← Адаб

Адаб · id 23138

الشعر في خراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي

حسين عطوان

Полный текст (311 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة: اهتم المستشرقون بتاريخ خراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي اهتماما كبيرا، فقد درس المستشرق الهولندي فان فلوتن في كتابه: "السيادة العربية" بيئة خراسان دراسة سياسية واجتماعية واقتصادية. وتحدث المستشرق الألماني يوليوس فلهاوزن في كتابه: "تاريخ الدولة العربية" عن القبائل العربية بخراسان حديثا مفصلا. وكتب الدكتور صالح العلي مقالة طويلة عن "استيطان العرب في خراسان". وليس يعنيني أن أحصر الدراسات والمقالات التي أفردها المستشرقون أو العرب المحدثون لدراسة تاريخ العرب بخراسان، أو للبحث عن تاريخ الدعوة العباسية في هذه الحقبة، فإنها أكثر من أن تحصى، وإنما الذي يعنيني هو أن دراساتهم ومقالاتهم لم يكن لها أثر قوي عند دارسي الأدب العربي. ولعل الدكتور شوقي ضيف هو أول من لفت الأنظار إلى بيئة خراسان وقيمتها في تاريخ الشعر العربي، فقد خصص لها فصلا في كتابه: "العصر الإسلامي": ولكن تنبيهه لم يدفع المشتغلين بالأدب إلى دراسة الشعر العربي بخراسان في هذا العصر دراسة علمية مستفيضة. وفي أثناء مراجعتي لكتاب: "معجم الشعراء" عثرت على طائفة من الشعراء وصفهم المرزباني بأنهم من شعراء خراسان. فأخذت أبحث عن أخبارهم وأشعارهم فيما تيسر لي من المصادر، فلما قرأت "تاريخ الرسل والملوك" للطبري وجدت فيه مادة

стр. 2

غزيرة من تاريخ العرب، ومن شعر شعرائهم بخراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي. ولكنني ظللت مترددا في تتبع الموضوع تتبعا وافيا، حتى عرضته على أخي الكبير الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري، فشجعني على المضي فيه، وزودني بكثير من الملاحظات المهمة، فمضيت أجمع كل ما أقع عليه من أخبار العرب وأشعارهم بخراسان في هذه الحقبة، حتى إذا أحسست أنني ظفرت بأكثر المواد من المصادر والمظان المتاحة، عكفت على النظر فيما جمعته منها، وعلى تبويبه ودراسته، وانتهيت إلى توزيعه بين ثلاثة فصول، جعلت أولها للجغرافية التاريخية، وثانيها لموضوعات الشعر وخصائصه، وثالثها لشعراء القبائل بخراسان. أما مصادر البحث ومراجعه فكثيرة متنوعة، فمنها الكتب الجغرافية، وأنفعها كتاب: "المسالك والممالك" للإصطخري، فإن فيه أدق المعلومات وأوفاها عن خراسان، وكتاب: "بلدان الخلافة الشرقية" للمستشرق الإنجليزي لي سترانج، فقد أفدت منه فوائد كثيرة في تحديد مواقع المدن والقرى. ومنها الكتب التاريخية: وأهمها كتاب: "الرسل والملوك" للطبري، فإنه أشمل مصدر لتاريخ العرب وشعرهم بخراسان. ومنها الكتب الأدبية، وأشهرها كتاب: "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، فإن فيه تراجم وافية لأكثر الشعراء الذين ترجمت لهم، وكتاب: "نقائض جرير والفرزدق" لأبي عبيدة ومعمر بن المثنى، وكتاب: "معجم الشعراء" للمرزباني، فإنهما يحتويان على أشعار لم تذكر في المصادر الأخرى، وهي أشعار لها قيمة كبيرة، لأنها تكشف عن بعض مواقف القبائل من الأحداث الداخلية. وأما الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري فهو صاحب الفضل الأول في ظهور هذا البحث، فهو الذي حثني على التوفر عليه، والعمل فيه، وهو الذي أمدني بفيض من ملاحظاته، وهو الذي تكرم بقراءة كل فصل كنت أكتبه قراءة متأنية متعمقة، وهو الذي جنبني بعض الهفوات والأوهام، وصحح بعض الآراء والأحكام، حتى خرج البحث على هذه الصورة. ومهما أعترف بفضله، وأقدر جميله، فأنا عاجز عن أن أوفيه حقه من الشكر والتقدير.

стр. 3

وأرجو أن أكون وضحت في هذا الكتاب شخصية خراسان الأدبية من الفتح إلى نهاية العصر الأموي، كما أرجو أن يكون فيه ما ينفع الباحثين المهتمين بالتاريخ والأدب. فإن قصرت أو أخطأت فعذري أنني اجتهدت، وأنني بذلت ما استطعت، فقد نحوت في دراسة الشعر والتاريخ نحوا يقوم على المزاوجة بينهما، بل على دراسة الشعر من خلال التاريخ، ودراسة التاريخ من خلال الشعر، دون تمحل أو تأول للتوفيق بينهما فهما يتواصلان في هذا الكتاب تواصلا دقيقا، ويتكاملان فيه تكاملا وثيقا. عمان في ١٥/ ١/ ١٩٨٩ حسين عطوان

стр. 4

الفصل الأول: الجغرافية التاريخية " وصف خراسان ": تتألف خراسان في اللغة الفارسية من كلمتين: "خر" ومعناها الشمس، و"آسان" ومعناها المشرقة، فهي بلاد الشمس المشرقة التي تشمل مساحة واسعة تقع إلى الشرق من بلاد فارس وتترامى إلى نهرجيحون، وهي مقسومة في الوقت الحاضر بين ثلاث دول هي الاتحاد السوفييتي، وأفغانستان، وإيران. أما ما أضيف منها إلى الاتحاد السوفييتي فيشمل المنطقة الممتدة من مرو الشاهجان إلى نهرج جيحون. وأما ما ضم منها إلى أفغانستان فهو الرقعة الواقعة إلى الشرق من خط يبدأ من سرخس في الشمال. ويمتد إلى الجنوب مارا بمنتصف المسافة بين طوس وهراة. وأما سائرها فتابع لإيران١. والقدماء مختلفون في حدودها بعض الاختلاف، إذ منهم من يدخل فيها قومس وقوهستان من جهة الجنوب الغربي، وخوارزم وما وراء النهر وطخارستان من جهة الشمال والشرق٢، غير أن منهم من يفصل كل تلك المناطق عنها٣. ولا سبيل إلى تعيين حدودها تعيينا دقيقا، وإن كان القدماء قد عينوها حسب مقاييسهم الجغرافية، وتحديدهم للجهات الأربع٤.

стр. 5

ولا تعني مسئولية عمال خراسان عن إدارة بعض المناطق التي أضافها القدماء إليها أنها كانت جزءا منها بالضرورة، كما أن بلاد ما وراء النهر لم تخضع للعرب خضوعا تاما في العصر الأموي، وإنما كانت موطن شغب دائم عليهم، على كثرة ما غزوها وفتحوها وعقدوا المعاهدات مع أهلها. بل إن الأتراك كانوا يجتاحون نهر جيحون ويهاجمون العرب بخراسان مرارا. وتقسم خراسان عند الجغرافيين العرب إلى أربعة أرباع، كان عمال خراسان يشرفون عليها، وهي نيسابور، ومرو الشاهجان، وهراة، وبلخ. أما الربع الأول منها فيشمل قسمها الغربي، وأكبر مدينة فيه نيسابور، التي تعرف حينا بأبرشهر، وحينا آخر بإيرانشهر. وهي بأرض سهلية، وأبنيتها من طين تنبسط في مساحة مقدارها فرسخ في فرسخ١. ولها قهندز وربض، أي قلعة وضاحية. أما القلعة فخارج المدنية، وأما الضاحية فتحف بالمدينة والقعلة. وكان للمدينة أربعة أبواب، وللقلعة بابان، وللضاحية أربعة أبواب، باب منها يؤدي إلى العراق وجرجان، وباب يؤدي إلى بلخ وما وراء النهر، وباب يؤدي إلى فارس وقوهستان، وباب يؤدي إلى طوس ونسا٢. وكان أكثر أهل نيسابور يعملون في الزراعة، ويسقون مزارعهم من نهر سغاور. وقد شقوا له القنوات التي كانت تتخلل بلدهم ودورهم، وتمتد إلى ضياعهم. وكان له قوامون، وعليه حفظة. فانتعشت الزراعة لذلك انتعاشا كبيرا، وغلت لهم أراضيهم غلات وفيرة، وخيرات كثيرة من الحبوب والأقطان والفواكه. وكان بعضهم يشتغل بالصناعة، وخاصة بالمنسوجات القطنية والحريرية، وكان يرتفع من بلدهم من أصناف البز وفاخر ثياب القطن والقز إلى سائر بلدان الإسلام وغيرها لكثرته وجودته. وكان بعضهم يتعاطى التجار في أسواق المدينة المنظمة المقسمة، وكان كل تاجر ينزل بناحية معينة من السوق حسب تجارته وبضاعته وكانت التجارة في بلدهم رائجة، حتى ليقول ابن حوقل: "إنه بخراسان مدينة أدوم تجارة، وأكثر سابلة، وأعظم قافلة من

стр. 6

نيسابور"١. وكان بالمدينة كثير من الحرفيين كالقلانسيين والأساكفة والخرازين والحبالين٢: ولنيسابور حدود واسعة ورساتيق عامرة، والرستاق هو الأرض الزراعية. ويقال: إنه كان لها اثنا عشر رستاقا، ويقال بل ثلاثة عشر رستاقا٣، كان ينتشر في كل منها قرى كثيرة قدرها ابن الفقيه بمائة وستين قرية في كل رستاق٤. وإلى الغرب من نيسابور كانت ناحية بيهق، وهي كورة واسعة كثيرة البلدن والعمارة، تشتمل على ثلاثمائة وإحدى وعشرين قرية٥ وإلى الشمال من نيسابور تقوم نسا بين الجبال. وهي خصبة كثيرة المياه والبساتين، ولأهلها مياه جارية في دورهم وسككهم، كما لها رساتيق شاسعة٦. وإلى الشرق من نسا، وبينها وبين سرخس مدينة أبيورد، وهي تشتهر بخصبها ورخائها٧. وفي الطريق بين نيسابور ومرو الشاهجان مدينة سرخس التي تقع بأرض سهلية ليس بها ماء جار إلا نهر يجري بعض السنة لا يدوم ماؤه. وهو فضل نهر هراة. ولذلك فإن أهلها يعتمدون على الآبار ويشتغلون بالرعي، إذ معظم أملاكهم الجمال والأغنام، وتقل الزروع عندهم إلا بعض الحبوب، ولا تكثر القرى حولهم، كما تنعدم الزراعة فيما تناثر من القرى، ويغلب عليها الرعي٨. وعلى بعد عشرة فراسخ إلى الشمال الشرقي من نيسابور طوس. وهى تتألف من مدينتين مشهورتين هما الطابران ونوقان اللتان ينتشر حولهما أكثر من ألف قرية ٩. والربع الثانى من خراسان هو القسم الشمالى منها، وحاضرته مرو الشاهجان وهي على نهر المرغاب الذي ينحدر من جبال الغور في شمال شرقى هراة، ثم بمرو الروذ

стр. 7

ويدور منها شمالا إلى مرو الشاهجان حيث تتفرع منه جملة أنهار، ثم يفنى ماؤه في رمال مفازة الغز ١. والمدينة بأرض مستوية بعيدة عن الجبال، لا يرى منها على مدى البصر جبل، وأرضها سبخة كثيرة الرمال، وأبنيتها من طين، وهي موزعة بين أربعة أقسام يسقي كل قسم منها نهر يأخذ من نهر المرغاب عند قرية الرزق أو الرزيق، حيث أقيم مقسم الماء. وتنهض عليها جميعا مباني المدينة وأرباضها. وهذه الأنهار هي نهر هرمز فره الذي يجري غربا، وفي شرقيه نهر الماجان، ثم نهر الرزق، وآخرها نهر أسعدي. وللمدينة حصن، وعلي أنهارها سور يحيط بها كلها، وعلى رساتيقها جميعها سور آخر يلتف حولها. ولها أيضا أربعة أبواب تفضي إلى جهات مختلفة. وهي من النظافة، وحسن الترصيف، وتقسيم الأبنية والمحال في خلال الأنهار والغروس، وتميز كل سوق من غيره، بحيث تفضل سائر مدن خراسان٢. والزراعة قوام حياة أهل مرو الشاهجان، فهم يزرعون الحبوب والفواكه والكروم، كما تشتهر المدينة بعنبها وزبيبها وبطيخها، ويشتغل بعضهم بصناعة الحرير والقطن والثياب. ويقال إنه كان يصدر منها الإبريسم والقز الكثير والقطن اللين، والثياب الفاخرة التي كانت تجهز إلى الآفاق٣. ولمرو الشاهجان قرى ومدن كثيرة، منها سنج، وهي تبعد عنها من جهة الغرب أربعة فراسخ، ودورها مبنية على النهر، وبها بساتين كثيرة٤. وإلى الجنوب الغربي من مرو الشاهجان، وبينها وبين سرخس مدينة الدندانقان، وهي بمنطقة رملية تنتهي عندها مزارع مرو الشاهجان٥. وفي الشمال الشرقي من مرو الشاهجان على الطريق إلى

стр. 8

آمل مدينة كشمهين، وهي مشهورة ببساتينها وأعنابها وزبيبها١. وبعدها مدينة آمل على شط نهر جيحون، وهي مجمع طرق خراسان إلى ما وراء النهر، ولها ماء جار، وبساتين وزرع٢. وبينها وبين مرو الشاهجان رمال صعبة المسلك، ومفازة أشبه بالمهلك٣. وشرقي آمل بنحو مائة ميل بلدة زم، وهي أصغر من آمل في العمارة، وفيها المياه الجارية، والبساتين والزروع، وبها معبر ما وراء النهر٤ وفي الجنوب الشرقي لمرو الشاهجان مدن القرينين، وجيزنج، ورزق٥. وفي تلك الجهة، وعلى بعد مائة وستين ميلا من مرو الشاهجان مدينة مرو الروذ، وهي على نهر المرغاب، طيبة التربة والهواء، ولها بساتين وكروم كثيرة, تحيط بها الجبال من الغرب والشرق٦. وعلى مجرى نهر المرغاب إلى مرو الشاهجان بما يبعد مسيرة يوم عن مرو الروذ بلدة قصر أحنف، فيها الماء الجاري، والبساتين والكروم والفواكة٧. وثالث أرباع خراسان هو القسم الجنوبي منها، وعاصمته مدينة هراة، وهي على النهر المسمى باسمها، وهو ينبع من جبال الغور، ويجري من الشرق إلى الغرب، مارا بمدينة هراة فمدينة بوشنح، ثم ينعطف نحو الشمال منسابا إلى سرخس، ثم يغيض ماؤه بمفازة إلى الشمال منها. وبناء هراة من طين، وبها حصن وثيق به، به أربعة أبواب، ولها ربض، وعليها سور له أربعة أبواب بإزاء أبواب الحصن، باب في الشمال يخرج منه إلى بلخ، وباب في الغرب يخرج منه إلى نيسابور، وباب في الجنوب يخرج منه إلى سجستان، وباب في الشرق يخرج منه إلى الغوز. وعلى كل باب سوق، وفي داخل المدينة والربض مياه جارية. والجبل على طريق بلخ إلى الشمال من هراة، ليس به محتطب ولا مرعى، وإنما يرتفقون منه بالحجارة للأرحبة والفرش وغير ذلك. ويتشعب

стр. 9

من نهر هراة بالقرب من المدينة تسعة أنهر تروي رساتيقها ومزارعها١. ويقول اليعقوبي: إن هراة من أكثر بلاد خراسان عمارة٢. ويقول ابن رسته: إنها مدينة عظيمة، وحواليها دور، وفي رساتيقها أربعمائة قرية كبار وصغار، وفيما بين هذه القرى سبع وأربعون دسكرة، تشتمل كل منها على عشرة أنفس إلى عشرين نفسا٣. أما ياقوت فيقول: "إنها مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان، لم ير بخراسان مدينة أجل، ولا أعظم، ولا أفخم، ولا أكثر أهلا منها، فيها بساتين كثيرة، ومياه غزيرة، وخيرات وفيرة"٤. وإلى الجنوب من هراة مدينة مالن، وهي صغيرة مشتبكة المياه والبساتين والكروم، عامرة مشهورة بزبيبها الذي يحمل إلى الآفاق٥. وفي رساتيقها خمس وعشرون قرية٦. وتليها كورة أسفزار، ولها أربع مدن، فيها الأراضي الخصبة، والبساتين والأعناب٧. وفي شمالي هراة كروخ، وهي أكبر مدينة بعد هراة، تقوم في شعب بين الجبال، وتكثر حولها المياه والبساتين والأشجار، والقرى العامرة، ويرتفع منها المشمش٨. وتليها كورة باذغيس، وبها مدن كثيرة، بعضها تجري فيها المياه، وتنتشر بها البساتين، وبعضها قليلة المياه. وأهلها أصحاب زروع وأغنام٩. وهي ذات خير ورخص، ويكثر فيها شجر الفستق١٠. وبعدها رستاق كنج، ومدنه ببن، وكيف، وبغشور.

стр. 10

والمدينتان الأوليان لهما مياه كثيرة جارية وبساتين وكروم، والمدينة الثالثة بمفازة، وماؤها من الآبار، وأهلها أصحاب زروع١. وبشرقي باذغيس عند منابع نهر المرغاب بلاد غرح الشار أو غرجستان. وهي بلاد جبلية، ولها مدينتان هما: نشين وشورمين، فيهما المياه والبساتين، ومن الأول يرتفع أرز كثير يحمل إلى البلدان، ومن الثانية يرتفع زبيب يصدر إلى كثير من النواحي٢. وتليها بلاد الغور بجنوب نهر هراة وهي جبال حصينة منيعة، عامرة ذات عيون وأنهار وبساتين٣. وتقع بعدها كورة الباميان التي يجري بين مدنها نهر كبير يسير نحو غرجستان. وأكبر مدينة بها الباميان، وهي على جبل، وليس لها سور، وليس بها بساتين. أما بقية مدنها ففي السهل، وكلها ذوات أنهار وأشجار وثمار٤. وإلى الشرق من هراة مدن كثيرة منها باشان، وخيسار، وأستربيان، وماراباذ، وأوفه، وخشت. أما باشان فكثيرة المياه، قليلة البساتين. وفيها زروع. وأما خيسار فنادرة المياه والأشجار، وأما أستربيان فلها مياه، وبساتينها قليلة، والغالب على أهلها الزروع دون الكروم، وهي في الجبال، وأما ماراباذ فكثيرة المياه والبساتين، وترتفع منها كميات كبيرة من الأرز، وأما أوفه فلها مياه وبساتين٥. وفي غربي هراة كورة بوشنج، وبها خمس مدن، أهمها وأكبرها بوشنج، وهي نحو النصف من هراة، وبناؤها من طين، ولها سور، وخندق، وثلاثة أبواب، باب يذهب منه إلى نيسابور، وباب يذهب منه إلى هراة، وباب يذهب منه إلى قوهستان. ومياها من نهر هراة، وبها من أشجار العرعر ما ليس بجميع خراسان، وخشبه يحمل إلى سائر البلاد. وأما المدن الأربع الأخرى فهي كوسوى، وخركرد وفركرد، وكره،

стр. 11

وأكبرها كوسوي وهي مدينة نحو الثلث من بوشنج، ولها ماء وبساتين قليلة. وأصغر منها خركرد. غير أن مياهها وبساتينها أكثر وأوسع. أما فركرد، وكره فهما دون خركرد في الكبر، كما أنهما متقاربتان في المساحة والعمران. وأولاهما قليلة الماء والبساتين، وأهلها أصحاب سوائم، وأخراهما كثيرة الماء والبساتين١. ورابع أرباع خراسان هو القسم الشرقي منها، وأعظم مدينة فيه بلخ، ومساحتها مع ربضها ثلاثة أميال في مثلها. وهي بأرض مستوية، وبناؤها من طين، وبينها وبين أقرب الجبال إليها نحو من أربعة فراسخ، وعليها سور له سبعة أبواب، وبها نهر دهاس، وهو يجري في ربضها، ويسقي رساتيقها، ويدير عشر أرحية، وتحف بأبوابها البساتين والكروم. وبعد السور الأول سور ثان يبعد عنه اثني عشر فرسخا، ويحيط بقراها وضياعها ومزارعها، وليس خارجه عمارة ولا ضيعة ولا قرية، وإنما وراءه الرمال٢ وقد وصف المقدسي بهاء بلخ، وحسن موقعها، وسعة طرقها، وبهجة شوارعها، وكثرة أنهارها، والتفاف أشجارها، كما نوه بأعنابها وحبوبها٣، ووصفها ياقوت بقوله: "إنها من أجل مدن خراسان وأذكرها وأكثرها خيرا، وأوسعها غلة، تحمل غلتها إلى جميع خراسان، وإلى خوارزم"٤. وتقع إلى الغرب من بلخ ناحية الجوزجان، وهي عامة الخصب، كثيرة التجارة، وبها مدن كثيرة منها: الطالقان، وهي بمنطقة سهلية، تبعد عن مرو الروذ ثلاث مراحل، وبها مياه جارية، وبساتين قليلة، كما أنها صحيحة الهواء، ورساتيقها بالجبل كثيرة عامرة٥. ومنها الجرزوان. وهي بين جبلين، بين مرو الروذ والطالقان، معمورة، وأهلها مياسير. وعلى بعد مرحلتين مما يلي الطالقان على طريق بلخ مدينة اليهودية، التي تعرف أيضا بميمنة. وهي في الجبل، ولها مياه وبساتين. وفيها صناعات

стр. 12

وتجارات. وإلى جنوابها مدينة كنددرم، وهي في الجبل وافرة المياه والكروم والجوز، ثم بلدة سان، وهي صغيرة، ولها مياه وبساتين، والغالب على ثمارها الأعناب والجوز. أما الفارياب فهي بين الطالقان وشبورقان، وهي صغيرة إلا أنها كثيرة المياه والبساتين، ومياها من الطالقان، وهي تجمع سائر ما يكون من الصناعات في المدن. وبعدها مدينة شبورقان، لها ماء جار، والغالب على أهلها الزروع، وبساتينهم قليلة، وإلى الشمال الغربي من شبورقان انخذرستاق، ومدينته أشترج، وهي صغيرة في مفازة. ولها سبع قرى، وبها بيوت للأكراد من شعر ومدر، وأهلها أصحاب أغنام وإبل. وجنوبي شبورقان، وشرقي اليهودية مدينة أنبار، وهي بالجبل، ولها مياه وكروم وبساتين١. ولخراسان طرق ومسالك كثيرة تربط مدنها الكبيرة والصغيرة، وتربط كذلك بينها وبين ما يجاورها من البلدان، عددها الجغرافيون العرب وحددوا المسافات بين كل مدينة وأخرى تحديدا دقيقا٢. وعلى اتساع خراسان، وتباين طبيعتها بين سهول ورمال وجبال، فإنها في جملتها معتدلة المناخ، لطيفة الهواء، ليس فيها مناطق حارة متقدة الحرارة، ولا مناطق باردة شديدة البرودة إلا الباميان، فإنها أكثر خراسان بردا وثلجا. وتربتها صحيحة، وأزكى أرضها السقي نيسابور، وأحسن أرضها التي تجودها الأمطار وترويها ما بين هراة ومرو الروذ، وهي ما يعرف بالأعذاء، أي الأرض الطيبة التربة، الكريمة المنبت، البعيدة من المياه والسباخ٣. ولذلك كانت خراسان غنية بخيرات الأرض، وأرزاق الدنيا، التي لم تكن تسد حاجات أهلها فحسب، وإنما كانت تفيض عن استهلاكهم فيضا كبيرا من الغلات الزراعية. والمواد الأولية والغذائية والمنتوجات الصناعية. فكانوا يصدرونه إلى كثير من الأقطار. وفي ذلك يقول الإصطخري: "بخراسان من الدواب والرقيق والأطعمة والملبوس وسائر ما يحتاج الناس إليه ما يسعهم فأنفس الدواب ما يرتفع من

стр. 13

نواحي بلخ، وأنفس ثياب الإبريسم ما يقع من نيسابور، ومرو الشاهجان، وأطيب البز ما يرتفع من مرو الشاهجان"١. واستقصى المقدسي ما ينتج في بلدان خراسان مادة مادة، فمن نيسابور ترتفع الثياب والعمائم والملاحم والحلل وثياب الشعر والغزل الجيد، ومن نسا الثياب وفرو الثعالب والبزاة، ومن طوس الثياب الملونة والحصر والحبوب، ومن رساتيق نيسابور ثياب كثيرة غليظة، ومن هراة البز الكثير والديباج والزبيب والفتسق، وأكثر حلاوات أهل خراسان. ومن مرو الشاهجان الملاحم ومقانع القز والإبريسم والقطن والبقر والجبن والنحاس، ومن سرخس الحبوب والجمال، ومن بلخ الصابون والسمسم والأرز والجوز واللوز والزبيب والسمن والعسل، والزاج والكبريت والرصاص والأبخرة، ومن غرج الشار الذهب واللبود والبسط الحسان والحقائب والخيل الجيدة والبغال٢.

стр. 14

ولاة خراسان: حمل القدماء إلينا ثلاث روايات عن فتح العرب لخراسان، أما الرواية الأولى فتفيد أنه كان سنة ثماني عشرة للهجرة١. وهي رواية ضعيفة مرفوضة، لأن العرب لم يقضوا على فلول الفرس، ولم يملكوا بلدهم إلا سنة إحدى وعشرين في موقعة نهاوند٢، التي سموها "فتح الفتوح"، لأنه لم يكن للفرس بعدها اجتماع. وأما الرواية الثانية فتدل أنه حدث سنة اثنتين وعشرين وهي رواية صحيحة مقبولة، لأن العرب انطلقوا من فارس إلى الأقاليم المجاورة لها التي تمهد السبيل لاحتلال خراسان وفتحها، فاجتاحوا الري٤، وقومس٥ وطبرستان٦، وجرجان٧، وهمذان٨، وأصبهان٩، سنة اثنتين وعشرين، ثم اقتحموا خراسان من جهة الطبسين في السنة نفسها، وغلبوا

стр. 15

على أكثر نواحيها. وأما الرواية الثالثة فتنبئ بأنه وقع سنة إحدى وثلاثين١، وهي تكملة للرواية الثانية، لأن أهل خراسان نكثوا بعد وفاة عمر بن الخطاب، وثاروا على عمالهم، شأنهم في ذلك شأن أهل فارس٢، وكرمان٣، وسجستان٤، فندب عثمان بن عفان، عبد الله بن عامر، أمير البصرة لقمع ثورتهم، واسترداد بلادهم، فتوجه إليها واستعادها من أدناها إلى أقصاها في سنتين. وقد ظلت السيادة العربية بخراسان قلعة مزعزعة منذ أن استكمل ابن عامر استرجاعها حتى انتهى الصراع بين علي ومعاوية على الحكم، وتولى معاوية الخلافة٥، فأسند لابن عامر ولاية البصرة، وجعله مسئولا عن إدارة خراسان، فاستعمل عليها قيس بن الهيثم السلمي٦، فكان بها حتى سنة ثلاث وأربعين، ثم عزله ابن عامر عنها، لتأخره في إرسال خراجها، وولاها عبد الله بن خازم السلمي، فوليها سنة٧. ثم اعفى ماوية ابن عامر من إمارة البصرة، لعجزه عن ضبطها، ووكل شئون خراسان إلى عبد الله بن أبي شيخ، أو إلى طفيل بن عوف اليشكريين٨، وفي سنة خمس وأربعين عين معاوية على البصرة زياد بن أبي سفيان، فجعل خراسان أرباعا، واستعمل على مرو الشاهجان أمير بن أحمر اليشكري، وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مرو الروذ، والفارياب، والطالقان قيس بن الهيثم السلمي، وعلى هراة. وباغيس، وبوشنج نافع بن خالد الطاحي الأزدي٩.

стр. 16

وفي سنة خمسين ولي الحكم بن عمرو الغفاري خراسان لزياد، فغزا طخارستان، وغنم غنائم كثيرة١، ثم إنه توفي، واستخلف قبل وفاته أنس بن أبي أناس الكناني، فصرفه زياد، وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بالولاية، وبعث الربيع بن زياد الحارث٢ في خمسين ألفا من البصرة والكوفة بعيالاتهم، فسكنوا خراسان. وفتح أيضا قوهستان عنوة٣. وقبل أن يموت الربيع أوصى بالولاية لابنه عبد الله، فعاجله الأجل، ومات بعد أبيه بشهرين، فقام مقامه خليد بن عبد الله الحنفي، فأقره زياد٤. وفي سنة أربع وخمسين ولى معاوية على خراسان عبيد الله بن زياد، فقطع نهر جيحون إلى بخارى، وفتح راميتن، ونسف، وبيكند، وكلها من مدن بخارى، فأقام بخراسان سنتين٥، حتى إذا ما توفي والده اختاره معاوية واليا للبصرة، فاستعمل على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي، فلم يغز، ولم يفتح٦. ولم يلبث معاوية أن فصل خراسان عن البصرة، وإدارة عبيد الله بن زياد، وبعث إليها سعيد بن عثمان بن عفان، فعبر النهر إلى سمرقند، فخرج إليه الصغد فصالحوه ثم سار إلى الترمذ، ففتحها صلحا٧. ثم عزله معاوية منها سنة ثمان وخمسين لأنه خاف أن يخلعه ويطالب بالخلافة٨. وولى عليها بعد سنة عبد الرحمن بن زياد، فأخذ أسلم بن زرعة الكلابي، وحبسه، لأنه اتهمه بالخيانة، واستصفى منه ثلاثمائة ألف درهم، وكان عبد الرحمن ضعيفا فلم يغز غزوة واحدة، وبقي بخراسان سنتين٩.

стр. 17

وفي سنة إحدى وستين استعمل يزيد بن معاوية على خراسان سلم بن زياد، فظل عليها خمسة سنوات، أحسن فيها السيرة، وعدل بين الناس، وغزا ما وراء النهر، وافتتح مدينة مما يلي خارزم، عجز من سبقه من العمال عن فتحها، وأغار على سمرقند، ووجه جيشا إلى خجندة فانهزم١. وحين بلغ الناس بخراسان موت معاوية بن يزيد، اضطربوا، ونابذوا سلما وخلعوه، فتركهم، واستخلف على مرو الشهجان المهلب بن أبي صفرة، وعلى مرو والفارياب والجوزجان سليمان بن مرشد البكري، وعلى هراة أوس ابن ثعلبة البكري٢. ثم غلب عبد الله بن خازم على خراسان ما يزيد على سبع سنوات، حارب في أولاها بكر بن وائل، وقتل زعماءها، وأفنى خلقا كثيرا منها بمساعدة بني تميم. وسرعان ما تنكر لبني تميم، ومنعهم من الاستقرار بهراة، فخالفوه وقتلوا ابنه محمدا بهراة، وقارعوه بمرو الشاهجان ومرو الروذ ونيسابور٣. ثم قتله بحير بن ورقاء التميمي. وكان عبد الله بن مروان قد كتب إلى بكير بن وشاح التميمي أن يبايع له، ووعده ومناه، حين رفض ابن خازم الانصياع له، فحبس بحيرا، وادعى أنه هو الذي قتل ابن خازم، وظل مسيطرا على خراسان عاما وبعض عام. فانقسم بنو تميم على أنفسهم، فخشي العرب أن يستطير الشر بينهم، ويقهرهم عدوهم، فسألوا عبد الله أن يولي عليهم عاملا قرشيا لا ينفس عليه أحد. فأرسل إليهم أمية بن عبد الله الأموي فقدم إلى خراسان ولم يعرض لبكير بن وشاح بسوء، وبينما كان أمية مشغولا بغزو بخارى سنة سبع وسبعين ثار عليه بكير بمرو الشاهجان، فخف أمية إليها، وحاصره، فاصطلحا، ولكن بكيرا مضى يؤلب الناس للثورة على أمية، ولم يزل أمية متغافلا عنه، حتى إذا أثبت له أنه يحرض الناس عليه سجنه، وأمر بقتله، فقتله بحير بن ورقاء بسيفه٤.

стр. 18

وفي سنة ثمان وسبعين أقصى عبد الملك بن مروان عن خراسان وسجستان أمية بن عبد الله، وضمهما إلى الحجاج بن يوسف، عامل العراق، فعين على خراسان المهلب بن أبي صفرة، فسيرة المهلب ابنه حبيبا إليها، ثم قدمها، واستمر واليا عليها إلى أن وافته المنية سنة اثنتين وثمانين. وهو قافل من كس إلى مرو الشاهجان. وأغار في ولايته على كس والختل وبخارى١. واستخلف قبل مماته ابنه يزيد ففتح قلعة باذغيس، ثم نحاه الحجاج عن الإمارة سنة خمس وثمانين٢. وعهد بها إلى أخيه المفضل، فكان بخراسان تسعة أشهر، غزا فيها باذغيس وشومان وآخرون، فظفر وغنم، وقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ٣. ثم أقصى الحجاج جميع المهالبة عن خراسان، وسجنهم، وأهانهم، لأنهم كانوا خصومه السياسيين، الذين ينازعونه على السلطة، والذين يتعصبون للأزد، ويضيقون على قيس٤. واستعمل عليها قتيبة بن مسلم الباهلي، فبقي بها حتى سنة ست وتسعين وفي السنة التي وصل فيها قتيبة إلى خراسان سار إلى الصغانيان فصالحه ملكها، ثم مضى إلى آخرون وشومان من طخارستان فصالحه ملكها، واستخلف على الجند أخاه صالحا، ورجع إلى مرو الشاهجان، ففتح صالح كاشان وأورشت وأخشيكت، وكلها من فرغانة٥. وفي السنة الثانية صالح قتيبة ملك باذغيس٦ واستعد للإغارة على بيكند، وهي أدنى مدائن بخارى إلى نهر جيحون، ولم يكد يتقدم إليها حتى استغاث أهلها بالصغد، واستمدوا من حولهم، وأخذوا الطرق عليه، فأوشك أن ينهزم، غير أنه ظفر بهم في النهاية، ودخل المدينة بالقوة وقتل من بها من الجند، وأصاب من الغنائم والسلاح وآنية الذهب والفضة ما لا يحصى كثرة٧. وفي السنة التالية توجه إلى تونكث من

стр. 19

قرى الشاش فصالحه أهلها، كما صالحه أهل رامدين، إلى مرو الشاهجان، وخلف على الجند أخاه عبد الرحمن، فزحف إليه الصغد وأهل فرغانة، فناهضهم حتى كادوا يظهرون عليه. فرجع قتيبة إليه، وانهزم الترك شر هزيمة. وفي سنة تسع وثمانين أمره الحجاج بغزو بخارى، فعبر النهر من زم، فلقيه الصغد، وأهل كس ونسف في طريق المفازة، فقاتلوه فانتصر عليهم، ولكنه عجز عن التغلب على ملك بخارى، فعاد إلى مرو الشاهجان١. فكتب إليه الحجاج يعنفه. فانطلق سنة تسعين إلى بخارى وحاصرها، فاستنصر ملكها، بالصغد فنصروه، فقويت شوكته بهم، فلم ييأس قتيبة، بل ظل الأمل يغمر قلبه، فصبر، واحتمل هزيمة مقدمته من الأزد، وما سببته من ضعف جانبه، ولكنه أخذ يحمس بني تميم، فاستبسلوا في القتال، ولم يزالوا يجاهدون حتى انتصروا على أهل بخارى والصغد انتصارا عزيزا. ففتحت المدينة، وأذعن ملكها، وتقهقر الصغد إلى بلادهم٢. ولما رأوا ما ألحقه قتيبة بأهل بخارى، وفد ملكهم عليه فصالحه٣. وفي السنة نفسها نكث نيزك طخارستان، وفاوض ملوك بلخ، ومرو الروذ والطالقان، والفارياب، والجوزجان على التمرد، فثاروا معه، واستظهر بكابل شاه، وطلب إليه أن يلجأ إلى بلاده إذا هزم. ثم خلع النيزك جيغويه ملك طخارستان وقيده، وأخرج عامل قتيبة من طخارستان. وبلغ قتيبة ما فعل النيزك، فجمع قواته من البلدان، وسير أخاه عبد الرحمن في اثني عشر ألفا إلى البروقان، وأوصاه بالمقام فيها حتى ينتهي فصل الشتاء، ثم بالتوجه منها إلى طخارستان. وسار قتيبة بنفسه إلى الطالقان فأوقع بأهلها٤، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخضع في السنة التالية الفارياب والجوزجان، واجتاز شعب خلم الصعب، وطوق حاميته وشتتها، وحصر النيزك بالقلعة التي تحصن فيها، ثم احتال عليه فأخرجه منها، وقتل ابن أخيه، ونائب

стр. 20

ملك طخارستان، وكثيرين ممن انضموا إليهم وناصروهم١. ثم زحف إلى شومان فحاصرها وقتل ملكها، وإلى كس ونسف ففتحها، وأنفذ أخاه عبد الرحمن إلى الصغد، فقبض من ملكها المبلغ الذي صالح قتيبة من قبل عليه٢. وفي سنة اثنتين وتسعين غزا سجستان، واقتحمها، فأرسل إليه زنبيل كابل يطلب الصلح فصالحه٣. وفي السنة التالية أغار على خوارزم بالتواطؤ مع ملكها، لأن أخاه الأصغر غلبه عليها، واشترط عليه أن يدفع أخاه إليه إذا دخلها، فوافقه قتيبة، ومضى إلى خوارزم، فأسر خرزاذ، وسلمه للشاه مع غيره ممن خالفوه٤، ولكن أهل خوارزم لم يلبثوا أن وثبوا بعامل قتيبة عليهم، فبعث إليهم أخاه عبد الرحمن، كما وجه إليهم فرقة أخرى عليها المغيرة بن عبد الله، فهرب الشاه إلى بلاد الترك، وقدم المغيرة، فقتل وسبى، وصالحه الباقون على الجزية٥. وفي السنة ذاتها أرسل أخاه عبد الرحمن إلى سمرقند، لأن أهلها نكثوا بما عاهدوه عليه سنة إحدى وتسعين، فأحاط بهم، وشدد الطوق عليهم، فاستنجدوا بملك الشاش، وملك فرغانة، وخوفوهما أن العرب إذا قهروهم فإنهم سيثنون بهما، فدفعا إليهم جمعا من الفرسان، وأولاد الملوك، فانكسروا انكسارا منكرا، وذل الصغد، ورمى قتيبة مدينتهم بالمجانيق، حتى ثلم في سورها ثلمة احتلها جنوده بعد قتال مرير، فصالحوه على الجزية. وشرطوا عليه أن يبني بالمدينة مسجدا، ثم يخرج منها، فدخلها وأحرق الأصنام، وأبقى جالية عربية. ثم رجع إلى مرو الشاهجان٦. وفي سنة أربع وتسعين اجتاز قتيبة نهر جيحون، وفرض على أهل بخارى وكس، ونسف وخوارزم عشرين ألفا من المقاتلين، فأتوه فوجههم إلى الشاش، وسار هو إلى فرغانة، فلما وصل إلى خجندة، استجاش أهلها وناهضوه في معارك متعددة كان له

стр. 21

النصر فيها، ثم صار إلى كاشان. وعندما أنجز الجنود الذين سيرهم إلى الشاش مهمتهم انصرف إلى مرو الشاهجان١. وفي العام اللاحق بعث إليه الحجاج جيشا من العراق، فغزا بهم، فلما كان بالشاش أو كشمين بلغه خبر وفاة الحجاج، فساءه وأحزنه، فعاد إلى مرو الشاهجان٢. وفي آخر سنة من ولايته زحف نحو مدينة كاشغر، وهي أقرب المدن التابعة للصين، وحمل مع الناس عيالاتهم، ليضعهم بسمرقند، واجتاز فرغانة، وأمن الطريق إلى كاشغر وأنفذ إليها جيشا فتوغل فيها، وغنم وسبى٣. وبينما كان قتيبة بفرغانة، مات الوليد بن عبد الملك، واستخلف أخوه سليمان وكان يكره الحجاج وموظفيه، ويقدم يزيد بن المهلب ومساعديه، فقدر قتيبة حينما بلغه كيد ابن المهلب له أن سليمان لا بد أن يبعده عن الولاية، ويمثل به، على نحو ما أبعد عمال الحجاج وعذبهم، فهم بخلع سليمان، إلا أن القبائل لم تقف بجانبه، بل مكرت له، وتواطأت مع الأعاجم على الغدر به. وكان مصيره أن لقي مصرعه بسيوف الخيانة، فاختفى بسقوطه عامل من أكبر العمال وأجدرهم، وقائد من أنجب القواد وأقدرهم، جعل همه الغزو، حتى دوخ الترك، وثبت السيادة العربية بما وراء النهر٤. وتولى الإمارة بعد مقتله وكيع بن أبي سود التميمي، زعيم المؤامرة، فأقصاه سليمان عنها بعد تسعة أشهر، وأسندها إلى يزيد بن المهلب، فسبقه ابنه مخلد إلى خراسان، وقدمها هو سنة سبع وتسعين، فاستهل عهده بالإغارة على جرجان لكي يضاهي بفتحه لها فتوحات قتيبة فيما وراء النهر، التي طالما ذكره سليمان بها، وعظم أمامه أمرها. فسار إليها في جيش كثيف عداده مائة ألف، وقيل: مائة وعشرون ألفا من أهل الشام والعراق وخراسان سوى الموالي والمتطوعة. فبدأ بقوهستان فحاصرها حتى احتلها

стр. 22

وصالحه أهلها، ثم مضى إلى جرجان، فاستقبله أهلها وصالحوه دون قتال، فطمع في طبرستان، فأسرع إليها، وضرب عليها حصارا من ثلاث جهات، فطلب إليه إصبهبذها الصلح فرض، والتحم معه قواد يزيد في معركة حامية انتصروا عليه فيها، فصعد بمن بقي معه من الجنود إلى قمة جبل، فتعقبوه فهزمهم. وحينئذ كاتب الإصبهبذ أهل جرجان أن يقطعوا الطريق إلى دار الإسلام عن يزيد، وأن يمنعوا عنه المؤونة والمدد، فثاروا بجرجان، وقتلوا الحامية العربية بها، ولم يتمكن يزيد من النجاة بنفسه، واستنقاذ جيشه إلا بعد أن توسط بينه وبين الإصبهبذ حيان النبطي، قادد الفرقة الخراسانية في الجيش العربي، فوادعه الإصبهبذ، وسمح له بالانسحاب من بلاده١. وفي السنة نفسها صمم يزيد على فتح جرحان، لأن أهلها تمردوا عليه، وغدروا به، فزحف إليهم، ولم يتحول عنهم إلا بعد أن مزقهم وقتلهم، وصلبهم، ودمر مدينتهم، ثم رممها وعمرها٢. ولكن ولاية يزيد لم تطل، فقد توفي سليمان، وخلفه عمر بن عبد العزيز، فصرفه عن خراسان، وزج به في الحبس، وطالبه بما اجتمع عنده من الأموال الضخمة التي كتب بها إلى سليمان، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي٣. فكان عليها عاما وبعض عام، ثم نحاه عمر عنها، لأنه كتب إليه أن يضع الجزية عمن أسلم من أهل خراسان، وأن يفرض لجنودهم عطاء، بعد أن شكا إليه أبو الصيداء صالح بن طريف من ظلم الجراح لهم، وعدوانه عليهم، فلم يسقط الجزية عن مسلميهم، ولا أجرى رزقا على مقاتليهم، ورد على عمر بأنهم لم يسارعوا إلى الإسلام إلا تخلصا من الجزية، وأنهم لم يختتنوا. فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمدا نبيا، ولم يبعثه خاتنا. واستقدمه، وعين مكانه عبد الرحمن بن نعيم الغامدي الأزدي على حرب خراسان، وعبد الرحمن بن عبد الله القسيري على خراجها، وأوصاهما بالعدل: فلم يزل عبد

стр. 23

الرحمن بن نعيم الغامدي على خراسان حتى مات عمر، وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف١. وفي خلافة يزيد بن عبد الملك ارتفع شأن القيسية والمضرية بخراسان، إذ ولي يزيد أخاه مسلمة على العراق، فاستعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز الأموي، فأخذ عمال عمر بن عبد العزيز وحبسهم ثم أطلقهم، كما أخذ نفرا من موظفي يزيد بن المهلب اختانوا أموالا، فسجنهم وعذبهم حتى مات بعضهم، وأشفى غيرهم على الهلاك٢. وفي سنة اثنتين ومائة اضطربت سمرقند، وكانت ملتاثة قبل مجيء سعيد إليها فقد جمع خاقان الترك، واستعان بالصغد، وحاصر قصر الباهلي، فهادنه من كان به من العرب، وصالحوه، وكانوا قبل ذلك قد استمدوا عثمان بن الشخير عامل سمرقند، فجاء المدد من جميع القبائل، واشتبكوا مع الترك واستردوا قصر الباهلي٣. وفي السنة نفسها عبر سعيد النهر، وأغار على الصغد لأنهم نقضوا العهد وأعانوا الترك، فأوقع بهم، وأدبهم، ثم سار إلى الترك، فحطموا أولى كتائبه، التي تقدمت نحوهم، فحمل بنو تميم على الترك، وجاهدوهم جهادا عنيفا حتى قدم الأمير، فحققوا بعض النصر، ولكن المعركة لم تنته٤. وحدث أن انكسر خراج العراق وخراسان، في أيام مسلمة، فعزله أخوه يزيد عنهما، وعين عليهما عمر بن هبيرة الفزاري٥، فأعفى سعيد بن عبد العزيز من ولاية خراسان، وكان يقاتل الترك بسمرقند، وأوفد إليها سعيد ابن عمرو الحرشي، فوافهاها والجيش بإزاء العدو بسمرقند، فاستنهض همم الجنود، وحضهم على الاستبسال في النضال٦ فخاف الصغد لأنهم كانوا قد ظاهروا الترك على العرب في عهد سعيد بن

стр. 24

عبد العزيز. فخرجوا إلى خجندة وسألوا ملك فرغانة أن ينزلهم ببلاده، وأن يحميهم. وفي سنة أربع ومائة توجه الحرشي إليهم، وطوقهم بخجنده، ونصب عليهم المجانيق، وقتل أميرهم وجماعة منهم، لأنهم قتلوا الأسرى العرب الذين كانوا بأيديهم١. وكان الحرشي يستخف بابن هبيرة، ولا يتقيد بتعاليمه، ولا ينفذ أوامره. وكانا- وهما قيسيان- يتنافسان في السلطة والعظمة. فاغتنم ابن هبيرة قتل الحرشي للصغد، ونحاه عن خراسان، وولى عليها مسلم بن سعيد ابن زرعة الكلابي٢. فغزا الترك سنة خمس ومائة، فلم يفتح ولم يفلح. ثم غزا مدينة أفشينة من مدائن الصغد، فصالحه ملكها وأهلها٣. ثم أخذ يتأهب للهجوم على الترك والصغد، حتى إذا ما جهز حملة إلى فرغانة، وقطع النهر: تمردت عليه ربيعة والأزد ببلخ، فرد إليهم نصر بن سيار، فقضى على فتنتهم، وأمرهم باتباع أميرهم٤، فساروا إليه، وحين وصل مسلم فرغانة تطورت الأحداث تطورا سريعا إذ مات يزيد بن عبد الملك، وبويع أخوه هشام، فصرف ابن هبيرة عن العراق، واستعمل عليها خالد بن عبد الله القسري، فولى أخاه أسدا على خراسان، وكتب إلى مسلم أن يتم غزوته. فتقدم حتى تخطى خجنده، واقتحم بلاد الترك، فحاربوه وفتكوا بجنده، فضعفت قوته، وعجز عن الانسحاب عبر نهر الشاش، وأصابت المجاعة جيشه، فمات عدد منهم بالجوع والعطش، ولم يعد إلى خجنده إلا بعد جهد جهيد٥. ولم يوفق أسد القسري بخراسان لا في سياسته الداخلية، ولا في غاراته الخارجية، أي توفيق، بل أخفق أشد الإخفاق، فقد أقام الحسن بن أبي العمرطة الكندي على سمرقند بدلا من هانئ بن هانئ فهاجمه الترك، فردهم على أعقابهم، ورجع إلى أسد، وخلف على عمله ثابت قطنة الأزدي٦. وحاول أسد الإغارة على الترك

стр. 25

مرتين، فرجع منهماخائبا١. فأخذ يغزو مناطق خراسان الشاقة الوعرة، فقد غزا غرجستان فصالحه ملكها، وغزا الغور، وغنم منها أموالا كثيرة٢. وفي سنة تسع ومائة أمر هشام خالدا القسري بتنحيه أخيه أسد عن خراسان، لأنه تعصب لليمانية، حتى أفسد الناس، وأهان المضرية، وضرب نصر بن سيار، ونفرا معه من مضر بالسياط، وحلقهم وسيرهم إلى أخيه مدعيا أنهم أرادوا الوثوب به٣. فاستدعاه خالد، فاستخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، فأقام بها صيفا. ثم ولاها هشام أشرس بن عبد الله السلمي. وكان رجلا فاضلا خيرا، وكان يسمى الكامل بفضله٤. فافتتح عهده بمحاولته إصلاح الأوضاع المتردية بسمرقند، فدعا أهلها إلى الإسلام على أن ترفع عنهم الجزية، ووجه إليهم أبا الصيداء صالح بن طريف، وساعده في مهمته الحسن بن أبي العمرطة الكندي، عامل سمرقند، فدخلوا فيه أفواجا، وشيدوا المساجد، فكتب غوزك إخشيد سمرقند إلى أشرس أن الخراج انكسر لكثرة الداخلين في الإسلام، وقلة ما يجبى ممن بقي من أهل سمرقند على دينه. فضيق أشرس على الذين أسلموا، وسقطت عنهم الجزية، وراح يطالبهم بالاختتان، وإقامة الفرائض، وقراءة سورة من القرآن. ثم أقصى الحسن بن أبي العمرطة الكندي عن سمرقند، وعين مكانه هانئ بن هانئ، وأمره بأخذ الجزية ممن كانت تؤخذ منه. فامتنع أهل سمرقند عليه، واعتزلوا في سبعة آلاف على مقربة من سمرقند، وانضم إليهم أبو الصيداء، وعدد من تميم والأزد وبكر. فقبض هانئ على رؤساء العرب الذين ناصروا الترك، وأرسلهم إلى مرو الشاهجان. وألح في جمع الجزية، واستهان بعظماء العجم والدهاقين، وأساء معاملتهم، فثار الصغد وأهل بخارى ثورة عارمة، واستنصروا الترك، فخرج أشرس إليهم غازيا، وأقام بآمل على شط نهر جيحون الغربي أشهرا. ثم قطع قطن بن قتيبة بن مسلم النهر، فأطبق عليه الصغد والترك وأهل بخارى، وشلوا قوته، فلم يستطع التقدم ولا التأخر، فوجه إليه أشرس كتيبة فكت عليه

стр. 26

الحصار. ثما اجتاز النهر إلى بيكند، فلم يصلها إلا بعد مشقة كبيرة. وبذل كل ما في وسعه لبلوغ بخارى، فلم يبلغها إلا بعد معارك طاحنة خاضها مع الترك، وقتل فيها جملة من فرسان العرب، ومات منهم سبعمائة عطشا. ومن بخارى سير أشرس حملة إلى كمرجة بالقرب من بيكند، فلاقاها خاقان في الترك وأهل فرغانة وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى، وسدد عليها الطوق، فأبلى جنودها بلاء حسنا في الدفاع عن أنفسهم، ورفضوا الاستسلام، فاحتال خسرو بن يزدجرد على الموقف، وأعطاهم الأمان على أن لا يلتحقوا بأشرس في بخارى، بل أن يعودوا إلى الدبوسية من أعمال الصغد١. وهكذا فشل أشرس فشلا ذريعا في تحسين أحوال سمرقند السيئة، إذ لم يشرع في تطبيق ما اقترحه من تغييرات مالية برفع الجزية عمن أسلم منهم، حتى أعلن كثيرون إسلامهم، فتضاءلت الأموال التي كان الدهاقين يجمعونها، والتي كان مفروضا عليهم أن يدفعوها دون نقص أو تأجيل، لأنه كان من شروط صلحهم حين فتحت بلادهم أن يؤدوا مبلغا محددا كل سنة للفاتحين. فأذن أشرس للدهاقين بتحصيل الجزية ممن كانت تحصل منهم قبل إسلامهم. فكان ذلك مبعث سخطهم وعصيانهم، مما اضطر أشرس إلى محاربتهم، لإرغامهم على دفع الجزية، فجلب لنفسه ولجيشه هزائم متوالية بمواقع متعددة، انتهت بضرب خاقان طوقا قويا عليه ببخارى، لم يقدر على كسره، ولم يستطع الانفلات منه. وعندئذ رأى هشام أن يعزله ويولي مكانه الجنيد بن عبد الرحمن المري، فسار إلى ما وراء النهر وشق طريقه إلى أشرس بصعوبة بالغة، لأن الترك والصغد انقضوا عليه عندما عبر النهر، فشتتهم بعد قتال ضار، وواصل تقدمه نحو أشرس، فلما كان ببيكند عاود الترك الانقضاض عليه، فكاد يهلك، ثم ظهر عليهم، فجمع خاقان الترك وهاجمه عند رزماق بالقرب من سمرقند، فدارت الدائرة على الترك، ونجح الجنيد في فك الحصار عن سمرقند، وفي انتزاع أشرس ومن كان معه من الجند، وقفل عائدا إلى مرو الشاهجان٢.

стр. 27

وفي سنة اثنتي عشرة ومائة عزم الجنيد على غزو طخارستان، فبعث إليها كتائب عديدة تتقدم إليها من جهات مختلفة، ولم تكد تلك الكتائب تتفرق عنه حتى هاجم الترك سورة بن الحر التميمي بسمرقند، فاستمد الجنيد، ولم تكن لديه قوة، لأن معظم جيشه كان غازيا. فقرر إغاثته، فقطع النهر، ونزل بكس، ومنها سار إلى سمرقند سالكا إليها طريقا جبليا صعبا. فلما كان بشعب جبلي وعر قريب منها فاجأه خاقان في جيش ضخم من الترك والصغد، وأهل فرغانة والشاش، فأحاطوا به، وصارعوه صراعا شديدا، وقتلوا عددا كبيرا من جيشه. ولولا ثبات نصر بن سيار وفرسانه المغاوير، وتفاني جنود الفرقة الخراسانية في القتال لأبيد الجنيد وجيشه، لأن خاقان لم يتراجع بجنوده، بل استمر يحاصر الجيش العربي، فاستنجد الجنيد بسورة بن الحر التميمي، فتوجه إليه من سمرقند، وبينما هو غير بعيد منه هاجمه الترك وقتلوه. وتمكن الجنيد في النهاية من دحر الترك، ودخول سمرقند، فأسرع خاقان إلى بخارى، فتبعه الجنيد إليها، وضربه عند الطواويس ضربة قاضية، وبذلك كللت حملة الجنيد باسترداد سمرقند وبخارى، وبإجلاء عيالات الجنود العرب من سمرقند، إلى مرو الشاهجان١. وفي سنة ست عشرة ومائة خلع هشام الجنيد عن خراسان، لأنه تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب٢. وكان هشام يكره يزيد، ويعتبره خارجا على بني أمية، لأنه ثار عليهم بالبصرة في مطلع القرن الثاني٣. واستعمل عليها عاصم بن عبد الله الهلالي، فوصل إلى مرو الشاهجان، وقد مات الجنيد حتف أنفه، فحبس عمارة بن حريم، ابن عم الجنيد، وحبس موظفي الجنيد، وعذبهم٤. ولم يكد عاصم يستقر بمرو الشاهجان حتى ثار الحارث بن سريج التميمي بالنخذ، بين الفارياب وزم واليهودية وآمل، ودعا إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله،

стр. 28

والبيعة للرضا. فكان لدعوته صدى واسع في صفوف العرب المتذمرين، وفي نفوس الأعاجم الذين طالما شكوا من الطغيان، وضجوا من الضرائب الباهظة التي لم تكن تسقط عنهم ولا تخف عليهم، حتى بعد إسلامهم، فاحتل الفارياب وبلخ والجوزجان والطالقان ومرو الروذ، وهم على مرو الشاهجان في جيش من الأعاجم ودهاقين المقاطعات التي استولى عليها، وانضم إليه بعض العرب الساخطين من الأزد وتميم. فصد عاصم هجومه الأول على المدينة فعسكر بباب مرو الروذ١. وفكر عاصم في ضخامة المسؤولية، وصعوبة المشكلات المالية التي أثارت أهل خراسان وما وراء النهر، وقدر أن يستقيل من الولاية، فكتب إلى هشام أن يعفيه، وأن يضيف خراسان إلى صاحب العراق، "فتكون موادها ومنافعها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قريب، لتباعد أمير المؤمنين منها، وتباطأ غياثه عنها"، فأضافها إلى خالد بن عبد الله القسري عامل العراق، وأشار عليه أن يبعث إليها أخاه أسدا، ليصلح ما اضطرب من شئونها، ويضع حدا للفتنة بها. فلما أقبل أسد حبس عاصما وحاسبه، لأنه كان اتفق مع الحارث على خلع هشام ومحاربته إذا رفض العمل بالكتاب والسنة، وأطلق سراح عمارة بن حريم، وأخلى سبيل موظفي الجنيد، وقاتل خالد بن عبد الله الهجري الذي والى الحارث بآمل، وعطف على معكسر الحارث، فلم يستطع اقتحامه، ومنع أهل الترمذ من الأعاجم المسلمين الحارث من دخول مدينتهم، فانتقل إلى طخارستان، ثم سار أسد إلى سمرقند، فصرف عنها الهيثم الشيباني، لأنه دخل في طاعة الحارث٢، ورجع إلى بلخ، فسير منها جديع بن علي الكرماني الأزدي إلى قلعة التبوشكان، حيث لجأ الحارث عند أصهاره من التغلبيين فأنزل بهم جديع هزيمة ساحقة، وسبى من كان بالقلعة من العرب والموالي، والذراري، وباعهم فيمن يزيد بسوق بلخ. وأقام أسد ببلخ، وجعلها مقره الإداري، ونقل الدواوين إليها،

стр. 29

وأسكن بها الجنود العرب الذين كانوا بالبروقان١. وغزا طخارستان ففتح وأصاب سبيا٢. وفي سنة تسع عشرة ومائة هاجم الختل على الشاطئ الشرقي لنهر جيحون، مقابل بلخ، فاستعان أميرها بخاقان الترك، فأعانه، فأرسل الأمير إلى أسد يعلمه بقدوم خاقان، وينصحه بمغاردة بلاده لئلا يوقع الترك به، فتعاديه العرب. فعمل أسد بنصيحته، بعد تباطؤ، فقدم الأثقال، فقطعت النهر، وأدرك خاقان من تأخر من العرب، فقاتلهم، ثم عبر النهر إلى الضفة الغربية، وهاجم طليعتهم التي عسكرت بالأثقال في بطن واد، ونجا أسد هو ومن معه من المقاتلة بمشقة٣. ولم يسكت خاقان عن أسد، فقد ذهب إلى المنطقة الشرقية من طخارستان ويقال: إن الحارث بن سريج استدعاه إليها، فأجلى أسد العرب من الجوزجان وأنزلهم ببلخ، وقاد بنفسه جيشا جرارا من أهل فلسطين، وقنسرين، وحمص، ودمشق، ومن الأزد، وربيعة، وتميم، ومن الجوزجان، وألحق بخاقان هزيمة ساحقة بعد جولات عديدة، وسبى وغنم. وبقي خاقان بفلوله في طخارستان مدة، ثم رجع إلى وطنه، ورحل معه الحارث بن سريج. وبعد رجوعه اغتاله رجل من أعوانه، وهو كورصول، فاختلف الترك وتشتتوا، وعاد أسد إلى بلخ٤. ثم جدد أسد الإغارة على الختل، إذ وجه إليها مصعب بن عمرو الخزاعي، فقتل أميرها، وفرق جنوده في أوديتها، فامتلأت أيديهم بالغنائم والسبي٥. وفي سنة عشرين ومائة توفي أسد ببلخ، فناب منابه جعفر بن حنظلة البهراني، فعمل أربعة أشهر، وفي السنة نفسها أعفى هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري من ولاية العراق، وقلدها يوسف بن عمر الثقفي، فوكل حكم خراسان لجديع بن علي الكرماني الأزدي، فلم يرض هشام عنه، فأقصاه وعين عليها نصر ابن

стр. 30

سيار الكناني، فجفا اليمانية وربيعة، وفصلهم من الوظائف، وأعطاها للمضرية أربع سنوات١. وعمرت خراسان في ولايته عمارة لم تعمرها من قبل، وأحسن السيرة والجباية، ووضع الخراج عمن أسلم٢. واستهل نصر ولايته بمقاتلة الترك إذ غزا ما وراء النهر من جهة باب الحديد، ثم قصد سمرقند مارا بورغسر، ومنها اتجه إلى الشاش، فحال بينه وبين قطع نهر الشاش كورصول التركي، والحارث بن سريج، ولكن جيشه الكثيف الذي كان يتألف من العرب، ومن أهل بخارى وسمرقند وأشروسنة، سرعان ما تغلب على الترك، وقتل زعيمهم كورصول، فاقتحم نصر الشاش، فتلقاه ملكها بالصلح والهدية والرهائن. وكان من نصوص الصلح أن يخرج الحارث بن سريج من بلاده فأخرجه إلى فاراب. ومضى نصر إلى فرغانة، فصالحه صاحبها بعد محاصرة قاسية٣. وكان نصر خبيرا بخراسان ومشكلاتها التي تهم العرب والأعاجم، إذ عاش بها أكثر عمره متنقلا في المناصب الرسمية الإدارية والعسكرية، فبذل جهدا كبيرا لإصلاح أوضاعها السيئة، إذ عدل عن العصبية القبيلة، لأنه أحس بعمق قيمة الوحدة، وأثرها في صيانة السيادة العربية وحمايتها من العدو الخارجي، فعامل القبائل بالإنصاف، مع أنه انحاز في صدر ولايته إلى مضر، واطرح الأزد وربيعة، كما غضب على قيس بعد أن حاول يوسف بن عمر الثقفي تنحيته عن الحكم٤. وعمل على تحسين أحوال أهل خراسان الأصليين، وبين خطته الإصلاحية في خطبة ألقاها بجامع مرو الشاهاجان، قال فيها: "استعملت عليكم منصور بن عمر بن أبي الخرقاء، وأمرته بالعدل عليكم. فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه. أو ثقل عليه في خراجه، وخفف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك إليه، يحوله عن المسلم إلى المشرك". فما كانت الجمعة الثانية حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم،

стр. 31

وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم، فحول ذلك عليهم، وألقاه عن المسلمين، ثم صنف الخراج حتى وضعه مواضعه، ثم وظف الوظيفة التي جرى عليها الصلح، فكانت مرو الشاهجان يؤخذ منها مائة ألف سوى الخراج، أيام بني أمية١. وبذلك كان يمكن أن تستقيم الأحوال بخراسان، ويتآلف العرب والعجم تآلفا قويا، ويستأنفوا حياة لا تفرقة ولا تسلط فيها. غير أن موت هشام بن عبد الملك، وقيام الوليد بن يزيد من بعده، وفتك ابن عمه يزيد بن الوليد به، وما صاحبه من تفكك الأسرة الأموية، وتصارع أبنائها على الخلافة حتى توفي يزيد بن الوليد، واستخلف مروان بن محمد، وما تعرض له نصر من الحسد والتآمر قد أضعف موقفه، إضعافا شديدا، وكانت الطامة الكبرى في تأثير الأحداث في الوضع بخراسان. فقد استفحل النزاع بين اليمنية والمضرية، وتعقد برجوع الحارث بن سريج إلى مرو الشاهجان ومحالفته الكرماني، ومخالفتهما نصرا. وازداد الوضع ترديا بظهور أبي مسلم على المسرح، وامتناع نصر عن موافقته على الدعوة للرضا من آل محمد، وما تبع ذلك من تعاظم الخطر الذي أخذ يحدق بنصر، وإخفاق القبائل العربية في التصدي لأبي مسلم بعد أن تهادنت من أجل التفرغ لقتاله، فأدى ذلك إلى غلبة أبي مسلم على مرو الشاهجان، واندحار نصر عنها٢.

стр. 32

القبائل العربية بخراسان: ليس بين أيدينا صورة واضحة عن عدد العرب بخراسان، ولا عن منازلهم ووسائل معاشهم، وتنظيمهم الاجتماعي والعسكري، وتكتلهم السياسي، ولا عما شجر بين قبائلهم المتنافسة في السلطان من منازعات، ولا عن علاقاتهم بسكان خراسان الأصليين، وإنما كل ما لدينا عن ذلك كله مجموعة من الأخبار. وهي أخبار تكثر وتتسق في مبحث، وتقل وتتناقض في مبحث آخر. ومع ذلك فإنها تبقى الأساس الذي نقيم عليه تصورنا لكل تلك المباحث. وهو تصور يخضع في النهاية لمدى إحاطة الدارس بأحوال العرب بخراسان، ولاجتهاده في الاستنتاج والترجيح، أكثر مما يقوم على المعلومات الوافية المطردة. أما عدد العرب بخراسان فيتعذر أن نعرفه معرفة دقيقة، لأن المؤرخين لم يهتموا به كثيرا، وإنما اكتفوا بالإشارة السريعة إلى المقاتلين دون عيالاتهم، وتغاضوا عن المهاجرين والآخرين، الذين لم ينزحوا إلى خراسان للانتظام في صفوف الجند، بل للإقامة والعمل، أو للالتحاق بذويهم وأقاربهم. على أننا إذا تتبعنا ما ذكره المؤرخون من الهجرات الرسمية أمكن أن نقدر عدد العرب التقريبي من عهد إلى عهد، وأمكن أن نتبين أي قبائلهم كانت أكثر عددا، وأكبر قوة. وأخبار الحملة التي قادها ابن عامر لفتح خراسان، وعدد من اشترك فيها من الجند غامضة غموضا مطلقا، فكل ما نعرفه عنها أن القادة الذين استعان بهم كانوا يغزون في

стр. 33

ألوية متساوية، ويبلغ كل منها أربعة آلاف جندي. فقد بعث ابن عامر الأحنف بن قيس التميمي في أربعة آلاف إلى طخارستان١. ولما فتح الأحنف الجوزجان كان جيشه خمسة آلاف، أربعة آلاف من العرب، وألفا من مسلمي العجم٢. وكان جيش عبد الله بن خازم السلمي الذي لقي به قارن التركي أربعة آلاف٣. ولم يزل أهل البصرة يغزون من لم يكن صالحا من أهل خراسان، فإذا رجعوا خلفوا أربعة آلاف للعقبة. فكانوا على ذلك حتى كانت الفتنة بعد مقتل عثمان٤. والمظنون أن العرب تضعضعوا بخراسان عندما احتدم الصراع على الخلافة بين علي ومعاوية، وأنهم أخلوا بعض المناطق التي احتلوها، وتجمعوا في الأقاليم التي كان سلطانهم لا يزال قويا فيها، غير أنهم لم ينسجوا من خراسان كلها، لأن المؤرخين لا يتحدثون عن فتحها مرة ثانية في أيام معاوية، وإنما يتحدثون عن إعادة تنظيمه لشئونها، وتعيينه ولاة جددا على أهم مقاطعاتها. ومهما يكن من أمر فإن مجموع العرب الذين كانوا بخراسان بعد فتحها مجهول، كما تنقطع أخبارهم حتى سنة خمس وأربعين، حين ولي زياد بن أبي سفيان البصرة لمعاوية، فولي أمير بن أحمر اليشكري مرو الشاهجان، وخليد بن عبد الله الحنفي نيسابور، وقيس بن الهيثم السلمي مرو الروذ، والطالقان، والفارياب، ونافع بن خالد الطاهي هراة وباذغيس وبوشنج. فكان أمير أول من أسكن العرب بمرو الشاهجان٥. والنص السابق لا يدل على عدد الذين قدموا مع الولاة الأربعة إلى خراسان، كما أن البلاذري وحده هو الذي أشار إلى أن أمير بن أحمر اليشكري كان أول من أنزل العرب بمرو الشاهجان، أما الطبري٦، وابن الأثير٧، فأغفلا هذه

стр. 34

الإضافة. ولسنا ندري هل كان الذين أسكنهم ابن أحمر مرو الشاهجان من العرب السابقين، أو أنهم كانوا وافدين، ولكننا نفترض افتراضا أن بعضهم كانوا وافدين، لأن أخبار الولاة اللاحقين، تفيد أن كلا منهم، كان يستصحب معه عددا من المقاتلين والفرسان المشهورين. وفي أول سنة إحدى وخمسين عين زياد بن أبي سفيان الربيع بن زياد الحارثي على خراسان، وبعث معه خمسين ألفا من البصرة والكوفة، ويختلف القدماء في عدد من كل مصر من المصرين، فالطبري يقول: إن زيادا بعث مع الحارث خمسين ألفا، من البصرة خمسة وعشرين ألفا، وعليهم الربيع، ومن الكوفة خمسة وعشرين ألفا، وعليهم عبد الله بن أبي عقيل، وعلى الجماعة الربيع بن زياد١. فنقل الناس عيالاتهم إلى خراسان ووطنوها٢، أما البلاذري٣ وابن الأثير٤ فيذكران العدد نفسه، ولكنهما لا يحددان نسبة من جاء من البصرة والكوفة. وشك الدكتور صالح العلي في أن العدد أخذ من أهل المدينتين بالتساوي والمناصفة، واستدل على ذلك، بأن الأخبار المتأخرة عن تنظيم العرب خراسان تظهر أن أهل الكوفة كانوا وحدة مستقلة لا تزيد عن سدس العرب هناك، وأن هذا التنظيم كان قائما على أساس الأخماس المتبع في البصرة، كما أن خراسان كانت متصلة بالبصرة أكثر من اتصالها بالكوفة٥. ومع أن استدلال الدكتور صالح العلي صحيح، لأن أخبار العرب بخراسان تقطع بأن أهل الكوفة كانوا أقل بكثير من أهل البصرة، فإن البلاذري٦، والطبري٧، وابن الأثير٨، يروون خبرا آخر يفيد أن هشام بن عبد الملك أمد الجنيد بن عبد

стр. 35

الرحمن المري، وهو يقاتل الترك بسمرقند سنة اثنتي عشرة ومائة بعشرين ألفا من الجنود، كان نصفهم من أهل البصرة، ونصفهم الثاني من أهل الكوفة، مما قد ينبئ بأن الخلفاء الأمويين كانوا يحرصون على تخفيف الضغط على أهل البصرة، الذي ألقي عليهم عبء إمداد خراسان بالجنود في أكثر الأحيان، فكانوا يجعلون بعض البعوث قسمة بين أهل المدينتين، ومما ينبئ بأن الخلفاء كانوا يبعدون العناصر المشاغبة في البصرة والكوفة إلى مناطق نائية، لكي يتخلصوا من خطرها، مع التمويه على هذه الغاية الخفية باختيار العناصر المبعدة شركة من المصرين١. وعلى كل حال، فهذا هو أول ذكر صريح لعدد المقاتلة بخراسان، وهذه هي أول مرة يشير المؤرخون فيها إلى أن المقاتلة نقلوا أسرهم إلى خراسان. ولا بد أن الجنود الذين كانوا بخراسان في النصف الثاني من القرن الأول كانوا أكثر من خمسين ألفا، فإن من قدموا مع الربيع بن زياد هم الذين يشكلون هذا العدد، أما من كانوا بخراسان من قبل فلم يضافوا إليه. وفي سنة أربع وخمسين ولى معاوية بن أبي سفيان على خراسان عبيد الله بن زياد، فقطع النهر في أربعة وعشرين ألفا٢، وليس من ريب في أن قسما من هذا العدد وفد مع ابن زياد، ولم يكن من الجنود القدماء الذين كانوا يبلغون في ولاية الربيع بن زياد أكثر من خمسين ألفا. ولم تنقطع الهجرات والنجدات عن خراسان بعد ذلك. وإنما استمرت وتوالت، فكان كل عامل يعين عليها يستقدم معه إليها طائفة من القادة النابهين، والمقاتلين المعروفين، الذين يعتمد عليهم، وكان الخلفاء وأمراء العراق لا يتوانون في توجيه البعوث الضخمة إلى عمالهم بخراسان، لتعويض خسائرهم في الجند، وخاصة حين كان أولئك العمال يكثرون من غزو ما وراء النهر، ويمنون بالهزائم، أو يعجزون عن إكمال غزواتهم. ففي سنة ست وخمسين ولى معاوية بن أبي سفيان على خراسان سعيد بن عثمان بن

стр. 36

عفان، فخرج إليها، وخرج معه أوس بن ثعلبة التميمي، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، والمهلب بن أبي صفرة، وربيعة بن عسل، أحد بني عمرو بن يربوع، وأخرج معه قوما من الأعراب كانوا يصيبون الطريق ببطن فلج، فيهم مالك بن الريب المازني١. وفي سنة إحدى وستين عين يزيد بن معاوية على خراسان سلم بن زياد، فقدم البصرة، فتجهز وسار إلى خراسان، فشخص معه عمران بن الفصيل البرجمي، وعبد الله بن خازم السلمي، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، والمهلب بن أبي صفرة، وحنظلة بن عرادة، وأبو حزابة الوليد بن نهيك، أحد بني ربيعة بن حنظلة، ويحيى بن معمر العدوي، حليف هذيل، وخلق كثير من فرسان البصرة وأشرافهم. فكان معه منهم ألفان، وقيل ستة آلاف٢. وفي سنة خمس وستين كان من بقي مع الحريش التميمي بعد أن تفرق عنه أصحابه وهو يقاتل عبد الله بن خازم السلمي بمرو الروذ اثني عشر ألفا من بني تميم٣. وإنما أوردنا هذا الخبر لندل به على حقيقة هامة، وهي أن بني تميم كانوا أكبر القبائل العربية بخراسان، لا في هذا الوقت فحسب، بل أيضا على مدار الحكم الأموي لخراسان. وفي سنة سبع وسبعين قضى أمية بن عبد الله الأموي على بكير بن وشاح التميمي، فكتب إلى عبد الملك ابن مروان، فضرب إليه بخراسان بعثا، فتجاعل الناس، فأعطى سليل الأسدي جعالته٤ رجلا من جرم٥.

стр. 37

وقبل سنة تسعين خرج الشمردل بن شريك اليربوعي هو وإخوته حكم، ووائل، وقدامة إلى خراسان، مع وكيع ابن أبي سود التميمي١. وفي سنة خمس وتسعين بعث الحجاج بن يوسف الثقفي جيشا من العراق إلى خراسان، فقدموا على قتيبة ابن مسلم، فغزا فلما كان بالشاش أو كشمهين أتاه موت الحجاج في شوال، فغمه، فقفل راجعا إلى مرو الشاهجان٢. وفي سنة ست وتسعين كان بخراسان من مقاتلة أهل البصرة أربعون ألفا: من أهل العالية تسعة آلاف، ومن بكر سبعة آلاف، رئيسهم الحفين بن المنذر، ومن تميم عشرة آلاف، عليهم ضرار بن حصين الضبي، ومن عبد القيس أربعة آلاف، عليهم عبد الله بن علوان، ومن الأزد عشرة آلاف، رأسهم عبد الله بن حوذان. وكان بها من مقاتلة أهل الكوفة سبعة آلاف. عليهم جهم بن زحر، أو عبيد الله بن علي٣. واعتمادا على الجدول السابق، قدر المستشرق فلهاوزن مجموع العرب بخراسان بمائتي ألف٤. ويبدو لنا أن الأرقام التي وردت في الجدول، والتي استند إليها فلهاوزن في تقديره غير دقيقة، فآية ذلك أن أبا عبيدة، معمر ابن المثنى، الذي كان له كتاب عن خراسان، يذكر أن مقاتلة بني تميم كانوا في تلك الفترة التي سجلت فيها الإحصائية السالفة أربعة وعشرين ألفا٥. ويمكن أن نستنتج من الفرق الكبير بين عدد المقاتلين التميميين الذي ذكره البلاذري، والطبري، وابن الأثير، وبين عددهم الذي ذكره أبو عبيدة أن عدد جنود كل قبيلة من القبائل العربية حينئذ لا بد أن يكون أكبر، وأن جملة الجنود العرب الذين كانوا بخراسان في تلك الفترة كانت أكثر من خمسين ألفا بكثير،

стр. 38

فقد روى خليفة بن خياط أنه كان بخراسان مائة ألف مقاتل، حين اغتيل قتيبة بن مسلم سنة ست وتسعين١. ويحتمل أن الجدول السابق لا يتضمن إلا مقاتلة القبائل المختلفة بمرو الشاهجان وحدها. ومما يقوي هذا الاحتمال أن يزيد بن المهلب غزا جرجان سنة ثمان وتسعين بمائة ألف مقاتل من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ووجوه أهل خراسان والري، سوى الوالي والمماليك والمتطوعين٢وفي بعض الروايات أنه أغار عليها بأكثر من ذلك قال البلاذري: "غزا جرجان في مائة ألف وعشرين ألفا من أهل الشام والجزيرة والمصرين وخراسان"٣. وقال الطبري: "يقال: كان يزيد بن المهلب في عشرين ومائة ألف، معه من أهل الشام ستون ألفا"٤. وإذا افترضنا أن أهل خراسان كانوا يشكلون سدس جيشه، وهم على الترجيح لم يكونوا يشكلون أكثر من هذه النسبة، لأن أبا الصيداء صالح بن طريف شكا إلى عمر بن عبد العزيز سنة مائة من أن عشرين ألفا من الموالي يغزون مع العرب بلا عطاء ولا رزق٥، فإن مجموع جنود القبائل العربية في جيشه كان مائة ألف. ولم تتوقف الهجرات والبعوث عن خراسان بعد ذلك، بل بقيت تتدفق عليها، ففي سنة إحدى عشرة ومائة استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان الجنيد بن عبد الرحمن فقدمها في خمسمائة٦. وبعد ذلك تكبد الجيش العربي خسائر فادحة في معركة الشعب بسمرقند، فاستمد الجنيد هشاما، فبعث إليه بعمرو بن مسلم في عشرة آلاف رجل من البصرة، وبعبد الرحمن بن نعيم في عشرة آلاف من أهل الكوفة٧. ويزعم الشاعر خالد بن المعارك العبدي، المعروف بابن عرس، أن الذين هلكوا

стр. 39

من الجنود العرب سنة اثني عشرة ومائة في موقعة الشعب، والتي دارت بين الجنيد وخاقان، كانوا خمسين ألفا١، وهو رقم لا شك أنه بالغ فيه بعض المبالغة، ولكن المهم هو أن الجيش الذي حارب به الجنيد بسمرقند لم يكن يؤلف جميع الجنود العرب الذين كانوا بخراسان عندئذ، وإنما كان يؤلف قسما منهم، ذلك أن الجنيد تحرك إلى سمرقند في الوقت الذي اتجهت فيه أكثر فرق الجيش العربي إلى طخارستان، فقد وجه الجنيد عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا، وإبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف في وجه آخر، وعبد الرحمن بن مسلم في لواء ثالث إلى النيروز٢، كما كان بخراسان كتائب وألوية أخرى لم تغز طخارستان، ولم تتحرك مع الجنيد إلى سمرقند، وإنما كانت تعسكر بمواقعها مع رؤسائها في مدن خراسان الأخرى، فقد كان البختري بن أبي درهم لا يزال مقيما هو وجنوده بهراة، كذلك لم يحضر إلى الجنيد الجنود الذين كانوا مرابطين بالطالقان٣، ويجب أن نزيد على كل هذه الكتائب والألوية الغازية وغير الغازية فرقا وسرايا أخرى كان بعضها بالمراقب والثغور الهامة لخراسان، وكان جنودها طلائع يراقبون العدو ويحرسون الحدود٤، وكان بعضها ببلاد ما وراء النهر مثل سمرقند، وبخارى، وخوارزم، وبين أيدينا خبر واحد عن عدد المقاتلين الذين كانوا بسمرقند، مع سورة بن الحر التميمي، فقد سار معه منها اثنا عشر ألفا لإغاثة الجنيد بالشعب حين كان محاصرا مجهودا٥ مما يدل من بعض الوجوه على أن الجيش العربي بخراسان لم يقل كثيرا في هذه الفترة عن مائة ألف جندي، وهو مقارب للعدد الذي كان في ولاية يزيد بن المهلب الثانية على خراسان. ويذكر الشاعر الكميت بن زيد الأسدي في قصيدة أرسلها من الكوفة إلى العرب بمرو الشاهجان، سنة سبع عشرة ومائة، حين اكتسح الحارث بن سريج التميمي أكثر

стр. 40

مدن خرسان، وكاد يستولي على مرو الشاهجان، في ولاية عاصم بن عبد الله الهلالي، أنه كان بمرو الشاهجان بمفردها سبعون ألفا١ ولسنا ندري هل كان هذا العدد يمثل الجنود وحدهم، أو أنه كان يشملهم ويشمل عيالاتهم. تلك هي أهم البعوث التي أرسلتها الدولة إلى خراسان منذ فاتحة العهد الأموي إلى خاتمته. وهي بعوث لم يحدد القدماء إلا عدد الجنود النظاميين الذين اشتركوا في كل بعث منها، أما المتطوعة فلم يهتموا بهم، ونحن نظن ظنا أنهم كانوا كثيرين، وأنهم كانوا يرتحلون إلى خراسان للمساهمة في الغزو مع الجيش النظامي، طمعا فيما يفوزون به من الغنائم والأسلاب. ومما يرجح هذا الظن أن الناس كانوا يتدافعون تدافعا، ويزحم بعضهم بعضا للانضمام إلى أحد البعوث، بحيث لم يستطع المشرفون على شؤون التعبئة أن يلبوا رغبة كل من تقدم إليهم للانتظام في ذلك البعث، فاختاروا واحدا من كل أربعة أو خمسة بالقرعة٢. ولا بد أن نضيف إلى تلك البعوث الرسمية موجات أخرى من الهجرات الفردية والجماعية، كانت تحدث من حين إلى حين، إما لزيادة الأهل والأحباب بخراسان، والإقامة عندهم، وإما للاشتغال في المرافق الاقتصادية المتعددة، وإن كان المؤرخون لم يحتفلوا بهذه الموجات من الهجرات إلا نادرا، وآية ذلك أنهم إنما أشاروا إليها مرة واحدة في ولاية الربيع بن زياد الحارثي، إذ نصوا على أن الجنود نقلوا أسرهم إلى خراسان، وسكنوا دون النهر٣. على أن البعوث الرسمية لم يكن كل جنودها يمكثون في خراسان، فقد كان بعضهم يتركونها ويعودون إلى بلدانهم، وخاصة بعد تقلص أمرائهم، كما كان كثيرون منهم يستشهدون في الحروب، ولذلك يصعب أن يعرف عدد من رجعوا منهم إلى أوطانهم، وعدد من استقروا استقرارا دائما، وعدد من قتلوا في المعارك، ويكون من الخطأ أن نجمع البعوث بعضها إلى بعض، ونستخرج منها عدد المقاتلين الكلي.
следующие страницы →