← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23137

المعجزة الكبرى القرآن

محمد أبو زهرة

Полный текст (438 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فمنطقهم الظالم يسير سيرًا عكسيًّا، تصغير العقوبة عندهم بكبر المجرم وتكبر بصغره، أمَّا الإسلام فإنه ينظر في الأمر بمنطق مستقيم، فالجريمة تكبر بكبر المجرم، ويكون العقاب على قدرها، وتصغر بصغر المجرم، ويكون العقاب على قدرها؛ وذلك لأنَّ الجريمة هوان، وأن الهوان يسهل على الضعيف؛ إذ لا قوة نفس تعصمه وتنهاه، وأن العبد والأمة في ذلٍّ وهوان، فالجريمة منها قريبة، فيعذران، ويخفف عليهما العقاب، وذلك هو منطق العدل المستقيم، وهو شرع الله العظيم. حد القذف: ٢١٠- القذف هو رمي المحصنات والمحصنين بالزنى، من غير دليل مثبت، بل بمجرَّد الظنّ الواهم، أو الإيذاء الآثم، وفي ذلك تهوين للجريمة وإشاعة للفاحشة في الذين آمنوا، ولذلك كان العقاب الصارم على من يقذف، ويرمي المحصنين والمحصنات من غير تثبت ولا تحرج، ولقد قال الله تعالى في ذلك مبينًا له بعد حد الزنى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] . وهذا النص السامي دلَّ على أمور ثلاثة: أولها: إنَّ الرمي بالزنى لا بُدَّ أن يكون ثابتًا بشهادة أربعة من الشهداء وإلّا عُدَّ قذفًا باطلًا، وكان له عقوبة قاسية، وهو الجلد ثمانين جلدة، وهو عقوبة مادية لا هوادة فيها. ويدل ثانيًا على أنَّ هناك عقوبة أدبية أو تبعية كما يقول علماء القانون، وهو ألا تقبل لهم شهادة أبدًا؛ لأنَّهم دنسوا ألسنتهم بقول أفحش الباطل، فيعاقبون على ذلك بألَّا يقبل منهم قول في قضاء، والتأييد يقتضي أنَّ التوبة لا تسوغ سماع شهادتهم. ويدل ثالثًا على أنَّ التوبة تقبل عند الله إذا تابوا وأصلحوا، وذلك لا يمنع نزول العقاب الأصلي والتبعي؛ لأن التبعي أبدي. وإنَّ هذه العقوبة لمنع إشاعة الفاحشة؛ لأنَّ الاتهام بالنى وخصوصًا للأبرياء يسهل ارتكابه، ولقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] . ولقد ضرب الله مثلًا للذين آمنوا بحال أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها، وهي الطاهرة بنت الطاهرة، وزوج أطهر من في هذا الوجود، تطاول المفترون عليها بالإفك، وقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى

стр. 352

كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١١-١٨] . هذا توجيه عظيم لمن يسمع إفكًا على طاهر من الطاهرين، أو طهارة بينة الطهارة، فأول واجب على المؤمن إذا سمع إفكًا أن يظنّ خيرًا بالمؤمن، ويجعل حال الصلاح هي الظاهرة، وهي الحاكمة، فإن كان ممن يظن الظنون فعليه أن يثبت حتى يجيء الدليل، وهو أربعة شهداء، ليكون الدليل مقابلًا لظنِّ الخير بأهل الإيمان، فإن لم يكن الدليل كان على المؤمن أن يقول هذا بهتان عظيم، وأنه لا يسوغ لمؤمن أن يتلقى قولًا يرمى من غير دليل، ولا تثبت، ثم يزيد الظن به، فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحسبونه تسلية، وأمرًا هينًا، وهو عند الله عظيم. وفي هذا النص السامي بيان للمستهينين الذين يشيعون القول الفاسد، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، وأنَّ الإسلام يريد جماعة طاهرة عفيفة لا يسودها إلَّا الكلام الطيب النزيه العف. اللعان: ٢١١- جاء رجل إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- يبثه شكواه ويقول: "إن الرجل يجد الرجل مع أهله، فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم ضربتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم بيِّن"، فكان اللعان. وهو يكون في حال رمي الرجل زوجته بالزنى، فقد جعل الله تعالى حكمًا خاصًّا مخصصًا لمن يرمي أيَّ محصنة غير زوجته؛ لأنه لا يمكن أن يرمي زوجته إلا وهو في عذر غالبًا، فكان اللعان للتثبت من الواقعة التي تتضمن الوقوع في الفاحشة من الزوجة، وقد بيِّنَ الله تعالى اللعان بقوله تعالت كلماته: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ

стр. 353

اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦-١٠] . والشهادة هنا هي الحلف بالله تعالى؛ لأن الحلف فيه إشهاد لله ، فالرجل يحلف أربع مرات أنه صادق فيما رماها به من الزنى، أو نفي الولد إن كان الرمى بعدم نسبة الولد إليه، ويتضمَّن ذلك الرمي بأنها حملت به من الزنى، فإذا حلف هذه المرات الأربع، حلف الخامسة بأن يحلف بالله أنَّ لعنة الله تنزل به إن كان من الكاذبين. والمرأة ينزل عليها العقاب، وما حده القرآن الكريم، فتحلف أربع مرات إنه لمن الكاذبين، وتحلف الخامسة بأنَّ عليها غضب الله إن كان من الصادقين. وأنَّ التحالف إن تمَّ على هذا الوجه رفع عن الرجل عقوبة القذف، وهو ثمانون جلدة، وعن المرأة عقوبة الزنى، ولقد حكم النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بذلك. ولكنه -صلى الله تعالى عليه وسلم- فرَّقَ بينهما فرقة أبدية ما داموا على هذه الحال؛ لأنَّ الحياة الزوجية تقوم على المودة، والمودة تقتضي الثقة بين الزوجين، وبعد هذا الترامي وتكذيب كل واحد لصاحبه ذهبت الثقة، ولا مودة مع فقد الثقة، فلا يتحقق معنى الزوجية الذي نصَّ عليه في كتابه الكريم ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] ، ولا تراحم بين زوجين يشك أحدهما في صاحبه، ولا يطمئن إليه. ٢١٢- وإن ما ذكرناه من نصوص القرآن من الزنى والقذف واللعان يتجه بالمؤمن إلى أن يكون طاهرًا نزهًا عفيفًا، ويتجه بالجماعة الإسلامية إلى أن تسودها الفضيلة، فلا تترامى برفث القول وفسوقه؛ لأنَّ القول يؤدي إلى فعله، والترامي بالفاحشة يؤدي إلى ارتكابها. وإن الرذائل لا تنمو إلَّا في أجواء فاسدة، والفضائل لا تخبو إلَّا في أوباء الرذائل. ولعلَّ فساد مجتمعاتنا الحاضرة سببه الترامي بالفحشاء صراحة، أو بلحن القول إذ يحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. الخمر: ٢١٣- ذكرنا حدودًا أقيمت لحفظ النفس والمال، وحدودًا أقيمت لحفظ النسل وحفظه البيئة الاجتماعية، والآن نذكر ما يفسد العقل، وقد ترك الله سبحانه لنبيه تقدير العقوبة لها، وإن كانت الجريمة قريبة من جريمة القذف ومن جنسها، ولذلك فهم فقيه

стр. 354

الصحابة علي -كرَّم الله وجهه- عقوبتها من عقوبة القذف، وقد جاءت النصوص القرآنية مشيرة إلى مضار الخمر، وأنها شراب مذموم، وجاءت بالنهي عنها، وأول آية نزلت مشيرة إلى أنها أمر غير حسن قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] . وقد كان ذلك النص متضمنًا استهجانًا لها، وهو استهجان ببيان أنها شيء غير مستحسن في ذاته، فهو مقابل للأمر المستحسن. والمقابل للمستحسن لا يكون إلا مستهجنًا. وكان ذلك أول تنبيه للعرب باستهجانها؛ لأنهم كانوا يألفونها في جاهليتهم ويتفاخرون بشربها كما يفعل أهل الجاهلية في هذا الزمان الذي نعيش فيه. وهذه الآية نزلت في مكة، فلما كانت الهجرة، وأشرب المسلمون حب الإسلام أشار القرآن إلى ما يوجب تحريمها، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] . وقلنا: إنَّ هذا النص السامي يوجب تحريمها؛ لأنَّ كل أمر غلبت مضاره على منافعه يوجب العقل أن يحرمه الإنسان على نفسه، لأنه ما من شيء إلا فيه نفع نسبي وضرر نسبي، والعبرة بما يغلب، ولكنه ليس تحريمًا صريحًا، ولذلك بعد هذا النص كان عمر ﵁ يقول: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. وإن النفس العربية كانت قد ألفت شربها وتعودته، فلا بُدَّ من تربية تخلع هذه العادة غير الحسنة، فجاء النصّ الآخر الكريم ليربِّي النفس على البعد عنها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] . وإنَّه لا يتصور إيمان من غير صلاة، فالصلاة أمر محتوم، وقد نهى عن أن يقربها وهو سكران، حتى يعلم ما يقول: والعلم بما يقول هو العلم ما ينبغي قوله، وما لا ينبغي، ونتائج القول، وتحري الصدق، وكل هذا لا يكون إلَّا من ذوي وعي كامل مدرك لحقائق الأمور وغاياتها، ولا يكون ذلك إلَّا إذا كان على بعد من الشرب بوقت طويل، وقال : ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ ، ولم يقل: لا تدخلوا في الصلاة؛ لأنَّ النهي عن المقاربة أبلغ من النهي عن الدخول. وإذا كانت الصلوات خمسًا موزَّعة في النهار وزلفًا من الليل، فإنه لا بُدَّ أن يكون على صحوٍ كامل من قَبْل الفجر حتى لا يقرب صلاة الفجر وهو لا يعلم ما يقول، ولا بُدَّ أن يكون في صحو قبل الظهر، ولا بُدَّ أن يكون الصحو مستمرًّا إلى العصر،

стр. 355

لقرب ما بينهما، ومثل ذلك المغرب والعشاء، وبذلك يذوق المسلم حلاوة البعد عنها، كما تعوَّدها من قبل، وهي شراب غير مريء. فكان ذلك النص الكريم تربية للنفس المؤمنة، وعلاجًا لترك أمر مذموم ألفوه بأمر حسن عرفوه وذاقوا حلاوته. ولم يجد عمر المدرك بنور الله في ذلك بيانًا شافيًّا؛ لأنه يغرب في نهي قاطع، لا تردد فيه. ولقد نزل بعد ذلك الأمر الحاسم القاطع الناهي نهيًا لازمًا فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] . وقد قال علماء البلاغة: إنَّ قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ هي أبلغ صيغ النهي، ويجدر بنا هنا أن ننبه إلى أمرين: الأمر الأول: إنَّ أهل الجاهلية في هذا العصر يقولون: إنه لم يكن ثمَّة نص على النهي مثل قوله: "لا تشربوا"، وأن ذلك القول التافه كان غير جدير بالالتفات إليه، ولكن كثير ترداده، فحق علينا البيان فنقول: إن النص الكريم شدَّد في النهي من وجوه كثيرة: أولها: إنه قرن الخمر والميسر بالعبادة بالذبح على النصب، وتلك قريبة التحريم في ذاتها. وثانيها: إنَّه وصفها بأنها من عمل الشيطان، وأنها رجس، أي: أمر قذر في ذاته، فهي ضارة، ولا تتقبلها النفس الفطرية، ومضارّها الجسمية معلومة لكل مدرك أريب. وثالثها: إنَّه طالب باجتنابها، والاجتناب يقتضي البعد عنها، وعن مجالسها، وعن شاربيها، وذلك أبلغ من قولك: لا تشربها. ورابعها: إنها تدفع إلى العداوة والبغضاء، وهما أمران مفسدان، مقوضان لبناء المجتمع. وخامسها: إنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، والصلاة فرض لازم هو شعار الإسلام، والصدّ عنه أشد الأمور في الإسلام فهو حرام، فكل ما يؤدي إليه يكون حرامًا مثله؛ لأنَّ ما يفضي إلى الحرام يكون حرامًا. وسادسها: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ، وقد قلنا أنَّها أبلغ صيغة في النهي عن الفعل.

стр. 356

الأمر الثاني الذي يجب التنبيه إليه: هو أنَّ الخمر كل ما يخامر العقل ويستره، ويمنعه من الإدراك المستقيم، سواء أكان النيئ من ماء العنب، أم كان المطبوخ منه، وسواء أكان من العنب أو البلح، أو غيرهما. وعندما نزل ذلك النص القاطع في التحريم أراق الصحابة كل ما عندهم من دنان الخمر، ولم يكن فيها النيئ من ماء العنب، بل كانت كلها أنبذة. فكل شراب من شأنه أن يسكر أو يؤدي إلى السكر يكون حرامًا، سواء أكان نبيذ العنب أو التفاح أو البلح أو البصل أو نيئ القصب، وسائر ما يخترعه الإنسان ليفسد عقله، وسواء أكان سائلًا أم كان جامدًا. ولقد عرضنا لهذا الأمر لأنَّ بعض الفقهاء الكبار ظنَّ أن الخمر هي النيئ من ماء العنب إذا غلا فاشتدَّ وقذف بالزبد، فتعلق به الجاهلون، وحسبوا أنه يبيح الأنبذة، وهو يعلم أنَّها مسكرة، وطاروا بذلك القول؛ ليستبيحوا الخمر ويبيحوها، ونقول: إن ذلك الإمام الجليل قد أخطأ، وما كان عليهم أن يقلدوه في الرأي ليتمكنوا من شربها، بل كان عليهم أن يقلدوه في فعله، فقد قال ﵁ وعفا عنه: "لو أغرقت في الفرات على أن تناول قطرة من الأنبذة ما تناولتها". ٢١٤- وإنَّ القرآن إذ شدَّد في تحريم الخمر فإنه يعتبر ارتكابها جريمة تستحق العقاب، ولكن ليس في القرآن نصّ على عقوبة لها، وفيه نصّ على جريمة هي في كثير من الأحيان نتيجة لها، فإنَّ السكران لا يدري ما يقول، فينطق برفث القول وبالفسوق وهي جريمة القذف، ولقد قال علي بن أبي طالب في الارتباط بين الجريمتين، قال في عقوبة الشرب: "إذا شرب افترى، فيحد حد الافتراء، وهو حد القذف". وقد ترك تقدير العقاب النص الصريح، أو بالعمل المبين للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد روي عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- أنه قال في الشارب: "إذا شرب فاضربوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه". وقد قيل له ﵊: إننا بأرض برد نستدفئ بالخمر، فقال ﵊: "لا تشربوها" فقال القائلون: إنهم لا يستطيعون، فقال ﵊: "فقاتلوهم".

стр. 357

وثانيها: أن يكون البغاة لهم قوة بعسكر مناوئة لحكومة الإمام. وثالثها: أن يكون خروجهم لإقامة العدل لا لمجرد الخروج، والمحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وبذلك يفترقون عن قطاع الطريق؛ لأنَّ قطاع الطريق يخرجون على الحاكم من غير تأويل للإفساد، وانتهاك حرمات العباد، وقد كانت عقوبة أهل البغي قتالهم من غير أن يكفروا ولا يعتبروا محاربين، بل يقاتلون حتى تفلَّ شوكتهم، وأنَّ على المؤمنين أن ينصروا الإمام العادل. وهذا نص ما جاء في كتاب الله تعالى خاصًّا بذلك: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠] . ويستفاد من هذا النص الكريم أنه قبل القتال يجب العمل على رأب الصعدع بجمع القلوب المتفرقة، وتحري أسباب التقاتل بين الطائفتين، فإن أمكن إزالة أسباب الخصام فإنه بهذا يستقر السلام، وإن تبين الظلم من إحدى الطائفتين كانت الباغية، وحلّ قتالها، وكان القتال فرضًا كفائيًّا على المؤمنين، يعاونون العادل ويدفعون الآثم. وتدل ثانيًا: على أنَّ القتال له غاية، وهو أن تعود إلى أمر الله تعالى ويستقيم أمرها على جادة العدل، فلا يؤسر منهم أسير، وبالتالي لا يسترق منهم، ولا تنهب أموالهم، ولا يجهز على جريحهم. وتدل ثالثًا: على أنها إن عادت إلى صفوف المؤمنين تعامل بالعدل، ولا تعامل بالانتقام، فليست بينها وبين الحاكم خصومة، إنما بينهما الأخوة الجامعة، ولذلك عقب ذكر العقوبة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] . وقد ذكر حكم البغاة مجملًا، ولم يكن بغي في عصر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم؛ لأنَّ الخروج على حكمه كفر، وليس ببغي يكون أساسه التأويل، فلا تأويل، وعمل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- صريح. وكذلك لم يحدث بغي في عهد أبي بكر، بل حصلت ردة وكفر، وكذلك لم يحصل بغي في عهد الفاروق، وفي عهد عثمان كان بغي، ولم تكن مقاومة للبغاة، حتى قتل الشهيد ذو النورين ﵁ قتلة فاجرة، وفي عهد عليّ فارس الإسلام، والمجاهد الأول بعد النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان البغي، بشروطه.

стр. 358

المعاملات المالية: ٢١٦- اشتمل القرآن الكريم على بيان الحلال والحرام في الأموال وطرق كسبها، لكن بيانها كان إجماليًّا ولم يكن تفصيليًّا كالأسرة؛ لأن المعاملات مختلفة في تفصيلها وطرقها، ويجمع أحكامها قواعد عامة تعرض القرآن لبيانها، وذكر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بيانه فيها. وأوّل ما أمر به القرآن بالنسبة للمعاملات عدم أكل اأموال الناس من غير أساس من التعامل المشروع أو الإنتاج مما أخرجت، ومن التحويل في الصناعات المختلفة، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] . وإن هذا النص يدل على أمور ثلاثة: أولها: النهي عن أكل مال الناس بالباطل، أي: بغير حق موجب. وثانيها: أنَّ أكل الناس بالباطل وشيوعه مثل شيوع الرشا والربا، وغيرهم من المعاملات الفاسدة التي تتضمَّن في ذاتها أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى ضياع قوة الأمة، وتقل روح التعاون في الجماعات، ولذا كان قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . ولقد صرَّح القرآن الكريم بالنهي عن الرشوة، وخصوصًا رشوة الحاكم التي تذهب بالثقة، وتفسد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتجعل أمور الناس فوضى، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] .

стр. 359

وإن هذا النص الكريم يدل على حرمة الرشوة، وقد سمَّاها في موضع آخر السحت، ويدل على أن الرشوة أكل لأموال الناس، وإفساد للحكم، وضياع للعدل، وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام في أنَّ الأصل للعلاقة بين الناس هو مراعاة العدالة. وقد ذكر القرآن أنَّ من أسباب ضياع اليهود وفساد الحكم فيهم السحت، وقد قال تعالى فيهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] . ومن أكل المال بالباطل تطفيف الكيل أو الميزان أو تقدير الأشياء بأيّ نوع من التقدير، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١-١٤] . وترى من هذا الوعيد الشديد للذين يطففون، الذين يظلمون الناس في الكيل. وقد يقول قائل: لماذا اختص القرآن من بين المعاملات المادية إيفاء الكيل والميزان بالذكر؟ ونقول: إن الوفاء في الكيل والميزان صورة حسية لعدالة المؤمن في المعاملات، ويتحقق فيها بالحسّ معنى قوله ﵊: "عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به". فالأمر بوفاء الكيل والميزان أمر بالعدالة النفسية والأدبية في كل العلاقات الإنسانية. وقد اهتمَّ القرآن بذلك. ٢٠٩- وإن الإسلام لحرصه على أن يكون التعامل على أساس سليم من العدالة والرضا الصحيح، أمر بكتابة الديون والعقود، والإشهاد عليها لكيلَا تكون مشاحة، والمشاحة تؤدي إلى المنازعة، بل أكل أموال الناس بالباطل، ولذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ

стр. 360

بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢-٢٨٣] . هذا نص شامل من نصوص القرآن الكريم معجزة هذا الوجود، وهو يدل على أمور. أولها: لزوم كتابة الدَّيْن، وأن تكون هذه الكتابة يتولَّاها كاتب عدل مأمون تحريف القول، أو تغييره، وأن على هذا الكاتب أن يجيب إذا دعي إلى الكتابة، والكتابة مطلوبة في كل الأحوال، سواء أكان الدين صغيرًا أم كبيرًا، بشرط أنه مقدار يدخل في معنى عرفًا. ثانيها: أنَّ الذي يملي الدَّيْن هو مَنْ عليه الدَّيْن، فإن كان ضعيفًا لا يدرك العقود، أو سفيهًا لا يحكم التصرف، أو كان لا يستطيع أن يملي لضعف في بيانه، أو في تعبيره، يملي ولي يختاره، أو يكون مختارًا له من قبل القضاء المهيمن أو الشرع. ثالثها: أنه لا يستثنى في الكتابة إلَّا التجارة الحاضرة التي تدار بين التجار، كأن تكون سلعة عند تاجر، فيأخذها من جار، أو متعامل معه على أن يرسل إليه الثمن لهذه التجارة الحاضرة إن باعها، فلتسهيل التعامل استثنيت من الكتابة. رابعها: أنه إذا كان الدائن والمدين على سفر، ولم يجدوا كاتبًا، فإن الرهان التي تقبض تقوم مقام الكتابة في الاستيثاق من وفاء الدَّيْن. خامسها: أنه لا بُدَّ من الشهادة بأن يكون ثمَّة شاهدان يحضران الإملاء، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، على أن يكونوا جميعًا من العدول، والشهادة لأجل الأداء عند الارتياب أو المشاحة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: عند الأداء.

стр. 361

هذا تفصيل محكم جاء في محكم التنزيل، وإذا علمنا أنَّ مشاحات الناس أكثرها في المداينات والمبايعات، وسواء أكانت في داخل الإقليم أم في أقاليم أخرى، علمنا لماذا عني القرآن الكريم المنزَّل من عند الحكيم العليم بالمداينات والعقول تلك العناية. وإن تعجب فاعجب من قول كثيرين من الفقهاء أنَّ الأمر هنا للإرشاد لا للإلزام، وعجبنا من أن يتصوروا أن ذلك التفصيل إرشاد، وليس حكمًا تكليفيًّا، والله أعلم بكتابه. الربا في القرآن: ٢١٨- من وقت البعث المحمدي، الإسلام لا يرى التعامل بالربا علاقة صالحة، بل إنه في الآية التي نزلت بمكة كان فيها استنكار، وعدَّه عملًا غير صالح، اقرأ قوله تعالى في سورة الروم المكية: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] . وهذا النص يفيد أنّ الربا لا يرضى عنه الله، وإن كان فيه زيادة فهي زيادة آثمة، وإذا كان المتعاملون يريدون أن يتضاعف مالهم فسبيل ذلك هو إعطاء شطر من المال للسائل والمحروم، فإنَّ المال ينمو بذلك وتكون الزيادة خيرًا؛ لأن ذلك السبيل هو التعاون، وجاءت من بعد ذلك في المدينة الآيات المحرّمة للربا تحريمًا قاطعًا حاسمًا، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [[آل عمران: ١٣٠-١٣٢] . والربا المذكور هنا، وفي الآية التي تلوناها من قبل، وفي الآية التي سنتلوها من بعد هو الزيادة في الدَّيْن نظير الأجل، فليس هو الدَّيْن ذاته، إنما هو الزيادة، ونذكر هذا تصحيحًا لفهم بعض الذين يبيحون الربا أو بعضه، فقد قال قائل منهم -عفا الله عنه: إنَّ المحرَّم هو ما زاد على ضعف الدَّيْن. وسارع إلى تصديقهم بعض القانونيين الذين يؤمنون بها في هذا الزمان أكثر من إيمانهم بالقرآن. والوصف بالمضاعفة للزيادة في هذا الزمان هو لبيان ما يؤدي إليه الربا؛ إذ تتضاعف الزيادة مضاعفة كثيرة، وفي ذلك ما فيه من إرهاق المدين، وقبح حال الدائن، وأكله المال بالباطل من غير عمل ولا كَدٍّ، ولا تعرَّض للخسارة.

стр. 362

ولقد نزلت آية في تحريم الربا تحريمًا لا يقبل أي تأويل، ولو كان فاسدًا، كالذي قيل في معنى الربا في الآية السابقة، فقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ، إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥-٢٨١] . هذا نص صريح قاطع في التحريم. ٢١٩- ولكن قومًا ممن تعلموا علم الإسلام لم يأخذوا بظاهر معناه، بل لأنهم عودوا المناقشة اللفظية في الألفاظ، وإلقاء ظلال من الإبهام على معانيها الواضحة البينة، وقد لانت نفوسهم، وأخذوها لحكم الزمان لا لحكم القرآن، وكأنهم تعلموا ليخرجوا الكتاب على غير مخارجه، ويتأوَّلوه بغير متأوله، ومرنوا على ذلك، وأضلوا كثيرًا بعد ضلالهم. إذا جاءك رجل وقال لك: أشك في أن هذه الشمس التي هي السراج المنير هي الشمس المذكورة في القرآن، أتصدق له قولًا؟ أم تحسب لكلامه وزنًا، أم تجعله في ظلّ العلماء المشتغلين بالدراسات الإسلامية أيًّا كان لونهم، وأيًّا كان زيهم. إن رأيت ذلك ففي المتفيهقين من الذين يتكلمون في القرآن وعلوم الإسلام من قال إن عمر قال: "إن للربا تسعة وتسعين وجهًا" ثم يردفون ذلك بأن يقولوا: إن لفظ الربا في القرآن كان غير معروف لعمر، فكيف يكون واضحًا لدينا. كبرت كلمة تنطق بها أفواههم التي أثمت بالقول في كتاب الله تعالى بغير علم. من هؤلاء تجدنا مضطرين لأن نشرح معنى كلمة الربا، وإن كنا نقول: إن الشمس التي نراها هي التي في القرآن. يقول أبو بكر الرازي الشهير بالجصَّاص في كتابه "أحكام القرآن": إنَّ الربا قسمان ربًا لغويّ يعرف من اللغة وهو ربا القرآن، وهو ربا الجاهلية، وهو أن يزيد في الدَّيْن في نظير الزيادة في الأجل. والقسم الثاني: هو الربا الاصطلاحي وهو الذي جاء في الحديث

стр. 363

"الذهب بالذهب مثلًا بمثمل، يدًا بيد، والفضة بالفضة مثلًا بمثل يدًا بيد، والتمر بالتمرمثلًا بمثل يدًا بيد، والبر بالبر مثلًا بمثل يدًا بيد، والشعير بالشعير مثلًا بمثل يدًا بيد، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى"، فهذا النوع من التعامل سمَّاه النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- ربًا، فكان ربا بمعنى الاصطلاح، وهو الذي فيه الوجوه الكثيرة. أَّما ربا القرآن فهو ربا الجاهلية، وهو الذي قال فيه النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في حجة الوداع: "ألَا إنَّ ربا الجاهلية موضوع، وإنَّ أول ربًا أبدأ به هو ربا عمي العباس بن عبد المطلب، فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون". والربا الجاهلي معروف وهو الزيادة في الدَّيْن في نظير الأجل، فإن سدَّد في عام كانت الزيادة واحدة، وإن لم يسدد ضاعف الزيادة، وهكذا مما نراه في المصارف في هذه الأيام. ولكن الذين يثيرون الشك حول الشمس والقمر المذكورين في القرآن يثيرون الشك في ربا الجاهلية، فيقولون: ليس ربا الجاهلية هو الربا الذي يكون في القروض الاستغلالية؛ لأن المقترض يستغل الدَّيْن فيكتسب، فيكون من عدلهم المزعوم أن يجعلوا للدائن سهمًا محدودًا في الدَّيْن، سواء أخَّر المقترض أم اكتسب، ويقصرون ربا الجاهلية على الربا الذي يكون فيه قرض استهلاكي، يقترض المدين ليدفع حاجات ضرورية، ويكون الربا في هذه الحال منافيًا للمروءة والخلق الكريم، ذلك تأويلهم الذي لا سند له من نص، أو قياس معقول، ولكنه تفكيرهم الذي يخرجون به عن حدود النص. ٢٢٠- إنَّ التأويل بتخصيص لفظ عام في القرآن يكون بتخصيص من القرآن نفسه، أو بتخصيص من المفسّر الأول للقرآن وهو النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، فكل تخصيص لعام القرآن الكريم من غير ذلك يكون حكم الهوى في القرآن، ويكون ردًّا سواء، وهذا فوق أنَّ ذلك التأويل الشاذ عند علماء الشريعة فيه مصادمة للنص القرآني، من غير دليل، فإن النص القرآني فيه ما يدل على بطلان ذلك التأويل الذي دفع إليه الهوى، الحال التي كانت عليه البلاد الحجازية تناقضه، والحوادث التي كانت في عصر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- تقاومه لما يأتي: أولًا: إنَّ المشركين قالوا مقالة أولئك الذين يحكمون هواهم في القرآن، ذلك أنهم برَّروا أكلهم الربا بأن شبَّهوه بالبيع، وقال الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الَْيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ، ومؤدَّى كلامهم أنهم يعتقدون مشابهة بين ما يكسبه المقترض بالبيع والشراء،

стр. 364

والإتجار في الشام وفارس، بما يأخذه المرابي من ربا، أي: إنَّهم يقولون: أنه بعض مما يكسبه المقترض بالبيع والشراء، وهو جزء منه، فردَّ عليهم بأنَّ البيع حلال، لأنَّ الكاسب بالبيع يتحمَّل كسبًا وخسارة، وحرَّم الربا لأنه الكسب من غير تعرض للخسارة، وبذلك يكون الكسب من البيع طبيعيًّا، والكسب بالربا غير طبيعي؛ لأن النقد لا يلد النقد. وثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ، فإنَّ التعبير عن الدَّيْن برأس المال إنما يكون في المال المتخذ للاستغلال، ولا يقال رأس المال للمال المتخذ لاستخدامه في الضرورة، فكان هذا دليلًا من النص يفيد أنَّ التحريم وارد في القرض الاستغلالي ابتداءً، والاستهلاكي تبعًا؛ ذلك أنَّ النص بعمومه يحرم كل زيادة، لأنَّ أيَّ زيادة تنقض التوبة وتكون ظلمًا. وثالثًا: إنَّ أحوال أهل مكة والطائف تجعل القرض للاستغلال هو الغالب بينهم، وأن القرض للاستهلاك لم يكن شائعًا بينهم، فقد كان أهل مكة وما حولها تجارًا، ينقلون بضائع الروم إلى الفرس عن طريق الشام واليمن، وينقلون بضائع الفرس إلى الروم عن هذه الطريق أيضًا، ولذلك كانت لهم رحلتان تجاريتان إحداهما رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، كما قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١-٤] . وإذا كانت مكة والطائف بلدين تجاريتين، فلا بُدَّ أن نتصور أن منهم من كان يتجر بنفسه بائعًا مشتريًا، ومنهم من كان يتَّجر بطريق غيره، فيعطي لمن يتجر بنفسه على أن يكون الربح بينهما بنسبه معلومة، والخسارة تكون على صاحب رأس المال، كما كان يفعل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في مال خديجة بأمانة الأميين -صلى الله تعالى عليه وسلم. ومنهم من كان يدفع المال إِلى غيره، على أن يكون له كسب محدود مما يئول إلى التاجر، كسب التاجر أو خسر، وقد روى ذلك من معاملات قريش، فقد كان ذو المال يدفع المال إلى التاجر على قدر من المال هو الربا، فإن سدَّد أخذ رأس المال مع الزيادة، وإن لم يأخذ أبقى المال وضاعف الزيادة، ولذلك أثر عن الربويين أنهم كانوا يقولون للمدين: ادفع أو ضاعف، والمراد مضاعفة الزيادة. وقد قال أصحاب السيرة في مقدمات غزوة بدر أنَّ قريشًا كلها خرجت بكل مالها للتجارة حتى حلى النساء، فأرادها أهل الحق كما صادروا من أموال المؤمنين، فاستنفر أبو سفيان قريشًا، وخرج الجند لحماية العير، فكانت الغزوة، ولا بُدَّ أن يكون في هذا

стр. 365

المال ما كان من مال المتاجرين، وما كان من مال غيرهم أخذ للتجار، وما كان ديونًا مأخوذة ليستغلها المدينون. ورابعًا: إنَّ النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال في تحريم ربا الجاهلية: "وأوّل ربًا أبدأ به ربا عمِّي العباس بن عبد المطلب"، ولا يتصور من العباس ﵁ أن يكون عربي محتاجًا لقدر من المال في أموره الضروية، فيأبى إلَّا أن يقرضه ربا، وهو الذي يسقي الحجيج في موسم الحج نقيع الزبيب والتمر. وخامسًا: إنَّه لوحظ في بعض أخبار العرب أنَّ الأثرياء كانوا يقترضون، فكان أبو جهل عليه دَيْن لرجل ليس من قريش وماطله، فاستعان بقريش لتحمله على الوفاء، فسخروا منه، وأشاروا عليه بأن يستعين بمحمد بن عبد الله ورسول الله، فأعانه، فقد قال الرسول القوي الأمين بعد أن صكَّ الباب صكَّة أرعدت مفاصله: "أد للرجل دينه"، فأدَّاه صاغرًا غير كابر. ويروى أن بني المغيرة قد استدانوا من ثقيف قبل أن يسلم الفريقان، فلمَّا جاء القرآن بالنهي عن الربا أنه موضوع، واختلف الدائن الثقفي مع المدين من بني المغيرة، أيحتسب من رأس المال ما أخذه من ربا من قبل التحريم أم لا يحتسب، أراد المدين أن يحتسب، وأراد الدائن ألَّا يحتسب، فاحتكموا إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، فحكم بينهم بمقتضى النص القرآني. وأنَّ بني المغيرة لم يكونوا فقراء، بل كانوا قومًا من الأثرياء، وفيهم من قال الله تعالى فيه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١١-١٤] . ومنهم من يدَّعي أنَّ النبوة لا تكون إلَّا في رجل ثري عظيم في منظره، وقال : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . وإذا كان ما بين الأغنياء من تقارض بزيادة، فدعوى إخراج القرض الاستغلالي من نطاق الربا دعوى باطلة، وهي تدل على أنَّ القائلين أخضعوا حكم القرآن لحكم الزمان، فضلَّت مداركهم، وزاغت قلوبهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] . وسادس الأمور التي تثبت أنَّ ربا القرآن يعمّ القرض الاستغلالي والقرض الاستهلاكي أنَّ العرب في حياتهم البدائية كانوا يقومون على أدنى معيشة من المادة، فما كانت لهم مطالب متعددة، وما كانوا يحتاجون إلى جهاز لابنة يجهزونها، ولا لأنواع من الأطايب يطلبونها، بل يكتفون بالقليل، وهؤلاء لا يكون فيهم قرض

стр. 366

الاستهلاك أبدًا، إن تعدد ألوان المطالب التي قد تضطر للاقتراض لقضائها وليد حياة متحضرة، ولم تكن هذه الحضارة عند أهل البادية. ولذا نقول: إن ربا الجاهلية، وهو الربا المحرَّم في القرآن يكاد ينصب على قرض الاستغلال ابتداء، والثاني يجيء من عموم النص، وفي التعاون بالزكاة غنًى عن الاقتراض للاستهلاك. شيوع الريا: ٢٢١- لقد شاع التعامل بالربا، حتى صار يسيطر على النظام الاقتصادي، ويقول اقتصاديو هذا الزمان: كيف يسوغ ترك التعامل بالربا وهو قوام الاقتصاد الحاضر؟ ونقول: إنَّ هذا النظام في كل قارات العالم هم اليهود، وأذكر منهم آل روتشيلد، الذين وزعوه في القارات، ونشروه، وسيطروا به على العالم الاقتصادي، وكان الربا سبيلًا للاستعمار في البلاد الإسلامية، وخصوصًا العربية. ومهما يكن مصدر الربا، ومهما يكن الذين أشاعوه، فإنا نقرر حقيقتين: أولاهما: إنَّ تحريم الربا ليس بسبب خلقي، حتى يقصر التحريم، على القروض الاستهلاكية، كما يتوهّم بعض المتفقهة، إنما الأساس في تحريمه اقتصادي، فالإسلام يدعو إلى نظام اقتصادي يقوم على منع الربا؛ لأنَّ الربا من شأنه أن يجعل رأس المال منتجًا من غير عمل عامل، بل من غير تحمُّل لتبعة العمل، وإذا ساد وجدت طائفة من الناس يتَّخذون التعطل سبيلًا، ويأكلون ثمرات غيرهم من التجار والزراع والصناع، ولقد قرَّر المحققون من الذين درسوا الاقتصاد الحقيقي أن الكسب بالانتظار لا ينَّمي الأمة اقتصاديًّا ويفسدها اجتماعيًّا؛ إذ إن الكسب بالانتظار لا ينتج، إنما الذي ينتج هو الذي يعمل زارعًا، أو تاجرًا، أو صانعًا، وإن إذا درست ما أحلّه الله تعالى وما حرمه من المكاسب، تجد أنَّ المكاسب التي أحلها الإسلام، هي التي تزيد ثروة الأمة، وتنمِّي إنتاجها أو تنفع الناس، والمحرّم من المكاسب ما لا ينمي ثروة الأمة، وتنمي إنتاجها أو تنفع الناس، والمحرّم من المكاسب ما لا ينمّي ثروة الأمة، ولا ينفع الناس، ولا شكَّ أن المكسب بالربا ليس فيه تنمية للثروة، ولا عمل لنفع الناس، ولا شك أنَّ المكسب بالربا ليس فيه تنمية للثروة، ولا عمل لنفع، إنما الذي يكون منه هذا هو المقترض، فبأس حق يأخذ المتعطل منه ثمرة عمله من غير تحمُّل لخسارة إن كانت. الحقيقة الثانية: إنَّ التعامل في الإسلام يقوم على أساس التعاون، وأن يفيض ذو المال على من لا مال عنده، ويتعاونا على الاستغلال بأن يكون ثمَّة مشاركة في الكسب

стр. 367

والخسارة، ولذلك كانت المضاربة الشرعية، أو ما يسمَّى شركة مساهمة، ومعناها: أن يدفع المال لمن يستغله على قسمة الربح بينهما بأسهم شائعة، كالثالث والرابع، على أن تكون الخسارة على صاحب رأس المال، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الشركات المساهمة، وإنَّ هذا النوع هو الذي يتفق مع مبدأ التعاون الذي دعا إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وهذا غير الربا؛ لأنه استغلال من جانب الرابي، والعمل على غيره من غير أن يتعرَّض للخسارة، وهو يؤدي إلى التنابز. وقد قرَّر المجددون من علماء الاقتصاد أنَّ سبب الآفات التي تقع هو من نظام الفائدة، وأنَّ ذلك النظام سبب بقائه مع فساده، وإدراك الناس لهذا الفساد أنَّه لا يوجد نظام يحل محله. ٢٢٢- وأخيرًا، نقرِّر أنَّ النظام الاقتصادي في الإسلام لا يقوم على الربا، بل إنه يناقضه، لأنَّه يجعل صاحب رأس المال يكسب من غير عمل، ومن غير تعرض للخسارة. وإن الذي يلاحظ أنَّ العاالم الآن يحكمه نظامان: أحدهما: يجعل رأس المال كاسبًا ماديًّا دائمًا، من غير أن يقوم صاحبه بعمل يتحمل تبعاته، ويؤدِّي به خدمة عامة تنفع الناس، وتمَدُّ الجماعة بالخير، فعملهم في الحياة أن يملكوا رأس المال، وغيرهم يعمل ويستغله كاسبًا وخاسرًا، ثم يجيء إليهم المال رزقًا رخيصًا، ليس مكسوًّ بجهد عامل. وثانيهما: نظام يلغي رأس المال، ويجعل العمل وحده هو طريق في مصنع يصنع، أو في حقل يزرع، أو في أي عمل ينفع الجماعة. والنظامان يتناحران، وقد يؤدي التناحر إلى أن يأخذ بعضهما من الآخر قليلًا أو كثيرًا، أفلا يتَّسع الوجود الإنساني في ذلك المضطرب لنظام يحترم رأس المال على أن يعمل فيه صاحبه يكسب من حلال وينتج ما ينفع الناس، فيكون نعم المال الصالح في يد العبد الصالح، ويمنع أن يكون كسب لأيِّ مال من غير أي عمل وتحمل الخسارة، أي: إنَّه يمنع الكسب بالزمن، إنما يكون الكسب بالعمل، وبرأس المال الذي يعمل فيه صاحبه. ذلك هو نظام الإسلام الذي سينتهي إليه العالم إن عاجلًا أو آجلًا. ولو أنَّ الذين يعملون في الاقتصاد من المسلمين يؤمنون بالقرآن كإيمانهم بنظم هذا الزمان لكانوا الدعاة إلى اقتصاد القرآن، وعساهم يفعلون.

стр. 368

العلاقات الدولية في القرآن: ٢٢٣- القرآن يذكر أنَّ الإنسانية كلها أمة واحدة، ويقول في ذلك: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] . وإنَّ النصوص القرآنية تدل على وحدة الإنسانية في خلقها وأصلها، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . فالرحم بين بني الإنسان موصولة، وإذا كانت الألوان مختلفة والألسنة مختلفة، والأجناس متباينة، فإن الأصل واحد، ويجب أن تكون العلاقات مبنية على الأصل الموحد، لا على التخالف الظاهر، ويجب أن تبنى الأمور على الجذع لا على الغصون المتفرعة. ولقد حدَّ الله تعالى في كتابه الكريم حدود العلاقة الإنسانية، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . فبهذا النص يبيِّن القرآن الكريم أنَّ العلاقة التي يجب أن تكون السائدة هي التعارف، والتعارف تكون معه المودة والتعاون وإقرار السلام وإحياء التراحم. ٢٢٤- وإذا كان التعارف هو الأصل الجامع للشعوب والقبائل والأجناس، فالإسلام لازم من لوازمه، هو الأساس لكل تعارف، فلا تعارف يوجب المودة مع الخصام والتناحر، والتحارب. ولذلك كان الأصل في علاقات الدول بعضها مع بعض أو بعبارة أدق العلاقة بين المسلمين وغيرهم في السلم لا الحرب، فالمسلم ينظر إلى من يخالفه نظرة الود الراحم، لا العداوة القاطعة، ولذلك يقو : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا

стр. 369

فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨، ٢٠٩] . وإذا قامت الحرب بين المسلمين المؤمنين بالقرآن، فإن الإسلام يتشوّف للسلم يبتغيه، ولا يريد الاستمرار في مذبحة، فإن مالوا للسلم أجابهم المسلمون، ولو كانوا يتوقعون الخديعة، ما دامت لم تظهر أماراتها، ولذلك يقول : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦١: ٦٣] . وقد تَربَّت النفس المؤمنة على المحبة، فكانت تكره القتل والقتال إلَّا أن يكون ذلك جهادًا، ولذلك قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحُِّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، وكان القتال بالجهاد لدفع الشر وتعميم الخير؛ لأنَّ الإسلام يدعو إلى الخير وإلى الفضيلة، وفضيلة الإسلام إيجابية وليست سلبية، فهي تدافع الرذيلة ولا تستسلم. وإذا كان الوجود يتنازع فيه الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، فإنه لا بُدَّ من دفاع الخير، لقد أراد الإسلام للناس المحبة، ولكن أراد إبليس لهم البغضاء، فكان لا بُدَّ من النزاع بين مبدأ المحبة والبغضاء، وإلَّا يُدْفَع الشر ساد الفساد، وعمت الرذائل، لذلك شرع مبدأ الجهاد لدفع الشر، ومنع الفساد، ولقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] . لذلك شرع الجهاد في الإسلام، وأول الجهاد كان عقب الاعتداء وفتنة المسلمين وإيذائهم ليرجعوا عن دينهم، عندئذ أذن الله تعالى بالجهاد وأوجبه، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠] . ولقد قال تعالى آمرًا المؤمنين بالقتال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ

стр. 370

أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠-١٩٣] . ويقول مبينًا أنَّ القتال لأجل الاعتداء، وأنه ينتهي بنهايته: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٢٨-٤٠] . فما كان الإسلام ليستبيح دماء المخالفين لأجل المخالفة، بل يستبيحها لأنهم استباحوا دم أهله، ولأنهم أرادوا حمل المؤمنين على تغيير دينهم، وفتنوهم في ذلك، والفتنة كما قال تعالى أشد من القتل. ٢٢٥- ولأنَّ الإسلام في مشروعية الحرب هو دفع الاعتداء، والفتنة في الدين، فإن الإسلام أباح الهدنة إذا أرادها المخالفون، وحسنها، ودعا إليها، وقال تعالى في ذلك وقد أذن بالقتال العام: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣، ٤] . وفرض الإسلام هدنة إجباريّة على المسلمين إنِ التزم بها المخالفون، وهي ألَّا يكون قتال في الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان. وأوجب ألَّا يبتدئ فيها المسلمون قتالًا إلَّا أن يكون امتدادًا لقتال والسكوت يضر، ولقد قال تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] . ولا قتال في الأشهر الحرم، ما دام المخالفون يحترموا، فإن انتهكوها فلا يصح لأهل الإيمان أن يظلموا فيهنَّ أنفسهم، ويقول في ذلك: ﴿الشَّهْرُ

стр. 371

الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] . ويقول : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] . والإسلام؛ إذ يقرّ الهدنة والعهود والمواثيق كما تلونا من كتاب الله، يحترم هذه المواثيق ما احترمها المناوئون واستقاموا عليها. ٢٢٦- ولا يبيح الإسلام القتل ولا القتال بالنسبة لمن يريد السلام، والله تعالى يقول ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] . ولقد أمر القرآن الكريم أن يحترم الميثاق بالنسبة لأهله، ولمن لهم به صلة، ولذا قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا، سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٨٩-٩١] . إن هذا النص يدل -أولًا- على ضرورة احترام المواثيق، وكفِّ القتال عن أهل الميثاق، والذين لهم به صلة قومية، ويكون سلمهم سلمًا لهم وحربهم حربًا لهم. ويدل -ثانيًا- على أنَّ الذين يكونون ذوي صلة بقوم بينكم وبينهم عداوة، وحصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، أي: إنَّهم لم يريدوا أن يكونوا مع المؤمنين على قومهم، ولا مع قومهم على المؤمنين، فهؤلاء لا يقاتلون.

стр. 372

ويدل -ثالثًا- على أنَّ الذين يتردَّدون في موقفهم فهم يريدون السلامة لأنفسهم بمداهنة قومهم الذين يقاتلونهم ومداهنة المؤمنين، فهؤلاء يحكم عليهم بالواقع، فإن لم يقاتلوا المؤمنين فلا سبيل عليهم، وإلَّا كان قتالهم حقًّا بذلك الموقف البادي. وإنَّ هذا التقسيم يدل على أنَّ القرآن الكريم يقرِّر نظرية الحياد، ويحترم المحايدين، فلا يرفع عليهم سيفًا، فالناس على ذلك في نظر القرآن الكريم ثلاثة أقسام: محاربون للمسلمين: وهؤلاء يجب قتالهم لرد اعتدائهم، والأخذ بالنواصي والأقدام من غير هوادة، وهؤلاء هم المعتدون بالقتال أو بفتنة المؤمنين كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] . والقسم الثاني: أهل الميثاق الذين بينهم وبين المؤمنين ميثاق عدم الاعتداء، وهؤلاء يحترم ميثاقهم، بل يمتدُّ احترام الميثاق إلى الذين لهم به صلة، بحيث يكون سلمهم واحدة وحربهم واحدة. والقسم الثالث: المحايدون الذين لا يكونون مع المؤمنين، ولا مع أعدائهم واقعًا؛ لأنه ما دام الأصل في العلاقات هو السلم إلَّا إذا حدث ما يوجب القتال، فإن لم يكن منهم ما يوجبه فإنَّه لا سبيل لأحد عليهم. وقد فهم بعض الذين لا يدرسون المسائل دراسة فاحصة مستقرَّة أنَّه لا موضع للحياد في الفقه الإسلامي، وذلك كلام من لم يمحص الحقائق؛ لأن القرآن الكريم كما ترى جعل للحياد موضعًا، وهم الذين يعتزولون الحرب مع المسلمين أو ضدهم، فقال: إنه لا سبيل عليهم، فكان الحياد ثابتًا بنص القرآن الكريم. ٢٢٧- وإذا تلونا بعض آيات القرآن الكريم التي فتحت باب القتال جهادًا في سبيل الله نجدها صرَّحت بأنَّ القتال كان للاعتداء من غيرنا بطريقتين: قتل المؤمنين والاعتداء عليهم، وإخراجهم من ديارهم، والثاني: بفتنتهم في دينهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: كل إنسان يعتنق ما يعتنق، لا رقيب على قلبه إلَّا الله تعالى، فلا إكراه في الدين ولا فتنة فيه. وهنا يسأل سائل: ألم يبح القرآن القتال إلَّا دفاعًا أو ردًّا للاعتداء، ولم يبح الهجوم؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن القرآن صريح في أنه لا يباح اقتال مع من ألقى السلام، وبذلك يكون من المؤكد أنَّ الإسلام لا يبيح الهجوم على الآمنين الذين

стр. 373

يلقون السلام وإنَّ ذلك حق لا ريب؛ لأنَّه لا يباح الهجوم على من لا يعلن العداوة على المؤمنين، ولكن هل يمنع الهجوم مطلقًا؟ وللجواب على ذلك نقول: إنَّ الذي استنبط من صريح الآيات التي تلوناها أننا لا نحارب إلَّا من اعتدى علينا أو فتننا عن ديننا، ومن الفتنة في الدِّين أن يمنع المتديّن من إقامة شعائر دينه، وأن يحال بين الحق والدعوة إليه. إنه في هذه الحال يكون القتال، ولكن يزاد عليها إذا قامت العداوة التي ابتدأها غير المؤمنين بالاعتداء على المؤمنين، ومحاولة غزوهم في ديارهم، أو فتنتهم في دينهم، فإنَّه عندئذ يتعيِّن قتال العدو المترصِّد الذي لا يألو المؤمنين إلَّا خبالًا ويود عنتهم وإرهاقهم، فلا يكون الاقتصار في الحرب على الدفاع بأن ينتظر المؤمنون حتى يهاجمهم الأعداء، وقد بدت عداوتهم وأعلنوها صريحة لا إيهام فيها، إنه كما قال بطل الجهاد علي بن أبي طالب: "ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلّا ذلوا". وبذلك نفسِّر قولنا: إنَّ المؤمنين ما قاتلوا إلَّا ردًّا للاعتداء بمثله أو توقفه، ولقد تلونا الآيات التي تنهى عن قتل من لا يعتدي علينا، ومن يعتزل قتالنا، ومن يلقي علينا السلام. وإذا ظهر الاعتداء وما يسكت عنه إلَّا للاستعداد لمثله، كان القتال مشروعًا بكل ضروبه لهؤلاء الأعداء بالهجوم على مأمنهم، بالقصد إلى مكامنهم، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ، كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ، اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ٥-١٠] . ويقول ﵎: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٣-١٥] . وترى من هذا النص أنَّ الأساس هو الابتداء بالاعتداء، فإذا ابتدأ الاعتداء وجب

стр. 374

القتال بكل ضروبه دفاعًا وهجومًا، بل إنَّ خير الدفاع ما كان هجومًا، ولا سبيل لإنهاء القتال مع المعتدين إلَّا بإحدى خصال ثلاث: إما الإسلام، وأن يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويكونوا إخوانًا، وإمَّا بالعهد يعاهدونه ويوفّون به، فما استقاموا فالعهد قائم، وإلَّا فإنه ينطبق عليهم قول الله : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] ، وإمَّا استسلام، أو يخضعوا لأهل الإيمان. وقد قال تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧، ٨] . ويقول سبحانه: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] . ٣٢٨- وننتهي من هذا التتبُّع إلى حقيقتين ثابتتين: إحداهما: إنَّ محاربة المؤمنين لأيِّ قوم لا تكون إلَّا عند اعتدائهم بإخراج المسلمين من ديارهم، أو إيذائهم في دينهم، ومن الإيذاء أن يمنع الدعاة إلى الإيمان من أن يلاقوا الشعوب، ويعرِّفوهم بالحق، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر؛ لأنه لا إكراه في الدين، ولكن بعد أن يتبيِّن الحق من الباطل، والغي من الرشد، وذلك لقوله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّن الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . الحقيقة الثانية: إنَّه إذا كان الاعتداء بأيِّ ضرب من ضروبه، فإنَّ باب الجهاد يفتح دفاعًا وهجومًا وغزوًا والتقاء، لا يمنع مانع إلَّا ما توجبه الفضيلة. وقد فهم بعض الناس أنَّ القتال في الإسلام لا يكون إلَّا دفاعًا، ولا يكون هجومًا، وذلك خطأ، والحق أنَّ القتال لا يكون لقوم إلَّا إذا اعتدوا، فإن كان الاعتداء حل قتالهم دفاعًا وهجومًا، وهم في الحالين المعتدون إلَّا أن يتوبوا أو يعاهدوا ويستقيموا. وليس قتال المؤمنين ليكون باب الدعوة إلى الإسلام مفتوحًا بعد الاعتداء من المؤمنين، بل هو رد للاعتداء؛ لأنَّ القتال لأجل الدعوة لا يكون إلَّا بعد أن يرسل المؤمنون دعاة للإيمان، فإن أجاب بعضهم، ولم يضطهد في اعتقاده، فإنه لا قتال، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وإن اضطهد كان الاعتداء بالفتنة، فوجب القتال ردًّا للاعتداء بمثله. وقد جاء الإسلام في عصر الملوك المتجبِّرين الذين كانوا يؤذون رعاياهم، فكان

стр. 375

منهم الاضطهاد لكل من تبلغه الدعوة ويؤمن، وما أرسل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- الجيوش إلى الشام إلَّا بعد أنِ اضطهد الروم المسيطرون المسلمين الذين أسلموا في الشام وقتلوهم، وما حارب الذين جاءوا من بعد الفرس إلّا لأنَّ كسرى حاول أن يرسل من يقتل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم. ويلاحظ من يتلو آيات الأمر بالقتال أنَّ فيها النهي عن الاعتداء، فالله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] . والاعتداء المنهي عنه قسمان: أحدهما: الاعتداء بالقتال على قوم لم يعتدوا على المؤمنين، وهم الذين ما جعل الله عليه سبيلًا. ثانيهما: الاعتداء في القتال، فيقتل من لا يقاتل، فيقتل مثلًا الشيوخ والنساء والذرية، فإن هذا اعتداء في القتال منهي عنه، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وإنَّ من مقتضى هذه التقوى ألَّا يقاتلوا من لا يقاتل، وألَّا يقطعوا الأشجار، وألَّا ينتهكوا الأعراض، وألَّا يستبيحوا الأموال بغير حقها. ويلاحظ أنَّ القتال في الماضي كان لا يتجاوز معسكر الحكام والجيوش، والعلاقة بين المسلمين وشعوب الملك أو الرئيس القاتل قائمة كأنه لا حرب والسلام قائم. إنما الحرب لمن يحادّون الله ورسوله؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وأولئك الذين يحادّون الله ورسوله هم الذين حاربوا المسلمين، وأعلنوا العداوة وأخذوا يتربَّصون بهم الدوائر لا يرقبون فيهم إلًّا ولا ذمَّة. وما عدا هؤلاء فإنَّ السلم هي العلاقة الدائمة والمودة إن وجدت مقتضياتها، وقد نصَّ القرآن الكريم على ذلك، فقال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا

стр. 376

يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩] . فالمودة موصولة ما لم يكن الاعتداء؛ إذ عسى أن تعود الصلة حتى يبين الأعداء، كما يقول الله : ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] .

стр. 377

العلاقة في السلم والحرب: ٢٢٩- الإسلام هو دين الوحدانية، ودين الوحدة الإنسانية، وقد تلونا من قبل الآيات اللقرآنية التي تقرُّ الوحدة الإنسانية بين الناس أجمعين، ورأينا أنه بمقتضى هذه العلاقة يكون الأصل هو السلم، ولكنَّ الناس مختلفون أجناسًا وقبائل وألسنة وأقاليم: وتلك آيات الله تعالى في الأرض، فقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] . وقد نظَّم الله في كتابه الكريم هذه العلاقة على أساس المساواة، كما صرَّحت الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] ، والمساواة أساس التعارف، كما أن التعارف يقتضي المودَّة والتعاون في كل أمور الحياة، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. والعدالة أساس العلاقات الإنسانية، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . ويقول في العلاقة الإنسانية العامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] . والأمر بالعدالة عام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . وإن العدالة توجب المعاملة بالمثل، إن اعتدوا قاومنا الاعتداء، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .

стр. 378

ومع أن الله تعالى أمرنا بردِّ الاعتداء بمثله في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ،أمرنا بالتقوى، فقال سبحانه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، ولذلك يجب علينا عند المعاملة بالمثل أن نستمسك بالفضيلة، فإنَّ الفضيلة هي القانون العام في كل معاملة إنسانية، فإذا كان العدوّ يقتل الذرية لا نقتلها، وإن كان ينتهك الأعراض لا ننتهكها، وإن كان يخرّب ديار الآمنين لا نخرّبها ما وسعنا ذلك. وهكذا. وإنَّ الإسلام قرر مبدأ الوفاء بالعهد وشدَّد فيه القرآن، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] . ولقد قرَّر القرآن الكريم أنَّ الوفاء بالعهد في ذاته قوة، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُم أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩١-٩٤] . وإن هذا النص الكريم يدل على أربعة أمور: أولها: إنَّ نقض العهد يؤدي إلى الزلل، ومع الزلل الضياع، فهو ليس حكمة ولا تدبيرًا، ولكنه خطل. وثانيها: إنَّ العهد الذي يوثق بيمين الله أو بإشهاد الله تعالى عليه هو عهد الله إذا اتخذ الله كفيلًا، فمن ينقضه فإنما ينقض عهد الله تعالى الذي وثقه بكفالته. وثالثها: إنَّ العهد في ذاته قوة، والتزامه قوة، ولذا شبَّه من ينقضه بحال الحمقاء التي تغزل غزلًا وتفتله، ثم تنقضه أنكاثًا، أي: أجزاء صغيرة، فالعهد يثبت السلم، وفي السلم قوة وقرار، والنقض إزالة له. ورابعها: إنَّه لا يصح أن تكون سعة الأرض وزيادة السلطان سببًا في الغدر، ولذلك قال في بواعث الغدر أن تكون أمة هي أربى من أمة، أي: أوسع أرضًا، وأكثر عددًا، وأقوى سلاحًا، فلا يصح أن يكون التوسع باعثًا للغدر؛ لأنه يؤدي لا محالة إلى الضعف.

стр. 379

وهذا التشدد في الوفاء بالعهد؛ لأنه في ذاته عدالة، ولأنَّ العهد فيه حدّ للحقوق، وخصوصًا إذا كان بين متكافئين، ولا يصح أن يكون الاستعداد وأخذ الأهبة سببًا في ذاته للنقض، ولكن إذا قامت أمارات تدل على أن استعداد المعاهد وأهبته نذير خيانة، وعلى المؤمنين أن يأخذوا حذرهم كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] . وفي هذه الحال يطبق قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] . وإذا كان هناك ما يجب الاحتياط له فإنَّه يكون عند عقد العهد، فلا يصحُّ الاطمئنان إلى عهد من عرفوا بالخيانة، فإنَّ العهد معهم نوع من الاغترار، ولذلك كان يجب تعرف حال الطرف الذي يعاهده قبل العهد، ولذلك حذَّر الله تعالى من العهد مع بعض المشركين الذين يقول سبحانه فيهم: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ، اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ٨-١٠] . ٢٣٠- هذا ما أردنا أن نقتبسه من آي الذكر الحكيم في أحكام الحلال والحرام، وما نقلنا كل ما اشتمل عليه القرآن العظيم، ولكن نقلنا ما يرى التالي للقرآن المقتبس من نوره، وما فصلنا الأحكام التي تعرضنا لنقلها من كتاب الله، فإنَّ تفصيلها يحتاج إلى نقل ما جاء في السنة، وما اختلف الفقهاء في ظلّ النور القرآني في دلالة بعض الألفاظ، فإنَّ الكلام في ذلك يخرجنا عن مقصدنا، وهو الإشارة إلى علم الكتاب الكريم الذي يدل على إعجازه، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 380

علم الكون والإنسان في القرآن: ٢٣١- القرآن الكريم تكرَّر ذكر الكون فيه؛ لأنه كما بينا اتخذ من خلق كل من الوجود دليلًا على من أنشأه، فكان بمقتضى النهج النوراني لا بُدَّ أن الكون وما فيه من خلق عظيم يدل على منشئه وحده ، ولا تكاد تَجِدُ سورة من القرآن مكيَّة أو مدنية خلت من ذكر الكون، وما يتصل به. وإنَّ ذلك فيما نحسب يوجِّه نظر الإنسان إلى أنَّه جزء صغير من هذا الكون، ليربطه به، وليتعرَّف أسراره وأحواله، وليعرف أنَّه وهو الصغير قد سخر الله تعالى له هذا الكون الكبير، ولقد قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ . وأنَّ ثمة حقائق مذكورة في القرآن يستبصر بها كل متعرِّف لهذا الكون دارس له.

стр. 381

فالله تعالى يقول: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] . وفي القرآن الكريم ما يومئ إلى محاولة إلى محاولة الإنسان الارتفاع في القضاء، فالله تعالى يقول: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٣- ٣٦] . واقرأ آيات القرآن في السحاب وإرساله وأحواله، فإنك تجد توجيهًا إلى ما لم يكن الناس من قبل يتَّجِهون إليه، ودلَّت المشاهدات على أنه واقع، اقرأ قوله تعالى في وصف السحاب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرِْهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] . وترى من هذا تشبيه السحاب الذي أزجاه الله تعالى بالجبال، وهذا لا يبدو للسائر على سطح الأرض، ولا للواقف على آكامها ومرتفعاتها، وما كان ذلك معلومًا عند العرب، ولكن الذي يرتفع فوق السحاب في الطائرات التي تقطع أجواء الفضاء يرى السحاب جبالًا. وإنَّ هذا بلا شكٍّ نوع من العلم بالكون فوق ما فيه من دلالة على إعجاز القرآن؛ إذ إن ذلك الوصف لا يمكن أن يكون من محمد؛ لأنه لم يرتفع حتى يكون فوق السحاب، فلا بُدَّ أن يكون الوصف بعلم الله تعالى، والكلام كله من عند ، لا من عند محمد. وأنت ترى أوصافًا كثيرة للأرض والسماء لا تكون من الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، أو لا يعلم علوم الكون وما يجري فيه، وما كانت معروفة عند العلماء في عصر نزول القرآن، كالعلم بطبقات الأرض والسماء، ذكرها القرآن، والباحثون لا يزالون دائبين في البحث عنه، وعلمهم يصدق بالقرآن، اقرأ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . واقرأ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ

стр. 382

مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ١-٤] . واقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦] . وترى النص الكريم يفرّق بين الشمس والقمر، فيجعل الشمس هي السراج الذي يضيء، والقمر نورًا مقتبسًا من غيره، وهو الشمس. واقرأ قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١، ٦٢] . ويقول في خلق السماوات والأرض، وأدوار خلقهن: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] . ولقد بيِّنَ القرآن أنَّ السماوات والأرض كانتا شيئًا واحدًا، وأنَّ الأرض انفصلت عن السماء وتكوَّنت فيها القشرة الأرضية، وكان عليها الماء، ومنه كانت الأحياء التي خلقها الله تعالى، واقرأ في ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [النبياء: ٣٠-٣٢] . وترى أنَّ النص الكريم صريح في أنَّ السماوات والأرض كانت كونًا واحدًا، وفصل الله تعالى جزءًا منه وهو الأرض، وكانت فيها هذه الحياة التي يحياها الحيوان والطير في السماء، والسمك في الماء، والزرع في الفيحاء. وإذا كان العلماء اليوم يقررون أنَّ الكون ابتدأ خلقه بالسديم، وهو يشبه الدخان، فقد صرَّح القرآن الكريم قبل ذلك، وقبل أن يعلموا، فقال الله تعالى في خلق السماوات والأرض: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً

стр. 383

لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩-١٢] . ونقف وقفة قصيرة عند هذه الآيات البيِّنَات، فنرى الله يبيِّن لنا أنَّ الأرض خلقها في يومين، واليوم هنا كما أشرنا من قبل ليس هو اليوم الذي نعرفه، وإنِّمَا هو الدور في التكوين، وهو كونها من السموات رتقًا، وهذا دور، ثم انفصالها وهذا دور ثان، ودوران آخران للأرض جعل فيها رواسي عالية، وهي الجبال، وخلق فيها الماء وما تبعه من خلق للأحياء من حيوان ونبات، فكانا أربعة أدوار. ويبيِّن سبحانه أنَّ السماء والأرض كانت دخانًا، وهو ما نحسب أنه السديم الذي يقوله العلماء. ٢٣٢- وإن القرآن الكريم فيه إشارات بيِّنَات إلى علم الكون، ونعتقد أن الذين درسوا علوم الكون في السماوات والأرض وما بينهما لو تتبَّعوا آيات القرآن الكريم التي تعرَّضت لذكر الكون لوجدوا حقائق كثيرة ما وصل إليه العلم الحديث، قد تعرَّض لها القرآن بالإشارة الواضحة التي تجعل ولا تفصل، وهي في كلتا الحالتين صادقة كلَّ الصدق بيَّنَة لمن يطلب الحقائق الصادقة، وإن بضاعتنا في علوم الكون محدودة لا تسمح لنا بالخوض في كلامٍ تفصيلي في هذا، وقد رأينا كثيرين من العلماء المخلصين المحققين قد تعرضوا لهذا، فمنهم من بَيِّنَ طبقات الأرض، كما أشار القرآن، ومنهم من بَيِّنَ غير ذلك. ونحن نرحب ببيانهم، ولكن لا بُدَّ من ملاحظتين: الملاحظة الأولى: إنَّهم يحاولون أن يحملوا القرآن نظرياتهم، وعليهم أن يفهموه كما تبيّن ألفاظه، وكما تومي إشاراته؛ وذلك لأنهم أحيانًا يحملون القرآن ما لا يتحمَّل ويرهقون ألفاظه بالتأويل، وأحيانًا يأتون بنظريات لم تكن قد حررت من بعد من الشك والنظر، وقد تتغير، ولا يصح أن يبقى القرآن تتردد معانيه باختلاف النظريات، بل إنَّ الواجب أن ندرس ما في القرآن على أنه حقائق، فما وافقه من العلوم قبلناه. الملاحظة الثانية: أن ندرس الكون في القرآن على أنه حقائق ثابتة هو مواضع التسليم من المؤمن بالله تعالى وبالقرآن، فلا تجعل حقائق موضع نظر، بل إن الإيمان بالقرآن يوجب الإيمان بكل ما اشتمل عليه، ولا يصح لنا أن نترك ظاهر القرآن ونتجه إلى تأويله إلَّا أن يكون الظاهر يقبل التأويل، وتكون حقائق العلم الثابتة تقتضي الأخذ بالتأويل الذي يحتمله القرآن من غير تعسُّف لا خروج بالألفاظ إلى غير معانيها.

стр. 384

وإننا بهذه الدراسة العميقة المسلّمة بحقائق نفتح مغاليق في العلم، ونتكشف الحقائق الكونية بهداية من القرآن، على أنه المرشد لها، وليس التابع، ولا الخاضع، وكتاب الله تعالى هو كتاب الحق والصدق والعلم؛ لأنه من عند الله الذي لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض، وهو كتاب الوجود، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. الإنسان في القرآن: ٢٣٣- ذكر الله خلق الإنسان من طين، وخلق الجن من نار، وقد بيِّنَ ذلك في أصل الخليقة، وقد ذكر الله تعالى في آيات وسور مختلفة، وكلها سيقت بالبيان المتناسق في موضعها وموضوعها، ولنذكر من غير اختيار آيات كريمات في موضع منها، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٠- ٣٦] . وإن هذا النص الكريم يبيِّن ثلاث حقائق كانت مع الإنسان: أولها: إنه أوتي استعدادًا لعلم الإشياء، أي: علم الكون وما فيه؛ لأنَّ الله تعالى سخرها له، ولا يتحقق ذلك التسخير إلَّا إذا أودع الله تعالى نفسه القدرة على العلم بها، ولذلك أنبأ الملائكة بأسمائها. الثانية: إنَّ في طبيعة الإنسان الاستعداد للإغراء، ومن هذه الناحية جاء إبليس، فأغرى أبوي الإنسان بالأكل من الشجرة، وقد نهاهما الله تعالى، ولكنهما تحت تأثير ذلك الإغراء نسيا نهي الله، كما قال تعالى في وصف آدم أبي الخليفة: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] .

стр. 385

الحقيقة الثالثة: أن آدم نزل هذه الأرض، وقد تلا كلمات الله تعالى ليكون مثالًا للفضيلة، ويستمسك بها، ولكن كان معه في الأرض إبليس يغري ذرية آدم، ويغويها، كما قال تعالى عنه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] . هذا بيان الله تعالى في ابتداء خلق الإنسان. ولقد بيِّنَ سبحانه من بعد ذلك خلق الإنسان بالتناسل، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢- ١٤] . ويقول : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢، ٣] . ويقول تعالى في خلق النفس الإنسانية في الإنسانية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] . ويقول سبحانه في القوة المدركة في الإنسان التي بها يكون التكليف والحساب والثواب والعقاب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٧٨] . ويذكر سبحانه في كتابه الكريم أدوار الإنسان، فيقول ﵎: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧-٧٢] .

стр. 386

وذكر الله خلق الإنسانن وما عهد إليه من تكليفات في ثنايا القرآن الكريم، وقد ذكر الكون على أنه مسخَّر للإنسان يكشف منه أسرار الوجود التي يكون في طاقته أن يعلم بها، ويذكر خلق الإنسان وما أودعه الله تعالى من قوى ليعبد الله تعالى وحده. ويذكر أنه بمقتضى ذلك التكوين النفسي والعقلي وكل القوى التي خلقها قد أخذ عليه عهدًا أن يكون ربانيًّا لله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٤] . وبذلك يبيِّن سبحانه أنّ المواهب الإنسانية التي خلقها الله في الإنسان عهد بينه وبين ربه، فإن استجاب لفطرته ارتفع، وإن خالف واتبع الشيطان هوى، وبيِّنَ كيف يهوى، فيقول سبحانه بعد الآية السابقة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥-١٧٩] . النفس الإنسانية في القرآن: ٢٢٧- إذا اتجه التالي للقرآن إلى دراسة النفس الإنسانية من خلال آياته، فإنه بلا ريب في مكان فسيح للدراسة، يعطي مجموعة من المعلومات الحقيقية المصورة للنفس في إيمانها وفي فجورها، ويمكن أن يجد الإنسان فيها قواعد علمية تكشف عن نواميس النفوس، وما تتأثَّر به، وما تتجه إليه في إيمانها وفي انحرافها، ولنتجه إلى بعض هذه المعاني في كتاب الله تعالى، ولا ندَّعي أننا نستطيع الإحاطة بها علمًا، ولا إحصاءها ولو بالتقريب، فإنَّ ذلك يحتاج إلى تفرغ لا قِبَل للأخذ به إلَّا أن يكون ممن يعنون بدراسته، أو من المتخصِّصين في علم النفس، ولنضرب بعض الأمثال، وكثير منها في قصص القرآن، وبعضها في شرح أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين:

стр. 387

"أ" من هذه الأمثلة أنَّ النفس التي تسارع إلى الاعتقاد من غير دليل سابق، ولا فحص لقول لاحق من شأنها أن تقع في الخطأ، وإذا أصرت بعد البيان كانت في ضلال أصابها الصمم عن الحقائق، والعماء عنها، اقرأ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ، وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١، ١٠٢] . إن الذي وهبه الله الهداية لفهم القرآن الكريم بعباراته وإشاراته تبدو بين يديه الحقيقتان الآتيتان: أولاهما: إنَّه يقرّر أنه ليس من شأن الذين سارعوا إلى التكذيب من غير أن يفحصوا ويدرسوا أن يؤمنوا؛ لأن الإيمان يقتضي قلبًا مذعنًا لما يأتي به الدليل، لا أن يكون سابقًا بالحكم قبل الدليل، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالت كلماته: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ وواضح أن العلة في سد باب الإيمان هو مسارعتهم بالتكذيب من غير برهان، ومن يكذب بالبرهان لا يؤمن بما جاء به البرهان. الحقيقة الثانية: إنَّ المسارعة بالتكذيب تؤدِّي إلى تغليق القلب عن أن يصل إليه النور، ويتوالى التكذيب من غير دراسة للأدلة يكون منع الهداية، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] أي: بهذه الحال ومثلها يطبع الله تعالى على قلوب الكافرين، ويتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] . "ب" ولننتقل إلى مثل آخر من كتاب الله، وإنَّه المعين الذي لا ينفد في دراسة النفس الإنسانية، ذلك المثل هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] . فهذا النص الكريم يبيِّن لنا قاعدة في النفس يسترشد بها المربِّي والمهذِّب، والذي حاول معالجة النفوس المريضة؛ إذ يعرف سبب المرض فيطلب له. إذ يبيِّن الله أن الذين أعرضوا عن الوقوف يوم التقى الجمعان سبب توليهم أنهم أصابتهم ذنوب، وأنَّ الذنب يسهل الذنب، والمخالفة تجر المخالفة، وأنه لأجل الطبِّ لهم لا بُدَّ أن يعالج الذنب الأول بالحمل على الإقلاع عنه، وقد يكون ظهور مغبَّته السيئة علاجًا له، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ، لأنهم أدركوا سوء ما كان لهم.

стр. 388

"ج" ومن هذه الأمثلة ما قرَّره الله تعالى من أنَّ النفس غير المؤمنة لا تنضبط، ولا تستقرّ على حال، والنعمة تبطرها وتطغيها، والنقمة توئسها وتشقيها، ولا ضبط ولا انضباط، ولا علاج لذلك إلَّا بالصبر، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩-١١] . وإن هذه الآية الكريمة تشير إلى أنَّ ذلك الفرح الطاغي في حالة، واليأس المميت في وقته مرض إنساني، وأنَّ علاجه الصبر؛ لأنَّ الصبر ضبط النفس، فلا تنزعج للألم، ولا تطغى بالنعم. "د" ولقد بيِّنَ الله تعالى أنَّ سلوك غير الحق هو اتِّبَاع للظنّ غير الناشئ عن دليل، بل عن الهوى، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٧، ٢٨] . فهذا النص الكريم يبيِّن مرض النفس التي تضل، ويذهب بها الضلال إلى متاهات من الباطل، وذلك المرض هو الوهم، فهم يتوهَّمون ثم يهوون ثم يظنون، وليس عندهم دليل يكون علمًا، بل عندهم أوهام وظنون، وإن دارس علم النفس التربوي يجد فيه بابًا من أبواب التربية العقلية بأن يباعد بين الناشئة والأوهام. "هـ" ومن الأمثلة لبيان أحوال النفوس بيان أحوال النفوس التي لا تفكِّر إلَّا في دائرة نفعها أو ضرّها، ومن شأن هذه النفوس أن تكون أثرة متقلبة، لا تذعن للحق ولكن تذعن لنفعها وضررها. اقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] . وهذا تصوير للنفس التي فقدت الإيمان، وحرمت الخير، ولا تفكر إلَّا في محيطها، وهي بلا ريب غير الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . "و" ولنكرِّر مثلًا ذكرناه فيما تلونا من قبل، ونذكره هنا من ناحية البيان النفسي، وهو مثل ولدي آدم، فالله تعالى يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ

стр. 389

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٢٧-٣٢] . هذه الآيات البينات فيها كشف عن النفس المؤمنة المطمئنة الراضية، وكشف عن النفس الحاسدة الحاقدة: "أ" وهي تدل على أمور نفسية تصوّر مصدر الشر والخير، فالنفس المؤمنة تعرف الأمور على وجهها، وتدرك الحق وما أوجبه، فهي ترد سبب قبول القربان إلى التقوى والخوف من الله. "ب" والنفس التقية هي التي تمتلئ بذكر الله وتستشعر خوفه دائمًا، وأنَّ الاعتداء إنما يكون حيث يختفي الخوف ويظهر الطغيان، ولذلك علّل عدم رد الاعتداء الذي بادره به أخوه بأنه يخاف الله رب العالمين، وأنَّ القتل إنما هو جريمة في حق من خلقهم الله تعالى، وهو ربهم. "ج" وتشير الآية إلى النفس منطوية على الخير، وأنَّ الشر عارض لها، ولذا رد المؤمن التقي قول أخيه وتهديده بالقتل بقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ ، وفي هذه إشارة إلى أنَّ النفس التي لم تدنس بشر ليس من شأنها أن تبسط يدها بالقتل. "د" والآيات تدل على أنَّ الحسد هو أساس الاعتداء، فلو انخلع من القلوب ما كان شر ولا اعتداء في الأرض. "هـ" وتدل الآيات أيضًا على أنَّ الاعتداء بالأذى ليس هو الأصل بالنفس الإنسانية، فهو عندما اتجه إلى قتل أخيه عالج نفسه ليحملها على مطاردته في قتله، ولذا عبَّر الله عن ذلك بقوله تعالت كلماته: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ لأنه خسر أخاه وخسر نفسه، فأفسدها. "و" وتدل ثالثًا على أن رؤية المعتدى عليه، والاعتداء قائم يبعث على الندم، والآيات من بعد ذلك تبيِّن أنَّ أساس الكثير من الجرائم هو الحسد، فلو اجتثَّ من النفوس ما كان اعتداء، ولكن الله تعالى يبلو به الناس ليعلم الخير والشر. ولا شكّ أن الدارس للنفس الإنسانية يجد في القرآن معينًا لا ينضب، ولو أن الناس عكفوا عليه لوجدوا فيه أعظم مصدر للدراسات النفسية والاجتماعية.

стр. 390

قصة يوسف في سورته: ٢٣٥- إن المتتبع لقصص الأنبياء في القرآن يجد أنه يتَّجه إلى بيان دعوة النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- الذي يذكر خبره بالتوحيد، ومنع الإشراك بالله، والإصلاح ودفع الفساد، وكيف لاقى قومه دعوته، وما احتج به من أدلة، وما ساق لهم من براهين، وأنواع المعجزات المختلفة التي أمدَّ الله تعالى بها النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- الذي يقص خبره، وما آل إليه أمر الأقوام الذين دعاهم إلى الهدى وإلى طريق مستقيم، فأبوا واستكبروا، هذا شأن القصص القرآني الذي يسوقه الله تعالى في كتابه، ولكنَّا نجد ذلك يختلف في قصة نبي الله يوسف ﵇، حتى يتوهَّم القارئ لها أنَّ نبي الله يوسف ما كانت له دعوة يدعو إليها، ولا قوم يخاطبهم حتى تهجَّم المنحرفون يقولون زورًا من القول. ولكنَّ الدارس للسورة الكريمة يجد أنها طراز آخر من القصص، وفيها كشف عن النفس في ناحية من نواحيها، ودراسة لها في علاقاتها بالمجتمع الذي تعيش فيه؛ إذ هو يوجهها، وإنَّ الدارس لها يجد فيها بيانًا للأسرة في علاقاتها بعضها ببعض، مع علاقة الآباء بالأبناء، وعلاقة الأبناء بعضهم مع بعض، وعلاقات أبناء العلات، كيف يختصمون وكيف يجتمعون، وما يؤدّي الحسد بين أبناء العلات؛ بسبب ما تثور به النفوس المئوقة، وكيف تتصور ما ليس واقعًا على أنه واقع، ثم ما يؤدي إليه الاندفاع بدافع الحسد المقيت. ولنبتدئ بإيجاز القول في القصة من أولها: كان يوسف وأخوه الشقيق من أمّ غير سائر الإخوة، والأب الحاني يعقوب يرى كل أولاده في منزلة واحدة، ولكنه بنظره العميق الشفيق يرى في الإخوة الكبار من النظرات إلى الصغيرين ما لا يطمئن به، فيعمل على ألَّا يكون منهما ما يثير، ويؤجّج النظرات الماقتة، يرى يوسف رؤيا صادقة ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ، فيخشى الأب الحاني أن يؤرِّث ذلك عداوة إخوته فينهاه: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ . ولكن الحسد يوهم الكبار أنَّ أباهم يؤثر يوسف وأخاه بمحبته لما يكون من فضل عطف على الصغير من الإيثار: ﴿قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ، وهنا يصل الحسد الشيطاني إلى غايته: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ، ولكن الشر لا يكون موضع إجماع، فلم يكن إجماع على قتله، بل: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ارتضى الإخوة ذلك الحلّ الذي ينزل من القتل إلى إلقائه في الجب وهو صغير لا يعلم مآله، ولكنهم يحتالون ليأخذوه من
следующие страницы →