← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23137

المعجزة الكبرى القرآن

محمد أبو زهرة

Полный текст (438 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أقسام القراءات: ٢٣- لا عبرة إلَّا بالقراءات المتوارة؛ لأنها هي التي تتناسب مع تواتر القرآن، وحفظه في الأجيال إلى يوم القيامة، وسدِّ السبيل للريب، فلا يأتيه في أي ناحية من نواحيه؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ولأنَّ الله تعالى قد وعد بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والله تعالى لا يخلف الميعاد. ولكن مع ذلك قرَّر علماء القراءات أنَّ هناك ما روي بطريق الآحاد، وهناك الشاذ، وإن كان الاثنان لم يبلغا درجة أن تكون معتبرة أو لائقة بالقرآن. ولذلك قسموا القراءات إلى أقسام ثلاثة: أولها: القراءات المتواترة، وهي حجة في التلاوة، وليس لمؤمن بالقرآن أن ينكرها، وإذا كان قد روي عن الزمخشري١ إنكار بعض القراءات أو ردِّها مستنكرًا لهان، فإنَّ ذلك النوع ليس من القراءات المتواترة، وما كان لمثل الزمخشري في علمه ومكانته وإيمانه أن ينكر متواترًا، والذين يستمسكون بمثل قوله، لا يأخذون إلَّا بحل واهٍ، يهوي بهم إلى نار جهنم؛ لأنَّه -رضي الله ﵎ عنه- ما أنكر متواترًا، ولكنَّهم يطيرون وراء كل ريح يحسبونها هادمة، ولكن ما هم ببالغيه، ودون ذلك دق أعناقهم. وشروط القراءة المتواترة ثلاثة: أولها: أن تكون موافقة للمصحف الإمام؛ لأنه الأصل المعتمد عليه، وهو المرجع، وهو صورة صادقة للمكتوب في عصر النبي ﷺ ، فيكون بالتزامه القرآن متواترًا قراءة وكتابة، والله هو الحافظ له إلى يوم الدين. الشرط الثاني: التواتر في السند، بأن يرويه جمع عن جمع حتى عصر النبي ﷺ . الشرط الثالث: أن يكون موافقًا للمنهاج العربي الثابت في اللغة، وليس معنى ذلك أن تكون أقوال النحويين حاكمة على القرآن بالصحة، فإنه هو الحاكم عليهم، وهو أقوى حجج النحويين في إثبات ما يثبتون، ونفي ما ينفون، ولكن معنى ذلك: ألَّا يكون فيه ما يخالف الأسلوب العربي في مفرداته وفي جمله وعباراته. القسم الثاني: القراءة غير المتواترة، وقد رويت بطريق الآحاد، ولم تبلغ في روايتها حدِّ التواتر، وهذه يكون رواتها عدولًا، لم يثبت عليهم ريبة اتهام في قول أو عمل، وهذه يقرأ القرآن بها، وخصوصًا إذا وافقت المتواتر بشرط موافقتها للمصحف.

стр. 37

الإمام وهو متواتر، فتكون في معنى المتواترة، وموافقتها للمنهاج العربي، فلا يكون فيها ما يخالف المنهاج العربي. القسم الثالث: الشاذة وهي المخالفة للمصحف الإمام، ولم تثبت بسند صحيح، ولو بطريق الآحاد. وإنّي أرى ألَّا يقبل إلا المتواتر. ويجب التنبيه إلى أمر، وهو أنَّ القراءات السبع المنسوبة للقراء السبعة قيل: إنها لا تخلو من شاذٍّ مرفوض، وإن كانت في جملتها مشهورة، جاء في كتاب إعجاز القرآن للمرحوم الكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي ﵁ نقلًا ما نصه: "لا تخلو إحدى القراءات من شواذٍّ فيها، حتى السبع المشهورة، فإنَّ فيها من ذلك أشياء". وازن بين هذا وبين القراءتين اللتين زيدت في إحداها "واو"، وقيل: إنها موافقة للمصحف الشامي. وفي الأخرى "من" وقيل: إنها موافقة للمصحف المكي.

стр. 38

فائدة وجوه القراءات: ٢٤- إنَّ القراءات كما ذكرنا هي ترتيل القرآن الذي علمنا الله إياه على لسان نبيه ﷺ ؛ إذ علمه ربه، ونسب الترتيل إلى ذاته العليّة، فقال تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] ، وأمر نبيه بهذا الترتيل هو ومن اتبعه، فقال -تعالت كلماته: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] فكانت القراءات التي نزل بها القرآن هي تصريف ذلك الترتيل وتنويعه، وكما أنَّ المعاني القرآنية صرفها الله تعالى من الاستفهام إلى التقرير، ومن الاستنكار والتوبيخ إلى التهذيب والتأديب، وكما صرف الله آيائته كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] فقد صرَّف تلاوته وترتيله، فكان الترتيل في التأليف الصوتي، والتناسق في النطق، وتنوع ذلك التناسق من ارتفاع ومد طويل، إلى خفض ومد قصير، مما يشبه التأليف الموسيقى، وإن كان أعلى؛ لأنه ليس من صنع البشر، ويجد القارئ في ذلك التنوع ما يجعله يترنم بالقرآن في إجلاله، وروعة بيانه ودقة معانيه. وأمر ثانٍ يبدو في تنويع القراءات مع ثبوت توارتها، وأنها عن الله العلي القدير، نجد أنَّ اختيار قراءة من القراءات في المقام الذي تناسبه يكون توضيحًا للمعنى، ومناسبًا للمؤدَّى، فمثلًا قراءة الإمالة تكون في الوضع اللين والخطاب الرفيق، ويتركها القارئ الفاهم في موضع التهديد والإنذار إلى قراءة أخرى تناسب التهديد والإنذار.

стр. 39

الشديد، فمثلًا في سورة الحاقة لا يعمد المرتِّل المدرك إلى اللين في الوقوف على التاء؛ لأنه لا يتناسب مع موضوع التهديد الذي اشتملت عليه السورة كلها، وقد نبَّهنا بعض القراء الذي كان يختار اللين، فتنبَّه، وما عاود أمامنا ما كان يفعل. وأمر ثالث في تعدد القراءات فوق ما فيها من مراعاة مقتضى المعاني، وفوق ما فيها من ترتيل هو موسيقى القرآن، إن صحَّ لنا هذا التعبير، مع أنَّ القرآن في مقام أعلى وأسمى، ذلك الأمر أنَّ تنوع القراءات فيه تسهيل على القارئ العربي، فقد تصعب عليه قراءة؛ إذ لا تطاوعها طبيعته أو سليقته اللغوية. وهناك أمر رابع في تنوع القراءات، وهو أن يكون مجموع القراءتين -وكلتاهما قرآن- دالًّا على معنيين في لفظ واحد، متلاقيين غير متضادين، فمثلًا قراءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] بضم الفاء يدل على أنه من العرب، والعرب قومه، وذوو رحمه القريبة أو البعيدة، وإذا اجتمعت معها القراءة -بفتح الفاء- كانت الآية دالة بهذه القراءة على أنَّه من أوسط القوم وأعلاهم، فالقراءتان والكلمة واحدة تدلان بالنص على معنيين غير متضادين، وكلاهما صحيح صادق، فالنبي ﷺ كان من العرب، وكان من أنفسهم ترتبط مشاعره بمشاعرهم، يحس بما يحسون، وهو مندمج فيهم، وقريب منهم، ثم كان مع هذا القرب النفسي من أعلى العرب منزلة، وأكرمهم، وكذلك يكون الأنبياء من أوساط الأقوام الذي يتسامون عن سفساف الأمور، ويتجهون إلى معاليها. وقد يقول قائل: إنَّ قراءة أنفسكم -بفتح الفاء- تدل على المرين، فهي تدل على أنه من أعلى قريش وسطًا، وتدل على أنه منهم، نقول في الجواب عن ذلك: إنَّها تدل بالنص على الشرف، وأنَّه من أعلى القوم، ولا يفيد بالقصد والذات أنه من نفس العرب، ومن ذاتيتهم، وأنَّه يحس بإحساسهم، لا تدل قراءة الفتح على ذلك النص، وبيان امتزاج نفسه ﵇ بأنفسهم، وإن هذا لا بُدَّ منه ليشعر بشعورهم، ويشاركهم بوجدانه وإحساسه، ويجذبهم إليه بقوة الامتزاج النفسي، كما يعينهم بلدليل، وبالحق في ذاته، وبما أتاه الله تعالى من بينات باهرات. وقد يكون اختلاف القراءة فيه كمال التوضيح البياني من غير قصور في إحداهما، ولكن بالقراءتين يكون البيان كاملًا، مثل قراءة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فإن قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تقرأ ﴿فتثبتوا﴾ ولا شك أنَّ المعنى في القراءتين هو ألَّا يؤخذ الساعي بالنميمة أو الساعي بالأذى، أو المفسد بين الناس، لا يصدق قوله ابتداء، وألَّا ينساق وراء ما يثيره القول من عاطفة جامحة، أحيانًا قد تدفع إلى الشر من غير بينة، فالله -تعالت آياته- بينه إلى أنه لا

стр. 40

يجوز التصديق إلَّا بعد التبين، والتبين يكون بطرائق مختلفة، منها ما يكون بطرق الإثبات من بينات، ومنها ما يكون بالقرائن، ومنها ما يكون يربط الأمور الواقعة بالأمر المخبَر عنه، وهكذا، فالقراءتان تبين إحداهما التبين بالطرق المختلفة، والثانية تبين أنَّ أسلم الطرق هو تعرُّف الأمر بما يثبت من أقوال الصادقين المؤمنين. وإنه قد يكون اختلاف القراءات مؤديًا إلى بيان حكم بقراءة، وحكم متمِّم له بقراءة أخرى، فتستفاد الأحكام في أوجز تعبير على ما فيه من تغيير القراءة من اختلاف في نغم الترتيل، وموسيقا البيان القرآني الذي يساميه. وقد قال في هذا المعنى الكاتب الكبير المرحوم مصطفى صادق الرافعي: "وثالثة تلحق بمعاني الإعجاز، وهي أن تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنى من معاني الشريعة، ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد، وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم، ثم هو ما لا يستطيعه لغوي أو بياني في تصوير خيال فضلًا عن تقرير شريعة. ولذلك تجد الفقهاء في استدلالاتهم الفقهية يقولون: الحجة فيه قراءة كذا، وهي لا تكون مناقضة للقراءة الأخرى، وربما تكون القراءة دالة على حكم آخر غير مناقض للحكم الذي دلت عليه القراءة المستشهد بها، فتكون الآية بالقراءتين دالة على حكمين متلاقين غير متناقضين، وذلك من الإيجاز المعجز الذي لا يوجد في كلام الناس، ولكنَّه موجود في كلام خالق الناس. ٢٥- هذا، ونختم الكلام في القراءات بكلمة مأثورة للصحابي الفقيه عبد الله بن مسعود، فهو يقول: "لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى، ولا ينفد لكثرة الرد، وإنه شريعة الإسلام، وحدوده وفرائضه، ولو كان شيء من الحرفيين -أي: القراءتين- ينهى عن شيء يأمر به الآخر، كان ذلك الاختلاف، ولكنَّه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض، ولا شيء من شرائع الإسلام، ولقد رأيتنا نتنازع عند رسول الله ﷺ ، فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخيرنا أن كلنا محسن، ولو أنَّ أحدًا أعلم بما أنزل الله على رسول الله ﷺ سبعين سورة، وقد كنت علمت أنَّه يعرض عليه القرآن في رمضان، حتى كان عام قبض فعرض عليه مرتين، فكنت إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أني محسن". اللهم احفظنا بالقرآن واجعله محفوظًا بيننا كما وعدت، إنك لا تخلف الميعاد، ووفقنا للعمل به.

стр. 41

القسم الثاني: إعجاز القرآن إعجاز القرآن ... إعجاز القرآن: ٢٦- ذكر المؤرخون ما كان عليه العرب من تلقٍّ لديانات النبيين السابقين، حتى قال قائل المؤرخين وأهل السير: إن نوحًا ﵇ كان بعثه فيهم، وكذلك كان إدريس، وصالح، وشعيب، وهود، وإبراهيم، وإسماعيل، فكانت مهدًا للرسالة الإلهية. وإذا كان لذلك أثر أو دلالة، فهو أنَّ العرب قوم فيهم ثقافة وأديان، وقد وضحنا ذلك عند الكلام في حكمة اختيار العرب لِأَنْ يكونوا موضع الرسالة الخالدة؛ رسالة محمد ﷺ "فيما كتبنا في سيرة الرسول ﵇". وإذا كان العرب في عصر الرسالة المحمدية كانت فيهم بداوة سائدة، وحضارة قليلة، فأكثر العرب أو الصحراء العربية -إنِ استثنينا اليمن والحيرة، وما يصاقب الفرس والشام، وما يصاقب الرومان- كانت البداوة فيهم غالبة، ولكنهم في بدوهم وحضرهم، في مدرهم ووبرهم، امتازوا من بين معاصريهم بالنزوع إلى الكلام الطيب، وكانت سيادة الأمية سببًا في أن أرهفوا كلمات لغتهم وأسلوب خطابهم، وملاحظة جرس الكلمات، وموسيقى العبارات وانسجام الحروف، ومؤاخاة المعاني للألفاظ، حتى إنَّ النطق يدل على المعنى، وفي مترادف الكلمات ما يدل على أن المعاني كانت ملاحظة في كل لفظ، فالأسد يقال له: أسد وليث وغضنفر، وغير ذلك من المترادفات لمعنى السبع، فكلمة غضنفر تقال له في حال عنفه وفتكه، وكلمة ليث تقال في حالة ثباته ورباطة جأشه، وهكذا تجد النطق متلاقيًا مع المعنى، فهما متساوقان، المعنى ملاحظ في النطق، والنطق لابس للمعنى، وكلاهما يحيط بصاحبه ويؤاخيه ولا ينفصل عنه. وفي الأسلوب الذي يصوره الإعراب تجد الانقطاع عن النسق الإعرابي في القول يتغير بتغيُّر وجه الإعراب من غير خطأ، بل يقصد معنى من معاني التخصيص يكون النطق في الانقطاع قائمًا مقام وضع خطوط تحت الكلمات، كما يفعل الكاتبون غير الأميين، وهكذا كان النطق قائمًا مقام خطوط الكاتبين في تنبيهها، وشدة الاختصاص في دقة المعاني، فهي بحق لغة إفصاح، وذلك لقوة المدارك، وعلوِّ الأفكار، والنزوع إلى السموِّ والمعالي مع الأمية وغلبة البدوية. وقد ظهر ذلك في أمرين: أحدهما أنَّ الجزء الذي دخلته حضارة من البلاد العربية كاليمن والحيرة والبحرين لم تكن عندهم فصاحة، كالذين لم تسيطر عليهم الحضارة في قوة الإفصاح والبيان وسلامة التعبير، فلم تكن اليمنية كالعدنانية، ولا لغة أهل البادية كلغة قريش؛ لأن قريشًا قد قاربت وذاقت بعض الحضارة، وبقيت أميتها.

стр. 42

الأمر الثاني: في المسابقات البيانية التي كانت تعقد في الأسواق في موسم الحج في عكاظ، ومجنة، وذي المجاز، فقد كانت فيها تجارة المادة، وتجارة البيان معًا، فقد كان في الأولى زاد الجسم، وفي الثانية زاد النفس، كما ظهر ذلك في الشعر ومسابقاته، فمن معلقات تعلق في أستار الكعبة، وحوليات يقطع الحول في نسخ خيالها، ووصغ عباراتها التاي تصغي إليها الأفئدة. ولو أنَّك وازنت بين العرب وغيرهم مِمَّن هم في مثل حالهم من البداوة الغالبة، لوجدتهم في السماك الأعزل، وغيرهم في الحضيض الأوهد، فلا يزال الحاضرون من غير العرب يجدون في شعر زهير بن أبي سلمى حكمة البيان الشعري، وفي شعر امرئ القيس قوة الوصف وفورة الشباب، وفي شعر عنترة قوة البأس ولطف التشبيب والغزل، وفي شعر طرفة قوة النفس الثائرة، وهكذا لو وازنت بين هذه الآثار وما بقي من شعر اليونان والرومان، لوجدتها لا تقل عنها في إحكام الفكرة، وسلامة التفكير، ولكن تزيد عليها في حلاوة النغم، وتساوق الفكر، وتآخي الألفاظ مع المعاني. نعم إنَّ الأدب القصص في اليونان كثير، وهو خلاصة ما عندهم ولبّه، وهو عند العرب قليل أو أقلّ من القليل، والسبب في ذلك هو أنَّ هذا ثمرة الكتابة التي تتيح للكاتب فرصة التأليف وتلفيق الوقائع، بحيث تكون كل واقعة لفق الأخرى مسلسلة معها، في خيال متسق، وهكذا. أمَّا العرب الذين غلبت عليهم الأمية مع تذوّق القول، وتخيّر خيره، واستهجان هجينه، فإنَّ أدبهم يكون باللمح السريع، والنظر الخاطف أحيانًا، والمستبصر المتدبر في أكثر الأحيان عند الذين أوتوا فكرًا وعقلًا وإدراكًا، وفي الجملة لا وسط بين كلامهم وجنانهم، ولا زمن مستغرق بين خاطرهم وقولهم، فتكون خيالاتهم فيها جمال اللمح، وقوة اللحظ، وسرعة الإدراك. ٢٧- ولذلك أجمع المؤرخون في القديم والحديث على أن العرب لهم مآثر في البيان، وذوق الكلام، والتفريق بين كريمه وسقيمه، وجميله وهجينه. ولنترك الكلمة للقاضي عياض المتوفَّى سنة ٥٤٤هـ يصف بيانهم في كتابه الشفاء، فهو يقول: "خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، وجعل الله لهم ذلك طبعًا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديهًا في المقامات وشديد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآلئ، فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحِن، ويهيجون الدِّمَن، ويجرئون الجبان، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل والقول الفصل، والكلام الفخم والطبع

стр. 43

الجوهري، والمنزع القوي، ومنهم الحضري -أي: ساكن المدن- ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرُّف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، والرقيق الحاشية" إلى آخر ما ذكره عياض في بيان بلاغة العرب، ومقدار إدراكهم لجمال الكلمات في رنينها، كما يدرك الصيرفي رنين الحلى الكريمة غير الزائفة، من بين ما يعرض له. تلك كانت حال العرب في جاهليتهم، كانت جهلًا بالدين مع بقايا ملة إبراهيم، وليسوا جهالًا في البيان ومعرفة أسرار البلاغة، يدركونه بلحظ الحال، لا بإمعان عقل وطول تفكير، يدركونه بنغماته ومعانيه في لمح الفكر من غير طول المكث. لذلك كان المناسب لمثل هؤلاء الذين تلقَّوا دعوة محمد رسول الله ﷺ ، وخاطبهم القرآن الكريم ابتداءً أن تكون المعجزة من النوع الذي يحسنونه، ليعرَّفوا مقدار علوِّه عن الطاقة، فالمعجزة بلا شك تناسبهم فوق مناسبتها لموضوع الرسالة وعموم أزمانها وخلودها إلى يوم القيامة، وقد بيَّنَّا ذلك في أول الكلام، فإذا كانت معجزة النبي ﷺ من نوع الكلام السامي فوق طاقة الناس، فإنها تكون مناسبة لمن تلقَّوْها في أول أمرها ومناسبة لخلودها. إننا لا ننفي الآن، ولم ننف من قبل أنها مناسبة لعصر نزولها، ولكننا نقول أيضًا: إنَّها مناسبة لموضوع الرسالة وخلودها، وبقائها إلى يوم القيامة. إن القرآن في أعلى درجات البيان من حيث لفظه، ومن حيث نغماته، ومن حيث مغازيه، ومن حيث الصور البيانية التي تكون في ألفاظه وعباراته، حتى إنَّ كل عبارة تلقي في الفكر والخيال بصورة بيانية كاملة في روعتها، ودقة تصويرها، بل إن كل كلمة لها صورة بيانية تنبثق منها منفردة، وبتآخيها مع أخواتها في العبارة تتكون صورة بيانة أخرى، فوق أنَّ الرنين الموسيقى تنفعل به الأسماع إلى القلوب في معان محكمة، وحقائق بينة، وشرائع منظمة للعلاقات والسلوك الإنساني القويم، الهادي إلى الصراط المستقيم. التقى في المعجزة الكبرى للنبي ﷺ ، وهي القرآن المبين معنيان، أصيب بهما هدفان: أولهما: إنَّه المناسب الذي يعرف به العرب معنى الشيء الخارق لما عرف، الخارج عن طاقتهم، فإنه لا يدرك أثر ذلك إلا هم، ولا يعرف مقامه إلَّا من على شاكلتهم من معرفة مقامًا لقول، ومنزلة البيان. وثانيهما: إنَّ كونه من نوع الكلام الموحى به الباقي الخالد الذي حفظه الله تعالى، ووعد بحفظه إلى يوم القيامة كما تلونا من قبل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ

стр. 44

لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وذلك يناسب رسالته التي هي خاتم الرسائل الإلهية التي جاء بها محمد رسول الله تعالى خاتم النبيين، بصريح القرآن الكريم، فلا نبوة بعد النبي ﷺ . فكان المناسب أن تكون المعجزة من نوع الكلام الخالد الباقي، كما روي أنه ﷺ قال: "ما من نبي إلّا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وكان الذي أوتيته وحيًا به إليّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا إلى يوم القيامة" كما روينا من قبل، أو كما قال ﵊. وإنه معجزة للخليقة كلها، وفيه الدليل على أنه من عند الله للناس أجمعين، فهو إن جاء بلسان العرب، وفيه أعلى درجات البيان العربي، يشتمل في ثناياه على ما يعجز الناس أجمعين، فإذا كان قد أعجز العرب ببيانه، فقد أعجز الناس أجمعين بمعانيه وشرائعه، وما اشتمل عليه من علوم، بل بمبانيه أيضًا، قال منزله -عز من قائل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] تعالت كلمات الله تعالى.

стр. 45

تلقي العرب للقرآن: ٢٨- كلف محمد ﵊ أن يستعد للقاء الرسالة الإلهية لينشر التوحيد والخلق المستقيم والعبادة الخالصة لله تعالى بين الناس، وكان تكليفه بالقرآن وأول نزوله، فقال له ﷻ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] . تقدم محمد للدعوة إلى ربه معتمدًا على أمرين بعد تأييد الله تعالى له وإعزازه، ومصابرته وأخذهم بالحسنى. اعتمد أولًا على الحق الذي يدعو إليه، فالحق ذاته قوة لا تعدلها قوة عند النفوس التي لم تتعوج بمفاسد العصبية، أو التقليد المصم عن الحق، فذكر لهم التوحيد، وقد كانوا على إدراك له في الجملة، كما بيَّنَّا عند الكلام في القسم التاريخي عن بقاء بعض المأثورات عن إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمَّ التسليم. وكان التنبيه إلى أنَّ الأوثان لا يعقل أن تعبد، وإزالة ما حولها من أوهام، وما علق بها من خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، وقد بَيِّنَ ذلك محمد ﷺ على أكمل وجه.

стр. 46

واعتمد مع نور الحق في ذاته على نور القرآن المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو في هدأة الداعي الرشيد يدعوهم إلى هجر عبادة الأوثان، ويقرأ عليهم القرآن الكريم، ففي دعوة الحق وفي القرآن البرهان القاطع والضوء اللامع. كانوا ينفرون من الحقِّ المجرَّد؛ لأنه يخالف ما ألفوا، وما وجدوا عليه آباءهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] . ولكنَّهم إذا استمعوا إلى القرآن تحيَّرت الأفهام، واضَّطربت أحوالهم بين قديم ألفوه، وحقّ في القرآن عرفوه، فهم يحاورون في الحق، ولكن لا يدرون ماذا يدفعون به القرآن الذي يحمله ويدعو إليه وإلى ما جاء به، وإنهم بذوقهم البياني يجدون أنه فوق كل كلام، ولا يمكن أن يجري به لسان من ألسنتهم وأمثالهم، بل لا يمكن أن يأتيبه محمد من عنده؛ لأنهم من قبل عرفوا كلامه، وقد رأوه عاليًا في جوامع كلمه، ولكنَّ القرآن أعلى من طاقة الإنسان ومن طاقة محمد ذاته. ماذا يقولون فيه؟ أيقولون إنه باطل وقد كبروا ما هو دونه من قصيد ورجز، إن في ذلك كانت الحيرة، وهم من الناحية البيانية لم يتهافتوا ولم يسفوا في القول؛ وإذا كان فيهم حمقى حاولوا أن يجاروه، أو ادَّعَوْا أنهم يجارونه، وعرضوا ما قالوا، فنال الاستضحاك والسخرية، وزاد القرآن الكريم مكانة وتقديرًا، وما كان لأمثال أبي سفيان والوليد بن المغيرة أن يسفّوا بأنفسهم ذلك الإسفاف، بل إنَّه لم يسف إلى هذا عمرو ابن هشام "أبو جهل"؛ لأنه يعلم مقدار علوِّه، فلا يتهافت إلى إنكار مكانته في البيان، فهو يستبيح أذى النبي ﷺ وأذى أصحابه، ولا يستبيح الطعن في مقام القرآن البياني؛ لأنه يلحقه الطعن بالأذى والتصغير، ولا يلحق محمدًا الذي نزل القرآن عليه، وخاطب به الناس أجمعين، ولنذكر لك أخبار من سمع القرآن، وخرَّ بين يديه صاغرًا مع شدة العداوة والملاحاة واللدد واخصومة، والبقاء على الكفر، والإصرار على الشرك. ٢٩- "أ" سمعه الوليد بن المغيرة فرقَّ له رقة لم تعرف فيه نحو الإسلام، فخشي أبو جهل "عمرو بن هشام" أن يسير في الطريق القويم إلى الإسلام، فأنكر عليه أبو جهل حاله، ولكنه لم يستطع أن يقول في القرآن شيئًا، فقال له الوليد: "والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني، أعرف رجزها وقصيدها، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من ذلك، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، ما يقول هذا بشر". ولقد اجتمعت قريش عند الوليد يتذاكرون، ماذا يقولون في القرآن وقد رأوا العرب يفدون، ويستمعون إلى النبي ﷺ ، فيبلغ القرآن منهم أعماق نفوسهم، فكيف

стр. 47

يصدونهم عن ذكر الله، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، فأثمروا واجتمعوا حول الوليد، ليتعلَّموا ماذا هم قائلون لمنع الحق، وقد قال لهم أولًا الحق على ريب في نفسه. قال لهم الوليد العارف الضال: إن وفود العرب ترد، فأجمعوا فيه رأيًا لا يكذب بعضكم بعضًا. قالوا: نقول: "كاهن". قال: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته، ولا سجعه. قالوا: "مجنون". قال: ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا بوسوسته. قالوا: فنقول "شاعر". قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه، ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول "ساحر". قال: ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده. قالوا: فما تقول أنت؟ قال: ما أنتم بقائلين في هذا شيئًا، إلّا وأنا أعرف أنه باطل، وإن كان أقرب القول أنه ساحر؛ فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته. "فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس". "ب" ولنذكر خبر عتبة بن أبي ربيعة، فقد سمع القرآن وهو على الشرك، ومن كبراء قريش، فأدرك بذوقه البياني مقام القرآن، وقال مقاله الحق: "والله قد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، ما هو بالشعر ولا بالكهانة". "ج" وقد ورد في حديث إسلام أبي ذر الغفاري أنه قال: "ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، لقد ناقض اثنى عشر شاعرًا في الجاهلية، أنا أحدهم، وقد انطلق إلى مكة، وجاء أنيس إلى أبي ذر بخبر النبي ﷺ ، فقال أبو ذر: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر كاهن ساحر، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أوزان الشعر فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان أحد، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون". "د" إنَّ كبار المعارضين للنبي ﷺ خافوا على أنفسهم من أن يؤثر القرآن فيهم، واستحبّوا الكفر على الإيمان، واستحبّوا العمى على الهدى، ولذلك تفاهموا فيما بينهم ألَّا يسمعوا لهذا القرآن؛ لأنَّ الذين يسمعونه يتأثرون بما فيه من علوِّ بيان، وإنه فوق طاقة البشر، ووجدوا الناس يؤمنون به فرادى، ومنهم كبراء كانوا ذوي مقام وجبروت.

стр. 48

فوجدوا الإيمان يقوى ويكثر أهله، والشرك يضعف وينقص عدده، تفاهموا على ألَّا يسمعوا لهذا القرآن كما أشرنا، وأن يهرجوا بالقول عند سماعه، ولقد حكى الله عنهم ذلك، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] . "هـ" ولقد كانوا إذا تلي عليهم القرآن لا ينقده كبراؤهم، وإن كان السفهاء السفسافون منهم يتطاولون لحمقهم، أمَّا الذين أوتوا حظًّا من الإدراك، ولو أعمتهم العصبية وأبعدتهم عن الإيمان، فإنهم يفرون من مواجهة النبي ﷺ ويقولون: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] . "و" وإنَّ الله لم يتركهم في هذا العجز الصامت الذي يفرون فيه من المواجهة، ولا يريدون المناصبة، بل يكتفون بالسكوت العاجز، ويحاولون التمويه على غيرهم، كما كفروا في أنفسهم بالحق، وقد عرفوه، بل تحدَّاهم أن يأتوا بمثله؛ ليثير حميتهم أو يؤمنوا به. وليبين ضعفهم أو يستسلموا، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] أي: إنه إذا كان قد نسبه لله تعالى افتراء وهو منه، فمحمد منكمن فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، وادعوا شهداء لكم أو عليكم. وادعوا أن ما فيه غير صادق فتحدَّاهم أن يأتوا بمفترى يكون في مثل بيانه، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هد: ١٣] . ٣٠- وننتهي من ذلك إلى حقيقتين ثابتتين نشير إليهما بالإجمال، وسنتعرض ببعض التفصيل عند الكلام عن وجوه الإعجاز. الحقيقة الأولى: إنَّ قريشًا مع شدة ملاحاتها للنبي ﷺ ، ومع أن القرآن قد ذكر آباءهم بغير ما يحبون، وذكر أوثانهم بغير ما يؤمنون، لم يتحرَّكوا لأن يقولوا مثله، وأذعنوا لبلاغته وقوته، وما أسلم عمر بن الخطاب إلَّا بعد أن قرأ فيه، وكذلك جبير بن مطعم، وإنَّ القرأن تحداهم أن يأتوا بمثله فما فعلوا، بل ما تحرَّك العقلاء منهم لِأَنْ يفعلوا حتى لا يسفّوا في تفكيرهم وهم أمام رجل كبير في قومه وعقله، ومعه آيات الله تعالى البينات، فدل هذا على عجز مطلق. الحقيقة الثانية: إنَّ القرآن جذب العرب إلى الإيمان بما فيه من روعة وقوة بيان، وإيجاز معجز، وأقوال محكمة، وقصص تطول وتقصر، وهي مملوءة بالعبرة في طولها وقصرها، وإطنابها الرائع وإيجازها الذي لا يدع صغير ولا كبير إلا أوفاها بالعبارة الناصعة، والإشارة الواضحة، فما كان الإيمان نتيجة تحدٍّ للمقاويل منهم وعجز، وإن

стр. 49

كان العجز ثابتًا، وإنما كان الإيمان ثابتًا بالقرآن، فهو الذي جذب إلى الإيمان بما فيه من بيان أدركوا أنَّه فوق طاقة البشر، وأنَّه حقائق ثابتة كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وإنَّ الثابت مع ذلك أنه لم يحاول أحد من أهل البيان أن يأتي بمثله، ولم يعرف ذلك، وإذا كان التاريخ قد ذكر شيئًا من هذه المحاولة فإنه كان في أيام الردة من مسيلمة الكذاب وأشباهه، وإن هذا الجزء الذي رواه التاريخ الذي روى تلك الكلمات التي حاول بها مسليمة الكذاب أن يجاري فيها القرآن، بَيِّن مقدار إدراك المشركين؛ إذ لم يحاولوا المجاراة حتَّى لا يسفوا، ويكونوا أضحوكة بين العرب، وموضع سخرية، يسخرون بعقولهم، ولننقل لك ما نقله الباقلاني١ في إعجاز القرآن، ليتعجب وليتبصر الناظر، كما قال الباقلاني، فإنَّه على سخافته قد أضلّ، وعلى ركاكته قد أزل؛ لأنَّ الزلل سابق على سماعه، والكفر سابق على ابتداعه، وميدان الجهل واسع، والحماقة له أهل، وميدانها عندهم، ونحن إذا قلنا: إنَّ المشركين ضلوا، فهم في عقولهم كانوا أوسع إدراكًا، وإن جحدوا. انظر ما قال الجهول يحاكي القرآن: "والليل الأطقم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من أحرم"، لقد قال هذا لفضِّ خلاف وقع في قوم أصحابه: إنه ليس جديرًا بأن سمَّى كلامًا فضلًا عن أن يكون له فصاحة أو بلاغة، أو أي نوع من الإدراك البياني. وهو يقول في الحكم في هذا الخلاف أيضًا: "والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس". وكان يقول: "ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها". وقالت سجاح بنت الحارث بن عقبان، وكانت تتنبأ، فاجتمع مسيلمة معها، فقالت له: ما أوحي إليك؟ قال: أوحي إليَّ "إنَّ الله خلق النساء أفواجًا، وجعل ارجال لهن أزواجًا، فنولج فيهن فقسا إيلاجًا، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجًا، فينتجن سخالًا نتاجًا" فقالت: أشهد أنك نبي٢. ٣١- هذه تفاهات القول التي نقلت عن الذين حاولوا معارضة القرآن، وقد أسفوا في القول، وهبطوا في التفكير، مما لم يرد أن ينحدر إليه أرباب البيان من قريش،

стр. 50

لأنَّهم يعرفون مقام ما يسمعون من كلام رب العالمين، استطاعوا أن يجحدوا الحق وقد عرفوه، ولم يستطيعوا أن ينزلوا بمقامهم من الإدراك البياني فيفندوا بيانهم وذوقهم الكلامي، وإن ارتضوا أن يفسدوا عقائدهم، ويكابروا في دينهم، ويكذبوا رسالة ربهم. وقد يقول قائل: إنَّ التاريخ الإسلامي لم يروِ غير الذين صدقوا وآمنوا، فحذفوا ما كانت فيه معارضة للقرآن الكريم، وذلك كلام قيل من الأفاكين، ويرده أمران: أولهما: إنَّه ما كان يمكن أن يعمّ الإيمان، وثمَّة معارضون للقرآن في جَدٍّ لا لهو فيه، ولا عبث. ثانيهما: إنَّ أعداء الإسلام كانوا في كل زمان منذ ظهر محمد إلى أن قبضه الله تعالى، ودخل الناس في دين الله تعالى أفواجًا أفواجًا، فالزنادقة كانوا منبثين في مشارق الأراضي ومغاربها، لا يألون المسلمين وبالًا، وكانوا أعداء الإسلام في أوساط المسلمين وبين ظهرانيهم، فبثوا الأفكار المنحرفة، والأقوال الهادمة، والمذاهب المخربة، وأولئك ما كانوا ليستروا الكلام الذي عورض به القرآن؛ إذ يرون فيه هدم الأصل، وأقصى ما استطاع أولئك الزنادقة أن يفعلوه هو أن يدعوا أن عبد الله بن المقفّع١ اتجه إلى أن يكتب كتابًا يعارض به القرآن، وهو إن صحَّ كلامهم فيه يدل على أنه نوى ولم يفعل، ولو فعل لنظرنا إلى ما أتى به، وإننا نشك في أصل صحته، ولكنهم يريدون أن يثيروا الغبار، والغبار قد يغشى الأعين المريضة، وإن كان قد أراد هذا فهو دليل على حمقه، ويثبت زندقته التي اتهم بها، وإنَّه أشاع ذلك توهينًا، وإن علم أنَّ المحاولة فوق طاقة البشرة.

стр. 51

سر الإعجاز: ٣٢- عجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ثابت ثبوتًا لا مجال للريب فيه، لا يرتاب فيه مؤمن ولا يجحده، ولا يماري فيه إلّا من يهمل عقله، ويسقط من حساب المفكرين، فعلى ذلك تواترت الأخبار، واتفقت الأمصار، لا فرق بين عدو وولي. وإنَّه واضح من سياق الأخبار المتواترة أنَّ عجزهم اقترن بثلاثة أمور: أولها: إعجابهم بعلوِّه عن أن يصل إليه أحد من البشر، ولم يحاول أحد من عقلاء المشركين أن يسفّ فيحاول المحاكاة إلّا من اتصف بالحماقة، فكانت حماقته ضعفين، أحدهما في محاولته، وثانيهما في نتائج هذه المحاولة؛ إذ جاء بلغو من القول لا يحتسب في عداد الكلام، فضلًا أن يناهد أبلغ كلام أنزله الله تعالى في البشر. ولقد سببوا عجزهم بأنه يعلو ولا يعلى عليه، وأن له حلاوة، وعليه طلاوة، وأن أعلاه مثمر، وأسفله مغدق، وقد قال ذلك المغيرة في جمعهم، فما أنكروا عليه حكمه على القرآن الذي سمعه، ولكن أنكروا عليه أنه تحت تأثير هذا ترك جماعتهم، وكأنَّهم أقروه على الوصف الذي وصف به القرآن، ولكن أنكروا عليه الإيمان، وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم كما وصفهم القرآن الكريم. ثانيها: إنَّهم كانوا مع شكرهم واستكراه نفوسهم لعدم الإقرار به ينجذبون إليه، ويريدون أن يسمعوه؛ استطابة لما فيه من لفظ ذي نغم يجذب، وعبارات مشرقة ونظم منفرد أجمل من سمط الآلئ، ولأنهم عرفوا ميلهم إلى استماعه، وأثره في نفوسهم، تواصوا ألا يسمعوه، وأن يلغوا عند سماعه، ولكن الذين تواصلوا ذلك التواصي ذهب كل واحد منهم منفردًا، ولكن الاستخفاء استعلن عندما التقوا جميعًا، ورأوا أنفسهم مجتمعين، وليس كل منهم منفردًا، وقد علموا أن التواصي على عدم الاستماع لا جدوى فيه، فتواصوا على الجحود والإنكار، فلم يكن تواصيهم على الحق، ولكن كان على الباطل. ثالثها: إنَّ أشدهم عنادًا كان أقربهم إيمانًا، إذا قرئ القرآن صغى قلبه إلى الإيمان، وإلى الاستجابة لداعيه، فقد سمع أبو ذر الغفاري القرآن فآمن، وسمعه أخوه أنيس فأذعن لعلوِّ بلاغته عن مستوى البشر، وسمعه جبير بن مطعم فآمن، وقرأه عمر ابن الخطاب فانخلع قلبه من الشرك وطغيانه إلى الإيمان، وأن يكون فاروق الإسلام الذي كان إيمانه فارقًا بين الاستخفاء والإعلان، بين ظهور الحق وخفوته. إن هذه الأمور التي اقترنت بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله دلَّت على أمرين بدهيين. أولهما: إنَّ الأساس في عجزهم هو ما فيه من بلاغة ورنة قول، ونغمة بيان أدركوها بذوقهم البياني، وهم الذين يذوقون بأسماعهم، كما يذوق الإنسان الطعام بفمه، وأنه لم يكن عجزهم سلبيًّا، بل كان من كثيرين منهم إيجابيًّا يتبعه العمل ويقترن بالإيمان بأنه من عند الله تعالى، أي: أن وجه الإعجاز فيه أمر ذاتي فيه، وليس منعًا سلبيًّا. الأمر الثاني: الذي تدل عليه هذه الأمور التي اقترنت بالعجز عن محاكاته، هو أن القرآن من بيانه العالي الذي لا يعالى، فيه من العلوم ما لم يكونوا يعرفونه، فيه الشرائع المحكمة التي تنظم العلاقات بين الآحاد الأقربين وغيرهم، فيه علم الميراث، وفيه علم الأحكام المختصة بالأسر، وفيه بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيه توجيه النظر إلى الكون، وما يشتمل عليه، وفيه من الحقائق ما لا يعلمه إلا اللطيف الخبير، الذي خلق فسوى، والذي أحاط بكل شيء علمًا. وفيه القصص والعبرة، وما كانوا يعلمون شيئًا من ذلك من قبله، فيه قصة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وقصة بناء الكعبة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ، وفيه أنباء البلاد العربية التي تعلن آثار الأقوام عمَّا أنزله الله تعالى بهم، وفيه قصة موسى ﵇، وفيه قصة مريم، وترتيبها، وكيف اختصموا في كفالتها، وكيف يستخدمون القرعة بالسهام لتكون كفالتها لمن تكون السهام له: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] . قرءوا ذلك وسمعوه، فكان العجز لهذه الأمور الذاتية، لا لأمور أخرى ليست من القرآن.

стр. 52

الصرفة وبطلانها: ٣٣- عرف العرب أنهم عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن، وعلَّلوا عجزهم بما استرعاهم ما فيه من حلاوة اللفظ، وطلاوة المعنى والتركيب، وعمق ما اشتمل حتى إنه مغدق في جذوره، كلما تكشَّف القارئ عن عمقه رأى ما لا يصل إليه البشر، وكلما اتجه إلى أعلاه وجد ثمرًا شهيًّا. هذا أمر ظاهر، ولكن الفلسفة التي تسيطر على عقول بعض الناس، ولا تكون فيها ثمرة ناضجة، قد يتجهون بها إلى كل ما يرونه بديئًا في التفكير، سواء أكان متصلًا بالحق المجرَّد أم لم يكن متصلًا، وسواء أكان متفقًا مع الإيمان والواقع أم لم يكن، بل إنَّ المتفلسفين ربما اتَّجهوا إلى الفكرة لا لأصالتها، ولكن لغرابتها، ولا لأنها لا بُدَّ منها لتحقيق الحق وإبطال الباطل، ولكن للترف العقلي، لا يفرقون بين أمر يتصل بالإيمان وأمر لا صلة له بالإيمان. وإنَّ بعض المتفلسفين من علماء المسلمين اطَّلعوا على أقوال البراهمة في كتابهم "الفيدا" وهو الذي يشتمل على مجموعة من الأشعار، ليس في كلام الناس ما يماثلها في زعمهم، ويقول جمهور علمائهم: إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها؛ لأنَّ براهما صرفهم عن أن يأتوا بمثلها. يقول في ذلك أبو الريحان١ البيروني في كتابه "ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" ما نصه: "إن خاصتهم يقولون: إنَّ في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون من ذلك احترامًا لها".

стр. 53

ولم يبين البيروني وجه المنع، أهو منع تكليفي يسبقه الإيمان بهذه الكتب، وتكون دلائل وجوب الإيمان من نواحٍ أخرى، أم هو منع تكويني، بمعنى: إنَّ براهما صرفهم بمقتضى التكوين عن أن يأتوا بمثلها، والأخير هو الظاهر؛ لأنه هو الذي يتفق مع قول جمهور علمائهم، وما اشتهروا من أنَّ القول بالصرفة نبع في واديهم. ٣٤- وعندما دخلت الأفكار الهندية في عهد أبي جعفر١ المنصور، من والاه من حكام بني العباس، تلقَّف الذين يحبون كل وافد من الأفكار، ويركنون إلى الاستغراب في أقوالهم، فدفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا ذلك القول، ويطبقوه على القرآن، وإن كان لا ينطبق، فقال قائلهم: إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه، بل كان لأن الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله. وإنَّ رواج تلك الفكرة يؤدي إلى أمرين: أولهما: إنَّ القرآن الكريم ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع محاكاته، وتعجز القدرة البشرية عن أن تأتي بمثله، فالعجز ليس من صفات القرآن الذاتية. وثانيهما: الحكم بأنه ككلام الناس لا يزيد عليه شيء في بلاغته، أو في معانيه. وإن مذهب الصرفة قد وجد من يقوله من علماء الفلسفة الكلامية وغيرها، بل وجد من يقوله من بين الذين أنكروا الرأي في الفقه، وهو مع جموده في الفقه، من أبلغ الكتاب والشعراء. ولنترك الكلمة للباقلاني المتوفَّى سنة ٤٠٣هـ في كتابه "إعجاز القرآن"، قال -رضى الله ﵎ عنه: "فإن قيل: فلم زعمتم أنّ البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات وتصرُّفهم في أجناس الفصاحات، وهلَّا قلتم: إنَّ من قدر على جميع هذه الوجوه بوجه من هذه الطرق الغريبة كان على مثل نظم القرآن قادرًا، وإنما يصرفه عنه ضرب من الصرف، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضرب من المنع، أو تقصر دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه ليتكامل ما أراده الله تعالى من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة؛ لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين لم يعجز عن نظم مثلهما، وإذا قدر على ذلك على ضمّ الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر الآية والسورة"٢.

стр. 54

ونرى من هذا أنَّ القائلين بهذا القول يشككون في مرتبة القرآن وكونه من عند الله تعالى من غير أن يقدموا دليلًا، بل إنَّ القصد الذي يبدو من لحن القول والدعوى هو التشكيك المجرَّد في علوِّ البلاغة القرآنية، ومن وراء ذلك التشكيك ما يريدون من توهين ثم دعاوي بأنه من صنع محمد ﷺ ، وهكذا يسير الخط من الاحتمالات تنافي الواقع إلى توهين لأمر القرآن، إلى ادِّعاء أنه ليس من عند الله. ٣٥- وإن القول بالصرفة نبت أول ما نبت من رواق الفلسفة الكلامية، قاله شيخ من شويخهم، وهو إبراهيم بن يسار الشهير بالنظَّام، المتوفَّى سنة ٢٢٤هـ، فهو أول من جاهر به، وأعلنه ودعا إليه، ولاحى عنه كأنَّه مسألة من مسائل علم الكلام، ونقول: إنَّه أوَّل من جهر به ولا نقول أنه أول من فكر فيه، أو أول من ابتدأ القول به؛ لأنَّ الأفكار لا يعرف ابتداؤعها، وهي تتكون في خلاياها، بل لا تعرف إلا بعد أن تظهر، ويجاهر بها. جاهر بها، وكان ذا فصح وبيان وحجة وبرهان، وإن لم يكن مستقيم الفكر، بل إنه يظن الظن فيحسبه يقينًا، ثم يبني عليه ويقايس، ويصحح القياس والتنظير بين الأشياء، بينما الأصل ذاته يحتاج إلى قياس صحيح. ولقد نقده تلميذه الجاحظ المتوفّى سنة ٢٥٥هـ، الذي كان معجبًا بشخصه، غير آخذ برأيه، وقال فيه ذاكرًا عيبه: "إنما عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنه وجودة قياسه على العارف والخاطر، والسابق الذي لا يوثق بمثله، فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه، كان أمره على الخلاف، ولكنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه، وينسى أن بدء أمره كان ظنًّا، فإذا أتقن ذلك وأيقن جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه، ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت، وكأن كلامه خرج مخرج الشهادة القاطعة، فلم يشك السامع أنه إنما حكاه عن سماع قد امتحنه، أو عن معاينة قد بهرته". لم يوافق التلميذ أستاذه، لم يوافق الجاحظ شيخ الكتاب المسلمين وأكبر ناقد بين الناقدين شيخه، وإذا كان إبراهيم بن يسار قد اشتهر بالبيان وسرعة الجواب ولسن القول، فقد اشتهر الجاحظ بأنه ذواق الكلام وصيرفي البيان، فإن خالف من يتسرع في الخبر، ويبني عليه، فهي مخالفة الخبير العارف بتصريف القول، وأفانين التعبير والتفكير. ولم يكن رد الجاحظ على شيخه رد المجادل المحاور، ولكنه كان بالعمل، فقد كان أول من كتب في إعجاز القرآن من الناحية البيانية؛ ليكون الرد على الصرفة ببيان الإعجاز الذاتي.

стр. 55

ولقد أشار إلى رد الجاحظ الذين كتبوا في الإعجاز ومنهم الباقلاني، وممن نسب إليه القول بالصرفة الشريف المرتضى من الشيعة، وفسر الصرفة بأن الله تعالى سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في معارضة القرآن والإتيان بمثله. ومؤدى كلامه أنهم أوتوا المقدرة على المعارضة بما كانوا عليه من بيان وبلاغة وفصاحة، فهم قادرون على النظم والعبارات، ولكن ليست عندهم المقدرة بسبب أنَّهم لم يعطوا العلم الذي يستطيعون به محاكاة القرآن في معناه. وإنَّ هذا القول ينافيه أن الله طالب بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وأعفاهم من أن يكون كلامهم مشتملًا على ما في القرآن من علم، واقتصر على التحدي بالنظم والعبارة واللفظ. فهذا القول نوع من الصرفة، ونفي للإعجاز الذاتي، ويختلف مع ما اشتمل عليه القرآن. وممن قالوا بالصرفة الفقيه البليغ العنيف المتشدد ابن حزم١ الأندلسي، فقد قال في كتاب الفصل في سبب الإعجاز: "لم يقل أحد أنَّ كلام غير الله تعالى معجز، لكن لمَّا قاله الله تعالى، وجعله كلامًا له، أصاره معجزًا، ومنع من مماثلته" ثم قال: وهذا برهان كان لا يحتاج إلى غيره. وإن ذلك الكلام يبدو بادئ الرأي غريبًا من ابن حزم، ولكن المتأمل فيه يجده سائر على مذهبه في نفي الرأي، والحكم بظاهر القول من غير تعليل، فالاتجاه إلى تعليل الإعجاز بأنَّ السبب فيه بلاغته التي علت عن طاقة العرب، والتي جعلتهم يخرون صاغرين بين يديه من غير مراء ولا جدال يُعَدّ تعليلًا، وهو من باب الرأي الذي ينفيه، والتعليل الذي يجافيه، فلا بُدَّ أن يبحث عن سبب غير ما ذكر الله تعالى. ٣٦- وإننا نرى أنه بعد كلام النظام صارت فكرة الإعجاز بالصرفة مجال اختلاف بين العلماء ما بين مقرر لها ومستنكر، وقد آن لنا أن نبين بطلان هذه الفكرة من أساسها، وإنَّ دلائل البطلان قائمة ثابتة مأخوذة من الوقائع التاريخية والموازنات الحقيقية الثابتة. "أ" منها: ما ذكرنا من قبل أنَّ العرب عندما تلقَّوا القرآن راعهم بيانه، وأثار إعجابهم أسلوبه وعباراته، وقالوا: ما رأينا مثله شعرًا ولا نثرًا، فكان العجز لذاته، لا لشيء خارج عنه، وما لنا نفترض ما لم يقولوا وما لم يفعلوا، وما لم يقدروا، إلّا أن يكون ذلك تمويهًا وإنكارًا للواقع المستقر، بفرض وهمي.

стр. 56

"ب" وأيضًا فإنه لو كان العجز لأمر خارجي لا لأمر ذاتي فيه، بأن تكون عندهم القدرة على أن يأتوا بمثله ولكن صرفوا، فإنَّ ذلك يقتضي أن يثبت أولًا أنهم قادرون على مثله، وهم أولًا قد نفوا ذلك عن قدرتهم، وليس لنا أن نفرض لهم قدرة قد نفوها عن أنفسهم، لو كانوا قادرين لكان من كلامهم قبل نزول القرآن عليهم ما يكون متماثلًا في نسقه ونسجه، وله مثل رنينه وصوره البيانية في شعر أو نثر، ولكن المتتبع للمأثورات العربية في الجاهلية والإسلام لا يجد فيها ما يقارب القرآن في ألفاظه أو معانيه أو صورة البيانية. ولذا لجأ الباقلاني١ في كتابه "إعجاز القرآن" إلى الموازنة بين القرآن وبين المعروف من أبلغ الكلام في الجاهلية، ويقول في ذلك: "ولو كانوا صرفوا على ما ادَّعاه لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عمَّا كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة، وحسن النظم، وعجيب التأليف؛ لأنَّهم لم يتحدوا به، ولم تلزمهم حجته، فإذا لم يوجد في كلام قبله مثله علم أن ما ادَّعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان". "ج" وإننا لو قلنا: إنَّ الذي منع العرب من الإتيان بمثله هو الصرفة ما كان القرآن هو المعجز، وإنما يكون العجز منهم، ولم يكونوا عاجزين، وإنما يكونون قد أعجزهم الله، ولم يعجزهم القرآن ذاته، وقد كان القرآن هو معجزة النبي ﷺ ، والقول بالصرفة ينفي عنه خواص الإعجاز. وإنَّ معجزات النبيين السابقين ما كان في طاقة الناس أن يأتوا بمثلها في ذاتها، ولم يكن بصرف الناس أن يأتوا بمثلها، فمعجزة العصا، وتسع الآيات التي لموسى ﵇ ما كان العجز من الناس بالصرف، ولكن بالعجز الحقيقي، فلماذا لا تكون معجزة النبي ﷺ كسائر المعجزات، وهي أجَلّ وأعظم. "د" وإنَّ الله تعالى قد وصف القرآن بأوصاف ذاتية تجعله في منزلة لا تصل إليها معجزات أخرى، فكانت هذه توجب أن يكون إعجازه ذاتيًّا، ولقد قال تعالت كلماته: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] . ويقول جلَّ من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] . وإذا كان القرآن بهذه الأوصاف التي وصفه بها منزله ، أفيقال بعد ذلك أنَّ الناس يستطيعون أن يأتوا بمثله؟ اللهمَّ إن ذلك بهتان عظيم.

стр. 57

"هـ" وإن مثل الذين يقولون: إنَّ إعجاز القرآن بالصرفة، كمثل الذين قالوا: إن القرآن سحر يؤثر. وقد أثبت ذلك الرافعي في كتابه إعجاز القرآن، فقال: "وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب: إن هذا إلا سحر يؤثر، وهذا زعم رده الله تعالى على أهله، وأكذبهم فيه، وجعل القول فيها ضربًا من العمى ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] . وإنَّ التشابه بين القول بأنه سحر أنَّ الامتناع عن المماثلة في كليهما من خارج الشيء لا من ذاته، فالقول بالصرفة يفيد أنَّ العرب لم يكونوا عاجزين، ولكن حيل بينهم وبين العمل على المماثلة، وكذلك الأمر في السحر يشدهم، حتى يعجزوا. ولقد سبق أنْ علَّلَ المشركون عجزهم بعد التفكير والتقدير بأنه سحر يؤثر. قال -تعالت كلماته- في شأن الوليد بن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١١-٢٥] . هذا ما وصل إليه الوليد بن المغيرة بعد أن قدَّر ودبَّر في ملأ من قومه، يجيء كاتب متفلسف فيأتي بهذا القول من غير تقدير ولا تدبير. ٣٧- ومهما يكن من بطلان هذه الفكرة، فقد أدَّت إلى إنشاء علوم البلاغة في ظل القرآن، فاتَّجَه الكاتبون إلى بيان أسرار البلاغة في هذا الكتاب المبين، المنزَّل من عند الله الحكيم، قرآنًا عربيًّا، فكان هذا الباطل سببًا في خير كثير، وكما يقول المثل السائر "ربَّ ضارة نافعة"، فقد تولَّد عن هذا الباطل دفاع حكيم، ولدت منه علوم البلاغة العربية، وكما تولَّد عن الخطأ في تلاوة آية "علم النحو" تولدت علوم البلاغة العربية. وإن أكثر ما كتب الأولون في البلاغة والفصاحة كان في ظل القرآن، ومحاولة لبيان إعجازه. وإنَّ أول ما كتب في إعجاز القرآن من ناحية البيان كان في الوقت الذي جاء فيه القول بالصرفة، بين نفي وإثبات كما أشرنا، وأول من عرف أنه تصدى للكلام في الإعجاز في نظم القرآن هو الجاحظ تلميذ النظَّم، الذي أنكر عليه قوله، وعابه في منهاجه الفكري من أنَّه يظن الظن، ثم يجعله أصلًا يجري عليه القياس مصححًا لقياسه.

стр. 58

بالمنطق، والعيب في أصل القول الذي بنى عليه، لا في الأقيسة التي أجرى بها مشابهاته، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. وقد كتب في ذلك كتابه النظم، وقد عابه الباقلاني؛ ليدفع بذلك التسليم له بالسبق، ولأنه معتزلي، ولكن الجاحظ في كتابات له كثيرة غير كتابه النظم، كان يذكر مواضع من إعجاز القرآن في آيات يتعرّض للقول فيها، ليبيِّن مقامها من البيان، فهو في كتاب "الحيوان" يذكر أنه جمع آيات من القرآن يعرف مقامها في البيان، فهو يقول: "ولي كتاب جمعت فيه آيات من القرآن ليعرف بها ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة، والألفاظ القليلة، فمنها قوله تعالى حين وصف خمر أهل الجنة ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُون﴾ [الواقعة: ١٩] وهاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل المدينة، وقوله حين ذكر فاكهة أهل الجنة: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَة﴾ [الواقعة: ٣٣] ، جمع بهاتين الكلمتنين جميع تلك المعاني. وهذا الكتاب الذي أشار إليه لم يكشف في التراث الإسلامي، ولكنه يدل على أن الجاحظ كان يتعرَّض لأسرار الإعجاز، كلما لمح بريق الإعجاز في آياته. ولكن التعصُّب المذهبي يستهين بكلام الجاحظ في إعجاز القرآن، بل إنه يتحامل عليه في كتابته كلها، فيقول في ذلك الباقلاني الأشعري عن الجاحظ أحد شيوخ المعتزلة: "كذلك يزعم زاعمون أنَّ كلام الجاحظ من السمت الذي لا يؤخذ فيه، والباب الذي لا يذهب عنه، وأنت تجد قومًا يرون كلامه قريبًا، ومنهاجه معيبًا، ونطاق قوله ضيقًا، حتى يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت سائر أو مثل نادر، وحكمة ممهدة منقولة، وقصة عجيبة مأثورة، وأما كلامه في أثناء ذلك فسطور قليلة وألفاظ يسيرة.. فإذا أردت أن تحقق ذلك فانظر في كتبه في نظم القرآن، وفي الردِّ على النصارى، وفي خبر الواحد، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى"١. ولقد جاء من بعد نظم القرآن للجاحظ الذي كان ردًّا عمليًّا على كلام النظَّام الذي أدخله من الهند، وهو مذهب الصرفة، جاء بعده أول كلام واجه الصرفة في إعجاز القرآن، وهو كتاب "إعجاز القرآن" لأبي عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتوفَّى سنة ٣٠٦ هجرية، أي: بعد موت الجاحظ بنحو ستين سنة، وهو صورة المجاوبة التي كانت دفعًا لمذهب الصرفة الذي بلبل الأفكار، وكان بين ممانعة من الأكثرين، ومجاوبة من القلة، حتى صارت نادرة، وحتى طواه التاريخ وهو في هذا قد طرق باب البلاغة طرقًا.

стр. 59

قويًّا، وأصل الأصول المشتقة من كلام العرب، ونظمها وطبقها على القرآن، وثبت في التطبيق أنه أعلاها. وهذا الكتاب يعدُّ أصلًا بنى عليه، فقد شرحه عبد القاهر الجرجاني المتوفَّى سنة ٤٧١هـ شرحًا مطولًا، وأودع ذلك الشرح كتابًا سمَّاه "المعتضد"، وله شرح آخر أصغر منه. وهكذا كل كاتب يقيم بناء يكمله من يجيء بعده، فالواسطي أكمل البناء الذي وضعه الجاحظ، أو بنى عليه، وترك لغيره أن يكمل البناء. وجاء عبد القاهر الجرجاني فبنى على ما وضع الواسطي، وكان كتابه دلائل الإعجاز قد أوفى على ما وضع الجاحظ والواسطي. وفي الزمن الذي سار فيه الجاحظ والواسطي من بعده، والجرجاني من بعدهما، وانتهى إلى تلك الثورة المثرية في باب الإعجاز البلاغي للقرآن، كانت هناك محاولة أخرى، في طريق مواز لذلك الطريق. فقد وضع أبو عيسى الروماني المتوفَّى في سنة ٣٨٢هـ كتابه في الإعجاز، فوضع بناء ثالثًا، غير بناء الجاحظ والواسطي، ثم جاء الباقلاني المتوفَّى سنة ٤٠٣هـ فوضع كتابه "إعجاز القرآن"، ويلاحظ أنَّ تاريخه سابق على "دلائل الإعجاز"، وأحسب أنَّ من الحق علينا أن نقول: إنَّ "دلائل الإعجاز" لم يبنَ على الوساطي فقط، بل إنَّه أخذ من كل الينابيع التي سبقته، وإنَّ القارئ له يجد فيه كل مزايا من سبقه، وفيه زيادة جديرة بالأخذ، بل أساس لعلوم البلاغة كلها مستقاة من القرآن، وموضِّحة لأوجه البلاغة فيه أولًا، وعلوِّه على كل كلام ثانيًا، ثم فيه وضع مقاييس ضابطة لكل كلام بليغ ثالثًا. فكتاب الباقلاني قد تعرَّض للإعجاز بالمواجهة ابتداءً، ولم يسبق علم البلاغة ابتداء، ثم يتعرَّض للإعجاز انتهاءً، ولكنَّه جعل الأصل في الكلام الإعجاز، ثم البلاغة تابعة له تبعية الدليل للمدلول، والبرهان للدعوى، والمقدمة للنتيجة. ويلاحظ على هذا الكتاب أنَّه لم يشر إلى ما سبقه إلّا الجاحظ، فقد أشار إليه إشارة لا تكريم فيها، ولكن فيها استهجان واستصغار لما كتبه، ولم يشر أي إشارة إلى ما كتبه الواسطي، وما كتبه الرماني، وقد سبقاه، وكان ثانيهما على مقربة من زمانه، مع أنه أخذ من الرماني قطعًا ولم يذكر اسمه. ومهما يكن الأمر بالنسبة لمن سبقوه في القول، وإهمال ذكرهم، فهو الكتاب الذي اختصَّ بأن يكون في الإعجاز ابتداءً كما أشرنا، وقد وفَّى فيه بأمهات المسائل. ويقول فيه الرافعي المتوفَّى سنة ١٩٣٧م في كتابه إعجاز القرآن: "على أن كتاب الباقلاني، وإن كان فيه الجيد الكثير، وكان الرجل قد هذَّبه وصفاه، وتصنَّع له، إلّا أنه

стр. 60

لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش وجهًا من التأفف لم يرضه من سواه، وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ، لم يكشف عمَّا يلتبس في أكثر من هذا. وقد حشد إليه أمثله من كل قبيل من النظم والنثر، ذهبت بأكثره، وغمرت جملته، وعدها في محاسنه، وهي من عيوبه، ثم يقول: "وكان الباقلاني ﵀ وأثابه- واسع الحيلة في العبارة، مبسوط اللسان إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ، ومذهب مقلده، على بعد وتمكن، وحسن تصرف، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضِعَ له؛ لما فيه من الإغراق في الحشد، والمبالغة في الاستعانة؛ والاستراحة إلى النقل". والرافعي بهذا ينقد الباقلاني، ويصفه بمثل ما وصف هو به الجاحظ. ومن حق العلم على العالم ألَّا ينتقص غيره، وأن يعرف اللاحق أنه متمم لما بدأ السابق؛ غير ناكر لفضل، ولا باخس لحظ. وهكذا في عصر الباقلاني ومن بعده، حتى كان آخرها تأليفًا من حيث القيمة العلمية والدرجة البيانية كتاب "إعجاز القرآن" للرافعي -رحمه الله تعالى وأثابه وجزاه عن الإسلام خيرًا.

стр. 61

وجوه الإعجاز: ٣٨- نقصد بوجوه الإعجاز الأمور التي اشتمل عليها القرآن، وهي تدل على أنه من عند الله، وما كان في استطاعة أحد أن يأتي بمثله، وما كان في استطاعة الجن والإنس أن يأتوا بمثله، ولنَتَّجِه إلى أقوال العلماء في هذه الوجوه؛ ثم نتجه بعد ذلك إلى بيان ما نقصد إلى بيانه من بحثنا هذا الذي نضرع إلى الله أن يمن علينا بالتوفيق فيه كما منَّ علينا من قبل، فنحن نعيش فيما نكتب، ونبحث تحت فيض الله تعالى وتوفيقه، ولولا توفيقه ما وصلنا إلى شيء. يعد صاحب الشفاء أوجه الإعجاز في القرآن فيحصرها في أربعة: أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته وبلاغته الخارقة لما عند العرب. وثانيها: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، وووفقته عند مقاطع آية، وانتهاء فواصل كلماته، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة منه. وثالثها: ما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع، فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ، وكقوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى

стр. 62

الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢-٤] إلى آخر ذلك من الأمور المغيبة التي أخبر القرآن عنها قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر. ورابعها: ما أخبر به من أخبار القرون والأمم البائدة، والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي ﷺ على وجهه، ويأتي به على نصه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، وأنَّ مثله ﵊ لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه -صلى الله تعالى عليه وسلم- أمي لا يقرأ ولا اشتغل بمدارسة. هذا ما ذكره القاضي عياض المتوفَّى سنة ٥٤٤ هـ في وجوه الإعجاز، ونجد الأمرين الأوَّلين يتعلقان بالناحية البيانية في القرآن، وإن كان أولهما يتعلق بتأليف كلماته وتناسقها، مع فصاحتها وسلامتها وخلوها من الحوش، والثاني بصورة النظم، ومع تخالف حقيقتها نجد منهما ينتهي إلى الناحية البيانية. أمَّا الأمران الآخران فإنهما يتعلقان بصدق الأخبار التي اشتمل عليها القرآن الكريم، بيد أنَّ الأول يتعلق بالإخبار عن الغيب في المستقبل الذي لا يعلمه إلَّا الله تعالى، والثاني يتعلق بالإخبار عن الماضي. ٣٩- وذكر القرطبي سنة ٦٨٤ هـ في تفسيره أن أوجه إعجاز القرآن عشرة: ١- منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وغيرهم؛ لأن نظمه ليس في نظم الشعر في شيء، ولذلك قال رب العزة: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] . ٢- ومنها: الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب. ٣- ومنها: الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال من الأحوال، وتأمل ذلك في سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ... إلى آخرها [ق: ١] . وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] إلى آخر السورة وقد ضرب على ذلك الأمثلة الكثيرة. وهذه الأمور الثلاثة كما نقل القرطبي عن ابن الحصّار من النظم والجزالة لازمة في كل سورةٍ بعيدة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز. ٤- ومنها: التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منها للاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وكل حرف في موضع -باعتبار أنَّ القرآن الكريم فيه الكلمات من لهجات العرب، أو لغاتهم.

стр. 63

٥- ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله على أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، فجاءهم وهو الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وليس له بذلك علم بما عرفوا من الكتاب السالفة صحته، قال القاضي ابن الطيب١: ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه لا عن العلم، وإذا كان معروفًا أنَّه لم يكن ملابسًا لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولا مترددًا إلى المتعلم منهم، وما كان ممن يقرأ، فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، عُلِمَ أنه لا يصل إلى علم ذلك إلَّا بتأييد من جهة الوحي. ٦- ومنها: الوفاء بالوعد المدرك بالحسِّ في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم: إلى أخباره المطلقة؛ كوعد الله بنصر رسول الله ﷺ ، وإخراج الذين أخرجوا، والقسم الثاني: وعد مقيد بشرط؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . ٧- ومنها: الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطَّلِع عليها إلّا بالوحي، فمن ذلك ما وعد الله به نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على كل الأديان، بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ففعل ذلك. ٨- ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام الأنام في الحلال والحرام وسائر الأحكام. ٩- ومنها: الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي. ١٠- ومنها: التناسب في جميع ما تضمَّنته ظاهرًا وباطنًا من غير اختلاف، قال الله تعالى: ﴿ولَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . وبعد أن ذكر القرطبي هذه العشرة قال: "قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا -رحمة الله تعالى عليهم، ووجه حادي عشر قاله النظَّام وبعض القدرية: أنَّ وجه الإعجاز هو المنع من معارضته والصرف عند التحدي بمثله، وأنَّ المنع والصرفة هو المعجزة، دون ذات القرآن، ذلك أن الله تعالى صرف هممهم عن معارضته، مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله، وهذا فاسد؛ لأنَّ الإجماع قبل حدوث المخالف أنَّ القرآن هو المعجز، فل قلنا أن المنع والصرفة هو

стр. 64

المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزًا، وذلك خلاف الإجماع، وإذا كان كذلك عُلِمَ أن نفس القرآن هو المعجز، وإن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة؛ إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه، فلمَّا لم يكن كذلك مألوفًا معتادًا منهم دلَّ على أن المنع والصرفة لم يكن معجزًا". ٤٠- ومن هذا نرى أنَّ القرطبي قد أتى بوجوه كثيرة عدَّها من إعجاز القرآن، وقد ذكر عشرة، وإنَّه لكي يكون استقراؤه كاملًا لا نقص فيه أتى بالصرفة، وعدها وجهًا من الوجوه عند بعضهم، وقد ردَّدْناها كما ردَّها هو، وانتهى إلى أنَّ إعجاز القرآن ذاتي وليس من أمر خارج، وأقمنا كما أقام الدليل على ذلك، مما لا يجعل موضعًا لهذا القول، وبيَّنَّا مصدرها الهندي، وأنها فكرة دخيلة على المسلمين، والحقائق تخالفها، والوقائع تجافيها. ولكن يجب أن يلاحظ فيما أحصاه القرطبي والقاضي عياض أمران: ١- أولهما: إنَّ الأقسام التي ذكراها يتداخل بعضها في بعض، أو أنهما جعلا ما يتعلق بالنظم جزءًا منه خاصًّا بفصاحة القول، وجزءًا يتعلق بالنظم، وجزءًا يتعلق بالأسلوب، وجزءًا يتعلق بالجزالة، وجزءًا يتعلق بالتصرف في القول، وكل ذلك يتعلق بالمنهج البياني القرآني، وهذه الكلمة تجمع تلك الأقسام كلها، فلا تخرج من عمومها خارجة. والأمر الثاني: إنَّ بعض هذه الوجوه تحدَّى بها القرآن الكريم، فقد تحداهم الله تعالى أن يأتوا بمثله ولو عشر سورة مفتريات، والوجوه الأخرى لم يتحدَّ بها القرآن الكريم، وإن كانت من عند الله تعالى العليم الحكيم، مثل: إخباره عن أمور مغيبة في المستقبل، ثم وقوعها كما أخبر الله في كتابه. وإخباره عن الأمم السابقة، وإخباره عن شأن عبد الله الصالح مع موسى نبي الله تعالى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، ومثل قصة أهل الكهف، وذي القرنين، فذكر هذا في القرآن الذي نزل على أميٍّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجلس إلى معلم، دليل على أنَّه من عند الله . ومن هذه الأحكام الشرعية التي اشتمل عليها القرآن، فإنَّها لا يمكن أن تكون من عند محمد ﷺ ، بل هي من عند الله. وقد كتبنا في هذه عدة بحوث في إحدى المجلات١ الإسلامية، بعنوان "شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله" جمعتها إحدى الهيئات الإسلامية في رسالة،

стр. 65

ونشرتها، وترجمتها إلى الفرنسية والإنجليزية، وقد أقمنا الدليل على أن تلك الشريعة المحكمة لا يمكن أن يأتي بها أميّ لا يقرأ ولا يكتب، وقد نشأ في بلد أمي ليس به مدرسة ولا مكتب دراسة، وهي في إحكامها لا يمكن أن تكون إلَّا من عند الله تعالى. وكتبنا بحثًا وازنَّا فيه بين شريعة القرآن وقانون الرومان في الملكية بالخلافة، وذكرنا أنَّ قانون الرومان قد تكوَّن في نحو ثلاثة عشر قرنًا، ومع ذلك هو في الملكية بالخلافة لا يوزان بشريعة القرآن، إلَّا إذا وازنَّا بين عصا هشة وسيف بتار، فلا يمكن أن يأتي به محمد من عنده، بل هو من عند الله تعالى. والأوربيون القانونيون يرون في قانون الميراث في القرآن أنَّ العقل البشري لم يصل إلى الآن إلى خير منه، ونحن لهذا نقرر أن ما ذكره القرطبي غير الصرفة يدل على أن القرآن كله جملة وتفصيلًا هو من عند الله العليم الخبير. ولكن نرى أنَّ الله تعالى تحدَّى العرب أن يأتوا بمثله ولو مفترى، فكان التحدي للعرب ابتداءً بالمنهج البياني للقرآن، وهو الذي استرعى ألبابهم، ولعله لم تكن بلغت مداركهم العقلية والقانونية أن يعرفوا مدى ما في أحكام القرآن من تنظيم سليم للمجتمع، فيه المصلحة الإنسانية العالية التي تعلو على تفكير البشر، وإن كان فيهم ذوق بياني يذوقون به الألفاظ الفخمة القوية في رنينها، المصورة للمعاني في أحوالها الصوتية، وتَكَوُّن حروفها، ومرامي عباراتها، ويدركون في ذلك المعنى السليم من غير إجهاد، فيدركون ما هو جيد المعنى في ذاته من غير أن يتعرَّفوا فلسفة قانونية أو عقلية أو كونية، وفي القرآن ما يرضهيم ويملأ نفوسهم، ويعجزون عن أن يأتوا بمثله. وإن لقرآن فيه الشريعة الباقية الخالدة، وهو يخاطب الأجيال كلها، والأجناس كلها العرب والعجم، والبيض والسود، والأحمر والأصفر، فليس ما فيه من الإعجاز خاصًّا بالعرب، وإنما إعجازه يعمّ الجنس البشري كله؛ لأنه يخاطب الجميع، ويطالب الناس قاطبة بأحكامه، وفيه البينات المثبتة لكل جنس. وعلى ذلك نقسم وجوه الإعجاز التي اشتمل عليها القرآن إلى قسمين: أولهما: ما يتعلق بالمنهاج البياني؛ وهذا النوع من الإعجاز أول من يخاطب به العرب، لما ذكرنا في صدر كلامنا من أنه جاء بلغتهم، ولأنهم كانوا بمقتضى بداوتهم مع استقامة تفكيرهم، ومع وجود نبوات سابقة فيهم، أبقت بعض العلم، وبمقتضى ثقافتهم اللسانية وعنايتهم بلغتهم كانوا أكثرم الناس إدراكًا لمعنى الإعجاز في القرآن من ناحية بيانه ونغمه وجزالته، وكذلك كان الأمر منهم، وكانوا هم المخاطبين أولًا به، وبعجزهم قام البرهان الأول. القسم الثاني: الإعجاز بما اشتمل عليه من ذكر لأخبار السابقين، ولأخبار مستقبلة، وقعت كما ذكر، واشتماله على علوم كونية وحقائق لم تكن معروفة في عصر محمد ﷺ ، وقد أتى بها القرآن، وتقرَّرت حقائقها من بعد، وكذلك ما اشتمل عليه من شرائع أثبت الوجود الإنساني أنَّها أصلح من غيرها، وأنها وحدها العادلة، وأنَّ هذا النوع معجزة للأجيال كلها، وهو يحتاج في بيانه إلى مجلدات ضخام، ولذلك نتَّجِه ابتداء إلى القسم الخاص بالبلاغة، وهو الأول.

стр. 66

الإعجاز البلاغي: ٤١- أخذنا أولًا من أسباب الإعجاز ذلك السبب؛ لأنه الواضح بالنسبة للعرب، لأنه هو الذي شدَّه به العرب عند أول نزوله فحيَّرهم، وهم المدركون لأساليبه العارفون لمنهاجه، الذين يذوقون القول بأسماعهم ويدركونه بعقولهم، ويعرفون مواضع الكمال، ومواضع النقص في كل ما يسمعون من شعر، حتى إنَّهم يتجهون إلى مواضع الحسن، والمآخذ التي تؤخذ بلقانة فطروا عليها، ولباقة عرفوا بها. ولنسق لك مثلًا من نقدهم، فلقد عرض بيتان في سوق عكاظ على الخنساء لحسان بن ثابت ﵄، فلمحت بقوة الملاحظة الناقدة ما فيها من عيوب تخفى إلا على من يذوق الكلام ذوقًا، ويدرك معانيه وألفاظه بأرب وفكر مستقيم. قال حسان ﵁: لنا الجفنات الغير يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فاكرم بنا خالًا، وأكرم بنا ابنما فقالت الخنساء: ضعَّفت افتخارك، وأنزرته في ثمانية مواضع، قالت: قلت لنا الجفنات، والجفنات ما دون العشر، ولو قلت الجفان لكان أكثر، وقلت: الغر، والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت البيض لكان أكثر اتساعًا. وقلت: يلمعن، واللمعان شيء يأتي بعد الشيء، ولو قلت: يشرقن لكان أكثر؛ لأنَّ الإشراق أدوم من اللمعان، وقلت: بالضحى، ولو قلت بالدجى لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف أكثر طروقًا بالليل، وقلت: أسيافنا، والأسياف دون العشرة، ولو قلت سيوفنا لكان أكثر، وقلت: يقطرن، فدلَّلت على قلة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لأنصباب الدم، وقلت دمًا، والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك أهـ١. سقنا ذلك الخبر، وهو صورة لما كان عليه الذوق البياني، وإن كان هنالك شك في روايته، فإنّه يدل على أن روح النقد بالذوق المرهف كان مشهورًا بين العرب وكثيرًا.

стр. 67

وأذكر أن نقَّاد العرب كانوا يستنكرون بيت امرئ القيس الذي يقول فيه في معلقته: أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل فقد قالوا: إنَّ البيت لا يصدر من عاشق برح به الحب، وأحس بلطف العشق، وقالوا: إن الغانية إذا لم تعتز بالحب ففيم تعتز، كأنه يقول لها: إن كنت مغرورة بحبي فإني تاركك، وهكذا، وما ذلك شأن المحب اللهج. ٤٢- هؤلاء الذواقون للبيان الذين مرنت أسماعهم وألسنتهم على القول البليغ وإدراك مراميه، يستوي في ذلك أهل المدر وأهل الوبر، فأهل الوبر استفرغوا ذكاءهم في تعرف الكلام البليغ، والترنُّم بالشعر رجزه وقصيده، ولم يكن عندهم ما يزجون فيه وقتهم إلَّا سماع الكلام الطيب، وترديده، وروايته ونقله، ويرطبون به ألسنتهم في حلهم وترحالهم، وانتجاعهم إلى مواطن الكلأ وينابيع المياه، قد صفت نفوسهم صفاء السماء التي تظلهم، مع قوة الشكيمة التي اكتسبوها من وعورة الصحراء ولأوائها، وقسوة الحياة وغلظتها، ومع الرضا والقناعة التي اتسمت بها النفس العربية. وأهل المدر وهم سكان القرى كأهل مكة والطائف ويثرب، وقد كانوا قومًا تجرا. من غير أن يخلوا من الشكيمة العربية، وقد كانت القبائل تجيء إليهم، أو يلتقون بهم في مواسم الحج وأسواقه التي كانت تعقد لتبادل السلع، وتبادل الفكر، والكلم المحكم، ويكون التباري بين الشعراء والخطباء، وكانت مكة وما حولها تشبه بعض الحدائق العامة في البلاد الأوربية تلقى فيها الخطب، ويتبارى فيها المتكلمون، وحسبك أن تعلم أن قسَّ بن ساعدة الإيادي ألقى خطبته التي ذكر فيها النبي ﷺ في عكاظ في موسم الحج. هؤلاء الذين كانت الكلمة البليغة تقع في نفوسهم موقع الموسيقى فتطربهم، والقصيدة الطويلة فتهزهم، وكان حداؤهم لإبلهم رجزًا، وتدليلهم لأبنائهم أنماطًا من البيان، هؤلاء هم الذين خاطبهم القرآن، فرأوا فيه نوعًا من البيان لم يعرفوه من قبل، فانجذبوا إليه، وأقروا بتأثيره، ولم يستطيعوا أن يماروا فيه، بل خروا صاغرين أمام بلاغته، معترفين بأنه يسمو على قدرهم، ويعلو على طاقتهم، كفروا بما يدعو إليه، ولم ينكروا تأثيره، لاحوا النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في دعوته إلى التوحيد، وتماروا فيه مع بداهته، ولكنهم لم يستطيعوا أن ينالوا من القرآن، ولما دبّروا وقدروا في أمره، قالوا: إنه سحر يؤثر، وذلك يتضمَّن الإقرار باستيلائه على نفوسهم، وعلوه على كلامهم، وإن كان من نوعه، وسموا معانيه، وإن كانت حروفه في صياغة من حروفهم وكلماتهم.

стр. 68

وجوه الإعجاز البلاغي: ٤٣- إن كل شيء في القرآن معجز من حيث قوة الموسيقى في حروفه، وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته، ونظمه المحكم في رنينه، وما وصل إليه من تأليف بين الكلمات، وكون كل كلمة لفقًا مع أختها، وكأنما نسيج كل واحدة قطعة منه تكمل صورته، وتوحد غايته، ومعانيه تجدها مؤتلفة مع ألفاظه، وكأن المعاني جاءت مؤاخية للألفاظ، وكأن الألفاظ قطعت لها، وسويت على حجمها. ثم هو الذي يدركه كل ذي قوة فكرية بمقدار إدراكه، والمعنى صحيح في كل إدراك صحيح، وفي كل ذي طاقة سليم، بلا تخالف، يسمعه المؤمن فيقرّ به ويؤمن بما جاء فيه، ويسمعه المخالف فيدرك الحق من ثنايا كلماته ومعانيه إن أخلص في جانب الحق، وإن لم يؤمن فإنَّه يدرك ما في القرآن من خواصٍّ لا يصل إليها كلام كائنًا من كان قائله. جاء في كتاب "الشفاء" للقاضي عياض: "حكي أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله ﵎ عنه- كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا هو برجل قائم على رأسه يتشهَّد شهادة الحق فاستخبره، فقال له: إني من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها، وإني سمعت رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأمَّلتها، فإذا قد جمع فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة وهي: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] ، وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو يعد هذا فصاحة بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] ، فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين. فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره على التحقيق"١. وهكذا نرى كل إعجاز القرآن من نواح شتَّى، ربما تعِزّ على الاستقراء، ففي موسيقاه لا يسمع سامعه إلَّا أن يصغي بقلبه، وقد رميت كيف كان العرب يتفقون على ألا يسمعوا لهذا القرآن، وبلغوا فيه، ثم يذهب إليه المتفقون فرادى فيلتقون جماعة. ولقد كان لموسيقى القرآن ونظمه روعة عند كل سامع، حتى من لا يفهم العربية، فإنَّ لكلماته ونظمه ومده وغنه، ونهاية فواصل، ووقفه، ما يستعري من لا يفهم العربية، وإذا كان لا يفهم معنى الكلمات فإنَّ النغم يعطيه صورًا رائعة.

стр. 69

وإن كل كلمة من كلماته تعطي صورة بيانية، وكل عبارة تجتمع من كلمات لها صورة بيانية رائعة تصوّر المعاني كالصورة الكاملة في تصويرها، التي تتكون أجزاؤها من صور، وتتجمَّع من الصور صورة متناسقة. وإنه لأجل هذا يصعب على الكاتب أن يأتي بكل وجوه الإعجاز البياني، ولكنه يقارب ولا يباعد. ولنذكر ستة وجوه نتكلم فيها، عسانا نصل إلى تقريب معاني الإعجاز من غير حد ولا استقراء كامل وهي: ١- الألفاظ والحروف. ٢- الأسلوب، وما يكون من صور بيانية. ٣- التصريف في القول والمعاني. ٤- النظم وفواصل الكلم. ٥- الإيجاز المعجز والحكم والأمثال والإخبار عن الغيب. ٦- جدل القرآن.

стр. 70

١- ألفاظ القرآن وحروفه: ٤٤- قبل أن نخوض فيما اختصَّت به ألفاظ القرآن الكريم من جمال ودقة وإحكام، وما اشتملت كل كلمة مع أخواتها وجاراتها من صور بيانية لكل واحدة منفردة، ثم اشتملت عليه مجتمعة من معنى ذلك، نذكر أنَّ العلماء اختلفوا قديمًا وامتدَّ خلافهم إلى المتأخرين، تكلَّموا واختلفوا في أساس الفصاحة أو البلاغة، وهما غير مختلفين في الماصدق، وإن اختلفوا في التعريف اللفظي لحقيقة الفصاحة وحقيقة البلاغة. قال بعض علماء البيان وعلى رأسهم عبد القاهر الجرجاني المتوفَّى سنة ٤٧١هـ: إن اللفظ والحروف ليس لهما أثر في كون الكلام بليغًا أو غير بليغ، إنما الأثر في مجموع ما يدل عليه النظم، وشكل النظم ليس هو المؤثر وحده، إنما تساوق المعاني وتلاقي الألفاظ وتآخيها، فيتكون هذا المعنى المؤثر، فيقول ﵁ في كتابه "دلائل الإعجاز" ما نصه: "ينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخلوها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارًا وأمرًا ونهيًا واستخبارًا وتعجبًا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلّا بضمِّ كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة، هل

стр. 71

يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة، حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي مرسومة به، ثم يقول ﵁: "هل يقع في وهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخفّ وامتزاجها أحسن، وهل تجد أحدًا يقول هذه اللفظة فصيحة إلّا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤاسنتها لأخواتها، وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافها قلقة ونابية ومستكرهة إلَّا وغرضهم أن يعبِّروا بالتمكُّن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأنَّ الأولى لم تلتق بالثانية في معناها، وأنَّ الثانية لم تصلح أن تكون لفقًا للتالية في مؤداها، وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] فتجلَّى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة إلَّا لأمر يرجع إلى ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض، وإنه لم يعرض لها الشرف إلّا من حيث لاقت الأولى الثانية، والثالثة الرابعة، وهكذا إلى أن تستقر بها إلى آخرها، وأن الفضل نتج مما بينها، وحصل من مجموعها، إن شككت فتأمل: هل ترى لفظة بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت من الفصاحة ما تؤديه، وهي في مكانها من الآية، ﴿ابْلَعِي﴾ واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليه.. ومعلوم أن مبدأ العظمة في الآية في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم كان النداء بيا دون أي.. ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال ابلعي الماء ... إلى آخر ما قال. ويستدل على أن الكلمة ليس لها فصاحة ولا بلاغة في ذاتها أنَّ الكلمة تروق في موضع، ولا تروق في آخر في كلام الناس، فلو كانت الكلمة إذا حسنت كان حسنها من ذاتها، لاستحسنت دائمًا، وما استهجنت أبدًا. وينتهي من هذا إلى أنَّ جمال الكلام ليس في توالي ألفاظه في النطق، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل. ويسترسل الجرجاني في إثبات أنَّ الكلمات ليست لها فصاحة ذاتية، إنما بلاغتها في اجتماعها مع غيرها في تلاقي المعاني، وأنه ليس للألفاظ ولا للحروف حسن ذاتي منفرد، ولا قبح ذاتي منفرد، إنما حسنها في تلاقيها مع أخواتها في الدلالة وتساوق المعاني، وما تنتجه من صور بيانية، ومراتب أهل البيان في مقدار قدرتهم على اختيار الألفاظ المتآخية في معانيها، ويفهم من كلامه أنَّ النظم لا يلتفت إليه وحده، إنما يلتفت

стр. 72

إلى معانيه أيضًا، وأنه يريد من النظم الكلمات لا ذات الكلام كله برناته القوية أو الهادئة التي تنساب في النفس، وتتغلغل فيها حتى تصل إلى أعماقها. ٤٥- هذا رأي الجرجاني، وله مقامه، يقصر البلاغة والفصاحة على الأسلوب ومجموع العبارات التي تتضافر في الدلالة على معانٍ متآخية، وتتآخى الألفاظ في الدلالة على هذه المعاني. وهناك فريق آخر، ومن هؤلاء الجاحظ، يرون للحروف وللكمات فصاحة، عندما تتلاءم حروفها ولا تتجافى مخارجها، ولا يكون فيها تكرار، فلا فصاحة في مثل ما رواه الجاحظ. وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر فإنَّ تكرار الحروف جعلها غير متلائمة، وغير سهلة في النطق. وقد عقد ابن الأثير في كتابه "المثل السائر" فصلًا قيما ذكر فيه فصاحة الكلمات وقبحها، في رنينها وفي تآخي حروفها، وقال: "إنَّ من الكلمات ما له نغمة أوتار، ومنها ما له صوت حمار"، وضرب على ذلك الأمثال، فقال: "إن كلمة السيف لها مرادف، وهو الخنشليل، فهل هما متماثلتان في الفصاحة والنغمة الصوتية، ومثل كلمة غصن، وكلمة عسلوج بمعنى الغصن، فهل هما متماثلتان في النغمة وسهولة النطق". ويبدو من كتاب "إعجاز القرآن" للباقلاني أنَّه يرى أنَّ للكلمات ذاتها فصاحة خاصة، وأن تخيُّرها يدل على قدرة قائلها، وعلوّ بيانه، فإذا كانت المعاني البلاغية لجملة القول، ففي اختيار الألفاظ المتناسبة في موسيقاها، وفي نغمتها، وفي رنَّتها قوية أو هادئة على حسب المقام، فللفظ دخل في الاختيار. ويقول الباقلاني في ذلك: "قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسَّسة مستحدثة، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور، ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمَّن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بأنَّ التفضال في البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعاني، والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر. ثم يقول: "وأنت ترى جمال الكلمة من القرآن يتمثّل في تضاعيف كلام كثير، وهي غرة جبينه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله، واعراضه في حسنه ومائه"١.

стр. 73

ومن هذا النقل يتبين أنَّ الباقلاني يرى أن ألفاظ القرآن غرة في كل كلام، وأن لها رونقًا، وأنَّ لها دخلًا في إعجازه، وأنَّ صورة الكلمة ومخارج حروفها لها روعة ذاتية؛ لأن ذلك من عند العزيز الحكيم. وإنَّ المتأخرين ممن كتبوا في إعجاز القرآن رأوا أنَّ في الكلمة في القرآن بلاغة خاصة بأدائها، بمدها وغنِّها، وبأصواتها الموسيقية، وبنغماتها الحلوة، فلا يمكن أن يكون التآخي بينها وبين أخواتها في المعاني فقط، بل إن التآخي كما هو ثابت في المعاني ثابت في الموسيقى، وإذا كان الله تعالى قد اختار للقرآن ترتيلًا يبدو فيه نغمه ومده، ورنين ألفاظه، فلا بُدَّ أن تكون ألفاظه قد اختيرت لمزية في كل كلمة لا في مجموعها فقط، ومن أنصار الرأي الذي نظر إلى فصاحة الكلمة الرافعي -رحمه الله تعالى، ورضى عنه- في كتابه "إعجاز القرآن" فقد قال: "لما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانًا لغوية رائعة كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها في توقيعها، فلم يتفهَّم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتى إنَّ من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظمًا موسيقيًّا أو بابًا منه، وطوى عما وراء ذلك من التصرُّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن أن الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها، وليس يتَّفق ذلك في شيء من كلام العرب، إلَّا أن يكون وزنًا من الشعر أو السجع، وهو بهذا لا يرى رأي الجرجاني في أنَّ الكلمات ليس لها مزايا خاصة، والله أعلم". ٤٦- هذان رأيان يبدو أنَّهما متعارضان في كون فصاحة الكلمة جزءًا من البلاغة أو الفصاحة، وإن لم يكن بينهما فرق، فالأول لا ينظر إلى الجزء وهو الكلمة، بل لا ينظر إلا إلى المجموع المؤتلف، والآخر ينظر إلى الأجزاء وإلى المجموع معًا، بل لا يرى المجموع يكون بليغًا إلَّا إذا انتهى إلى ألحان مؤتلفة من حروف في كلمات متآلفة، وكلمات في أسلوب مؤتلف في نغماته وترتيله، وتناسق بيانه. ولا شكَّ أن الكلمة وحدها من غير أن تكون في مجموعة ليس لها بلاغة ولا مؤدى، فكلمة شجر من غير أن تكون في كلام ليس لها مؤدَّى إلا أن تكون في جملة مفيدة تؤدي معنى، وتكون بحروفها وقوتها أو لينها متآخية مع أخواتها من الكلام، ولكن لا بُدَّ للكلمة مع الكلمات الأخرى من أن تكون متلاقية في لحن القول والمراد منه، وتحقيقه، فهي وحدها لا تؤدي منفردة، ولكن بضمها إلى أخرى يكون المعنى القوي، ويكون النغم الجميل، ويكون الترتيل الذي يملأ النفوس، وتطمئن به، وتقشعر منه الأبدان إن أنذر، وتهدأ إن بشر، وتتفكر العقول إن دعا إلى التأمل.

стр. 74

ومن أنصار هذا المذهب الخطَّابي المتوفَّى سنة ٣٨٨هـ، فهو يقول في رسالته: "واعلم أنَّ القرآن إنما صار معجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، متضمنًا أصح المعاني مع توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها في موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يرى في صورة العقل أليق منه"١. وفي الحقيقة أنَّ الخطابي ينظر إلى الأسلوب على أساس أنَّ الألفاظ قوامه, وهي دعامة بنيانه، حتى إنَّ القرآن الكريم لو حاولت أن تنزع كلمة من جملة لتضع غيرها المرادفة لها لاختلَّ البناء واضطرب، وهو يقول في ذلك: "اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإمَّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة، ذلك أنَّ في الكلام ألفاظًا متقاربة في المعاني، ويحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب". وبهذا انتهى إلى أنَّ الألفاظ في الكلام البليغ لها مقصد خاص من المتكلم، إما لنغمتها وإما لمعناها أو هما معًا، ولا يكون مرادفها صالحًا لِأَنْ يحلَّ محلها. ٤٧- وكون كل كلمة لها لحن قائم بذاته لا نحسب أن الجرجاني ينكره، ولكن مذهبه البلاغي باعتباره من علماء البيان يجعله يتَّجه إلى العبارة المتآلفة، والأسلوب الذي تتلاقى معانيه، ولا يتجه ابتداء إلى الألفاظ، ولعلَّه أيضًا يقبل أن تكون الألفاظ متآخية النغم مؤتلفة الألحان متلاقية في الترتيل. وهو يقرره على أنَّه فرض مقبول فيقول ﵁ في تلاؤم الحروف في الكلمات: "إن أخذنا بأن يكون تلاؤم الحروف في الكلمات وجهًا من وجوه البلاغة وداخلًا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا ضرر علينا؛ لأنه ليس بأكثر من أن يعمد إلى الفصاحة فيخرجها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكون نظيرة لها، وفي عداد ما هو شبيههما من البراعة والجزالة، وأشباه ذلك مما ينبئ عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، وأعلمتك جنسها، أو يجعلها اسمًا مشتكًا، يقع تارة لما تقع عليه تلك، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان، وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده، وإن تعسف متعسف في

стр. 75

تلازم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزًا، كان الوجه أن يقال له: إنه يلزمك على قياس قولك أن يجوز أن يكون هنا نظم للألفاظ. وترتيب لا على نسق المعاني، ولا على وجه يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزًا وكفى فسادًا". وينتهي القول في هذا إلى أن الخلاف بين الجرجاني والخطابي والجاحظ وغيرهما يكون في أمرين غير جوهريين: أولهما: إنَّ الجرجاني لا يعتبر للألفاظ جمالًا، وأنها في النظم تكون لنغماتها وألحانها مساعدات للمعاني، ولكنه يمنع منعًا مطلقًا، ونحن معه، أن تكون الألفاظ وحدها والكلمات منفردة سببًا للإعجاز، إنما الإعجاز يكون في أمور كثيرة؛ منها: تناسق الكلمات، وما تشعه من معانٍ وأخيلة بيانية في وسط أسلوب مكتمل البنيان يلتقي بنغمه وفواصله، وصوره البيانية، مع الألفاظ المحكمة، والمعاني السليمة التي لم يكن للناس عهد بها من قبل.
следующие страницы →