا قاعدة في النفس يسترشد بها المربِّي والمهذِّب، والذي حاول معالجة النفوس المريضة؛ إذ يعرف سبب المرض فيطلب له. إذ يبيِّن الله أن الذين أعرضوا عن الوقوف يوم التقى الجمعان سبب توليهم أنهم أصابتهم ذنوب، وأنَّ الذنب يسهل الذنب، والمخالفة تجر المخالفة، وأنه لأجل الطبِّ لهم لا بُدَّ أن يعالج الذنب الأول بالحمل على الإقلاع عنه، وقد يكون ظهور مغبَّته السيئة علاجًا له، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ، لأنهم أدركوا سوء ما كان لهم.

стр. 388

"ج" ومن هذه الأمثلة ما قرَّره الله تعالى من أنَّ النفس غير المؤمنة لا تنضبط، ولا تستقرّ على حال، والنعمة تبطرها وتطغيها، والنقمة توئسها وتشقيها، ولا ضبط ولا انضباط، ولا علاج لذلك إلَّا بالصبر، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩-١١] . وإن هذه الآية الكريمة تشير إلى أنَّ ذلك الفرح الطاغي في حالة، واليأس المميت في وقته مرض إنساني، وأنَّ علاجه الصبر؛ لأنَّ الصبر ضبط النفس، فلا تنزعج للألم، ولا تطغى بالنعم. "د" ولقد بيِّنَ الله تعالى أنَّ سلوك غير الحق هو اتِّبَاع للظنّ غير الناشئ عن دليل، بل عن الهوى، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٧، ٢٨] . فهذا النص الكريم يبيِّن مرض النفس التي تضل، ويذهب بها الضلال إلى متاهات من الباطل، وذلك المرض هو الوهم، فهم يتوهَّمون ثم يهوون ثم يظنون، وليس عندهم دليل يكون علمًا، بل عندهم أوهام وظنون، وإن دارس علم النفس التربوي يجد فيه بابًا من أبواب التربية العقلية بأن يباعد بين الناشئة والأوهام. "هـ" ومن الأمثلة لبيان أحوال النفوس بيان أحوال النفوس التي لا تفكِّر إلَّا في دائرة نفعها أو ضرّها، ومن شأن هذه النفوس أن تكون أثرة متقلبة، لا تذعن للحق ولكن تذعن لنفعها وضررها. اقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] . وهذا تصوير للنفس التي فقدت الإيمان، وحرمت الخير، ولا تفكر إلَّا في محيطها، وهي بلا ريب غير الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . "و" ولنكرِّر مثلًا ذكرناه فيما تلونا من قبل، ونذكره هنا من ناحية البيان النفسي، وهو مثل ولدي آدم، فالله تعالى يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ

стр. 389

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٢٧-٣٢] . هذه الآيات البينات فيها كشف عن النفس المؤمنة المطمئنة الراضية، وكشف عن النفس الحاسدة الحاقدة: "أ" وهي تدل على أمور نفسية تصوّر مصدر الشر والخير، فالنفس المؤمنة تعرف الأمور على وجهها، وتدرك الحق وما أوجبه، فهي ترد سبب قبول القربان إلى التقوى والخوف من الله. "ب" والنفس التقية هي التي تمتلئ بذكر الله وتستشعر خوفه دائمًا، وأنَّ الاعتداء إنما يكون حيث يختفي الخوف ويظهر الطغيان، ولذلك علّل عدم رد الاعتداء الذي بادره به أخوه بأنه يخاف الله رب العالمين، وأنَّ القتل إنما هو جريمة في حق من خلقهم الله تعالى، وهو ربهم. "ج" وتشير الآية إلى النفس منطوية على الخير، وأنَّ الشر عارض لها، ولذا رد المؤمن التقي قول أخيه وتهديده بالقتل بقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ ، وفي هذه إشارة إلى أنَّ النفس التي لم تدنس بشر ليس من شأنها أن تبسط يدها بالقتل. "د" والآيات تدل على أنَّ الحسد هو أساس الاعتداء، فلو انخلع من القلوب ما كان شر ولا اعتداء في الأرض. "هـ" وتدل الآيات أيضًا على أنَّ الاعتداء بالأذى ليس هو الأصل بالنفس الإنسانية، فهو عندما اتجه إلى قتل أخيه عالج نفسه ليحملها على مطاردته في قتله، ولذا عبَّر الله عن ذلك بقوله تعالت كلماته: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ لأنه خسر أخاه وخسر نفسه، فأفسدها. "و" وتدل ثالثًا على أن رؤية المعتدى عليه، والاعتداء قائم يبعث على الندم، والآيات من بعد ذلك تبيِّن أنَّ أساس الكثير من الجرائم هو الحسد، فلو اجتثَّ من النفوس ما كان اعتداء، ولكن الله تعالى يبلو به الناس ليعلم الخير والشر. ولا شكّ أن الدارس للنفس الإنسانية يجد في القرآن معينًا لا ينضب، ولو أن الناس عكفوا عليه لوجدوا فيه أعظم مصدر للدراسات النفسية والاجتماعية.

стр. 390

قصة يوسف في سورته: ٢٣٥- إن المتتبع لقصص الأنبياء في القرآن يجد أنه يتَّجه إلى بيان دعوة النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- الذي يذكر خبره بالتوحيد، ومنع الإشراك بالله، والإصلاح ودفع الفساد، وكيف لاقى قومه دعوته، وما احتج به من أدلة، وما ساق لهم من براهين، وأنواع المعجزات المختلفة التي أمدَّ الله تعالى بها النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- الذي يقص خبره، وما آل إليه أمر الأقوام الذين دعاهم إلى الهدى وإلى طريق مستقيم، فأبوا واستكبروا، هذا شأن القصص القرآني الذي يسوقه الله تعالى في كتابه، ولكنَّا نجد ذلك يختلف في قصة نبي الله يوسف ﵇، حتى يتوهَّم القارئ لها أنَّ نبي الله يوسف ما كانت له دعوة يدعو إليها، ولا قوم يخاطبهم حتى تهجَّم المنحرفون يقولون زورًا من القول. ولكنَّ الدارس للسورة الكريمة يجد أنها طراز آخر من القصص، وفيها كشف عن النفس في ناحية من نواحيها، ودراسة لها في علاقاتها بالمجتمع الذي تعيش فيه؛ إذ هو يوجهها، وإنَّ الدارس لها يجد فيها بيانًا للأسرة في علاقاتها بعضها ببعض، مع علاقة الآباء بالأبناء، وعلاقة الأبناء بعضهم مع بعض، وعلاقات أبناء العلات، كيف يختصمون وكيف يجتمعون، وما يؤدّي الحسد بين أبناء العلات؛ بسبب ما تثور به النفوس المئوقة، وكيف تتصور ما ليس واقعًا على أنه واقع، ثم ما يؤدي إليه الاندفاع بدافع الحسد المقيت. ولنبتدئ بإيجاز القول في القصة من أولها: كان يوسف وأخوه الشقيق من أمّ غير سائر الإخوة، والأب الحاني يعقوب يرى كل أولاده في منزلة واحدة، ولكنه بنظره العميق الشفيق يرى في الإخوة الكبار من النظرات إلى الصغيرين ما لا يطمئن به، فيعمل على ألَّا يكون منهما ما يثير، ويؤجّج النظرات الماقتة، يرى يوسف رؤيا صادقة ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ، فيخشى الأب الحاني أن يؤرِّث ذلك عداوة إخوته فينهاه: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ . ولكن الحسد يوهم الكبار أنَّ أباهم يؤثر يوسف وأخاه بمحبته لما يكون من فضل عطف على الصغير من الإيثار: ﴿قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ، وهنا يصل الحسد الشيطاني إلى غايته: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ، ولكن الشر لا يكون موضع إجماع، فلم يكن إجماع على قتله، بل: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ارتضى الإخوة ذلك الحلّ الذي ينزل من القتل إلى إلقائه في الجب وهو صغير لا يعلم مآله، ولكنهم يحتالون ليأخذوه من

стр. 391

أبيه برضاه: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ ، لكن الأب الكريم بإلهام الأبوة يتوجَّس خيفة على ولده ويخشى عليه السوء، ولكنه يخفي في نفسه سوء الظن بهم، أو لا يكون سوء ظن، ويذكر أنه يحزن إذا غاب عنه مستوحشًا بغيبته، فيقول: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ أخذوه ونفذوا ما دبَّروا وألقوه في غيابة الجب، ولكن نفس يوسف ألهمها الله بأنه سيكون الأعلى، وسينبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون، عادوا إلى أبيهم يبكون، قالوا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ وأحسوا في أنفسهم بالظنّة تعرو أباهم، فقالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ، وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ولكن الأب بفراسته وبإلهام الأبوة ما صدقهم، بل قال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . ٢٣٦- هذه قصة ساقها القرآن الكريم لا لمجرَّد الاتعاظ والعبر فقط، بل فيها كشف عن النفوس يجد فيها الدارس النفسيّ مكانًا للفحص يهديه إليه كتاب الله تعالى. "أ" فهي أولًا: تبيِّن أنَّ علاقة أبناء الأعيان وهم الأشقاء لا تماثلها علاقة أبناء العلات وهم الإخوة والأخوات من الأب من غير الأمن، وتصور الغيرة الشديدة التي تكون بين الأبناء ولو كانوا كبارًا ما داموا في ميعة الصبا، وأنَّ هذه الغيرة تدفع إلى الحسد، والحسد يدفع إلى البغضاء، ووراء البغضاء الجريمة. "ب" وهي أيضًا تصور لنا أنَّ الأبوة الشفيقة توحي بالتظنن وبالاحتراس، فقط تظننَّ نبي الله تعالى يعقوب ﵇ في أن قصَّ يوسف على إخوته خبر الرؤيا قد يدفع إلى أن يكيدوا له كيدًا، ولذا أوصاه بألَّا يخبرهم بها، وتظنن عندما أرادوا أن يخرجوا به، ولكنَّه لم يتمكَّن من منعه عنم. وإنه إذ لم يتمكَّن من منعه عنهم أبدى مخافته من أن يأكله الذئب، وقد كانت منه هذه الكلمة، وكأنَّها كانت توجيهًا لهم ليبدوا العذر الذي يعتذرون به، فجاءوا واعتذروا بأن الذئب أكله، فمن كلامه ابتدعوا قولهم ابتداعًا. "ج" ولكنهم جاءوا أباهم عشاء يبكون، فما سر هذا البكاء؟ ذلك أنهم إذا فعلوا فعلتهم كان فيهم بقية من شفقة، فكان هذا البكاء، كما ندم أحد ابني آدم عندما قتل أخاه. "د" وإنَّ يعقوب ﵇ لم يصدق كل التصديق قولهم، بل لم يصدق مطلقًا، واستعان بالصبر الجميل، وهو الصبر من غير أنين، وجدير أن يكون من النبيين.

стр. 392

ولا شك أنَّ في هذا كله توجيهات نفسية لمن يتدبّر ويعتبر ويستبصر، وكان حقًّا على الذين يدرسون مجتمع الأسرة أن يجعلوا من هذا مثابة للدرس يدرسونه ويبنون عليه، ويسترشدون به. وإنَّ قصة أسرة يوسف لم تنته هذه النهاية، بل إنَّ الإخوة من بعد سيلتقون، وسيتعاتبون أو يتلاومون، ولقد وصل يوسف ﵇ في علوِّه إلى أن مكّن من عرش مصر، فقد مكَّن الله تعالى له في الأرض يتبوأ منه حيث يشاء. جاء إليه إخوته فعرفهم، ونسي بما أنعم الله به عليه مساءتهم، ولعله استأنس بلقائهم ولم يستوحش، ولكنه طلب أخاه شقيقه، وقال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ، قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ولكن شفقة الأخوة وشفقته بأبيه وقومه تغلب طلبه، فيجعل بضاعتهم في رحالهم وهم لا يعلمون، فكانت ثمَّة محبة الأخوة، ومحبة الشقيق. رجعوا إلى أبيهم، وفي هذه الحال كانوا صادقين: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، ولكن ذكراه الأليمة تتحرَّك فيقول: ﴿هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . ثم اكتشفوا من بعد ما جهله عليهم يوسف الصديق فتحو متاعهم فوجدوا بضاعتهم ردت إليهم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ، وفي هذه المرة كان يعقوب ﵇ أحرص من المرة الأولى، فأخذ موثقًا ليأتينه به إلَّا أن يحاط بهم، فآتوه موثقهم. وتحرَّكت الشفقة الأبوية عليهم جميعًا، وخشي عليهم العين، فقال ﵇ لهم: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . دخلوا مصر من حيث أمرهم أبوهم، والتقوا بأخيهم، وآوى يوسف إليه أخاه، وفاضت نفسه إليه قائلًا له: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وأراد أن يبقي أخاه، فلمَّا هموا بالرحيل وضع المكيال المصري في رحل أخيه: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ، قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ، قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ، قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ، قَالُوا جَزَاؤُهُ

стр. 393

مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ ثم وجده في وعاء أخيه، وبحكمهم أخذ أخاه وأبقاه عنده، وتحركم فيهم الحال التي كانوا فيها عندما رموا بيوسف في الجب، قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وبذلك ثارت في نفوسهم الغيرة القديمة، وإذا كانت في أوّل أمرها قد دفعتهم إلى القتل، أو السير في سبيله، فقد دفعتهم هذه المرة إلى الكذب ورمي البريء بالسرقة ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ فأحسوا بالتبعة عند لقاء أبيهم، وأرادوا أن يتشفَّعوا بحال أبيهم الشيخ فقالوا: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ . يئسوا من أن يعودوا بأخيهم لأبيهم الشيخ، وتعرَّضوا للظنون التي لها في ماضيهم ما يؤديها، وهمّوا بالعودة، ولكن كبيرهم كان إحساسه بالتبعة أشدّ من سائرهم، فقال لهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ . عادوا إلى أبيهم وقالوا ما لقَّنهم إياه أخوهم الكبير الذي تخلَّف عنهم استحياء من لقاء أبيه، ولكن الأب الشيخ لم يطمئن إلى ما قالوا، وقال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ . وإن الأمر إذا تأزَّم كان من لطف الله بعباده أن يفتح نافذة من الأمل في وسط التأزم، فكانت تلك النافذة، وقال نبي الله الشيخ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ، وفي وسط هذه الحال استيقظ الماضي فتذكَّر ابنه المفقود يوسف الذي لا يعلم حاله، أهو حيّ يرزق أم ميت قبر، وقد برَّح به الحزن، ويقول الله تعالت كلماته في وصف حاله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ . رأوا أنَّ أباهم لا يزال يذكر يوسف، ولا يني عن ذلك حتى يتلف جسمه أو يموت، وصارحوه بذلك، فقال الشيخ الجريح القلب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وفي وسط هذه الغمَّة عادت إليه بارقة الأمل كما عادت أولًا، فقال بحنان الأب الشفيق: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ .

стр. 394

استجابوا لطلب أبيهم وذهبوا يبحثون، وإن مكان الأخ الأخير معروف عندهم، وأما الأخ الذي غيبوه فهم لا يعلمون حاله ولا ماله. ذهبوا إلى المكان الذي تركوا فيه الأخ الأخير، فدخلوا على عزيز مصر "يوسف" و ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ . هم جاءوا للبحث عن أخيهم، ولكنَّهم جعلوا المدخل إليه أن يقولوا أنَّهم جاءوا ببضاعة مزجاة، وهنا نجد يوسف الصديق يحِنُّ إلى جمع الشمل بعد إذ تفرَّق، فيقول لهم عاتبًا معتذرًا عنهم إذ فعلوا ما فعلوا جاهلين، يقول الأخ المحب لإخوته: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ وهنا تلهمهم عاطفة الأخوة الحبيبة إلى أنه يوسف، وإن تغيَّرت الأحوال، واختفت سيم الطفولة وبدت سمة الرجولة: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ . وهنا تظهر الأخوة المحبة المتغاضية عن الإثم من الجاهلين، فيقول الكريم ابن الكريم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . وقد علم حال أبيه وطبّ لعلاجه، وقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . كان الأب العطوف يحس، وهم في الطريق إليه بأن ريح يوسف تهب نحوه: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . ولا نقف طويلًا عند ارتداد البصر إلى نبيّ الله يعقوب ﵇ بعد أن ابيضَّت عيناه من الحزن، أهو بسبب الفرحة الشديدة أم هو خارق للعادة، وما ذاك بغريب على الأنبياء، ونحن نميل إلى الثاني، فإنَّ يوسف ﵇ كان متنأكدًا، ولم يكن متظننًا له. جاءت الأسرة إلى مصر حيث سلطان يوسف ﵇، والتقت على المحبة بعد أن فرقتها غيرة الجهل: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ

стр. 395

نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٩٩، ١٠٠] . ٢٣٧- لم نتتبع قصة الصديق نبي الله يوسف من وقت أن رموه في الجُبّ، وأردنا أن نربط بين أجزاء الأسرة لنعرف مقدار ما يتبيِّن من القرآن من حال النفوس في ميعة الشباب وجهالته، وما يكون منها بعد أن تسكن عواطف الغيرة، وتتوافر بواعث الرحم. ذهب إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون، ورجَّحنا أن يكون بكاء حقيقيًّا، وليس كدموع التماسيح كما يقولون، وقلنا: أنها انفعالة الرحم، وإن لم يكن لها أثر عملي؛ إذ كانوا يستطيعون أن يعودوا ويستنفذوه من الجبِّ الذي ألقوه فيه، ويظهر أنهم كانوا بين عاطفتين متضاربتين: عاطفة الرحم الجامعة، والغيرة الملحة الباعثة على البغضاء، فذرَفت عيونهم بالعاطفة الأولى، وأقعدتهم الثانية عن أن يزيلوا ما فعلوا، وما ارتكبوا في حق أخيهم. ونترك أولئك الإخوة في حيرتهم، واضطراب عواطفهم، ولنتجه إلى الأب المكلوم الذي فقد ولده، فإنَّا نلاحظ فيه ثلاث عواطف، كل واحدة تجري على لسانه: أولها: ألم الفراق الذي أصاب نفسه، لقد كان ولده الحبيب المقرّب الصغير، والصغر ذاته يجلب المحبَّة ويجعله أكثر قربًا، وآثر بالمحبة من غير أن يفقد أحد من أولاده محبته، فالحب الأبوي يقبل الاشتراك، ولكن في تفاوت بالسن، وبالقرب وبالخلق، وبالمخايل التي تدل على الانفراد بمزايا دون غيره. والثانية: إنَّ الذين كرثوه بهذه الكارثة التي هدَّت كيانه، وجعلت عيناه تبيضان من الحزن، هم أولاده وأفلاذ كبده، فلا يمكن أن يكونوا أعداءه، ولا يمكن أن يبغضهم، لأنَّ بغضهم يكون ضد الفطرة، وتلك حال لا يصبر عليها إلَّا أولوا النفس القوية التي هي نفوس الأنبياء والصديقين، وفي الموقف الذي وقفه الشيخ من إحساسه بالألم من أولاده، مع إحساسه بعاطفته مجال للدرس والتحليل، وجَّه القرآن الكريم إليه أنظار الدارسين والفاحصين. الثالثة: إنَّ يعقوب ﵇ كان في قلبه إحساس عميق بأنه سيلقى ابنه في المستقبل، إن لم يكن في القريب العاجل ففي البعيد الآجل، فهو إذ يتهم أبناءه، ويقول لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ يقول أيضًا صابرًا: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ويقول وقد غاب عنه ابنه الثاني بعد أن تباعد الزمان، وأن يكون قد غمّى على الموضوع النسيان: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف] .

стр. 396

وإن ذلك الإحساس الكريم الذي يتغلغل في النفس المؤمنة موضع تحسن دراسته وتعرفه، ولا شكَّ أن هذا ليس من خواصِّ الأنبياء، بل طبيعة في النفوس المؤمنة الطاهرة الملهمة من غير وحي، إنما هي الصفاء النفسي. وإنَّ قصة إخوة يوسف مع أخيهم وأبيهم وموقف أبيهم، وهو الحامل للأسى من غير أن يقف من أبنائه موقف تنبيه للواجب الذي يتّخذ عندما تصاب الأسرة، فيكون على كبيرها أن يجمعها ولا يفرقها، ولا يذهب به فرط محبته وأساه إلى تبديل المحبة بالعداوة. ٢٣٨- نعود إلى الأولاد الذين آذوا أخاهم، ولجَّت بهم الغيرة، لقد اعتراهم الندم ابتداءً، وإن لم يظهر له أثر عملي. ولكنَّهم علموا مقدار خطئهم عندما بلغوا أشدَّهم، أدركوا مقدار ما فقدوا من أخٍ، وإن لم يكن كإحساس أبيهم، بل إحساسهم تشوبه بقايا الغيرة، وقد تبينت عندما أحسوا بأنَّ أخاهم الثاني تسبَّب في تأخير بضاعتهم. وإنَّ الغيرة كما نرى في كلامهم تثير النفس، فلا تندفع إلى البغضاء فقط، بل إلى الكذب، ولكنَّهم على كل حال كانوا في كبرهم يغلب عليهم حنان الأخوة، ولشدة ما كانت فرحتهم عندما علموا أنَّ عزيز مصر هو أخاهم، وقد قالوا وهم في طريقهم ﴿نَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ . إن قصة يوسف في أسرته هي قصة أسرة فرَّقت الغيرة بعض عناصرها، فكانت حكمة الأب الحاني هي التي منعت المأساة من أن تسير إلى غاية من الضلال، بل وقف بها في أقصر حدودها، وهي تبيِّن كيف تعود المحبة بسيادة العقل، وفعل السن، وإثارة المودة. وفي ذلك درس حكيم للأسر التي تصاب بمثل هذه، وفيه أيضًا دروس نفسية عميقة لمن يطلبها.

стр. 397

المجتمع المصري في عصر يوسف: ٢٣٩- ألقي يوسف في الجبِّ، وصارت حياته عرضة لكل مفترس، وقد ذكرنا آخذين مما تلونا أنَّه لم تصبه رعدة الخوف، وألقى في قلبه الاطمئنان، وألهمه الله تعالى أنه ناجٍ، وأنه سينبئ إخوته بأمرهم في وقت يكونون فيه في البأساء، وهو في السراء، ويكون هو العزيز بعناية الله تعالى وهم الأذلاء. ولم يمكث في الجب طويلًا، بل جاء جماعة ممن يسيرون في الصحراء، وألقوا في الجب دلوهم ليستنبطوا ماء، فرأوا غلامًا استبشروا به، وكان في ذلك الزمن وما قبله وما بعده يفرض الرق على كل غريب، حتى جاء الإسلام فألغى هذا وغيره، وقد أخذوه بضاعة، وباعوه بثمن بخسٍ دراهم معدودة، ولم يكونوا راغبين في بقائه. وقد توسَّم الذي اشتراه من مصر فيه الخير، وقال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، وبذلك ربِّي في كلاءة ربه كما صنع مع موسى؛ إذ ألقاه إخوته في الجبِّ حسدًا وإيذاء، كما ألقت أمّ موسى ولدها وقد وضعته في التابوت حرصًا أو فرارًا به من الموت. وبهذه المحبَّة التي أضفاها الله على من اشتراه مكَّن الله ليوسف في الأرض وألهمه الحكمة، وعلَّمه تأويل الأحاديث والرؤى، ولمَّا بلغ أشده آتاه الله تعالى حكمة وقدرة على الحكم على الأشياء والأشخاص، وصبرًا وإدراكًا. آل أمره إلى أن يكون في بيت حاكم مصر، وأن يكون خازن أسراره، ومتصلًا بامرأته، على أن يكون خادمًا خاصًّا. وهنا نجد القرآن في تلك القصة الواقعة يصور لنا نفس المرأة المترفة الفاكهة في العيش والنعيم. رأت على القرب منها فتًى جميلًا ذا فتوة وقوة، فراودته عن نفسه، وغلَّقت الباب ونادت طبيعته البشرية، قالت له: أقبل، ولكنه في خلق النبوة يقول لها: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ فالخُلق يمنعه والوفاء يصدُّه. ولكنها أخذت في الإغراء، وأرادت أن توقظ فيه الغريزة، ولعلها أيقظتها ولكن غلبه نور الهداية على الغريزة الدافعة؛ إذ رأى نور الحق، وهو نور ربه. وفي هذه الصورة الواقعة صورة الحياة المترفة كيف تفسد النفوس؟ وكيف يغري بالرذيلة وجود الخدم الأقوياء في خدمة ذوات الخدر، وكيف تكون الإرادة الصابرة كابحة للغريزة الجامحة، وحائلة بينها وبين الشر. تلك حال جديرة بالدرس على ضوء القرآن. وتجيء من بعد تلك المعركة بين الهوى الجامح والحكمة والإرادة القوية، وهو يذهب إلى الباب فارًّا من الرذيلة، وهي تذهب وراءه تجره إليها، وتكون المفاجأة لها، وسرعان ما تكشف عن خلق المرأة وهو مسارعتها إلى اتِّهام البريء إذا لم تحقق رغبتها، بل شهوتها، فتستعدي عليه زوجها، وتثير فيه الحمية، لقد وجدا سيدها لدى الباب الذي يتسابقان إليه، هو ليفرَّ وهي لتشدّه إليها. ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ شكت ظلمًا وحكمت ظلمًا، ولكنه حكم ليس فيه الموت؛ لأنها ترجوه لها بعد ذلك.

стр. 398

ولكن يوسف يدفع التهمة الكاذبة بالقول الصادق: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ . صارت القضية موضع نظر، وقد وجد الشاهد الحسيّ الذي يشهد له، فقد قُدَّ قيمصه وقت الاستباق إلى الباب. فاستشهدا بذلك الشاهد، فقال الحكم الذي حكم: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ؛ لأنه يقَدُّ وهو مقبل عليها، وهي تدفع عن نفسها: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ، فرأوا القميص قُدَّ من دُبُر، فهو كان يفر وهي تجذبه بشد قمصيه: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ . عرفت البراءة، وأنَّ يوسف كان فريسة كيد النساء، وتلك حال يوجّه القرآن الكريم إليها لدراستها. وهنا نجد السيد يبدو متسامحًا، ولعلَّه وجد معذرة لها في جمال يوسف وكماله، فاكتفى بأن قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ . ونجد في هذا الموقف توجيهًا للدراسات النفسية في المرأة وفي الرجل العفيف، وفيما ينبغي ملاحظته في داخل البيوت وأكنانها. إذا خرج الخبر عن اثنين شاع، ولو تواصوا بالأسرار، فإنَّ الخبر قد شاع في المدينة وتناولته جماعات النساء، وإنهن ليهمهنَّ أمر الحب والمحبين ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . شاعت الأقوال في المدينة وتناولته الجماعات، وعلمت امرأة العزيز بما يقلن، وما يدبّرن وينشرن من أقوال، وهي تعلم قلوبهن وما يستهوين. أعدت لهن متكأً ولعلها كانت وليمة؛ إذ أعطت كل واحدة منهنَّ سكينًا وقالت: أخرج عليهن: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ، وأعلنت هواها. ورغبتها الشديدة وإصرارها، وقد رأتهنّ يعذرنها، وقالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ وهنا نجد النفس المؤمنة تقاوم طغيان المرأة وتحكمها فيقول:

стр. 399

رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ . تشايع القول وكثر، وصارت امرأة العزيز قالة الجماعات، فكان لا بُدَّ أن يستر الموقف، وستره في الجماعات الظالمة أو الجماعات المتسترة تكون على المظلوم دائمًا، ولا تكون على الظالم أبدًا، وذلك أن يسجنوه تخفيفًا للشائعة، أو توجيهًا لها لغير أهلها: ﴿بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف] . ٢٤٠- هذه قصة فيها تكشف النفوس عن خبايئاتها، وهي توجيهات لتالي القرآن الكريم إلى حقائق النفوس، رجالًا ونساءً، أتقياء وفجَّارًا. دخل يوسف في حياة جديدة، بعيدة عن كل مظاهر الزينة وبهجتها، وإذا كان الغلام ردف النعمة بعد أن ذاق البلاء ابتداءً، فقد جاءه البلاء مرة أخرى، ولكنه في هذه المرة ينزل إلى الضعفاء ويعاشرهم، يتصل بنفوسهم، وعلَّمه الله تعالى تأويل الرؤيا. يدخل معه السجن فتيان: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، وهنا تبدو خوارق العادات والدعوة إلى الله على يد نبي الله يوسف ﵇ يقول: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ، وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦-٤٢] . لا شك أنَّ علم يوسف من غير معلم، وتأويله للأحلام من غير ملقن، بل بالإلهام المجرَّد من خوراق العادات التي تجري على أيدي الأنبياء. خرج السجين الناجي من السجن، وصار ملازمًا للملك، ولكن فرحة الخروج والاتصال أنسته زميله في السجن، فزادات المدة ليزداد تعلُّمًا من أحوال الناس، حتى وجد حاجة الملك إلى من يئول رؤياه، فتذكَّر صاحبه عند الحاجة إليه، وهذه كلها

стр. 400

أحوال نفسية ينبِّه القرآن إليها، وكان تأويل الرؤيا، والتنظيم الاقتصادي الذي استلهمه يوسف الصديق من الرؤيا، ولنذكر الأمر كما جاء في القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٥-٤٩] . كان ذلك التأويل الصادق مصحوبًا ببيان الترتيب الاقتصادي سببًا في أنَّ الملك رغب في الاستعانة به، قال: ائتوني به، فامتنع السجين الأبيّ عن الذهاب حتى تثبت باءته: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فعرف الملك حالهنَّ، فسألهنَّ: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥١-٥٥] . ٢٤١- هذه وقائع وقعت من وقت أن دخل يوسف السجن إلى أن خرج منه مستوليًا على خزائن يديرها بحكمته، ويسيِّر نظامه بإرادته، وتعلّمه من ربه، وهو نبي يوحى إليه، وكل واقعة من هذه فيها تنبيه إلى ناحية من نفس الإنسان، وارتباطه بالمجتمع الذي يعيش فيه، فدخوله السجن لكمال خلقه، وكمال جسمه، وما كان حوله، وما يفعله الحكام ليدرءوا عن سمعتهم ما ينالها من سوء صادق، ويكشف فيه عن نفس المرأة وسيطرة العاطفة عليها، وكيف دفعتها عاطفتها في موقفها الأول من مراودته، ثم ما كان من إصرارها بعد أن أخذت المعذرة المسوغة من النسوة، ثم ما كان من عاطفة المحبَّة التي انتقلت من مراودة إلى اعتراض، وإلى استغفار. وفي الحقيقة أن الدارس الذي يريد معرفة أطوال النفوس، وما يعروها سواء أكانت نفوس رجال أم نفوس نساء يد في القرآن معينا لا ينضب من الحقائق النفسية التي تكون محور دراسته. ولكنا لا نريد أن يطبقوا ما يعلموا من علم النفس على القرآن ويحملوا ألفاظه مالا تحتمل، ولكن أن يجعلوه مرشدا يحكم على عملهم، لا أن يكون عملهم الحكم عليه، والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 401

تفسير الكتاب مدخل ... ٢٤٢- كان بعض أساتذتنا ﵏ يرى أن القرآن الكريم لا يحتاج إلى تفسير إلَّا في بعض الألفاظ الغريبة على القارئ، فإنه يستعين عليها بالمعاجم تبينها، أو بالأحرى تقرّبها للقارئ، وإلَّا بعض آيات الأحكام والمجملات المبينة بالسنة، فإنها تفصِّلها وتوضّح بالعمل والقول مراميها وغياتها، وما عدا ذلك فإنه بَيِّن لا يحتاج إلى بيان، إلَّا أن يكون متشابهًا لم يعرف بيانه بسنة ثابتة السند، فإن هذا لا تفسير له، ومن الحقِّ أن يقول فيه التالي لكتاب الله : ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، وكما قال تعالى في الراسخين في العلم: ﴿يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧، ٨] . هذا نظر أستاذنا الكبير -بلَّل الله تعالى ثراه. ولا شكَّ أنَّ قول هذا له سند من القرآن الكريم، فقد وصف بأنه مبين، أي: بَيِّن، والبيِّن لا يحتاج إلى تبيين، ووصف آياته بأنها بينات، فقد قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] . وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١] . وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٥] . وقال تعالى: ﴿طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١] . ويقول -جل شأنه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا﴾ [الجاثية: ٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٣٤] . وإنَّ هذا كله يدل على أنَّ القرآن بَيِّنٌ، وكيف يحتاج الكلام البيِّن إلى من يبينه، إنه يبين نفسه، وهذا بخلاف المجمل من آيات الأحكام، فإنه قد جاء النص بأنه يبينه النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . ٢٤٣- هذه نظرة خاطرة لأحد شيوخنا، وعلَّل الذي دفعه إلى ذلك القول ما تورَّط فيه بعض المفسرين من نقل إسرائيليات قد تفسد المعنى الذي يبدو بادي الرأي

стр. 402

من الآيات الكريمات، وأنَّ بعض كتب التفسير التي تأخذ ذلك المأخذ، وتتجه إلى الإكثار من القصص والأساطير الإسرائيلية تضع ستارًا كثيفًا بين الآية الكريمة ونورانيتها المشرفة، فهو -رحمه الله تعالى وجزاه عن العلم خيرًا- يريد أن يجد التالي للقرآن الإشراق والنور من غير حجب يحجبها من روايات ما أنزل الله بها من سلطان. وإن لذلك القول وجاهته، وإنك بلا شك لو تتبعت أكثر آيات القرآن الكريم التي لم تتعرّض للأحكام العملية تجدها واضحة بينة، وإن استبهمت علينا بعض الكلمات لبقايا العجمة فينا، فإنَّ المعاجم تحل لنا إشكالنا، وهو لعيب فينا وليس لإبهام في القرآن ينافي وصفه بأنه مبين، وآياته بينات. وإذا كان ثمة موضع للتفسير، فإنه يكون بتوجيه الأنظار للأسرار القرآن البيانية، والمرتبة العليا البلاغية التي لا تناهد، ولا تسامي، وليس في قوة أحد من البشر أن يأتوا بمثلها. وإنَّ الزمخشري حاول ذلك في تفسيره، ووصل في كثير من الآيات إلى توجيه القارئ إلى الأسرار البلاغية، ونهجَ من بعده من سلك ذلك المسلك، وحاول محاولته. ونحن نرى أنَّ هذه محاولات ناجحة في جملتها، وفي كثير من آيات الكتاب، ولكنا لا نحسب أنَّهم وصلوا إلى الغاية أو أدركوا نهايته، فإنه كتاب الله العزيز الحكيم، لا تتناهى معانيه، ولا يحاط بكل مغازيه، وإن تلك المحاولات مفاتيح للنور، ولكنها ليست النور. ٢٤٤- بعد هذه المقصدمة التي لا بُدَّ أن نذكرها لنعرف مدى الجهود التي تبذل، والغاية التي تغيا عند محاولة التفسير، وإن كنَّا نؤمن بأنَّ القرآن كتاب مبين، لا يحتاج إلى بيان، ولكنَّا نحتاج إن كان في قدرتنا إلى أن نتعرف أسرار بلاغته، وموضع فصاحته، ونقارب ولا نحد، ونسدد وإن كنا لا ندرك، ولا تصيب سهامنا، ولا نصل إلى حال يكون معها يقين بأنَّ ما وصلنا إليه هو سر الإعجاز، وغاية البيان. وبجوار الذين قالوا: إن القرآن مبين بذاته لا يحتاج إلى من يبينه، ويفسره، وكان من يرى أنَّ القرآن يتعبّد به، ويتلَى تلاوة، ولا تتعرّف معانيه إلَّا بتعريف من النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا شك أنَّ ذلك القول غريب، ولكن وجدناه في كتب المعتزلة، وجدنا القاضي عبد الجبار يذكره في كتابه "المغني"، ويستدل على بطلانه فيقول: "الذي قدَّمناه الآن يدل على فساد قولهم" أي: إننا لا نطلب دلالة القرآن؛ لأنَّا قد بيَّنَّا أنه يقع منه تعالى على

стр. 403

وجه يدل على المراد، كوقوعه من أحدنا إذا تكامل على شرط دلالته، ألا يصح منه تعالى أن يخاطب به وهو موضوع لفائدة إلّا وهو يريدها، وإلّا كان في حكم العابث، وقد ذكر شيخنا أبو هاشم -رحمه الل-هـ أنه إذا لم يكن معنى يستدل به عليه، أو به وبغيره، فلا فرق بين كونه على هاتين الصفتين، ويبيِّن أن يكون الكلام من المخاطب بهذه الصفة"، أي: إنه إذ لم يكن له دلالة، فلا فرق بين أن يكون عربيًّا أو عجميًّا من يقرؤه. ثم يقول: "ولا خلاف بين المسلمين أنَّ القرآن يدلُّ على الحلال والحرام، والكتاب قد نطق بذلك؛ لأنه تعالى قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [النساء: ٨٢] ، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقال تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ ، إلى غير ذلك مما يبيِّن به أنه يفيد، فكيف يصح مع ذلك ما قالوه؟ "١. ويفهم من هذا الكلام أنَّ ثمَّة من الناس من يرى أن القرآن للتلاوة والتعبُّد بتلاوته، وقراءته في الصلاة، كما يفعل الأعاجم الذين لا يعرفون العربية، وأنه يسوق الأدلة لبطلان هذا القول فيقول: "وبيِّن شيوخنا أنه لو لم يكن له معنى لا يكون معجزًا، لأنَّ إعجازه هو بما يحصل من المزية والرتبة في قدر الفصاحة، ولا يكون الكلام فصيحًا إلَّا بحسن معناه وموقعه واستفاضته، كما لا يكون فصيحًا إلَّا بجزالة لفظه، ولو أنَّ واحدًا من المتكلمين ألَّف الكلام المهمل جملة، وتكلَّم بها من غير مواضعه لم يعد من الكلام الفصيح، كما لو كان في معناه ركاكة لم يكن منه، وكما لو ركَّ لفظه لم يعد في ذلك، فكيف لمن أقرَّ أنه معجز أن يزعم أنَّه لا معنى له، وأنه لا فائدة منه"٢. هذا كلام القاضي عبد الجبار، ولولا نقله لهذا الكلام ما تصورنا أن يوجد من يقول إن القرآن لا يطلب معناه، وأن القصد منه التعبد بالتلاوة في الصلاة، وخارج الصلاة. ولعلَّ الذي دفع هؤلاء إلى ذلك القول إن صحّ نقله أنهم يتوقفون خشية أن ينحرف بهم الفكر، فيصرفوا معاني القرآن إلى غيرها لانحراف في التفكير، أو تزيد عليه، فرأوا أن يكتفوا بالتلاوة والتعبُّد بها واقفين عند ذلك، حتى لا يقولوا على الله بغير علم. ومهما يكن مقصدهم، فإنَّ ذلك الرأي إذا قاله قائل لا يؤخذ به، ولا نعلم أحدًا قاله إلا ما تعلَّمنا من المغني. ٢٤٥- إنَّ القرآن مقصود بمعانيه وبتلاوته، وترطيب الأسماع به، وبالتعبُّد به وبألفاظه، فكلّ ما اشتمل عليه مقصود لذاته، لا بالتبعية لغيره، فهو مأدبة الله تعالى.

стр. 404

وقد يقول قائل: إذا كان القرآن بينًا وإنه لكذلك، فما مكان التفسير في ذلك؛ لأنَّ التفسير لا يكون إلَّا عند حاجة للتبيين، والقرآن الكريم كما تلونا من قبل كتاب مبين، وقرآن مبين، وبلسان عربي مبين، وهل يستغنى عنه. ويبدو لي أنَّ العربي الذي لم تلتوِ لغته برطانة غير عربية، ويفهم العربية لا يحتاج إلى تفسير إلَّا فيما يتعلق بآيات التكليف العملي والأحكام العملية، وما يستنبط من القرآن، وإنها لتتفاوت في ذلك تفاوتًا كبيرًا. ومهما يكن فإنَّ التفسير علم يدرس، وهو مفيد، وهو قائم منذ عهد التابعين إلى اليوم. وله بلا ريب فوائده، وله غاية إن سلك المفسِّر الطريقة المثلى، وإن جعل المفسر مرامي القرآن هي المقصودة، ولا يتجه بكتاب الله إلى تحريف المعاني، والانحراف عن المقاصد، وإنه لا بُدَّ من التفسير لأمور كثيرة: أ- العمل على ربط معاني القرآن بما ورد في السنة الصحيحة من بيانه، وفي استعانة بالمبين للقرآن وهو الحديث، ووضعه في مواضعه، حتى لا تضل الأفهام في فهم معاني الأحكام؛ ولأنَّ بعض ألفاظه يشترك بين عدة مدلولات، والسنة النبوية هي التي تحدد المدلول المراد. ب- وإنَّ الذين يقرءون القرآن لبسوا جميعًا في مستوى العربي الذي يدرك معاني الألفاظ بمجرد استماعها، ومن الألفاظ ما فيه بعض الغرابة حتى على بعض العرب، بل بعض كبارهم، ولقد روي أن عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين لم يتبيِّن عنده معنى لفظ "أبَّا" في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فقد سأل عن معنى الأب، واستكثر -رضي الله تعالى عنه- على نفسه ألَّا يغيب عنه معنى لفظ من ألفاظ القرآن. هذا عمر ﵁ يغيب عنه معنى لفظ من ألفاظ كتاب الله تعالى، فكيف تكون حال من دونه من الصحابة علمًا، وكيف تكون حالنا نحن الذين دخلنا العربية وفينا العجمة التي غلبت الفصحى في كل مكان. ج- ولا بُدَّ من بعد ذلك من تفسير إلى اللغات غير العربية، أو يفسّر القرآن ابتداءً بغير العربية على أنَّه تفسير فسَّره واحد، أو اشترك فيه جماعة، ويكون المترجم هو التفسير الذي يذكر معنى القرآن على وجهه نظر المفسر؛ لأنَّ القرآن أعلى كلام بليغ في الوجود، والكلام البليغ لا يمكن ترجمته من لغة إلى لغة محتفظًا ببلاغته؛ لأنَّ البلاغة تتضمَّن إشارات بيانية، ونغمَات فيها موسيقى، وحلاوة ألفاظ، وتآخيها، وجمال أسلوبه، وتساوق معانيه، ولا يتوافر لأحد من الناس أن ينقل كل الصفات

стр. 405

البيانية والبلاغية للألفاظ القرآنية، وقد حاول في اللغة الفرنسية بعض العلماء الأوربيين المتخصصين في العربية ترجمة القرآن برتبته البلاغية، فقضى في محاولة ترجمة آية مدة طويلة، وانبتَّ دون ذلك. د- وأن القرآن الكريم له عدة قراءات متواترة، وكل قراءة، وهي متلاقية في معانيها، وليست يقينًا متضاربة، بل إنَّ بعض القراءات تزيد معاني عن القراءة الأخرى، أو توجه معناها في اتساق محكم دقيق لا خلل فيه، بل لا يتصوّر قط أن يكون فيه خلل، وإنَّ التفسير المحكم هو الذي يذكر ذلك التلاقي، فمثلًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فقد قرِئَت بضمِّ الفاء، وهي تدل على أنَّ الرسول ﵊ من العرب أنفسهم، وليس غريبًا عنهم، وقرِئَت بفتح الفاء، وهي تدلَّ على أنه من أعلاها نسبًا وخلقًا ومكانة وشرفًا، وبضم القراءتين يكون المعنى أنَّ الرسول ﵊ من أعلى العرب. هذه بعض الأسباب التي توجب أن يكون للقرآن تفسير، وإن كان بيِّنًا مفهومًا، وهناك وجه للتفسير لا بُدَّ من الإشارة إليه، وهو بيان الأسرار التي تضمنتها ألفاظ القرآن، وتضمنها علم الكتاب من غير إرهاق للألفاظ، ولا إعنات لمعانيه. وإن من كتب التفسير ما حاول الكاتبون لها بيان الأسرار البلاغية في بعض ألفاظ القرآن كالزمخشري كما أشرنا، ومن جاء بعده من المفسرين الذين نهجوا منهاجه وزادوا عليه، وقالوا في آيات مثل قوله، وثَمَّة آيات لم يتعرَّض لبيان أوجه البلاغة فيها. مناهج التفسير: ٢٤٦- إنَّ المناهج في التفسير تختلف باختلاف ما يستعين به المفسر من مصادر التفسير، وإنَّ الذي يمكننا أن نحصيه من مصادر التفسير للقرآن أربعة: أولها: المأثور عن النبي ﷺ . ثانيها: المأثور من أقوال الصحابة الكرام، وتلاميذهم الذين اتبعوهم بإحسان، ونقلوا تفسيرهم؛ كمجاهد الذي نقل عن ابن عباس ﵄. ثالثها: اللغة؛ إذ هي في ذاتها أداة التعبير، ولا يمكن الاستغناء عنها في أيِّ منهاج من مناهجه، فهي لا تعد مصدرًا مستقلًّا؛ إذ هي تدخل في كل المصادر. رابعها: الرأي، وهو يعتمد ابتداءً على اللغة، وعلى مصادر الشريعة ومواردها ومراميها، وغاياتها، وأسرار القرآن، وتعرُّف وجوهه. ولا شكَّ أنَّ اللغة هي الساس الأول لكل هذه المصادر، ولا نقصد باللغة ما تومئ إليه المعاجم فقط، فإنَّ تفسير النبي ﷺ لا يمكن أن يكون مخالفًا للعربية ومعانيها؛ لأنه العربي الذي ينطق بجوامع الكلم، وليس في الكلام العربي ما يكون أصدق مصدر للاستعمال العربي الصحيح من أقوال النبي ﷺ .

стр. 406

٢٤٧- ولننتقل من بعد إلى الكلام في المصادر الثلاثة الأخرى. فأولها: وهو أعظمها السنَّة؛ لأنها الشارح الأول للكتاب الكريم، وإنَّ أحكام الحلال والحرام لا تفصيل لها إلَّا في السنة، وهي المصدر الوحيد لها، ومن خالف تفسير السنة للحلال والحرام في القرآن فهو من المفترين على القرآن الكريم، ويكون داخلًا في نهي قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] ؛ وذلك لأنَّ هذا القسم من القرآن الكريم تكفَّلت به السنة النبوية؛ لأنَّ هذا من تبليغ الرسالة المحمدية وهو معناها، ومن يعارضها إنما يعارض تبليغ الرسالة النبوية، ويفتري على الله الكذب، فكل ما في القرآن من أحكام فقهية سواء أكانت تتعلق بالعبادات أم كانت تتعلق بتنظيم المجتمع الإنساني الذي يبتدئ بالأسرة، ويتدرج إلى الجماعات ثم الأمة، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة المسلمين بغيرهم من الأمم في السلم والحرب، كل هذا بيان النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو حجة علينا يجب اتباعه. والصحاح التي بين أيدينا فيها بيان الأحكام الشرعية بيانًا كاملًا كما وردت في السنة. هذا، ويجب التنبيه إلى أنَّ الاتجاه إلى تفسير القرآن من غير اعتماد على السنة والاستعانة بها في هذا الباب خروج على الشريعة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، والذين يتركون السنة زاعمين أنهم يأخذون بالقرآن يهجرون القرآن والسنة معًا، ويحاربون تبليغ النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- لرسالة ربه. ويلاحظ أنَّ السنة قسمان: سنة متواترة: رواها جمع عن جمع حتى تصل الرواية إلى النبي ﷺ ، وهذا النوع من السنة يجب الأخذ به في بيان الأحكام، بيان معاني العقائد التي اشتمل عليها القرآن الكريم؛ لأنها ثابتة عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بسند قطعيّ لا شبهة فيه، والعقائد لا تثبت إلَّا بدليل قطعي الدلالة وقطعي السند، ولذلك يقول الشافعي لمن يخالف الأحادث المتواترة ويسميها أحاديث العامة، يقال له: "تب". والقسم الثاني: أحاديث الخاصَّة كما يسميها الشافعي -رضي الله تعالى عنه، وهي التي لم يبلغ سندها حد التواتر، ويسميها علماء السنة أحاديث الآحاد، ولو رواها اثنان أو ثلاثة، ما دام رواتها لم يبلغوا حدَّ التواتر الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب. وهذا النوع من الأحاديث يعمل به في تفسير الآيات التي تتعلق بالأحكام؛ لأنها تفيد غلبة الظنِّ بالنسبة للصدق، وقد ثبت ذلك عن الصحابة ﵃؛ ولأنَّ

стр. 407

النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان يرسل رسله إلى الأقاليم آحادًا، ولا يرسلهم جماعات. ولا يلزم الأخذ بأحاديث الآحاد في تفسير الآيات التي تتعلق بالعقائد من ضرب الأمثال، وذكر أسرار الكون من خلق السموات والأرض، ومن سير الشمس والقمر، وتسخير الرياح والأنهار والبحار، وغير ذلك، فإنَّ ما يتلعق وكل ما ورد فيه من السنة أخبار آحاد، أو رواتها غير ثقات لا يعتبر حجة في تفسير القرآن وفهمه، بحيث يجب الأخذ به، ومخالفته تكون مخالفة للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه من الثابت أن ما يجيء في السنة مخالفًا للمقررات العلمية القاطعة، ويكون من أحاديث الآحاد يرد وتبطل نسبته إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، فليس معنى ردّه تكذيب رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم، إنَّما معنى رده أنه لم تصح نسبته إلى النبي وهو الصادق. ونقول مقالة الصديق خليفة رسول الله ﷺ التي ردَّدها الشافعي، وهي قوله: "أيّ أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن ما لم أعلم". وإنَّ دراسة الآيات الكونية للعقل والاستقراء والتتبُّع مقام في إداركها، ما لم تخالف نصًّا قرآنيًّا أو حديثًا نبويًّا متواترًا، وليس في الأحاديث المتواترة ما يعارض هذه الدراسة قط، والله أعلم. وهنا أمر آخر يتعلق بالقصص القرآني، ونقول فيه: إنَّ القرآن يفسِّر بعضه بعضًا في هذا القصص، وما يجيء من السنة من زيادة على القرآن في هذا يقبل منه ما لا يناهض القرآن، وما يزيد يقبل ما دام السند صحيحًا، وليس ثمَّة ما يردّه سندًا أو متنًا، ولا يجب الإيمان بالزيادة؛ بحيث يكفر من ينكرها ما دامت أحاديثها لم تصل إلى مرتبة التواتر، ولكن ما لم يكن مطعن فيها يؤخذ بها على أساس الاطمئنان إليها. هذه هي السنة، وهي تعدُّ المرتبة الأولى في تفسير القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ٢٤٨- أمَّا المرتبة التي تلي مرتبة السنة فهي أقوال الصحابة في فهم معاني القرآن الكريم، فكلامهم في هذا له اعتبار في فهم الكتاب العزيز لما يأتي: أ- إنَّ الصحابة هم الذين سمعوا القرآن الكريم ابتداءً، وهم الذين شاهدوا وعاينوا، وتلقَّوا التفسير عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان ما يبهم عليهم يسألون النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- عنه، ويروى عن ذي النورين عثمان -رضي الله تعالى عنه- أنَّ النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان كلما تلا عليهم طائفة من الآيات تولَّى تفسيرها لهم، فكان تفسيرهم أقرب إلى السنة، بل يعده الكثيرون من السنة، ما دام لا يمكن أن يكون للرأي فيه مجال.

стр. 408

ب- أنهم الذين شاهدوا أسباب النزول، وعلموا في أيِّ موضع نزلت آي الكتاب الكريم، وأسباب نزولها، ولا شكَّ أن أسباب النزول طريق معبَّد لفهم الكثير من الآيات الكريمات؛ لأنَّ أول ما ينطبق عليه المعنى للآية القرآنية هو ما كان سببًا لنزولها، ثم يعمّم الحكم بعموم اللفظ جريًا على قول الفقهاء في محكم قواعدهم "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". ج- وإنَّ الصحابة أعلم الناس بمعاني الألفاظ القرآنية من العرب، ومن أعلم الناس بلغة العرب، وما يكون غريبًا بالنسبة لنا لا يكون غريبًا بالنسبة لهم، والألفاظ معروفة معانيها لهم. وإنَّ المتتبع للمأثور عن الصحابة في تفسير القرآن الكريم يرى الرائي بادي النظر أنه قسمان: أحدهما: ما اعتمد فيه على المأثور عن النبي ﷺ ، وهذا يكون سنة نبويّة وتفسيرًا للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا مجال للريب في نسبته إذ كان السند إلى الصحابي صحيحًا، وذلك في تفسير الآيات التي ليس للرأي فيه مجال، فتفسيرهم يكون حديثًا إذا نسبوه مرفوعًا للنبي ﵊، ويكون موقوفًا إذا لم يسندوه للنبي ﷺ ، ولكن لا يمكن أن يكون للعقل فيه مجال، ولا يمكن أن يقولوا في موضع لا مجال للعقل فيه إلَّا بقول المبلغ -صلى الله تعالى عليه وسلم، آخذين بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . والقسم الثاني: ما يكون للرأي فيه مجال ولا يسندونه للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، بل هو مجرَّد الرأي منهم، وإنهم في هذا قد يختلفون، وذلك في بعض الأحكام الفقهية التي لم يرد فيها نصّ من الكتاب ببيان الحكم، ومن ذلك قولهم في عِدَّة المتوفَّى عنها زوجها إذا كانت حاملًا، فقد اختلف الصحابة في تفسير آيات العدة، ففريق منهم، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب أعمل الآيتين الواردتين وهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، والآية الثانية هي قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فقال هذا الفريق من فقهاء الصحابة: إنَّها تعتدّ بأبعد الأجلين، أي: تعتد بوضع الحمل إذا كان بعد مضي أربعة أشهر وعشر، وتعتد بالأشهر إذا كان وضع الحمل قبل انتهاء المدة.

стр. 409

وقالت طائفة أخرى، وعلى رأسهم عبد الله بن مسعود أنَّها تعتدُّ بوضع الحمل، آخذًا بعموم اللفظ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ؛ لأنه يشمل المتوفَّى عنها زوجها الحامل، كما يشمل المطلَّقة. واجتماع فقهاء الصحابة على رأي فقهي يكون حجة، وكذلك إذا لم يرد عنهم في تفسير الآية التي تتعلّق بالحلال والحرام إلَّا رأى واحد، وإذا اختلفوا جاز للفقهاء المحبذين أن يختاروا من آرائهم، ولا يخرجون عنها. ٢٤٩- وإن الموضوعات التي أثرت عن الصحابة آراء فيها مختلفة من حيث قوة الأخذ برأي الصحابي فيها. وأولها ما يتعلق بالحلال والحرام، وقد علمت القول فيه، إذا كان مبناه الرأي، والقبول المطلق إذا لم يكن للرأي فيه مجال. ومهما يكن الأمر بالنسبة لآيات الأحكام، فإن أقوال الصحابة وأعمالهم تتبع في فهم الآيات الخاصَّة بالحروب والصلح، والمعاهدات والأمان، وأحكام الذميين والمستأمنين، وجمع الغنائم وتوزيعها، وفرض الخراج والجزية. وكان عهد الفاروق عمر ﵁ عهدًا خصبًا لبيان الأحكام الشرعية فقرَّرت فيه المبادئ الإسلامية المستفادة من القرآن، وتعَدُّ معينًا لفقهاء استقوا منه آراءهم في نظم العلاقة الدولية بين المسلمين وغيرهم في السلم والحرب، وقد استقاها هو من فهمه لكتاب الله تعالى، وإدراكه لمراميه. ولذلك نجد كتب السِّيَر أخذت من ذلك المعين، فكتاب "الخراج" للإمام أبي يوسف، الأصل الذي اعتمد عليه هو عمل عمر ﵁ الذي نفذ ويفهمه من القرآن الكريم. وكذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه "السير الكبير" قد أخذ أكثره من عمل الصحابة، وخصوصًا عَمَل عمر الذي استنبطه من القرآن الكريم، ويعدُّ كتاب "السير الكبير" أول كتاب ألِّفَ في القانون الدولي الذي يقوم على قواعد العدل والرحمة، والكرامة الإنسانية، كذلك كتاب السِّيَر للأوزاعي، وغيره من الكتب كان اعتمادها على ما عمل به الصحابة أخذين ذلك من فهمهم لمرامي القرآن الكريم. ومن الموضوعات التي أثَّر عن الصحابة أقوال فيها في تفسير وفهم معانيه آيات القصص في القرآن الكريم، وليس الرويّ عنهم في ذلك كثيرًا، والصحيح النسبة إليهم -رضي الله عنعهم- قدر ضئيل. وذلك لأنهم ما كانوا يعنون إلَّا بما له أثر عملي يتعلَّق بالحلال والحرام، وما له أثر في أعمالهم، وتنظيم جماعتهم، وإقامة الحق والعدل في الأرض.

стр. 410

وكانوا يعتمدون في فهم القصص القرآني على السنة الصحيحة، وعلى تفسير القرآن نفسه بعضه لبعض، وكانوا يكتفون بما جاء في القرآن والسنة، ولا يزيدون عليه؛ لأنه هو الصحيح، ولا يحاولون أن يعرفوا ما عداه. ولكن لمَّا دخل في الإسلام اليهود والنصارى، وبثّوا في المسلمين ما عندهم من قصص وأساطير، وجد بين المسلمين من يُعْنَى بالقصص غير مقتصر على القرآن الكريم والسنة النبوية، وظهر ذلك في آخر عصر الخلفاء الراشدين، ولم ينظر الصحابة إلى ذلك نظرة راضية أو متغاضية، بل نظروا إليه نظرة غير متساهلة، لما قد يجرُّ إليه من نشر أساطير ما أنزلها الله، وربما أوجدت غيامًا على معانيه. لقد ظهرت في آخر عصر الصحابة طائفة من التابعين سمّوا القصاص، وقد جاء علي ﵁ وكرَّم وجهه- وأخرج أولئك القصاص من مسجد الكوفة، وكانوا قد انتشروا في العراق، فكان ﵁ يمنعهم إلَّا إذا التزموا في قصصهم ما اشتمل عليه القرآن، وما صحَّ في السنة النبوية على صاحبها -أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. ويروى أنه دخل المسجد فأخرج كلَّ من فيه من القصاص، ووقف عند الحسن البصري، فرآه لم يخرج في قصصه عن القرآن، والدعوة إلى هدايته. ومن الموضوعات التي أثر عن الصحابة -رضوان الله ﵎ عليهم- كلام في الكونيَّات التي اشتمل عليها القرآن الكريم، وعدة الرواة الذين نسبوه إليهم تفسيرًا للآيات الكونية، ونقول فيه: إنَّه لايؤخذ به على أنه حجة إلَّا إذا كان صريح كلام الله تعالى، أو قد ثبت عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بسند قطعيّ، أمَّا ما يقال فيما عدا ذلك مما يتصل بالكون وخلق الله تعالى فإنه خالف علمًا قطعيًّا لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالكون، فإنه يرد إلى صاحبه. التابعون والإسرائيليات: ٢٥٠- التابعون هم تلاميذ الصحابة الذين نقلوا إلى الأخلاف أقوالهم في التفسير، وإن ما ذكر على أنه أقوال للتابعين عن الصحابة فيما يتعلَّق بالأحكام الفقهية مقبول النقل، ويعتبر نقلهم عن الصحابة حجة عند أكثر الفقهاء على ما قررنا في اعتبار أقوال الصحابة حجة. ولكن التابعين إذا قالوا في الحلال والحرام مفسِّرين للقرآن برأيهم، فإنَّا إذا استثنينا أحمد بن حنبل وبعض المالكية، فإنَّ باقي الأئمة لا يعتبرون قولهم حجة في ذاته، إنما يكون ما أيده من دليل هو الحجة، ويقول فيهم أبو حنيفة: إذا آلَ الأمر إلى الحسن وإبراهيم، فهم رجال ونحن رجال.

стр. 411

ولكن الكلام في القصص والكونيات، وبعض ما يتعلق بالنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- دخله الإسرائيليات، وكثرت في كتب التفسير، وتجاوزت الحد، وردَّ بعض التابعين كثيرًا من الإسرائيليات. بل إنَّ بعض الصحابة نقل عن الإسرائيليين، فإنه يروى أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص أصاب في واقعة اليرموك حمل زاملتين من كتب أهل الكتاب١. ولا يمكن أن يكون كل ما في هذه الحمولة صحيحًا عن أهل الكتاب الذين تمسَّكوا بالتوراة أو الإنجيل من بعدها، ولا نعلم على وجه اليقين أكان ابن عمرو بن العاص لا يختار منها إلَّا ما يوافق الكتاب والسنة الصحيحة، أم كان يتجاوزها إلى ما يناقضها، أم يسير وراء ذلك. ولكن من المؤكَّد أن ما في الزاملتين لا بُدَّ أن تناقله التابعون، وليسوا جميعًا ممن يلتزمون، ولا يسرفون، فلا يمكن أن نقرِّر سلامة ما يأخذون. ولقد توقَّف العلماء في قبول الإسرائيليات التي راجت حول التفسير في قبولها، وقد قسموها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما علم صدقه؛ لأنَّ القرآن يوافقه، ولا تجافيه ألفاظه المحكمة، أو لأنه -صلى الله تعالى عليه وسلم- نقل عنه بسند صحيح ما يوافقه، وهذا بلا شك لا يكذب، ولكن لا نجد فيه غناء عن السنة، ولا نجده يسد حاجة وخللًا لو لم يوجد لا تسدّ، ولذلك نرى الأَوْلَى ألَّا يلتفت إليه؛ لأن السنة والقرآن يغنيان، وسدًّا للذريعة لا يعتمد عليه؛ لأن قبول بعض المروي عن اليهود الذي لا زيف فيه، يسهل قبول الزيف، وهو الأكثر، وهو الذي تعمَّدوا به أن يفسدوا علينا أمر ديننا، وإذا كانوا لا يستطيعون تحريف القول فيه عن مواضعه، فإنهم يجدون في التفسير طريقًا لإفساد العقول حول معاني القرآن الكريم. القسم الثاني: ما ثبت كذبه بيقين، وهو ما يناقض معاني القرآن الكريم، ويخالف الصحيح المتواتر من السنة، أو يخالف منطق الإسلام، وإن هذا يرد بالاتفاق، وإن المستقرئ لكتب التفسير المشتملة على الإسرائيليات يرى أنّ أكثر ما دسّ فيها من هذا القبيل. القسم الثالث: الذي لا يأتي بما يخالف النصوص القرآنية، ولا الأحاديث النبوية، ولكنه في جملته أخبار تحتمل الصدق والكذب، ويقول ابن تيمية في هذا القسم: لا نؤمن به ولا يمكن أن يكون فيه فائدة إسلامية، ومن ذلك ما يذكرون حول أسماء أهل الكهف، ولون كلبهم، ومن ذلك أيضًا وصف عصا موسى٢.

стр. 412

تفسير القرآن بالرأي: ٢٥١- ذكرنا من مصادر التفسير: اللغة، والسنة، والصحابة مع تلاميذهم التابعين، وما دخل عصر التابعين من إسرائيليات دخلت التفسير وتناقلتها كتبه مع تمحيص أحيانًا، وسكوتٍ في كثير من الأحيان. والمرتبة الرابعة في التفسير تفسير القرآن الكريم بالرأي، أي: بالنظر المجرَّد الذي لا يخالف اللغة، بل يستعين بمناهجها، ولا يخالف السنة، بل يعتمد على الصحيح من أسانيدها إن صحَّت عنده، ولا يناقض تفسير الصحابة المأثور، ولا أسباب النزول التي صحَّت بسند صحيح. والتفسير بالرأي على هذا النحو تضاربَت فيه أقوال العلماء، فبعضهم توقف، ومنع أن يفسر القرآن بالرأي، بل لا بُدَّ لبيانه من علم السنة، ومنه علم الصحابة، وما يجتمع عليه التابعون. وقد ناصر ذلك الرأي وشدَّد في التمسك به شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو يقول: "أمَّا تفسير القرآن بالرأي فحرام". ويستدل على ذلك بأخبار منسوبة للنبي ﷺ ، وبأخبار عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم. أ- ومن ذلك ما روي عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- أنه قال: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار". ويعد ابن تيمية أنَّ من يفسِّر القرآن برأيه يقول بغير علم، ونحن نقول: إنّ الحديث خاص بمن لم يؤت أدوات التفسير من علم باللغة ومصادر الشريعة ومواردها ومرامي الإسلام وغاياته، والعلم بأساليب البيان، والعلم بجملة المأثور عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو الذي يقول بغير علم، أمَّا من أوتي علم اللغة والبيان وعلم الآثار وعلم الإسلام فإنّه إذا قال في التفسير معتمدًا على رأيه إن لم يكن نصّ يعارضه، فإن الخبر لا ينطبق عليه. ب- ومن ذلك أيضًا ما روي عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- أنه قال: "من أخذ في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ". ولقد قال الترمذي فيه أنه غريب، وقد تكلموا في بعض رواته، فليس سنده سليمًا، ومتنه غريب. ج- ومن ذلك ما يروى عن كبار الصحابة من نهيهم عن القول في القرآن إلَّا إذا كانت سنة صحيحة يستأنسون بها، ورميهم بالتكلف من يحاول علم كل ما في القرآن.

стр. 413

ومن ذلك ما روينا عن أبي الصديق -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "أيّ أرض تقلني، وأيّ سماء تظلني، إذا قلت في القرآن ما لم أعلم" وقد روي عن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أنه قال: "كنَّا عند عمر بن الخطاب وفي ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ "وفاكهة أبَّا" فسأل بعض الحاضرين "ما الأب" ثم عدل عن السؤال وقال: إن هذا هو التكلُّف فما عليكم ألا تدريه". وإن الناظر إلى ما روي مستندًا لرسول الله ﷺ بعضه ضعيف لا يصلح أن يكون حجة، وبعضه لا يدل على منع الاجتهاد بالرأي، فيفهم القرآن إن لم تكن سنة مسعفة، وما روي عن أبي بكر إنما يدل على أنَّ الممنوع أن يقول في القرآن بغير علم، وعمر -رضي الله تبارك تعالى عنه- أراد أن يضرب الأمثال للناس بأن يبيِّن لهم أنَّ القرآن بحر عظيم عميق مملوء بالمعاني، فلا يصح لأحد أن يدَّعي أنه تقصَّاه وعرف أطرافه، وخشي أن يظن أحد أنه يحاول ذلك عندما سأل عن معنى كلمة "الأب" فعدل عن السؤال. ونحن لا نرى فيما ساقه ابن تيمية -جزاه الله تعالى عن الإسلام خيرًا- ما يدل على المنع، ولكن يدل على وجوب الاحتياط في فهم القرآن، وأن يكون بين يديه من دلائل العلم وبيناته ما يجعله يقول عن بينة، ولا ينطبق عليه النهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لإسراء: ٣٦] . وإذا كان ابن تيمية قد عدَّ التفسير بالرأي منهجًا مهجورًا أو يجب أن يهجر، فعلى أيّ شيء اعتمد! إنه اعتمد على أربعة مصادر: أولها: القرآن؛ إذ إن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فهو يبين أحيانًا في موضع ما أجمله في موضع آخر، ويوضِّح أحيانًا في موضع ما يبدو بادي الرأي أنه مبهم في موضع آخر، ويجمع آيات القرآن إذا تصدَّت لموضوع واحد يستطيع القارئ المتفهّم أن يفهم بعض القرآن ببعضه. وإنَّ ذلك بلا شكٍّ نوع من الرأي والاجتهاد، ولكن ابن تيمية لا يمنعه بل يوجبه كخطوة أولى. وثانيها: السنة؛ إذ لم يستطع القارئ أن يفهم القرآن من القرآن، فإنه يتجه إلى السنة كما أسلفنا تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، وقد قال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم: "ألا إني أوتيت علم الكتاب وأوتيت مثله معه". وثالثها: ما قاله الصحابة في تفسير القرآن، كما ذكرنا من الأسباب في موضعه، وقد روي أن عبد الله بن مسعود قال: "والله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلَّا وأنا علم فيمن نزلت، وأين نزلت".

стр. 414

ورابعها: أقوال التابعين في التفسير بتعرّف ما قالوه نقلًا عن الصحابة. وتتعرف في هذا -السنة بكل طرائقها، وأنَّ النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو المبلغ للرسالة والمفسر للقرآن لا يمكن أن يترك شيئًا من القرآن قابلًا للبيان، ولم يبينه. ٢٥٢- هذا منهاج المتوقفين الذين يرون أن تفسير القرآن بالرأي غير جائز، وإنما يعتمد في بيان القرآن على السمع وحده، إمَّا عن الرسول أو عن صحابته أو عن تلاميذهم، وأنَّ الخروج عن هذه الدائرة خلع للربقة، وتهجُّم على القرآن الكريم بغير علم، وأن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- لم يترك القرآن من غير بيان. وأنَّ هذا الكلام ينطبق كل الانطباق على الذين لا يعرفون أنَّ السنة بيان للقرآن، ولا يأخذون به بل يتركونه، وإن مثلهم في هذا كمثل الذين يعرفون الحكم الشرعي الثابت بالسنة، ويتركونه نسيًا منسيًّا. وإنه في آيات الأحكام يجب الاتجاه إلى السنة ابتداءً ولا يتجه إلى غيرها إلَّا على ضوء منها وتعرّف لمرامي الأحكام، وغاياتها منها، وإذا كان ثمَّة رأي فعلى ضوءها وبقبس من نورها. وإن الذين أخذوا في تفسير القرآن بالرأي في مقابل الذين توقفوا سلكوا مسلك الفقهاء الذين أخذوا بالقياس إن لم يجدوا في الموضوع نصًّا، فهم لا يتركون السنة، ولكن يأخذون بالرأي إذا لم يجدوا سنة مفسرة، وهم لا يقتصرون على الأخذ في غير موضع السنة، بل إنهم عند وجود السنة لا يناقضونها، ولا يغايرونها، بل يأخذون بها ويسيرون فيما وراء ما ثبت بالسنة إلى ما تدل عليه الألفاظ من إشارات بيانية، ويحاولون أن يتعرفوا من وراء ذلك الأسرار البلاغية في القرآن الكريم. ولذلك كان هذا المسلك مسلك الذين حاولوا تعرف إعجاز القرآن، وعلى رأسهم الإمام جار الله الزمخشري، ومن قبله كان الإمام الطبري عندما كان يبدي رأيه بعد أن يسرد من الروايات الصحيح والسقيم. والإمام حجة الإسلام الغزالي كان ممن سلكوا ذلك المنهاج، وأثبت بالأدلة العلمية أنَّ التفسير بالرأي من غير مناقضة للسنة جائز، ويستدل على ذلك: أولًا: بأنَّ القرآن فيه كل علوم الدين، بعضها بطريق الإشارة، وبعضها بالإجمال، وبعضها بالتفصيل الذي يفتح الباب للفكر المستقيم، والاستبصار في حقائقه، وذلك لا يكفي فيه الوقوف عند ظواهر الآيات، ولا ظواهر أقوال السلف، بل لا بُدَّ من التعمق من غير تكلف، واستخراج المعاني ما دامت لا تخالف المأثور، وهناك أمور وراء المأثور، يسير المفسِّر على ضوء المأثور، ولقد قال عبد الله بن

стр. 415

مسعود: "من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن"، وإن ذلك لا يكون بغير التعمق في الفهم، من غير تكلف، وتعرف الغايات بالإشارة والمرامي. وثانيًا: أنَّ القرآن الكريم فيه بيان صفاته تعالى وأفعاله، وذكر ذاته القدسية وأسمائه الحسنى، وإنَّ فهم ذلك مع التنزيه عن المشابهة للحوادث يحتاج إلى تدبر وفهم من غير الوقوف عند الظواهر، وجمع بين المؤتلف ونفي للقول المختلف. ثالثًا: أنَّه قد وردت الآثار تدعو إلى الفهم والتدبُّر في معاني القرآن، فقد قال علي -كرَّم الله وجهه: "من فهم القرآن فسر به جمل العلم، وذلك لا يكون إلَّا بالتعمق في الفهم". ورابعًا: إنَّ عبارات القرآن الكريم تدعو إلى التعمق في الفهم، فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ويقول مفسرو السلف: إنَّ الحكمة هي فهم القرآن، وإذا كان الله تعالى قد وصف فهم القرآن بأنه خير كثير، فإنه يدعو القادر على إدراك هذه الحكمة؛ لينال من علمها خيرًا كثيرًا. وخامسًا: إنَّ النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- دعا لابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- بالفقه في القرآن، فقال ﵊: $"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، وليس التأويل إلَّا التفسير العميق الذي يتعرَّف به القارئ ما وراء العبادات من معانٍ دقيقة عميقة، ولو كان كل علم التفسير مأثورًا عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- لقال ﵊: "اللهم علمه التأويل". وإنَّ الغزالي لا يكتفي بسوق ما تؤدِّي إليه الأدلة من جواز التفسير بالرأي، بل يتجاوز فيقول: إنَّ المأثور من التفسير بالسنة قليل لا يشمل القرآن كله، ويذكر أن ما يؤثر عن الصحابة في التفسير إنما هو رأيهم، وعلينا أن نتبعهم بإحسان، فنجتهد في تفسير القرآن مثل اجتهادهم من غير معارضة، ولا مناقضة. ثم إنَّ الصحابة فيما بينهم قد اختلفوا، وكذلك التابعون من بعدهم، واختلافهم دليل على أن بعض هذه الأقوال بالرأي لا محالة، ويجوز أن يكون بعضها بالسمع، ولكنَّه غير معروف، ولو كان واجبنا أن نختار من أقوالهم عند اختلافهم، فالاختيار أساسه الترجيح بالرأي بقبول بعضها وردِّ بعضها، وذلك في ذاته أشد من الأخذ بالرأي ابتداءً ما دام غير معارض للمأثور. ٢٥٣- هذا ما ساقه الغزال من أدلة في جواز الفهم بالرأي الذي لا يعارض السنة ولا يتزيّد عليها بما يخالفها، وإن أدلَّته مستقية منتجة لما يقول، بيد أنَّ قوله أنَّ المأثور عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في التفسير محدود وقليل، إنما هو في غير الحلال والحرام، أمَّا ما يتعلق بتفسير القرآن في الحلال والحرام فإن ما ورد عن

стр. 416

النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في ذلك كثير وليس قليلًا؛ لأنه بيان الشريعة، وتبليغ رسالة الله؛ إذ إنّ التكليفات لا بُدَّ أن يبينها النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يتركنا إلَّا وقد بيِّنَ ما يجب على المكلفين فعله، وما يجب عليهم تركه، إمَّا بالنص عليه، وإمَّا بذكر ما يدل على أصل الشرع الذي يقاس عليه، وتناط به الأحكام، وتقام عليه مصالح الأنام، وأحاديث الأحكام أكثرها في تفسير الآيات المتعلقة بالأحكام، وأكثر الأحاديث المروية في هذا المقام ثابتة بسند صحيح تبنى عليه الأحكام بالتحليل والتحريم. ٢٥٤- والغزالي وغيره من العلماء الذين سوَّغوا تفسير القرآن بالرأي، بل إن عباراتهم تومئ بوجوبه في غير موضع الأثر المروي عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بسند صحيح، هؤلاء قد منعوا التفسير بالرأي في موضعين يكون الرأي فيهما مذمومًا: أول هذين الموضعين أنَّ يفسر القرآن بهواه، أو أن يحاول حمل الآيات على مذهبه أو رأيه، بأن يكون له في موضوع الآية رأي معين، وله ميل له بطبعه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه ليحتجَّ به، ولو لم يكن له ذلك المذهب ما كان يظهر له ذلك التفسير، وإنَّه ليتجه ذلك الاتجاه، ويئول ظاهر الآية لتساير مذهبه، وينزلها عن علياء بيانها إلى حيث رأيه. وأحيانًا يفعل ذلك غير قاصد حمل الآية على مقتضى رأيه، ولكن امتلاء عقله وقلبه بهذا الرأي يجعله يتَّجه إليه غير قاصد مجرَّد ترجيح مخيلته، ويلبس عليه الأمر فيظن ما قاله ظاهرًا، وما هو بظاهر. فهذا بلا ريب تفسير بالرأي مذموم، ويكون من المنهي عنه؛ لأنَّ القرآن الكريم فوق الآراء والمذاهب، وليس خاضعًا لها. وإنه من نوع تفسير القرآن بالهوى لا بالرأي المبني على النظر الخالص لوجه الحقيقة. الموضع الثاني الذي يكون فيه التفسير بالرأي مذمومًا: يكون في المسارعة إلى تفسير القرآن بظواهر الآيات، والاقتصار على هذه الظواهر من غير تعرف للمنقول في موضوعها، ومن غير مقابلة الآيات بعضها ببعض، ومن غير تعرف للعرف الإسلامي الذي خصص بعض الألفاظ العربية، ومن غير علم دقيق بأساليب الاستنباط من القرآن من حمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، ومن غير إدراك مواضع الإضمار والحذف والتقديم والتأخير، وغير ذلك من الأساليب البيانية القرآنية المعجزة. فإنَّ ذلك يكون مذمومًا؛ لأنَّه تفسير بالرأي من غير إدراك لمعاني الألفاظ في عرف الإسلام، وبغير مؤهلات، واجتهاد في الفهم من غير التسلّح بأدواته، وحينئذ يكون الخطأ ويكون السقط. فهذان هما الموضعان اللذان يذمّ الرأي فيهما. وفي الحق أنَّ هذا ليس تفسيرًا بالرأي المجرَّد، إنما هو من الهوى أو التهجم، والتهجّم على ما لا يحسن، والعمل فيما لا يتقن، وذلك قبيح في كل شيء.

стр. 417

الظاهر والباطن: ٢٥٥- يدَّعي بعض فرق الشيعة أنَّ للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأن الباطن له باطن حتى يصل العدد إلى سبعة بواطن، وأنَّ معرفة القرآن معرفة صحيحة كاملة لا تكون إلَّا بمعرفة هذه البواطن، وليس علمها عند كل إنسان، بل أوتي العلم بالبواطن كلها الإمام المعصوم، والأصل أنَّ علم هذه البواطن كلها كان عند النبي ﷺ ، وقد أودعها من بعده علي بن أبي طالب، وعلي أودعها عند موته الإمام من بعده، وهكذا توالت النفوس في أخذ هذه الوديعة إمامًا عن إمام حتى وصلت إلى الإمام المستور المغيب. وقد تولى القاضي عبد الجبار إدحاض ذلك الرأي، وبيِّن أنه لا أساس له من العقل ولا النقل، فقال عن هذا الرأي: حكي ذلك عن قوم من الأوائل؛ لأنهم زعموا أنه ينطبع في النفس مثل المدركات، فيعرفه المدرك، على أنَّ هذه الطبقة خارجة عن حد من يناظر ويتكلم؛ لأنها تبنى على الحيل. وإنما تقع المناظرة من أهل الديانات دون من يجعل من يبتدئه ويعيده مبنيًّا على الخديعة والاستشكال، والتوصل إلى استباحة المحذور، ويرى أنَّ المذاهب كلها واحدة، وأنَّ الواجب أن يظهر لكل فرقة ما يقرب به إليها، ولا ينفر بالمخالفة إلى سائر ما يحكى عنهم، ولو بنوا الأمر على طريقة النظر ما أقدموا على هذا القول مع وضوح فساده، ولكنهم توصلوا بذلك إلى الاحتيال على الناس، فقالوا: إنَّ القرآن له ظاهر وباطن، وتنزيل وتأويل، وإن الأثر قد ورد بأن تنزيله مفوَّض إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وتأويله إلى عليّ ﵁، ثم إلى سائر الحجج -أي: الأئمة، وأنه لا بُدَّ من معرفتهم ليصح أن يعرف مراد الله تعالى، فجعلوا ذلك طريقًا إلى القدح في الإسلام والدين؛ لأنه مبني على القرآن والسنة، فإذا أخرجوا من القرآن ما يعرف به الشيء، وكذلك السنة وجعلوهما ظاهرين، وجعلوا المرجع إلى الباطن الذي لا يعلم إلَّا من جهة الحجة "الإمام"، ولا حجة في هذا الزمان، فقد سدوا باب معرفة الإسلام، وطعنوا فيه، فعظمت مضرتهم"١.

стр. 418

ويسوق بعد ذلك عبد الجبار الأدلَّة على بطلان ذلك المذهب، وإن كان لا يحتاج بطلانه إلى دليل، ويناقش القول الذي قالوا؛ لأنه يلغي اعتبار الألفاظ، وعلى فرض بقائها يجب أن يكون علم الإمام مبينّا لها، وإنَّ قولهم هذا يؤدي إلى أن يلتبس أمر القرآن على الأمة؛ لأنَّ الإمام مستور، وأنَّ القول بأن له باطنًا لا يعرف للناس مناف لقول الله تعالى في وصفه تعالى للقرآن بأنه هدًى للناس، وبأن فيه تبيان كل شيء، وأنَّ الناس مأمورون بالتفكّر في آياته وتدبره، وهكذا. وفي الحق أنَّ ذلك الكلام لا موضع له من النظر، وقد حكيناه ليتبيِّن أوهام أولئك الناس التي لا سلطان لها من حجة أو برهان، ولكنَّها مخارف الشيطان. ٢٥٦- ويجب هنا أن ننبِّه بأنَّ بعض العلماء يقولون: إنَّ القرآن ظاهرًا وباطنًا، لا بهذا المعنى، بل بمعنى أنَّ القرآن يحوي من العلم ما يخفى على بعض الناس، فأولئك لهم ظواهر الألفاظ، أمَّا ما عدا هذه الظواهر مما تشير إليه من علم فإنه لا يعرف إلَّا خواص العلماء، والراسخون في العلم، ولا تناقض بين الظاهر والباطن. فالغزالي يسلّم بأنَّ للقرآن ظاهرًا يفهمه كل قارئ للقرآن يعلم بأساليب البيان العربي، مطَّلِع على المأثور عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وله باطن عريق يفهم من الإشارات البيانية، وما وراء الألفاظ من معانٍ علمية لا يدركها إلا الراسخون في العلوم المختلفة. والغزالي على هذا ينتهي إلى أنَّه لا يصح الاعتماد على العقل وحده في فهم القرآن، بل لا بُدَّ من الاستفادة بالنقل، ويصحّ الأخذ بالنقل في الأحكام الشرعية، بل يجب الأخذ به، وفي غيرها من النصوص تكون الطريقة المثلى أن يعتمد على النقل والعقل معًا، فإنَّ ظاهر القرآن لا بُدَّ في معرفته من نقل اللغة والسنة إن كانت سنة صحيحة. وفي ظلِّ النقل الصحيح إن كان في ظل الدلالات اللغوية للألفاظ والأساليب البيانية، والعرف الإسلامي لألفاظ القرآن يعمل العقل في استخراج معاني القرآن الكريم، المتسعة الأفق البعيدة المدى، وفي القرآن آيات كثيرة توجِّه العقل إلى عمق الحقائق الكونية والنفسية، وكلما تفتَّح العقل، وأدرك ظواهر كونية إدراكًا صحيحًا وجد في القرآن ما يشير إليها، وأنَّه كلما اتسع أفق العقل البشري في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم. ولعلَّ ذلك هو الذي أشار إليه بعض الصحابة في أقوالهم، مثل قول أبي الدرداء فيما نسب إليه: "لا يفقه حتى يجعل للقرآن وجوهًا" ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن

стр. 419

مسعود أنَّ رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا وحدًّا ومطلعًا" وليس الباطن المذكور في ذلك النص الذي لا يعلمه إلَّا الأئمة كما يدَّعي الشيعة، إنما الباطن هو الإشارات البيانية إلى الحقائق الكونية والنفسية، وغير ذلك من المعاني التي تدركها العقول، ويصل إليها العالم ذو البصيرة المنيرة الذي آتاه الله تعالى نفاذ عقل واستقامة فكر. ٢٥٧- والغزالي يقول: المعنى الذي يؤخذ من ظواهر الألفاظ العربية، ويثبت بعضه من السماع عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، والصحابة هو الطريق للمعنى العميق الذي يدركه الناس كلما تقدم العلم، واطَّلعوا على ظواهر الكون وكشفوا من خواصه ما كان مجهولًا، ولا سبيل لمعرفة تلك المعاني العميقة إلَّا بالمعاني الظاهرة المكشوفة. ويقول الغزالي في ذلك ما نصه: "النقل والسماع لا بُدّ منه في ظاهر التفسير أولًا، ليتقي موضع الغلط، ثم بعد ذلك يتتبع للتفهم والاستنباط، واستخراج الغرائب التي لا تفهم إلَّا بالسماع، ولا مطمَع في الوصول إلى الباطن قبل إمكان الظاهر، ومن ادَّعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدَّعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم، وهو لا يفهم لغة الترك، فإن ظاهر التفسير يقتضي تعلُّم اللغة التي لا بُدَّ منها للفهم". والمعنى الباطن الذي يقصده الغزالي هو تحرّي الدقائق التي تكون في مطوى الألفاظ القرآنية، والأسرار التي لا يدركها إلَّا العلماء الراسخون في الإسلام، والعلوم المختلفة، كل بمقدار طاقته العلمية، بعد فهم ظاهر اللفظ وما فيه من مجاز وحذف وإخبار، وعموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، وإنَّ ذلك واضح من كلامه وضوحًا بيِّنًا، فهو يقول في معاني القرآني: "إنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علمهم، وصفاء قلوبهم، وتوافر دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب، ويكون لكل واحد حدّ في الترقِّي من درجة إلى درجة أعلى منها، فأمَّا الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مدادًا والأشجار أقلامًا، فأسرار كلمة الله لا نهاية لها، فمن هذا الوجه يتقارب الخلق في الفهم، بعد الاشتراك في معرفة التفسير، وظاهر التفسير لا يغني"١.

стр. 420

٢٤٩- هذه إشارات إلى مناهج التفسير تكلَّم فيها العلماء، وعندي أنه لا يمكن الاستغناء عن الآثار في فهم آيات الأحكام، أمَّا ما عداها فإنَّ العقل له فيه مجال كبير يشرط ألَّا يهيم على غير نور من الشرع، ولا بُدَّ لكي يكون التفسير بالعقل مقبولًا من ثلاثة شروط: أولها: العلم باللغة علمًا سليمًا لكي يدرك معاني التصريف البياني في القرآن. وثانيها: ألَّا يخالف المأثور عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم؛ إذ يكون مخالفًا للمبيِّن الأول للقرآن وهو النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم. والشرط الثالث: ألَّا يتعصَّب لفكرة أو مذهب، ويخضع القرآن لما يتعصب له، فيكون تفسيره خاليًا من تأثير الهوى، والله أعلم.

стр. 421

٢٥٩- أجمع العلماء على أنَّ القرآن هو اللفظ والمعنى، وأن من خالف ذلك يعد قد خالف في أمرٍ عُرفَ من الدين بالضرورة، وليس المعنى وحده يُعَدّ قرآنًا؛ لأنَّ التحدي كان باللفظ والمعنى، ولمَّا تحداهم الله تعالى طالبهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وواضح أنَّ التحدي هنا باللفظ. وأنَّ جبريل ﵇ نزل على النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بلسان عربي مبين، ولقد وصف القرآن الكريم بأنه عربي، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ، فالقرآن بلفظه ومعناه عربي، ولا يصح أن يقال عن كتابه بعض معانيه بغير العربية أنها قرآني. ومع وضوح هذه الحقيقة البدهية التي لا تختلف فيها العقول عند أهل الإيمان، ولا تتباين فيها الأنظار، وجدّ من الناس من ادَّعى أنَّ معاني القرآن قرآن، وأنه على هذا الاعتبار تجوز ترجمة القرآن الكريم، على أن يكون المترجم قرآنًا له كل خواص القرآن، ويتعبَّد به كما يتعبّد بالقرآن الذي نزل به جبريل بلسان عربي. بل وصل التهافت في القول إلى أن يدَّعي بعض الذين لا حرج على ألسنتهم ولا على قلوبهم أن يقول: إنَّ الذي نزل به جبريل على النبي ﵊ هو المعنى فقط. وذلك كله هراء من القول، وانحراف عن الدين، أو خروج عنه. وفي وسط ذلك المضطرب كان من بين الذين يتجنَّون على القرآن من ادَّعى أن الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان يرى أنَّ القرآن هو المعنى فقط، وبنوا على هذا جواز ترجمة القرآن عند أبي حنيفة -رضي الله تعالى عنه وأكرم مثواه، والأصل الذي بنوا عليه دعواهم أنَّه رأى في صدر حياته طوائف من الفرس قد دخلوا في الإسلام، وقد علموا العربية، ولكنَّ ألسنتهم لم تطوع للنطق بها من غير رطانة أعجمية، بل كانت تتلوَّى في مخارج الحروف العربية، كما نجد اليوم الأعاجم الذين يعلمون اللغة العربية، ولا تطاوعهم ألسنتهم في النطق السليم بها، فسوغ أبو حنيفة لهؤلاء أن يقرأوا معاني الفاتحة بلغتهم الفارسية، وقد روي في هذا أنَّ أهل فارس في عهد الصحابة قد صعب عليهم مخاج الحروف العربية، فطلبوا إلى سلمان الفارسي أن يعبِّر لهم بالفارسية عن معاني الفاتحة ففعل، حتى لانت ألسنتهم وقرأوا القرآن باللغة العربية، وقد اشترط أبو حنيفة لجواز ذلك ألَّا يكون الشخص مبتدعًا بهذا العلم، أي: إنه يترك القراءة بالعربية مع القدرة على النطق الصحيح بها، وإخراج الحروف من مخارجها، ليقرأ معانيه بلغة أخرى فارسية أو أوربية. وقد روي عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا الرأي، روى هذا نوح بن أبي مريم الجامع، وهو الذي رجَّحه الأكثرون، وأنَّ النظرة التاريخية الفاحصة تجد ترجيح هذه

стр. 422

الرواية له سبب واضح، وهي تساير الحقيقة التاريخية، وهو أنَّ أبا حنيفة الفقيه المدرك قرَّر جواز قراءة المعاني بالفارسية على أنَّها دعاء مقارب للفاتحة في معانيه، فلما لانت الألسنة ودخل الناس من أهل فارس وغيرها في دين الله أفواجًا، ورأى أنَّ المبتدعين هم الذين يتَّخذون القرآن مهجورًا، وهم الذين يستبيحون تلك الرخصة التي رخَّصها، حرَّم ما كان قد استحسن. ٢٦٠- ومهما تكن الفتوى من الناحية التاريخية فإنَّ الفقهاء اختلفوا في أصل هذه الفتوى، أمؤدَّاها أنَّ أبا حنيفة اعتبر الترجمة دعاء وليست قرآنًا، أم أنه اعتبرها قرآنًا، وهل مؤدَّى ذلك أن يكون أبو حنيفة قد اعتبر القرآن هو المعنى دون اللفظ. ونقول في الإجابة عن هذا السؤال: إنَّ من المقطوع به أنَّ أبا حنيفة لم يعتبر القرآن الذي نزل على محمد -صلى الله تعالى عليه وسلم- هو المعنى فقط، فذلك ما لم يقله أحد من أهل الإيمان؛ لأن محمدًا -صلى الله تعالى عليه وسلم- أقرأه جبريل اللفظ، ولم يوحَ إليه بالمعنى وحده، اقرأ قوله تعالى مع ما تقدَّم: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦-١٩] . فهل بعد هذا النصِّ القاطع يستطيع أحد أن يدَّعي على أبي حنيفة الورع التقي أنه يقول: إنَّ الذي نزل على محمد وتلقَّاه عن جبريل الأمين -وهو روح القدس- هو المعنى فقط، إنَّ ذلك غير معقول. وبقي السؤال الأول: هل يمكننا أن نفهم من هذا أنَّ أبا حنيفة أقرَّ قراءة القرآن بغير العربية ممن يعرف العربية، ولا يجيد إخراج الحروف من مخارجها، إنه يعتبر المعنى ذاته قرآنًا مع إقراره، بأنَّ الذي نزل على محمد اللفظ والمعنى. نقول: إنَّ الأكثرين من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين يقولون: إنَّ أبا حنيفة اعتبر المترجم مجزئًا للصلاة في الحدود التي رسمناها في دور من أدوار اجتهاده الفقهي، ولكنَّه لا يعد قرآنًا قط، ولذا لم يقل أنَّه تجب سجدة التلاوة بالجزء المترجم إذا كان في معنى آية لها سجدة تلاوة، وأجاز أن يمسّ غير المتوضئ الجزء المترجم، ولا حرج عليه، وتقرأ الحائض والنفساء المعنى المترجم، ولا إثم في ذلك؛ لأنَّه ليس قرآنًا. ولذلك يقول الأكثرون من فقهاء المذهب الحنفي: إنَّ ما قرره أبو حنيفة إن هو إلا ترخص للذين لم تقوَّم ألسنتهم تقويمًا عربيًّا سليمًا، فسوَّغ لهم أن يقرءوا المعاني حتى تقوَّم ألسنتهم، وعلى أنَّه دعاء لا على أنها قرآن، ولم يعرف عنه قط أنه سوغ في غير الفاتحة.

стр. 423

وعلى هذا لا يجوز لأحد يبني على ما روي عن أبي حنيفة جواز ترجمة القرآن إلى لغة من اللغات على أن يكون المترجَم قرآنًا، ومهما يكن، فإنَّ الرأي الذي ينسب إلى أبي حنيفة قد رجع عنه، وهو خارج عن رأي الفقهاء أجمعين، فلم يسوغ أحد قراءة معاني الفاتحة بالفارسية أو غيرها، بل أجازوا الدعاء لمن لا يعرف العربية ولم يجد من يأتم به ليغنيه عن القراءة. وتكرَّر القول بأنه رجع عنه، وقلنا: أنه الذي يتفق مع السياق التاريخي؛ إذ إن أبا حنيفة عاش سبعين سنة ابتدأت سنة ٨٠ وانتهت سنة ١٥٠، والمعقول أنه رأى الألسنة الفارسية لم تقوَّم، فسوَّغ لهم من قبيل الرخصة الدينية فقط أن يقرءوا المعاني لسورة الفاتحة على أنها دعاء تقوّم ألسنتهم، فلمَّا رأى الألسنة قوِّمت ولانت واستقامت، وخشي البدعة؛ إذ يجد المبتدعة السبيل لبدعتهم، فرجع عن رأيه، ولا يصحّ الاعتماد على رأي رجع عنه صاحبه. ٢٦١- ولو تركنا فتوى أبي حنيفة، وقد علمنا من الفتوى أنَّه لم يعتبر ترجمة القرآن قرآنًا لها قدسيّة القرآن يجب أن نتَّجِه إلى موضوع الترجمة في ذاته، ولكي نقرر الحق فيه يجب أن نجيب عن هذه الأسئلة الثلاثة: السؤال الأول: أيمكن ترجمة القرآن؟ السؤال الثاني: أتسوغ الترجمة على أنَّ الترجمة قرآن أو لست بقرآن؟ السؤال الثالث: ما السبيل لتعريف غير المسلمين بالقرآن، وإطلاعهم على معانيه؟ وإنَّا نجيب عن هذه الأسئلة جملة: إنَّ ترجمة القرآن غير ممكنة، وقد تصدَّى لذلك العلماء الأقدمون، فقرَّر ابن قتيبة وغيره من العلماء أن كل كلام بليغ لا يمكن ترجمته ببلاغته من لغة إلى أخرى؛ ذلك أنَّ الكلام البليغ له معنيان مجتمعان، أحدهما أصلي، وهو المقصد الذي انبنى عليه الكلام، وما سبق له من قصة أو حكم أو عظة. والثاني بلاغي، وهو إشارات الكلام ومجازاته، وما يثيره من صور بيانية، وما يحيط به من أطياف، كالتي تحيط بالصور الحسية، وبهذا كله تعلو الرُّتَب البلاغية، ويسمو البيان. وبتطبيق هذه القاعدة على القرآن الكريم وهو في درجة من البلاغة لا ينهد إليها أي كلام إنساني قط، فإن ترجمته مستحيلة على أن يكون قرآنًا فيه كل خواصه البلاغية. ولذلك قال العلماء الأقدمون بالإجماع: إنه لا يمكن ترجمة القرآن بمعانيه الأصلية، والمعاني البيانية اللاحقة لها، فما فيه من أوامر ونواهٍ وأخبار وقصص يمكن

стр. 424

ترجمته، فيترجم أصل النهي والأمر، ووقائع القصة، ولكن العبارات التي سبق بها القول وما فيه من صور بيانية، وإشارات تعلو بالكلام إلى أسمى المنازل؛ حيث لا يكون له شبه ولا مثيل، فإن ذلك لا يمكن ترجمته. ولقد قال الشاطبي في هذا المعنى بعد أن قسَّم معاني الكلام البليغ إلى معانٍ أصلية ومعانٍ خادمة هي ما تشير إليه المجازات والتشبيهات والإشارات البيانية، ومطويات الكلام ومراميه البعيدة، قال بعد هذا التقسيم: "إذا ثبت هذا لا يمكن من اعتبر هذا الوجه أن يترجم كلامًا من الكلام العربي بكلام الأعاجم، فضلًا عن أن يترجم القرآن وينقله إلى لسان غير عربي إلَّا مع فرض استواء اللسانين في اعتباره عينًا، فإذا ثبت ذلك في اللسان المنقول إليه مع لسان العرب أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر، وإثبات مثل ذلك بوجه بين عسير جدًّا". ونزيد على الشاطبي أنَّه إذا توافق اللسانان فإنه بعد ذلك لا يوجد في اللسان الآخر من تكوّن عبارته كعبارة القرآن المعجز للبشر أجمعين الذي إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. وقد نفى ابن قتيبة إمكان ترجمة القرآن على الوجه الثاني، أمَّا الوجه الأول فقد قال فيه: "فأمَّا عن الوجه الأول فهو ممكن، ومن جهة صحَّ تفسير القرآن، وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام، فصار أهل الاتفاق حجة على صحة الترجمة بالمعنى الأصلي"١. وبهذا يتبين أن ترجمة القرآن غير ممكنة. ولا تسوغ ترجمة القرآن، واعتبار هذه الترجمة قرآنًا، فإن ذلك يؤدي إلى ألا يحفظ القرآن من التحريف والتبديل، بل يعتريه ما اعترى التوراة والإنجيل من تحريف وتبديل، فالأناجيل ضاع أصلها العبري، ولم يبق إلَّا ترجمتها اليونانية، أو بالأحرى ترجمة بعضها، والسبب في ذلك هو ترجمتها من العبرية، وهكذا يكون القرآن الكريم لو سوغنا ترجمته، ولكن الطريق مسدود ابتداءً؛ لأن الترجمة غير ممكنة، فكان القرآن محفوظًا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . ٢٦٢- وهنا يرد أمران منبعثان من السؤال الثالث الذي ذكرناه، وهو كيف نوصل علم القرآن إلى أهل الألسنة الأخرى، ذانكم الأمران أولهما أنَّ كثيرين من الأوربيين والأمريكان وغيرهم، والمغرضون فيهم أكثر من طالبي الحقائق كتبوا معاني القرآن بغير العربية وسمَّوا قرآنًا، وحرَّفوا فيها الكلم عن مواضعه، والأجانب يعتبرونها قرآنًا،

стр. 425

ومن الواجب أن تصحح هذه التراجم بترجمة صحيحة سليمة للقرآن الكريم ترد الحق إلى نصابه. والأمر الثاني: إنَّ عند بعض الأوربيين والأمريكان نزعات تتجه بهم إلى تعرف القرآن وما يشتمل عليه، وإن كثيرين من الشرقيين المسلمين لا يعرفون معاني القرآن وإن كانوا غير فاهمين لما يتلون. ومن الواجب أن نعرِّف المسملين بمعاني القرآن معجزة الإسلام، ومنهم من يحفظه كله، وكلهم يحفظون بعضه ليصححوا صلاتهم، وإن هؤلاء من حقهم على المسلمين الذين يجيدون العربية ويفهمون لغتهم أن ينقلوا إليهم معاني القرآن؛ ليفهموا معنى ما يتلون من كتاب الله تعالى. ونقول بالنسبة لهؤلاء الأعاجم من المسلمين: إنهم يتلون القرآن الكريم، ومن السهل أن يكتب لهم في هامش المصاحف التي بأيديهم معاني الألفاظ القرآنية، فيقرأون القرآن، ويستطيعون أن يفهموه، وقد فعل كثيرون منهم ذلك، وما يكون بالهامش لا يعد ترجمة، بل يكون تفسيرًا للمفسر. وأما بالنسبة لغير المسلمين الذين يريدون أن يعرفوا ما في القرآن، ونحن نقرر أن من الصدِّ عن سبيل الله تعالى ألَّا نطلعهم على ما في القرآن من تكليف وعظات وإرشاد، ولكن السبيل إلى ذلك ليس ترجمة القرآن ذاته، فإن ذلك متعذِّر؛ لأن القرآن له معانٍ رائعة تختلف في إدراكها على الوجه الأكمل للعقول، وكل عقل يدرك منها بمقدار ثقافته، وما يدلي به من حبال المعرفة وطاقة الفهم. وإنما السبيل هو الاتجاه إلى أحد أمرين، إمَّا بيان المعاني الأصلية التي اشتمل عليها بالقرآن مبينة بأقوال النبي ﷺ ، وبذلك يعرفون حقائق الإسلام ويستضيئون بنور القرآن. والاتجاه الثاني: أن يفسّر القرآن تفسيرًا موجزًا مختصرًا موضحًا لمعاني الآيات، وأن يتولَّى كتابة هذا التفسير جماعة علمية معروفة بأنها من أهل الذكر، ويذكر التفسير منسوبًا إليهم، ومسمَّى بأسمائهم مضافًا إليها، ويترجم ذلك التفسير على أنه ترجمة تفسير فلان وفلان، وأن نحتاط عند النشر ذلك الاحتياط لكيلا يفهم أحد أن هذه الترجمة هي القرآن، أو هي معاني القرآن، بل يشار إلى أنها ترجمة لمعاني القرآن على ما ذكره وفهمه أولئك المفسرون، فإن معاني القرآن على الحقيقة لا يعلمها كاملة إلَّا منزِّل القرآن، ومن نزل عليه الفرقان، ومن بعد يدرك كل عالم بمقدار طاقته، وإن القارئ المتفهِّم للقرآن الطالب لمعانيه يجد أمامه نورًا، كلما قوي بصره استنارت
следующие страницы →