← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23137

المعجزة الكبرى القرآن

محمد أبو زهرة

Полный текст (438 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات الافتتاحية ... الافتتاحية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ١-٥] . والصلاة والسلام على محمد الذي أرسل للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليه الكتاب المبين حجة باقية شامخة إلى يوم الدين. ورضي الله عن صحابته الأكرمين، الذين بلغوا من بعده شريعة القرآن، ومعه العدل والقسطاس المستقيم. ١- أما بعد: فقد اتجهت النفس متسامية إلى رسول الله ﷺ أتعرَّف سيرته الطاهرة العطرة لأقتبس من نور هديه، وأتنسَّم نسيم عرفه، ولا شاهد إرهاصات النبوة، بل الإعجاز في حياته الأولى، كما أيده الله تعالى بالمعجزات في حياته الثانية بعد أن بعث رحمة للعالمين، وقد تابعنا حياته ﵇ الأولى، ثم تسامينا إلى متابعة حياته الثانية بعد أن نادَى في الجزيرة العربية بصوته القوي العميق يدعو إلى التوحيد في وسط الوثنية، وهو يصبر ويصابر، ويجاهد ويناضل، ويلاقي الأذى، والمؤمنون الصادقون الذين معه يعذَّبون، وقلوبهم بالإيمان لا ينطقون بالكفر، ولو مزّق الأذى أجسامهم، وطواغيت الشرك يتمتعون بالإيذاء، بينما أهل الإيمان يرضون بالعذاب عن الكفران، وقد أخذ النبي من بعد ذلك يعرض نفسه على القبائل، تمهيدًا لبناء دولة الإسلام الفاضلة في غير مكة، وأخذ النور يسري في ظلمات الجاهلية منبثقًا من مكة، وإن لم يستضئ أهلها بنوره لعمى البصائر، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: ٤٦] . والمعجزة الخالدة التي يتحدَّى بها قريشًا وسائر العرب هي "القرآن الكريم"، رأينا من مساوقة الحوادث أن نتكلم في هذه المعجزة الكبرى، على أن يكون كلامنا فيها تبعيًّا وليس أصليّا، وبالعرض لا بالذات.

стр. 2

٢- ولكن ما إن قاربنا نوره حتى بهرنا ضياؤه، واستغرض نفوسنا سناؤه، وانتقلت نفوسنا إلى الاتجاه إليه قاصدين ذاته أصلًا، لا تبعًا للسيرة، ولو كانت سيرة من نزل عليه القرآن وخاطب في ظله الأجيال، سيدنا الهادي رسول الله رب العالمين. وقد حاولنا أن نملأ نفوسنا من ينابيع الهداية فيه، وأن نشفي أمراض قلوبنا بما فيه من دواء، وأن نكشف الغمة بما فيه من حكم وعبر. لذلك صار القرآن وعلم القرآن، وكل ما يتعلق به هدفًا لنا مقصودًا، وأملًا منشودًا لا نبغي سواه، ولا نطلب غيره. فكان لزامًا علينا أن نخص كتاب الله ببحث ودراسة، وأن نخرج من ذلك البحث كتابًا نرجو أن يكون قيمًا في ذاته، وإن كان لا يعلو إلى حيث يكون مناسبًا لموضوعه، فموضوعه أعلى من أن تناهده همتنا، وأن تتسامى إليه عزيمتنا؛ لأنه كتاب الله تعالى، وأنَّى لضعيف مثلي أن يصل إلى وصفه أو التعريف به، إنه فوق منال أعلى القوى إدراكًا، وأعظم النفوس إشراقًا. "أ" وقد اتجهت ابتداء إلى بيان نزول القرآن منجمًا، وحكمته مستمدًّا هذه الحكمة من نص القرآن، وما أحاط بالتنزيل ووجوب حفظه في الصدور، ثم بينت أنه كتب في حياة الرسول، وأنَّ النبي ﵇ كان يملي الآية أو الآيات التي تنزل عليه على كتَّاب الوحي، حتى إذا تمَّ نزوله كانت كتابته قد تمَّت، وقراءته بهذا الترتيب الذي نراه في الآيات والسور قد كملت، وقد تكلمت من بعد ذلك في جمع المكتوب في عهد الصديقين أبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما، ثم في عهد ذي النورين عثمان رضي الله تعالى عنه. "ب" وقد اتجهت إلى الحق في وسط ما أثاره بعض العلماء من خلافات حول أحرف القرآن الكريم، وقراءته ونزوله، وقد أسرف بعض العلماء على أنفسهم وعلى الحق، فأثاروا أقوالًا باطلة ما كان من المعقول إثارتها، حتى إنَّ بعض المغرمين بالجمع ونقل الخلاف قالوا أمورًا تخالف نص القرآن الكريم، فيما ذكر من نزلوه، وتهافتت الأقوال حتى وجدنا الذين لا يرجون للإسلام وقارًا يتعلقون بأقوال ذكرت لهؤلاء، كقول بعضهم: إن هناك رأيًا يقول: إن القرآن نزل على قلب النبي ﷺ بالمعنى واللفظ للنبي، ونسوا قوله تعالى معلمًا للنبي ﷺ القراءة والنطق بها: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِه

стр. 3

لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦-١٩] ، فإن ذلك صريح في أنَّ القرآن نزل على النبي ﷺ باللفظ والمعنى والقراءة، وأنَّ ذلك عليه إجماع المسلمين، والعلم به علم ضروري، ومن يخالفه يخرج من إطار الإسلام، وقد صرَّح القرآن الكريم بأنَّ الله تعالى هو الذي رتل القرآن، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] . "ج" ولقد تكلمنا من بعد ذلك في إعجاز القرآن، وبيَّنَّا وجوه الإعجاز، ودفعنا القول بالصرفة دفعًا، ثم تكلمنا في علم الكتاب، وجدل القرآن، وتفسير القرآن، ومناهج التفسير، وبيَّنَّا التفسير بالأثر، ومقامه من التفسير بالرأي، وأنَّ الرأي يجب ألَّا يناقض المأثور، وأن التفسير باللغة والأثر مفتاح التفسير بالرأي. "د" وتكلمنا في الغناء بالقرآن وتحريمه، والتغنِّي الجائز المأثور، وإبطال ما سواه، وسرنا في طرق الحق الذي لا عوج فيه ولا أمت. ٣- وإنا نحمد الله تعالى على ما اختبرنا به في أثناء كتابه ما كتبناه، لقد اختبرنا الله تعالى في أول كتابة ما كتبنا عن القرآن، فانقطعنا عن الاتصال بالصحف السيارة، نخاطب المسلمين من فوق منبرها، وقطعنا عن المجلات العلمية نوجّه الفكر الإسلامي من طريقها، ومن كل طرق الإعلام فلا نصل إليها، وكان الهمّ الأكبر أن انقطعنا عن دروسنا، وعن المحاضرات العامة. ولكن القرآن آنسنا في وحدتنا، وأزال غربتنا، فكان العزاء النفسي والجلاء الروحي، واختبرنا الله تعالى بالضر كما اختبر نبيه أيوب؛ إذ قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] ، وإنه وإن تشابه المرض فإنه يختلف المقام، فهذا نبي يوحى إليه، ونحن من الأتباع، ونرجو أن نكون من الأبرار في اتباع النبيين، لزمنا المرض المقعد نحو شهرين، فكان ألم الابتعاد عن القرآن أكبر من ألم المرض الممضّ، ولقد منَّ الله تعالى بالشفاء، فخرجنا من الداء العقام، وما منعتنا وعثاء المرض، فعدنا إلى القرآن نقبس من نوره، ونعيق من عرفه، هو أنس المستوحش، وسمير المستغرب، فأنسنا بعد طول الغياب، ومنحنا الله تعالى به العافية، فوفقنا لأنَّ نقطع كل ما أردنا عرضه في مدة المرض، وكأنَّا في مجموع ما بلينا في طول المدة أصحَّاء في أبداننا؛ لأنه سلمت نفوسنا من السقام، بفضل القرآن.

стр. 4

واختبرنا الله تعالى من بعد بهم واصب بأن أصاب رفيقة حياتي بكسر أقعدها، وأقعدني بالغم الشديد والكرب البعيد الأثر، العميق في النفس. ولكن أنس القرآن خفف همي، وكشف غمي؛ لأنه ملأها إيمانًا بقضاء الله وقدره، ووضع في نفوسنا الصبر الجميل من غير أنين ولا ضجر، ولكن برضا لما أراد، وهو اللطيف الخبير، وهو الشافي في المرض، والجابر في الكسر، والمعين في الشدة، ولا رجاء في غيره. هذه أمور جرت لنا، ونحن نكتب في المعجزة الكبرى، فما عوَّقت وما منعت، وما أيأست. اللهم احفظنا بالقرآن، وآنسنا بنوره، ووفقنا للقيام بحقِّه آحادًا وجماعات، وإنك وحدك القائم على كل شيء، اللهم قنا شر نفوسنا، واحفظ الأمة من فساد يعم، وشر يطم، اللهم إنك عفوٌّ قدير فاعف عنا، ولا تؤاخذنا بما تكسب أيدينا، وارفع عنا المقت الذي حلَّ بنا، إنك عوننا وأنت نعم المعين. محمد أبو زهرة أول رمضان سنة ١٣٩٠هـ. ٣١ أكتوبر سنة ١٩٧٠م.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد المعجزة الكبرى ١- يسير الكون على سنن قد سنَّت، ونظمٍ قد أُحكِمَت، وارتباطٍ بين الأسباب والمسببّات العادية لا يتخلَّف، وإن تخلَّفت المسببات عن أسبابها ووجدت الأمور منفكة عن علتها، كالولد يولد من غير أبٍ، وكالحركة تجيء من جامد لا يتحرَّك كعصا،، ونار تنطفئ وقد أوقدت، إذا كان ذلك الانقطاع بين الأسباب العادية ومسبباتها حكم العقل بأن الذي فعل ذلك فوق الأسباب العادية ومسبباتها، ولو ساير العقل منطقه إلى أقصى مداه "وليس بعيدًا في حكم المنطق العقلي المستقيم الذي يصل إلى المدى من أقرَّ به"، فإنَّه لا بُدَّ واصل إلى أن الذي خرق العادات وخالف أساببها ومسبباتها لا بُدَّ أن يكون خالقها وموجدها، وإذا كان القصور العقلي لا يصل إلى هذه الغاية، فإنه لا بُدَّ واصل إلى أن خرق هذه العادات، لا بُدَّ أن يكون لغاية، وأنَّه إذا وجدت هذه الغاية وبينت مقاصدها، وعلم أنَّ ذلك الخرق لهذه الغاية تبين معه صدق ما يدعى، وأنه يعلم من وراء ذلك الخالق الحكيم، المسيطر على كل شيء، الذي يفعل ما يرد، ولا يقيده نظام خلقه، ولا عادات أوجدها. لذلك كان الأمر الخارق للعادة حجة الصدق لمن يدَّعي أنه يتكلم عن الخالق الحكيم الفعَّال لما يريد؛ لأنه لا يغير العادات سواه، وإن الصادق يعلن دعواه، ويقيم ذلك برهانًا عليها، ويتحدَّى الناس أن يفعلوا مثلها، ويسمَّى في هذا الحال أنه معجزة. ولذلك عرفوها بأنها: المرّ الخارق للعادة الذي يدَّعي به من جرى على يديه أن نبي من عند الله تعالى، ويتحداهم أن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين، وأن المعجزة المادية تتحدَّى بنفسها مع ادِّعَاء الرسالة، فإن النار لا تنطفئ من تلقاء نفسها؛ إذ يلقى فيها إبراهيم ﵇ فتكون بردًا وسلامًا عليه فلا يحترق، وكالعصا التي تتحرك وتتلوَّى كأنها ثعبان مبين، وليست سحرًا كما أدرك الساحرون، وكانوا أول المؤمنين، وكإبراء عيسى للأكمه والأبرص بإذن الله، وكإحيائه الموتى بإذن الله، فما كان له أن يطلب منهم أن يأتوا بمثلها، والقصور بَيِّن والعجز واضح، ومع ذلك فالتحدي قائم، والعجز ثابت، والحجة قائمة، وكان عليهم أن يؤمنوا بالحق إذا جاءهم.

стр. 6

وهناك بجوار المعجزة المادية معجزة هي شيء قائم بذاته ثابت، ولكن الإعجاز فيه أمر لا يدرك بالحس، ولكن يدرك بالدراسة والفحص، وقد يدَّعي بعض من لا يسبر غوره، ويعرف أمره، أنه يستطيع أن يأتي بمثله، وما هو بمستطيع، وأنه في قدرته، وليس بقادر عليه، وهو من غرور النفس، أو ادِّعاء القدرة أو اللجاجة في الأفكار، والمباهتة المناهضة للحقائق. وإن ذلك يكون في المعجزة التي تكون من نوع الكلام، وهي معجزة القرآن الكريم، فقد كان الغرور يوهم بعض المخاطبين به أن عندهم القدرة على الإتيان بمثله، فكان لا بُدَّ من كشف هذا الغرور، وإزالة تلك الغشية الباطلة، ليتبين وضح الحق، ولذلك طالهم الله تعالى بأن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣] ، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وقرَّر سبحانه أن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . ٢- وهنا يسأل سائل: لماذا كانت معجزة إبراهيم نارًا موقدة صارت بردًا وسلامًا، ومعجزة موسى ﵇ كانت عصا صارت حية تسعى، وغيرها أيده الله به إلى تسع آيات كلها كانت مادية حسية، وكذلك كانت معجزة عيسى ﵇ إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وإنزال مائدة من السماء، بل كانت ولادته ذاتها معجزة حسية؛ إذ ولد من غير أب، وتكلم في المهد صبيًّا، إذ قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠-٣٣] . لماذا كانت معجزات الأنبياء السابقة حسية على ذلك النحو، ومعجزة محمد ﷺ معنوية، فقد كانت بيانًا يتلى، وذكرًا حكيمًا، يحفظ فيه بيان الشراع المحكمة الخالدة. قبل أن نخوض في الإجابة عن السؤال الوارد في موضعه، نقرر أن كون المعجزة مادية حسية تبهر الأعين بادئ الرأي لا يدل على علوِّ المنزلة، أو عكسها، ولكنها حكمة الله تعالى العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، والله تعالى فضل بعض الرسل على بعض، فمنهم من كلَّم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ولكن ليست

стр. 7

الرفعة بكون الآيات مادية أو حسية، بل بأمور قدَّرها الحكيم العليم الذي له وحده حق نوع التفضيل والرفعة. ونعود بعد ذلك إلى الإجابة عن السؤال الوارد، فنقول: إن العلماء قالوا: إن كل معجزة مناسبة للعصر الذي أرسل فيه كل نبي؛ إذ تكون هادية ومرشدة، وخرقها للعادات الجارية يكون أوضح، ومناسبتها لرسالة النبي المبعوث يكون دليلًا على كمال الرسالة وعموم شمولها لكلّ الأزمنة. وقد نخالفهم في بعض ما ذكروا أو نوافقهم، فنرى أنَّ إبراهيم جاء في قوم كانوا على مقربة من عبدة النار، فكان في إطفاء الله تعالى للنار من غير سبب ظاهر بيان بعجز النار التي تعبد. ونوافقهم في أنَّ معجزات موسى ﵇ كانت مناسبة لأهل مصر؛ لأن السحر والكهانة كانا فيهم، وقد كان للسحرة مكانة عندهم، وبقية المعجزات كانت متعلقة بالزرع وآفاته، وهم أهل زرع وضرع من أقدم العصور، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٣-١٣٥] . وهكذا كانت تسع آيات حسية مناسبة لأهل مصر، وبني إسرائيل، فكانوا يقولون: إنه سحر. واقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١-١٠٢] . ٣- هذه معجزات إبراهيم وموسى -عليهما الصلاة والسلام، وهي مناسبة لزمنهما، وكذلك معجزة عيسى ﵊ كانت مناسبة لعصره، لا لأن عصره شاع فيه علم الطب كما يقول بعض علماء الكلام؛ لأن علم الطب لم يكن رائجًا بين بني إسرائيل، فلم يكن بينهم علم أبقراط، كما قرر رينان في كتابه "حياة يسوع"، بل إن معجزاته كانت من ذلك النوع لسبب آخر يجب أن نتلمَّسه من غضون التاريخ، ومن حال بني إسرائيل، ذلك أن العصر كان عصرًا ماديًّا يؤمن بالمادة ولا يؤمن بالغيب، بل كان من اليهود من لا يؤمن باليوم الآخر، وإنك لترى أن التوراة التي بأيدينا، وهي ميراثهم من التوراة التي حرفت، تقرر أن نفس الإنسان هي دمه.

стр. 8

وكان بجوار هذه الروح المادية التي سادت بني إسرائيل استجابة لما هو سائد في عصرهم الروماني الذي كان يؤمن بالمادة، كان بجوار هذا إيمان بالأسباب العادية والمسببات، بحيث يعتقدون أنه لا يمكن أن ينفكَّ السبب عن مسببه، واللازم عن ملزومه، فلا توجد نتائج من غير سبب عادي، فهلَّا ولد من غير والد، ولا حياة تكون بعد موت من يموت، فلا يرتد حيًّا، وقد عجزت الأسباب عن أن يرتدَّ حيًّا من يموت، وعجزت الأسباب عن أن يرتدَّ بصيرًا من يولد أعمى. لقد سادت الفلسفة الأيونبه، والفلسفة اليونانية التي تقرر لزوم الأسباب العادية، حتى لقد فرضوا أن الأشياء نشأت عن الخالق لها بقانون السببية، فقالوا: إن الكون نشأ عن المنشئ الأول نشوء المسبب عن سببه بلا إرادة مختارة منشئة. لقد قرروا أن قانون الأسباب هو الذي يحكم كل شيء. لذلك كانت معجزات عيسى ﵇ متضمنة الرد والتنبيه في أمرين: أولهما: بيان سلطان الروح، فقد ظهرت الروح مسيطرة موجهة مرشدة في أنه كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وفي أنه ﵇ أحيا الموتى بإذن الله، وأخرجهم من قبورهم بإذن الله، وأنزل عليه مائدة من السماء بإذن الله تعالى. وثانيهما: أنه كانت معجزاته ﵇ هادمة لارتباط الأسباب العادية بمسبباتها، لقد ولد من غير أب، والأسباب العادية تقرر أنه لا مولود من غير والد، وتكلَّم في المهد صبيًّا، وذلك غير المقرر في الأسباب والمسببات، وأخبر عن بعض المغيب عنه، وذلك غير الأسباب العادية التي توجب المعاينة في صدق الأخبار، وأحيا الموتى بإذن الله، وذلك ما لا يتحقق في الأسباب العادية.

стр. 9

معجزة القرآن: وكل معجزات الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم -سواء أكانت مادية في كونها، أم كانت متضمنة معاني روحية- كانت من النوع الذي يحسّ بالرؤية، ويكون من بعدها التأمل، وليس من النوع الذي يكون بالتأمل، ولا يدرك إلا بالتأمل، وإن كان قائمًا ثابتًا في الوجود من غير ريب، وكانت حوادث تقع، ولا تبقى، ولا يبقى منها إلا الإخبار بها، فلا يعرفها على اليقين إلا من عاينها. ٤- ولكن معجزة محمد ﷺ كانت من نوع آخر، لم تكن حادثة تقع، وتزول من غير بقاء لها إلا بالخبر، بل كانت قائمة تخاطب الأجيال، يراها ويقرؤها الناس في كل عصر، ونقول: إنها مناسبة لرسالة النبي محمد ﷺ ، لعمومها في الأجيال، ولمكانته بين الرسل، ومقامه في هذا الوجود الإنساني إلى يوم القيامة. إن معجزات الأنبياء السابقين لا يعلم وقوعها على وجه اليقين إلا من القرآن، فهو الذي سجل معجزات نوح وإبراهيم وموسى وعيسى -عليهم الصلاة والسلام، ولولا أنه سجلها ما علمها الناس، وإذا كانت بعض الكتب القائمة اليوم ذكرت بعضها فقد ذكرته مشوبًا بأمور غير صادقة؛ كإخبارهم بأن لوطًا كان مخمورًا فوقع على ابنتيه، وما يكتب فيه مثل هذا عن بعض النبيين لا يمكن أن يكون مقبول الخبر عن سائرهم ومعجزاتهم. ونقول: إن معجزة محمد ﷺ كانت القرآن، لقد أجرى الله تعالى على يديه خوارق وعادات أخرى، مثل: إخباره عن بعض ما يغيب عن حسه، ومثل حنين الجذع إليه، ومثل بكاء الناقة عنده، ومثل الإسراء والمعراج، ولكن لم يتحد إلّا بالقرآن الكريم، ولم ير المشركون صرحًا شامخًا يتحداهم به سوى القرآن الكريم. ولمذا كانت معجزة محمد ﷺ القرآن، وما كان يرجو الاتباع إلا به، ولقد روي أنه ﷺ قال: "ما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن به البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحي به إليَّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوما لقيامة"، ومن هذا يتبين جواب ذلك السؤال، وهذا لأنه رسالة النبي ﷺ خالدة، لأنه ﷺ خاتم النبيين، ولا نبي بعده، فيجب أن تكون معجزته مناسبة لهذه الرسالة الخالدة الباقية التي لا يحدُّها زمان في المستقبل، بل تبقى إلى يوم القيامة، ولا تكون معجزته واقعة تنقضي وتنتهي بانتهاء الزمن الذي وُجدَت فيه، بل تبقى الحجة ما بقيت الشريعة، وذلك محقق في القرآن، فهو حجة قائمة على العرب والعجم إلى يوم الدين، وهو معجز لكل الخلائق، وذلك ما نتصدى لبعضه، والله هو المعين. المعجزة الخالدة: ٥- تلك المعجزة الخالدة هي القرآن الذي يتحدى الأجيال كلها أن يأتوا بمثله، ولو اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، كما ذكر الله في محكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو حجة الله على خلقه، وحجة النبي ﷺ في رسالته، وسجل الشريعة المحكم في بيانه، وهو المرجع عند الاختلاف، والحكم العدل عند الافتراق، وهو الطريق المستقيم المرشد عن الأعوجاج، من سلكه وصل، ومن لجأ إليه اهتدى.

стр. 10

روى الترمذي بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرَّم وجهه في الجنة- أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فِتَنٌ كقطع الليل المظلم"، قلت: يا رسول الله، وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله ﵎، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبا يهدي إلى الرشد، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، خذها إليك يا أعور". وقد رواه الحارث الهمذاني برواية الترمذي، وقد حسَّن رواية الحارث كثيرون من المحدثين، منهم الفقيه المحدث ابن عبد البر، وإن الذين اتهموا حارثًا فيهم نزعة أموية، ومنهم الشعبي، وقد قال فيه ابن عبد البر: "أظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمذاني: حدثني الحارث وكان أحد الكاذبين". وإنه في معنى هذا الحديث ما روي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه؛ إذ جاء أنَّه فيما روي عنه "إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات". وإن هذا الأخبار ومثلها كثير تدل على منزلة القرآن في الإسلام، وأنه العصمة من الزيغ، وأنه المرجع المتبع، وأن يشتمل على شرائع الإسلام كلها، وأنه بذلك هو الحكم بين الناس الذي لا يضل حكمه، وأن من تركه من جبار قصم الله تعالى ظهره، وأنه لا تشعب الآراء في حقيقته إذا استقامت الأفهام، ولم تضل المدارك. والعلماء يجدون فيه المعين الذي لا ينضب، والثروة الإسلامية التي لا تنفد، فيه حكم الأمور كلها ما وقع ما لم يقع، وأن كل ما فيه حق، وأنه مصلحة الدنيا والأخرى، ما من خبر إلَّا له في القرآن أصل معتمد، ونص يمكن الحمل عليه، فما ترك الله الإنسان سدًى. وقد قال تعالى وقوله الحق: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . وفيه عبر الماضيين وأخبار كل النبيين، فهو كتاب الله الكامل،

стр. 11

فيه معاني كل الكتب المنزَّلة على الرسل، وفيه أخبار أولئك الرسل مع أقوامهم، وفيه المثلات المرشدة، والعظات الموجهة، وفيه أعلى الآداب الإنسانية وأقوم السلوم الكامل للخلق أجمعين، وفيه تعليم الإنسان الاتجاه إلى الكون وتعرف ما فيه، والأخذ بالعلم من قوادمه وخوافيه، وفيه الدعوة إلى العلم بكل ضروبه؛ علم الإنسان، وعلم النفس، وعلم الكون، وإلى العلم بالنجوم في مسالكها، والسماوات وأفلاكها، والأرض في طبقاتها، فيه الدعوة إلى العلم بما لم يعلم، وطلبه فيكل مداراته. خاطب الله تعالى به أولياءه فعرفوه، وأصحاب العقول المستقيمة فأدركوه، وكان حقًّا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] . ذلك هو كتاب الله تعالى بما حمل من معان وتكليف، وما كساه الله تعالى به من روعة وتشريف، وهو كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] .

стр. 12

القسم الأول: نزول القرآن نزول القرآن ... القسم الأول: نزول القرآن: ٦- من وقت أن منَّ الله تعالى على الإنسانية بالبعث المحمدي ابتدأ نزول القرآن، فأول آية نزلت كانت الخطاب من الله تعالى بالتكليف الذي كلفه تعالى لنبيه ﷺ بحمل الرسالة إلى خلقه، فقد نزلت أول آية وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] ، فكان هذا إيذانًا بأن دين العلم قد وجب تبليغه، وأن كتاب العلم قد ثبت تنزيله، وأن إعلاء شان الفكر قد جاء به خاتم النبيين وسيد المرسلين، وفيه إيماء إلى أن الإسلام والعلم يجتمعان، ولا يتناقضان أبدًا. توالي نزول القرآن منجَّمًا في مدة الرسالة المحمدية التي استمرَّت ثلاثًا وعشرين سنة يدعو فيها بالحق، وإلى صراط مستقيم، ينير السبيل، ويهدي للتي هي أقوم. فكانت الآيات القرآنية تنزل وقتًا بعد آخر، وكان التحدي بما نزل وإن لم يكن ما نزل كل القرآن؛ لأن كل جزء منه ينطبق عليه اسم الكتاب، بل القرآن؛ إذ إنَّ التحدي يقع به، والمعجزة تتحقق فيه، فقد تحدى أهل مكة أن يأتوا بمثله، ولم يكن قد نزل كله، فقد قال تعالى في سورة يونس، وهي مكية: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٦، ١٧] ، وجاء التحدي في هذه السورة أيضًا فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] ، وجاء في سورة هود وهي مكية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا ِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] . ومن هذا كله يتبين أن بعض القرآن قرآن يتحدى فيه، فهو الكتاب الكامل في كله، والكامل في جزئه، وهو معجز في أجزائه، كما هو معجز في ذاته، وإن شئت فقل إنه معجزات متضافرة، وإذا كان لموسى تسع آيات بينات فلمحمد مئات من المعجزات البينات.

стр. 13

حكمة نزوله منجَّمًا: ٧- وقد يسأل سائل: لماذا نزل القرآن منجمًا ولم ينزل دفعة واحدة كما نزلت الألواح العشر على موسى ﵇، وكما نزل الزبور على داوود؟ وإن مثل هذا السؤال جاء على ألسنة المشركين معترضين، متخذين منه سبيلًا للجاجتهم، وقد نقل القرآن الكريم عنهم ذلك وردَّه، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] . ونرى أن الن الكريم قد نقل اعتراض المشركين، ورده عليهم، وقد تضمَّن الرد ثلاثة أمور تومئ إلى السبب في نزوله منجمًا: أولها: تثبيت فؤاد الرسول بموالاة الوحي بالقرآن، فإن موالاته فيها أنس للنبي ﷺ ، وتثبيت لعزيمته، وتأيد مستمر له، فيقوم بحق الدعوة بالجهاد في سبيلها، وإذا الروح الأمين الذي يجيئه بكلام رب العالمين في موالاة مستمرة. ثانيها: إن تثبيت الفؤاد بنزول القرآن يكون بحفظ ما ينزل عليه جزءًا جزءًا؛ ذلك أن هذا القرآن نزل ليحفظ في الأجيال كلها جيلًا بعد جيل، وما يحفظ في الصدور لا يعتريه التغيير ولا التبديل، وما يكتب في السطور قد يعتريه المحو والإثبات والتحريف والتصحيف؛ ولأنَّ الله تعالى كتب للقرآن أن يحفظ، كان يحفظ جزءًا جزءًا، وكان ينزل مجزءًا ليسهل ذلك الحفظ، وكان النبي ﷺ حريصًا على أن يحفظه عند نزوله، فكان يردد ما يتلوه عليه جبريل، ويتعجَّل حفظه، وقد قال الله لنبيه في ذلك: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦-١٩] ، ونرى من هذا النص حرص النبي ﷺ على أن يحفظ ما يوحَى إليه، فيحرِّك به لسانه مستعجلًا الحفظ، فينبهه الله تعالى إلى أنه يتولى جمعه وإقراءه له، وأنه مبينه وحافظه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . الأمر الثالث: هو ترتيل القرآن بتعليم تلاوته، وإنَّ هذا النص يستفاد منه أن تلاوة القرآن وطريقة ترتيله هما من تعليم الله تعالى؛ إذ إنه ينسب الترتيل إليه تعالت قدرته وكلماته، وعظم بيانه. فنحن بقراءتنا وترتيلنا إن أحكمناه، إنما نتبع ما علم الله تعالى نبيه من ترتيل محكم جاء به التنزيل، وأمر به النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] ، وما كان تعليم هذا الترتيل المنزل من عند الله تعالى ليتوافر إذا لم ينزل القرآن منجمًا، فلما نزل جملة واحدة ما تمكَّن النبي ﷺ من تعلم الترتيل، ولو علمه الله تعالى بغير تنجيمه ما كان في الإمكان أن يعلمه قومه وهم حملته إلى الأجيال من بعده. هذا ما يستفاد من النص الكريم المتلوّ، وعبارته السامية فيه واضحة بينة تشرق بمعانيه العالية الهادية الموجهة المرشدة. وهناك سبب آخر لنزول القرآن منجمًا نلمسه من حال العرب ومن شئونهم؛ ذلك أن العرب كانوا أمَّة أمية، والكتابة فيهم ليست رائجة، بل يندر فيهم من يعرفها، وأندر منه من يتقنها، فما كان في استطاعتهم أن يكتبوا القرآن كله إذا نزل جملة واحدة؛ إذ يكون بسوره وآياته عسيرًا عليهم أن يكتبوه، وإن كتبوه لا يعدموا الخطأ والتصحيف والتحريف. ولقد كان من فائدة إنزال القرآن منجَّمًا أنه كان ينزل لمناسبات ولأحداث، فيكون في هذه الأحداث بعض البيان لأحكامه، والمبيِّن الأول هو النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .

стр. 14

المكي والمدني: ٨- كان نزول القرآن منجمًا سببًا في أن بعضه نزل بمكة وبعضه نزل بالمدينة، فكان منه المكي ومنه المدني، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، فما نزل بعد الهجرة ولو بمكة يسمَّى مدنيًّا، وما نزل قبل الهجرة يسمَّى مكيًّا، فالتقييم زماني وليس بمكاني، ليست العبرة بمكان النزول، إنَّمَا العبرة فيه بزمانه. والآيات المكية فيها بيان العقيدة الإسلامية، وبطلان عبادة الأوثان ومجادلة المشركين والدعوة إلى التوحيد، ومخاطبة العرب، وفيها قصص الأنبياء الذين جاءوا إلى بلاد العرب ولهم آثار في أجزائها تنادي بما صنع أقوامهم، وما أصابهم الله تعالى بكفرهم من حاصب، ومن خسف جعل عالي ديارهم سافلها، ومن ريح صرصر عاتية. ولم يكن في الآيات المكية أحكام للمعاملات، وإن كان فيها إشارات إلى المحرمات كالخمر والربا، فقد قال تعالى مشيرًا إلى أن الخمر أمر غير حسن: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] ، فإن هذا النص الكريم يشير إلى أن الخمر ليست أمرًا حسنًا؛ لأنه جعلها مقابلة للأمر الحسن، ولا يقابل الحسن إلّا القبيح، أو على الأقل الأمر غير الحسن. ولقد جاء أيضًا في سورة الروم ما يشير إلى أن الربا أمر غير مستحسن، فقد قال تعالى في سورة الروم: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] . وإن عدم وجود أحكام للمعاملات في مكة سببه أن الدولة التي كانت قائمة كانت دولة شرك، وأن من المستحيل أن تنفذ أحكام المعاملات الإسلامية في ظلها، وكان

стр. 15

الاتجاه الأول إلى إخراجها من الشرك وإدخالها في التوحيد أولًا، ثم من بعد ذلك تكون الدولة الإسلامية المنفذة، ولكن المحرمات كانت ثابتة في أول تشريع الإسلام، وإن كان مسكوتًا عنها، فلم تكن موضع إباحة، بل كانت موضع سكوت وعفو حتى ينزل التشريع بتحريمها تحريمًا قاطعًا، فما كانت الخمر مباحة، ولكن كان مسكوتًا عنها، أو كانت في مرتبة العفوِ كما يقول علماء الأصول، حتى إذا كان المنع الصريح في المدينة كان معه العقاب، وهكذا كل ما كان مسكوتًا عنه لم يكن موضع إباحة. ولما انتقل النبي ﷺ إلى المدينة كان التنظيم الكامل للمعاملات؛ لأنه وجدت دولة إسلامية فاضلة، تنظِّم العلاقات بين الناس، وتقوم على تنفيذها، والقضاء بها، فنظم التعامل، وابتدأ بأعلى أنواع التعاون بين الناس وهو الإخاء الذي آخى فيه النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، والأنصار بعضهم مع بعض، والمهاجرين بعضهم مع بعض، وشرعت النظم الاجتماعية، والمعاملات الإنسانية؛ من أحكام للبيوع والمزارعات، وتحريم للربويات وغيرها. وفرضية الصدقات وتنظيمها، وإعطاء الفقير حقه، والتنظيم الاجتماعي الكامل، وشرعت الزواجر الاجتماعية من حدود وقصاص، وسُنَّت الأحكام الفاصلة بين الحقوق، وفتح باب الجهاد، ووضعت نظم الحرب، وقامت العلاقات الدولية على أسس متينة محكمة، يراعى فيها حق العدو، كما يلاحظ حق الولي على سواء؛ لأن المبادئ المدنية في الإسلام قامت على إعطاء كل ذي حق حقه من غير بخس ولا شطط، ولا مجاوزة للحد ولا اعتداء. ويلاحظ أن مبادئ العدالة جاءت مع وجود الشريعة الإسلامية، وقد دعا إليها القرآن الكريم في مكة والمدينة؛ لأن العدالة حق ابتدائي لا يختلف في دولة عن دولة، فهو يتعلق بالنفس الإنسانية في ذاتها. فالأمر بالعدالة والإحسان والوفاء بالعهد جاء في سورة النحل، وهي مكبة عند نظر الأكثرين؛ لأن الله تعالى يقول فيها وهو أحكم القائلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٠-٩٢] . ولقد أحصى القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن السور المدنية فقال: "عن قتادة نزل بالمدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، ويا أيها النبي لم تحرّم إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، هذه السور نزلت بالمدينة، وسائر القرآن نزل بمكة". ويلاحظ أنَّه جعل سورة النحل من السور المدنية، ولكن المذكور في المصاحف التي بين أيدينا أنها مكية، ولعلَّ فيها روايتين.

стр. 16

كتابة القرآن وجمعه: ٩- منذ ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول الأمين، والنبي ﷺ يحفظه، ويأمر من حوله ممن يحسنون الكتابة أن يكتبوه، وقد سمي أولئك الذين كتبوا القرآن بكتاب الوحي، ومنهم: عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وغيرهم كثير ممن كانوا يحضرون إلى النبي ﷺ قبل نزول الوحي بالقرآن عليه، فيملي عليهم ما نزل، ويعلمون ما حفظه في حف ظه الكثيرون من الصحابة، وخصوصًا من كانوا له ﵊ ملازمين، وعلى مقربة منه ﷺ . وكان زوال القرآن على غير الترتيب الذي نقرؤه الآن في السور الكريمة، بل كان ذلك الترتيب من بعد النزول بعمل النبي ﷺ بوحي من الله تعالى، فكان يقول ﷺ : ضعوا آية كذا في موضع كذا من سورة كذا، فتكون بجوارها متسقة متلاحقة المعنى مترابطة، متناسقة اللفظ، تلتقي بها كأنها تقف معها، وكأنهما كلام واحد قبل في زمن واحد، أحدهما لاحق، والآخر سابق، وكأن المتكلم قالهما في نفس واحد، من غير زمن بينهما يتراخى، أو يتباعد، وذلك من سر الإعجاز، ولا غرابة في ذلك؛ لأن القائل واحد، وهو الله العليم الخبير الذي لا تجري عليه الأزمان، ولا يحد قوله بالأوقات والأحيان؛ لأنه هو خالق الأزمان، والمحيط بكل شيء علمًا. ولذلك كان ترتيب القرآن الكريم في كل سورة بتنزيل من الله تعالى. وكان من الصحابة من يحفظه كله، فكان عبد الله بن مسعود يحفظه المكي، ويحفظ المدني، ولكن الرواة قالوا: إنه عرض على رسول الله ﷺ المكي فقط، وكذلك جمع أُبَيُّ المدنيّ، وقالوا: إنه عرض على النبي ﷺ ما جمعه بعد الهجرة، وأكبر العرض هو عرض زيد بن ثابت -رضي الله ﵎ عنه، فقد كان سنة وفاة النبي ﷺ ، وقد كان بعد أن قرأ الرسول الأمين على روح القدس جبريل القرآن مرتَّبًا ذلك الترتيب الموحى به الذي نقرأ به القرآن الكريم. وإنَّ النبي ﷺ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلَّا وقد جمع القرآن في صدر طائفة من الصحابة، قيل: إن عددهم مائة أو يزيدون، ونحن نرى أنهم كانوا أكثر من ذلك عددًا، فإنه قتل من القرَّاء في إحدى مواقع الردة عدد يزيد على السبعين، وقيل: على سبعمائة، وربما كان الأول أدق، فإذا كان ذلك العدد مقتولًا فالباقي بحمد الله تعالى

стр. 17

أكثر، وإن كان قتل سبعين قد هال المؤمن الثاقب النظر عمر بن الخطاب ﵁ تعالى عنه وجزاه عن الإسلام خيرًا. وإن كان بعض الكاتبين ذكر أنَّ الحافظ للقرآن من الصحابة أربعة هم: علي بن أبي طالب -كرَّم الله تعالى وجهه، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، فذلك ليس من قبيل الإحصاء ولا قبيل التعيين العادي، فإن العدد أكبر من ذلك. والأمر الآخر الذي يجب التنبيه إليه هو أن القرآن كله كان مكتوبًا عند الصحابة، وإذا كان لم يكن كله مكتوبًا عند بعضهم، أو عند واحد منهم بعينه، فإن ذلك لم يكن منفيًّا عن جميعهم، فهو مكتوب كله عند جميعهم، وما ينقص من عند واحد يكمله ما عند الآخرين، وهكذا تضافروا جميعًا على نقله مكتوبًا، وإن تقاصر بعضهم عن كتابته كمل الأخر، وكان الكمال النقلي جماعيًّا وليس أحاديًّا. وقد يسأل سائل: لماذا كان الجامعون له في الصدور كثيرين، وقد حفظوه كاملًا غير منقوص، ولم يوجد من جمعه في السطور جمعًا كاملًا؟ ونجيب عن ذلك بجوابين: أحدهما: من واقع حياة العرب، فقد كانوا أميين، والمجيد منهم للكتابة قليل، وأدوات الكتابة غير متوافرة، وما يكتب عليه غير معد لها، فكانوا يكتبون على الأديم، وعلى لخاف الأشجار، وعلى العسب، وغير ذلك مما لا يعد للكتابة، فكان الغريب أن تكون كتابة، فضلًا عن أن تكون كتابة كاملة للقرآن عند الواحد من الصحابة، وكتابته كاملة عند الجميع كانت بتوفيق الله تعالى ومن عنايته بكتابه الكريم. والجواب الثاني: إن ذلك من عمل الله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى العليم الحكيم جعل حفظ القرآن الكريم في الصدور ابتداءً وانتهاءً، وفي السطور احتياطًا، ولا تحريف، وإنَّ تواتر القرآن الكريم عن رسول الله ﷺ يكون كما تلقاه عن ربه العليم الحكيم، والتواتر يكون بالتلقي في الصدور لا في السطور، ولا يكون تواترًا في مكتوب إلَّا إذا قرئ المكتوب على من أخذ عنه وأجازه، فالمكتوب يحتاج في نقله إلى الإجازة القولية، والإجازة القولية لا تحتاج إلى كتابة إلَّا بمقدار تسجيل الإجازة. ترك محمد رسول الله ﷺ الدنيا والأمة على بينة من أمر القرآن، قد استحفظوه وحفظوه وكتبوه، وحمله رسول الحقيقة أمانة الخليقة، وهو القرآن الحكم في هذا الوجود الإنساني، فماذا كان من بعده.

стр. 18

جمع القرآن الكريم بعد الرسول - ﷺ : ١٠- انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وقد حفظ عدد كبير من الصحابة يبلغ حدَّ التواتر القرآن كله كاملًا غير منقوص، لم يتركوا منه كلمة إلا حفظوها، وعلموا أين نزلت، ومتى نزلت، وعلموا معناها من صاحب الرسالة - ﷺ ، حتى إنَّه ليروى عن عثمان بن عفان أنَّه كان يقول: كنا إذا حفظنا عشر آيات من القرآن سألنا الرسول ﷺ عن معناها فيبينها لنا. ترك الرسول ﷺ لصاحبته القرآن، وهو أعظم ثروة إنسانية مثرية في هذا الوجود، وقد أدركوا حق الأمانة وأنهم حاملوها إلى الأخلاف من بعدهم كاملة كما تسلَّموها، فكان حرصهم عليها أشدَّ من حرصهم على أنفسهم؛ لأنهم فانون وهي الباقية، وهي تراث النبوة، وسجل الرسالات الإلهية، لذلك كانوا يحافظون عليها وعلى الذين حملوها في صدورهم. ولقد هال عمر بن الخطاب أنه قد استحر القتال بين المؤمنين الأولين -وكثير منهم من حفظة القرآن الكريم، وبين أهل الردة في موقعة اليمامة، وقتل منهم فيما قيل: سبعمائة -كما جاء في الجامع الكبير للقرطبي، فأشار عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- على أبي بكر يجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء كأُبَيّ وابن مسعود وزيد، فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك، فجمعه بعد تعب شديد. روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إليَّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحر يوم القيامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب كثير من القرآن إلَّا أن تجمعوه، وإني لأرى أن يجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلّم، فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبَّع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟! فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر". اختار أبو بكر كما ترى في رواية البخاري ورواية غيره من أصحاب الصحاح زيدًا ليقوم مع من يستعين به من حفظة القرآن، وكان اختياره لزيد لأسباب جمَّة: أولها: ما اشتُهِرَ به بين الصحابة من العلم والفقه.

стр. 19

وثانيها: لأنَّه من كتبة الوحي الملازمين، لا الذين كتبوا مرة أو مرتين وأخذوا لقب كاتب الوحي شرفًا. وثالثها: إنه ممن حفظوا القرآن وجمعوه في صدورهم، فكان حقيقًا أن يجمعه مسطورًا بعد أن جمعه محفوظًا. ورابعها: إنه عرض القرآن على النبي ﷺ في السنة التي انتقل فيها النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى كما قدمنا. ١١- حمل زيد ما هو أشد حملًا من الجبال؛ لأنه يحمل أثقل موازين الهداية في هذا الوجوه الإنساني، وهو وديعة الله تعالى إلى الوجود الإنساني إلى أن تزول السماوات والأرض. وما كان لمن يحمل مثل هذا الحمل أن ينفرد بالعبء، فقد استعان بالحفظة الكرام من صحابة النبي ﷺ الأعلام، وسلك في سبيل الجمع الخطة المثلى، فما كان ليعتمد على حفظه، وإنه لحافظ، ولا على حفظ من استعان بهم، وإنهم لحفاظ أمناء، ولكنه كان لا بُدَّ أن يعتمد على أمر مادي يُرَى بالحسِّ لا يحفظ بالقلب وحده، فكان لا بُدَّ أن يرى ما حفظه مكتوبًا في عصر النبي ﷺ ، وأن يشهد شاهدان بأنهما هكذا رأوا ذلك المكتوب في عصر النبي ﷺ ، وبإملائه ﷺ ، وقد تتبع القرآن بذلك آية آية، لا يكتب إلَّا ما رآه مكتوبًا عن النبي ﷺ في عهده، ويشهد شاهدان أنهما هكذا رأيا ذلك المكتوب في عهد النبي ﷺ ونقلاه، أو يرى ذلك المكتوب عند اثنين، فهو شهادة كاملة منهما، وقد حصل على القرآن كله مكتوبًا بنصاب الشهادة في عصر النبي ﷺ ، فما كان إلَّا أن نقل المكتوب في عصر النبي ﷺ ، ولكنه وجد آيتين لم يشهد اثنان بأنهما كتبتا في عصر النبي ﷺ ، بل شهد واحد فقط، وهو خزيمة بن ثابت الأنصاري، وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] ، لم يجدهما إلا عند خزيمة، وقد قال له النبي ﷺ تكريمًا له: "شهادتك باثنين". وروي أنه لم يجد آية أخرى إلَّا عند خريمة، وهي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] . هذا هو المسلك الذي سلكه المؤمن الحافظ الذي اختاره أبو بكر لحمل التبعة مع من اختاره، ولنترك الكلمة له -أي: لزيد- فهو يشير إلى ما سلكه، فهو يقول فيما رواه البخاري: "قمت فتتبَّعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال،

стр. 20

حتى وجدت آيتين من سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] . والآية الأخرى التي لم يجدها إلا عند خزيمة أيضًا جاء فيها عنه في رواية البخاري أيضًا: وعن زيد بن ثابت لمَّا نسخنا في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلَّا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل الله تعالى شهادته بشهادة رجلين: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ، وقد علَّق على ذلك القرطبي: فكانت الأولى من سورة براءة في الجمع الأول على ما قاله البخاري والترمذي، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة الأحزاب. وهذا يدل على أنَّ الجمع الثاني اتبع فيه ما اتبع في الجمع الأول بالبحث عن الآيات مكتوبة في عصر النبي ﷺ ، وأن يشهد اثنان بكتابتها في عصره، أو توجد عند اثنين، فوجودها عندهما شهادتان، والجمع الثاني كان في عهد عثمان. ولكن قد يسأل سائل: لماذا كان نصاب الشهادة كاملًا في الجمع الذي حدث في عهد أبي بكر، ثم لم يوجد النصاب في بعض الآي عند الجمع الثاني؟ نقول: إن فرض ذلك يتحقق بغياب أحد ركني النصاب عن المدينة أو موته، ولكن الله تعالى حافظ كتابه في هذا الوجود كوعده بحفظه وأنه منجز ما وعد: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، ولذلك كان الشاهد في الثاني هو الشاهد في الأول، وهو خزيمة الأنصاري الذي جعل النبي ﷺ شهادته باثنين، فالنصاب كان كاملًا. ١٢- ولا نترك الكلام في هذا العمل الجليل الذي اشترك فيه أبو بكر وعمر، وحمل عنه زيد بن ثابت مع جمع من المهاجرين والأنصار، من غير أن نقرر حقيقتين ثابتتين تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغير والتبديل، وأنه مصون بصيانة الله له، ومحفوظ بحفظه، وإلهام المؤمنين بالقيام عليه وحياطته. الحقيقة الأولى: إن عمل زيد ﵁ لم يكن كتابة مبتدأة، ولكن إعادة لمكتوب، فقد كتب كله في عصر النبي ﷺ ، وعمل زيد الابتدائي هو البحث عن الرقاع والعظام التي كان قد كتب عليها والتأكد من سلامتها، بأمرين: بشهادة اثنين على الرقعة التي توجد فيها الآية أو الآيتان أو الآيات، ويحفظ زيد نفسه وبالحافظين من الصحابة، وقد كانوا الجم الغفير والعدد الكبير، فما كان لأحد أن يقول: إن زيدًا كتب من غير أصل مادي قائم، إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي.

стр. 21

وبذلك نقرر أن ما كتبه زيد هو تمام ما كتب في عصر النبي ﷺ ، وأنه ليس كتابة زيد، بل هو ما كتب في عصره ﷺ ، وما أملاه، وما حفظه عن الروح القدس. وإذا كان ما كتبه عثمان من بعد ذلك قد قوبل بما كتب في عصر النبي ﷺ ، فالمصحف العثماني الذي بقي بخطه إلى اليوم هو مطابق تمام المطابقة لما كتب في عصر النبي ﷺ ، وأنه يجب ألا يخرج عنه قارئ في قراءة بزيادة حرف أو نقص، قد تكون القراءات متغيرة في أصوات المقروء وأشكال النطق، ولكن لا يمكن أن تكون متغيرة بزيادة أو نقص، فذلك هو الخروج عن الرسم الذي وضع في عصر محمد ﷺ بإقراره ﷺ . الحقيقة الثانية: إنَّ عمل زيد لم يكن عملًا أحاديًّا، بل كان عملًا جماعيًّا من مشيتخة صحابة رسول الله ﷺ ؛ ذلك أنَّ زيدًا بطبيعة عمله أعلن بين الناس ما يريد؛ ليأتيه كل من عنده من القرآن ما هو مكتوب بما عنده، وقد علموا مقدار ما ينبغي لكتاب الله من عناية، فذهبوا إليه وذهب إليهم، وتضافر معه من كانوا يعاونونه غير مدخِّرين جهدًا إلَّا بذلوه في عناية المؤمن بكتاب الله تعالى الذي يؤمن به. ولما أتمَّ زيد ما كتب تذاكره الناس وتعرَّفوه وأقرّوه، فكان المكتوب متواترًا بالكتابة ومتواترًا بالحفظ في الصدور، وما تمَّ هذا لكتاب في الوجود غير القرآن، ولا يهمنا أن يقرَّ ذلك المعاندون أم لا يقروه، فذلك إيماننا، والحجة القاطعة لا يضيرها ارتياب في غير موضعه، بل الحقائق ناصعة، والبينات قائمة ثابتة، وهي في حكم البدهيات القاطعة، ومن يرتاب في أمر عقلي لا ريب فيه فهو يضل نفسه، ولا يضر غيره، والحق أبلج، والباطل لجلج، وإذن فلا عجب في أمر المعاندين الضالين. إنما العجب كل العجب في أمر الذين يضلون في طلب الحق، فيتيهون في ظلمات الروايات المدسوسة المكذوبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 22

جمع القرآن في عهد عثمان أو الأحرف السبعة: ١٣- جمع القرآن كله في عهد الشيخين أبي بكر وعمر، وقد أودعه عمر حفصة أم المؤمنين، ليكون مصونًا يرجع إليه لا ليتلى منه، فالتلاوة استمرَّت كما كانت في عصر النبي ﷺ تتلقَّى من أفواه الرجال مرتَّلة، كما تلقوها عن النبي ﷺ ؛ ليبقى القرآن محفوظًا في صدور المؤمنين بنصِّه وتلاوته. وإن النصَّ المكتوب واحد لا تغير فيه، وهو يحتمل عدة قراءات، وقد ذكروا أن القراءة المتواترة لا تكون مقبولة إلَّا إذا كانت موافقة للنص المكتوب غير زائدة، ولا ناقصة، فهي شاملة للقراءات كلها. ولقد أجيز في أول نزول القرآن أن يقرأ على لغاتٍ سبع من لهجات العرب كلها يمنيها ونزارها؛ لأن رسول الله ﷺ لم يجهل شيئًا منها، ولذلك روى البخاري أنَّ القرآن نزل على سبعة أحرف، نُسِخَت ست وبقيت واحدة، ويروي مسلم عن أُبَيّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاءة بني غفار -وهو غدير صغير عندهم، فأتاه جبريل ﵇ فقال له: $"إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاء الثالثة فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله تعالى معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاء الرابعة، فقال: "إن الله تعالى يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف، فأيما حرف قد قرءوا عليه فقد أصابوا"، وروى الترمذي عن أُبَيّ بن كعب، قال: "لقى رسول الله ﷺ جبريل فقال: "يا جبريل، إني بعثت لأمة أمية منها العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابًا قط، فقال لي: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" وهذا حديث صحيح. وقد قال القرطبي في كتابه "الجامع الكبير لأحكام القرآن": "ثبت في الأمهات البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود والنسائي وغيرها من المصنَّفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم، وهو الذي صرَّح فيه بأنَّ عمر سمع هشامًا يقرأ بحروف لم يسمعها، فأخذه إلى رسول الله ﷺ فأقرَّ ما قرأ هشام، وأقرَّ ما قرأ عمر، ثم قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف". ١٤- وإننا إذا تأملنا ما جاء في هذه الأخبار الصحاح ننتهي إلى أنَّ العرب ما كانت تطاوع ألسنتهم حرف القرآن، ففيهم الرجل الشيخ والمرأة العجوز اللذان جمد لسانهما على لهجتهما، فلا يطاوعهما على النطق الصحيح بلهجة لم يعرفوها ولم يلوكوها من قبل، فكان لا بُدَّ أن تمرن ألسنتهم أمدًا على لغة القرآن حتى تلين، وتألف النطق بكلماته على اللغة التي بقيت. وتفسير الأحرف باللهجات أو اللغات العرب ما بين مضرية وربعية ونزارية وقرشية وغيرها، هو التفسير الذي اختاره ابن جرير الطبري، وكثيرون من الرواة، وهو الذي يتفق مع النسق التاريخي في الجمع الذي اضطر ذو النورين عثمان -رضي الله تعالى عنه- لِأَنْ يقوم به، وارتضاه الصحابة، وقال علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه: لو كنت مكانه ما عملت إلّا ما عمل. ولقد ذكر القرطبي أنَّ هذه الأحرف باقية في القرآن لم ينسخ منها حرف، ولكني أرى أن النَّسَق التاريخي الذي أشرنا إليه من قبل يوجب أن يكون حرف واحد قد بقي، وهو لغة قريش، وهو الذي كتب عثمان مصحفه عليه، وكان من قبل مكتوبًا عليه كما

стр. 23

سنبين أنه لم يأت قط بما يخالف المصحف المحفوظ عند أم المؤمنين حفصة عندما قابله به. وقبل أن ننتقل إلى ما فعل الإمام عثمان -رضي الله ﵎ عنه، لا بُدّ أن نذكر حقيقتين دلَّ عليهما المأثور عن النبي ﷺ ، والسياق التاريخي: أولهما: إنَّ الذي كُتِبَ في عصر النبي ﷺ لم يعتره تغيير، ولم تجر عليه الحروف السبعة، وإنَّ الحروف السبعة كانت في قراءة القرآن لا في كتابته، وأن استئذان النبي ﷺ كان في القراءة لا في الكتابة. ثانيتهما: إنَّ استئذان النبي ﷺ كان ليسهل على أمته حتى تلين ألسنتهم، وتستقيم على النطق باللغة التي اختارها الله تعالى لقرآنه المنزل من عنده وهو العليم، وهي لغة قريش في جلّ ما أنزل الله تعالت كلماته، فكانت لغة قريش لغة الأدب في الجاهلية والإسلام، فكان من منطق الحوادث أن يكون أعلى الكلام ينزل في ثوب أعلى اللغات العربية؛ إذ كانت لغة الشعر والأدب. ١٥- ولنتنقل بعد ذلك إلى جمع ذي النورين عثمان ﵁، ومكانه من جمع الشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما، وجزاهما عن الإسلام خيرًا. تفرَّق الصحابة من المهاجرين والأنصار، وقد كان عمر -رضي الله ﵎ عنه- آخذًا بحجزات الصحابة، وخصوصًا كبارهم، يمنعهم من مغادرة الحرمين، فاختلف الناس في القراءة، ومنهم من كان يقرأ بالقراءات أو اللغات المختلفة التي ما كانت القراءة بها إلّا ترخيصًا مؤقتًا حتى تلين الألسنة إلى لغة القرآن، وإنها لواحدة، وإن اختلفت القراءات المتواترة، فيظلها ما بين حذف الهمزة في النطق، وإن كانت بقاية في مصحف عثمان تقرأ فيه مثبتة وغير مثتبة، كالأرض -مهموزة، والأرض -من غير همزة، ومن اختلاف في الشكل يدل في كل شكل على معنى صحيح يصلح أن يكون مقصودًا في القرآن، ويكون الجمع صحيحًا، مثل: أنفسكم -بضم الفاء، وأنفسكم -بفتحها، ومثل: فتبينوا -بالباء بعد التاء، أو فتثبتوا -بالثاء بعد التاء وبعدها باء ثم تاء. وما كان اختلاف القراء في الأمصار في عهد عثمان في هذه القراءات المشهورة بيننا الآن، إنما كان الاختلاف في اللغات التي كان مرخَّصًا بها، فمنهم من لم يعلم نسخها عند قراءة جبريل للنبي ﷺ في العرضات الأخيرة. لقد اشتدّ الأمر في ذلك، وعظم اختلافهم، وتشبَّث كل فريق بما يقرأ، زاعمًا أن غيره هو الباطل الذي لا ريب فيه، ووقع الخلاف بين أهل العراق وأهل الشام عندما اجتمعوا في غزوة أرمينية، فقرأت كل طائفة بما روي لها، وتنازعوا أمرهم بينهم، وأظهر بعضهم تكفير بعض، وتبرأ بعضهم من بعض، وكان معهم حذيفة بن اليمان كما

стр. 24

ذكر البخاري والترمذي، وقد ذكرا أنَّ حذيفة عندما آب من هذه الغزوة دخل إلى عثمان قبل أن يدخل إلى أهله فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك، قال عثمان: في ماذا؟ قال: في كتاب الله، إني حضرت هذه الغزوة، وجمعت ناسًا من العراق والشام والحجاز، ووصف له ما كان من الاختلاف والتكفير، وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود. أفزع هذا الأمر عثمان التقيّ كما أفزع المؤمنين الذي علموا ذلك النبأ الخطير، ولكن الفزع لم يوهن العزيمة بل شحذها، ولم يضعف الإرادة بل حفزها، وكانت عزمة ذي النورين عثمان. لقد أحضر النسخة المحفوظة عند أم المؤمنين حفظة؛ لتكون الإمام الذي يحتكم إليه فيما هو مقدَّم عليه، وجمع من الصحابة الحافظين الكرام بضعة على رأسهم زيد بن ثابت الجامع الأول، والثقة الثبت الذي كان له فضل التثبت في كل كلمة وآية. وقد قال له عثمان -رضي الله تعالى عنه- عندما ندبه لذلك العمل الجليل: إني مدخل معك رجلًا فصيحًا لبيبًا فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ، فجعل معه أبان وسعيد بن العاص، فلمَّا بلغا في الكتابة قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] . قال زيد: فقلت: التابوه، وقال سعيد بن العاص التابوت، فرفعنا الأمر إلى عثمان، فكتب التابوت. وكان جملة من ضمَّهم إلى زيد ثلاثة هم: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص الذي ذكرناه، وعبد الرحمن بن الحارث، وقال لهذا الرهط من قريش: ما اختلفتم فيه أنتم وزويد، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم. ويظهر أنَّ سيدنا عثمان لم يكتف بهؤلاء الأربعة، بل كان يضمّ إلى معاونتهم من يكون عنده علم بالقرآن يعاونهم في كتابته، ولقد روى ابن عساكر أنَّ عثمان دعا إلى هذه المعاونة فقال: إن عثمان خطب يومئذ في الناس، وعزم على كل رجل عنده شيء من كتاب الله لما جاء به، ويقول ابن عساكر: فكان الرجل يجئ بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دعاهم رجلًا رجلًا، فناشدهم: أسمعت رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك، وهكذا كان يتثبت في الرواية، كما كان التثبت من زيد ومن معه، والذي كتب المصحف الأول الذي أودع أمَّ المؤمنين حفصة ﵂ وعن أبيها فاروق الإسلام. وقد أتمَّ زيد ومن معه جمع القرآن، ولكن عثمان لا يكتفي، بل إنَّه يسير في الاستيثاق إلى أقص مداه، فيحضر مصحف أم المؤمنين حفصة، ويعرض المصحف الجديد، فيجدهما يتوافقها تمام التوافق، لا يزيد أحدهما عن الآخر حرفًا ولا ينقص

стр. 25

عنه، حتى لقد فهم بعض العلماء أنَّ جمع عثمان كان نسخًا لما جاء في الصحف المحفوظة عند أم المؤمنين حفصة ﵂ وعن أبيها الفاروق، وجاء ذكر ذلك في بعض الروايات تسامحًا، ولكن الحقيقة أنَّه ما كان نسخًا، بل قام بالتحريات كلها، حتى جمع ما جمع، وكان التوافق الكامل الذي يدل دلالة قاطعة على صدق الجمعين، وعلى تواتر القرآن الكريم مكتوبًا ومحفوظًا، وبذلك حفظه الله تعالى وصانه. ولقد قال الطبري: إنَّ المصحف التي كانت عند حفصة جعلت إمامًا في هذا الجمع الأخير، ويقول الطبري: "هذا صحيح"، ومعنى صحته أنَّه بعد الجمع الذي قام به زيد بأمر عثمان، وعاونه المؤمنين الحافظون قد روجع على مصحف حفصة ﵂، وكانت هي المقياس لصحته، فبالمقابلة بينهما بعد الجمع تبينت صحتهما بصفة قاطعة لا ريب فيها، فكانت هذه الإمامة، حتى ظنَّ أنه نسخ منها. ١٦- ويلاحظ أمران: أولهما: إنَّ عثمان ﵁ كان غرضه من إعادة جمع المصحف هو أن يكتبه على حرف واحد من الحروف السبعة، أي: اللهجات واللغات السبع، فما كان جمعه إلَّا لإثبات الحرف الباقي الذي روي مكتوبًا عن النبي ﷺ ، ليجتمع عليه المسلمون، ولا يكونوا متفرقين، أن يكون ذلك موافقًا للمكتوب في عهد الرسول ﷺ . جاء في القرطبي: "قال كثير من علمائنا كالداودي، وابن أبي صفرة: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان، ذكره ابن النحاس وغيره". الأمر الثاني: إنَّ عثمان -رضي الله ﵎ عنه- حسم مادة الفتنة بذلك الجمع، وعمل ما كان ينبغي أن يعمل، ولذلك نسخ من هذا الذي جمعه نسخًا على قدر الأقاليم العربية، فأرسل إلى كل إقليم نسخة كانت هي الأصل لهذا الإقليم، فأرسل إلى مصر، وإلى الشام، وإلى مكة واليمن والبحرين والبصرة، والكوفة، وحبس بالمدينة مصحفًا كان هو الإمام لكل هذه النسخ، وهو المرجع الأول في الدولة، ترجع إليه كل المصاحف، وهو الحاكم عليها. وإذا كان هو الأصل لكلِّ هذه المصاحف فيجب القول بأنه لا اختلاف بينها؛ لأنه الحكم، وأنها صور لنسخة واحدة، ويلاحظ أنَّ الإمام العظيم عثمان قد كتب المصحف خاليًا من النقط والشكل، كما كان المصحف الموجود عند حفصة خاليًا من النقط والشكل، ولم يكن نقط وشكل إلا بعد ذلك.

стр. 26

ولكن لماذا خلا من ذلك؟ والجواب عن ذلك: إنَّ القرآن له قراءات مختلفة هي سبع قراءات، وليست هي الحروف كما ذكرنا من قبل، ولكي يكون المكتوب محتملًا لهذه القراءات المرويّة بطرق متواترة كلها، كان لا بُدَّ أن يكون غير منقوط ولا مشكول، كما ذكرنا في اختلاف القراءة في ﴿أَنْفُسِكُم﴾ وكما ذكرنا في اختلاف القراءة في ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ، وما كان يمكن أن يحتمل النص القراتين إذا كان منقوطًا ومشكولًا. ومن جهة أخرى: إنَّ الأساس في تواتر القرآن هو الحفظ في الصدور لا في السطور، حتى لا يعتريه المحو والإثبات، فلو كان القرآن منقوطًا ومشكولًا لاستغنى طالب القرآن عن أن يقرئه مقرئ، فلا يكون التواتر الصحيح الذي يقتضي الإجازة ممن أقرأه، ولقد جاء التحريف في الكتب الأخرى لاعتمادها على المكتوب في السطور لا المحفوظ في الصدور. ومن جهة ثالثة: إنَّ ترتيل القرآن كما أثر عن النبي ﷺ لا بُدَّ منه كما قال تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] ، وإنَّ ذلك لا يتمّ إلَّا إذا كان القرآن يقرأ على مقرئ يجيزه حفظًا وقراءة وترتيلًا. ١٧- وإن الرواية الصحيحة بينة مستقيمة لا مجال للشك فيها، وهي تدل على أمور ثلاثة قطعية في ثبوتها، وهي: أولًا: على أنَّ النص الذي كان عند حفصة هو النص المكتوب في عصر النبي ﷺ ، وهو ذاته النص المكتوب في مصحف عثمان ﵁، فلا يصحّ الزيادة عليه، ولا يصح النقص. ثانيًا: على أنَّ القرآن كتب بلغة قريش، وهي الحرف الذي استقرَّت القراءة عليه، وما كان الترخيص بالقراءة بالحروف الأخرى إلَّا مؤقتًا حتى تطوع الألسنة لحرف قريش، ولقد جاء في القرطبي: "إن القرآن نزل بلغة قريش" معناه عندي في الأغلب والله أعلم: لأنَّ غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات من تحقيق الهمزة ونحوها، وقريش لا تهمز". ومؤدَّى هذا الكلام أنَّ الألفاظ والأساليب والمنهج القرآني أنزل على لغة قريش، ولكن الحركات التي تعتري بنية الكلمة من همز أو إمالة أو نحو ذلك جاء على لهجات من غير قريش، ورويت كلها عن النبي ﷺ . ثالثًا: إنَّ مصحف عثمان -رضي الله ﵎ عنه- يجب أن تكون كل قراءة قرآنية متفقة مع نصه، وأن الشك فيه كفر، وأن الزيادة عليه لا تجوز، وإنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة.

стр. 27

١٨- إذا كانت هذه حقائق ثابتة تواترت في الأجيال، فلماذا كانت الروايات الغريبة البعيدة عن معنى تواتر القرآن الكريم التي احتوتها بطون بعض الكتب كالبرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، التي تجمع كما تجمع حاطب ليل يجمع الحطب والأفاعي، مع أنَّ القرآن كالبناء الشامخ الأملس الذي لا يعلق به غبار؟ قد أجاب عن ذلك الكاتب الكبير المسلم المرحوم مصطفى صادق الرافعي١، فقال في كتابه إعجاز القرآن: "ونحن ما رأينا الروايات تختلف في شيء من الأشياء فضل اختلاف، وتتسم في الرد والتأويل كل طريق وعر، كما رأينا من أمرها فيما عدا نصوص ألفاظ القرآن، فإن هذه الألفاظ متواترة إجماعًا، لا يتدارأ فيها الرواة من علا منهم ومن نزل، إنما كان ذلك لأنَّ القرآن أصل الدين، وما اختلفوا فيه إلّا من بعد اتساع الفتن، وحين تألف الأحداث، وحين رجع بعض الناس من النفاق إلى أشد من الأعرابية الأولى، وزاغ أكثرهم عن موقع اليقين من نفسه، فاجترءوا على حدود الله تعالى، وضربتهم الفتن والشبهات، مقبلًا بمدبر، ومدبرًا بمقبل، فصار كل من نزع إلى الخلاف يريد أن يجد من القرآن ما يختلف معه، أو يختلف به، وهيهات ذلك، إلَّا أن يتدسَّس في الرواية بمكروه يكون معه التأويل والأباطيل، وإلا أن يفتح الكلمة السيئة، ويبالغ في الحمل على ذمته، والعنف بها في أشياء لا ترد إلى الله ولا إلى الرسول، ولا يعرفها الذين يستنبطون من الحق، بل لا يعرفون لها في الحق وجهًا.. ونحسب أن أكثر هذا مما افترته الملحدة، وتزيدت به الفئة الغالية، وهم فرق كثيرة يختلفون فيه بغيًا بينهم، وكلهم يرجع إلى القرآن بزعمه، ويرى فيه حجته على مذهبه، وبينته على دعواه، ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم بالحق والباطل، ثم ضعاف الرواة ممن لا يميزون، أو ممن تعارضهم لغفلة في التمييز. وذلك سواد كله ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور"٢. وإن ذلك الذي ذكره الكاتب الإسلامي الكبير حق لا ريب فيه، فإن هذه الروايات التي جمعها من لا يفرق بين الحابل والنابل، وبين الحطب والأفعى، إنما كانت بعد الفتن، ولعل للإسرائيليات دورها الخفي المسموم، وإن الذين تولوها غلاة الفرق، والرواة الذين لا يميزون أو يغفلون ما لا يدركون. ألم تر إلى أولئك الغلاة يطعنون في عثمان ﵁، ويجعلون من أسباب الطعن أنه جمع المصحف وجعل له إمامًا، عندما رأى الاختلاف قد تفاقهم، وأنه جمعهم على ما كتب في عهد رسول الله ﷺ . ورأى علي ﵁ مثيري الفتنة بعد مقتل الشهيد عثمان، فقال ﵁ وكرم الله وجهه: "يا معشر الناس، اتقوا الله، وإياكم والغلوِّ في عثمان، وقولكم حرق المصاحف، فوالله ما حرقها إلَّا على ملأ منَّا أصحاب محمد ﷺ "، وروي عن عمر بن سعيد أنه قال: "قال على بن أبي طالب: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت مثل الذي فعل عثمان".

стр. 28

تحريق غير المصحف الإمام وغير ما نسخ منه: ١٩- كانت الفتنة قد بلغت ذروتها وخبَّ فيها الذين يؤيدونها ووضعوا، وكان قد دخل في الإسلام الذين يريدون أن ينتقموا منه لدولهم التي غزاها نور الإسلام، وانفتح في قلوب الأكثرين باب الهداية، ووجدوا في القرآن السبيل إلى ما أرادوا أن يهدموه وهو الإسلام، ليقتلعوه من جذوره، ويأتوه من قواعده، فجاءوا من القرآن عماده ونور الله المبين وحبله المتين. وكان السبيل إحياء الأحرف التي نُسِخَت، فاندسُّوا بين المسلمين يحيون المقبور، ويروجون المهجور، ويبثون روح الشك والريب فيما هو متواتر ثابت. وقد انبرى لهم ذو النورين، واجتثَّ شرهم، فجمع المصحف الإمام على الطريق المأمون الذي كان مستوثقًا غير متظنّن، ومتأكدًا غير متشكك، فكان ما كتب في عهده هو عين ما كتب في عهد الشيخين أبي بكر وعمر، وما كتب في عهد الشيخين هو عين ما أملي في عصر النبي ﷺ ، وما حفظه أصحابه في صدورهم. حتى إذا تمَّ له ما احتسبه عند الله على ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ الذين شاهدوا وعاينوا واتبعوا عن بينة، وفيهم الكثيرون ممن حفظوا القرآن كله كعليّ -كرَّم الله وجهه، ومعاذ بن جبل، فكان التواتر الكامل والصيانة الكاملة والاستحفاظ على كتب الله تعالى. فلم يبق إلَّا أن يزيلوا غيره من المصاحف؛ لأنها كتبت بغير حرف قريش أو به وبحروف أخرى، فأحرقها جميعًا، ولم يبق إلَّا المصحف الإمام وما نُسِخَ منه، فلا يرجع إلى سواه، ولا يعتمد على غيره، ولو بقيت مصاحف غيره لكان الاحتجاج بها، ولعادت الفتنة جذعًا، وكان التشكيك والريب، وقد حفظ الله تعالى كتابه. حرق عثمان المكتوب كله، ولم يبق منه شيئًا، وردَّ إلى السيدة أم المؤمنين حفصة المصحف الذي كان مودعًا عندها، والذي كان إمامًا لمصحف عثمان، كما قرَّر بحق ابن جرير الطبري، وقد ردَّه إليها لموعدة وعدها إياها فوفَّى بوعده، ولكنّها لما توفيت أمر عبد الله بن عمر أن يحرق المصحف الذي كان عندها، وروي أنَّها توفيت ﵂ في عهد معاوية بن أبي سفيان، وأن الذي حرق المصحف الذي عندها

стр. 29

والى المدينة مروان بن الحكم، ومهما يكن اختلاف الرواية في تاريخ وفاتها، فإنَّ عثمان ﵁ قد قرَّر أن يحرق بعد وفاتها. وهنا يسأل المؤرّخ: إذا حرق عثمان المصاحف الأخرى لما أثارته من فتنة، ولأنه كان فيها حروف أخرى غير حرف قريش، فلماذا قرر حرق المصحف الذي عند حفصة، وقد كان إمام مصحفه، والمرجع الذي وزن به صحة ما كتب في عهده، حتى إنه قيل: إن المصحف الذي كتب في عهده قد نسخ منه نسخًا؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إنَّ المصحف أودع حفصة ﵂ وعن أبيها؛ لأنَّها كانت حريصة على أن يبقى عندها، وما أراد الرجل الطيب عثمان أن يحرمها مما أرادت، فأعاده إليها، ولكنَّه الحريص على القرآن خشي أن يقع في يد أحد، فيمحو فيه ويثبث، ويقول: قد غيَّر ما عندكم، وها هو ذا الأصل، فاحتكموا إليه، ويكون صالحًا للاحتكام، فأمر أن يحرق بعد وفاتها، وما أبقاه عندها في حياتها إلا مرضاة لها، فاحتاط للقرآن، وما أعنتها -رضي الله تعالى- عن ذي النورين بما صنع -وأكرمه في مثواه ورضي عنه وأرضاه.

стр. 30

ترتيب الآيات والسور: ٢٠- أجمع العلماء على أنَّ الآيات رتبت بتنزيل من الله تعالى، فكانت الآية إذا نزلت يقول ﷺ لكتابته ولصحابته: ضعوها في موضع كذا من سورة كذا، وتكون لقفًا مع التي وضعت بجوارها، وتكونان نسقًا بيانيًّا، هو الإعجاز، وإنه يدل على وحدة المنزِّل وهو الله ، وإن الآيات المكية كانت توضع في السور المكية، والمدنية كانت كذلك توضع في المدنية، إلا بعض آيات مدنية وضعت في سور مكية ونبَّه إليها. على ذلك انعقد الإجماع، وكانت العرضة الأخيرة التي قرأ فيها النبي ﷺ على جبريل بترتيب الآيات ذلك الترتيب، ومن أنكر ذلك أو حاول تغييره فقد أنكر ما عُرِفَ من الدين بالضرورة، وخرج عن إطار الإسلام، وحاول التغيير والتبديل، فتلك الدعوات المنحرفة التي تدعو إلى ترتيب القرآن على حسب النزول، أو على حسب الموضوعات، هي خروج على الإسلام، يبثه بعض الذين لا يرجون للإسلام وقارًا؛ إذ يجعلون القرآن عضين، ويخالفون التنزيل، ويعارضون الوحي، وذلك خروج عن الإسلام. هذا ترتيب الآيات، أمَّا ترتيب السور فإنَّه من الثابت أنَّ المصحف الإمام كان على هذاالترتيب، وقالوا: إنه ما ارتضاه زيد بن ثابت، ووافقه عليه الشيخان أبو بكر وعمر وصحابة النبي ﷺ ، وذو النورين عثمان وهو المتَّبِع، فلا يغير ولا يبدِّل، وقد قيل: إنَّ بعض الصحابة كان له مصحف بغير هذا الترتيب، فكان لأُبَيّ مصحف، وكان لعلي

стр. 31

-كرَّم الله وجهه- مصحف، وقد نقل ابن النديم في الفهرس أنَّه كان على حسب ترتيب النزول، وأنه ابتدأ بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ١، ٢] ، وهي أوَّل آية نزلت. ولكن في العرضة الأخيرة من جبريل كان على هذا الترتيب، البقرة ثم آل عمران على ما والاها. ولقد جاء في "الجامع الكبير" للقرطبي ما نصه: "ذكر ابن وهب في جامعه قال: سمعت سليمان بن بلال يقول: سمعت ربيعة يسأل: لم قدِّمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة، وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال ربيعة: قد قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد اجتمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهي إليه". قال ابن مسعود: "من منكم كان متأسيًا، فليتأسَّ بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". ولقد قال الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه: "إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ "، وذكر أبو بكر الأنباري كما نقل عنه القرطبي: "أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرِّق على النبي ﷺ في عشرين سنة، وكانت السورة تنزل والآية جوابًا لمستجيب يسأل، ويقف جبريل رسول الله ﷺ على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف، فكله عن محمد خاتم النبيين ﷺ ، فمن أخَّرَ سورة مقدَّمة أو قدَّم أخرى فهو كمن أفسد نظم الآيات، وغيَّرَ الروف والكلمات، ولا اعتراض على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام، والأنعام نزلت قبل البقرة؛ لأن رسول الله ﷺ أخذ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول: "ضعوا هذه السورة موضع كذا وكذا من القرآن، وكان جبريل ﵇ يقفه على مكان الآيات". ومن هذه الروايات المختلفة المؤتلفة المجمعة على أنَّ ترتيب السور بتوقيف، يتبين أنَّ المصحف الإمام هو الذي يصوّر العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل ما بين يديه ولا من خلفه. ولكن ماذا يقال عن الروايات التي جاءت بأنه كان لأُبَيّ مصحف بغير هذا الترتيب، ولعلي ﵁ وكرَّم الله وجهه- مصحف كان بترتيب النزول؟ لنا في الإجابة عن ذلك السؤال طريقان: أولهما: أن نعتبر ما عليه الكثيرة التي تكاد تكون إجماعًا يؤخذ به، ويكون ذلك الإجماع دليلًا على ضعف ما عداه، وأنه لا يؤخذ به لعدم صحة السند. ثانيهما: إنِّنَا نقول: إن ذلك كان قبل العرضة الأخيرة، وفي العرضة الأخيرة وضعت السور في مواضعها، وهذا ما اختاره القرطبي وغيره، فقد قال: "أمَّا ما روي من اختلاف مصحف أُبَيّ وعلي وعبد الله بن مسعود، فإنما كان قبل العرض الأخير، إنَّ رسول الله ﷺ رتَّب لهم ترتيب السور بعد، إن لم يكن فعل ذلك من قبل". وننتهي من هذا إلى أنَّ ترتيب السور كترتيب الآيات كان بوحي من الله العليّ الحكيم.

стр. 32

قراءات القرآن: ٢١- يقرأ القرآن الكريم بقراءات مختلفة: مختلفة في حركات أواخر الكلمات، أو في بناء الكلمة، أو في الوقوف في أواخر الكلمات، أو في الهمزات قطعًا ووصلًا، كهمزة الأرض، فهي تقرأ موصولة ومقطوعة، وهكذا، وإنَّه يجب التنبيه في هذا إلى أمرين: أولهما: إنَّ قراءات القرآن متواترة ليست هي الأحرف السبعة كما ذكرنا، بل إن الرأي القويم الذي انتهى إليه الباحثون كابن جرير١ الطبري وغيره إلى أنَّ القراءات كلها تنتهي إلى حرف واحد، وهو الذي كُتِبَ به المصحف المحفوظ عند أم المؤمنين حفصة، وهو الذي جمعه عثمان بن عفان ﵁، وألزم به الأقاليم الإسلامية، وهو مطابق تمام المطابقة للمصحف الذي كُتِبَ في عهد أبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما، وهو الذي حفظ في بيت أم المؤمنين حفظة -رضي الله تعالى عنها وعن أبيها الفاروق. الأمر الثاني: إنَّ هذه القراءات تنتهي في نهايتها إلى أنَّها من ترتيل القرآن الذي رتله الله ، وتفضَّل بنسبته إلى ذاته الكريمة العلية، فقال ﵎: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] فهي الأصوات التي أثرت عن النبي ﷺ ، وإذا كان فيها موسيقى -إن صحَّ لنا أن نقول عنها هذا التعبير- فهي الأصوات القرآنية التي اتبعناها عن النبي ﷺ ، فهي في مدّها وغنّها، وإهمازها، وإهمال همزاتها، وإمالها وإقامتها، أصوات القرآن المأثورة؛ إذ إنَّ القراءة سُنَّة متبعة، وإن اختلاف القراءات الصحيحة وكلها متواترة عن الصحابة الذين أقرأهم النبي ﷺ ، وأعلمهم طرق الأداء التي تعلمها عن ربه، كما يشير إلى ذلك ما تلونا من قبل، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦-١٩] .

стр. 33

فكانت القراءة التي وعد الله تعالى نبيه ﷺ هي الترتيل، وهي تلك القراءات المأثورة عن صحابة النبي ﷺ الذين تلقَّوها عن النبي ﷺ ، وقد رأيت أنَّه تلقَّاها عن ربه. وهذه القراءات نجد الاختلاف فيها مع أنَّه تنتهي جميعها إلى المورد العذب، والمنهل السائغ، وهو تلاوة النبي ﷺ التي تلقَّاها عن ربه، ليس اختلاف تضاد في المعاني، أو اختلاف تباين في الألفاظ، بل يكون الاختلاف: أولًا: في شكل آخر الكلمات أو بنيتها، مما يجعلها جميعًا في دائرة العربية الفصحى، بل أفصح هذه اللغة المتسقة في ألفاظها، وتآخي عباراتها ورنَّة موسيقاها، والتواؤم بين ألفاظها ومعانيها. وثانيًا: في المد في الحروف من حيث الطول والقِصَر، وكون المد لازمًا أو غير لازم، وكل ذلك مع التآخي في النطق في القراءة الواحدة، فكل قراءة متناسقة في ألفاظها من حيث البنية للكلمة، ومن حيث طول المد أو قصره. وثالثًا: من حيث الإمالة، والإقامة في الحروف، كالوقوف بالإمالة في التاء المربوطة وعدم الإمالة فيها. ورابعًا: من حيث النقط، ومن حيث شكل البنية في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ، فقد وردت فيها قراءتان متواترتان: فتبينوا، وقراءة أخرى "فتثبتوا" وهما متلاقيتان، فالأولى طالبت بالتبين المطلق، والأخرى بينت طريق التبيين، وهو التثبت بتحري الإثبات، فإن لم تكن طرق الإثبات، ولا دليل على القول، فإنه يرد الكلام، ولا يتمسَّك بما قيل متظننًا فيها من غير دليل، وكلتا القراءتين مروية بسند متواتر لا مجال للريب فيه، فكانت إحدى القراءاتين مفسرة للأخرى. وخامسًا: زيادة بعض الحروف في قراءة، ونقصها في أخرى، مثل: زيادة الواو في قراءة، وزيادة مِنْ في أخرى، وهذه نادرة لم أرها إلَّا في حالتين اثنتين فقط، فقد ذكر بن الجزري إمام القراء المتأخرين المتوفَّى في سنة ٨٢٣هـ، أنّ ابن عامر وهو من القرَّاء السبعة يقرأ ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [يونس: ٦٨] وقرأ غيره: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وإن حذف الواو ثابت في المصحف الشامي، وكان ابن كثير يقرأ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ وقراءة غيرها ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَار﴾ ، ومفهوم كلام ابن الجزري أنَّ القراءتين متواترتان، وأن هذا يؤدي إلى أمر جوهري، وهو أن المصاحف في هذا الموضع ليست نسخًا متحدة اتحادًا كاملًا، منسوخة كلها من المصحف الإمام، وهو المصحف الذي احتفظ به الإمام عثمان في دار الخلافة، وقد اتفقت الروايات على أنه لم يكن

стр. 34

كالمصحف الشامي الذي كان على قراءة ابن عامر؛ لأنَّ مصحف الشام خالف كل المصاحف في نقص الواو -ومنها: المصحف الإمام مصحف عثمان، وبذلك يكون الرجوع لمصحف عثمان وما نقل عنه من المصاحف، وهو المصحف المجموع في عهد الشيخين أبي بكر وعمر، وحفظ عند حفصة، وهو أيضًا المتطابق مع المكتوب في عهد رسول الله ﷺ . وكذلك الأمر في زيادة "من" في قراءة ابن كثير، المتفق مع المصحف المكيّ وغيره من المصاحف، ومنه المصحف الإمام، على عدم زيادة من في الآية التي زيدت فيها في المصحف المكيّ. وإن النتيجة لهذا أن نقول: إنَّ الأصل وهو المصحف الإمام مصحف المدينة يقبل ما يتفق معه، وينعقد الإجماع عليه، وما لا يتفق معه ينظر فيه، وربما كان رده أظهر لولا ما يقال من أنَّ القراءة بالزيادة ليست آحادًا، ولا شاذة، بل متواترة. ومن أجل ذلك حاول القرطبي التوفيق بين الزيادة وحذفها، فقال: "وما وجد بين هؤلاء القرَّاء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم، فذلك لأنَّ كلًّا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض، إشعارًا بأنَّ كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة". رواة القراءات: ٢٢- كانت القراءات معروفة في عصر الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وقد تلقَّوها جميعًا عن النبي ﷺ ، وقد ذكرنا أن مصحف الإمام عثمان والإمامين من قبله، وما كتب في عصر النبي ﷺ كان غير منقوط ولا مشكول؛ لكي يحتمل القراءات كلها، وليكلا يعتمد القارئ على المكتوب، بل يتلقى المقروء بالتلقي؛ ليصل السند إلى رسول الله ﷺ ، وقد قال بعضهم: إنَّ الخط في عصر النبي ﷺ كان غير منقوط ولا مشكول؛ لأنَّ العربية لغة بيان وإفصاح وتعبير، وانسجام بين ألفاظها، وتآخٍ بين أساليبها، فلا تعتمد على المكتوب بل على المقروء ونغماته، وتآخي عباراته من غير تجافي اللفظ عن المعنى، ولا المعنى عن اللفظ. ولمَّا أخذت العجمة تغزو اللسان العربي ابتدءوا بنقط القرآن وشكله في عهد عبد الملك بن مروان من غير بعد عن القراءات، ومن غير اعتماد على المكتوب، بل يكون مع المكتوب ضرورة الإقراء من حافظ، وبذلك أمكن اجتماع الشكل والنقط مع الرواية وتواتر القراءة، وتعرُّف أوجه القراءات المنقولة عن النبي ﷺ ، وكان في الصحابة من يقرئ الناس، ويعلمهم وجوه القراءات.

стр. 35

وقد اشتهر بإقراء الناس القرآن، وتعريفهم أوجه قراءته طائفة من الصحابة قد احتجزوا عن الخروج إلى ميادين الفتح؛ ليعلموا الناس ويفقهوهم في دينهم، ويقرئوهم القرآن الكريم. ومن هؤلاء عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب فارس الإسلام، احتجز عن الجهاد بالسيف؛ ليكون له جهاد العلم والقرآن, وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء. وعن هؤلاء أخذ كثيرون من الصحابة والتابعين، وأقرءاهم القرآن بوجوه القراءات، وكلها يتفق مع المكتوب عن النبي ﷺ . ولما أخذ المقرئون للقرآن من الصحابة ينقرضون حمل التابعون ذلك العبء الكريم، فقاموا بحقه، ويظهر أنَّ المقرئ كان يقرئ طالب القرآن القراءات كلها، ويختار منها ما يطوع له لسانه من غير إعوجاج، فكان الصحابة وكبار التابعين يقرءون بالأوجه كلها، ولكن يختار المستحفظ ما يقوى عليه لسانه. وفي آخر عصر التابعين خلَّف من بعد قراء الصحابة والتابعين خلف طيب، وجد التخصص في قراءة من القراءات أولى من حفظ جميعها، فإنه إذا كان ذلك في طاقة الصحابة ومن داناهم من كبار التابعين، فمن وراءهم دون ذلك؛ إذ أخذت الطبيعة العربية تضعف عن حمل العبء كاملًا، فعني من أفاضل القراء من صغار التابعين، وتابعي التابعين برواية كلِّ واحد منهم قراءة واحدة؛ ليسهل عليه نطقها، ورووها متواترة، فكانت الرِّحَال تشَدُّ إليهم يتلقَّون عنهم، ويأخذون بما يقرئه كل واحد. واشتُهِر من هؤلاء الذين خلفوا عهد الحفاظ من الصحابة الذين كانوا يقرئون الناس من صحابة وتابعين -اشتهر سبعة كانوا من بعد أئمة القراء. وهم: عبد الله بن عامر المتوفَّى سنة ١١٨هـ، وعبد الله بن كثير المتوفَّى سنة ١٢٠هـ، وعاصم بن مهدلة الأسدي المتوفَّى سنة ١٢٨هـ، وأبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة المتوفَّى سنة ١٥٤هـ، وحمزة بن حبيب الزياد العجلي المتوفَّى سنة ١٥٦هـ، ونافع بن نعيم المتوفَّى سنة ١٦٩هـ، وعلي بن حمزة الكسائي إمام الكوفيين المتوفَّى سنة ١٥٩هـ، وقراءات هؤلاء السبعة هي المتفق عليها التي نالت الإجماع، ولكل واحدة منها سندها المتصل المتواتر، وطريقه، وهو محفوظ في علم القراءات، وأجمع المسلمون على التواتر فيها. وقد ألحق علماء القراءات وأهل الخبرة فيها ثلاثة غيرهم صحت قراءتهم، وثبت توارتها، وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع المتوفَّى سنة ١٣٢هـ، ويعقوب بن إسحاق الحضري المتوفَّى سنة ١٨٥هـ، وخلف بن هشام. وقراءات هؤلاء بإضافتها إلى القراءات السبع تكون عشرة كاملة.

стр. 36

أقسام القراءات: ٢٣- لا عبرة إلَّا بالقراءات المتوارة؛ لأنها هي التي تتناسب مع تواتر القرآن، وحفظه في الأجيال إلى يوم القيامة، وسدِّ السبيل للريب، فلا يأتيه في أي ناحية من نواحيه؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ولأنَّ الله تعالى قد وعد بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والله تعالى لا يخلف الميعاد. ولكن مع ذلك قرَّر علماء القراءات أنَّ هناك ما روي بطريق الآحاد، وهناك الشاذ، وإن كان الاثنان لم يبلغا درجة أن تكون معتبرة أو لائقة بالقرآن. ولذلك قسموا القراءات إلى أقسام ثلاثة: أولها: القراءات المتواترة، وهي حجة في التلاوة، وليس لمؤمن بالقرآن أن ينكرها، وإذا كان قد روي عن الزمخشري١ إنكار بعض القراءات أو ردِّها مستنكرًا لهان، فإنَّ ذلك النوع ليس من القراءات المتواترة، وما كان لمثل الزمخشري في علمه ومكانته وإيمانه أن ينكر متواترًا، والذين يستمسكون بمثل قوله، لا يأخذون إلَّا بحل واهٍ، يهوي بهم إلى نار جهنم؛ لأنَّه -رضي الله ﵎ عنه- ما أنكر متواترًا، ولكنَّهم يطيرون وراء كل ريح يحسبونها هادمة، ولكن ما هم ببالغيه، ودون ذلك دق أعناقهم. وشروط القراءة المتواترة ثلاثة: أولها: أن تكون موافقة للمصحف الإمام؛ لأنه الأصل المعتمد عليه، وهو المرجع، وهو صورة صادقة للمكتوب في عصر النبي ﷺ ، فيكون بالتزامه القرآن متواترًا قراءة وكتابة، والله هو الحافظ له إلى يوم الدين. الشرط الثاني: التواتر في السند، بأن يرويه جمع عن جمع حتى عصر النبي ﷺ . الشرط الثالث: أن يكون موافقًا للمنهاج العربي الثابت في اللغة، وليس معنى ذلك أن تكون أقوال النحويين حاكمة على القرآن بالصحة، فإنه هو الحاكم عليهم، وهو أقوى حجج النحويين في إثبات ما يثبتون، ونفي ما ينفون، ولكن معنى ذلك: ألَّا يكون فيه ما يخالف الأسلوب العربي في مفرداته وفي جمله وعباراته. القسم الثاني: القراءة غير المتواترة، وقد رويت بطريق الآحاد، ولم تبلغ في روايتها حدِّ التواتر، وهذه يكون رواتها عدولًا، لم يثبت عليهم ريبة اتهام في قول أو عمل، وهذه يقرأ القرآن بها، وخصوصًا إذا وافقت المتواتر بشرط موافقتها للمصحف.

стр. 37

الإمام وهو متواتر، فتكون في معنى المتواترة، وموافقتها للمنهاج العربي، فلا يكون فيها ما يخالف المنهاج العربي. القسم الثالث: الشاذة وهي المخالفة للمصحف الإمام، ولم تثبت بسند صحيح، ولو بطريق الآحاد. وإنّي أرى ألَّا يقبل إلا المتواتر. ويجب التنبيه إلى أمر، وهو أنَّ القراءات السبع المنسوبة للقراء السبعة قيل: إنها لا تخلو من شاذٍّ مرفوض، وإن كانت في جملتها مشهورة، جاء في كتاب إعجاز القرآن للمرحوم الكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي ﵁ نقلًا ما نصه: "لا تخلو إحدى القراءات من شواذٍّ فيها، حتى السبع المشهورة، فإنَّ فيها من ذلك أشياء". وازن بين هذا وبين القراءتين اللتين زيدت في إحداها "واو"، وقيل: إنها موافقة للمصحف الشامي. وفي الأخرى "من" وقيل: إنها موافقة للمصحف المكي.

стр. 38

فائدة وجوه القراءات: ٢٤- إنَّ القراءات كما ذكرنا هي ترتيل القرآن الذي علمنا الله إياه على لسان نبيه ﷺ ؛ إذ علمه ربه، ونسب الترتيل إلى ذاته العليّة، فقال تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] ، وأمر نبيه بهذا الترتيل هو ومن اتبعه، فقال -تعالت كلماته: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] فكانت القراءات التي نزل بها القرآن هي تصريف ذلك الترتيل وتنويعه، وكما أنَّ المعاني القرآنية صرفها الله تعالى من الاستفهام إلى التقرير، ومن الاستنكار والتوبيخ إلى التهذيب والتأديب، وكما صرف الله آيائته كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] فقد صرَّف تلاوته وترتيله، فكان الترتيل في التأليف الصوتي، والتناسق في النطق، وتنوع ذلك التناسق من ارتفاع ومد طويل، إلى خفض ومد قصير، مما يشبه التأليف الموسيقى، وإن كان أعلى؛ لأنه ليس من صنع البشر، ويجد القارئ في ذلك التنوع ما يجعله يترنم بالقرآن في إجلاله، وروعة بيانه ودقة معانيه. وأمر ثانٍ يبدو في تنويع القراءات مع ثبوت توارتها، وأنها عن الله العلي القدير، نجد أنَّ اختيار قراءة من القراءات في المقام الذي تناسبه يكون توضيحًا للمعنى، ومناسبًا للمؤدَّى، فمثلًا قراءة الإمالة تكون في الوضع اللين والخطاب الرفيق، ويتركها القارئ الفاهم في موضع التهديد والإنذار إلى قراءة أخرى تناسب التهديد والإنذار.

стр. 39

الشديد، فمثلًا في سورة الحاقة لا يعمد المرتِّل المدرك إلى اللين في الوقوف على التاء؛ لأنه لا يتناسب مع موضوع التهديد الذي اشتملت عليه السورة كلها، وقد نبَّهنا بعض القراء الذي كان يختار اللين، فتنبَّه، وما عاود أمامنا ما كان يفعل. وأمر ثالث في تعدد القراءات فوق ما فيها من مراعاة مقتضى المعاني، وفوق ما فيها من ترتيل هو موسيقى القرآن، إن صحَّ لنا هذا التعبير، مع أنَّ القرآن في مقام أعلى وأسمى، ذلك الأمر أنَّ تنوع القراءات فيه تسهيل على القارئ العربي، فقد تصعب عليه قراءة؛ إذ لا تطاوعها طبيعته أو سليقته اللغوية. وهناك أمر رابع في تنوع القراءات، وهو أن يكون مجموع القراءتين -وكلتاهما قرآن- دالًّا على معنيين في لفظ واحد، متلاقيين غير متضادين، فمثلًا قراءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] بضم الفاء يدل على أنه من العرب، والعرب قومه، وذوو رحمه القريبة أو البعيدة، وإذا اجتمعت معها القراءة -بفتح الفاء- كانت الآية دالة بهذه القراءة على أنَّه من أوسط القوم وأعلاهم، فالقراءتان والكلمة واحدة تدلان بالنص على معنيين غير متضادين، وكلاهما صحيح صادق، فالنبي ﷺ كان من العرب، وكان من أنفسهم ترتبط مشاعره بمشاعرهم، يحس بما يحسون، وهو مندمج فيهم، وقريب منهم، ثم كان مع هذا القرب النفسي من أعلى العرب منزلة، وأكرمهم، وكذلك يكون الأنبياء من أوساط الأقوام الذي يتسامون عن سفساف الأمور، ويتجهون إلى معاليها. وقد يقول قائل: إنَّ قراءة أنفسكم -بفتح الفاء- تدل على المرين، فهي تدل على أنه من أعلى قريش وسطًا، وتدل على أنه منهم، نقول في الجواب عن ذلك: إنَّها تدل بالنص على الشرف، وأنَّه من أعلى القوم، ولا يفيد بالقصد والذات أنه من نفس العرب، ومن ذاتيتهم، وأنَّه يحس بإحساسهم، لا تدل قراءة الفتح على ذلك النص، وبيان امتزاج نفسه ﵇ بأنفسهم، وإن هذا لا بُدَّ منه ليشعر بشعورهم، ويشاركهم بوجدانه وإحساسه، ويجذبهم إليه بقوة الامتزاج النفسي، كما يعينهم بلدليل، وبالحق في ذاته، وبما أتاه الله تعالى من بينات باهرات. وقد يكون اختلاف القراءة فيه كمال التوضيح البياني من غير قصور في إحداهما، ولكن بالقراءتين يكون البيان كاملًا، مثل قراءة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فإن قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تقرأ ﴿فتثبتوا﴾ ولا شك أنَّ المعنى في القراءتين هو ألَّا يؤخذ الساعي بالنميمة أو الساعي بالأذى، أو المفسد بين الناس، لا يصدق قوله ابتداء، وألَّا ينساق وراء ما يثيره القول من عاطفة جامحة، أحيانًا قد تدفع إلى الشر من غير بينة، فالله -تعالت آياته- بينه إلى أنه لا

стр. 40

يجوز التصديق إلَّا بعد التبين، والتبين يكون بطرائق مختلفة، منها ما يكون بطرق الإثبات من بينات، ومنها ما يكون بالقرائن، ومنها ما يكون يربط الأمور الواقعة بالأمر المخبَر عنه، وهكذا، فالقراءتان تبين إحداهما التبين بالطرق المختلفة، والثانية تبين أنَّ أسلم الطرق هو تعرُّف الأمر بما يثبت من أقوال الصادقين المؤمنين. وإنه قد يكون اختلاف القراءات مؤديًا إلى بيان حكم بقراءة، وحكم متمِّم له بقراءة أخرى، فتستفاد الأحكام في أوجز تعبير على ما فيه من تغيير القراءة من اختلاف في نغم الترتيل، وموسيقا البيان القرآني الذي يساميه. وقد قال في هذا المعنى الكاتب الكبير المرحوم مصطفى صادق الرافعي: "وثالثة تلحق بمعاني الإعجاز، وهي أن تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنى من معاني الشريعة، ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد، وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم، ثم هو ما لا يستطيعه لغوي أو بياني في تصوير خيال فضلًا عن تقرير شريعة. ولذلك تجد الفقهاء في استدلالاتهم الفقهية يقولون: الحجة فيه قراءة كذا، وهي لا تكون مناقضة للقراءة الأخرى، وربما تكون القراءة دالة على حكم آخر غير مناقض للحكم الذي دلت عليه القراءة المستشهد بها، فتكون الآية بالقراءتين دالة على حكمين متلاقين غير متناقضين، وذلك من الإيجاز المعجز الذي لا يوجد في كلام الناس، ولكنَّه موجود في كلام خالق الناس. ٢٥- هذا، ونختم الكلام في القراءات بكلمة مأثورة للصحابي الفقيه عبد الله بن مسعود، فهو يقول: "لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى، ولا ينفد لكثرة الرد، وإنه شريعة الإسلام، وحدوده وفرائضه، ولو كان شيء من الحرفيين -أي: القراءتين- ينهى عن شيء يأمر به الآخر، كان ذلك الاختلاف، ولكنَّه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض، ولا شيء من شرائع الإسلام، ولقد رأيتنا نتنازع عند رسول الله ﷺ ، فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخيرنا أن كلنا محسن، ولو أنَّ أحدًا أعلم بما أنزل الله على رسول الله ﷺ سبعين سورة، وقد كنت علمت أنَّه يعرض عليه القرآن في رمضان، حتى كان عام قبض فعرض عليه مرتين، فكنت إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أني محسن". اللهم احفظنا بالقرآن واجعله محفوظًا بيننا كما وعدت، إنك لا تخلف الميعاد، ووفقنا للعمل به.
следующие страницы →